← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

أن المقصود هم المؤمنون، لتنبههم إلى أن البرّ ليس في توجيه الوجوه إلى المشرق والمغرب ولكنه هو ما ذكرته الآية من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة وكتب الله وأنبيائه وإعطاء المال المحبب للنفس للمحتاجين وبنوع خاص لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ولأجل تحرير الرقيق وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر في المحن والشدائد وفي ميدان الحرب، فالذين يفعلون ذلك هم الصادقون المتقون. تعليق على الآية لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ ... وما فيها من تلقين ولقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في سبب نزول هذه الآية. من ذلك ما رواه الطبري عن قتادة أن رجلا سأل النبي ﷺ عن البرّ فأنزل الله الآية. وروى الطبري عن قتادة رواية أخرى تفيد أن اليهود كانوا يصلّون قبل المغرب وأن النصارى كانوا يصلّون قبل المشرق فنزلت الآية لبيان حقيقة البرّ. وروى الطبرسي أنه لما حوّلت القبلة أكثر اليهود والنصارى الخوض في ذلك وقيل فيما قيل إن البرّ وطاعة الله هما التوجه في الصلاة فأنزل الله الآية. وروى عن قتادة أيضا أنها نزلت في اليهود خاصة لأنهم هم الذين أكثروا الخوض في تحويل القبلة. وليس شيء من الروايات من الصحاح والرواية الأخيرة مع ذلك هي الأكثر ورودا استئناسا بالسياق والله أعلم. ولما كانت المواضيع التي احتوتها الآيات التالية لهذه الآية مواضيع جديدة غير متصلة بالسياق السابق وكان اليهود هم موضوع الكلام في الدرجة الأولى في الفصول السابقة لها باستثناء الآيات [١٥٣- ١٥٨] التي فيها تثبيت للمؤمنين وموضوع الطواف بين الصفا والمروة فتكون هذه الآية خاتمة قوية للسياق الطويل الذي بدأ من الآية الأربعين واحتوى حلقات عديدة في صدد مواقف اليهود ضد الدعوة الإسلامية وجحودهم ودسائسهم وربط حاضرهم بغابرهم. وقد استغرق

стр. 3082

أكثر من ثلث السورة، وتضمن صور المرحلة الأولى من مراحل الاحتكاك بين النبي ﷺ واليهود في العهد المدني التي كانت قاصرة على الجدل والنقاش والمناظرة والتنديد والإنذار والتي يبدو من خلالها مع ذلك ما بذله اليهود من قوة النشاط المعادي للدعوة الإسلامية في مختلف المجالات وما قصده القرآن من فضح هذا النشاط وإحباطه وهدم المركز القوي الثقافي والديني والسياسي والمالي الذي كان يتمتع به اليهود في الأوساط العربية. ولقد احتوت السور النازلة بعد هذه السورة صورا مماثلة لصور هذه المرحلة ثم صورا للعداء الخطير الذي انتهى إلى الاشتباكات الحربية حتى أظهر الله نبيه والمؤمنين عليهم وساعدهم على تطهير المدينة منهم. وخضد شوكتهم في القرى الأخرى في نهاية السنة السادسة من العهد المدني على ما سوف نشرحه في المناسبات الآتية. والآية فصل جامع رائع من جوامع القرآن وروائعه. وقد احتوت تقرير أهداف الدعوة الإسلامية الإيمانية والاجتماعية والأخلاقية بأسلوب قوي نافذ. ولقد ذكرت هذه الأهداف بأساليب متنوعة في القرآن المكي مما يؤكد الاتساق التام بين القرآن المكي والقرآن المدني. ولقد علقنا عليها في المناسبات العديدة التي ذكرت فيها بما يغني عن التكرار. غير أن في الآية خصوصية جليلة جديرة بالتنويه والتنبيه وهي تقريرها كون أهداف الدعوة الحقيقية والجوهرية ليست الأعراض والأشكال والمظاهر وإنما هي الصدق في الإيمان والعمل والقيام بالواجب نحو الله ومساعدة المحتاجين على اختلافهم من أقارب وأباعد والوفاء بالعهد والصبر عند المحن والثبات في الجهاد والتضحية بالمال والنفس. وفي هذا ما فيه من قوة حيوية الدعوة وعظمتها ومرشحاتها للعمومية والخلود. وينوه بنوع خاص بخاتمة الآية التي تقرر أن المتصفين بما فيها من صفات هم الصادقون المتقون، ولقد شرحنا سابقا مدى التقوى والصدق وما في الآية من صفات مما يماثل ذلك حقا وصدقا. ولقد أورد ابن كثير بعض الأحاديث في سياق هذه الآية فيها توضيح لبعض عباراتها وتساوق مع تلقيناتها. منها حديث رواه الحاكم في مستدركه عن ابن

стр. 3083

مسعود قال: «قال رسول الله ﷺ : وآتى المال على حبّه أن تعطيه وأنت صحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر» «١» . وحديث رواه ابن مردويه عن فاطمة بنت قيس قالت: «قال رسول الله ﷺ : في المال حقّ سوى الزكاة ثم قرأ الآية» «٢» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «ليس المسكين هذا الطوّاف الذي تردّه التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدّق عليه» «٣» . [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٨ الى ١٧٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) . (١) كتب: هنا وفي غير مكان بمعنى فرض على الأغلب. (٢) القصاص: مقابلة العمل بمثله. (٣) وأداء إليه: الجمهور على أن الجملة تعني أداء الدية في حالة العفو. الآيتان موجهتان إلى المسلمين. وقد احتوت أولاهما: إيجاب القصاص في

стр. 3084

حوادث القتل التي تقع بينهم كفرض مكتوب عليهم فأوجبت قتل الحرّ القاتل بالحرّ المقتول والعبد القاتل بالعبد المقتول والأنثى القاتلة بالأنثى المقتولة. وأوردت احتمال العفو عن القاتل من قبل ولي المقتول وإباحته. وذكرت ما يجب في مثل هذه الحال وهو التزام الحق والإحسان من جانب القاتل المعفو عن دمه فيسير في التعويض ودفع الدية لأهل القتيل وفق المعروف وبدون عطل وبخس. وبينت أن هذه الإباحة تخفيف من الله ورحمة منه بالمسلمين. وأنذرت من يستغل ذلك فيعتدي ويبغي على غيره. وقد تضمنت ثانيتهما: بيان حكمة إيجاب القصاص فذكرت أن في القصاص حياة للمجتمع حيث يكون وسيلة من وسائل تقوى الله والارتداع عن الظلم والعدوان وإراقة دماء الناس. ووجهت الكلام في آخرها إلى أولي العقول فيهم الذين يستطيعون إدراك هذه الحكمة والعمل بمقتضاها. الجملة التي احتوت هذه الحكمة من روائع الوجائز والحكم القرآنية التي يمكن أن تكون سندا لكل تشريع وتنفيذ جزائي في الدنيا. والآيتان فصل جديد لا صلة له بالسياق السابق. ومن المحتمل أن يكون هذا الفصل نزل بعد الآية السابقة لهما فوضع بعدها بأمر النبي ﷺ . تعليق على آية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى ... إلخ والتالية لها ولقد تعددت الروايات في سبب نزول الآيتين، منها أنه كان بين حيين من العرب دماء في الجاهلية وكان الحي الأقوى قد نذر بأن يقتل من عدوه الحرّ بالعبد والرجل بالأنثى والحرّ بالحرّ. وبأن يجعل دية جراحاته مضاعفة. فلما أسلم الحيان حكما النبي ﷺ فنزلتا ومنها أن العرب في جاهليتهم كانوا طبقات، وكان أشرافهم يغالون في القصاص والدية ويضاعفونهما بالنسبة لمن هم أقل شرفا وقوة، وأن بعض العرب رفع الأمر إلى النبي ﷺ فنزلتا ومنها أن اليهود كانوا يقاصون بدون عفو وأن النصارى كانوا لا يقاصون فنزلتا لبيان حكم الإسلام الوسط بينهما. ومنها

стр. 3085

أنه كان قوم من العرب إذا قتل عبد قوم آخرين رجلا منهم لم يرضوا بقتل العبد حتى يقتلوا سيده. وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا منهم لم يرضوا بقتل القاتلة حتى يقتلوا رجلا من عشيرتها «١» . والروايات ليست من الصحاح غير أن مضمون الآية الأولى يلهم احتمال نزول الآيتين في إحدى الحالات المروية عن العرب وبخاصة في الحالة الأخيرة لحل المشكل الدموي الواقع الذي رفع أمره إلى النبي ﷺ . ومع ترجيحنا خصوصية المناسبة فالذي يتبادر من صيغة الآيتين أنهما نزلتا لتكونا تشريعا عاما للتطبيق في الظروف المماثلة. وهذا شأن معظم الآيات التشريعية والتعليمية. والآيتان هما أولى الآيات التي تحمل طابع التشريع والتقنين في شأن من شؤون الحياة وهو طابع خاص بالعهد المدني، وما ورد في الآيات المكية من أوامر ونواه في هذه الشؤون يحمل طابع الحثّ والعظة والزجر والإنذار والتنديد. وسبب ذلك واضح فالمسلمون في مكة كانوا قلة فلم يكن إمكان ولا مجال للتقنين والتشريع. وقد تغير هذا في العهد المدني حيث كثر المسلمون وصار النزاع والخلاف على شؤون الحياة مما يكثر بينهم. وقد صار النبي ﷺ إلى هذا في مركز الرئيس والقائد والقاضي معا فانفسح المجال واقتضى الحال التشريع تمشيا مع الظروف واستجابة للمناسبات وحلا للمشاكل والوقائع وجوابا على الاستفتاءات والاستعلامات والمراجعات. وننبه بهذه المناسبة على أمر هام وهو أن معظم ما نزل به تشريع وتقنين من شؤون الحياة في العهد المدني قد نزل به بأمر ونهي وزجر وحثّ وإنذار وتبشير في القرآن المكي. ومن جملة ذلك حظر القتل بغير حق وتقرير حق ولي المقتول بالقصاص مما ورد في سور الإسراء والأنعام والفرقان. وفي هذا ردّ على الأغيار الذين يحلو لهم غمز النبي ﷺ والقرآن بغيا وتعصبا وحقدا فيقولون: إن هناك

стр. 3086

تناقضا في الدعوة وأهدافها وسيرها بين العهدين. فالأسلوب المدني هو إيجاب تطبيقي للمبادىء والأحكام التي قررتها الآيات المكية مما ينطوي فيه كل الحكمة والحق والصواب ومقتضيات الحياة ثم الانسجام التام بين قرآني العهدين. ولقد أورد المفسرون في سياق الآيتين بعض الأحاديث والاجتهادات الفقهية نوجزها ونعلق عليها بما يلي: ١- المؤولون والمفسرون متفقون على أن حكم الآية الأولى هو في صدد القتل العمد. وهذا متبادر من فحواها أما القتل الخطأ فقد ذكر حكمه في إحدى آيات سورة النساء وسيأتي شرح ذلك في مناسبة. ٢- إن من المؤولين والمفسرين من قال إن حكم الآية قد نسخ بحكم النفس بالنفس مطلقا، الذي ورد في آية سورة المائدة هذه: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... إلخ [٤٥] وهذه الآية حكاية لما كتبه الله على بني إسرائيل في التوراة وليست تشريعا للمسلمين على ما تلهم الآيات التي جاءت بعدها. ونظرية (شرع ما قبلنا شرع لنا) ليس مما يمكن التسليم به استنادا إلى الآيات المذكورة على ما سوف نشرحه في مناسبتها. ويتبادر لنا أن جملة وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ الواردة في الآية الثانية قد تضمنت تعديلا لحكم الأولى فصار القصاص أي قتل القاتل العمد مطلقا هو الحكم المبدئي العام. وهناك أحاديث نبوية تؤيد هذا التعديل. منها حديث رواه الخمسة عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلّا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة» «١» . وحديث رواه أبو داود عن قيس بن عباد في صدد كتاب عن رسول الله ﷺ جاء فيه: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر» «٢» .

стр. 3087

ولقد استند أبو حنيفة وآخرون إلى بعض هذه الأحاديث مع مبدأ القصاص فقرروا أن المسلم يقتل بالمسلم إطلاقا سواء أكان القاتل أو القتيل رجلا أو امرأة أو عبدا أو أمة، وخالف بعضهم هذا الرأي وقالوا لا يقتل الرجل بالمرأة ولا الحرّ بالعبد استنادا إلى نص الآية الأولى. ويتبادر لنا أن الآية الأولى إنما نزلت لحل مشكلة دموية قائمة بأوصاف معينة وأن الرأي الأول المستنبط من أحاديث نبوية ومن مبدأ القصاص مطلقا هو الأوجه. ولم نطلع على أثر نبوي يدعم الرأي الثاني وهناك أحاديث فيها صراحة أكثر تدعم الرأي الأول منها حديث رواه أصحاب السنن جاء فيه: «كتب النبيّ ﷺ إلى أهل اليمن في جملة ما كتب أن الرجل يقتل بالمرأة» «١» . وحديث رواه أصحاب السنن أيضا عن النبي ﷺ جاء فيه: «من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه» «٢» . ومن رأي أبي حنيفة استنادا إلى مبدأ القصاص المطلق أن المسلم يقتل بالكافر الذمي أو المعاهد والأكثرون على أن المسلم لا يقتل بالكافر. وهذا مما يدعمه حديث سبق إيراده. ٣- مما رواه المفسرون عن المؤولين أن جملة: فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ هي في صدد من يقتل قاتلا بعد العفو عنه وأخذ الدية منه. وقد استند إليها بعضهم فأوجبوا قتل من قتل قاتلا بعد العفو وأخذ الدية. وهناك أحاديث نبوية تساق في تأييد ذلك منها حديث رواه الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية» «٣» . وحديث رواه أبو شريح أن رسول الله ﷺ قال: «من أصيب بقتل يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتصّ وإما أن يعفو وإما أن يأخذ الدية. فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ومن اعتدى بعد ذلك فله نار

стр. 3088

جهنّم خالدا فيها» «١» . والمتبادر أن الرابعة هي قتل القاتل بعد العفو وأخذ الدية. والراجح أن هذا يكون في حالة تعدد أولياء القتيل وعفو بعضهم وقبولهم بالدية دون الآخرين. والجمهور على أن عفو بعض الأولياء وقبولهم بالدية يمنع القصاص وهذا وجيه ومؤيد لما رجحناه من وجه المسألة. ٤- ومما رواه المفسرون في جملة: فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أنها في معنى أن لولي القتيل الذي يعفو ويقبل بالدية أن يطالب بها بالمعروف أي بدون عنف وأن على القاتل وأهله أن يؤدوا الدية بالحسنى بدون إبطاء ونقص، وهذا سديد وجيه. والجمهور متفقون على أن لأولياء القتيل أن يعفوا عن دم قتيلهم بدون دية أيضا، وهذا حقّ متبادر من روح الآية. وهكذا تكون الآية قد انطوت على تلقين جليل في حالة العفو. فالله تعالى إذا أباح العفو فإن ذلك منه تخفيف ورحمة فلا يجوز للمسلمين أن يسيئوا استعمال هذه الرخصة. وعليهم أن يسيروا في أداء ما يترتب عليهم وفي مقاضاته بالحسنى والمعروف والحق. وهذا عدا ما في مبدأ إباحة العفو والصيغة المحببة التي ورد بها من تمشّ مع طبيعة الأمور وملاحظة مصلحة الناس وحالاتهم في مختلف الظروف أيضا من تلقين جليل آخر. ٥- وأكثر أئمة الفقه على أنه إذا اشترك أكثر من واحد في قتل قتيل فإنهم يقتلون به. وقد أورد ابن كثير خبرا يفيد أن عمر قتل سبعة في غلام وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. وقال ابن كثير إنه لا يعرف لهذا مخالف من الصحابة. وينسب إلى الإمام أحمد عدم تجويز قتل الجماعة بالواحد. ويتبادر لنا أن الرأي الأول أوجه إذا ما ثبت أن الجماعة اشتركوا فعلا في القتل وليس هناك بينة أو دليل على واحد بعينه أكثر من غيره والله أعلم.

стр. 3089

٦- والجمهور على أن الوالد لا يقتل بابنه. وهناك حديث مؤيد لذلك رواه الترمذي عن سراقة قال: «حضرت رسول الله ﷺ يقيد الأب من ابنه ولا يقيد الابن من أبيه. وفي رواية لا يقتل الوالد بالولد» «١» . ٧- والجمهور على أن القتل العمد المستوجب للقصاص هو الضرب بدون كفّ حتى الموت. وأن القاتل إذا ضرب ثم كفّ قبل الموت ثم مات المضروب بعد فترة ما نتيجة للضرب فيكون قتله (شبه عمد) ولا يستوجب قصاصا وإنما يستوجب دية مثل دية العمد في حالة عفو أولياء القتيل عن دم قتيلهم المقتول عمدا. وهناك من قال: إن الضرب حتى الموت بأية آلة هو قتل عمد. وهناك من قال إن القتل لا يحسب قتل عمد إلا إذا كانت آلة الضرب حديدية. أما إذا كان الضرب بالعصا أو الحجر أو السوط فهو شبه عمد وإن لم يكفّ الضارب حتى الموت. والاختلاف في المذاهب هو لسبب اختلاف في الأحاديث النبوية المروية. وقد صوب الطبري قول من قال: إن الضرب حتى الموت بأية آلة هو عمد ويتبادر لنا أن هذا هو الأوجه والله أعلم. ٨- والأحاديث مختلفة أيضا في تقدير الدية للعمد في حال العفو ولشبه العمد، فمنها ما يفيد أنها مئة من الإبل ومنها ما يفيد أنها اثنا عشر ألف درهم ومنها ما يفيد أنها ألف دينار أو ثمانمائة دينار. ومما روي أنها استقرت في زمن عمر على أن تكون على أهل الإبل مئة وعلى أهل البقر ٢٠٠ وعلى أهل الشاة ٢٠٠٠ وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الفضة ١٢٠٠٠ درهم وعلى أهل الحلل ١٠٠ حلة «٢» . والمتبادر أن التقدير والتنويع متأثران بالظروف القائمة وأن من السائغ أن يكونا متبدلين حسب كل ظرف والله أعلم.

стр. 3090

وهناك أحاديث نبوية تفيد أن دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل «١» . وأبو حنيفة أخذ بحديث «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» دون هذه الأحاديث فذهب إلى أن دية المرأة المسلمة نفس دية الرجل ونرى هذا هو الأوجه والله أعلم. وهناك أحاديث تفيد أن دية الكافر الذمي والمعاهد هي نصف دية المسلم وأحاديث تفيد أنها مثل دية المسلم «٢» ، فمن الفقهاء من أخذ بهذا ومنهم من أخذ بذاك. ٩- وهناك تشريع نبوي يعرف بالقس امة. ويطبق في حالة وقوع جريمة قتل لا يعرف قاتله معرفة يقينية حيث يحلف خمسون من أهل القتيل على رجل بعينه فيقتص منه وإلا فيحلف خمسون من أهل المتهم على براءته «٣» . وقد أخذ بعض الفقهاء بهذا التشريع في حين قال بعضهم إن القصاص لا يكون بالقس امة وإنما يجب فيها الدية إذا أقسم أهل القتيل ومع أن الجمهور في جانب الرأي الأول فإن الرأي الثاني لا يخلو من وجاهة من حيث إن اليمين لا يصح أن يكون في مقام اليقين العياني، والله تعالى أعلم. [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٢] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢) . (١) إذا حضر: بمعنى إذا دنا. (٢) خيرا: هنا بمعنى المال، أو المال الكثير.

стр. 3091

(٣) جنفا: ميلا وانحرافا عن الحق. في الآيات: إيجاب الوصية على كل مسلم- حينما يدنو أجله وكان عنده فضل من مال- لوالديه ولأقاربه. وتنبيه على وجوب تنفيذ ذلك على وجه عادل من دون جنف على أحد وعلى الوجه المعروف بأنه الأفضل والأولى. وإنذار لمن يحرف أقوال الموصي أو يبدلها أو يكتمها أو يعطلها. وحثّ على الإصلاح بين ذوي العلاقة بالوصية إذا ما رئي من الموصي نية جنف أو إثم أو ظلم مخالفة للحق. والآيات فصل جديد بأسلوب تشريعي كسابقة، ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه مناسبة لنزولها وتلهم أنه لم يكن للآباء ولبعض طبقات الأقارب أنصبة معينة ومقررة في التركات وكان هؤلاء وأولئك عرضة للعوز والحرمان فاقتضت الحكمة تنزيل الآيات في مناسبة من المناسبات المتصلة بذلك والمتبادر أنها نزلت قبل نزول آيات المواريث الواردة في سورة النساء لأن هذه الآيات عينت للآباء والأخوة والبنات أنصبة معينة في التركات وفي هذا كما هو المتبادر صورة تطورية للتنزيل القرآني. ومن المحتمل أن يكون هذا الفصل قد نزل بعد فصل القصاص فوضع بعده، كما أن من المحتمل أن يكون وضعه بعده بسبب المماثلة التشريعية. تعليق على آيات الوصية ولقد اختلفت أقوال المفسرين «١» ومن رووا أقواله من أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم في مسألة نسخ هذه الآيات. فهناك من قال إن آيات المواريث الواردة في سورة النساء والحديث النبوي المشهور الذي جاء فيه: «إن الله أعطى

стр. 3092

كلّ ذي حقّ حقّه وإنّه لا وصيّة لوارث» «١» قد نسختها. ومنهم من قال إنها لم تنسخ وإن حكمها قائم. ومنهم من قال إن آيات المواريث والحديث النبوي قد نسخ الوصية للوارثين فقط دون غيرهم من الأقارب. والقول الأخير هو الأوجه كما هو المتبادر. ومن القرائن على استمرار حكم الوصية بعد نزول آيات المواريث في سورة النساء أن هذه الآيات كررت التنبيه على وجوب تنفيذ وصية الميت وأداء ما عليه من دين قبل توزيع التركة. وهناك كثير من طبقات الأقارب قد لا ينالهم من الإرث نصيب مثل الأخوة في حال وجود الأبناء الذكور والآباء ومثل الأحفاد حينما يكون لهم أعمام ومثل الأعمام والعمات والأخوال والخالات في حال وجود ورثة أقرب كالآباء والأبناء الذكور إلخ إلخ ... حيث تكون الوصية لهؤلاء حلّا لمشكلتهم وسدا لعوزهم لأنهم محجوبون عن الإرث وفي هذا ما فيه من حقّ وروعة وجلال. والآية الأولى قوية التعبير حتى جعلت الوصية فرضا وحقا على من يتقي الله تعالى ولعل هذا من مفردات التشريع الإسلامي وخصوصياته. ولقد روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود حديثا عن ابن عمر عن النبي ﷺ جاء فيه: «ما حقّ امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلّا ووصيته مكتوبة عنده» «٢» . وقد أورد الطبرسي في سياق تفسير الآيات حديثا نبويا جاء فيه: «من مات بغير وصيّة مات ميتة جاهلية» وحديثا آخر جاء فيه: «من لم يحسن وصيّته عند موته كان نقصا في مروءته وعقله» وحديثا عن علي بن أبي طالب جاء فيه: «من لم يوص عند موته لذوي قرابته فقد ختم عمله بمعصية» . وقد أورد الطبري قولا عن الضحاك أحد علماء التابعين جاء فيه: «من مات

стр. 3093

ولم يوص لذوي قرابته فقد ختم عمله بمعصية» . وقولا آخر جاء فيه: «فإن لم يكن له قرابة فيوصي لفقراء المسلمين» . وفي كل ما تقدم من الروعة والجلال ما هو ظاهر حيث ينطوي في ذلك قصد إلى توزيع الثروة وعدم احتكارها في أيدي الورثة. وحضّ على عمل البرّ والخير وصلة الرحم، حتى لقد ذهب بعضهم استنادا إلى قوة الآيات والأحاديث إلى أن الذي يهمل الوصية يكون مضيعا لفرض من فروض الله تعالى على ما ذكره الطبري. ولقد أثرت أحاديث وأقوال عن الحد الذي يجب فيه هذا الواجب، فهناك حديث نبوي مشهور رواه الخمسة عن سعد بن أبي وقاص قال: «مرضت عام الفتح مرضا أشفيت منه على الموت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا ولا يرثني إلّا ابنتي، أفأوصي بمالي كلّه؟ قال: لا. قلت: فبثلثيه؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: الثلث. والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس» «١» . وهناك حديث يرويه مسلم وأبو داود والنسائي عن عمران بن الحصين جاء فيه: «إنّ رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم النبيّ ﷺ فجزّأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة وقال له قولا شديدا» حيث يفيد هذا أن النبي ﷺ أجاز الثلث فقط «٢» . وهناك حديث يرويه القاسمي عن الإمام أحمد أن النبي ﷺ غضب لوصية رجل بمال كثير ليتيم له وحدد له الثلث على الأكثر أو أقل مما أراد أن يوصي به. وهناك أقوال يرويها ابن كثير والطبري وغيره من المفسرين عن بعض

стр. 3094

أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم. منها أن عليّ بن أبي طالب دخل على ابن عمّ له يعوده فقال له: إني أريد أن أوصي، فقال له: لا توص فإنك لم تترك خيرا فتوصي. وكان ما عنده ما بين السبعمائة والتسعمائة درهم. ومنها أن رجلا استفتى عائشة وكان عنده أربعمائة دينار فقالت له: ما أرى فيها فضلا. ومنها أن قتادة حدد جملة: (إن ترك خيرا) بألف درهم فما فوق. وأن ابن عباس حددها بستين دينارا وطاووسا حددها بثمانين دينارا. ومن المحتمل أن تكون تحديدات ابن عباس وطاووس بل وقتادة وعلي بعد ترتيب الأعطيات للمسلمين في زمن عمر وبعده بحيث يكون المبلغ المحدد خارجا عن حاجة المسلم الضرورية. ومع هذا فيصح أن يقال إن هذه المقادير عرضة للتبدل تبعا لتبدل الظروف. وأن ما يعدّ كثيرا نوعا ما في ظرف قد يكون قليلا لا غناء فيه ولا يتحمل توصية في ظرف آخر والله تعالى أعلم. ومهما يكن من أمر فالفهم العام الذي يستفاد من الأقوال ومن روح الآية أن جملة: (إن ترك خيرا) تعني إن ترك مالا كثيرا نوعا ما يتحمل فرز قسم منه لغير الورثة من الأقارب والمحتاجين. وفي هذا ما فيه من الحكمة والسداد بحيث يكون الحكم هو على أن الذين يتركون مثل هذا المال واجب الوصية على أن لا يكون أكثر من ثلث ما تركوه. وحديث المماليك الستة يفيد أن لولي أمر المسلمين وقاضيهم أن يمنع إجازة وصية تزيد عن الثلث. وفي الآية الثانية إنذار لمن يبدلون الوصية أو يعطلون تنفيذها لأن في ذلك إجحافا لذي حقّ مكتسب ومنعا للخير والبرّ المنطويين في الوصية أو تغييرا للوجهة التي أحب صاحب الحق وهو صاحب المال أن يضع ماله فيها. وروح الآية الثالثة وفحواها هما بسبيل منع الضرر من قبل الموصي ببعض ورثته أو تفضيل بعض على بعض بسائق من الحقد أو الهوى. وفي هذا ما فيه من حكمة وحق. ومن الأمثلة التي أوردها الطبري أن يوصي الأب لابن أحد أولاده دون غيره في حياة أبيه أو توصي المرأة لزوج إحدى بناتها، لأن الحال في الحالتين

стр. 3095

سيعود إلى والد أو والدة الحفيد، وهما ورثة لا تجوز لهما الوصية ومن الممكن أن تورد أمثلة أخرى مماثلة. ولقد روى أبو داود والترمذي بسند حسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل أو المرأة لتعمل بطاعة الله تعالى ستين سنة ثم يحضرها الموت فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار» «١» . وقد أورد ابن كثير حديثا رواه ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «الجنف في الوصية من الكبائر» وهذا الحديث ليس من الصحاح ولكنه متطابق مع روح الآية والله أعلم. ولقد أورد الطبري قولا لابن عباس بعدم جواز وإجازة الوصية التي فيها ضرر. وقولا لقتادة أن للحاكم أن يردّ الوصية التي فيها الضرر ومجانبة للحق والعدل. وأورد ابن كثير حديثا أخرجه ابن مردويه عن عائشة عن النبي ﷺ قال: يردّ من صدقة الحائف في حياته ما يردّ من وصية المجنف عند موته. والحديث ليس من الصحاح ولكنه متطابق مع روح الآية أيضا والله أعلم. وفي تفسير الطبري أقوال لبعض أهل العلم من التابعين في صدد نوع الموصى لهم. منها أن نصّ الآية يحصر الوصية للأقارب سواء أكانوا أغنياء أم فقراء وأن من الواجب الالتزام بذلك. ومنها ما يجيز الوصية لغير الأقارب في حالة وجود أقارب مع شرط أن يكون الأقارب من جملة الموصى لهم. وأن الموصي إذا وصّى لغير أقاربه وكان له أقارب فيكون للحاكم أن ينتزع ثلثي ما وصّى به لغير أقاربه ويردّهما إلى الأقارب. وقد يكون القول الأول مطابقا لحرفية الآية. غير أنه يجب أن يلاحظ أولا أن الوصية للأقارب في الآية كانت قبل نزول آيات المواريث وأنها بقيت محكمة للأقارب غير الورثة. وثانيا أن الأصل في الوصية لغير الورثة هو سدّ حاجة المحتاج منهم كما يلهمه سلك أولي القربى في سلك اليتامى والمساكين في آية سورة النساء هذه: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨) وإن هذه الآية تلهم جواز

стр. 3096

بل وجوب الوصية للمحتاجين من غير الأقارب أيضا والله تعالى أعلم. وقد شجعت الفقرة الأخيرة من الآية الثالثة الوسطاء على التدخل بين الموصي الذي يريد بوصيته الضرر أو يخشى منه ذلك والإصلاح بينهم. وفي هذا ما فيه من حكمة سامية بسبيل منع الضرر وإقرار ما فيه الخير والمصلحة لمختلف الفرق. وقد قال المفسرون إن هذا التشجيع مستمر المدى بعد موت الموصي أيضا بحيث يتدخل وسطاء الخير للإصلاح بين الورثة والموصى لهم حتى يزال الجنف والضرر اللذين يكونان في الوصية. وفي هذا وجاهة وصواب تؤيدهما جملة: فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بالنسبة للمتدخل للإصلاح حيث تنطوي على تبرئة الوسيط من إثم تبديل الوصية الذي أنذر به المبدلون لها في الآية الثانية، لأن فعله بسبيل الخير والإصلاح الذي هو من أهداف الدعوة الإسلامية والمبادئ القرآنية والنبوية. وعبارة الآية الثالثة يمكن أن تتناول أي مسلم قادر على الإصلاح كما يمكن أن تشمل ولي أمر المسلمين. وفي هذا ما فيه من توسيع فسحة الإصلاح ودفع الأذى والضرر والجنف. [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٣ الى ١٨٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) .

стр. 3097

(١) فمن تطوع خيرا: من زاد في مقدار الفدية المعين. (٢) فمن شهد منكم الشهر: أقام فيه ولم يكن مسافرا. (٣) الرفث: كناية عن الجماع. (٤) تختانون أنفسكم: تخونون أنفسكم وتظلمونها. (٥) باشروهن: كناية عن الجماع أيضا. (٦) حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر: كناية عن بزوغ الفجر الصادق الذي يفرق بين ظلمة الليل وضوء النهار، ويساعد على التمييز بين الأبيض والأسود. تعليقات على آيات الصيام مع شروح متنوعة في صدد الصيام ورمضان الآيات تحتوي فرض الصيام وحدوده وفوائده ورخصه، وعبارتها واضحة وهي فصل تشريعي جديد. ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد فصل الوصية التشريعي فوضعت بعده، أو أن تكون وضعت بعده للمماثلة التشريعية كما كان الأمر بالنسبة للآيات السابقة. والصيام من العبادات الرياضية الروحية القائمة على حرمان الجسم في سبيل تصفية النفس، وهو ممارس على أشكال متنوعة منذ الأزمنة القديمة ومفروض على

стр. 3098

اليهود والنصارى، وهذا ما أشارت إليه الآية الأولى «١» . وكثير من الأمم غير الكتابية تمارسه أيضا، ومما لا ريب فيه أن لهذه العبادة الرياضية الروحية إلهامات ومزايا وفضائل سواء في تعويدها الصائمين تحمّل الحرمان تحمّلا تطوعيا لا رقيب عليه ولا محاسب إلا إيمان الصائم وضميره وما في هذا من وسيلة لتصفية النفس وتقوية الروح والإرادة ومغالبة الأهواء وكبح الشهوات. أم في تذكيرها بالمحرومين وما يقاسونه من آلام العوز والحرمان وما يؤدي هذا إليه من رقة النفس وإثارة الرغبة في البرّ والخير والمعونة والإحسان. فلا غرو أن يكون من فرائض الإسلام الذي انطوت فيه الدعوة إلى كل فضيلة ومكرمة وإلى قيام الإنسان بواجباته نحو الله والناس بكل وسيلة ومناسبة، ثم إلى كبح جماح الشهوات وتصفية النفس وإعدادها لتلقي فيض الله ومدده وروحانيته. ولقد أثرت عن النبي ﷺ أحاديث عديدة في فضل الصيام وآدابه فيها الترغيب والبشرى والحضّ والتشجيع. منها حديث جاء فيه: «إنّ الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» «٢» . وحديث ثان جاء فيه: «كلّ عمل ابن آدم له إلّا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربّه فرح بصومه» «٣» وفي رواية: «كلّ عمل ابن آدم مضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله : إلا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به من يدع شهواته وطعامه لأجلي» . وحديث ثالث جاء فيه: «قال أبو

стр. 3099

أمامة، قلت: يا رسول الله مرني بأمر ينفعني الله به؟ قال: عليك بالصيام فإنّه لا مثل له» «١» . وحديث رابع جاء فيه: «ألا أدلّك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفىء الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل شعار الصالحين» «٢» . وحديث خامس جاء فيه: «ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الربّ: وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين» «٣» . وحديث رواه الخمسة وأحمد عن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله ما تقدّم من ذنبه، وفي رواية أحمد: وما تأخّر» «٤» . وهناك حديثان مهمّان في صدد آداب الصائم وأخلاقه أحدهما رواه الخمسة إلا مسلما جاء فيه: «قال النبيّ ﷺ : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» «٥» . وثانيهما رواه ابن ماجه وأحمد والحاكم جاء فيه: «قال النبيّ ﷺ : ربّ صائم ليس له من صيامه إلّا الجوع، وربّ قائم ليس له من قيامه إلّا السهر» «٦» . ولقد اقتضت حكمة رسول الله ﷺ تشريع زكاة الفطر لتكون مطهرة للصائمين مما قد يكونون ألموا به أثناء صومهم من هفوات حيث روى أبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللّغو والرفث وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» «٧» . وحديث رواه الخمسة عن ابن

стр. 3100

عمر قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحرّ والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة» «١» . وهناك أحاديث في فضل إطعام الطعام في رمضان والحثّ عليه، منها حديث رواه الترمذي وأحمد عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ قال: «من فطّر صائما كان له مثل أجره لا ينقص من أجر الصائم شيئا» «٢» . وحديث رواه الترمذي بسند حسن عن أم عمارة قالت: «إنّ النبي ﷺ دخل عليها فقدمت له طعاما فقال: كلي، فقالت: إنّي صائمة. فقال: إنّ الصائم تصلّي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا، وربّما قال: حتى يشبعوا. وفي رواية: الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلّت عليه الملائكة» «٣» . وهناك حديث عن جود رسول الله ﷺ بخاصة في رمضان ومدارسته القرآن مع جبريل فيه رواه الشيخان عن ابن عباس قال: «كان النبيّ ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل. وكان جبريل يلقاه كلّ ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبيّ القرآن وفي رواية فيدارسه القرآن، فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة» «٤» . وهناك حديث في صدد الإفطار عمدا رواه الخمسة عن أبي هريرة جاء فيه، قال النبي ﷺ : «من أفطر يوما من رمضان في غير رخصة رخّصها الله له لم يقض عنه صيام الدهر وإن صامه» «٥» .

стр. 3101

ومع أن جملة: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ هي في صدد الصوم وسياقه فإن إطلاقها ينطوي على تلقين عام يشمل مختلف شؤون المسلمين الدينية. ولقد علقنا على هذا المعنى في سياق الآية [٧٨] من سورة الحج فنكتفي بهذا التنبيه. هذا، وفي كتب التفسير روايات وأقوال عن أهل التأويل وأئمة الفقه في صدد آيات الصيام وأحكامه نوجزها ونعلق عليها بما يلي: ١- قال المفسّرون ورووا «١» في صدد جملة: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ إن صيام رمضان كان هو المفروض على أهل الكتاب وإن ذلك متصل بسنة إبراهيم وإن الصيام كان يبدأ من النوم بعد الإفطار إلى عتمة اليوم التالي. وإن ذلك شقّ عليهم فغيروا وبدّلوا كما قالوا إن الصيام كتب على المسلمين كما كتب على كل الناس وإن الصيام الأول كان ثلاثة أيام من كل شهر. وليس لما قالوه سند وثيق، والذي يتبادر لنا أن القصد من العبارة هو المماثلة، فقد كان لليهود والنصارى ولغيرهم أوقات صيام معينة فأشير إلى ذلك في سياق فرض الصيام على المسلمين. ٢- وقالوا ورووا في صدد جملة: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ إن الصيام فرض لأول مرة ثلاثة أيام من كل شهر وكان هذا مما فرض على أهل الكتاب وأن هذا مما كان يفعله النبي ﷺ والمؤمنون تطوعا ثم فرضا ثم نسخ بفرض شهر رمضان. ومما قالوه ورووه أيضا أن جملة: أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ هي أيام رمضان وإن جملة شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هي بدل بياني لتلك الأيام وليست ناسخة. ويتبادر لنا أن هذا هو الأوجه وأن جملة فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى

стр. 3102

سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ الأولى في الآية [١٨٤] قرينة على ذلك لأنها تفيد أن الأيام المعدودة معينة العين. ٣- وقالوا ورووا في صدد جملة: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ عدة أقوال منها إن هناك محذوفا مقدرا وهو (لا) قبل يطيقونه لأن في هذا بيانا لحكمة الرخصة والفدية. ومنها إن معنى يُطِيقُونَهُ هو (يتحملونه بجهد ومشقة) وهم الشيوخ والمرضى الذين لا يرجى برؤهم. ومنهم من أدخل معهم الحبالى والمرضعات إذا خفن على أنفسهن. ومنها إن الصيام فرض في البدء على التخيير فمن شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا مع التنبيه الرباني على أن الصيام هو خير من الإفطار وأن ذلك نسخ بالآية [١٨٥] التي خلت من رخصة الإفطار وأوجبت الصوم على من شهد الشهر وقصرت الرخصة على المريض والمسافر بشرط القضاء. ولقد جاء في هذا الصدد حديث عن سلمة بن الأكوع جاء فيه أنه لما نزلت وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل حتى نزلت الآية التي بعدها: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فنسختها «١» . ومع ذلك فإن بعض المفسرين لا يسلمون بأن هذه الآية نسخت ما قبلها ويقولون إن حكم الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ باق. وأوردوا حديثا عن ابن عباس رواه البخاري وأبو داود والنسائي بنصوص ثانية. ونصّ البخاري: «ليست منسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان» ونصّ أبي داود: «هي رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة. وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا» ونصّ النسائي: «لا يرخّص إلا للذي لا يطيق الصيام أو مريض لا يشفى» «٢» . والمتبادر أن الفدية الدائمة لا تصح إلّا ممن لا يطيق الصيام في أي وقت بسبب مرض لا يشفى أو سنّ متقدمة. أما الحبلى والمرضعة فيكون حكمهما إذا

стр. 3103

خافتا على نفسيهما الضرر والخطر حكم المريض الموقت الذي رخصت له الآية بالإفطار على أن يقضي الأيام في وقت عافيته بعد والله تعالى أعلم. وهناك حديث رواه أصحاب السنن عن رجل قال: «أتيت رسول الله ﷺ لحاجة فإذا هو يتغذى قال: هلمّ إلى الغذاء، فقال: إني صائم. قال: هل أخبرك عن الصوم؟ إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم ورخص للحبلى والمرضع» «١» والمتبادر أن وضع الصوم هو وضع موقت بقرينة أنه جمع المسافر أيضا، والمسافر يقضي الصوم بنص الآية. ٤- ومما قالوه ورووه أن جملة: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ بمعنى جمع الفدية إلى الصيام كما قالوا إنها بمعنى الزيادة في الفدية لأن طعام مسكين واحد هو حدّ أدنى، ويتبادر لنا أن القول الأخير هو الأوجه. ٥- ومع كل ذلك فإنه يتبادر لنا والله أعلم أن الذين لا يطيقونه بسبب الشيخوخة والمرض الدائم الذي لا يبرأ منه صاحبه أو الذي يزيده الصوم شدة سيدخلون في عداد عدم التكليف: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ولا يقتضي هذا فدية. وأن الفدية كانت لمن يطيق الصوم على التخيير بينها وبين الصوم بدليل جملة وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ لأن هنا لا يصح أن يقال إلّا لمن يطيق الصوم وأنها نسخت بالآية التالية على الوجه المشروح الذي تؤيده بعض الأحاديث الصحيحة التي أوردناها والله أعلم. ٦- والجمهور على أن طعام المسكين هو طعام يوم كامل من أوسط ما يطعم الصائم أهله. وأنه يصح أن يعطى بدل عن الطعام نصف صاع من برّ أو تمر، وقد يقاس على هذا فيقال إنه يصح أن يعطى بدل نقدي حسب الظرف والمكان. ٧- ومن المعاني التي ذكرها الخازن لجملة: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أنها بمعنى من رأى منكم الهلال غير أن الجمهور على أن معناها من

стр. 3104

كان مقيما غير مسافر. وهذا هو الأوجه الذي قد تؤيده جملة: وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ التي جاءت بعد الجملة. ٨- وهناك أحاديث عديدة في صدد الصوم والإفطار في رمضان غير الحديث الذي أوردناه آنفا، منها حديث رواه الشيخان وأبو داود عن ابن عباس جاء فيه: «إنّ رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس، وكان صحابة رسول الله ﷺ يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، وفي رواية: خرج النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بماء فرفعه إلى فيه ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة. وذلك في رمضان فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر. فمن شاء صام ومن شاء أفطر» «١» . وحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أنس قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. وفي رواية كانوا يرون أن من وجد قوة فصام فحسن ومن وجد ضعفا فأفطر فحسن» «٢» . وحديث رواه الخمسة عن جابر قال: «وكان النبي ﷺ في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلّل عليه فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم. فقال: ليس من البرّ الصوم في السفر» «٣» . وحديث رواه مسلم والنسائي عن أنس قال: «كان النبي ﷺ في سفر فصام بعض وأفطر بعض فتحزم المفطرون وعملوا وضعف الصوّام عن بعض العمل فقال رسول الله: ذهب المفطرون اليوم بالأجر» «٤» . وهناك حديثان يرويهما الطبري لم يردا في الصحاح واحد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» . وثان عن حمزة الأسلمي جاء فيه: «أنه سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: إنما هي رخصة من الله لعباده فمن فعلها فحسن جميل ومن تركها فلا جناح عليه» .

стр. 3105

ولقد تعددت المذاهب بناء على ذلك ففريق من أصحاب رسول الله ﷺ وتابعيهم وأئمة الفقهاء ذهبوا إلى كراهية الصوم في السفر وقالوا: إن الله تصدّق على عباده برخصة الإفطار فلا يجوز ردّ صدقته. وفريق جعل ذلك في الخيار فمن شاء صام ومن شاء أفطر. وهناك فريق حبّذ عدم السفر في رمضان لئلا يضطرّ إلى الإفطار وقال: إنه إذا حلّ رمضان على مقيم وصام ثم سافر فعليه أن يستمرّ في الصوم. ٩- ولم نطلع على أثر نبويّ في صدد حدّ المرض والسفر اللذين يباح فيهما الإفطار. فهناك حديث رواه البخاري جاء فيه: «كان ابن عمر وابن عباس يقصران ويفطران في أربعة برد» «١» . وحديث رواه أبو داود جاء فيه: «كان ابن عمر يخرج إلى الغابة فلا يقصر ولا يفطر» «٢» . ومما قاله المؤولون والفقهاء إن حدّ المرض هو تمكن الظن بضرر النفس وازدياد العلّة أما حدّ السفر فمنهم من قدره بسير ثمانية فراسخ ومنهم من قدره بستة عشر فرسخا. والذي يتبادر لنا من روح الجملة القرآنية ومن الأحاديث النبوية أن الرخصة بالإفطار للمسافر والمريض الموقت ويدخل في ذلك الحبالى والمرضعات والنفساء إنما هي بسبب الجهد والمشقة تمشيا مع المبدأ القرآني الذي يقرّر أن الله لا يكلّف نفسا إلا وسعها وأن الله يريد بالناس اليسر لا العسر. وأن الأمر موكول لتقدير المسلم المفروض أنه مخلص لدينه وواجباته الدينية، وأن الصيام في الأصل عمل ذاتي لا رقيب عليه إلا الله وإيمان المؤمن. ولقد جاء النص القرآني مطلقا مما ينطوي فيه حكمة بالغة متمشية مع الحكمة القرآنية العامة التي جرت على ترك تعيين الأشكال في الأعمّ الأغلب لظروف الأشخاص من الأزمنة والأمكنة. والعبرة قائمة اليوم بالنسبة للسفر في تبدل وسائط النقل ووسائل الأسفار، بل وهذا يشاهد في المرض نتيجة لتقدم الطب، فالمقاييس والأحوال تتغير بتغير الوسائل والظروف،

стр. 3106

ولكن المبدأ القرآني يظل قائما ويكون هو الحكم في هذه المسائل كما هو في أمثالها وفي هذا ما فيه من القوة والروعة ومرشحات الخلود. وعلى ضوء هذا يمكن القول إن حدّ السفر والمرض المبيحين للإفطار هو المشقة المحققة التي قد تؤدي إلى الضرر. وإن الأولى أن يأخذ المسلم بالرخصة وأن لا يتكلف مشقة ولا يعرض نفسه للخطر والله تعالى أعلم. ١٠- ومما قاله المؤولون في جملة وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ أنها في صدد الأيام التي يفطرها المريض والمسافر حيث يكون صومها عند الإقامة والشفاء، إتماما لعدة شهر رمضان وهذا وجه سديد. ١١- وفي صدد كيفية قضاء الأيام التي يفطرها المريض والمسافر روى الدارقطني وابن الجوزي وصححه حديثا عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «قضاء رمضان إن شاء فرّقه وإن شاء تابع» «١» . ١٢- ونستطرد إلى مسألة تشغل المسلمين في جميع أقطارهم كل سنة، وهي مسألة رؤية القمر لبدء الصيام والانتهاء منه. ولقد روى الخمسة عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غمّ عليكم فاقدروا له» «٢» . ولفظ الترمذي: «لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حالت دون رؤيته غيابة فاكملوا ثلاثين يوما» وفي رواية البخاري: «فإن غمّ عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين» وفي رواية: «فإن غمّ عليكم فصوموا ثلاثين يوما» «٣» . وهناك أحاديث أخرى منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن ابن عمر عن النبي ﷺ جاء فيه: «إنّا أمّة أمّية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا يعني مرّة تسعة وعشرين ومرّة ثلاثين» «٤» . وحديث رواه أبو داود والدارقطني وصححه عن حسين بن الحارث قال: «خطب أمير مكة ثم قال عهد إلينا رسول

стр. 3107

الله ﷺ أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما» «١» . وحديث آخر رواه أبو داود وأحمد عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: «اختلف الناس في آخر يوم رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي ﷺ بالله أنهما رأيا الهلال أمس عشية فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلّاهم» «٢» . وحديث رواه أبو داود وابن حبان والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله أني رأيته فقام وأمر الناس بصيامه» «٣» . وحديث رواه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «جاء أعرابيّ إلى النبيّ ﷺ فقال: إني رأيت الهلال فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمّدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذّن في الناس فليصوموا» «٤» . وروح الأحاديث تلهم أن القصد هو التيقن من دخول الشهر ونهايته. وأن رؤية واحد من المسلمين في مكان تكفي لصيام المسلمين وإفطارهم في مكان آخر وبخاصة إذا كان المكانان متساويين أو متقاربين في المطالع. وأنه ليس من الضروري أن تثبت الرؤية في كل بلد لحدته. ولقد روى الخمسة إلّا البخاري عن كريب حديثا جاء فيه: «إنّ أمّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام وقضيت حاجتها واستهلّ عليّ رمضان وأنا في الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت إلى المدينة آخر الشهر فسألني ابن عباس متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية. فقال: ولكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ » . «٥» .

стр. 3108

ويتبادر لنا أن هذا اجتهاد من ابن عباس قائم على احتمال الظن أن يكون مطلع القمر في الشام غير مطلعه في المدينة، وليس في الأحاديث النبوية المروية ما يدعمه بصراحة، وليس من شأنه أن ينقض الحكم المستلهم من الأحاديث التي أوردناها. وقد يكون عدم رؤيتهم الهلال في المدينة لسبب سحاب أو عجز عن الرؤية، وما دام أن من الثابت اليقيني اليوم أنه ليس فرق كبير في المطالع بين البلاد العربية في آسيا وأفريقيا بل وبين البلاد الإسلامية الآسيوية الإفريقية والأوروبية القريبة منها وأن الفرق لا يعدو أن يكون ساعة أو ساعتين بحيث يكون الشهر في اليوم التالي مؤكد الدخول في جميع هذه البلاد فإن ثبوت رؤية القمر في بلد منها كاف لبدء الصيام وانتهائه في البلاد الأخرى. وهذا صار يمكن العلم به في دقائق معدودة بحيث يكون خبر أول بلد يرى فيها القمر يؤخذ به في البلاد الأخرى صوما وانتهاء، بل وإنه لمن السائغ ما دام القصد الشرعي هو التثبت من دخول الشهر ونهايته أن يكون ذلك بناء على الحساب الفلكي الرياضي المستند إلى علم وثيق أو على رؤية الهلال بواسطة منظار المراصد الفلكية إذا تعذرت الرؤية العيانية المعتادة والله تعالى أعلم. وفي هذا خلاص من البلبلة التي يقع المسلمون فيها في كل سنة من جراء تمسكهم بالحرف وإهمالهم الجوهر فيه فيكون صيامهم وإفطارهم واحدا في كل بلادهم. وقد وصل علم الفلك إلى درجة بعيدة جدا من الدقة والضبط، وساعد اللاسلكي على اتصال البلاد ببعضها في لمحة البصر ولم يكن من هذا شيء من قبل. وفي التقريرات والمبادئ القرآنية ما يبيح للمسلمين بأخذ كل ما فيه مصلحة وتيسير ولم يكن فيه معصية وتعطيل. وفي الآية التي نحن في صددها تلقين عظيم في هذه المسألة بالذات حيث قررت أن الله إنما يريد بالمسلمين اليسر ولا يريد بهم العسر وكل ما يريده منهم هو إتمام عدة الشهر الذي أمروا بصيامه وذكر الله وعبادته لأن في ذلك رشدهم وصلاحهم وخيرهم. ١٣- وقالوا ورووا في صدد الآية [١٨٧] : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ

стр. 3109

إِلى نِسائِكُمْ إلخ ... عدة أقوال وروايات منها: إن الصيام كان يبدأ عند النوم في عتمة المساء فلا يجوز للمسلم أن يرفث ويأكل ويشرب إذا ما استيقظ ولو كان ذلك قبل الفجر، بل وكان من غلبه النوم قبل الإفطار يظل طاويا ولو استيقظ قبل الفجر وإن ذلك كان تطوعا من المسلمين واجتهادا فأنزل الله الآية رفقا بهم وتحليلا لما حرموه على أنفسهم. ومنها إن ذلك كان بأمر النبي ﷺ وإن بعض المسلمين ومنهم عمر بن الخطاب نكحوا وأكلوا وشربوا بعد الاستيقاظ من النوم قبل الفجر فراجعوا النبي ﷺ تائبين خائفين فأنبهم، ثم نزلت الآية بالعفو والتوبة والتخفيف. ومنها إن الآية لم تنزل منفصلة وإن الله قد أعلم المسلمين فيها في سياق فرض الصيام عليهم أنه قد أحل لهم الأكل والشرب والرفث ليلة الصيام إلى الفجر لأنه علم أنهم قد يظلمون أنفسهم ويخونونها لو لم يحلّ لهم ذلك. ولقد روى البخاري عن البراء قال: «لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كلّه. وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله الآية» «١» . وروى البخاري وأبو داود والنسائي عن البراء أيضا قال: «كان أصحاب محمد إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي وإن قيس بن صرمة كان صائما فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عيناه فجاءت امرأته فلما رأته قالت خيبة لك. فلما انتصف النهار أغمي عليه فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت الآية ففرحوا بها فرحا شديدا. وفي رواية كان الناس على عهد النبي ﷺ إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى القابلة فاختان رجل نفسه فجامع امرأته وقد صلّى العشاء ولم يفطر فأراد الله أن يجعل ذلك يسرا لمن بقي ورخصة ومنفعة، فأنزل الآية «٢» . ويتبادر لنا أن جملة فَالْآنَ ثم جملة فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ في الآية قد تؤيدان ما جاء في الحديث الثاني وما روي عن عمر، ولا يمنع هذا أن يكون ما

стр. 3110

روي في الحديث الأول قد وقع أيضا فاقتضت حكمة التنزيل الإيحاء بالآية ليكون فيه تيسير للمسلمين في الصيام. وفي هذه الحالة تكون الآية قد نزلت منفصلة عن أخواتها بعد مدة ما ثم ألحقت بها للمناسبة. ١٤- وقالوا ورووا في صدد: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ إن بعض المسلمين الذين كانوا ينذرون الاعتكاف في المساجد ليلا ونهارا في شهر رمضان أو بعض أيامه كانوا يخرجون ليلا من المسجد فينكحون ثم يغتسلون ويعودون فنهوا عن ذلك. ولم نر قولا آخر في هذا الصدد. ويظهر أن بعض المسلمين خالفوا حدود سنة الاعتكاف التي سنها النبي لأصحابه كما خالفوا أمره بعدم الأكل والشرب والجماع بعد النوم فاحتوت الآية النهي عن ذلك. ونقول استطرادا: إن من المفسرين من جعل المباشرة الجلدية دون الجماع في حكم الجماع المنهي عنه، والذي هو مفسد للصوم إطلاقا في حالة الاعتكاف وغيرها. ومنهم من ألحق التقبيل والمعانقة، ومنهم من أباح كل ذلك. استنادا إلى حديث رواه الخمسة عن عائشة ﵂ جاء فيه: «كان النّبي ﷺ يقبّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه» «١» . وهناك حديث آخر رواه أبو داود والبيهقي وصححه عن أبي هريرة جاء فيه «٢» : أن رجلا سأل النّبي عن المباشرة فرخص له وأن شخصا آخر سأله عنها فنهاه وكان الأول شيخا والثاني شابا. والذي يتبادر لنا أن الجوهري في المسألة هو ملك الإرب مع التيسير للهو والتحبب. وأن من لا يظن في نفسه القدرة على ذلك فالمنع هو الحكم. بل يتبادر لنا أن المنع هو الأولى في كل حال من باب الاحتياط، لأن الإنزال في حالة المباشرة في اليقظة مفسد للصيام بالإجماع. وننبه على أن هناك أحاديث نبوية عديدة في الاعتكاف في رمضان فيها توضيح لما جاء في هذه النبذة. منها حديث رواه الخمسة عن عائشة قالت: «كان النّبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله ثم اعتكف أزواجه

стр. 3111

من بعده» «١» . وحديث رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: «كان النبيّ ﷺ يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيام فلمّا كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما» «٢» . وحديث رواه ابن ماجه عن ابن عمر قال: «كان النبيّ ﷺ إذا اعتكف طرح له فراش أو وضع له سرير وراء اسطوانة التوبة» «٣» . وحديث رواه الخمسة عن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إليّ رأسه فأرجّله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان» «٤» . وحديث رواه أبو داود والنسائي عن عائشة قالت: «السّنة على المعتكف ألّا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمسّ امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلّا لما لا بدّ منه. ولا اعتكاف إلّا بصوم ولا اعتكاف إلّا في مسجد وجامع» «٥» . وحديث رواه ابن ماجه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في المعتكف: «هو يعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلّها» «٦» . وحديث رواه الطبراني والبيهقي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «سمعت صاحب هذا القبر يقول: «من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين. ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد مما بين الخافقين» «٧» . وحديث رواه البيهقي عن الحسين بن علي عن النبي ﷺ قال: «من اعتكف عشرا في رمضان كان كحجتين وعمرتين» «٨» . وهناك حديث يساق في صدد قضاء سنّة الاعتكاف في غير رمضان وفيه صورة لكيفية الاعتكاف رواه الخمسة إلا الترمذي عن عائشة قالت: «كان النبي ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلّى الفجر ثم دخل معتكفه. وإنه أمر بخبائه فضرب فأراد الاعتكاف في العشر الأخير من رمضان فأمرت زينب بخبائها فضرب، وأمر غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب فلما صلّى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأخبية فقال: آلبرّ تردن؟ فأمر بخبائه فقوّض وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكفه في

стр. 3112

العشر الأول من شوال» «١» . ١٥- وقد قالوا ورووا في صدد جملة: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أنها عنت أن القرآن أنزل دفعة واحدة في رمضان إلى سماء الدنيا ثم صار ينزل منجّما، وهذا القول قيل في سياق الآية: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) في سورة القدر والآية: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ [٣] في سورة الدخان وعلقنا على ذلك بما يغني عن التكرار. ولقد أورد ابن كثير في سياق الجملة أحاديث نبوية تذكر نزول القرآن وصحف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل في رمضان أيضا وكأنها تساق لتأييد هذا القول. منها حديث برواية الإمام أحمد عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال: «إنّ صحف إبراهيم نزلت في أول ليلة من رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة خلت والقرآن لأربع وعشرين» وحديث مروي عن جابر جاء فيه: «إن الزبور نزل لثنتي عشرة مضت من رمضان والإنجيل لثماني عشرة» وهذه الأحاديث لا تعدّ من الصحاح، والثاني بخاصة لا يستند إلى سند معروف. ويجوز التوقف فيها. وصحف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى الأصلية ﵈ ليست في أيدينا. وبالنسبة للقرآن الذي في أيدينا كما نزل نقول إن هذا القول بالإضافة إلى كونه غير مفهوم الحكمة هو غير منسجم مع حقيقة كون فصول القرآن كانت تنزل في مناسبات أحداث السيرة المتجددة والمتبدلة. ولقد روى المفسرون عن الشعبي في تأويل: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ سورة القدر [١] أنها بمعنى إنا بدأنا بإنزاله، وهذا هو ما تطمئنّ إليه النفس كما ذكرنا ذلك في تعليقنا على هذه المسألة في سورتي الدخان والقدر، والمتفق عليه المؤيد بحديث عائشة في أولية الوحي الذي أوردناه في تفسير سورة العلق أن الآيات الخمس الأولى من هذه السورة هي أول ما نزل على النبي ﷺ في ليلة القدر إحدى ليالي أواخر رمضان على ما شرحناه في تفسير سورة القدر. والذي يتبادر لنا أن الآية التي نحن في صددها قد قصدت ذلك للتنويه ببركة شهر

стр. 3113

رمضان وفضله لأنه كان فيه أعظم الأحداث الإسلامية وأكثرها بركة وخيرا وهو إعلان النبي ﷺ نبوته واتصال الوحي الرباني به وتلقيه عنه أولى آيات القرآن الذي فيه الهدى والبينات والفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل. والمتبادر أن فرض صيام هذا الشهر المبارك على المسلمين متصل من ناحية ما بذلك الحادث العظيم حيث اقتضت حكمة التنزيل فرض صيامه عليهم ليكون لهم شهر عبادة خالصة لله تعالى يؤدونها في مشارق الأرض ومغاربها سنويا إلى ما شاء الله لهذه الدنيا أن يدوم فيها معنى الشكر وواجبه على رحمة الله ونعمته وفيها معنى التذكير المتجدد بهذه الرحمة والنعمة، بالإضافة إلى ما فيها من حكم اجتماعية ونفسية وبدنية وتعبدية على ما ذكرناه قبل. ونستطرد إلى القول في صدد شهر رمضان فنقول: إننا ذكرنا في سياق تفسير سورة القدر أن النبي ﷺ كان يعتكف اعتكافاته الروحية في غار حراء في شهر رمضان قبل نزول الوحي عليه وأن التحنّث- أي التعبد والاعتكاف في شهر رمضان- كان ممارسا من قبل بعض الورعين المتقين في مكة «١» . فيسوغ القول والحالة هذه أنه كان لشهر رمضان خصوصية دينية ما وإن لم يعرف كنهها بجزم فاقتضت الحكمة الربانية اختصاصه بنزول القرآن والوحي على النبي ﷺ لأول مرة ثم بفرض صيامه على المسلمين. ١٦- ورووا في صدد الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي ... إلخ عدة روايات. منها أنها نزلت جوابا على سؤال من أحد أصحاب رسول الله ﷺ : أين الله؟ أو على سؤال سائل: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ أو على سؤال سائل عن أي الساعات التي يحسن أن يدعى الله فيها. وليس للروايات سند وثيق. ويتبادر لنا أن الآية غير منفصلة عن الآيات السابقة وأنها بمثابة استطراد وتنبيه: فالله قد أمر عباده بالصيام فعليهم أن يستجيبوا له ويؤمنوا به ففي ذلك خيرهم ورشدهم وعليهم أن يتيقنوا أنه قريب منهم إذا دعوه فإنه يستجيب لدعوتهم وعلى كل حال

стр. 3114

ففي الآية معالجة نفسية للمسلمين تبثّ فيهم الأمل في فضل الله ونصره وتيسيره وتوفيقه واليقين في الاستجابة لهم إذا دعوه في الملمات والحاجات. ولقد أورد المفسرون وعلماء الحديث في سياق هذه الآية أحاديث عديدة فيها توكيد لهذا المعنى. وقد ورد بعضها في الكتب الخمسة «١» . منها حديث رواه أبو داود والترمذي عن سلمان عن النبي ﷺ قال: «إنّ ربّكم حييّ كريم، يستحيي من عبده إذا دعاه أن يردّ يديه إليه صفرا» «٢» . وحديث رواه الترمذي عن عبادة عن النبي ﷺ قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلّا أتاه الله إيّاها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم. فقال رجل من القوم: إذا نكثر؟ قال: الله أكثر» «٣» . وحديث رواه الترمذي عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «سلوا الله من فضله فإنّ الله يحبّ أن يسأل. وأفضل العبادة انتظار الفرج» «٤» . وحديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي» «٥» . وحديث رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أنّ الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» «٦» . ١٧- وقالوا في صدد جملة: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ إنها تشير إلى شدة المخالطة بين الأزواج وصعوبة الصبر وإن فيها تعليلا للإباحة. وعلى كل حال فإن فيها أيضا على ما يتبادر لنا تنويها بعلاقة الزوجين ببعضهما وما يجب أن تقوم هذه العلاقة عليه من الصفاء والتعاطف والتوادّ والتمازج حتى يغدوان كشخص واحد وروح واحدة وقلب واحد. وهذه المعاني انطوت في آيات عديدة سابقة نبهنا عليها وخاصة آية سورة الروم [٢١] والأعراف [١٨٩] . ١٨- وقالوا ورووا في صدد جملة: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أنها تتمة

стр. 3115

للترخيص الرباني في الرفث والأكل والشرب إلى الفجر، كما قالوا ورووا أنها في معنى ابتغوا الخير الذي أراده الله لكم في الصيام. والمتبادر أن القول الأول هو الأكثر ورودا والله أعلم. ١٩- وقالوا ورووا في صدد جملة: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ إن معنى الشطر الأول (حتى يظهر بياض النهار بعد الفجر) . وأوردوا في تأييد ذلك حديثا رواه البخاري والترمذي عن عدي بن حاتم قال: «قلت يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال بل هو سواد الليل وبياض النهار» «١» . أما معنى الشطر الثاني فالمتفق عليه أنه دخول الليل الذي يباح به الإفطار هو غروب الشمس. ولقد استنبط الفقهاء من الآية عدم جواز مواصلة الصوم إلى اليوم التالي بدون إفطار. وهناك أحاديث عديدة عن النبي ﷺ فيها نهي عن الوصال تؤيد ذلك. من ذلك حديث يرويه الطبري عن أبي سعيد قال: «سمعت رسول الله يقول لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السّحر» . وحديث رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة في صيغ عديدة منها: «إيّاكم والوصال مرتين، قيل إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فاكلفوا من العمل ما تطيقون» «٢» . والحكمة الملموحة في الأحاديث هي الإهابة بالمسلمين لئلا يحملوا أنفسهم ما لا يطيقون. وأن يسيروا في عباداتهم بما هو اليسر دون العسر، وما دام الله تعالى قد جعل حد الصيام اليومي دخول الليل فالأولى التقيد بذلك. هذا، وهناك تشريعات نبوية في صدد صيام رمضان حكى عنها القرآن وصارت تتمة لأحكام هذا الصيام نشير إليها بإيجاز في ما يلي: ١- تشريع للحائض بالإفطار على أن تقضي الأيام التي تفطر بها في أيام أخر

стр. 3116

غير رمضان «١» . وليس هناك أثر نبوي عن حالة النفاس في رمضان والمتبادر أنها تقاس على حالة الحيض والله أعلم. ٢- استحباب نبوي للسحور وحثّ عليه ووصفه بالغذاء المبارك «٢» . ٣- صلاة التراويح، إن الأحاديث النبوية المروية تفيد أن النبي ﷺ لم يجعلها سنّة ملزمة متواصلة، وكان يصلّيها بعض الليالي ويتركها بعض الليالي حتى لا تكون كذلك ولم يحدد عددها، ولم تصبح معتادة وبإمامة إمام إلّا في شطر من خلافة عمر ﵁ لإقبال الناس عليها مع صلاتهم منفردين. ومما يروى أنها كانت ثلاثا وعشرين ركعة» . ٩- وليس في الحجامة أي فصد الدم أثناء الصوم بأس على ما جاء في بعض الأحاديث النبوية «٤» . ١٠- استطرد السيد رشيد رضا إلى قطرة العين وحقنة الشرج، وأورد كلاما للإمام ابن تيمية جاء فيه أن هناك من يقول بإفسادهما للصوم ومن يقول بعدم ذلك وأن الأظهر أنهما لا تفطران. لأنه لم يرو أحد عن النبي ﷺ حديثا ما من أي رتبة في منع ذلك، وأنهما ليس فيهما تغذية قياسا على الأصل المنهي عنه. ولا يخلو الكلام من سداد. وقد نبّه السيد رشيد رضا على أن حقنة التغذية مفسدة للصوم خلافا لذلك وهذا سديد. ولم يذكر حقنة العلاج في العضل والوريد ويرى أن عدم إفسادها للصوم من باب أولى والله أعلم. ١١- والمستفاد من الأحاديث أن مجامعة الرجل امرأته في يوم رمضان توجب كفارة ومغلظة أي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين إن لم يقدر على عتق

стр. 3117

رقبة أو إطعام ستين مسكينا «١» إن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين. فضلا عن أنه مفسد للصيام ويجب قضاء اليوم «٢» . ١٢- هناك أحاديث تجبر قضاء أيام الفطر في رمضان عن الميت أو تحثّ عليه أو تحثّ على إطعام مسكين عن كل يوم أفطره الميت «٣» . ١٣- يكره الصيام أو يحرم في يوم الشك، وهو اليوم الذي يشك أنه من شعبان «٤» . ١٤- هناك أحاديث تنهى عن الصيام يومي عيدي الفطر والأضحى، وأيام التشريق أي ثاني وثالث ورابع أيام عيد الأضحى «٥» . ١٥- وهناك أحاديث تحثّ على الصيام التطوعي في غير رمضان ولكنها تنهى عن المواصلة فيه. وتحثّ بخاصة على صيام التاسع والعاشر من المحرم ويوم النصف من شهر شعبان. وكان النبي ﷺ يصوم كثيرا في شهر شعبان ورجب ويصوم التسع الأوائل من شهر ذي الحجة أحيانا والتاسع على الأغلب. والأيام الستة الأولى من شوال بعد يوم العيد ويحث على ذلك «٦» . ولا قضاء على من يفطر في صوم تطوعي إلّا إذا كان نذرا «٧» . ١٦- وصلاة العيدين سنّة نبوية بعد شروق الشمس وهي ركعتان وكان النبي ﷺ يصليها في مصلّى عام غير مسجده ويأمر جميع الناس بشهودها بما فيهم النساء من مختلف الأسنان والحيض وإن كن في الحيض لا يصلين «٨» .

стр. 3118

[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٨] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) . (١) فريقا: هنا بمعنى قسما أو بعضا. في الآية نهي موجه للسامعين المخاطبين عن أكل أموال بعضهم بالباطل أو التوسل بها مع الحكام بقصد أكل شيء من أموال بعضهم بغير حقّ وعن عمد وعلم وبيان ما في ذلك من إثم. تعليق على الآية وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ... إلخ والآية فصل تشريعي جديد كما هو ظاهر، وقد تلهم روحها أن الخطاب فيها موجه إلى المؤمنين وإن كان إطلاقه يفيد تلقينا مستمر المدى وشاملا لجميع الناس، وقد يكون هذا الفصل نزل بعد فصل الصيام فوضع بعده أو يكون ذلك للمماثلة التشريعية. وقد روى المفسرون «١» أن الآية نزلت في مناسبة شكاية أحد المسلمين للنبي ﷺ على آخر غصب له أرضا. فكلفه بإقامة البينة فعجز فكلّف المدعى عليه باليمين فهمّ بأن يحلف فقال النبي ﷺ : «أمّا إنه إن حلف على ما ليس له ليأكله ظلما ليلقينّ الله وهو عنه معرض. ثم قال: إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم ألحن «٢» بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حقّ أخيه فلا يأخذنّ منه شيئا فإنما أقضي له قطعة من نار فليتحمّلها أو يذرها» . فارتدع المدعى عليه عن اليمين وسلّم الأرض إلى صاحبها المدعي فلم تلبث أن نزلت الآية.

стр. 3119

وفي الكتب الخمسة ثلاثة أحاديث فيها ما جاء في رواية الخازن مع زيادات موضحة مفيدة دون أن يذكر فيها أن الآية نزلت في المناسبة المذكورة في رواية الخازن. أولها حديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي جاء فيه: «جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي ﷺ فقال الحضرميّ: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها وليس له فيها حقّ. فقال النبي للحضرميّ: ألك بيّنة؟ قال: لا. قال: فلك يمين؟ قال: يا رسول الله إنه فاجر لا يبالي بما حلف ليس يتورّع عن شيء. فقال: ليس لك منه إلّا ذلك. فانطلق الرجل ليحلف فقال رسول الله: لئن حلف على مالك ليأكله ظلما ليلقينّ الله وهو عنه معرض» «١» . وثانيهما رواه أبو داود عن أم سلمة قالت: «أتى النبيّ ﷺ رجلان يختصمان في مواريث لهما ليست لهما بيّنة إلّا دعواهما فقال النّبي ﷺ من قضيت له من حقّ أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار. فبكى الرجلان وقال كلّ منهما حقّي لك. فقال النبي ﷺ : أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما وتوخّيا الحقّ ثم استهما ثم تحالا. وفي رواية: إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه» «٢» . وثالثهما حديث عن أم سلمة يرويه الخمسة جاء فيه: «إنّ رسول الله ﷺ قال: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحقّ أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» «٣» . ومهما يكن من أمر فإن الآية قد تلهم أنها نزلت بسبب حادث مشابه لما جاء في رواية الخازن أو الحديثين الأولين. وقد جاءت بصيغة عامة فيكون التوجيه أو التلقين الذي احتوته هدى للمسلمين في كل زمن وزاجرا لهم عن الارتكاس فيما نهت عنه إيمانا ويقينا وتقوى.

стр. 3120

وينطوي في الآية النهي عن شهادة الزور والتزوير والحجة الباطلة المزوقة والدعوى المنمقة الخادعة التي تصور الحق باطلا والباطل حقا عن عمد وعلم بل وينطوي فيها نهي عن استحلال المسلم مال أخيه بأية وسيلة من وسائل الباطل من غشّ وتغرير وكذب وغبن وافتعال وأيمان وقمار وسرقة ورشوة وخيانة إلخ. وقوة الزجر والتوجيه في الآية ملموحة ومتسقة مع شدة اهتمام القرآن لإقرار الحق وتوطيده وقيام العدل والإنصاف بين الناس والزجر عن الباطل والبغي والاحتيال والتزوير وتقبيح كل ذلك. وهذه القوة منطوية في الأحاديث النبوية حيث يتساوق التلقين القرآني والنبوي في هذا الأمر كما يتساوق في جميع الأمور. ولقد رأى بعض المفسرين في تعبير وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ معنى الرشوة والقصد إليها. وهذا المعنى أو القصد منطو في الآية سواء أدلّ هذا التعبير بالذات عليه أو لم يدلّ. وفي هذا أيضا يتساوق التلقين القرآني مع التلقين النبوي حيث روى أبو داود وأحمد والترمذي حديثا عن أبي هريرة جاء فيه: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي في الحكم» «١» . [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٩] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩) . (١) الأهلّة: جمع هلال. ومع ذلك فإن المتبادر أنها تعني حركات القمر وصوره خلال الشهر وتوالي ذلك شهرا بعد شهر. في الآية: ١- حكاية لسؤال وجّه إلى النبي ﷺ عن الأهلّة.
следующие страницы →