← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

يكونان فصلا جديدا متصلا بالآيات التالية لهما. وفيهما على كل حال صورة من صور العهد النبوي في المدينة من حيث إنه كان هناك مرضى نفوس ومخامرون يعقدون المجالس السرية للمكايدة والمشاقّة. ومن هنا يكون بين الآيتين والآيات السابقة تناسب قد يكون سبب وضعهما في مكانهما إذا لم يصح ما ذكره المفسرون من صلتهما بحادث ابن أبيرق وصحّ ما ذكرناه من صلتهما بالآيات التالية. وفي الآيتين تلقينات جليلة مستمرة المدى حيث انطوى فيهما قصد تهذيب أخلاق المسلمين وتنقية قلوبهم وتوجيههم في وجهة الحق والبرّ والمعروف والإصلاح في سرّهم وعلنهم وفي اجتماعاتهم الخاصة والعامة. وتجنيبهم مواقف المكايدة والانشقاق والانحراف التي لا يجوز للمسلم أن يتورط فيها. وتنبيههم إلى ما في الاجتماعات السرية من شبهة التآمر والكيد ووجوب مراقبة الله فيها. وتقبيح الشذوذ عن السبيل القويم والرأي الحقّ الذي يكون عليه المسلمون والذي يكون في نطاق أوامر الله ورسوله ونواهيهما وتلقيناتهما. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الأولى بعض أحاديث نبوية. منها حديث رواه ابن مردويه والترمذي وابن ماجه عن محمد بن يزيد قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده فدخل علينا سعيد بن حسان فقال له الثوري الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح ردّده عليّ فقال حدثتني أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة قالت «قال رسول الله ﷺ كلام ابن آدم كلّه عليه إلّا ذكر الله أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فقال سفيان أو ما سمعت الله في كتابه يقول لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ فهذا هو» «١» ومنها حديث أخرجه الحافظ البزار عن أنس قال «قال النبي ﷺ لأبي أيوب ألا أدلّك على تجارة قال بلى يا رسول الله قال تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا وتقارب بينهم إذا تباعدوا» وفي الأحاديث تساوق تلقيني مع الآية كما هو واضح. وهناك أحاديث يصحّ أن تساق أيضا في صدد ما انطوى في الآية الثانية من

стр. 3992

لزوم سبيل المسلمين وعدم الشذوذ عنها. من ذلك حديث رواه أبو داود عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ قال «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» «١» ومن ذلك ثلاثة أحاديث رواها الطبراني أحدها عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال «لن تجتمع أمتي على ضلالة فعليكم بالجماعة فإنّ يد الله على الجماعة» «٢» وثانيها عن أسامة عن النبي ﷺ قال «يد الله على الجماعة فإذا شذّ الشاذّ منهم اختطفه الشيطان كما تختطف الذئب الشاة من الغنم» وثالثها عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال «عليك بتقوى الله والجماعة وإياك والفرقة فإنها هي الضلالة وإنّ الله لم يكن ليجمع أمة محمد على ضلالة» «٣» . والآية الثانية جديرة بالتأمل من وجهة أخرى أي من وجهة كون الإنذار فيها موجها إلى الذين يشاقون الرسول ويشذون عن سبيل المسلمين عن عمد وبينة. بحيث يرد على البال أنه لا يشمل من يفعل عن جهالة وعماء. على أن من الحق أن يقال إن على الذين لا يعرفون وجه الحق والهدى في أمر ما يجب عليهم للنجاة من الإنذار أن يسألوا أهل العلم فيه. ولهم أن يطلبوا البرهان على ما يقولونه لهم وإن الذين لا يفعلون ذلك ويفضلون البقاء على ما هم عليه من جهالة وعماء وعدم تبين وجه الحق والهدى يدخلون في شمول الإنذار أيضا. ولقد أوّل بعضهم تعبير سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ في الآية الثانية بأنه الإيمان بالله ورسوله والتزام أوامرهما ونواهيهما. وأوله بعضهم بأنه ما اتفق عليه جمهور المسلمين من حق ومصلحة. والتعبير يتحمل التأويلين بل ليس بينهما تعارض. والآية التي جاء فيها التعبير وإن كانت متصلة بعهد رسول الله ﷺ وسيرته فإنها مستمرة التلقين للمسلمين بعده، شأن أمثالها الكثيرة بحيث تكون قد انطوت على الإنذار الرهيب لمن يشذ ويسير في طريق غير طريق كتاب الله وسنة رسوله وصالح المسلمين.

стр. 3993

ولقد قال بعض المفسرين إن في الآية حجة لوجوب اتباع (الإجماع) وعدم جواز مخالفته. وعزا بعضهم ذلك إلى الإمام الشافعي. وليس المقصود بهذا الإجماع معناه اللغوي. بل ذلك الاصطلاح الفقهي الذي يجعله الأصل الثالث من أصول التشريع الإسلامي. فالأصل الأول هو القرآن والثاني هو سنّة رسول الله والثالث هو إجماع علماء المسلمين أو مجتهديهم أو من وصفوا (بالقادرين على استنباط الأحكام من مآخذها) على ما ليس فيه نصوص محكمة ومحددة في القرآن والسنّة من مختلف الشؤون حيث تكون مخالفة ما يجمعون عليه حراما ويدخل في نطاق الإنذار الذي احتوته الآية. وهذا وجيه من دون ريب لأنه يصحّ أن يدخل في متناول تعبير سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ حسب التأويل الثاني لهذا التعبير مع التنبيه إلى أن هذا التعبير بالتأويل المذكور واسع الشمول ويتناول فيما يتناوله ما يتفق عليه علماء المسلمين ومجتهدوهم من شؤون سياسية وعسكرية وتنظيمية فيها مصلحتهم. ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة أن المستفاد من بحوث العلماء أنه ليس هناك اتفاق على شروط الإجماع وعلى أوصاف الجماعة التي يحصل الإجماع باتفاقها. وأن الإجماع الاصطلاحي المذكور ظلّ وسيظل نظريا وأنه لم يتحقق عمليا وليس من سبيل إلى ذلك وأنه لم يكد يوجد مسألة فقهية إلّا وفيها خلاف وأنه نتيجة لذلك انقسم المسلمون في عباداتهم وفي معاملاتهم إلى مذاهب عديدة منها ما يجمعه جامعة السنيّة ومنها ما يجمعه جامعة الشيعية بل ومنها ما يجمعه جامعة الخوارج الذين لا يزال منهم فرقة إلى اليوم تعمل به، وبعضها يوجب ما لا يوجبه بعضها وبعضها يجيز ما لا يجيزه بعضها، وبعضها يستكره ما يستحبه بعضها، وبعضها يحرّم ما يحلّه بعضها، وبعضها يحلّ ما يحرّمه بعضها، وبعضها يفسق بعضها بل يكفره «١» .

стр. 3994

ومن جهة أخرى فإن الباحثين لا يدخلون أهل الحلّ والعقد والعلم الدنيوي في عداد الجماعة التي ينيطون بها ملكة القدرة على استنباط الأحكام من مأخذها ويجعلون إجماعها أصلا من أصول التشريع حيث يحصرون ذلك في المشتغلين بالعلوم الدينية مع أن تعبير سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ يتناول كما قلنا قبل الشؤون السياسية والعسكرية والتنظيمية التي يكون لرأي أهل الحل والعقد والعلم الدنيوي أثر مهم فيها. وبناء على ذلك كلّه تظل ضرورة تعيين السبيل التي يجب على المسلمين اتباعها والتي تنذر الآية الشاذين عنها ملحة في كل وقت وقطر بالنسبة لما لم يرد فيه شيء صريح أو قطعي أو محدد في القرآن والسنن النبوية من مختلف الشؤون التعاملية والسياسية والعسكرية والتنظيمية. ولما كان الإجماع على ذلك غير ممكن، وبقاء المسلمين مختلفين مذاهب وشيعا في ذلك على النحو الذي ذكرناه ضارا كل الضرر ومخالفا لتقريرات القرآن والسنّة النبوية ومعطلا لتعيين سبيل المسلمين الواجب على المسلمين اتباعها فلا بدّ من الأخذ بما يتفق عليه الأكثرية. وسبيل ذلك الشورى التي وصف الله المسلمين بأنها من خصائصهم في آية سورة الشورى [٣٨] حيث جاء فيها وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ. وهذا المقام هو أوسع المقامات لتحقيق هذا الوصف حيث يجتمع ممثلو المذاهب الفقهية في مجالس خاصة فيبحثون المسائل الخلافية في العبادات والمعاملات فما اتفق عليه أكثرهم مما ليس فيه مناقضة لصريح القرآن والسنّة صار سبيل المسلمين في هذه المسائل

стр. 3995

ووجب اتباعه وحيث يجتمع ممثلو العلوم والشؤون الدنيوية في مجالس خاصة فيبحثون المسائل الدنيوية السياسية والعسكرية والتنظيمية فما اتفق عليه أكثرهم مما ليس فيه كذلك مناقضة لصريح القرآن والسنة صار سبيل المسلمين في هذه المسائل ووجب اتباعه. وقد يفيد أن يكون في مجالس شورى الفقهاء بعض ذوي العلم الدنيوي وقد يفيد أن يكون في مجالس شورى العلماء الدنيويين بعض ذوي العلم الديني لأنّ الإسلام دين متكامل يجمع بين الشؤون الدينية والدنيوية. والله تعالى أعلم. [سورة النساء (٤) : الآيات ١١٦ الى ١٢٢] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢) . (١) إناثا: قيل إنها تعني الأوثان عامة حيث كان العرب يسمون أوثانهم إناثا. وقيل إنها تعني أوثانهم المؤنثة الأسماء بخاصة كاللات والعزى ومناة ونائلة. وقيل إنها تعني الأموات لأن العرب كانوا يسمون الأموات وما لا روح فيه من حجر وخشب ومعدن إناثا. وقيل إنها كناية عن الملائكة الذين كانوا يشركونهم مع الله لأنهم بنات الله في زعمهم عن ذلك. والعبارة في

стр. 3996

مقامها تتحمل كل هذا «١» . (٢) مريدا: متمردا. (٣) فليبتكن: من البتك وهو الشقّ أو الخرق. (٤) فليغيرن خلق الله: القصد من الجملة ما كان يفعله العرب في الحيوانات والأرقاء من خصي وكي ووشم إلخ. وقيل إن القصد منها تغيير فطرة الله ودينه. والقول الأول هو الأوجه في مقام الجملة وهو متناسب مع البتك. (٥) محيصا: مهربا ومخلصا. (٦) قيلا: قولا. تعليق على الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... إلخ. والآيات التالية لها إلى آخر الآية [١٢٢] ومدى المراد من تغيير خلق الله عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تقريرا بعدم إمكان غفران الله للمشرك به مع ما هناك من أمل في هذا الغفران لغير المشرك. وتقريرا بشدة خسران المشرك وضلاله البعيد وسخفه. لأنه إنما يدعو من لا قدرة له على نفع وضرر، بل لأنه في الحقيقة إنما يدعو الشيطان المتمرد على الله الذي آلى على نفسه أن يضلّ من قدر عليه من عباد الله بالأماني الباطلة والتغريرات الخادعة. وأن يجعلهم- فيما يجعلهم- أن يشقوا آذان الأنعام وأن يغيروا خلق الله ويشوهوه. وتقريرا بكون مصير الذين ينخدعون به فيدعون غير الله ويغيرون خلق الله جهنّم بينما يكون مصير الذين لا ينخدعون به ويؤمنون بالله ويعملون الأعمال الصالحة الجنات التي وعدهم الله بها وليس من أحد أصدق قولا وأوفى وعدا من الله. ولقد روى المفسرون روايتين في نزول الآية الأولى. إحداهما تذكر أنها

стр. 3997

نزلت في ابن أبيرق بشير أو طعمة الذي نزلت فيه الآيات السابقة والذي ارتدّ ولحق بالمشركين لتؤذن أنه لن يكون له مغفرة من الله. وثانيتهما تذكر أنها نزلت في شيخ أعرابي جاء إلى رسول الله يقول إني منهمك في ذنوب كثيرة ولكن لم أشرك بالله شيئا منذ عرفة وإني تائب فما حالي فنزلت بالبشرى له. والروايتان لم تردا في الصحاح. وتقتضيان أن تكون الآية الأولى نزلت منفردة في حين أنها مع الآيات التالية لها وحدة تامة مستقلة، وبتك آذان الأنعام وتغيير خلق الله بالكي والخصي والوشم من عادات الجاهلية بحيث يرد على البال أن حديثا جرى في صدد ذلك أو حادثا وقع من ذلك أو سؤالا ورد على ذلك في الظرف الذي سبق نزول الآيات فأوحى الله بالآيات لتعلن أن كلّ ذلك من وساوس الشيطان الذي يوحي بها إلى المشركين. ولتشنّع على الشرك وتنذر المشركين وتنوه بالمؤمنين الذين يعملون الصالحات بالمقابلة وتبشرهم بالجنة. وقد وضعت في مكانها لأنها نزلت بعدها. وقد يكون ذكر ارتداد ابن أبيرق أو جاء الأعرابي ليسأل عن حاله فتليت الآية الأولى فالتبس على الرواة الذين رووا الروايتين. والله أعلم. ولقد ورد في سياق سابق صيغة قريبة لصيغة الآية الأولى وهي الآية [٤٨] حيث يبدو أن حكمة التنزيل اقتضت التكرار لتكرار المناسبة مما جرى عليه التنزيل القرآني. على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة. ولقد جاءت الآية [٤٨] في سلسلة في حق اليهود لتلبسهم بموقف شرك شديد البشاعة. وجاءت هنا في حقّ مشركي العرب. ولقد علّقنا على الآية [٤٨] وأوردنا طائفة من الأحاديث في صدد غفران الله لغير المشركين وأوردنا تعليقا لبعض المفسرين على ذلك فلم يعد محلّ للإعادة والزيادة في صدد مدى الآية. ولقد أوردنا معاني كلمة إِناثاً التي رواها المفسرون في مكان شرح كلمات الآيات وقلنا إن الكلمة قد تتحمل كل هذه المعاني فنكتفي بهذا التنبيه. وقد يكون استعمال الكلمة في مقامها قد قصدت زيادة التشنيع والإفحام من حيث إنه

стр. 3998

كان يقوم في أذهان المخاطبين لأول مرة وهم العرب قناعة بعجز الإناث عن أي عون مجد. وهذا المعنى ملموح في آيات أخرى جاءت في صدد مثل هذا الصدد. مثل آيات الزخرف هذه أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) [١٦- ١٨] . وحكاية أقوال الشيطان في الآيتين [١١٨ و ١١٩] التي تفيد أن الشيطان يزعم أنه سوف يؤثر على فريق من الناس ويزين لهم ويغويهم قد تكررت في آيات سابقة وبخاصة في سياق حكاية قصة آدم وإبليس. وقد علقنا على ذلك في سياق هذه القصة في سورة ص وغيرها بما يغني عن التكرار. والإيمان بكل ما يخبر به القرآن من مثل هذه الأمور الغيبية واجب على ما نبّهنا عليه في مناسبات مماثلة مع واجب الإيمان بأن لذكرها بالأسلوب الذي جاءت به حكمة. وقد تكون حكمتها في مقام الآيات التي نحن في صددها إيذان المشركين بأنّ ما هم عليه من هذه العادات الفاسدة هي من وساوس الشيطان وتغريراته ولقد كانوا يعرفون ماهية الشيطان وكونه متمردا على الله وكونه ملعونا من الله وكون الذين يستمعون لوساوسه وتغريراته مدموغين بالفساد والانحراف عن الحقّ والهدى فاستحكم فيهم التنديد القرآني. وواضح أن الآيات قد تضمنت إعلان بطلان هذه العادات الجاهلية وفسادها وتحذيرا للمسلمين منها في الوقت نفسه. والعادات التي حكت الآيات أنها من وساوس الشيطان وتغريراته نوعان: نوع متصل بالأنعام ومتمثل هنا ببتك آذانها. ونوع عام هو ما عبر عنه بجملة فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ولقد أشار القرآن في آيات سورة الأنعام [١٣٥- ١٤٤] التي مرّ تفسيرها إلى بعض عادات متصلة بالأنعام كان ينسبها المشركون إلى الله افتراء وشرحناها وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار، وفي سورة المائدة هذه الآية ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) حيث احتوت إشارة إلى عادات عديدة أخرى

стр. 3999

للمشركين في الأنعام وينسبونها إلى الله ومنها البحيرة التي تعنيها جملة فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ في الآية التي نحن في صددها حيث كانوا يثقبون أو يبتكون أو يبحرون آذان النوق التي تنتج خمسة بطون ويخلون سبيلها على ما شرحناه أيضا في سياق تفسير آيات الأنعام. وقد روى المفسرون أحاديث تفيد أن أول من سنّ هذه العادات ومنها بتك آذان الأنعام أبو خزاعة عمرو بن عامر وأن رسول الله قال إنه يجر قصبته في النار ويتأذى أهل النار بنتن رائحته بسبب ذلك. ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون عن ابن عباس وغيره في مدى جملة وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ منها أنها عنت تغيير دين الله وتبديل فطرة التوحيد. وأيد القائلون قولهم استنادا إلى آية الروم هذه فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [٣٠] ومنها أنها عنت الخصي والوشم والوشر وتفليج الأسنان ووصل الشعر. وأورد القائلون حديثا رواه البخاري عن عبد الله أنه قال «لعن الله الواشمات والموتشمات والنامصات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن المغيّرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد تسمّى أمّ يعقوب فجاءت فقالت بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال ومالي لا ألعن من لعن رسول الله. ومن هو في كتاب الله. فقالت لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول قال لو قرأتيه لوجدتيه أما قرأت وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] . قالت بلى. قال فإنه قد نهى عنه. قالت فإني أرى أهلك يفعلونه قال فاذهبي فانظري فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئا» «١» . ومنها أنه التخنّث وهو أن يتشبه الرجل بالنساء في حركاتهن وكلامهن ولباسهن. وقد رجح الطبري القول الأول. غير أن العادات الأخرى ألصق بمعنى تغيير خلق الله وأكثر تناسبا مع جملة فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ فيما هو المتبادر. ولقد أورد المفسرون في سياق الآيات أحاديث أخرى. فمما أورده القاسمي

стр. 4000

منها حديث رواه الإمام أحمد وابن عساكر عن ابن عمر قال «نهى رسول الله عن الإخصاء وفي رواية عن خصاء الخيل والبهائم» وحديث رواه الطبراني عن ابن مسعود قال «نهى النبي ﷺ أن يخصى أحد من ولد آدم» وحديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال «نهى رسول الله ﷺ عن الوشم» ومما أورده الخازن حديث عن أسماء قالت «لعن النبي ﷺ الواصلة والمستوصلة» . ومما أورده الطبري حديث عبد الله جاء فيه «لعن رسول الله الواشرات بالإضافة إلى المستوشمات المتنمصات المتفلجات» . وباستثناء الحديث الذي رواه البخاري ليس شيء من هذه الأحاديث واردا في الصحاح. وأكثرها مع ذلك من باب ما رواه البخاري. وتعليقا على ذلك نقول إن موضوع الآيات الأصلي هو تعظيم الشرك ثم تقرير كون المشركين إنما يدعون الشيطان الذي يجعلهم يعملون هذه العادات وإن الأولى أن يبقى الأمر مربوطا بعضه ببعض. وأن تؤخذ الأحاديث كتعليمات نبوية للمسلمين منفصلة عن مدى الآيات. وإن على المسلمين أن يلتزموا بما ثبت منها. وعلى احتمال أن يكون النهي عن الخصاء صادرا عن النبي ﷺ نقول إن الحكمة فيه ظاهرة لأن فيه تشويها وتعطيلا لمهمة الإخصاب التي أودعها الله في الإنسان وجعلها وسيلة لحفظ النوع. أما عدا ذلك مما كانت تفعله المرأة للتزين من وشم وتنمّص ووصل شعر وتطويله وتفلّج «١» فلا تبدو حكمة النهي عنه لنا ظاهرة. والتنمّص يقرب من تقليم الأظفار حينما تطول ومن حلق شعر الرأس والعانة ونتف شعر الإبط. وكان هذا مع التمشط والتدهن بالطيب والتكحل مما كان يمارسه النساء في زمن النبي ﷺ بدون حرج في غير وقت الحداد على ما تفيده الآثار التي منها حديث رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أم عطية قالت «كنا ننهى أن نحدّ على ميت فوق ثلاث إلّا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل أثناء ذلك

стр. 4001

ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا» «١» وهناك أحاديث نبوية تحثّ المرأة على التزين. منها حديث رواه النسائي وأبو داود عن عائشة قالت «إنّ امرأة أومأت من وراء ستر، بيدها كتاب إلى رسول الله فقبض يده وقال ما أدري أيد رجل أم امرأة. قالت بل يد امرأة قال لو كنت امرأة لغيّرت أظفارك بالحنّاء» «٢» وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن جابر قال «قال النبي ﷺ أمهلوا حتى تدخلوا لكي تمتشط الشعثة وتستحدّ المغيبة وكان رسول الله ﷺ يكره أن يأتي الرجل أهله طروقا» «٣» . وهذا ما يجعلنا نتوقف أمام الحديث المروي عن عبد الله والذي عزي فيه لعن الواشمات والمتنمصات والمتفلّجات إلا إذا كان قصد بذلك المبالغة حتى يبدو تشويها أكثر منه تزيينا. ولقد روى الطبري «أن رجلا سأل الحسن ما تقول في امرأة قشرت وجهها قال مالها لعنها الله غيّرت خلق الله» حيث ينطوي في هذا صورة لما كان بعض النساء يفعلن في وجوههن بالتنمص أو غيره حتى يقشرنها قشرا. وهناك أحاديث تبيح خضاب اللحية بل تستحبه. منها حديث رواه البخاري وأبو داود عن ابن عمر قال «كان النبي يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته بالورس والزعفران» «٤» وحديث رواه أصحاب السنن جاء فيه «قال أبو رميثة أتيت النبي ﷺ أنا وأبي وكان قد لطخ لحيته بالحناء» «٥» وحديث رواه هؤلاء أيضا عن أبي ذر قال «قال النبي ﷺ إن أحسن ما غيّر به هذا الشيب الحناء والكتم» «٦» وبعضهم يرى حلق اللحية الحديث الشائع هو من تغيير خلق الله. ونحن لا نرى ذلك من ناحيتين: من ناحية الآية التي تربط الشرك وتغيير خلق الله برباط واحد بحيث لا يجوز أن يوصم مسلم يؤمن بالله وحده بالشرك بسبب حلق ذقنه. ومن ناحية الأحاديث لأنها تذكر

стр. 4002

أشياء بأعيانها وليس لأحد أن يتجاوز ذلك. والله تعالى أعلم. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٦] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦) . في الآيات: (١) تقرير بأن مصير الناس في الآخرة لن يكون وفقا لأماني السامعين ولا أماني الكتابيين وظنونهم ورغباتهم، وبأن من يعمل السوء لا بد من أن يجزى عليه بما يستحق دون أن يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، وبأن من يؤمن بالله ويعمل صالحا من ذكر أو أنثى يدخل الجنة دون أن يبخس من حقه شيء. (٢) وتساؤل على سبيل الاستطراد والحثّ والتنويه عما إذا كان يصح أن يكون أحد أحسن دينا ومنهجا ممن أسلم وجهه لله وأخلص له وحده واتبع ملّة إبراهيم المستقيمة الموحدة الذي اتخذه له خليلا. (٣) وتقرير استطرادي وتعقيبي بأن لله ما في السموات وما في الأرض وأنه محيط بكل شيء. ومحص لكل عمل يصدر من أي كان فلا تخفى عليه خافية ولا يفلت منه أحد. تعليق على الآية لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ والآيات الثلاث التي بعدها روى المفسرون روايات متعددة الطرق والصيغ والأسماء متفقة المدى في نزول الآيات يستفاد منها أن جدلا جرى بين فريق من أهل الكتاب وفريق من

стр. 4003

المسلمين حول الأقرب إلى الله تعالى والأولى به من الفريقين حيث قال الكتابيّون كتبنا وأنبياؤنا أسبق وقال المسلمون نبيّنا خاتم الأنبياء وكتابنا مهيمن على كتبكم وشريعتنا أو فى الشرائع ونحن مؤمنون بكتبكم وأنبيائكم وأنتم غير مؤمنين بكتابنا ونبيّنا فنحن الأقرب والأولى. وهناك رواية تذكر أن الآية الأولى نزلت بسبيل الردّ على قريش التي كانت تنكر الآخرة وحسابها وعلى الكتابيين الذين كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. وليس شيء من الروايات واردا في الصحاح ومع ذلك فالآيات متناسبة معها بحيث يمكن القول إنها نزلت في مناسبة مماثلة لتقرر الحق في الموقف الجدلي أو التفاخري ولتنبه على أن رضاء الله ورحمته إنما ينالا بالإيمان والعمل الصالح وليس بالتفاخر والآمال والادعاء. والآية [١٢٥] احتوت ثناء على من اتبع ملة إبراهيم. وهي منسجمة في الآيات بحيث يمكن القول إنها جزء منها. ولقد كان يقوم جدل بين النبي والكتابيين حول ملّة إبراهيم وأولى الناس به وحكي ذلك في آيات سورة آل عمران [٦٥- ٦٨] التي مرّ تفسيرها. ومن الجائز أن يكون الكلام في الجدل الجديد تطرق إلى ذلك فاقتضت حكمة التنزيل بيان كنه ملّة إبراهيم التوحيدية الإسلامية والتنويه بأن أحسن الناس هم الذين يسلمون وجوههم له ويتبعون هذه الملّة حيث يبدو أن رواية الجدل بين المسلمين والكتابيين هي الأكثر ورودا كسبب لنزول الآيات. وعلى ضوء آيات سورة آل عمران يمكن القول بأن الآيات انطوت على تقرير أولوية وأفضلية النبي ﷺ والمؤمنين به على أهل الكتاب الذين هم طرف في الموقف الجدلي لأنهم هم الذين اتبعوا هذه الملة. ومن الممكن أن يلمح شيء من الصلة بين موضوع هذه الآيات والآيات السابقة فإما أن تكون قد نزلت هذه بعد تلك فوضعت مكانها للتناسب الظرفي والموضوعي. وإما أن تكون وقعت بعدها للتناسب الموضوعي والله تعالى أعلم. وعلى كل حال فالآيات قوية حاسمة في التعبير والتقريب والتلقين كما هو واضح فلا يصح لامرىء أن يركن على الدعوى والأمانيّ والانتساب والظواهر.

стр. 4004

وعلى كل إنسان أن يتأكد من أنه ملاق جزاء عمله إن خيرا فخيرا وإن سوءا فسوءا. وأن النهج القويم الذي يرضى الله عنه ولا نهج خيرا منه هو إسلام النفس لله ونبذ سواه والعمل الصالح في اتباع ملّة الإسلام المستقيمة التي هي ملة إبراهيم ﵇. وتقرير كون كل امرئ ملاقيا جزاء عمله بدون ظلم خيرا كان أو سوءا مما تكرر في القرآن كثيرا بل ومما دار عليه كل هدف قرآني بالنسبة لحياة الإنسان في الدنيا والآخرة. ولقد كان كثير من العرب والكتابيين ينتسبون إلى إبراهيم فاستحكمت الآيات في الجميع فالانتساب إلى إبراهيم لا يفيد إلا باتباع ملته. وكل دعوى خلاف ذلك باطلة. وهذا المعنى مما تضمنه وهدف إليه كثير مما جاء في قصص إبراهيم ﵇ على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة عديدة. ولقد أورد المفسرون أحاديث عديدة تذكر أن المسلمين فزعوا من الآيات وراجعوا النبي في صددها واعتبروها من أشد آيات القرآن عليهم وأن النبي ﷺ هدّأ روعهم وطمأنهم وبشّرهم. ولم يرد من ذلك في الكتب الخمسة إلا حديث واحد رواه الترمذي عن أبي هريرة قال «لما نزل مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ شقّ ذلك على المسلمين فشكوا إلى النبي ﷺ فقال قاربوا وسدّدوا. ففي كل ما يصيب المؤمن كفارة حتى الشوكة يشاكها أو النكبة ينكبها. حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير» «١» ويلحظ أن في القرآن المكي آيات فيها من التقرير الحاسم ما في هذه الآيات مثل آيات سورة الزلزلة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) وآية سورة فصلت مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) . ويبدو أن الآية الجديدة قد شقت على المستجدين في الإسلام في العهد المدني، الذين كانت لهم من المصالح والمشاغل الدنيوية ما يؤثر في سلوكهم فأفرغتهم وجعلتهم يراجعون النبي ﷺ فاقتضت حكمته هذا التطمين الذي في الحديث مع الترجيح أن الكفارة

стр. 4005

التي تكون في ما يصاب به المسلم هي بالنسبة للهفوات الصغيرة التي وعد الله بالتجاوز عنها للمسلمين إذا ما اجتنبوا الكبائر على ما جاء في الآية [٣١] من هذه السورة والله أعلم. وبمناسبة جملة وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا روى المفسرون روايات عديدة في سبب ذلك ليس منها شيء معزوا إلى النبي ﷺ أو واردا في كتب الصحاح. ومن ذلك أنه أجدب وضاق على أهله العيش فخرج يلتمس رزقا وعاد دون فائدة فوجد عند أهله خبزا فقالوا له هذا من الدقيق الذي أرسله خليلك. ومنها أن جبريل أو الملائكة بشّروه بأن الله اتخذه خليلا لأنه يعطي الناس دون أن يسألهم. ولعل ذلك مما كان متداولا في بيئة النبي ﷺ وزمنه كأمثاله من قصص إبراهيم ﵇. ويتبادر لنا أن الله قد أذن في هذه الآية بأنه اتخذ إبراهيم خليلا لما كان من إخلاصه له وإسلام النفس إليه وتوحيده توحيدا لا شائبة فيه. وهو ما وصف به في آيات قرآنية عديدة منها آيات سورة النحل [١٣٠- ١٣٢] التي فيها تقرير كون الله اجتباه وأتاه في الدنيا حسنة. وفي الاجتباء معنى من معاني الخلّة التي منها الخليل. والله تعالى أعلم. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٧ الى ١٣٠] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) . (١) وأحضرت الأنفس الشحّ: الجملة استطرادية معترضة تشير في معرض

стр. 4006

الكلام عن الصلح إلى ما انطبعت عليه نفوس الناس من الشح والضنّ وعدم التسامح ويصدق ذلك على الزوج والزوجة معا. تعليق على الآية وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ... إلخ والآيات الثلاث التي بعدها وما فيها من أحكام وتلقين في الآية الأولى: (١) حكاية استفتاء النبي من قبل بعض المسلمين في أمر النساء. (٢) وجواب بأن الله سوف يفتيهم فيهن وفي ما أنزل الله في الكتاب من قبل في يتامى النساء اللاتي يريدون أن يتزوجوهن ولا يريدون في الوقت نفسه أن يعطوهن حقهن الذي كتب الله لهن. ثم في الأولاد المستضعفين. (٣) وتنبيه بأن الفتيا هي أن يقوموا لليتامى بالقسط فلا يظلموهم على أي حال. (٤) وتحذير لهم بأن الله يعلم كل شيء من أعمالهم ونواياهم. في الآية الثانية وما بعدها تتمة الجواب في أمر النساء تنطوي على مايلي: (١) إذا خافت إحدى النساء أن يعرض عنها زوجها ويهملها فلا مانع من صلح يعقده الزوجان بينهما والصلح خير على كل حال مهما كان الإنسان مطبوعا على الشحّ وعدم التسامح مع تنبيه الأزواج إلى وجوب تقوى الله والتصرف بالحسنى في هذه الحالة وإلى كون الله خبيرا بما يعملون على سبيل التحذير. (٢) وإذا كان الأزواج لن يستطيعوا حقا أن يعدلوا بين زوجاتهم فلا يجوز لهم أن يميلوا كل الميل لواحدة دون أخرى منهن فيذروا هذه كالمعلقة ليست زوجة وليست مطلقة. وعليهم على كل حال أن يسيروا فيما فيه الإصلاح وتقوى الله فإن فعلوا فالله الغفور الرحيم قد يغفر ما قد يبدو منهم من بعض الميل. (٣) وإذا لم يمكن إصلاح ولا عدل بقدر الإمكان فخير للزوجين أن يتفرقا

стр. 4007

عن بعضهما والله الواسع الحكيم ييسّر لكل منهما ما يجعله مستغنيا عن الآخر. والآيات فصل جديد. ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد الآيات السابقة فوضعت في مكانها للتناسب الظرفي. روى المفسرون في صدد الآية الأولى روايات عديدة. منها أنه لما نزلت آيات المواريث شقّ على الناس أن يرث الأطفال والنساء الذين ليس لهم جهد في مال وعمل وكثيرا ما كانوا يحرمون من الإرث في الجاهلية ففاتحوا النبي في الأمر فنزلت. ومنها أنه كان لجابر بن عبد الله بنت عم دميمة عمياء ولها إرث من أبيها فلم يرد أن ينكحها ومنع أن ينكحها غيره حتى لا يذهب بمالها فسأل النبي في الأمر فنزلت. ومنها أن الذي يكون في حجره يتيمة لها مال نكحها أو أنكحها ابنه بدون صداق إن كانت جميلة وإن كانت دميمة منع زواجها حتى تموت ويرثها فأنزل الله الآية. ومنها أنّ الآية توضيح للآية الثالثة من السورة وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى النساء [٣] حيث كانوا يرغبون في التزوج باليتيمات اللائي في حجورهم إذا كان لهن مال وكانوا لا يؤتونهن صداقا وكن يتعرضن للاضطهاد إذا كن دميمات فرفع الأمر للنبي فأنزل الله الآية «١» . ورووا في صدد الآيات الأخرى أنها نزلت في الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول أجعلك في شأني في حلّ. أو نزلت في سودة زوجة النبي ﷺ حيث خشيت أن يطلقها النبي فقالت لا تطلقني وامسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت الآية فما اصطلحا عليه فهو جائز. أو في رافع بن خديج الذي كانت عنده زوجة كبيرة فأراد أن يتزوج ثانية جميلة ويؤثرها على القديمة فقال لها إن شئت أن تقيمي على ما ترين من أثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي وإن شئت خليت سبيلك «٢» وباستثناء الروايتين الأولى والثانية الواردتين في صدد الآيات

стр. 4008

التالية للأولى واللتين رواهما الشيخان والترمذي «١» فليس شيء من الروايات واردا في الصحاح. والروايات والأحاديث الصحيحة متساوقة إجمالا مع فحوى الآيات ولكنها لا تفسر كل ما فيها على ما هو المتبادر. وعلى كل حال ففي الآيات على ضوء الأحاديث والروايات صور لما كان من مواقف كانت تصدر من بعض الرجال إزاء الأيتام من بنين وبنات وإزاء الزوجات بدون مراعاة لما نبهت عليه آيات سابقة في السورة هي الآيات [٢ و ٣ و ٦ و ١١- ١٤ و ١٩- ٢١] فاقتضت حكمة التنزيل توكيد ذلك في الآيات التي نرجح أنها نزلت جميعها معا محل الأمور العارضة. ولقد قال بعضهم إن جملة ما كُتِبَ لَهُنَّ تشمل الصداق والإرث معا حيث كانوا يتزوجون اليتيمات بدون صداق ولا يؤتونهن إرثهن وهذا وجيه سديد. ولقد احتوت الآيات الثانية والثالثة والرابعة تنظيما للعلاقة الزوجية في بعض حالاتها كما هو واضح. ولقد احتوت آيات السورة [٣٤ و ٣٥] معالجة حالة نشوز الزوجة فجاءت هذه الآيات لمعالجة حالة نشوز الزوج. وفيها تشجيع على إقامة صلح بين الزوجين ولو بشيء من التضحية والتغلّب بذلك على طبقة شح النفس تفاديا من الطلاق وتنبه على أن لا يلجأ إليه إلّا في حالة تعذر استمرار الحياة الزوجية بصورة ما. وهذا متسق مع التلقينات التي تضمنتها آيات البقرة [٢٢٤- ٢٣٢] والنساء [١٩- ٢١ و ٣٥] . ويتبادر أن الآيات الثلاث متصلة بشكل ما بموضوع الآية الثالثة من هذه السورة التي تضمنت إباحة جمع الرجل في عصمته زوجتين وثلاثا وأربعا ثم حذرته من عدم العدل وأمرته بالاكتفاء بواحدة تفاديا من الظلم فجاءت الآيات الثلاث توضح ما حذرت منه وتقرر تعذره. ولكنها لا تمنع التعدد بالمرة لما قد يكون هناك من ضرورة ملزمة إليه وتوصي بعدم الميل الشديد إلى الواحدة دون الأخرى في حالة تلك الضرورة الملزمة إلى التعدد والتي شرحنا بعض وجوهها في سياق شرح

стр. 4009

آية النساء الثالثة. وفي هذا ما فيه من جليل الحكمة والتلقين. وفي الروايات وبخاصة رواية رافع بن خديج صورة من تلك الضرورة الملزمة فزوجته كبيرة وغير مشتهاة ولم ير بدّا من التزوج بأخرى صغيرة. وكان من الطبيعي أن يؤثر هذه على تلك. فرضيت الكبيرة بالبقاء في عصمته مع التنازل عن شيء من حقوقها الزوجية كراهية للطلاق. ولقد روى الطبري في سياق تطبيق هذه المسألة صورة أخرى وهي أن رجلا أتى إلى علي بن أبي طالب يستفتيه في جملة وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فقال قد تكون المرأة عند الرجل فتنبو عيناه منها من دمامتها أو فقرها أو كبرها أو سوء خلقها فتكره فرقته فإن وضعت له من مهرها شيئا حلّ. وإن تنازلت عن بعض أيامها لزوجة أخرى له فلا حرج. وإذا رجعت عما رضيت عنه فعليه أن يرضيها أو يطلقها لأنه لا يجوز له أن يمسكها خسفا وظلما. وعبارة الآيات الثلاث وإن كانت كما قلنا لا تمنع التعدد بالمرة فإنها تنطوي على ذلك فيما يتبادر لنا في حالة عدم الضرورة الملزمة إليه. فهي هنا تقرر استحالة استطاعة الأزواج العدل مهما حرصوا. وآية النساء الثالثة تأمر بالاكتفاء بواحدة إذا كان العدل غير محتمل أو غير ممكن. ويلفت النظر بخاصة إلى ما انطوى في الآيات من حثّ على الإحسان والإصلاح وتحبيذ الصلح وتقرير الخير فيه. وتقوى الله وعدم الانسياق مع ميول النفس حيث يتسق هذا مع ما تكرر توكيده في القرآن من تعظيم الرابطة الزوجية واحترامها والإبقاء عليها ما أمكن وبأية وسيلة كانت. وعدم حلها إلّا إذا استنفدت كل وسيلة. حيث يكون الفراق حينئذ خيرا للطرفين. وهو ما عنته الفقرة الأخيرة من الآية الأخيرة بأسلوبها البليغ النافذ الهادف إلى تخفيف مرارة الفراق على الطرفين وتأميل كل منهما بفضل الله ورحمته وسعته. وهذا فضلا عن ما فيها من تلقين جليل يجعل ذلك أسلوبا عاما لتعامل المسلمين فيما بينهم. ولقد رويت أحاديث عديدة في صدد الآية الثانية وما بعدها منها حديث رواه

стр. 4010

أصحاب السنن عن أبي هريرة جاء فيه «قال النبي ﷺ من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقّه مائل» «١» وحديث ثان رواه كذلك أصحاب السنن عن عائشة قالت «كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول اللهمّ هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك» «٢» وحديث ثالث رواه البخاري وأبو داود وأحمد عن عائشة أيضا قالت «كان رسول الله ﷺ لا يفضّل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا وكان قلّ يوم إلّا وهو يطوف علينا جميعا فيدنو من كلّ امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها» «٣» . وهكذا يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر. وبخاصة في وجوب بذل الجهد في العدل بين الزوجات. وفي الحديث الثاني توضيح لمعنى دقيق وهو أن الميل القلبي هو غير العدل الفعلي الذي لا ينبغي أن يحول الأول الذي قد يكون طبيعيا دونه. وليس في الأحاديث تبرير للتعدد. وإنما بسبيل معالجة المعايشة الزوجية في حالة قيامه. ويبقى تلقين الآية بالامتناع منه ما أمكن واردا ما دام العدل غير مستطاع مهما حرص المرء عليه. ولقد روى الطبري أن عمر بن الخطاب كان إذا جاءه ولي اليتيمة فإن كانت حسناء فتية قال له زوّجها غيرك والتمس لها من هو خير منك. وإن كانت دميمة لا مال لها قال له تزوجها فأنت أحق بها. وروي عن علي بن أبي طالب أنه جاءه رجل قال له ماذا تأمرني يا أمير المؤمنين في أمر يتيمتي فقال له إن كنت خيرا لها فتزوجها وإن كان غيرك خيرا لها فألحقها بالخير. حيث يصح أن يستأنس بذلك فيقال إن لأولي أمر المسلمين وقضاتهم أن يتدخلوا في هذه الأمور ويأمروا ويقضوا بما هو الأولى في نطاق تلقينات كتاب الله وسنة رسوله كما هو الشأن في الأمور الزوجية والأسروية الأخرى على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة استئناسا بالصيغ والعبارات القرآنية وما كان من مراجعات الزوجات والأزواج للنبي ﷺ وقضاؤه في أمورهم. والله أعلم.

стр. 4011

[سورة النساء (٤) : الآيات ١٣١ الى ١٣٤] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) . عبارة الآيات واضحة. وليس فيها موضوع خاص. ولم يرو المفسرون شيئا في نزولها. ولقد تكرر في الآيات السابقة تنبيه السامعين المؤمنين إلى وجوب التقوى. فالمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت ردفها بهذه الآيات وتعقيبا لها لتؤكد ذلك عليهم وتقول لهم إن الله وصّاهم بتقوى الله كما وصّى الذين أوتوا الكتاب من قبلهم ولتنبههم في الوقت نفسه إلى أن هذا لمصلحتهم وخيرهم. لأن الله غني عن الناس إذا لم يتقوه وكفروا. وهو في الوقت نفسه حميد لهم إذا أمنوا وأخلصوا. وله ما في السموات وما في الأرض وهو يستطيع إذا شاء أن يذهب بالموجودين من الناس ويأتي بغيرهم. وإنه إذا كان من الناس من يهتم لمنافع الدنيا ومتاعها فإنهم إذا اتقوه وأخلصوا له يسّر ذلك لهم بالإضافة إلى ثواب الآخرة فهو مالك الدنيا والآخرة، وعنده ثوابهما وهو السميع لكل شيء البصير بكل شيء. والآيات قوية في ردفها وتعقيبها وهدفها وقد جاءت مطلقة لتوكيد وجوب تقوى الله في جميع الأعمال والمواقف وتطمين من يفعل ذلك بفضل الله وثوابه في الدنيا والآخرة. مما هو متسق مع الأسلوب القرآني البليغ النافذ. ولقد أورد رشيد رضا في سياقها حديثا قدسيا رواه مسلم عن النبي ﷺ جاء فيه «يقول الله يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضرّي فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فأعطيت كل واحد مسألته

стр. 4012

ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي إنما هي هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلّا نفسه» . وفي الحديث حقائق عن ذات الله تعالى نؤمن بها. وقد تكرر تقريرها في القرآن بأساليب متنوعة والحكمة الملموحة في الحديث تنبه الناس والمسلمين بخاصة أن أعمالهم هي العائدة لهم حسب ما تكون من خير وشر وأن عليهم إذا أرادوا لأنفسهم الخير أن يتقوا الله فيها. [سورة النساء (٤) : آية ١٣٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) . (١) وإن تلووا: قال المؤولون إنها بمعنى محاباة الحكام لأحد الخصمين، كما قالوا إنها بمعنى ليّ اللسان بتحريف الشهادة والدعاوى وقد يكون هذا هو الأوجه، وهو ما عليه الجمهور. في الآية أمر موجه إلى المؤمنين: (١) بأن يكونوا شديدي الاهتمام للعدل والحق والتزامهما في كل حال وفيما يطلب من شهادة وقول في صددهما. (٢) وبأن لا يراقبوا في ذلك إلّا الله تعالى وحده ولو كانت الشهادة وقول الحقّ على نفس الواحد منهم أو على أبويه أو ذوي قرباه. وبقطع النظر عن أي اعتبار. وعن كون الذي يشهد بالحق عليه ويقال كلمة العدل في حقه غنيا يخشى منه أو فقيرا يشفق عليه فالله أولى بهما منه. (٣) وبأنّ عليهم في أي حال التزام هذا النهج وعدم اتباع الهوى والعاطفة وجعلهما مؤثرين فيما يجب عليهم من الحق والعدل. فالله سبحانه يعلم حقائق الجزء الثامن من التفسير الحديث ١٧

стр. 4013

الأمور والنوايا وعليهم أن يتقوه ويحذروه ولا يغيروا أو يبدلوا أو يكتموا الشهادة أو يحرفوها أو يعرضوا عن القول الحق والعمل العدل وتوطيدها في أي حال. تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ... إلخ ولقد روى الطبري عن السدي أن الآية نزلت تأديبا للنبي ﷺ حيث تخاصم عنده غني وفقير فكان ميله نحو الفقير باجتهاد أن الفقير لا يمكن أن يكون ظالما للغني وروى الطبري إلى هذا أنها في صدد قضية بني أبيرق وما كان من اتجاه النبي إلى تبرئتهم بسبب تزويقهم الكلام مما أوردنا تفصيله قبل. والروايات لم ترد في الصحاح. ويلحظ في صدد القول بصلة الآية بحادث بني أبيرق أن سياق هذا الحادث قد انتهى وجاءت بعده فصول لا علاقة لها به. ويلحظ في صدد رواية السدي أنه لو كانت الآية في موقف النبي من الخصومة بين الغني والفقير لكان الخطاب فيها موجها له كما كان الأمر في حادث بني أبيرق على ما جاء في الآية [١٠٥] وما بعدها. والذي يتبادر لنا أن الآية جاءت هي الأخرى معقبة كسابقاتها على فصل الاستفتاء في النساء ويتاماهن حيث احتوت بدورها توكيدا بوجوب تقوى الله ومراقبته في حقوق الناس وعدم التلاعب فيها بأي سبب واعتبار. وفي التلقينات التي احتوتها الآية من الجلالة والروعة ما يجعلها من أمهات الآيات القرآنية المحكمة في بابها. وغرة وهاجة السناء في جبهة الشريعة الإسلامية حيث تأمر بأسلوب قوي نافذ وحاسم وموجه إلى العقل والقلب معا بما يجب على المسلمين في كل ظرف ومكان وسواء في ذلك أفرادهم وجماعاتهم وحكامهم من قول الحق والشهادة بالحق وتسويد الحق على كل اعتبار وعاطفة ومصلحة خاصة ولو على أنفسهم أو والديهم أو أقربائهم ودون خوف من أحد أو شفقة على أحد. والتضامن في ذلك أشد تضامن وأقواه. على اعتبار أن قوة البنيان الاجتماعي

стр. 4014

والطمأنينة الاجتماعية ومصلحة الأفراد والجماعات منوطة به وقائمة عليه. وعلى اعتبار أن استشعار كل فرد بواجب الإنصاف في كل موقف وحال هو أقوى عماد لصلاح المجتمع وقوته وسعادته. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٣٦ الى ١٤٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١) إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧) . (١) ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين: قال الزمخشري في تأويلها:

стр. 4015

ألم نتمكن من أمركم أو قتلكم فأبقينا عليكم ولم نساعد المسلمين عليكم وثبطناهم عنكم! والاستحواذ بمعنى الإحاطة والحيازة. وروى الطبري عن أهل التأويل أنها بمعنى (ألم نكن نثبط عنكم المسلمين أو ألم نكن أعلناكم أنا معكم عليهم) . ومما يرد في البال أن يكون معنى الجملة (ألم نحل دونكم ودون المسلمين الذين كانوا قادرين عليكم ونمنعكم بذلك منهم) . (٢) يخادعون الله وهو خادعهم: تعبير وهو خادعهم أسلوبي للمشاكلة وللمقابلة على الجملة السابقة. من قبيل ومكروا ومكر الله. (٣) مذبذبين: حائرين، أو متموجين، أو مترددين. تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... إلخ وما بعدها إلى آخر الآية [١٤٧] وما فيها من مواقف المنافقين عبارة الآيات واضحة. وهي فصل جديد. ويلحظ أنها بدأت بخطاب موجه إلى المؤمنين. وهذا ما بدأت به الآية السابقة لها. ولعلها وضعت بعدها لهذا التناسب اللفظي عند تأليف السورة بقطع النظر عن التناسب الظرفي. لأن من المحتمل كثيرا أن تكون المواقف المذكورة فيها قد نزلت في وقت مبكر وقبل أن يشمل التنكيل جميع اليهود في المدينة على ما سوف يأتي شرحه. وفي كتب التفسير روايات وأقوال كثيرة في هذه الآيات: فقد رووا أن الآية الأولى نزلت بمناسبة قول عبد الله بن سلام ورفاقه من مسلمة اليهود إننا نؤمن بالقرآن والتوراة وبموسى فقط فأنزل الله الآية للتنبيه على أن على المؤمن برسالة النبي أن يؤمن بكل ما أنزل الله قبله بالإضافة إلى ما أنزله الله عليه. وأن الآية الثانية في حق اليهود الذين آمنوا بموسى ثم كفروا وعبدوا العجل ثم آمنوا ثم كفروا. وفي حق النصارى الذين آمنوا بموسى والأنبياء بعده وكفروا بمحمد أو أنها في حق المنافقين الذين تكررت دعواهم بالإيمان ونقضها بما فيه كفرهم. وأن الآية [١٤٠]

стр. 4016

نزلت في المنافقين الذين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود الذين كانوا يستهزئون بالقرآن وفيها توكيد بوجوب عدم مجالستهم. ومن المفسرين من روى أن المقصود من كلمة (الكافرين) في الآيات [١٣٩ و ١٤١ و ١٤٤] المشركون ومنهم من روى أن المقصود اليهود. وليس شيء من ذلك واردا في الصحاح. والمتبادر لنا من مضمون الآيات وروحها أنها وحدة تامة ولم تنزل منفصلة كما يقتضي ذلك الروايات. وهذا ما جعلنا نعرضها في سياق واحد وأنها في حقّ المنافقين في الدرجة الأولى. وأن سبب نزولها هو مواقف المنافقين وتآمرهم مع اليهود وتذبذبهم أولا وما كان يبدو من فريق من المسلمين المخلصين من ميل أو تضامن أو موالاة للمنافقين أو اليهود ثانيا. وأن الآيتين الأولى والثانية جاءتا تمهيدا لما احتوته بقية الآيات من صور وتنديد وتحذير. وأن تأويل كلمة (الكافرين) في الآيات باليهود هو الأوجه. وأن المخاطبين في الآية [١٤٠] هم فريق من المؤمنين المخلصين. وأن هذه الآية والآية [١٤٤] قد جاءتا استطرادا لتنبيه وتحذير هذا الفريق من مجالسة المنافقين أو اليهود ثم من تولي اليهود من دون المؤمنين والله تعالى أعلم. ولقد كان بنو قريظة آخر من نكل بهم في المدينة من اليهود وكان بنو قينقاع وبنو النضير منهم قد أجلوا عنها. وكل هذا قد تمّ قبل نهاية السنة الهجرية الخامسة. وعلى هذا فعلى أقل تقدير تكون هذه الآيات قد نزلت قبل التنكيل ببني قريظة الذي كان بعد وقعة الخندق إن لم يكن قبل جلاء بني النضير الذي كان بعد وقعة أحد. على ما شرحناه في سياق تفسير سورتي الأحزاب والحشر. والصورة التي احتوتها الآية [١٤١] تدل على ما كان عليه المنافقون من خبث ومخامرة. حيث كان شأنهم التربّص والذبذبة بين المخلصين والكفار الذين رجحنا أنهم كفار اليهود وحيث كانوا للأولين يقولون إذا كان النصر في جانبهم إنهم معهم وإذا كان في جانب الآخرين إنهم لم يكونوا ليحرزوا ما أحرزوه لو لم يحولوا بين المسلمين وبينهم.

стр. 4017

والآية [١٣٩] تدلّ على أن المنافقين ظلوا متمسكين بقوة بما كان بينهم وبين اليهود من ولاء وحلف فنددت بهم بالسؤال الاستنكاري فيها عما إذا كانوا يبتغون من ذلك العزة مع أن العزة إنما هي لله ييسرها للمؤمنين به المخلصين له. ويظهر أن فريقا من المخلصين وهم على الأرجح من الأنصار ظلوا كذلك متمسكين بما كان بينهم وبين اليهود من حلف وولاء تبعا لأقاربهم من المنافقين أو تمسكا بالعصبية فاقتضت الحكمة التنديد بهم وتحذيرهم في الآية [١٤٤] . ويظهر أن فريقا من المخلصين كانوا يجالسون أقاربهم من زعماء المنافقين أو حلفائهم من اليهود وكان هؤلاء يستهزئون بالقرآن فيغضون عن ذلك فنبهتهم الآية [١٤٠] إلى ما في ذلك من خطأ ومخالفة لكتاب الله. وقد جاء هذا في آية سورة الأنعام هذه وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) . وفي كل ذلك صور من السيرة النبوية في عهدها المدني. وقد كانت في ظرف مبكر نوعا ما حيث كان كل من المنافقين واليهود أقوياء بعض الشيء على ما تدل عليه مضامين الآيات وروحها. والآية [١٤٢] تفيد أن المنافقين كانوا يصلّون. غير أنها تقرر أنهم كانوا حينما يقومون إليها يقومون كسالى ومراءاة للناس. والراجح أن هذا مما كان يشعر به المخلصون ويعرفون منه نفاقهم. وبناء على هذه المواقف وأمثالها احتوت الآيات إنذارا رهيبا لهم. فلهم العذاب الأليم. والله جامعهم مع الكافرين. ولن يحصلوا على غفران الله وتوفيقه. وسيكونون في الدرك الأسفل من النار باستثناء الذين يتوبون منهم ويصلحون ويعتصمون بالله ويخلصون دينهم لله فهم مع المؤمنين الذين سوف يؤتيهم الله الأجر العظيم. وقد تضمنت الآية الأخيرة من الآيات معنى التعقيب والترغيب فليس لله

стр. 4018

تعالى غاية أو فائدة من تعذيب الناس. وإذا عذبهم فإنما يعذبهم على آثامهم وبغيهم. وإنه ليرضيه منهم أن يؤمنوا به ويشكروه بفعل الخير وأداء الواجب والتزام الحدود التي رسمها. وهذا هو ما يتوخاه في دعوتهم وإنذارهم حتى يستحقوا أجره بدلا من عذابه، وشكره بدلا من غضبه وهو العليم بكل ما يعملون. وهكذا تكون الآيات قد سجلت واقع أمر المنافقين حين نزولها. وفتحت لهم الباب لينالوا عفو الله ورحمته، وقررت أن العذاب والخزي إنما هو للمصرّين على المواقف الخبيثة المؤذية. وقد احتوت الآية [١٤١] تطمينا قويا للمسلمين حيث قررت أن الله لن يجعل للكافرين عليهم أي سبيل. ولقد يرد في صدد النهي عن موالاة الكفار الذين رجحنا أنهم كفار اليهود أنه كان بين الأوس والخزرج وبين اليهود عهود ومواثيق وأن النبي ﷺ أبقى عليها وجددها في كتاب الموادعة الذي كتبه حين استقرّ في المدينة بعد الهجرة على ما ذكرناه في مناسبة سابقة. وأن تمسك فريق من الأوس والخزرج بها أو اعتبار أنفسهم مقيدين بها مما توجبه عليهم واجبات الوفاء بالعهد. وجوابا على هذا نقول أولا إن الذين ندد بهم في الآيات بسبب موالاتهم اليهود هم فريق المنافقين فقط الذين وقفوا منذ بدء الهجرة من النبي ودعوته موقف الكيد والمناوأة والتآمر في حين أن تلك العهود والمواثيق كانت بين اليهود وسائر بطون الأوس والخزرج. ومعنى هذا أن معظم المخلصين استجابوا لتحذيرات القرآن والنبي السابقة. وأن بعضهم تأخر فتكرر النهي لهم في الآية [١٤٤] . وأن الذين لم يعبأوا بالتنديد والنهي بوقاحة وإصرار هم المنافقون فقط. وهذا يدل بصراحة وقوة على أن الباعث لهم على ذلك ليس الإخلاص للعهود والميثاق وإنما ما جمع بينهم وبين اليهود من بغض للنبي والإسلام والكيد لهما. ولا يصحّ أن يعدّ من قبيل الحرص على الوفاء بالعهد ولو أن المنافقين كانوا يعتذرون بذلك. وثانيا إنّ المواقف التي حكاها القرآن عن اليهود من شأنها أن تكون نقضا من جانبهم لتلك العهود

стр. 4019

والمواثيق. ولقد اعتبرها القرآن كذلك كما تلهمه آيات سورة البقرة [١٠٠] وسورة الأنفال [٥٥ و ٥٦] التي مرّ تفسيرها. وهذه الآيات مما نزل مبكرا. حيث يفيد ذلك أن مواقفهم اعتبرت نقضا منذ وقت مبكر. وقد استمروا عليها وازدادوا فيها حتى صار عداء استوجب قتالهم على ما شرحناه في سياق تفسير سور الأنفال والأحزاب والحشر. فدعوة القرآن إلى عدم الاستمرار على موالاتهم واتخاذهم بطانة وتحذيره منهم أمر طبيعي لا يتمحل فيه إلّا مكابر مغرض. ومع خصوصية الآيات الزمنية فإنها انطوت على تلقينات وعظات بليغة إيمانية وأخلاقية واجتماعية مستمرة المدى: (١) فالمؤمن الحق هو الذي يؤمن بكل ما جاء من عند الله على لسان محمد والأنبياء الذين من قبله صلوات الله عليهم. (٢) والكفر بشيء من ذلك هو انحراف وإخلال بهذا الإيمان الحق. (٣) ولا يليق بمؤمن أن يبتغي عزا ونصرا من عند غير الله ومن غير إيمانه وإخلاصه وبخاصة من الكافرين بالله. ولا أن يواليهم أو يتناصر معهم من دون المؤمنين. (٤) ومجالسة من يخوض في آيات الله خوض كفر واستهزاء هي من صور النفاق الخبيثة التي تستحق غضب الله ولا تليق بالمؤمن المخلص. (٥) ومن هذه الصور كذلك عدم التضامن الصادق مع المسلمين في مواقف نضالهم والتزلف لأعدائهم بأي شكل وسبب. (٦) والمؤمنون المخلصون مضمونو النصر والتأييد من الله على الكافرين والمنافقين في كل ظرف لأنهم يستمدون قوتهم وصبرهم من إيمانهم في حين يكون هذا المدد مقطوعا عن الكافرين والمنافقين. (٧) والقرآن يستهدف دائما إصلاح الناس ويجعل الباب مفتوحا للآثمين بما فيهم المنافقون والكفار ليرتدعوا ويتوبوا ويصلحوا ويخلصوا. (٨) وحاشا أن يكون من مقاصد الله تعذيب الناس إذا آمنوا

стр. 4020

وشكروا. وإنه ليريد لهم هذا ويرضاه ويثيبهم عليه. وفي كل هذا ما هو ظاهر من روعة وجلال. ومن اتساق مع وصايا القرآن وتلقيناته المتكررة في المناسبات العديدة. ولقد أورد المفسرون «١» بعض الأحاديث والاستنباطات في سياق هذه الآيات نلمّ بها فيما يلي: ١- لقد استدلوا بالآية [١٣٦] على جواز قبول توبة المرتدّ مرة بعد مرة إلى ثلاث مرات. ورووا ذلك عن علي بن أبي طالب. ومما قالوه إنه من يفعل ذلك أكثر من ثلاث مرات فلا يقبل منه لأنه يكون مستهزئا مخادعا ويطبق عليه عقوبة المرتدّ وهي القتل على ما جاء في حديث نبوي رواه الخمسة وأوردناه في مناسبة سابقة «٢» . ٢- لقد أورد في سياق الآية [١٣٩] حديثا رواه الإمام مالك عن النبي ﷺ جاء فيه «من انتسب إلى تسعة آباء كفّار يريد بهم عزّا وكرما فهو عاشرهم في النار» حيث ينطوي في الحديث نهي عن الاعتزاز بالآباء الكفار وتلقين بأنه أجدر بالمؤمنين أن يبتغوا العزة من الله بالإسلام لأنّ العزة لله جميعا. ٣- لقد استدل بعضهم من الآية [١٤٠] على حرمة مجالسة من يعصون الله بارتكابهم الأفعال المحرمة أو أهل الأهواء والبدع المنحرفة. ومع أن النهي منصب على مجالسة الكفار المستهزئين بالقرآن فإن الاستدلال والقياس لا يخلوان من وجاهة على أن الامتناع عن مجالستهم في حالة ارتكابهم المعاصي أو خوضهم في الأهواء والبدع. والله أعلم. ٤- لقد قال بعضهم إن جملة وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا في الآية [١٤١] هي أيضا بالنسبة ليوم القيامة. غير أن هناك من قال إن فيها بشرى للمؤمنين بالنسبة للدنيا وأن الكفار إذا استعلوا وغلبوا المؤمنين فإنه يكون من قبيل

стр. 4021

الامتحان وإن النصر النهائي سيكون للمؤمنين عليهم. وهذا وجيه مؤيد بآيات كثيرة وعد الله فيها المؤمنين والرسل بالنصر والتأييد غير أن من الحق أن نذكر أنه شرط ذلك بالإخلاص وصدق الإيمان. ٥- لقد استنبط بعضهم من الآية [١٤١] أيضا عدم جواز ولاية الكافر وحكمه على المسلمين وعدم جواز الرضاء بهما وعدم جواز ولاية الكافر في نكاح مؤمنة ولا في سفرها. وعدم جواز شفاعة الكافر في مؤمن. وعدم جواز بيع مملوك مسلم ذكرا كان أو أنثى لكافر. وكل هذا سديد وجيه في ذاته. وإن كنا نرى في استنباطه من الآية تكلفا. ٦- ولم يمنع عقل ولا دين بعض مفسري الشيعة من القول إن الآية [١٣٦] نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ لأنهم آمنوا بالنبي أولا ثم كفروا حين عرضت عليهم ولاية علي، ثم آمنوا بها في حياة النبي وكفروا بها بعده وازدادوا كفرا بأخذهم البيعة لأنفسهم «١» . [سورة النساء (٤) : الآيات ١٤٨ الى ١٤٩] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩) . تعليق على ما في الآية لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ... إلخ من تلقين وعظة عبارة الآيتين واضحة. وهما فصل جديد. ويلمح شيء من التناسب الموضوعي بينهما وبين الآية السابقة لهما مباشرة. فإذا لم تكونا نزلتا بعدها فيكون وضعهما في مكانهما بسبب ذلك على ما يتبادر.

стр. 4022

روى الخازن رواية في نزول الآية الأولى ورد صيغة مقاربة لها في سنن أبي داود عن أبي هريرة بهذا النص «إن رجلا كان يسبّ أبا بكر بحضرة النبي ﷺ فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثانية فصمت عنه ثم آذاه الثالثة فانتصر منه فقام رسول الله فقال أبو بكر أوجدت عليّ يا رسول الله. قال نزل ملك من السماء يكذّبه بما قال لك فلما انتصرت وقع الشيطان فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان» » . ويلحظ أن في الآية تبريرا لانتصار أبي بكر لنفسه في حين أن الحديث يذكر عدم رضاء النبي عن ذلك وأن الآية الثانية هي متممة للأولى ومنسجمة معها وهذا يسوغ الترجيح نزولهما معا. فإذا فرضنا أن حادث أبي بكر كان سبب نزولهما وليس نزول الآية الأولى فقط فإن الملاحظة الأولى تبقى واردة. إلا أن يقال إن حكمة التنزيل اقتضت تبرير موقف أبي بكر ثم اقتضت ردف ذلك التبرير بالحث على العفو. ومهما يكن من أمر فيصح القول إن الآيتين نزلتا في حادث سوء جهر به شخص ما. ولا ينفي هذا أن يكون هو الحادث الذي ذكر في الحديث والله أعلم. وقد جاءت الآيات بأسلوب مطلق عام لتكون عامة مستمرة المدى في ما احتوته من تعليم وتأديب وعظة وتلقين بما مفاده: (١) إن الجهر بالسوء مهما كان. وسواء أكان بذاءة أو شتيمة أم تعريضا أم تحريضا أم تقريعا أم سخرية أم استهتارا أم إشاعة فاحشة وشيوع ذلك بين المسلمين شيء قبيح لا يحبه الله تعالى. (٢) ويستثنى من ذلك المظلوم الذي يقول ما يقول ردا على المعتدي عليه بدءا. (٣) ومع ذلك فعفو المسلمين عن بعضهم خير مستحب وفيه اقتداء بالله الذي يعفو عن الناس ويسع حلمه ما يبدو منهم من مواقف فيها سوء أدب وجحود مع قدرته على البطش والانتقام. وليعلموا أن الله يعلم كل ما يصدر منهم

стр. 4023

من خير سواء أأبدوه أو أخفوه. وعليهم أن يفعلوا الخير على كل حال والعفو خير. وبعض هذه التلقينات ورد في آيات سورة الشورى [٣٩- ٤٣] على ما شرحناه في مناسبتها حيث يتساوق التلقين القرآني المكي مع التلقين القرآني المدني في هذا الأمر كما هو في الأمور الأخرى. وقد يكون استثناء المظلوم وتبرير ردّه على ظالمه قد استهدف به عدم استشراء البذاءة والعدوان في المجتمع الإسلامي. وروح الآيات تلهم أن هذا لا ينبغي أن يكون إلّا في نطاق هذا الهدف من جهة وأن العفو هو الأفضل إذا كان لا يؤدي إلى ذلك الاستشراء من جهة أخرى. وفي هذا تتمة للتلقين الذي انطوى في الآيتين. ومما قاله المفسرون لأنفسهم أو لعلماء آخرين إن من الواجب أن يكون ردّ المظلوم على الظالم بما ليس فيه عدوان وفحش وافتراء وهذا وجيه سديد. هذا. ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن تعبير لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ هو أسلوبي يستهدف التأديب بالنص على قبح الجهر بالسوء وإنه لا يمكن أن يكون بمعنى أن الله يرضى عن السوء إذا كان في مجلس خاص أو إذا كان صدر خفية من دون جهر علني. فالله سبحانه قد حرم الإثم والفواحش مطلقا ما ظهر منها وما بطن على السواء وآذن أنه لا يرضى ما بيت من سوء قولا وفعلا في آيات عديدة مكية ومدنية ومنها ما جاء في سور سبق تفسيرها مثل آيات الأنعام [١٣٠ و ١٥١] والأعراف [٣٣] والآيات [١٠٨ و ١٢٣] من هذه السورة. ومنها ما جاء في سور يأتي تفسيرها بعد. وهناك أحاديث نبوية ساق بعضها بعض المفسرين في سياق الآيتين متساوقة في التلقين معهما. من ذلك حديثان رواهما أبو داود عن النبي ﷺ جاء في أحدهما «قال النبي أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم قالوا ومن أبو ضمضم قال رجل فيمن كان قبلكم كان إذا أصبح قال اللهم إني جعلت عرضي لمن شتمني» «١»

стр. 4024

وجاء في ثانيهما «إنّ من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حقّ. ومن الكبائر السّبتان بالسّبة» «١» وحديث رواه البخاري جاء فيه «قال النبي ﷺ من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل ألّا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته. وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» «٢» وحديث رواه الترمذي جاء فيه «قال النبي ﷺ ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء» «٣» وحديث رواه الترمذي أيضا جاء فيه «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى إنهم يجعلون له ندّا وولدا وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم» «٤» وحديث رواه مسلم جاء فيه «قال النبي ﷺ ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلّا عزّا وما تواضع أحد لله إلّا رفعه الله» «٥» وحديث رواه الأربعة جاء فيه «قال النبي ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» «٦» . [سورة النساء (٤) : الآيات ١٥٠ الى ١٥٢] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢) .

стр. 4025

تعليق على الآية إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ... إلخ والآيتين التاليتين لها عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تقريرا بكون الكافرين حقا المستحقين لعذاب الله هم الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا في الإيمان بهم فيقولون نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم وبكون الذين يؤمنون بالله ورسله جميعا بدون تفريق هم المؤمنون حقا الذين يستحقون أجرهم عند الله الغفور الرحيم. والآيات فصل جديد. وقد يلمح شيء من التناسب الموضوعي بينها وبين الفصل السابق لها وبخاصة الآية الأولى منه أي [١٣٦] وقد يكون هذا سبب وضعها في مكانها إن لم تكن نزلت بعد الآيات السابقة. ولم يرو المفسرون رواية خاصة في نزول الآيات وكل ما هناك أن الخازن قال «قيل إنها نزلت في اليهود لأنهم يؤمنون بموسى وأنبيائهم وكتبهم ولا يؤمنون بعيسى وإنجيله ومحمد وقرآنه وقيل إنها نزلت في النصارى الذين لا يؤمنون بمحمد والقرآن» وإن الطبري وابن كثير قالا إنها في اليهود والنصارى معا لأن كلا منهم يؤمن ببعض الأنبياء والكتب ويكفر ببعض. والآيات من حيث المدى تتحمل هذه الأقوال جميعها. غير أن الآيات التالية احتوت حملة على اليهود خاصة لجحودهم رسالة النبي وتحديهم إياه وتكذيبهم وقتلهم الأنبياء حيث يبدو من ذلك أن بين هذه الآيات وبينها صلة موضوعية وأنها جاءت كمقدمة وتمهيد لها. والآيات مع خصوصية الموقف الذي نزلت بمناسبته تتضمن تقرير مبدأ من مبادئ الإيمان عامة ومبدأ من مبادئ الدين الإسلامي خاصة: فالإيمان بموسى وغيره من الأنبياء دون الإيمان برسالة عيسى بالنسبة لمن عاش في عهد عيسى وبعده لا يجزي عند الله. والإيمان بموسى وعيسى وغيرهما من رسل الله دون الإيمان بمحمد لمن عاش في عهد محمد وبعده لا يجزي عند الله. والإيمان

стр. 4026

بمحمد لا يجزي إلّا مع الإيمان بمن قبله من رسل الله. والدين الحق هو الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله صلوات الله عليهم وسلامه دون تفريق بين أحد منهم. ومن يكونون على ذلك فهم المؤمنون حقا. وهم المسلمون الذين يؤمنون بجميع أنبياء الله- صلوات الله عليهم- ورسله وكتبه. وما عداهم فهم عند الله كافرون. وهناك حديث رواه مسلم عن أبي هريرة خاص بحالة اليهود والنصارى وإيجاب إيمانهم بالنبي ﷺ وتقرير النار مصيرا لغير المؤمنين به يمكن أن يساق في هذا المقام ونصه «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» «١» والحديث غير محصور باليهود والنصارى وإنما المناسبة هي التي جعلت النبي يذكرهما بخاصة في الحديث على ما هو المتبادر. فالنبي رسول الله إلى الناس جميعا فكل من سمع به ولم يؤمن به كافر من أصحاب النار وقد جاء هذا في آيات أخرى منها آية سورة البينة هذه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) . [سورة النساء (٤) : الآيات ١٥٣ الى ١٦١] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩) فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) .

стр. 4027

تعليق على الآية يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ والآيات التي بعدها إلى آخر الآية [١٦١] وما فيها من حملة على اليهود لمواقفهم الجحودية. واستطراد إلى مسألة زعم صلب المسيح وعقيدة الصلب والفداء عبارة الآيات واضحة. وقد حكت الفقرة الأولى من الآية الأولى سؤالا وجهه أهل الكتاب الذين هم يهود على ما جاء صراحة في الآيات التالية، فيه تحدّ وتعجيز للنبي ﷺ بأن ينزل عليهم كتابا من السماء. ثم احتوت الفقرة الثانية وبقية الآيات حملة عليهم وربطت ما يبدو منهم من تعجيز وجحود بما بدا من آبائهم قبل سواء أفيما كان منهم من تعجيز لموسى ﵇ وطلبهم أن يريهم الله جهرة أم في اتخاذهم العجل وانحرافهم عن أوامر الله ووصاياه رغم ما أخذ منهم من مواثيق وصدر عنهم من عفو في أول الأمر أم في قتلهم الأنبياء بعد موسى أم في موقف الجحود والتكذيب الذي وقفوه من عيسى وبهتهم لأمه وادعائهم أنهم قتلوه. وانتهت بتقرير ما كان من عقاب الله لهم بسبب ظلمهم وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا الذي نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل حيث عاقبهم الله بتحريم طيبات كانت حلالا لهم بالإضافة إلى العذاب الأليم الأخروي والمعدّ للكافرين المنحرفين منهم. وقد روى المفسرون «١» أن كعب بن الأشرف جاء إلى النبي مع جماعة من

стр. 4028

اليهود أو جماعة من اليهود جاؤوا إلى النبي وقالوا له إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء كما جاء موسى بالتوراة وفي رواية فأتنا من السماء بكتاب يخاطبنا بصورة خاصة. وفي رواية فلينزل على فلان وفلان منهم كتب بتصديقك فنزلت الآيات بالردّ عليهم. والروايات لم ترد في كتب الصحاح. وهي متسقة مع الفقرة الأولى من الآية الأولى. وتكون بقية الآية والآيات التالية من قبيل الاستطراد وتدعيم الرد. والاتصال قائم في الوقت نفسه بين هذه الآيات والآيات السابقة من حيث إن الآيات السابقة احتوت تقرير كفر الذين يكفرون ببعض أنبياء الله ورسله وأن هذه الآيات احتوت بيان موقفهم الجحودي من نبوة محمد وعيسى وأنبياء آخرين لم يكتفوا بتكذيبهم والكفر بهم بل قتلوهم أيضا. وهذا ما يجعلنا نرجح أن الآيات السابقة هي تمهيد لهذه الآيات. وهذا لا يمنع أن تكون هذه وتلك قد نزلت بسبب سؤال اليهود الذي حكته الفقرة الأولى من الآيات. وجلّ ما جاء في هذه الآيات من مواقف اليهود القدماء الجحودية والتعجيزية والانحرافية وربطها بمواقف اليهود المماثلة في زمن النبي ﷺ ، وإزاءه قد جاء في سورتي البقرة وآل عمران بتفصيل أوسع. وقد علقنا على ذلك بما يقتضي في سياق تفسير هاتين السورتين فلا نرى ضرورة إلى إعادة أو زيادة. ومن الجديد في الآيات حكاية رمي اليهود مريم بالبهتان العظيم والعبارة تعني رميها بالزنا وقولهم إنها حبلت بالمسيح سفاحا. وقد ورد ذلك في بعض مدوناتهم القديمة أو في التلمود المؤلف قبل البعثة النبوية حيث قالوا إنه ابن جندي روماني اسمه تيريو جوليو «١» وواجب المسلم أن ينكر ذلك وأن يؤمن أن مريم حبلت بالمسيح بمعجزة ربانية عبر عنها في القرآن بنفخ الله من روحه فيها أو في فرجها بدون مسّ من رجل كما جاء ذلك في آيات في سور آل عمران ومريم والأنبياء والتحريم.

стр. 4029

ومن الجديد في الآيات كذلك حكاية دعوى اليهود بأنهم قتلوا المسيح. ونفي الآيات قتلهم أو صلبهم إياه وتقريرها أنه شبّه لهم وأن الله قد رفعه إليه وأن الذين اختلفوا في أمره في شك كبير من ذلك. وتعليقا على هذه النقطة نقول أولا: إن على المسلم أن يؤمن بهذه الحقائق التي يقررها القرآن ولو أن العبارة القرآنية جاءت استطرادية على ما تلهمه روحها ويدل عليه باستمرار سياق الحملة على اليهود وذكر أفعالهم وأخلاقهم بعدها. وثانيا: إن المجادلين النصارى قد يتمحلون فيقولون إن اليهود ليسوا هم الذين صلبوا وقتلوا المسيح فيكون نفي القرآن حقا بالنسبة لليهود فقط وإن الذين فعلوا ذلك الرومان والنفي لا يشملهم. وجوابا على هذا التمحل نقول إن روح العبارة القرآنية قصدت تقرير نفي القتل والصلب مطلقا وإن نسبة ذلك إلى اليهود إنما هي في اعتقادنا بسبب كون اليهود كانوا يدعون ذلك أو أن ذلك هو الذي كان قائما في الأذهان. وثالثا: إننا نعتقد أنه كان في زمن النبي ﷺ طوائف من النصارى كانوا يعتقدون بكل ذلك فضلا عن حقائق أخرى قررها القرآن في شأن عيسى ﵇ امتدادا لما قبلها. وإيمان النصارى الذين كان منهم القسيسون والرهبان بالنبي والقرآن لأنهم سمعوا ما عرفوا من الحق على ما جاء في آيات سورة المائدة هذه وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) دليل حاسم على ذلك. وقد ذكر السيد رشيد رضا في سياق تفسيره للآيات التي نحن في صددها أن من الفرق القديمة النصرانية التي كانت تنكر صلب المسيح فرقة السيرنتيين والتاتانوسيين أتباع تاتانوس تلميذ الشهيد يوستينيوس. وقد أورد في سياق ذلك أن فوتيوس قرر أنه قرأ كتابا يسمى رحلة الرسل فيه أخبار بطرس ويوحنا وأندراوس وتوما وبولس وهم من حواريي المسيح ورسله وأن مما قرأه أن المسيح لم يصلب ولكن صلب غيره وقد ضحك على صالبيه. ولقد ظهر في القرن الثاني بعد الميلاد راهب نصراني

стр. 4030

اسمه ايبون فكان مما يقوله (إن المسيح ولد من يوسف والعذراء ولا نعلم متى وكيف قضى أجله) ونرجح أنه كان هناك كتب قديمة أخرى تقرر هذه الحقيقة مع حقائق عديدة أخرى مما يتسق مع تقريرات القرآن أحرقها رجال الكنيسة. وإذا كانت الأناجيل المعترف بها اليوم تقرر صلب المسيح فإن من الحقائق الثابتة أن هذه الأناجيل كتبت بعد عيسى ﵇ بزمن ما، وكترجمة لحياته سمعت من الرواة. ولا يمكن أن يكون ما ذكروه يقينا قاطعا على صحة الصلب. ومع ذلك فهناك إنجيل يعزى إلى الحواري برنابا فلت من الحرق وهو ينكر الصلب ويقرر جلّ الحقائق التي يقررها القرآن في عيسى. وإنكار النصارى لهذا الإنجيل لا يثبت بطلان ما فيه بما في ذلك عدم الصلب بطبيعة الحال. والفريق النصراني الذي ذكرت آيات المائدة إيمانه بالنبي والقرآن نتيجة لما سمعه من الحق الذي يعرفه ليس هو الوحيد الذي آمن بسبب ذلك. فقد ذكرت آيات عديدة مكية ومدنية ذلك عن جماعات عديدة من أهل الكتاب مما انطوى في آيات سورة القصص [٥٢- ٥٥] والإسراء [١٠٧- ١٠٨] والرعد [٣٥] والأنعام [٢٠ و ١١٤] والعنكبوت [٤٧] وغيرها وغيرها. ونعتقد أن هذا هو الذي جعل النصارى في بلاد الشام والعراق ومصر وشمال إفريقية والأندلس يقبلون على الإسلام ويدخلون فيه أفواجا حتى دان معظمهم به خلال ردح غير طويل من الزمن. ولقد روى الطبري وغيره روايات عديدة عن وهب بن منبه وغيره من علماء الأحبار من مسلمة اليهود وغيرهم من التابعين في صدد ما كان من مطاردة اليهود لعيسى بقصد القبض عليه وقتله. وفي صدد جملة وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ منها ما ورد في بعض الأناجيل المتداولة اليوم ومنها ما لم يرد. ومن هذا أن المسيح جمع الحواريين في بيت فجاء الذين صمموا على القبض عليه وقتله فأحاطوا بالبيت ثم دخلوا فإذا جميع من في البيت في صورة عيسى فقالوا لهم لتقرّن من هو عيسى حقيقة أو لنقتلنكم فقال عيسى من يشتري منكم نفسه وله الجنة فقال أحدهم
следующие страницы →