← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وارد في السنن من حديث جماعة من أصحاب رسول الله أن رسول الله قال: «أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال وما أكتب قال اكتب ما هو كائن فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» . ومع ذلك فقد روى الطبري في سياق الآية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن أُمُّ الْكِتابِ [الرعد: ٣٩] فقال: (علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون فقال لعلمه كن كتابا) . ولقد أوردنا هذه الأحاديث وغيرها وعلّقنا عليها وعلى موضوع القلم واللوح وأم الكتاب في سياق تفسير سور القلم والبروج والرعد بما يغني عن التكرار. [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧١ الى ٧٢] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) . في هذه الآيات: ١- تنديد بعقائد الكفار المشركين ووهن أساسها. فهم يعبدون آلهة غير الله ويشركونها معه من دون برهان وبيّنة وعلم. فهم ظالمون لأنفسهم جانون عليها وليس للظالمين من نصير. ٢- ووصف فيه معنى التعقيب والتوبيخ لشدة مكابرتهم وغيظهم. فبينما تكون عقائدهم واهية الأساس فإنهم إذا تليت عليهم آيات الله البينات التي تحتوي البرهان الساطع تجهّمت وجوههم واربدّت وبدا عليها أمارات الغيظ والشرّ حتى ليكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم هذه الآيات. ٣- وأمر للنبي ﷺ بسؤال هؤلاء سؤالا ينطوي على التحدّي والتقريع عما إذا كانوا يودّون أن ينبئهم بما هو أشدّ إثارة وغيظا لهم وهو وعد الله للكافرين بالنار وبئست هي من مصير لهم. ولقد روى الطبري في سياق تفسير جملة قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ

стр. 2872

عزوا إلى مجاهد أن بعضهم قال إن المشركين قالوا والله إن محمدا وأصحابه لشرّ خلق الله، فأمر في الجملة النبي ﷺ بأن يردّ عليهم قولهم ويخبرهم أن الكافرين هم شرّ خلق الله. والمتبادر من الآيتين أنهما وحدة وأن مضمونهما لا يتحمّل صحة هذا القول الذي لم يوثق بسند ما، وأن الأوجه في تأويل الجملة هو ما ذكرناه في الفقرة الثالثة من الشرح إن شاء الله. والمتبادر كذلك أن الصلة غير منقطعة بينها وبين الآيات السابقة التي كان موضوعها الكفار، وقد حكت الآيات السابقة موقف مشركين معتدلين فجاءت هذه الآيات لتحكي موقف مشركين عنيفين. تعليق على مدى الوصف الذي احتوته الآية وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ إلخ ومدى جرأة النبي ﷺ في ما كان يبلغه عن الله من الزواجر القاصمة دون مبالاة بعنف الكفار وقوّتهم والوصف الذي احتوته الآيات يدلّ على شدّة عناد فريق من المشركين وعنفهم وما كانت تحدثه فيهم تلاوة القرآن ودعوة النبي ﷺ من غيظ وثورة نفس مما فيه صورة من صور السيرة النبوية في مكة. ويتجلّى في الآيات قوّة التنديد بهذا الفريق من جهة وقوّة الاستهانة بغيظهم وثورة نفوسهم من جهة أخرى، حيث يقابلون بما هو أشدّ إثارة وأبعث على الغيظ وأصكّ للسمع. وفي خلال ذلك تتجلى جرأة النبي ﷺ واستغراقه في مهمته العظمى في إبلاغ الآيات وإسماعها لأناس شديدي العناد والغيظ يكادون يبطشون به حينما يدعوهم إلى الله ويتلو عليهم آيات القرآن. غير مبال بعنادهم وثورة نفوسهم وسورة غضبهم. وقد تجلّت هذه الصفات النبويّة الرائعة في مواقف كثيرة مماثلة حكتها آيات عديدة أخرى على ما نبّهنا إليه في مناسباته.

стр. 2873

[سورة الحج (٢٢) : آية ٧٣] يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) . وفي هذه الآية هتاف بالناس، والمقصود منهم المشركون، على ما يفيده فحواها ليستمعوا إلى ما يقال لهم ويتدبّروه: فالذين يدعونهم من دون الله ويشركونهم معه لن يخلقوا شيئا مهما تفه كالذباب ولو اجتمعوا وظاهر بعضهم بعضا. بل إنّ عجزهم لا يقف عند هذا فإن الذباب الذي هو من أتفه وأضعف مخلوقات الله لو هبط على آلهتهم وامتصّ ما يعلوها من المواد لعجزوا عن منعه من ذلك واستنقاذ ما امتصّه منهم ومنعه عن أنفسهم. وإن في هذا الواقع لتتجلّى شدّة عجز الشركاء وشدّة سخف الذين يشركونهم مع الله. والآية متصلة على ما هو المتبادر بما سبقها اتصال تعقيب وتسفيه وتنديد وتحدّ وسخرية وهي قوية لاذعة في كلّ ذلك وفي صكّ أسماع المشركين بها وفي الاستهانة بما ستحدثه فيهم من غيظ وثورة نفس ويتجلّى خلالها ما تجلّى خلال سابقاتها من عظمة موقف النبيّ ﷺ وصفاته أيضا. وفحوى الآية يفيد أن المقصود من الشركاء هم الأصنام والأوثان وفي ذلك تتضاعف قوّة التحدّي والسخرية وإبراز الضعف والعجز. [سورة الحج (٢٢) : آية ٧٤] ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) . وهذه الآية متصلة بالسياق اتصال تعقيب وتنديد أيضا: فالمشركون لم يقدروا الله حقّ قدره ولم يفهموه واجب فهمه فسخفوا وضلّوا مع أنه هو القوي الذي لا يباريه في قوته شيء والعزيز الذي لا يدانيه في عزّته أحد. وإذا لا حظنا أن المشركين يعترفون بصفاته المذكورة ظهرت قوّة التناقض والتنديد والتسخيف التي انطوت في الآية.

стр. 2874

[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٥ الى ٧٦] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) . وهاتان الآيتان أيضا متصلتان بالسياق على ما يتبادر لنا. وتضمّنتا تقرير ما جرت سنّة الله عليه من اصطفاء رسله من الملائكة ومن الناس. وهو السميع لما يقال البصير لما يقع العليم بما يكون منهم ويدور حولهم ظاهرا أو خفيا، حاضرا ومستقبلا، وإليه مصير الأمور والتصرّف فيها أولا وآخرا. واتصال الآيتين بالسياق قائم فيما احتوته الفصول السابقة القريبة وحكته من مواقف وأمرته للنبي من أوامر وسؤالات يبلغها ويوجهها ويعمل بها. وهما من هذا الاعتبار قد احتوتا تأييدا للنبي وتثبيتا له. فليس في رسالته- وهو بشر- بدع فإن ذلك من سنن الله الجارية. وهذا المعنى قد تكرر تقريره كثيرا في السور المكية بسبيل الاحتجاج والردّ على المشركين. أما رسالة الملائكة فقد ذكرت أيضا في آيات عديدة مرّت في سور سابقة مثل سورة النحل وسورة فاطر وسورة غافر يستلهم منها أنها بسبيل تقرير كونها خاصة بين الله وبين الذين يصطفيهم من البشر لدعوة البشر وهدايتهم، أو لبشاراته إليهم وعنايته بهم في حالة لا يدركها إلّا هؤلاء المصطفون، وتدخل في نطاق المغيبات عن عامة الناس كما تدخل في نطاق الحقائق الإيمانية التي يجب الإيمان بها غيبا لأنها مما قرره القرآن. [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) . في هاتين الآيتين:

стр. 2875

١- هتاف ربّاني بالمؤمنين بأن يعبدوا الله ويسجدوا ويركعوا له ويفعلوا الخير. ففي ذلك فوزهم ونجاحهم. ٢- وأمر لهم بأن يجاهدوا كذلك في سبيل الله ودينه حقّ الجهاد. ٣- وتنويه بالمنزلة والعناية الكبيرتين اللتين اختصّهم بهما: فقد اجتباهم واصطفاهم وهداهم إلى دينه القويم. ولم يجعل عليهم فيه حرجا ولا إعناتا. وهو ملّة أبيهم إبراهيم وقد سمّاهم المسلمين من قبل وفي القرآن الآن. وأعدّهم بذلك كلّه ليكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليهم شهيدا. وهذه مكانة خطيرة وعناية كريمة تقتضيان منهم الشكر والاجتهاد في أداء ما ترتّب عليهم من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والتمسّك بأهداب دين الله والاعتصام بحبله. وهو مولاهم ونعم هو من مولى ونصير لهم. تعليقات على الآيتين الأخيرتين من السورة وما فيهما من تلقين وخطورة ولم نطلع على رواية خاصة بنزول الآيتين. ويتبادر لنا أنهما متصلتان بالسياق السابق كلّه في الآيات السابقة كما ثبتت النبي ﷺ في ما هو عليه من مناسك وشريعة، وأكدت له أنه على الحقّ والهدى، وندّدت بالمشركين وعقائدهم، فجاءت هاتان الآيتان على الأثر تختتمان الكلام بالالتفات إلى المسلمين فتهتفان بهم بما تهتفان، وتعظانهم بما تعظان وتبثّان فيهم روح الطمأنينة والسكينة والاغتباط، وتنوّهان بالملّة السمحاء التي هداهم الله إليها وبالعناية الكبرى التي خصّهم بها وتنبهانهم إلى ما أوجبه عليهم من الجهاد في سبيل دينه وما أعدّهم له من رفعة الشأن بين الأمم والملل إذا هم اعتصموا بالله وتمسّكوا بدينهم وجاهدوا في سبيله حقّ الجهاد. ولقد قال المفسرون «١» إن جملة لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ

стр. 2876

عَلَى النَّاسِ في صدد يوم القيامة، حيث يكون النبي ﷺ شهيدا على المسلمين بأنه بلّغهم رسالة ربّه وحيث يكونون هم شهداء على الناس بدورهم بأنهم بلّغوها إليهم لأنه الدين الذي ارتضاه الله للبشرية على يد خاتم أنبيائه. ومع وجاهة هذا القول من الناحية الموضوعية، فالذي يتبادر لنا أنها تلهم أيضا كون المسلمين الذين اجتباهم الله وهداهم إلى ذلك الدين قد تأهلوا بنوره ومبادئه وروحانيته وتلقيناته وتشريعاته ليكونوا شهداء على الناس بصفة هداة ومرشدين. وجملة وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ التي تبتدئ بها الآية التي فيها الجملة وكلمة هُوَ اجْتَباكُمْ من القرائن القوية على ذلك. ولقد جاءت هذه الجملة في آية سورة البقرة هذه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [١٤٣] وكلمة وسط بمعنى العدول والخيار والمتّصف بالاعتدال وعدم الغلوّ والتفريط والإفراط في كل أمر. وهي في هذه الجملة تبرّر جعل المسلمين شهداء على الناس في مقام هُوَ اجْتَباكُمْ في جملة سورة الحجّ. وهذا الوصف أو هذا التبرير قرينة على أن لهم مهمّة في الدنيا وهي إرشاد الناس وهدايتهم أيضا. وتعبير أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ قد قصد به العرب ولا يمكن أن ينصرف إلى غيرهم حيث كانوا يتناقلون ويعرفون نسبتهم بالأبوة إلى إبراهيم وإسماعيل على ما شرحناه في مناسبات سابقة شرحا يغني عن التكرار. ولقد جاء هذا في آيات سورة إبراهيم [٣٥- ٤١] التي مرّ تفسيرها قوي الدلالة، ثم جاء في هذه الآيات بهذه الصراحة الحاسمة. وفي سورة البقرة آيات قوية الدلالة والحسم وهي: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وذكر إسماعيل مع إبراهيم مانع لانصراف كلمة الذريّة هنا إلى بني إسرائيل لأنهم ليسوا من ذريّة إسماعيل ﵈.

стр. 2877

والمتبادر أنه قد استهدف بالتعبير تثبيت الذين أسلموا من العرب وتدعيم الرسالة المحمدية إزاء العرب بوجه عام. فالملّة التي يدعو إليها النبي ﷺ واعتنقها من اعتنقها منهم هي الملّة الصحيحة الصادقة لإبراهيم الذي ينتسبون إليه بالأبوة ويعزون إليه تقاليدهم. فهم أولى الناس بها. وهذا المعنى هو الذي استهدفته الآيات المكيّة التي احتوت ذكر إبراهيم وملّته وقصصه التي لم ترد في سفر التكوين المتداول على ما نبّهنا إليه في مناسبات عديدة سابقة. ومع خصوصية الآيتين الزمنية على ضوء هذه الشروح وصلتها بالسياق السابق فإنهما احتوتا بأسلوبهما القويّ ومضامينهما الواعظة المنبّهة المنوّهة تلقينات خطيرة تظلّ مستمرّة التلقين والفيض والمدد والنفحات للمسلمين عامة والعرب خاصة بحيث يمكن أن يقال إنها قد جعلت للعرب المسلمين في المجتمع الإسلامي شأنا خاصا وحملتهم مهمة كبرى ونبّهتهم إلى أن الله قد اجتباهم وجعلهم وسطا وعدولا وهداة ليرشدوا الناس ويهدوهم بهدى دينه الذي ارتضاه لهم والذي رشّحه ليكون دين الإنسانية عامة. وهذا المعنى مندمج في آية سورة الزخرف هذه: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) على ما شرحناه في سياق تفسيرها. وجملة وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ تنطوي على تقرير ما حمّله الله تعالى للمسلمين عامة والعرب خاصة من مهمة الجهاد وبذل الجهود في سبيل نشر دين الله والدفاع عنه حيث يزيد هذا في سعة التلقين وخطورته. وجملة وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ خطيرة في مقامها حيث تأمر المسلمين والعرب بأن يعتصموا بالله ويجعلوا اعتمادهم عليه في أداء هذه المهمة الخطيرة وتبثّ فيهم الثقة والأمل في نصره لهم فيها. ولقد أورد ابن كثير حديثا في سياق الآية [١٢٣] من سورة الأنعام رواه الإمام أحمد عن سلمان وليس فيه ما يمنع صحّة صدوره عن النبي ﷺ قال: «قال لي رسول الله ﷺ : يا سلمان لا تبغضني أفتفارق دينك. قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله قال تبغض العرب فتبغضني» . وفي الحديث توكيد لشأن

стр. 2878

العرب في الدعوة الإسلامية مستمدّ من شرف ظهور رسولها العظيم منهم وأعظم به من شرف. ومن الجدير بالتنبّه أن شأنية العرب في الإسلام لا تعني تميّزا ولا تغلّبا ولا استعلاء ولا استغلالا ولا مختارية من نوع «الشعب المختار» بالنسبة لعقيدة بني إسرائيل واليهود في أنفسهم الذي جعلهم يعتبرون ما عداهم عبيدا يملكونهم وما يملكون ويكون لهم أن يحققوا ذلك، ولا يقبلون من أحد أن يرتفع إلى مستواهم دينيا أو اجتماعيا ما استطاعوا «١» . في حين أن الإسلام قد سوّى بين المسلمين على اختلاف أجناسهم وألوانهم في جميع الحقوق والواجبات وجميع شؤون الدين والدنيا تسوية تامة وسمّاهم أخوة. كما جاء في آيات عديدة منها آية سورة الحجرات هذه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [١٠] وكما جاء في أحاديث عديدة منها هذا الحديث الذي رواه الأربعة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا. ولا يبغ بعضكم على بعض. وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقّر أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» «٢» . فليس لغير المسلمين والحالة هذه أن يروا غضاضة في هذه الشأنية للعرب في الإسلام في نطاق المدى المشروح آنفا. وما قلناه من انصراف الآية في الدرجة الأولى إلى العرب سواء أفي ما احتوته من دلالة لفظية أم في كونها كانت توجّه الخطاب إليهم لا يتعارض مع معنى آخر يمكن أن يتبادر من إطلاق تعبير يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو أن غير العرب من المسلمين يدخلون في شمولها أيضا. فقد غدوا بانتمائهم إلى الإسلام أمة وسطا ليكونوا شهداء

стр. 2879

على الناس وهداة لهم بدورهم. وصاروا مطالبين بأن يجاهدوا في الله حقّ جهاده. ومع أن هناك من روى عن أهل التأويل أن جملة وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ ما عنت الجهاد الحربي في سبيل الله. فإن هناك من قال إنها عنت بذل الجهد واستفراغ الطاقة في نشر دين الله ومجاهدة النفس. وهناك من قال إنها بمعنى بذل كل جهد في سبيل الله بدون أدنى خوف من أي شيء. ومكية الآية تجعل التأويل الثاني هو الأوجه. وسبيل الله أشمل من الجهاد الحربي وهي الدعوة الإسلامية على ما جاء في آيات عديدة مرّ بعضها مثل آية سورة النحل [١٢٥] وفي القرآن المكيّ بخاصة آيات عديدة وردت فيها كلمة الجهاد في غير معنى الحرب مرّت أمثلة منها مثل آية سورة الفرقان [٥٢] ومثل آية سورة العنكبوت [٦٩] . ولقد اختلفت أقوال أهل التأويل من التابعين التي يرويها المفسرون في مرجع ضمير الفاعل في سَمَّاكُمُ فمنهم من قال إنه إبراهيم ومنهم من قال إنه (الله) ونحن نرى القول الثاني هو الأوجه بقرينة وَفِي هذا فإن هذا التعبير مصروف إلى القرآن والحال الحضر ولا علاقة لإبراهيم بذلك. وهذا ما رجّحه الطبري الذي قال إنه لا وجه للقول الأول لأنه معلوم أن إبراهيم لم يسمّ أمة محمد مسلمين في القرآن لأن القرآن أنزل بعده بدهر طويل وإن الذي سمّاهم المسلمين هو الله تعالى في القرآن وفي غيره من كتبه السابقة. وعلى هذا فتكون تسميته الذين آمنوا بالنبي ﷺ واتبعوه بالمسلمين هي تسمية قرآنية ربانية. وقد خوطبوا بها في آيات قرآنية عديدة أيضا مثل آية الزخرف هذه: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) وآية النحل هذه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وآية سورة الزمر هذه: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) وآية سورة فصلت هذه: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وآية سورة القلم هذه: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) فمن المحتمل أن يكون تعبير مِنْ قَبْلُ يعني السور التي نزلت قبل هذه السورة والله أعلم.

стр. 2880

هذا، وصيغة فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ لم ترد في آيات مكية. وما ورد في هذه الآيات قد ورد بصيغة الحثّ والتنويه مما مرّ منه أمثلة كثيرة من حيث إن هذا الأسلوب هو الأسلوب العام للأوامر والنواهي الربانية في السور والآيات المكية، في حين أن أسلوب السور المدنية تبعا لطبيعة وظروف كلّ من العهدين المكي والمدني على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة. ولقد وردت هذه الصيغة في الآية الأخيرة من سورة المزمل. غير أن هذه الآية مدنية على ما نبهنا عليه. وهذا قد يورد احتمال أن تكون الآيتان الأخيرتان مدنيتين في جملة ما يرد من احتمال أن تكون بعض آيات السورة مدنية على ما ذكرناه قبل. ويلحظ أنهما فصل تامّ غير معطوف وغير متصل بما سبقه مما قد يدعم هذا الاحتمال. فإذا صحّ هذا فيكون وضعهما خاتمة للسورة لحكمة علمها الله ورسوله والله تعالى أعلم. تعليق على جملة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في مدى هذه الجملة. منها أنها بمعنى أنه ما من ذنب يذنبه المسلمون إلّا جعل الله لهم منه مخرجا من توبة أو كفّارة. ومنها أن ذلك في هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحجّ إذا التبس عليهم وأمثال ذلك. ومنها أن الله قد جعل الدين واسعا ولم يجعله ضيّقا بصورة عامة. ومنها ما جعله الله من رخص للمسلمين في العبادات وغيرها عند الضرورات. ومنها إيذان بأن الله قد رفع عنهم ما وضعه على بني إسرائيل من تكاليف فيها مشقّة وحرج. والجملة تتحمّل كلّ هذه الأقوال حيث يبدو بذلك ما لها من خطورة بالغة تستدعي التنويه من حيث إنها تتضمّن تقرير كون الله قد يسّر على المسلمين الأمور فلم يحملهم في دينهم ما لا يطيقون ولم يجعل عليهم فيه إعناتا وشدّة وجعل لهم فيه لكلّ ضيق فرجا ولكلّ عسر يسرا. وهذا المعنى قد تكرر في سور عديدة بحيث يصحّ أن يقال إنه مما امتازت به الشريعة الإسلامية عمّا قبلها. وقد أشير إلى هذا المعنى في آية سورة الأعراف هذه: الَّذِينَ

стр. 2881

يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) ومما يصح أن يذكر في صدد ذلك باب التوبة الذي فتحه الله على مصراعيه لكلّ الناس وفي كلّ حال على ما شرحناه في سياق سورة الفرقان. ثم تحليل الأطعمة المحرّمة عند الاضطرار والرخص الكثيرة المتنوعة كالتيمّم وصلاة الخوف وتحلّة اليمين. ثم إباحة الاستمتاع بزينة الحياة الدنيا والطيبات من الرزق. وحصر المحظورات في الخبائث والفواحش والبغي والشرك والمنكرات من الأخلاق الشخصية والاجتماعية وإباحة كل عمل وتصرف للمسلم خارجا عن هذا النطاق. وقد أشير إلى ذلك في آيات سورة الأعراف [٣١- ٣٣ و ٤٢] وعلّقنا عليه تعليقا يغني عن التكرار. ولقد أراد فريق من المؤمنين المخلصين نبذ الطيبات التي أحلّها الله زهدا وتورّعا وتقرّبا إلى الله فنهاهم الله عن ذلك في آيات سورة المائدة هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨) وقد كانوا تعاهدوا فيما بينهم وحلفوا فأنزل الله هذه الآية لإخراجهم من عهدة يمين حلفوها بتحريم ما أحلّ الله على أنفسهم ولو كان تورّعا وزهدا: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) وفي سورة البقرة آية قررت أن الله لا يكلّف نفسا إلّا وسعها وأن الإنسان لا يسأل إلّا عمّا صدر منه فعلا. وعلّمت المسلمين الدعاء لله بعدم مؤاخذتهم بما يصدر عنهم من عمل مغاير لما أمر به بسائق النسيان والخطأ، وبعدم تكليفهم تكاليف شديدة وإلزامهم بإلزامات محرجة كما كان شأن الذين من قبلهم وبعدم تحميلهم فوق طاقتهم وهي

стр. 2882

هذه لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨) . ولقد روى البخاري ومسلم والترمذي حديثا في سياق هذه الآية وما قبلها، يفيد أن الله آذن المسلمين أنه يستجيب لهذا الدعاء الذي علّمهم إياه. والحديث مروي عن أبي هريرة قال: «لمّا نزلت آية لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٨٤] اشتدّ ذلك على أصحاب النبي ﷺ فأتوه ثم بركوا على الركب فقالوا أي رسول الله كلّفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها «١» . فقال رسول الله: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير، قالها مرّتين فلما اقترأها القوم وذلّت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة: ٢٨٦] قال نعم رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [البقرة: ٢٨٦] قال نعم رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [البقرة: ٢٨٦] قال نعم وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٨٦] قال نعم «٢» . وفي سورة البقرة في سياق آيات الصيام هذه الجملة يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، [١٨٥] وفي سورة المائدة في سياق آيات الوضوء

стр. 2883

هذه الجملة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) حيث يتساوق بذلك التلقين القرآني الجليل الذي انطوى في هذه الآية كما هو ظاهر. ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة وردت في كتب الأحاديث الصحيحة متصلة بمدى الجملة منها حديث رواه الشيخان جاء فيه «يسّروا ولا تعسّروا وبشرّوا ولا تنفّروا» «١» . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة جاء فيه: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم. فإنّما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» «٢» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة جاء فيه: «عليكم بما تطيقون. فو الله لا يملّ الله حتى تملّوا وكان أحبّ الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه» «٣» . ومنها حديث عن عبد الله بن عمر رواه مسلم جاء فيه: «ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: إني أفعل ذلك. قال: فإنّك إن فعلت ذلك هجمت عيناك ونفهت نفسك، ولعينك حقّ، ولنفسك حقّ ولأهلك حقّ وقم ونم وصم وأفطر» . ومنها حديث عن أبي هريرة رواه الشيخان جاء فيه «٤» : «إنّ هذا الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» «٥» . وحديث رواه ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ جاء فيه: «إنّ الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» «٦» . وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به نفسها ما لم يتكلّموا أو يعملوا به» «٧» وحديث رواه الإمام أحمد عن عروة

стр. 2884

الفقيمي قال: «جعل الناس يسألون رسول الله أعلينا حرج في كذا؟ فقال: أيها الناس إن دين الله يسر قالها ثلاثا» «١» . وحديث آخر رواه الإمام أحمد عن أبي أمامه جاء فيه: «قال رجل إني مررت بغار محمد فحدثتني نفسي أن أقيم فيه وأتخلّى عن الدنيا، فقال له رسول الله: «إني لم أبعث باليهودية ولا النصرانية لكن بعثت بالحنيفية السمحة» «٢» . وهكذا يكون التساوق تاما بين التلقين القرآني والتلقين النبوي ويصبح المعنى الذي احتوته الجملة من المبادئ المحكمة في الإسلام. ولقد روي عن ابن زيد أحد علماء التابعين قوله في مدى الجملة: (ما من ذنب يذنبه المسلمون إلّا ولهم مخرج منه من توبة أو كفّارة) . وعن ابن عباس تأويله لكلمة حرج بالضيق وقوله: (إنّ مدى الجملة ينطبق على هلال شهر رمضان وذي الحجة إذا شكّ الناس فيه أو التبس عليهم أو أشباه ذلك) . مما فيه صور تطبيقية وجيهة لمدى هذه الجملة. تعليق على جملة وَافْعَلُوا الْخَيْرَ كذلك فإن جملة وَافْعَلُوا الْخَيْرَ جديرة بالتنويه من حيث إنها تحثّ على فعل الخير إطلاقا. والخير هو كل عمل نافع ومفيد قولا وفعلا. والإطلاق يفيد الحثّ على عمل الخير في كل ظرف ولكل الناس بدون قيد وشرط مما فيه رائع التلقين. ولقد تكرر ذلك في آيات عديدة مما يزيد الروعة. منها آية سورة البقرة هذه لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) حيث انطوت على حثّ على التسابق إلى فعل الخير وآية سورة آل عمران هذه: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) حيث انطوت على التنويه بالمسارعين في الخيرات. ومنها آية سورة آل عمران هذه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ

стр. 2885

يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وهذه الآية أقوى تلقينا حيث لا يكتفى فيها بالحثّ على فعل الخير بل توجب الدعوة إليه دائما مثل ما توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحيث إذا لم يكن فئة من الناس في وقت من الأوقات لا يقومون بهذا الواجب أثم جميع المسلمين. ولقد نددت آيات عديدة بالذين يمنعون الخير أو يشحّون عليه تنديدا شديدا. من ذلك آية سورة القلم هذه: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) وآية سورة (ق) هذه: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) ، وهذه الجملة في آية من سورة الأحزاب أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ [١٩] حيث يبدو من هذا أن فعل الخير والدعوة إليه من أمّهات الأخلاق والمبادئ التي قررها القرآن وندّد بالذين يشحّون عليه أو يمنعونه. وهناك أحاديث نبويّة صحيحة كثيرة جدا في الحضّ على الصبر والعفو وتحمّل الأذى وقضاء حوائج الناس ونصر المظلوم والذبّ عن المسلمين وستر عوراتهم والصدق والوفاء والرفق والحياء والتواضع وحسن الخلق والمعاملة الحسنة مع الناس والسخاء والكرم والشكر على المعروف والنصح للناس والعدل. وحبّ المسلم لأخيه ما يحبّه لنفسه والبرّ بالآباء والأقارب والضعفاء والمساكين واليتامى والجيران، وغيرها وغيرها مما يدخل في شمول كلمة الخير ومما أوردنا منه أمثلة كثيرة في مناسبات سابقة ومما سنورد منه أمثلة أخرى في مناسبات آتية، مما فيه تساوق مع التلقين القرآني. وهناك حديث عام في هذا الباب فيه حثّ على المساعدة على عمل الخير إذا لم يستطع المرء أن يفعله بنفسه رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة جاء فيه: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إني أبدع بي فاحملني، قال: لا أجد ما أحملك عليه ولكن ائت فلانا فلعلّه أن يحملك فأتاه فحمله فأتى النبيّ فأخبره فقال رسول الله ﷺ : من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» «١» .

стр. 2886

سورة الرّحمن في السورة تنويه بنعم الله ومشاهد عظمته في الكون وذاته وإشارة إلى عنايته بالإنسان. وتنديد بالمكذبين وإنذار لهم وتنويه بالمتّقين وبشرى لهم. وبيان ما سوف يلقاه الأولون في الآخرة من هول وعذاب والآخرون من نعيم ورفاه. والسورة فريدة في أسلوبها النظمي، كما أنها عرض عام للدعوة مثل السور النازلة في وقت مبكّر كالأعلى والشمس والليل والقارعة والمرسلات. والطابع المكي قوي البروز عليها ومعظم المفسرين يروون مكيتها عن ابن عباس وغيره «١» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) . (١) علّم القرآن: يسّر فهمه وما فيه من هدى. (٢) علّمه البيان: الجمهور على أن معنى الجملة (علّم الإنسان النطق اختصاصا له من دون الأحياء) . في الآيات بيان لبعض نواحي عناية الله تعالى بالإنسان: فقد خلقه ممتازا عن سائر الأحياء واختصّه بالنطق والبيان ويسّر له فهم القرآن. وأسلوب الآيات تقريري عامّ موجه إلى الناس جميعا كما هو المتبادر. وقد

стр. 2887

قال المفسرون إن اسم الرحمن هنا هو بسبيل توكيد كونه هو اسم الله تعالى وبسبيل الردّ على الكفار الذين كانوا ينكرون تسمية الله به ويتساءلون عن ذلك تساؤل المنكر المستغرب. والتعليل وجيه. وقد أشرنا إلى شيء مما كان حول اسم الرحمن في سورتي الفرقان والرعد وعلّقنا على ذلك بما يغني عن التكرار. ولعلّ بدء هذه السورة بهذا الاسم ونسبة مشاهد الكون إليه قرينة على وجاهة هذا التعليل ووجاهة ما قيل في صدد التنديد بالكفّار لكفرهم بالرحمن على ما حكته سورتا الفرقان والرعد. ولقد ذكرت روايات ترتيب السور أن هذه السورة نزلت بعد سورة الرعد «١» . ولعل مطلعها قرينة على صحة الرواية. ولقد روى البغوي عن ابن عباس أن الْإِنْسانَ في الجملة تعني آدم وأن جملة عَلَّمَهُ الْبَيانَ تعني تعليم آدم الأسماء كلّها مفضلا إيّاه على الملائكة على ما جاء في آيات سورة البقرة هذه: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) كما روى عن ابن كيسان أن الْإِنْسانَ تعني محمدا. وروى فيما رواه في سياق هذا القول أن الله علّم آدم اللغات جميعها حتى إنه كان يتكلّم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية! وإلى هذا فقد روى روايات أخرى منها أن الْإِنْسانَ تعني محمدا ﷺ وعَلَّمَهُ الْبَيانَ تعني القرآن. ومنها أن الْإِنْسانَ تعني الجنس البشري وعَلَّمَهُ الْبَيانَ تعني علّمهم النطق والكتابة والفهم والإفهام. وقد روى الطبري بعض ما رواه البغوي ثم قال: إن كون الإنسان هو الجنس الإنساني وأن معنى عَلَّمَهُ الْبَيانَ هو تعليمه الكلام والحلال والحرام وأمور الدنيا والآخرة هو الصواب. وهذا القول مع القول الأخير الذي يرويه البغوي هما الأكثر اتساقا مع روح الجملتين وعموم الخطاب فيهما. ويصحّ أن يضاف إليهما أن الجملتين هما بسبيل التنبيه إلى نعمة الله العظمى على الجنس

стр. 2888

البشري باختصاصه بميزة الكلام والبيان وتكامل الصقل وتيسيره له فهم ما أنزله الله. وبكلمة ثانية فتحه له آفاق العلم والمعرفة والارتفاع به إلى ذرى الكمال. وقد ينطوي فيهما دعوة للجنس البشري إلى تقدير نعمة الله عليه وشكره واستعمالها فيما فيه الخير والحقّ والصلاح. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٥ الى ١٣] الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣) . (١) بحسبان: بحساب وتقدير. (٢) النجم: النبات اللين الذي لا يغلظ ساقه كالبقول والقمح وهناك قول إنه نجم السماء ورجّح الطبري القول الأول وهو الصواب إن شاء الله. (٣) الميزان: جمهور المفسرين على أن الأول والثاني يعنيان العدل، والثالث يعني الميزان الذي يوزن به. (٤) ألّا تطغوا: ألا تتجاوزوا وتبغوا. (٥) ولا تخسروا: ولا تنقصوا. (٦) الأنام: الخلق عامة. (٧) ذات الأكمام: ذات البراعم التي يخرج منها الثمر. (٨) العصف: ورق الشجر والنبات. ومعنى الحبّ ذو العصف أي الزرع الذي ينتج حبّا ويكون في أوله ورقا. (٩) الريحان: هناك من قال إنه النبات ذو الرائحة المعروفة، وهناك من قال إنه الرزق والطعام وأن جملة وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ بمعنى الحبّ الذي

стр. 2889

يكون في بدئه ورقا والذي يصير حبا فيكون رزقا وطعاما وعلى كل حال فالكلمتان كانتا مفهومتي الدلالة عند السامعين. (١٠) آلاء ربّكما: نعم ربكما وآياته. وهذه الآيات استمرار للآيات السابقة في صدد تعداد نعم الله وعظمته: فالشّمس والقمر يجريان بحسابه وتقديره. والشجر والنبات يخضعان لأمره وتصريفه. وهو الذي رفع السماء فوق الأرض ومدّ الأرض وسخّرها لينتفع فيها الخلائق التي بثّها فيها. وجعل فيها فيما جعل الفاكهة والنخل والحبّ ذا العصف والريحان. وقد تخلّل الآيات استطرادات إلى ما أوجبه الله على الناس: فقد أوجب عليهم العدل والإنصاف وحسن التعامل. وعدم بخس الكيل والوزن لما في ذلك من قوام العمران وطمأنينة المجتمع. وانتهت الآيات بسؤال استنكاري يتضمّن تقرير كون كل ذلك لا يكون إلا من إله قادر عاقل حكيم عادل فأي آلاء الله محلّ للتكذيب والمماراة. وفي الآية الأخيرة تنديد موجّه للكفار المكذّبين الذين يكابرون في الحقائق ويتعامون عن آلاء الله الباهرة ويظلون يكررون جحودهم وتكذيبهم. وقد جاء بصيغة التثنية لتشمل الإنس والجنّ منهم على ما يستلهم من ذكر الجنّ والإنس معا في الخطاب الموجّه إليهم في آيات تأتي بعد قليل. ولقد تكررت الآية الأخيرة المذكورة بعد مقاطع السورة وصارت كاللازمة مما يتضمّن معنى شدّة التنديد والتقريع. ولقد قال المفسّرون «١» إن كلمة لِلْأَنامِ تشمل جميع ما خلقه الله من أحياء. ومع ما في هذا من وجاهة فإنه يتبادر لنا استلهاما من مضمون الآيات ومما احتوته من تنبيهات وواجبات أنه لا يمكن أن يكون موضوعها غير الجنس البشري وأن الكلمة تعني هذا الجنس بنوع خاص. والتنبيهات والواجبات المذكورة من أمّهات الأخلاق الشخصية والاجتماعية

стр. 2890

التي تكررت في سور عديدة بأساليب متنوعة والتي هي من أمّهات أهداف الرسالة المحمديّة في صدد تعامل الناس مع بعضهم على أساس الحقّ والعدل والإنصاف وعدم بخس الناس وغشّهم والطغيان عليهم مما هو مستمر التلقين والمدى في كل ظرف ومكان. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٤ الى ١٦] خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) . (١) الصلصال: الطين اليابس الذي يرنّ إذا نقر عليه. (٢) الفخّار: الطين المطبوخ بالنار. (٣) مارج: قيل إنه اللهب الصافي الذي لا دخان فيه. وقيل إنه المختلط بالدخان. ولعل الثاني أوجه لأن مارج من مرج بمعنى خلط أو مزج. الآيات استمرار للسياق في بيان عظمة الله والتنديد بالمكذبين لها: فقد خلق الله الإنسان من طين يابس حتى صار له صلصلة إذا قرع عليه يشبه الفخار وخلق الجان من النار فما الذي يكذبه المكذبون من ذلك؟. وأسلوب الآيات تقريري عام كسابقاتها كما هو ظاهر. ولقد ذكر خلق الإنسان من صلصال ومن طين والجن من نار في آيات سابقة في بعضها تطابق وفي بعضها تباين لفظي وتطابق جوهري. وكما قلنا في المناسبات السابقة نقول هنا بوجوب الوقوف من هذه الأخبار التكوينية القرآنية عند ما وقف القرآن دون تزيد مع ملاحظة أن ذلك بسبيل بيان عظمة الله وقدرته وبديع خلقه. ونرجّح أن السامعين يعترفون بأصلية تراب الإنسان ونارية الجنّ فذكروا بما يعرفونه ليستحكم التنديد بمماراة الممارين منهم. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٧ الى ١٨] رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) .

стр. 2891

والآيتان استمرار للسياق وبأسلوب تقريري عام كسابقاتهما أيضا. وقد قال المفسرون «١» فيما قالوه إن القصد من المشرقين والمغربين مشرقا الشمس ومغرباها، ومشرقا القمر ومغرباه في الشتاء والصيف، أو مشرقاهما ومغرباهما إطلاقا. وعلى كل حال فالقصد على ما هو المتبادر لفت نظر السامعين إلى ما يرونه من دقّة سير كل من الشمس والقمر شروقا وغروبا وما في ذلك من مشاهد قدرة الله وبديع صنعه. ولقد قال بعضهم إن عبارة المشرقين والمغربين تعني ما هو معروف اليوم من أن الشمس تشرق على نصف الكرة الغربي في حين تغرب عن نصفها الشرقي وتشرق على نصف الكرة الشرقي في حين تغرب عن نصفها الغربي. واعتبروها دليلا قرآنيا على هذا الناموس الكوني أو أرادوا أن يستخرجوا هذا الناموس من النصّ القرآني. ونحن نرى في هذا تمحّلا وتجوّزا وخروجا بالقرآن عن نطاق هدفه الهادي المنبّه إلى بديع كون الله ونواميسه مما يقع تحت مشاهدة الناس وحسب. ومما يمكن أن يورد على المتجوزين والمتمحّلين أن هذا كان سرّا خافيا عن البشر في وقت نزول القرآن لأنه إنما عرف بعد اكتشاف أميركا في القرن التاسع الهجري أو القرن الخامس عشر الميلادي. ولا يجوز أن يدّعي أحد أن هذا السرّ الذي كان من جملة نواميس الكون الجارية كان مغيّبا عن النبي ﷺ ، ولم يرو أحد أن النبي قال هذا السرّ لأحد من أصحابه ولا يجوز لأحد أن يدّعي أن النبي كتمه عنهم لأن كل هذا مناقض للقرآن الذي يقول فيما يقول وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] ووَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩] . [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٩ الى ٢٥] مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) .

стр. 2892

(١) مرج: خلط ووصل. (٢) برزخ: حاجز. (٣) لا يبغيان: لا يطغى أحدهما على الآخر. (٤) الجواري: جمع جارية وهي سفينة البحر. (٥) كالأعلام: كالجبال. والآيات استمرار في السياق والهدف كما هو واضح: فبتقدير الله تعالى يتصل البحران ببعضهما دون أن يطغى أحدهما على الآخر كأن بينهما برزخ يحجزهما عن بعضهما. وقد يسّر الله للناس استخراج اللؤلؤ والمرجان منهما. وبتقديره تسير المراكب العظيمة المشابهة للجبال فيهما أيضا فبأي هذه الآلاء يكذب المكذبون ويمارون؟. وقد تعددت أقوال المفسرين في المقصود من البحرين: منها أنهما البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر. ومنها أنهما البحر الأحمر وبحر الهند. أو شطّ العرب وخليج البصرة «١» أو خليج البصرة وبحر الهند. وقد روى الطبري مع هذه الأقوال قولا عن سعيد أنهما بحر في السماء وبحر في الأرض حجزت بينهما قدرة الله وينزل من الأول القطر على أصداف الثاني فيتكون اللؤلؤ والمرجان فيه. والأوجه أحد الأقوال السابقة. حيث يلتقي بحر مع بحر وحيث يخرج من كل منهما اللؤلؤ والمرجان ومهما يكن من أمر فالقصد كما هو المتبادر هو لفت الأذهان إلى ما يشاهده الناس من اختلاط مياه البحار والأنهار ببعضها دون أن يطغى بعضها على بعض. وفي الآيات دلالة على أنه كان يجري في البحار التي تقع عليها بلاد العرب مراكب عظيمة. وكان يستخرج منها اللؤلؤ والمرجان. وأن هذا وذاك كان مشاهدا أو معروفا في بيئة النبي ﷺ ومنتفعا به. وموضع حديث عن قدرة الله وعظمته.

стр. 2893

وللشيخ محيي الدين بن العربي الصوفي تفسير للآيتين مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ جاء فيه: (مرج البحرين بحر الهيولى الجسمانية الذي هو الملح الأجاج وبحر الروح المجرّد الذي هو العذب الفرات. يلتقيان في الوجود الإنساني. بينهما برزخ هو النفس الحيوانية التي ليست في صفاء الروح المجرّدة ولطافتها ولا في كثرة الأجساد الهيولانية وكثافتها. لا يبغيان لا يتجاوز أحدهما حده فيغلب على الآخر بخاصتيه. فلا الروح يجرد البدن ويخرج به ويجعله من جنسه ولا البدن يجسد الروح ويجعله ماديا. سبحان الخالق القادر على ما يشاء) «١» . وفي هذا ما هو واضح من الشطح الذي يبتعد به الشيخ عن معنى العبارة القرآنية الصريحة ودلالتها القطعية. والشيعة يفسرون جملة مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بعلي وفاطمة ﵄ وجملة يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ بالحسن والحسين ﵄ «٢» . وفي هذا كذلك ما هو واضح من الشطط والتعسف. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) . هذا المقطع فصل جديد في الخطاب والتقرير مع اتصاله ببيان عظمة الله. فالآيات السابقة احتوت تقريرات عن آلاء الله وكونه ونواميسه ونعمته على الإنسان ووصاياه له. وهذا المقطع احتوى تقريرا عن ذات الله. والأسلوب كسابقه تقريري عام وهدفه تقرير عظمة الله أيضا: فكل كائن سواه قابل للفناء وهو الباقي الذي لا يطرأ عليه زوال ولا تغيير. وتعبير وَجْهُ رَبِّكَ بمعنى ذات الله هو تعبير أسلوبي مألوف من المخاطبات البشرية التي نزل القرآن بأسلوبها. وقد نبّهنا على ما ينبغي أن يفهم من كلمة (وجه الله) وأمثالها مع وجوب تنزيه الله عن مماثلة خلقه

стр. 2894

في سياق الآية [٨٨] من سورة القصص بما يغني عن التكرار. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) . وهذا المقطع من نوع المقطع السابق أيضا من حيث إنه تقرير عن ذات الله: فكل من في السموات والأرض محتاج إليه وسائله. وتصريفه للأكوان وشؤون الخلق دائم لا سكون فيه. ولقد روى البغوي عن مقاتل أحد علماء التابعين ومفسّريهم أن الآية الأولى نزلت في اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا. وأسلوب الآية تقريري عام. والمقطع استمرار للسياق. فإن صحّ أن اليهود قالوا ذلك فإن الآية تكون احتوت ردّا عليهم في سياق عام ولا تكون قد نزلت لحدتها لأجل ذلك فيما هو المتبادر على أن مكية الآية والسورة وكون أكثر اليهود الممارين في المدينة يحمل على التوقف في الرواية. ولقد روى الطبري بطرقه حديثا عن عبد الله الأزدي قال: «تلا رسول الله ﷺ هذه الآية كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فقلنا يا رسول الله وما ذلك الشأن. قال: يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع أقواما ويضع آخرين» . وقد أورد ابن كثير هذا الحديث مرويا بطرق ابن عساكر وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء أيضا. والمتبادر أن الحديث بسبيل توضيح نبويّ مختصر مفيد لجانب من جوانب شأن الله الدائم في كل أمر ومطلب من أمور ومطالب الكون والخلق وهو ما انطوى في الأسلوب الشامل الذي جاءت عليه الجملة القرآنية. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٣١ الى ٣٦] سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) .

стр. 2895

(١) أن تنفذوا: أن تخرجوا وتخلصوا وتتفلتوا. (٢) شواظ: قيل إنه الشرر أو اللهب. (٣) نحاس: ذكر الطبري أن العرب تسمي الدخان نحاسا بكسر النون. وذكر احتمال أن يكون المعدن المعروف الذي كان يسمى صفرا. وروى البغوي عن قتادة أن المقصود هو النحاس المذاب وهذا إنما يكون من شدّة الحرارة. وهذه المقاطع فصل جديد آخر، ولكنه غير منقطع عن الفصول السابقة والسياق السابق. فالثقلان هما الإنس والجنّ. والسؤال في اللازمة موجه إلى المكذبين منهما. وقد وجّه الخطاب في الآيات إليهما مباشرة. واحتوت وعيدا وتحدّيا للمكذّبين منهما. فلسوف يفرغ الله لحسابهم على أعمالهم. ولن يستطيعوا أن ينجوا من قبضته ويهربوا من نطاق سلطانه من أي ناحية في السموات والأرض، ولن تتيسر لأحد النجاة إلّا ببرهان أي بإذن من الله تعالى وحجّة مقبولة عنده. وهي الإيمان والعمل الصالح كما هو المتبادر. ولسوف يرشقون بشواظ من النيران والمذاب من النحاس الحارّ فيغلبون أمام الله ويخذلون، ولا ينتصرون ولا يكون لهم أي غلبة ومخلّص. ولقد اقتضت حكمة التنزيل أن تكون معظم أوصاف النعم والعذاب الأخرويين مستمدة من مألوفات الدنيا على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة. والراجح أن الرشق بالنار والنحاس المذاب من هذا الباب. حيث يصحّ القول والحالة هذه أن العرب كانوا يعرفون أو يسمعون بأن ذلك من وسائل الحرب الشديدة. ولعلّها مما كان يعرف بالنار اليونانية ومواد القذف النارية الأخرى. وتعبير سَنَفْرُغُ لَكُمْ تعبير أسلوبي كما هو المتبادر. فالله لا يشغله شأن عن شأن حتى يصحّ في حقه معنى الشغل والتفرّغ والفراغ. والمقصود منه كما قلنا الإنذار والتهديد بأن الله سوف يحاسبهم ويجزيهم بما يستحقون.

стр. 2896

ولقد ذكر في سورة الجنّ وسورة الأحقاف وغيرهما شمول تكليف الله للجنّ وشمول حساب الآخرة وثوابها وعقابها لهم تبعا لذلك وأسوة بالإنس، ولما كان هذا مما أخبر به القرآن في جملة ما أخبر به من شؤون الجنّ المغيبة فقد صار من الواجب الإيمان به والوقوف منه عند ما وقف القرآن بدون تزيد. مع ملاحظة أن ذكر ذلك لا بدّ من أن يكون له حكمة ربانية. ولعلّ منها تقرير كون الجن- الذين يعبدهم العرب ويعوذون بهم ويشركونهم في الدعاء مما حكته آيات عديدة في سور سابقة هم أيضا- خاضعين لأمر الله ينال المحسن منهم ثوابه والمسيء عقابه في الآخرة. ولقد وهم بعضهم أن بين هذه الآيات وبخاصة بين الآية الأولى منها وما يجري اليوم من محاولات الارتفاع في الفضاء والوصول إلى القمر والكواكب الأخرى شيئا من التعارض، حتى لقد أرسل لي أمين عام جماعة الإرشاد الإسلامية في شيبرون في جاوا أندينوسيا يسألني عن ذلك. وواضح من الآيات وشرحها أنها في صدد الآخرة وعذابها وإنذار الجنّ والإنس بهما. وننبه في هذه المناسبة إلى أنه ليس بين تلك المحاولات والنصوص القرآنية أي تعارض. وأن القرآن بما نبّه عليه في الآيات العديدة ومن تسخير الله تعالى السموات والأرض وما بينهما والشمس والقمر والنجوم هو في مقام الحضّ على بذل الجهد في سبيل معرفة كل شيء عن ذلك والانتفاع بكل ناموس أودعه الله في كونه والتنبيه على أن ذلك هو بسبيل معرفة عظمة الله وقدرته وبديع صنعه واستحقاقه وحده للعبادة والاتجاه. والله تعالى أعلم. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٣٧ الى ٤٥] فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) . (١) وردة كالدهان: وردة بمعنى اللون الأحمر، وسميت الفرس الحمراء

стр. 2897

بالورد من ذلك. أما الدهان فقيل إنه الدهن ومنه الزيت فتكون الجملة (حمراء بلون الزيت) وقيل إنه الجلد فتكون الجملة (حمراء بلون الجلد المدبوغ) . (٢) آن: شديد الحرارة. وهذه المقاطع متصلة بالمقاطع السابقة. وهي بسبيل الوعيد بعذاب الآخرة ووصف أهواله على المجرمين المكذبين من الثقلين: فإذا ما جاء الأجل المعين في علم الله انشقت السماء فكانت حمراء مهيبة المنظر. وحشر الإنس والجن جميعا. وعرف المجرمون بعلاماتهم الظاهرة معرفة تغني عن سؤالهم عن هوياتهم وذنوبهم. وأمر بهم فسيقوا مسحوبين من نواصيهم أو مجرورين من أقدامهم إلى جهنّم حيث يقال لهم هذه جهنّم التي كانوا يكذبون بها وحيث يظلون يتنقلون بين النار والماء البالغ نهاية الشدّة في الحرارة. والوصف رهيب، والمتبادر أنه استهدف فيما استهدفه إثارة الفزع في قلوب الكفار وحملهم على الارعواء. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٤٦ الى ٦١] وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) . (١) أفنان: جمع فنن وهو الغصن اللين الدقيق. (٢) جنى الجنتين: ثمرهما. (٣) دان: قريب.

стр. 2898

(٤) قاصرات الطرف: مرّ تفسيرها في سورة الصافات. (٥) لم يطمثهن: لم يفضضهن. والطمث هو دم الرحم. وأصل المعنى لم يستنزل دمهن أحد قبلهم من إنس وجان. والمقاطع فصل جديد فيه بيان المصير الأخروي للذين يخافون الله ويتقونه بالإيمان وصالح الأعمال مقابل فصلي الإنذار والوعيد السابقين، وبيان مصير المجرمين الأخروي جريا على مألوف النظم القرآني. فهي والآيات السابقة سياق متسلسل. وعبارتها واضحة. والوصف الذي احتوته مشوق قوي. وقد استهدف فيما استهدفه كما هو المتبادر تبشير المؤمنين المتقين وتشويقهم. وإغراء غيرهم على الخوف من الله وتقواه والارعواء عن الغي والضلال. وذكر الفرش التي بطائنها من إستبرق وتشبيه جمال نساء الجنة بالياقوت والمرجان قد يدلّ على أن هذه الأشياء مما يعرفها السامعون ويعرفون أنها عنوان الترف والبهاء والصفاء والجمال. ولقد روى الشيخان في سياق آية وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ عن عبد الله بن قيس عن النبي ﷺ قال: «جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلّا رداء الكبر على وجهه في جنّة عدن» «١» حيث ينطوي في الحديث توضيح أو تعليل لتثنية الجنة فيه إشارة إلى تفاوت ما بين الجنتين. ومع ذلك فالمفسرون يروون تأويلات أخرى منها أن واحدة للجنّ وأخرى للإنس. ومنها أن واحدة لمستحقيها وأخرى لأزواجهم. ومنها أن واحدة للنزهة وأخرى للسكن. وعلى كل حال فإنه لا بدّ من أن يكون لورود الجملة بالنظم الذي وردت به حكمة ربانية في صدد التطمين والتشويق إلى ما أعدّه الله تعالى لمن يخشونه ويتقونه من النعيم الأخروي. والخوف من مقام الله ذو مدى واسع إيجابي وسلبي حيث يشمل الإيمان بالله تعالى والعمل الصالح في مختلف المجالات من ناحية واجتناب الإثم

стр. 2899

والفواحش والبغي من ناحية أخرى. ولقد روى الطبري بطرقه عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ قرأ يوما وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فقلت يا رسول الله وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال: وإن زنى وإن سرق رغم أنف أبي الدرداء. وروى بطرقه أنه قيل لأبي الدرداء في هذه الآية وإن زنى وإن سرق فقال إنه إن خاف مقام ربّه لم يزن ولم يسرق. حيث يبدو أن في الحديث الثاني توضيحا لما فهمه أبو الدرداء من الحديث الأول. وعلى كل حال فإن صحّ الحديث النبويّ الذي لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة فالأولى حمله على أن الزاني أو السارق إذا استشعر بخوف الله بعد عمله وندم وتاب وحسنت توبته وأصلح واصطلح نال رضاء الله وعفوه وصار مستحقا لما وعده لمن خاف مقامه. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٦٢ الى ٧٨] وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨) . (١) ومن دونهما: هناك من أوّلها بأنها في معنى من دونهما مرتبة وخطورة. وهناك من أوّلها بأنها قربهما أو جنتان أخريان. (٢) مدهامتان: منظرهما ضارب إلى السواد من شدّة الاخضرار والنضرة. (٣) نضاختان: فوارتان. أو ممتلئتان أو الماء فيهما لا ينقطع عن النبع والفوران. (٤) خيرات: قيل إنها مخففة من خيّرات جمع خيّرة فتكون الجملة: نساء حسان مختارات أو خيّرات.

стр. 2900

(٥) مقصورات في الخيام: قيل إنها بمعنى محبوسات محفوظات في خيامهن على أزواجهن فلا يخرجن منها لغيرهم. (٦) رفرف: قيل إنها الوسائد. وقيل إنها الطنافس والبسط، ووصف الرفرف (بالخضر) قد يلهم أنها جمع وأنها متكئات عالية من النبات الأخضر على ما هو معتاد في أيام الربيع. (٧) عبقري: قيل إنها كناية عن الطنافس والبسط. وقيل إنها وصف لكل جليل نفيس نادر حيا كان أم جمادا. وقيل إنها نسبة إلى بلد يصنع فيها الوشي. وقيل إن عبقر بلد أو واد للجن في أساطير العرب ينسب إليه كل عجيب. ويستلهم من نظم الآية أن الكلمة وصف ثان لرفرف. فالرفرف التي يتكىء عليها المنعمون في هذه الجنات خضراء عجيبة في رونقها ومنظرها. وهذا الفصل متصل بالسياق أيضا. وعبارة آياته واضحة هي الأخرى. وقد روى المفسرون فيما رووه «١» في مفهوم وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ إنهما دون الأوليين في المرتبة لأن المؤمنين متفاوتون في الأعمال فاقتضت الحكمة أن تكون جناتهم متفاوتة. وقد لا يخلو هذا من وجاهة. وفي القرآن آيات نبهت على التفاوت في درجات المؤمنين وجزائهم في الآخرة. منها ما مرّ في سورة الواقعة [الآيات ٧- ٣٩] ومنها آية سورة الحديد هذه: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) ، وورد أيضا أنهما جنتان أخريان قربهما وهذا أيضا وارد، ومتسق مع مفهوم الإنسان الدنيوي من تعدد الجنات والمنتزهات. وقد يؤيد هذا الاحتمال بالنسبة للمقام أنه ليس في وصف الجنتين السابقتين ونعيمهما ووصف هاتين الجنتين ونعيمهما فرق وتفاوت كما هو الحال في منازل السابقين وأصحاب اليمين الأخروية الموصوفة في سورة الواقعة مثلا.

стр. 2901

ولقد أورد ابن كثير في سياق آية: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ حديثا رواه عمر بن الخطاب (رض) قال: «جاء أناس من اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمّد أفي الجنة فاكهة؟ قال: نعم فيها فاكهة ونخل ورمان. قالوا: فيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: نعم وأضعاف. قالوا فيقضون الحوائج قال لا ولكنهم يعرقون ويرشحون فيذهب الله ما في بطونهم من أذى» . وأورد حديثا آخر عن أبي سعيد الخدري (رض) قال: «إنّ رسول الله ﷺ قال: نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كالبعير المقتب» وأورد في سياق جملة حور مقصورات في الخيام حديثا رواه البخاري جاء فيه: «إنّ رسول الله ﷺ قال إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلا في كلّ زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمنون» «١» . وأورد في سياق وصف الجنة وخدمها وما أعد لها وفي أهلها حديثا عن أبي سعيد جاء فيه: «قال النبيّ ﷺ أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية وصنعاء» . وروى الطبري عن ابن مسعود في تفسير الخيام حديثا جاء فيه: (هي الدرّ المجوّف) ، وهناك روايات من هذا الباب عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما فنكتفي بما روي عن رسول الله ﷺ ونقول إن من الواجب التسليم بما ثبت عن رسول الله والإيمان بأن في ذلك حكمة سامية. ولعلّ من هذه الحكمة التشويق والترغيب. والله أعلم. ولقد أورد البغوي في سياق الآية الأخيرة حديثا عن عائشة (رض) قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا سلم من الصلاة لم يقعد إلّا مقدار ما يقول اللهمّ أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» والمسلمون مدعوون للاقتداء بالنبي ﷺ في هذا الثناء المأثور.

стр. 2902

سورة الإنسان في السورة تقرير وتذكير بخلق الإنسان بعد العدم ومنحه العقل والاختيار لاختباره. وإنذار للكفار وتنويه بالمؤمنين وبيان مصير كلّ منهم في الآخرة مع وصف رائع لمصير المؤمنين. وتلقين بتقوى الله والرأفة بالبؤساء. وتثبيت للنبي ﷺ وتهوين لموقف الكفار منهم ونعي عليهم لمحبتهم الدنيا وإهمالهم الأخرى. وهذه السورة من المختلف في مكيتها ومدنيتها أيضا غير أن الطابع المكي قوي البروز عليها. ومعظم المفسّرين يروون مكيتها «١» . ولقد ذكر في عدد من تراتيب النزول المرويّة أنها نزلت بعد سورة الرحمن «٢» . ولعلّ في ذلك قرينة على مكيتها أيضا وفي بعض آياتها قرائن بل دلائل قوية على مكيتها كذلك. وللسورة اسم آخر هو الدهر اقتباسا من كلمة الدهر التي جاءت في آياتها الأولى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) . (١) هل أتى: قيل إن الجملة في معنى قد أتى للتقرير. وقيل إنها في معنى ألم يأت كسؤال إنكاري وتقريري أيضا. والجملة تتحمل كلا من المعنيين ولا تتحمل غيرهما.

стр. 2903

(٢) أمشاج: وهي جمع مشج أو مشيج بمعنى أخلاط. وقيل القصد من ذلك تكوّن الإنسان من اختلاط ماءي الرجل والمرأة. وإن كلّ لونين اختلطا فهما أمشاج. وقيل إنها إشارة إلى ما يتقلّب فيه نشوء الإنسان من أطوار وهو جنين. (٣) نبتليه: نختبره، ومن الممكن أن تحمل على التعليل فيكون معناها لكي نختبره. ومن الممكن أن تحمل على التقرير فيكون معناها سوف نختبره. الآيات تضمنت معنى التقرير والتذكير والعظة والتنبيه. فقد مرّ دهر طويل لم يكن الإنسان فيه موجودا ولا شيئا مذكورا. ثم خلقه الله من نطفة مختلطة متطورة. وجعله سميعا وبصيرا، ثم أودع فيه قابلية التمييز واختيار السبيل الذي يسير فيه ليختبره في سيره واختياره ليظهر إما أن يكون شاكرا لله في إيمانه وعمله الصالح أو جاحدا شريرا. وأسلوب الآيات تقريري ينطوي على عرض عام. وفيها توكيد لما قرره القرآن في مواضع كثيرة من قابلية الإنسان للتمييز واختيار الطريق الذي يسير فيه ومسؤوليته عن هذا الاختيار. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيتين الأخيرتين حديثا عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله ﷺ كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا» . وحديثا رواه الإمام مسلم عن أبي مالك الأشعري قال: «قال رسول الله ﷺ كلّ الناس يغدو فبائع نفسه فموبقها أو معتقها» . حيث ينطوي في الحديثين توضيح نبوي داعم للتوكيد الذي ينطوي في الآيات وغيرها من قابلية الإنسان للتمييز والاختيار ومسؤوليته عن ذلك. [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٤ الى ٦] إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤) إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً (٥) عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً (٦) . (١) مزاجها: المادة التي يمزج بها الشراب.

стр. 2904

هذه الآيات تتضمن النتائج التي تترتب على اختيار الناس لطريقهم بأسلوب إنذاري للجاحدين وتطمين تبشيري للصالحين. فقد أعدّ الله للأولين السلاسل والقيود والنار. أما الآخرون فلهم النعيم والتكريم في الجنات والأشربة اللذيذة التي يكون مزيجها الكافور. والمتبادر أن مزج الشراب بالكافور مما كان مألوفا عند المترفين ومرغوبا فيه، فذكر ذلك جريا على مألوف النظم القرآني في ذكر أوصاف العذاب والنعيم الأخروي بما اعتاده السامعون، مع واجب الإيمان بحقيقة الخبر القرآني الغيبي. [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٧ الى ١٠] يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) . (١) مستطيرا: منتشرا أو واسعا أو شاملا. (٢) على حبّه: على شدّة الحاجة إليه والرغبة فيه. (٣) أسيرا: هي في أصلها الذي يؤسر في الحرب من الأعداء وقد تكون هنا بمعنى المملوك لأن غالبية المملوكين هم من أسرى الحرب حيث جرت العادة على استرقاق الغالب الأسرى. (٤) عبوسا: شديد الوطأة أو شديد التجهم والظلام. (٥) قمطريرا: شديد الكرب أو مثيرا للفزع. والآيات متصلة بالسياق. وفيها وصف للأبرار الذين ذكرت الآية السابقة ما أعدّه الله لهم من نعيم وشراب لذيذ في الآخرة وحكاية لأقوالهم بسبيل التنويه، فهم يوفون بما ينذرونه على أنفسهم من أعمال بارّة. ويخشون عذاب يوم الآخرة وشرّه العظيمين. ويطعمون الطعام على شدّة حاجتهم إليه المساكين والأيتام والأرقاء ولسان حالهم يهتف بأنهم يطعمونهم دون انتظار شكر وجزاء منهم. وإنما ابتغاء

стр. 2905

وجه الله وتقرّبا إليه ومخافة اليوم العبوس المخيف الذي يقفون فيه أمامه. وقد روى بعض المفسرين «١» أن هذه الآيات وما بعدها نزلت في علي بن أبي طالب وزوجته فاطمة ﵄ في قصة طويلة حيث جاءهم في ثلاثة أيام متوالية مسكين ويتيم وأسير فكانا يحرمان أنفسهما مما أعداه لغذائهما من طعام الشعير الذي اقترضا ثمنه وكانا في أشد الحاجة إليه، فيعطيانه لهم ويبيتان على الطوى. وهناك من روى أنها نزلت في رجل من الأنصار اسمه أبو الدحداح لأنه فعل ما روته الرواية السابقة «٢» وهناك من روى أنها نزلت في ابن عمر حيث كان مريضا واشتهى العنب فاشتروه له فجاء سائل فأمر بإعطائه له أول مرة وثاني مرة «٣» . والروايات تقتضي أن تكون الآيات مدنية مع أن الطابع المكي قوي البروز عليها كما قلنا قبل. والرواية الأولى مما نالت حفاوة المفسرين الشيعيين كثيرا «٤» الذين ولعوا في صرف كثير من الآيات إلى علي ﵁ وذريته بقطع النظر عن المناسبة والسياق. حتى لقد يخطر بالبال أن تكون رواية مدنية السورة أو الآيات من ذلك الباب. وقد نبهنا على أمثلة عديدة منه أيضا في مناسبات سابقة. ومع احترامنا لعلي وزوجته ثم لسائر أصحاب رسول الله السابقين (رضوان الله عليهم) جميعا وما كانوا عليه من ورع وزهد وتقوى ورأفة بالمحتاجين، واعتقادنا بأن حبّ الخير وو البرّ فيهم قد يحملهم على التصدّق بطعامهم للمساكين والأيتام والأسرى والأرقاء على شدة حاجتهم إليه فإن أسلوب الآيات ومضمونها وروحها وطابعها المكي القوي كل ذلك يلهم أنها بسبيل وصف الأبرار الذين ذكروا في الآية السابقة مباشرة بصورة عامة. وفيها مع ذلك صورة رائعة واقعية لما كان

стр. 2906

يصدر من المؤمنين الأولين رضوان الله عليهم من إيثار للمساكين والمعوزين على أنفسهم ومن برّهم بهم على شدّة حاجتهم تقربا إلى الله تعالى. وقد احتوت آيات عديدة في سور مكية مثل هذه الصورة الرائعة مما نبهنا عليه في مناسباته مثل سور الواقعة والذاريات والمؤمنون والليل وغيرها وغيرها. ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن فيما حكي عن الأبرار بهذا الأسلوب المحبب تلقينا مستمرا قويا بما يجب أن يتصف به المسلم من الرفق بالبؤساء والمحتاجين والأرقاء ومساعدتهم في كل ظرف ومن مراقبة الله وابتغاء مرضاته وعدم انتظار الشكر والجزاء من أحد على ما يفعله من خير وبرّ ومعروف، ثم بتحميل نفسه أقصى ما يمكن من الجهد في سبيل ذلك. وبمناسبة التنويه بالذين يطعمون الطعام على حبّه المساكين واليتامى والأسرى نقول إن هذا الأمر قد تكرر في القرآن والحديث بحيث يقال إنه من المكارم الأخلاقية التي تبنتها الرسالة الإسلامية ودعت إليها في كل ظرف وموقف. ولقد علقنا على ما أولاه القرآن والحديث من عناية باليتيم والمسكين والأسير أي المملوك في مناسبات سابقة فنكتفي بهذا التنبيه. تعليق على موضوع النذر وبمناسبة جملة يُوفُونَ بِالنَّذْرِ نقول إن النذر هو ما يوجبه المرء على نفسه من عمل فيه برّ وخير وقربى إلى الله أو يظنه كذلك. وهذا مما كان جاريا عند العرب وغيرهم قبل الإسلام. ومن ذلك ما حكته الآية [٢٦] من سورة مريم فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) والآية [٣٥] من سورة آل عمران إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وهناك روايات عديدة تدلّ على أن هذه العادة كانت شائعة عند العرب قبل الإسلام، كما قلنا، منها رواية المرأة التي نذرت ذبح ابنها عند الكعبة التي أوردناها في سياق تفسير الآيات [١٣٥- ١٤٠] من سورة

стр. 2907

الأنعام. وقد روى الخمسة حديثا عن عمر بن الخطاب قال: «يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبيّ أوف بنذرك فاعتكف ليلة» «١» . وروى أبو داود والترمذي أن امرأة قالت: «يا رسول الله إني نذرت أن أنحر بمكان كذا وكذا قال لصنم قالت لا قال لوثن قالت لا قال أوفي بنذرك» «٢» وروى أبو داود والترمذي «أنّ امرأة أتت النبيّ فقالت يا رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدفّ قال أو في بنذرك» «٣» . وجملة يُوفُونَ بِالنَّذْرِ جاءت في مقام التنويه بالذين يفعلون ذلك. وبالتالي ينطوي فيها إقرار لفكرة النذر. وهذا منطوق في آية سورة البقرة هذه: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) وهو منطو في الأحاديث التي أوردناها كذلك. وهناك أحاديث أخرى فيها تنويه وتنديد وتنظيم وتعليم وتشريع في صدد النذر. منها حديث رواه الخمسة إلّا مسلما عن عائشة عن النبيّ ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» «٤» . وحديث رواه البخاري والنسائي عن عمران بن الحصين عن النبي ﷺ قال: «خيركم قرني ثم الذين يلونهم. قال عمران لا أدري ذكر اثنين أو ثلاثة بعد قرنه. ثم يجيء قوم ينذرون ولا يفون. ويخونون ولا يؤتمنون. ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن» «٥» . وحديث رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه جاء فيه: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ يوم الفتح فقال يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلّي في بيت المقدس ركعتين. قال صلّ هنا. ثم أعاد عليه فقال صلّ هاهنا. ثم أعاد عليه فقال شأنك إذا وزاد في رواية والذي بعث محمدا بالحقّ لو صليت هاهنا

стр. 2908

لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس» «١» ، وحديث رواه الخمسة عن ابن عباس قال: «استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذر كان على أمّه فتوفيت قبل قضائه فقال رسول الله فاقضه عنها» «٢» . وحديث رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال إن أختي نذرت أن تحجّ وقد ماتت فقال النبيّ لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فاقض فإنّ الله أحقّ بالقضاء» «٣» . وحديث رواه الخمسة عن ابن عباس قال: «بينما النبي ﷺ يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس فسأل عنه فقالوا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلّم ويصوم فقال مروه فليتكلم وليستظلّ وليقعد وليتمّ صومه» «٤» . وحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: «إنّ النبيّ ﷺ أدرك شيخا يمشي بين ابنيه يتوكأ عليهما فقال النبيّ ما شأن هذا قال ابناه يا رسول الله كان عليه نذر المشي إلى بيت الله فقال اركب أيها الشيخ فإن الله غنيّ عنك وعن نذرك» «٥» . وحديث رواه الخمسة إلّا البخاري عن عقبة بن عامر قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله فاستفتيته فقال لتمش ولتركب» «٦» . وحديث رواه الخمسة عن عمران بن الحصين عن النبيّ ﷺ جاء فيه: «لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك العبد» «٧» . وحديث رواه أبو داود والنسائي عن سعيد بن المسيب جاء فيه: «إن أخوين كان بينهما ميراث فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال إن عدت سألتني عن القسمة فكلّ مالي في رتاج الكعبة فقال له عمر إن الكعبة غنية عن مالك كفّر عن يمينك وكلّم أخاك. سمعت رسول الله يقول لا يمين عليك ولا

стр. 2909

نذر في معصية الربّ ولا في قطيعة الرحم ولا فيما لا تملك» «١» . وحديث رواه أبو داود والترمذي «قال رسول الله من نذر نذرا لم يسمّه فكفارته كفارة يمين. ومن نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين. ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين. ومن نذر نذرا أطاقه فليف به» «٢» . وحديث رواه النسائي عن النبيّ ﷺ قال: «النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء. وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان فلا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين» «٣» وحديث رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن كعب بن مالك قال: «إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله فقال له النبيّ ﷺ : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» «٤» . وحديث رواه أبو داود وأحمد أن كعبا أو أبا لبابة قال: «إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كلّه صدقة قال النبيّ يجزي عنك الثلث» «٥» . وهناك حديثان رواهما الخمسة واحد عن ابن عمر قال: «نهى النبيّ ﷺ عن النذر وقال إنه لا يردّ شيئا ولكنه يستخرج به من البخيل» «٦» وثان عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدّره له ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج» «٧» . والمتبادر أن الحديثين بسبيل تعليم المسلمين بأن لا يجعلوا النذر لأجل مطلب يريدون أن يقضى سواء أكان فيه جلب نفع أو دفع ضرّ. وينطوي في هذا

стр. 2910

كما هو المتبادر قصد تعليمهم أن تكون نذورهم لله بدون شرط وذريعة. ومع ذلك فإن فحوى الحديثين لا يفيد النهي عن هذا النوع من النذور بل ويفيد إقراره بسبيل استخراج مال ينفق في سبيل الله والخير من البخيل ... وهناك أحاديث أخرى رواها أئمة آخرون ولم ترد في الكتب الخمسة فيها شيء مما ورد في الأحاديث التي أوردناها «١» فاكتفينا بما أوردناه. [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١١ الى ٢٢] فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً (١٣) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً (١٧) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (٢٢) . (١) ذلّلت قطوفها: جعلت قريبة التناول إليهم. (٢) قوارير: أصل معناها الزجاج. وهي هنا تشبيه لصفاء الفضة ورقتها. (٣) قدروها تقديرا: جاءت حسب ما قدروه مما يفي رغباتهم أو ريّهم حين يشربون منها. (٤) سلسبيلا: معناها اللغوي غاية السلاسة والسهولة في الجريان. (٥) مخلدون: دائمون على أحسن الصفات من دون تغيير. في الآيات تقرير لما يقابل الله تعالى به الأبرار الذين حكت الآيات السابقة أعمالهم وأقوالهم فقد نجاهم الله من شرّ ذلك اليوم وجعلهم نضرين مسرورين. وأنزلهم الجنة وكساهم الحرير ولسوف يكونون فيها متكئين على السرر في طقس
следующие страницы →