← Тафсир

Тафсир · id 23603

التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

Полный текст (5 329 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

يروي قصته لرسول الله فنزل الوحي بالآيات» . وهناك روايات أخرى فيها أسماء وأحداث أخرى. يرويها المفسرون كسبب لنزول الآيات. منها صيغة حديث يرويه الإمام أحمد عن عبد الله قال «كنا جلوسا عشية الجمعة في المسجد فقال رجل من الأنصار أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه. وإن سكت سكت على غيظ. والله لئن أصبحت صحيحا لأسألنّ رسول الله فسأله وأعاد عليه ما قال ثم قال اللهم احكم فنزلت آية اللعان فكان ذلك الرجل أول ما ابتلي بها. ومنها رواية رواها الإمام أحمد كحديث مماثل للرواية السابقة مع ذكر اسم السائل وهو عويمر. ومنها كحديث رواه الحافظ البزار جاء فيه «إن رسول الله قال لأبي بكر لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به قال كنت والله فاعلا به شرا. قال فأنت يا عمر؟ قال كنت والله قاتله. كنت أقول لعن الله الأعجز فإنه خبيث فنزلت الآيات» «١» . والروايات تقضي أن تكون الآيات نزلت مستقلة عن سابقاتها في حين أنها تبدو معطوفة عليها وحلقة من سلسلة مشتركة في الموضوع. وليس ما يمنع أن تكون نزلت مستقلة وألحقت بالسياق للتناسب الموضوعي كما أنه ليس هناك ما يمنع أن تكون نزلت بعد سابقتها بناء على استفسار أو حادث كما روي فوضعت في ترتيبها للتناسب الموضوعي والظرفي. غير أنا نميل إلى القول إن السلسلة نزلت دفعة واحدة بناء على استفسارات وحوادث وقعت قبلها، لأننا نلمس في الآيات العشر وحدة وانسجاما في النظم مع التشارك في الموضوع. وهذه الشهادات المتقابلة بين الزوجين تسمى في الاصطلاح الفقهي بالملاعنة أو اللعان. ويترتب عليها التفريق بين الزوجين على ما جاء في حديث البخاري والترمذي. وقد اختلف الفقهاء في صفة الفرقة. فذهب أبو حنيفة إلى أنها فرقة طلاق بائن وإن الزوج إذا كذب نفسه جاز له أن ينكحها ثانية، وذهب الشافعي إلى أنها فرقة أبدية، بل يستفاد من أقوال المفسرين أن هذا هو رأي أكثر

стр. 4132

العلماء «١» . ومنهم الإمام مالك الذي زاد على ذلك فأوجب إقامة الحدّ على الزوج إذا كذب نفسه وإلحاق الولد له مع الفرقة الأبدية «٢» . ومع أن المتبادر لنا أن التفريق الأبدي هو الأوجه والمستفاد من حديث ملاعنة هلال فإن رأي أبي حنيفة لا يتناقض معه لأنه ليس فيه صراحة قطعية. ولا يخلو من جهة أخرى من وجاهة أيضا إذا تحقق شرطه وهو تكذيب الزوج لنفسه حيث يكون في ذلك ردّ لكرامة الزوجة وسمعتها. غير أن الرأي الأول هو الأوجه. ولا سيما إذا أخذ برأي الإمام مالك الوجيه فأقيم حدّ القذف على الزوج وألحق به الولد. فإن في ذلك ردّا أقوى لكرامة الزوجة. والله تعالى أعلم. واللعان كما هو واضح إجراء قضائي. وقد جرى على يد النبي ﷺ وبأمره وفي مشهد علني. وينبغي أن يكون كذلك على يد ولي الأمر من بعده أو من ينوب عنه بطبيعة الحال. وواضح من فحوى الآيات أن اللعان إنما يكون في حالة تعذر إقامة البينة على الزوجة. وأنه ليس له محل في حالة إمكان ذلك حيث يقام عليها الحدّ. والجمهور «٣» على أن الزوجة إذا لم تشهد الشهادات الخمس بكذب زوجها أقيم عليها الحد. وهذا متسق مع فحوى الآيات. ولقد اختلفت الأقوال في صدد الزوج الذي يتهم زوجته ثم ينكل عن الشهادة. فهناك من قال: إنه يعتبر قاذفا ويستوجب حدّ القذف. وهناك من قال: إنه لا يحدّ وإنما يحبس حتى يلاعن «٤» . والرأي الأول هو الأوجه فيما هو المتبادر. ومن الغريب أن هناك من قال «٥» هذا في صدد الزوجة التي تمتنع عن

стр. 4133

الشهادة أيضا مع ما في الآيات من دلالة قطعية على أن نجاتها من العذاب أي الحدّ منوطة بشهاداتها الخمس. وقد فرض الفقهاء حالة محتملة الوقوع. وهي أن تكون الزوجة المتهمة حاملا وأن تكون تهمة الزوج شاملة لنفي الحمل عنه. فقالوا إن عليه- والحالة هذه- أن يذكر في شهاداته نفيه للولد عنه، وحينئذ تذكر الزوجة في شهاداتها إثبات الولد إليه. ويترتب على ذلك عدم نسبة الولد إلى الزوج ونسبته إلى أمه دون أن يعتبر ولد زنا لما هناك من شبهة. ويحق له أن يرثها وترثه. وهذا مستمد من حديث هلال ومن زيادة وردت في رواية الطبري للحديث مفادها أن ابنها يرثها وأن الولد يدعى لها ولا يرمى أي لا يقال له ولد زنا. وفي الموطأ قول للإمام مالك وهو أن ولد اللعان يرث إخوته لأمه أيضا «١» . وهذا يتبع ذاك. هذا وظاهر من الآيات أن التشريع الذي احتوته خاص بتوجيه التهمة من الزوج إلى زوجته. وهنا محل تساؤل عن الحكم في حالة تهمة الزوجة لزوجها بالزنا. ولم نطلع على حديث أو قول في ذلك. ومما لا ريب فيه أن هناك فرقا واضحا يترتب عليه نتائج مختلفة بين الحالتين ومن ذلك مسألة الأولاد الذين تلدهم المرأة حيث يكونون قد نسبوا زورا لغير أبيهم الحقيقي وورثوا إرثا لا يستحقونه عند الله. ولعل الحكمة في تخصيص التشريع هي بسبب هذا الفرق. والمتبادر أن تهمة الزوجة لزوجها تكون في حكم القذف العادي. فإذا أثبتت الزوجة الزنا على زوجها بشهود أربعة استوجب حدّ الزنا وهو الرجم وإذا لم تثبته استوجبت هي حدّ القذف. وفي صدد شمول اللعان للعبيد والذميين روى البغوي اجتهادين: واحدا معزوا إلى سعيد بن المسيب والشافعي ومالك والثوري وقال إن أكثر أهل العلم أخذوا به وهو أن كل من صحّ يمينه صحّ لعانه حرّا كان أم عبدا ومسلما أم ذمّيا. وواحدا معزوا إلى الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو أن اللعان لا يجري إلّا

стр. 4134

بين مسلمين حرّين غير محدودين فإن كان الزوجان أو أحدهما رقيقا أو ذميا أو محدودا في قذف فلا لعان بينهما. وقد عقب البغوي على ذلك فقال إن ظاهر الآية حجة لمن قال يجري اللعان بينهما لأن الله لم يفصل بين الحرّ والعبد والمحدود وغيره. ويتسق هذا مع القول الأول. وهو ما نراه الأوجه الأسد، والله تعالى أعلم. [سورة النور (٢٤) : الآيات ١١ الى ١٨] إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) . (١) الإفك: الخبر الكاذب المفترى. (٢) عصبة منكم: جماعة منكم. (٣) تولّى كبره: بمعنى تزعّم حركة الخبر المفترى أو قاد حملته. (٤) لولا: الأولى والثانية والرابعة بمعنى (هلّا) وقد تكررت في القرآن بهذا المعنى. أما الثالثة فهي الشرطية المعتادة. (٥) أفضتم فيه: أوسعتم مجال الحديث فيه بينكم. (٦) تلقونه: بمعنى تتناقلونه أو يتلقاه بعضكم عن بعض.

стр. 4135

تعليق على الآية إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) والآيات التي بعدها إلى آخر الآية (١٨) وخبر حديث الإفك الذي رميت به أم المؤمنين عائشة ﵁ ا وما في ذلك من صور وتلقينات هذه الآيات تتضمن الإشارة إلى حادث قذف كاذب اتفق المفسرون والرواة على أنه في شأن عائشة أم المؤمنين وعرف في تاريخ السيرة النبوية باسم حديث الإفك اقتباسا من الآية الأولى فيما هو المتبادر. وقد تضمنت تقرير ما يلي: (١) إن الذين أثاروا الحديث هم جماعة من المسلمين. (٢) وهم آثمون. كل بحسب ما كان منه من أثر فيه. والإثم الأكبر والعذاب الأعظم هو لمن تزعم الحركة وقاد الحملة. (٣) وعلى الذين لهم صلة به أن لا يحزنوا ولا يظنوا حينما سمعوا خبره أنه شرّ في حقهم بل إنه خير لهم في النتيجة. (٤) ولقد كان من الواجب على مثيريه أن يقيموا البيّنة على صحة ما قالوا فيأتوا بأربعة شهداء ولكنهم إذا لم يفعلوا ذلك فهم كاذبون عند الله. (٥) ولقد كان الأولى بالمؤمنين حينما سمعوا الحديث أن يغلبوا حسن الظنّ بالمؤمنين والمؤمنات ويستنكروه ويقرروا أنه كذب واضح. (٦) ولولا أن الله قد رحمهم وشملهم بفضله في الدنيا والآخرة لنالهم عذاب عظيم فيهما عقوبة على ما كان منهم من الإفاضة في هذا الحديث والاشتغال به، حيث أخذوا يتناقلونه ويتلقاه بعضهم عن بعض ويخوضون فيه بدون علم ويقين ولا ينتبهون إلى ما وقعوا فيه من الإثم وظنوه أمرا هيّنا مع أنه عظيم عند الله. (٧) ولقد كان الأجدر بهم أن يدركوا حينما سمعوه أنه افتراء عظيم وأنه

стр. 4136

لا يجوز أن يخوضوا فيه وأن يحولوا دون ذيوعه وتوسع الكلام عنه. (٨) وإن الله لينهاهم عن العودة إلى مثله أبدا إذا كانوا مؤمنين حقا. وإنه ليبين لهم الآيات ليتذكروا. وإنه لهو العليم بكل شيء الحكيم الذي يأمر بما فيه الحق والخير والمصلحة. وهذا الحادث من الحوادث المهمة في تاريخ السيرة النبوية كان موضوع بحث وتمحيص وقيل وقال. ورويت فيه روايات عديدة وطويلة. وفي فصل التفسير في صحيح البخاري ومسلم والترمذي حديث طويل مروي عن عائشة أم المؤمنين احتوى تفصيل المسألة تفصيلا وافيا رأينا إيراده لما فيه من صور وفوائد. قالت «كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين زوجاته فأيّتهن خرج سهمها خرج بها معه فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما نزل الحجاب. فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع أظفار «١» قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني «٢» ابتغاؤه فأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلون لي فاحتملوا هودجي فرحّلوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفّة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه «٣» حين عرفني. فخمرت وجهي بجلبابي والله

стр. 4137

ما كلّمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئ يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة. فهلك من هلك في شأني. وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول. فقدمنا المدينة فاشتكيت «١» شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك. ويريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما يدخل عليّ فيسلّم ثم يقول كيف تيكم ثم ينصرف ولا أشعر بالشرّ. حتى خرجت بعد ما نقهت فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنّا لا نخرج إلّا ليلا إلى ليل. وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح بن أثاثة وهي بنت أبي رهم بن عبد مناف وأمها خالة أبي بكر الصديق فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي وقد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت تعس مسطح فقلت لها بئس ما قلت أتسبّين رجلا شهد بدرا قالت أي هنتاه (يا هذه) أو لم تسمعي ما قال؟ قلت وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله ثم قال كيف تيكم. قلت أتأذن لي أن آتي أبوي- قالت وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما- فأذن لي رسول الله. فجئت أبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس. قالت يا بنية هوّني عليك فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها لها ضرائر إلّا كثّرن عليها، فقلت سبحان الله ولقد تحدّث الناس بهذا. قالت فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي. فدعا رسول الله علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله (طلاقها) . فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودّ فقال يا رسول الله أهلك وما نعلم إلّا

стр. 4138

خيرا. وأما علي فقال يا رسول الله لم يضيّق الله عليك. والنساء سواها كثير. وإن تسأل الجارية تصدقك: قالت فدعا رسول الله بريرة فقال أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك. قالت لا والذي بعثك بالحقّ إن رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السنّ تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله فقام رسول الله فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول فقال وهو على المنبر يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ فقال يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة (زعيم الخزرج) وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير (من زعماء الأوس) فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله على المنبر فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا وسكت. قالت فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما وهما يظنان أن البكاء فالق كبدي. فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت فبينا نحن كذلك دخل علينا رسول الله فسلّم ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني فتشهّد ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب عليه. فلما قضى رسول الله مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة فقلت لأبي أجب رسول الله فيما قال. قال والله ما أدري ما أقول، فقلت لأمي أجيبي رسول الله قالت ما أدري ما أقول لرسول الله. فقلت وأنا جارية حديثة السنّ لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت. لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به. فلئن قلت لكم إني بريئة والله

стр. 4139

يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني. والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف قال فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ [يوسف: ١٨] . ثم تحولت فاضطجعت على فراشي. وأنا أعلم أني بريئة ولكن والله ما كنت أظنّ أن الله منزل في شأني وحيا يتلى. ولشأني في نفسي أحقر من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها. قالت فو الله ما رام رسول الله ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء «١» حتى إنه ليتحدّر منه مثل الجمان «٢» من العرق في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه فلما سرّي عن رسول الله وهو يضحك فكان أول كلمة تكلّم بها: يا عائشة أمّا الله فقد برّأك فقالت أمي قومي إليه «٣» . فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله . فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ العشر الآيات كلها. فلما أنزل الله تعالى هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد ما قال في عائشة. وكان ينفق عليه لقرابته منه وفقره فأنزل الله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) قال أبو بكر بلى والله إني أحبّ أن يغفر الله لي فرجّع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه. وقال والله لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة وكان رسول الله يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال يا زينب ماذا علمت أو رأيت قالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيرا. قالت وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك» «٤» . وقد روى الترمذي تتمة للقصة عن عائشة قالت «لما نزل عذري قام

стр. 4140

رسول الله على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدّهم» «١» . والحديث كما هو واضح قد صدر من عائشة بعد مدة طويلة من الحادث. غير أن هذا ليس من شأنه أن يضعف من صحة جميع ما جاء فيه. وفي الروايات بعض تفصيلات لم ترد فيه، منها أن الغزوة التي وقع الحادث أثناءها هي غزوة بني المصطلق أو المريسيع «٢» وأن الذين خاضوا في الحديث أكثر من غيرهم وأوقع النبي عليهم الحدّ حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش. وهناك رواية تذكر أن الذي تولّى كبره هو حسان بينما هناك رواية تذكر أنه عبد الله بن أبي بن سلول «٣» . ومن العجيب أن الروايات لم تذكر أن النبي أقام الحدّ على عبد الله بن أبي بن سلول. وحديث عائشة الذي رواه الترمذي يذكر أن الذين أقيم عليهم الحد رجلان وامرأة. فالظاهر أن عبد الله بن أبي بن سلول لعب دوره بمهارة وأن الذين تورّطوا في الحديث هم الثلاثة المذكورون. ولقد روى المفسرون أن ابن سلول كان يجمع الكلام ويستوشيه حتى دخل في أذهان الناس فتكلموا به وجوزه آخرون منهم وأن هذا المسلك كان مما درأ عنه الحد لأنه لم يصدر منه قذف صريح «٤» . ولقد روي «٥» أنه وقعت ملاحاة ومشادة بين بعض المهاجرين والأنصار من الخزرج من أقارب ابن سلول في أثناء غزوة المريسيع وجعلت هذا يظهر ما في صدره من حنق وغيظ ضد النبي ﷺ والمهاجرين ويهدد ويتوعد وكان لذلك أثر

стр. 4141

مرير في نفس النبي ﷺ والمهاجرين على ما سوف نشرحه في سورة (المنافقون) بعد هذه السورة. ومما يخطر في البال أن يكون ابن أبي بن سلول قد أراد في ما أثاره من حديث الإفك شفاء نفسه من النبي بهذه الإثارة. ومع أن الآيات ليست بسبيل حكاية القصة كما هو واضح. وشأنها شأن ما ورد في القرآن من قصص وإشارات إلى حوادث السيرة أي أنها استهدفت التنديد والإنذار والعتاب والتذكير والعظة والتبرئة والتسلية على ما جاء في الشرح فإنها احتوت بعض الدلالات المتسقة مع المروي إجمالا كما أن فيها دلالة على ما كان للحادث وظروفه من آثار مؤذية ومزعجة. هذا مع توقفنا فيما روي من موقف النبي من عائشة وجفائه وما يوهمه هذا من احتمال شكه فيها. فإن الآيات لا تساعد على التسليم به نصا وروحا. وفي نفسنا كذلك شيء مما ورد عن موقف علي بن أبي طالب. فهو يطلب من النبي ﷺ أن يسأل الجارية وهي تصدقه مما يدل على أنه كان يعلم منها ما يريب في حين أنه لم يكن شيء من ذلك. ولا نود أن نصدق أن عليا ﵁ يبيح لنفسه أن يشك في عائشة ﵂ ويحرض النبي ﷺ على طلاقها بدون برهان وليس هناك برهان. ولقد أثير هذا حين نشبت الفتنة بين المسلمين بعد مقتل عثمان ﵁ وكان من صفحاتها الوقعة المعروفة بحرب الجمل التي كان في طرفها الأول علي بن أبي طالب وفي طرفها الثاني عائشة وطلحة والزبير ﵃ أجمعين حيث قيل فيما قيل على هامشها إن عائشة ظلت ناقمة على عليّ بسبب موقفه المذكور. ومعظم ما جاء في الروايات حول هذه الفتنة مشوب بالهوى الحزبي «١» . وأسلوب الآيات قوي في التنديد والإنذار والعتاب والتطمين والتسلية. ومن شأنه أن يثير الرهبة والخجل والندم في الذين تورطوا في حديث الإفك بأي شكل أو سكتوا عنه من جهة. وأن يبعث القناعة التامة في نزاهة أم المؤمنين ويهدىء

стр. 4142

روعها ويطيب نفسها من جهة. وأن يعظم إثم الذين قادوا حملة الإفك أو خاضوا فيه أكثر من غيرهم من جهة. ويتبادر لنا أن التنديد بالساكتين عن شيوع الخبر والمتورطين فيه من غير الذين قادوا الحملة أو خاضوا في الحديث أكثر من غيرهم وبخاصة ما جاء في الآيتين [١٥ و ١٦] ينطوي على قصد بيان ما في الحادث من إفك بديهي. وكونه مما لا يصح في العقل أن تقترف زوجة النبي إثما فاحشا وهي بنت أول بيت في الإسلام بعد بيت النبي وفي مرتبة سامية من الكرامة عند الله والنبي والمسلمين وزوجة النبي الذي كانت تعتقد أن وحي الله متصل به أولا، وأن يجرأ مسلم على التعرض لزوجة النبي وهي أمه المعنوية بنص القرآن، وفيه ذرة من الإيمان بالله ورسوله ثانيا. ومن العجيب الذي يبعث الاشمئزاز أن تحتوي الآيات كل هذه القوة والإحاطة في التنزيه والتنديد والتنبيه إلى ما لا يعقل ولا ينبغي ولا يصح، ثم يظل أعداء الإسلام يخوضون في هذه القصة خوضا ليس له من قصد غير التجريح والتشنيع. ومع خصوصية الآيات الزمنية والموضوعية فقد احتوت تلقينات أخلاقية واجتماعية بليغة مستمرة المدى: في تقبيح التعرض لأعراض الناس وخاصة بالكذب والافتراء والخوض فيها بدون علم وبينة. وفي عدم جواز سكوت الجمهور على مثل هذا التصرف أو الانسياق في تياره بدون تروّ وتدبر. وفي وجوب الوقوف في مثل هذه الحوادث موقفا حاسما قويا فلا يسمح بذيوع الإفك والبهتان ومسّ أعراض الناس، وفي تطمين الأبرياء حتى لا ينزعجوا بمثل هذه الحوادث التي كثيرا ما تثيرها الأغراض والنوايا الخبيثة وحبّ الكيد والغفلة- وهذه كلها تجمعت في إثارة حديث الإفك كما يفهم من تفاصيل الروايات وقرائن الآيات- وحتى يقابلوها برباطة جأش وطمأنينة قلب فيكون ذلك عاملا على قتل الإفك وإحباط الكيد.

стр. 4143

[سورة النور (٢٤) : الآيات ١٩ الى ٢٠] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠) . (١) الفاحشة: هنا بمعنى الأمور القبيحة أو أخبار السوء. الآيتان متصلتان بالآيات السابقة سياقا وموضوعا ومعقبتان عليها كما هو المتبادر. وقد احتوت أولاهما تنديدا بالذين يحبون أن تنتشر أخبار السوء وأفعال القبح والفواحش في أوساط المؤمنين وإنذارا لهم. وإيعازا بوجوب تأديبهم في الدنيا بالإضافة إلى ما سوف يكون لهم من عذاب أليم في الآخرة. وإيذانا بأن الله يعلم كل شيء ومقتضيات الأمور، دون السامعين المخاطبين وهم المسلمون. واحتوت ثانيتهما تذكيرا بما شملهم الله به من فضله ورحمته بحيث كانت العواقب تسوء لولا هما. ولكن الله الرؤوف الرحيم قد تداركهم. فانقضى الحادث على خير وسلام. كأنما تؤكد عليهم مرة أخرى بوجوب الحذر من التورّط في مثله مرة أخرى. وفي الحديث الذي رواه الترمذي عن عائشة وأوردناه قبل خبر إقامة النبي ﷺ على رجلين وامرأة حد القذف حيث يتبادر أن ذلك تنفيذ للإيعاز الذي احتوته الآية الأولى. وأسلوب الآيتين تقريري عام ينطوي فيه تلقين قوي عام الشمول والاستمرار بوجوب الوقوف من مثل تلك الفئة التي تحب أن تشيع الفاحشة في أوساط المسلمين موقف الشدة والتأديب والتنكيل في كل ظرف ومكان. وفي هذا ما فيه من الحقّ والحكمة. ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآية حديثا عن ثوبان أخرجه الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال «لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإنه من طلب عورة

стр. 4144

أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته» «١» . حيث ينطوي فيه تلقين نبوي متساوق مع التلقين القرآني وفيه تأديب وتحذير قويان لكل مسلم بل لكل إنسان. [سورة النور (٢٤) : آية ٢١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) . (١) ما زكى: ما طهرت سريرته وصفت نيته. والآية متصلة أيضا بسابقاتها سياقا وموضوعا اتصال تعقيب وعظة وتنبيه على ما هو المتبادر. والخطاب فيها موجه للمؤمنين يحذرون فيه من اتباع خطوات الشيطان ووساوسه وهو إنما يأمر بالفحشاء والمنكر. ويذكرون فيه مرة أخرى بفضل الله ورحمته بهم اللذين لولا هما لما اهتدى وزكى أحد منهم أبدا وهو السميع لكل شيء، العليم بكل شيء، الذي يزكي من يشاء ممن علم صلاحهم وطيب سرائرهم وأهليتهم لتزكيته وفضله ورحمته. كأنما يهتف بهم بوجوب التمسك بأوامر الله والتزام حدوده والبعد عن المزالق والفتن والفحشاء والمنكر حتى يضمنوا لأنفسهم دوام فضله ورحمته. ومع اتصال الآية بموضوع حديث الإفك فإن أسلوبها هي الأخرى تقريري عام. وما احتوته من نهي وتنبيه وتذكير وهتاف موجه للمسلمين في كل ظرف ومكان كما هو واضح. ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآية بعض الأحاديث منها عن أبي مجلز «أن رجلا قال لابن مسعود إني حرّمت أن آكل طعاما وسمّاه فقال له هذا من نزغات

стр. 4145

الشيطان. كفّر عن يمينك وكل» ومنها «أن رجلا نذر ذبح ولده فقال له الشعبي هذا من نزغات الشيطان» ومنها عن أبي رافع قال «غضبت أمي على امرأتي فقالت هي يوم يهودية ويوم نصرانية وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك. فأتيت عبد الله بن عمر فقال إنما هذه من نزغات الشيطان» وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة «وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك» وينطوي في هذه الأخبار صور لفهم أصحاب رسول الله وتابعيهم للآية وتطبيقاتها. ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن هذه الصور ليست كل ما يمكن أن يكون من نزغات الشيطان. وإن كل انحراف ديني أو خلقي أو اجتماعي أو سلوكي وكل إثم وفحش وبغي يصبح ويمكن أن يكون من ذلك. [سورة النور (٢٤) : آية ٢٢] وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) . (١) ولا يأتل: ولا يحلف، من الإيلاء. تنهى الآية الذين وسع الله عليهم الرزق والفضل عن الحلف بعدم الإنفاق على المحتاجين من ذوي قرباهم والمساكين والمهاجرين في سبيل الله. وتأمرهم بالعفو والصفح. وتسألهم سؤال حثّ وتحريض عما إذا لم يحبوا أن يغفر الله لهم. وتنبههم إلى صفتي الله الغفور الرحيم. كأنما تهيب بهم إلى التخلّق بهما. والمفسرون متفقون «١» على أن الآية في صدد يمين حلفها أبو بكر الصديق بأن لا ينفق على قريبه مسطح الذي كان من العصبة التي جاءت بالإفك ولا ينفعه بشيء وقد ورد هذا في حديث عائشة الذي ذكرت فيه أنه كان سبب نزول الآية.

стр. 4146

وهكذا تكون الآية متصلة بموضوع السياق السابق. ومن المحتمل أن تكون نزلت لحدتها فوضعت في ترتيبها للتناسب الموضوعي. ومن المحتمل أن تكون نزلت مع السلسلة التي نزلت كما يبدو واضحا من مضمونها وروحها بعد انتهاء قضية حديث الإفك على سبيل الإنذار والتنديد والتنويه والتبرئة والتهدئة. وهو ما نرجحه. والله أعلم. ولقد ذكرنا قبل أن المفسرين رووا أن مسطحا كان من جملة الذين أقام النبي ﷺ عليهم حدّ القذف. وروح الآية تفيد أنه ندم وتاب فتاب الله عليه. واقتضت حكمة التنزيل بعد ذلك معالجة أمر قسم أبي بكر بالامتناع عن النفقة عليه فجاءت الآية بأسلوبها الرائع مما جرى عليه النظم القرآني في معالجة مثل هذه الحوادث وتهذيب نفوس أصحاب رسول الله في ظروفها وبثّ التسامح بينهم. وقد روى المفسرون «١» أن أبا بكر ﵁ قال حينما نزلت الآية إني والله لأحبّ أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه حيث ينطوي في هذا صورة لأخلاق أصحاب رسول الله وإذعانهم لأوامر الله وتوجهاتهم وكبت غيظهم بسبيل ذلك. وفي الآية وبخاصة في أسلوبها المطلق الذي جاءت به تلقين جليل عام الشمول والاستمرار بوجوب تغليب عاطفة الرأفة والجنوح إلى العفو والصفح وكظم الغيظ وعدم منع المعونة عن المحتاج إليها إذا ما بدا منه بعض الهفوات والتصرفات الشاذة. فالله لا يمنع رحمته ويقفل باب غفرانه عن أحد، وفي هذه لعباده الأسوة الحسنة. [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)

стр. 4147

(١) الغافلات: اللاتي لم يخطر الإثم في بالهن. أو سليمات النية والسريرة لسن داهيات ولا ماكرات. (٢) : دينهم: هنا بمعنى جزائهم. إن الله هو الحق المبين: إنه ذو الحق المبين. أو ذو العدل المبين. أو الذي يتجسم في أعماله الحق المبين. وهذه الآيات كسابقاتها معقبة على حادث الإفك ومتصلة بالسياق كما هو ظاهر. وقد احتوت إنذارا قاصما بلعنة الله في الدنيا والآخرة، وعذابه العظيم لمن يقذف المؤمنات العفيفات اللاتي تنزهن عن الفواحش والآثام ولم تخطر ببالهن وهنّ سليمات النية والسريرة. ولسوف تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم يوم القيامة بما كان منهم بسبيل ذلك فيوفيهم الله جزاءهم العادل وهو الذي يتجسم العدل في كل ما يأمر ويقضي ويريد. وأسلوب الآيات يلهم أنها بسبيل الزجر والردع عن التعرض لأعراض النساء والتشديد فيه تعقيبا على ما كان من حادث قذف أم المؤمنين. وفيها توكيد ضمني بنزاهتها وبراءتها. وهي في ذات الوقت جاءت عامة التوجيه ليكون تلقينها الإنذاري والتأديبي مستمر المدى. [سورة النور (٢٤) : آية ٢٦] الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦) . وهذه الآية أيضا كالآيات السابقة متصلة بحادث الإفك اتصال تعقيب وبسبيل توكيد براءة أم المؤمنين والتسرية عنها مما نالها من أذى كما هو المتبادر. فلا يمكن أن تكون إلّا بريئة طيبة لأنها زوجة النبي البريء الطيب ولا يمكن أن تكون زوجة النبي البريء الطيب إلّا بريئة طيبة.

стр. 4148

وقد جاءت الآية بأسلوب مطلق ليكون تلقينها التهذيبي والأخلاقي شاملا مستمر المدى كذلك. وهذه الآية هي آخر سلسلة الآيات التي اقتضت حكمة التنزيل إنزالها في مناسبة حديث الإفك. ولما كانت الصلة وثيقة بين آيات هذه السلسلة فإننا نرجح أن هذه الآية والآيات الثلاث التي سبقتها قد نزلت هي الأخرى مع السلسلة مثل الآية [٢٢] بعد انتهاء قضية هذا الحديث إما دفعة واحدة وإما متتابعة. [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) . (١) حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها: أوّل بعضهم الجملة بمعنى حتى تعرفوا أن أهلها موجودون وتسلموا عليهم قبل الدخول ليأذنوا لكم بالدخول إذا شاؤوا. وروى الطبري مع ذلك أن ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش كانوا يقرأون كلمة تَسْتَأْنِسُوا بلفظ (تستأذنوا) ويقولون إنها غلط من الكاتب. (٢) فيها متاع لكم: لكم في دخولها فائدة ومصلحة وحاجة. تعليق على الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) والآيتين التاليتين لها ومدى ما فيها من آداب سلوكية للرجال والنساء وما ورد في صدد ذلك عبارة الآيات واضحة. وقد تضمنت تشريعا في آداب الدخول على بيوت الغير في النطاق التالي:

стр. 4149

أولا: لا يصح للمؤمنين الذين وجّه إليهم الخطاب في الآيات أن يدخلوا بيوتا غير بيوتهم إلّا بعد الاستئذان والاستئناس بأن أهلها فيها، وبعد أن يأذنوا بدخولهم عليهم. وعليهم أن يحيوهم بالسلام قبل كل شيء. وإذا قيل لهم ارجعوا فليرجعوا، فهذا هو الأطهر لهم المبعد عنهم قالة السوء. وثانيا: لا يصح لهم أن يدخلوا كذلك بيوتا غير بيوتهم إذا لم يجدوا فيها أحدا من أصحابها إلا بإذن منهم باستثناء البيوت غير المسكونة إذا كان لهم في ذلك مصلحة وحاجة. وقد نبهت مقاطع الآيات الثلاث الأخيرة إلى أن ما في ذلك من تذكير وتعليم. وإلى كون الله تعالى يعلم كل ما يفعلونه وكل ما يبدونه أو يكتمونه على سبيل التدعيم لما احتوته الآيات من تشريع، والتشديد على وجوب اتباعه وعدم مخالفته. وقد روى الطبري عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحبّ أن يراني أحد لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فنزلت الآية الأولى. وروى الزمخشري أن أبا بكر قال: يا رسول الله إنه قد أنزل عليك آية بالاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلّا بإذن؟ فنزلت الآية الثانية. وقال الخازن: لما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن يريدون المنازل المبنية للسابلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم، فأنزل الله الآية الثالثة. والرواية الأولى محتملة جدّا دون الروايتين الثانيتين فيما يتبادران لنا. لأن منازل السابلة في طريق مكة والمدينة والشام قد أنشئت في الدولة الإسلامية وكان العرب يحملون خيامهم من الشعر أو الجلد فيأوون إليها حينما ينزلون منزلا في رحلاتهم الطويلة. وهذا لا يمنع أن يكون بعضهم استفتى النبي ﷺ حينما نزلت الآية الأولى عن أمر البيوت غير المسكونة فرفع الله في الآية الثالثة الحرج عن

стр. 4150

الناس. وعلى كل حال فالذي يتبادر لنا أن الآيات الثلاث فصل تشريعي يتمم بعضه بعضا. ونلمح صلة ما بين هذه الآيات وبين موضوع السلسلة السابقة عند إنعام النظر. فالدخول إلى بيوت الناس بدون إذن مما يفسح المجال للقيل والقال وإشاعة أخبار السوء، وهذا مما حذرت منه الآيات السابقة. ومن المحتمل أن تكون نزلت بعد تلك السلسلة فوضعت في ترتيبها للتناسب الموضوعي والظرفي، أما إذا لم تكن نزلت بعدها مباشرة فيكون ترتيبها للتناسب الموضوعي الملموح. ويظهر من فحوى الآيات وروحها أن الناس كانوا يدخلون بيوت بعضهم بدون استعلام واستئذان. وهذا مستفاد أيضا من آية سورة الأحزاب [٥٣] التي جاء فيها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ ... ومن الأحاديث والروايات العديدة التي أوردها المفسرون. منها ما أورده الطبري وأوردناه قبل عن عدي بن ثابت كسبب لنزول الآية الأولى، ومنها حديث أورده الخازن جاء فيه «قال كند بن حنبل دخلت على النبيّ ولم أسلّم ولم أستأذن، فقال لي: ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟» . فاحتوت الآيات كما هو ظاهر تأديبا رفيعا في هذا الشأن توخى فيه تنظيم السلوك الشخصي بين المسلمين تنظيما يجنبهم دواعي الريبة وأخبار السوء وما يكون فيه للغير من أذى وتثقيل. والخطاب في الآية عام للمسلمين. وليس فيه قرينة تخصص أنه خطاب للرجال دون النساء. وحكمه يتناولهم في كل ظرف ومكان بطبيعة الحال. والروعة فيما احتوته أنه آداب من طبيعتها الخلود والاتساق مع الخلق الفاضل والذوق السليم في كل وقت ومكان. والمتبادر أن الاستئناس والاستئذان والسلام هو بسبيل تنبيه أهل البيت حتى يتهيأوا لقبول الزائر إذا لم يكن عندهم مانع ويأذنوا له. وأن فحوى الآيات وروحها

стр. 4151

يلهمان أن هذا التنبيه والتأديب عام للنساء والرجال على السواء وأنه ليس من جناح من دخول النساء على الرجال والرجال على النساء بعد صدور الإذن. والحديث الذي رواه الطبري مما يؤيد ذلك وقد روى مجاهد أن ابن عمر جاء من حاجة وقد آذاه الرمضاء فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالت ادخل بسلام، فأعاد فأعادت، وهو يراوح بين قدميه، قال قولي: ادخل. قالت: ادخل فدخل» «١» ، مما فيه تأييد لذلك. والآيات التالية لهذه الآيات ثم آيات أخرى في آخر هذه السورة مما يؤيده أيضا. وكل ما يجب استلهاما من الآيات التزام العفة وطهارة النية وستر المرأة زينتها ومفاتن جسدها أمام غير محارمها. ولقد رويت أحاديث نبوية عديدة فيها تتمة للأدب القرآني منها حديث رواه الخمسة عن جابر قال «أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب فقال: من ذا فقلت: أنا، فقال أنا أنا- كأنه كرهها-» «٢» . وروى أبو داود عن عبد الله بن بشر قال «كان النبي ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر» «٣» . وروى الأربعة عن سهل بن سعد «أن رجلا اطلع من جحر في باب النبي ﷺ ومع النبي مدرى يرجل به رأسه فقال له رسول الله ﷺ : لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك. إنما جعل الله الإذن من أجل البصر» «٤» . وروى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلّ لهم أن يفقأوا عينه» «٥» وروى مسلم وأحمد عن أبي هريرة أيضا أن النبي ﷺ قال «لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت

стр. 4152

عينه ما كان عليك من جناح» «١» . وروى الترمذي عن أبي ذرّ عن النبي ﷺ قال «من كشف سترا فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له فرأى عورة أهله فقد أتى حدّا لا يحلّ له أن يأتيه، لو أنه حين أدخل بصره استقبله رجل ففقأ عينه ما غيّرت عليه وإن مرّ الرجل على باب لا ستر له غير مغلق فنظر فلا خطيئة عليه إنما الخطيئة على أهل البيت» «٢» . وقد روى مالك في موطئه حديثا عن عطاء بن يسار «أن رجلا سأل رسول الله ﷺ أأستأذن على أمّي؟ قال: نعم. فقال الرجل إني معها في البيت، فقال له أتحبّ أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال فاستأذن عليها» «٣» . والالتزام ما احتوته الأحاديث من أدب رفيع واجب بدون ريب. وقد يتحمل الحديث الآخر استدراكا وتوضيحا. فهو أولا حديث مرفوع. وثانيا إن الاستئذان واجب على المرء بالنسبة لغير بيته. إلا أن تكون الأم في بيت خاص أو تكون في مخدعها فيكون من المحتمل أن تكون متبذلة أو عريانة فيكون إيجاب الاستئذان عليها من ابنها في محلّه. ولقد رويت أحاديث نبوية عديدة في صدد عدم دخول الرجال على النساء وعدم الخلوة بهن نوردها ونعلق عليها بما يلي: ١- روى الشيخان عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال «إيّاكم والدخول على النساء فقال رجل يا رسول الله أرأيت الحمو. قال الحمو الموت» «٤» . ويتبادر لنا على ضوء الآية التي نحن في صددها أن النهي هو في صدد الدخول بدون استئذان وإذن. ولو كان الرجل قريبا للزوج أو الزوجة حيث يمكن أن يرى هذا بخاصة لنفسه في الدخول بدون استئذان وإذن. وأنه إذا وقع الاستئذان والإذن فلا يبقى

стр. 4153

مانع وبذلك يمكن التوفيق بين الحديث وبين الآية. وفي الحديث الذي رواه مجاهد عن ابن عمر وأوردناه قبل تأييد ما لذلك. وابن عمر من كبار أصحاب رسول الله وعلمائهم فلا يمكن أن يدخل على امرأة ما لم يكن يعرف أنه جائز إذا ما استأذن وأذنت له. ٢- روى الترمذي عن جابر «قال رسول الله ﷺ لا يخلون رجل بامرأة إلّا كان ثالثهم الشيطان» «١» والحديث يحذر من خلوة رجل بامرأة على انفراد. وهذا أدب رفيع يجب الالتزام به ويمنع الغواية والإغراء عن الاثنين كما يمنع منهما سوء القالة. والمتبادر أن التحذير ليس واردا إذا كان الاجتماع علنا أمام الناس وليس في خلوة أو كان المجتمعون مع بعضهم نساء ورجالا عديدين إذا ما تقيدوا بأدب العفة والطهارة وكان النساء ساترات لزينتهن ومفاتنهن. ويقال هذا أيضا بالنسبة لدخول عديد الرجال والنساء على بعضهم بعد الاستئذان والإذن. ٣- روى البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال «لا يخلونّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» «٢» . والحديث في مدى سابقه مع زيادة وهي إجازة خلوة رجل بامرأة إذا كان معها محرم. وما قلناه في سياق الحديث السابق يورد هنا بتمامه. ٤- روى الترمذي عن جابر عن النبي ﷺ قال «لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم» «٣» . والمغيبات هنّ اللاتي يكون أزواجهن في غيبة طويلة على ما هو المتبادر، وهدف الحديث درء الفتنة والوقوع في الإثم. وهذا أدب رفيع يجب الالتزام به. ومع ذلك فالمتبادر أنه ليس في الحديث ما يمنع الدخول إطلاقا وفق القيود والتلقينات المشروحة سابقا.

стр. 4154

ولقد روى الطبري حديثا ذا مغزى مهم جاء فيه «إن عبد الرحمن بن عوف قال للنبي ﷺ حينما نهى عن خلوة الرجال بالنساء إلا مع محرم وعن دخول الرجال في غيبة أزواجهن يا رسول الله إنا نغيب ويكون أضياف فقال له ليس أولئك عنيت ليس أولئك عنيت» حيث يستفاد من هذا أن النهي يستهدف المتهمين ودرء الفتنة والريب كما قلنا قبل. ٥- روى الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلّا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه» «١» والشاهد في الحديث الفقرة الأخيرة. وهذا حق فالبيت مشترك والحياة الزوجية شركة. والوفاق والتفاهم واجبان فيها. ومخالفة هذا الأدب يثير الريب والشقاق. ومع ذلك فليس في الحديث ما يمنع استقبال الزوجة للرجال وفق التقريرات المشروحة إذا ما حصلت على إذن زوجها. وقد علل الشراح الشطر الأول من الحديث بأن الصوم المنهي عنه صوم تطوعي والرجل قد يحتاج إلى زوجته في النهار فيجب أن يكون صومها هذا بإذنه. وليس هذا واردا بالنسبة لصوم رمضان. ٦- روى الترمذي حديثا عن الأحوص جاء فيه «إن من حقّكم على نسائكم ألا يوطئن فراشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون» «٢» . والحظر هو إذن الزوجة لمن يكرهه زوجها وإجلاسه على فرشه. وليس مطلقا كما هو واضح. وهذا مثل سابقه أدب رفيع يجب الالتزام به وهو مرتب على الشراكة الزوجية المتوافقة. وما قلناه في صدد السابق يقال هنا أيضا. ونعلق تعليقا إجماليا فنقول إنه ليس في الآيات والأحاديث ما يمنع دخول النساء والرجال على بعضهم واجتماعهم ببعضهم في نطاق التلقينات والرسوم والآداب المشروحة. وهناك أحاديث كثيرة وردت في الكتب الخمسة وغيرها تفيد أن الرجال والنساء كانوا يدخلون على بعضهم ويجتمعون ببعضهم في مجالس النبي

стр. 4155

وفي المساجد وفي البيوت وفي الولائم وفي الحرب والجهاد. وأن النساء كن يأتين النبي وخلفاءه من بعده فيعرضن أمورهن أمام الرجال. واجتماع الرجال والنساء واختلاطهم يقع على أوسع نطاق في موسم الحج وفي مختلف مناسك هذا الركن الإسلامي من طواف وسعي ووقوف وإفاضة ورمي جمار والنساء في كل ذلك كتفا بكتف مع الرجال وهنّ سافرات الوجوه والأيدي. وهذه الحالة الأخيرة خاصة هي حالة إحرامهن حيث روى أصحاب السنن وأحمد عن ابن عمر قال «سمعت النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وماس الورس والزعفران من الثياب» «١» . ولقد روى الخمسة عن سهل بن سعد «أن امرأة باءت إلى رسول الله فقالت يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي فنظر إليها رسول الله ﷺ فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست فقام رجل من أصحابه فقال يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال هل عندك من شيء قال لا والله يا رسول الله قال اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا فذهب فرجع فقال لا والله يا رسول الله ولا خاتما من حديد، ولكن هذا إزاري فلها نصفه. قال رسول الله ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها شيء وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء. فجلس الرجل حتى طال مجلسه ثم قام فرآه رسول الله موليا فأمر به، فلما جاء قال ماذا معك من القرآن قال معي سورة كذا وسورة كذا عددها قال أتقرؤهن عن ظهر قلبك قال نعم قال فاذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن» «٢» . [سورة النور (٢٤) : آية ٣٠] قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) . (١) يغضّوا: يخفضوا أو يصرفوا أبصارهم أو لا يطيلوا النظر.

стр. 4156

في الآية أمر للنبي ﷺ بالإيعاز للمؤمنين من الرجال بغض أبصارهم وحفظ فروجهم لأن ذلك أدعى إلى الطهارة والصيانة. وتنبيه إلى أن الله خبير بما يفعلونه وهو مراقبهم وذلك بسبيل توطيد الأمر وتنفيذه. تعليق على الآية قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ولم نطلع على مناسبة خاصة لهذه الآية. ومع أنها فصل جديد أو بداية فصل جديد فإن الصلة الموضوعية ملموحة بينها وبين الفصل السابق. فإذا لم تكن نزلت بعده فيكون ترتيبها في مكانها بسبب هذه الصلة كما هو المتبادر. ومما قاله المفسرون في صدد ما احتوته الآية من الأمر بغض الأبصار وحفظ الفروج أنه عدم التعمد في النظر إلى النساء وصرف البصر عنهن إذا وقع عليهن بدون عمد. والتعفف عن الزنا وعدم التبذل في الثياب بحيث تظهر من ذلك العورات. وعدم النظر إلى العورات في الوقت نفسه. وقد أوردوا أحاديث عديدة في ذلك منها حديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رواه الترمذي قال: «قال رسول الله ﷺ لعليّ، يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنّ لك الأولى وليس لك الآخرة» «١» . ومنها حديث رواه البغوي عن جرير بن عبد الله قال «سألت رسول الله ﷺ عن النظرة الفجأة فقال اصرف بعدها بصرك» . ومنها حديث عن أبي سعيد الخدري قال «قال رسول الله ﷺ لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد» «٢» .

стр. 4157

والذي يتبادر لنا أن جمع الأمر بغض الأبصار وحفظ الفروج في جملة واحدة قرينة قرآنية على أن القصد من الأمر بالغضّ هو عدم النظر إلى المرأة الأجنبية نظرة جنسية شهوانية. وأن الأحاديث هي في صدد ذلك من حيث الجوهر. ويلفت النظر إلى الحديث الذي ينهى عن إتباع النظرة بالنظرة فالنظرة الأولى تكون صدفة ومعفوا عنها، فإذا أتبعت بأخرى صارت نظرة مريبة آثمة. وفي الآية التالية التي تأتي بعد هذه الآية تسويغ لإسفار المرأة عن وجهها أمام الأجانب. هذا سواغ تبادل الكلام والنظر. وهذا ما كان جاريا من لدن النبي ﷺ إلى الآن. وورد ذلك في أحاديث وروايات كثيرة وهو المعقول التعامل بدون انقطاع، وهو سائغ ما دام ليس شهوانيا آثما والله تعالى أعلم. وعلى كل حال فالآية هي بسبيل حثّ المؤمنين على التمسك بأهداب العفة وتوقي أسباب الفتنة والفاحشة وعلى عدم التبذل في كشف ما لا يأتلف مع الحياء من أجسادهم وعوراتهم. وكل هذا أدب رفيع متسق مع الذوق السليم والخلق الكريم في كل ظرف ومكان. [سورة النور (٢٤) : آية ٣١] وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) . (١) زينتهن: المتبادر أنها الحليّ: ويجوز أن يكون من مقاصد الكلمة.

стр. 4158

(مفاتن المرأة) أي نحورهن وظهورهن وصدورهن وسيقانهن وأذرعهن إلخ وهذا يتبادر أكثر من جملة وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ إلخ. (٢) خمرهن: جمع خمار وهو غطاء كان النساء يتشحن أو يتقنعن به. (٣) جيوبهن: جمع جيب. وهو شق الثوب الذي يظهر منه عادة بعض أجزاء البدن كالصدر والظهر. (٤) نسائهن: النساء عامة في قول والنساء المسلمات خاصة في قول آخر. (٥) غير أولي الإربة من الرجال: غير القادرين على المباشرة الجنسية. (٦) الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء: بمعنى الأطفال الذين لم يبلغوا سنّ الشهوة والرغبة الجنسية. (٧) ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن: المتبادر أن المقصد هو الخلخال الذي يوضع في الرّجل للزينة حيث يرن صوته إذا ضربت المرأة برجلها. تعليق على الآية وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ... إلخ ومدى ما فيها من آداب وبحث في سفور المرأة ونشاطها في مختلف الميادين عبارة الآية واضحة. وهي والآية السابقة لها تؤلفان فصلا واحدا كما هو المتبادر. وقد أمرت النبي ﷺ بأن يوعز إلى النساء أيضا بما أوعز به إلى الرجال من غضّ الأبصار وحفظ الفروج مضافا إلى ذلك ما هو متصل بطبيعتهن الجنسية من عدم إبداء ما يمكن إخفاؤه من الزينة. وستر شقوق ثيابهن التي تظهر منها مفاتن أجسادهن بأوشحتهن أو خمرهن. ومن إخفاء ما يجب إخفاؤه من زينتهن ومفاتنهن عن غير المذكور في الآية. ومن عدم تحريك أرجلهن بقصد إظهار ما هو خاف من زينتهن وحليهن فيها. وانتهت الآية بالهتاف بالمؤمنين جميعا بالتوبة إلى الله وطاعته لضمان الفوز والفلاح لأنفسهم.

стр. 4159

وواضح أن هدف الآية هو تنبيه النساء المسلمات إلى وجوب الغضّ من أبصارهن نحو الرجال بسبيل تجنب الإغراء والتورط في الإثم. وإلى الاحتشام في اللباس وعدم التبذل في كشف ما لا يأتلف مع واجب الحياء وفيه إغراء للرجال وتوريط أمام غير المحارم. وهكذا تكون الآية قد احتوت تقرير كون المرأة في الخطاب القرآني التشريعي الاجتماعي والتأديبي أيضا طرفا مسؤولا مثل الرجل كما هو شأنها في الخطاب التشريعي المالي والسياسي والتعبدي والقضائي والشخصي. وما قلناه في سياق الآية السابقة من سواغ تبادل النظر والكلام وكون القصد من جميع الأمر بالغض وحفظ الفروج هو النهي عن النظرة الأثيمة الشهوانية قال هنا أيضا فلا حاجة إلى التكرار. وجملة إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها تعني كما هو المتبادر ما جرت العادة على ظهوره مثل الوجه والكفين على ما قاله بعض المفسرين ومثل الخاتم والخضاب والكحل والثياب وظهر الكفين بالإضافة إلى الوجه والكفين على ما قاله بعض آخر عزوا إلى بعض أصحاب رسول الله والتابعين. وليس بين هذا وبين ما جاء في سورة الأحزاب من تناقض سواء منه ما كان في حقّ نساء النبي ﷺ خاصة بما في ذلك تعبير مِنْ وَراءِ حِجابٍ أم ما كان في حقّ جميع نساء المسلمين من الأمر بإدناء الجلابيب على ما شرحناه في سياق السورة المذكورة. ولعلّ في أمر الرجال في الآية السابقة بالغض من أبصارهم دلالة قوية على ما كان جاريا سائغا وعلى ما في الآية من مفهوم وتسويغ ببروز المرأة سافرة الوجه واليدين أمام الناس زائرة ومزورة وساعية في أسباب الرزق والعمل والتصرفات المباحة لها والواجبات المطلوبة منها. والعلماء متفقون على أن وجه المرأة ويديها ليست عورة استدلالا من هذه الآية. وليس هناك أي أثر نبوي بستر المرأة لوجهها ويديها في الصلاة أو غيرها. وهناك نهي نبوي عن ذلك في إحرامها على ما جاء في حديث ابن عمر الذي أوردناه قبل.

стр. 4160

وهناك بعض أحاديث مؤيدة لذلك منها حديث رواه الطبري عن عائشة جاء فيه «قال رسول الله ﷺ إذا عركت المرأة لم يحلّ لها أن تظهر إلّا وجهها وإلّا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكفّ مثل قبضة أخرى» ومنها حديث آخر رواه الطبري كذلك جاء فيه «أن النبي ﷺ أباح للمرأة أن تبدي من ذراعها إلى قدر النصف» بالإضافة إلى وجهها وكفيها. والمحارم المذكورون في الآية الذين أذن للمرأة إبداء زينتها أمامهم قد ذكروا في آية سورة الأحزاب [٥٥] بزيادة آباء الأزواج وأبنائهم والتابعين غير أولي الإربة من الرجال. ولم يذكر الأعمام والأخوال هنا أيضا. ومهما تكن الحكمة خافية في عدم ذكرهم هنا أيضا فإن نصّ آية سورة النساء [٢٤] صريحة بأنهم من محارم المرأة المحرمة عليهم على ما ذكرناه أيضا في سياق آية الأحزاب المذكورة. ووصف الرجال غير ذوي الإربة بالتابعين هو على ما يبدو لإخراج غير التابعين من النطاق حيث يتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت ذلك حتى لا تتبذل المرأة أمام غير محرم لا صلة لها به ولو كان غير ذي إربة. ولقد روى الطبري وغيره عن بعض أهل التأويل أن المقصود بهؤلاء الناس رجال كانوا يتبعون الناس للأكل ولا يكون لهم أرب في النساء فيأمنّ جانبهم ولا يتهربنّ منهم كما رووا عن بعض المؤولين سواغ دخول الحمقى والمغفلين والعنّينين إطلاقا، في نطاق الإباحة التي تضمنتها العبارة القرآنية. ونرى هذا وذاك مخالفين لتحديد الآية وهو (التابعون) الذي نعتقد أنهم الخدم وأن ما عداهم محظور عليهم الدخول على النساء في حالة تبذلهن ولو كانوا غير أولي قدرة جنسية. وهذا ينطبق على المغفلين والحمقى والعنّينين. ولقد أمر النبي ﷺ بمنع دخول المخنثين على النساء كما جاء في حديث رواه الشيخان عن أم سلمة قالت «إن النبي ﷺ دخل عليها وفي البيت مخنّث فقال المخنّث لأخي أم سلمة إن فتح الله لكم الطائف غدا أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان. فقال

стр. 4161

النبي لا يدخل عليكم» «١» . ولقد قلنا إن هناك من يؤول نِسائِهِنَّ بعموم النساء ومن يؤولها بالنساء المسلمات. وهذا التعبير جاء في آية سورة الأحزاب المذكورة أيضا وقد رجحنا أنها تعني عموم النساء والله تعالى أعلم. أما إباحة ظهور المرأة بزينتها أمام ملك يمينها من الرجال فهي بسبب كونها محرمة عليهم فيعدون من محارمها. وفي هذه السورة استدراك في شأن الأطفال وملك اليمين في أوقات التبذل في المخادع سنشرح مداه في مناسبته. وفي صدد الأمر بضرب الخمر على الجيوب نقول إن المتبادر أن الخمار مما كانت المرأة تستعمله في التقنع وتغطية الرأس والعنق فأمرت الآية بضربه على شقوق ثوبها لإخفاء مفاتن جسدها. وإن الأمر على كل حال بسبيل فرض إخفاء هذه المفاتن وليس بسبيل فرض زي خاص. فإذا أخفيت هذه المفاتن بزي آخر حصل المقصود. وهناك حديث يرويه أبو داود والترمذي عن عائشة عن النبي ﷺ قال «لا يقبل الله صلاة حائض إلّا بخمار» «٢» وقد يفيد هذا أن خمار الرأس واجب ديني في الصلاة وليس كذلك في غيرها، والله أعلم. وبمناسبة هذه الآية نقول إنه كما أنه ليس في القرآن ولا في الأحاديث ما يمنع النساء والرجال من الدخول على بعضهم في نطاق التلقينات والرسوم المشروحة سابقا فإنه ليس فيهما ما يمنع المرأة من أن تكون سافرة الوجه واليدين أمام الرجال غير المحارم إذا ما كانت ساترة لمفاتنها وغير مبدية لزينتها ومن أن تخرج من بيتها كذلك لقضاء حاجاتها وممارسة شؤونها على اختلاف أنواعها مما يدخل فيه تلقي العلم وغشيان المدارس والمساجد وشهود الاجتماعات العامة والاتجار والتكسب والعمل والمشاركة في الأعمال والواجبات الرسمية وغير

стр. 4162

الرسمية والاستمتاع بنعم الطبيعة وهو ما قرره لها القرآن حين قرر لها الأهلية السياسية والشخصية والحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والمشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والتكافل والتضامن وخاطبها بكل ما خاطب به الرجل من تفكر وتعقل وتدبّر في كتاب الله وآياته وكونه وكلفها بكل ما كلف به الرجل من واجبات وتكاليف إيمانية وتعبدية واقتصادية وسياسية وعقلية واجتماعية وشخصية ورتب لها وعليها كل ما رتب للرجل وعليه من النتائج الدنيوية والأخروية على قدم المساواة مما مرت مؤيداته وشرحه في مناسبات كثيرة سابقة ومما يأتي أيضا في مناسبات آتية. وكل هذا في نطاق مدى هذه الآية وروحها وما احتوته من فكرة وهدف وتلقين من احتشام وبعد عن مواقف الريبة ودواعي الإغراء والفتنة والإثم والأمور والأعمال والمظاهر والأماكن غير المباحة في الشرع والأخلاق الكريمة مما هو محظور على الرجل والمرأة على السواء. ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه الترمذي عن ميمونة بنت سعد قالت «قال النبيّ ﷺ الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها» . وفي الحديث تأييد ما لإباحة بروز المرأة في غير أهلها في نطاق الاحتشام وكون المحظور عليها هو إبداء زينتها ومفاتنها على غير محارمها. وأورد حديثا آخر رواه أبو داود والترمذي جاء فيه «كلّ عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرّت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية» وهذا الحديث كسابقه لا يمنع المرأة من الخروج. والترائي للناس وإنما الذي يمنعه هو دواعي الفتنة والإغراء. ويسوق بعضهم آية سورة الأحزاب وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى [٣٣] . وهذه الآية من آيات موجهة لنساء النبي ﷺ خاصة بدون أي لبس ولا تعميم. ومع ذلك فهناك أحاديث عديدة تفيد أن نساء النبي ﷺ كن يخرجن لحاجاتهن بإذن النبي ويخرجن في صحبته للغزوات والحج وينشطن في ميدان المعركة ويشهدن المساجد والمجالس. وظل أمرهن على ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 4163

حيث يمكن القول إن الأمر في الآية هو في صدد عدم الإكثار في الخروج والتبرّج لضرورة وغير ضرورة. ويصح أن يكون في هذا للمسلمات أسوة وتلقين ولا يتعارض مع ما قررناه آنفا. ونستطرد إلى ما يقال ويثار حول اشتراك المرأة في الانتخابات والمجالس النيابية وما يدخل في بابها فنقول إن هذا مما يتسق مع ما ذكرناه من أهليتها وحقوقها السياسية والاجتماعية واستقلال شخصيتها وشركتها مع الرجل في الإنسانية وواجباتها وأمانتها التي قررها لها القرآن. وهي نصف المجتمع وكل ما يتقرر في هذه المجالس يتناولها كما يتناول الرجل على السواء. فمن حقها أن يكون لها فيه رأي مثله. والقول إن هذا يشغلها عن طبيعتها الجنسية والاجتماعية قول فارغ لا يقف أمام الوقائع والحقائق. فالانتخابات تقع عادة في فترات متباعدة وتشغل من أوقات الناس أياما قليلة والمرشحون للمجالس أفراد قليلون فليس في كل هذا ما يصرف جمهور النساء بل ولا جمهور الرجال عن أعمالهم المعتادة. ويحتج البعض بأن المرأة في الصدر الإسلامي لم تشترك في شؤون الدولة والحياة الاجتماعية بمقياس واسع. ومردّ هذا إلى طبيعة الحياة السياسية والاجتماعية في ذلك الزمن وليس من شأنه أن يعطل الأحكام والتلقينات والمباحات القرآنية كما هو ظاهر. وحكمة الله التي شاءت أن تمنح المرأة ما منحتها من أهلية وحقوق وشخصية لا يمكن أن تكون فعلت ذلك عبثا وليبقى معطلا. ومع ذلك ففي ثنايا التاريخ الإسلامي أحداث ومشاهد كثيرة علمية وسياسية واجتماعية كان للمرأة فيها بروز حسب ما كان ممكنا ومتسقا مع العصر. ويحتج بعضهم بآية سورة النساء الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [٣٤] وقد علقنا على هذه الآية بما يزيل الوهم الذي يتبادر منها ويجعل الاحتجاج في غير محله. ويحتج البعض بجهل المرأة وغفلتها. وهذا كذلك كلام فارغ فالسواد الأعظم من الرجال في البلاد الإسلامية جاهلون غافلون. ولم يقل أحد إنهم يجب أن يحرموا من حقوقهم السياسية والاجتماعية بسبب ذلك، وهو إلى هذا في سبيل

стр. 4164

الزوال لأن المرأة كالرجل سائرة في طلب العلم والمعرفة في كل الميادين. ويورد البعض الحديث الذي يذكر فيه «إن المرأة ناقصة عقل ودين» . وقد أوردناه في مناسبات سابقة وعلقنا عليه بما يزيل الوهم من كونه عاما لجميع النساء. ويورد البعض الحديث الذي يندد بالقوم الذين يولون أمرهم امرأة. وليس هذا المقام هو محل إيراد هذا الحديث عند إنعام النظر والفكر. ويورد بعضهم الحديث الذي لعن النبي ﷺ فيه المتشبهين بالرجال من النساء والمتشبهين بالنساء من الرجال، ولسنا نرى في هذا نقصا لما نقرره لأننا لسنا قائلين بأن تضيع المرأة أنوثتها وطبيعتها وتتشبه في أطوارها وحركاتها وأزيائها بالرجال تشبها يذهب بتلك المعالم والطبيعة أو يعطلها. وما نراه يصح للمرأة المسلمة عمله إنّما يصح ويكون له معناه في حالة احتفاظ المرأة بهذه المعالم والطبيعة وفي سبيل ذلك. ونريد أن نستدرك أمرا، وهو أن ما قلناه في صدد حق المرأة المسلمة أن تباشر وتمارس وتشهد كل عمل واجتماع مشروع ليس فيه ريبة شخصيا كان أم اجتماعيا أم سياسيا أم تكسبيا وأنه ليس هناك نصّ من كتاب وسنّة يمنع ذلك ما دام في نطاق التلقينات والحدود والرسوم القرآنية والنبوية، إنما نقوله لنقرر هذا الأمر من حيث المبدأ. وإننا لا نعني أن لا يكون لطبيعة المرأة الأسرية والاجتماعية ولا لطبيعة المجتمع الإسلامي من اعتبار. فنحن نعتقد أن مكان المرأة وعملها الطبيعيين والرئيسيين هما البيت والزوجية والأمومة ومشاغلها. وهذا مما يقرره كتاب الله وسنة رسوله صراحة وضمنا وهما مكان وعمل خطيران ومهمتان حيويتان في الحياة الإنسانية من مختلف الاعتبارات وليس فيهما أي حطّ لقيمة المرأة وشأنها أو تعطيل لقواها ومواهبها. والمرأة فيهما تقوم بما يماثل قيمة ومدى ما يقوم به الرجل من أعمال. وكل ما هناك من فرق هو اختلاف في النوع متأتّ عن اختلاف في الطبيعة الجنسية. ولقد اعتبرها النبي ﷺ ربة البيت والمسئولة عنه وراعية في الحديث الصحيح المشهور الذي رواه الخمسة عن ابن عمر «ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» حيث جاء فيه «والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم» . وهذا ما تشعر به المرأة ظاهرا وخفيا وتسلّم به وتسعى في سبيله،

стр. 4165

ولو سئلت النساء عما يفضلنه لكان جواب سوادهن الأعظم الزواج والأمومة والبيت. ويستوي في ذلك كلهن على اختلاف الظروف والحالات والأدوار والأطوار. لأنه الأمر الطبيعي الذي أعدهن الله تعالى له. وعلى هذا كله فكل عمل يمكن أن يخل إخلالا جوهريا بذلك يخرج عن صفة (المشروع) ولو كان في حد ذاته مشروعا. وكل عمل مشروع يصح أن تمارسه المرأة في نطاق الاحتشام يجب أن يكون متسقا مع ذلك. فالمرأة التي تسمح لها مشاغل البيت والزوجية والأمومة، أو المرأة التي لم يتيسر لها أن تشتغل بهذه المشاغل هي التي يصح أن تمارس ذلك العمل المشروع الذي لا تمنع الشريعة الإسلامية ممارسته. وهناك أمران آخران. الأول: هو ملاحظة كون الرجل في الشريعة الإسلامية هو المكلف بالإنفاق على المرأة. وهو المرشح الأول والطبيعي نتيجة لذلك للأعمال التكسبية التي يجني منها ما يحتاج إليه من النفقة المكلف بها. فإذا اندفعت المرأة نحو الأعمال التكسبية من وظائف ومهن اندفاعا واسعا فيه احتمال لمزاحمة الرجل وتضييق مجال وفرص تكسبه، مكانا أو مقدارا أو قيمة، أصبح ذلك غير مشروع لأنه يعطل أو يعسّر واجب الرجل الذي أناطت الشريعة الإسلامية به الإنفاق في حين أنه لا يكون في الأعم الأغلب بديلا عنه، فضلا عن أنه لا يصح أن يكون بديلا عنه لأن ذلك يكون قلبا للأوضاع الطبيعية والجنسية والشرعية. فالحق عندنا والحالة هذه هو أن يكون اضطلاع المرأة بالأعمال التكسبية في النطاق الذي لا يضار به الرجل من جهة، ومنوطا بالدرجة الأولى بالحاجة والضرورة من جهة أخرى. أما الأمر الثاني: فهو مراعاة وجوب انطباق الأعمال التكسبية التي تضطلع بها المرأة في النطاق المذكور على طبيعتها الجنسية وأن لا تكون مما يرهقها ويذهب بأنوثتها سواء أكان ذلك مما تؤهلها له ثقافتها ودراستها أم بنيتها وخبرتها ومرانها. فالطبابة والصيدلة والتعليم والمحاسبة والكتابة مثلا أكثر انطباقا على المرأة الجامعية من هندسة الطرق والميكانيكيات المتنوعة. والغزل والزخرف والخياطة والتطريز

стр. 4166

والرسم والتجارة والعمل الديواني والهاتف مثلا أكثر انطباقا على غير الجامعية من الحدادة والنجارة والنحاتة والطباعة إلخ. والله أعلم. وقبل أن ننتهي من هذا البحث نريد أن نستدرك أمرا مستلهما من حديث أوردناه في تفسير سورة الروم رواه أصحاب السنن جاء فيه جواب على سؤال أي النساء خير فقال النبي «الذي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره» ولقد علقنا على هذا الحديث سابقا بما فيه الكفاية. ولكن نقول هنا إنه يحسن على ضوئه أن يكون نشاط المرأة المتزوجة خارج البيت سياسيا كان أم اجتماعيا أم تكسبيا مقترنا برضاء الزوج. لأن عدم رضاه قد يؤدي إلى النزاع والشقاق. وعلى الزوج العاقل الذي لا بد من أن يدرك من نصوص كتاب الله وأحاديث النبي أن المرأة مؤهلة لذلك النشاط وأنه غير مخالف للكتاب والسنة وإن فيه مصلحة وفائدة عامة وخاصة أن يرضى عنه ويباركه ولا يضع العراقيل في طريقه إذا لم يكن حقا شاغلا للزوجة عن واجباتها الزوجية الأساسية. أما إذا لم يفعل رغم ذلك ورأت الزوجة أن معارضة زوجها ضارة بها فلها إذا أحبت أن تدافع عن نفسها وحقها إذا كانت ترى أن نشاطها مشروعا لا بد منه لمصلحتها ومصلحة زوجيتها ومجتمعها اقتداء بالمرأة التي فعلت ذلك وأقرها الله ورسوله عليه على ما جاء في أول سورة المجادلة قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ... [١] وأن ترفع الأمر إلى الحاكم ليحل الخلاف ويقر الأمر في نصابه الحق في نطاق ومدى آية سورة النساء وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما ... [٣٥] التي شرحناها سابقا. والله أعلم. وكلمة أخرى نقولها في صدد واجب الزوجة بطاعة زوجها أن يكون ذلك في معروف وفي غير معصية ومنكر وفيه خير ومصلحة. وهذا مستلهم من آية سورة الممتحنة التي أمر النبي فيها بقبول بيعة النساء بعدم عصيانه في معروف يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ

стр. 4167

فَبايِعْهُنَّ ... [١٢] ومن حديث رواه الخمسة عن ابن عمر عن النبي ﷺ السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» «١» . فإذا أمر زوج زوجته بأمر فيه منكر وليس فيه خير ومصلحة فلا طاعة له عليها وإن أصرّ فلها أن تدافع عن نفسها وترفع أمرها إلى الحاكم ليضع الأمر في نصابه الحق. هذا، وواضح من كل ما تقدم في سياق الآيات التي نحن في صددها والتي قبلها أن الآداب والتلقينات والحدود القرآنية والنبوية ترسم لحياة المرأة وعلاقتها بالمجتمع نطاقا تدور فيه من غير إفراط ولا تفريط. وتكفل لها جميع حاجاتها وتسمح لها بكل ما يأتلف مع الحق والمنطق والأدب والخلق الكريم والذوق السليم والعفة والطهارة من حرية وتعليم ومن تصرف وكسب واستمتاع بريء ومشاركة في الواجبات العامة الرسمية وغير الرسمية والاجتماعية وغير الاجتماعية. وكل ما تشدد عليه هو عدم تبذلها وتهتكها. وإذا كان لها أن تختلط في الناس والمجتمع في هذا النطاق فإن الاختلاط المريب الذي فيه تورط في الفتنة وإغراء بها وتشجيع على الإثم والخفة في الظهور بدون ضرورة وغشيان الأماكن العامة غير البريئة من مراقص وملاه ومقاه وملاعب وأندية ومسابح وتعاطي المحرمات والمغريات فيها هو حرام وخارج عن ذلك النطاق من دون ريب. هذا بالإضافة إلى وجوب التزامها نطاق وظيفتها الطبيعية الرئيسية وهي البيت والزوجية والأمومة في الدرجة الأولى وعدم استغراقها خارج ذلك استغراقا يعطلها عن هذه الوظيفة. وليس من ريب في أن التعاليم القرآنية والنبوية تهيء لأولي الأمر في الدولة وسيلة عقيدية لتنظيم الأمر وجعله في دائرة الحق والآداب من جهة والحيلولة دون ما يتنافى مع ذلك من جهة وضمانة تمتع المرأة بحريتها وحقوقها وتعليمها ومشاركتها في مختلف الشؤون السياسية والاجتماعية في النطاق المرسوم من جهة ومواجهة وضد التيارات الغربية الجارفة الهدامة التي تهدد المجتمع الإسلامي من جهة، والله أعلم.

стр. 4168

[سورة النور (٢٤) : آية ٣٢] وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) . (١) الأيامى: غير المتزوجين وتشمل الكلمة الذكور والإناث والأبكار والثيبات. (٢) الصالحين: المتبادر أنها هنا بمعنى الصالحين للزواج، القادرين على القيام بحقوقه. (٣) عبادكم: الرجال من الرقيق. في الآية حثّ للمسلمين على تزويج الذين لا أزواج ولا زوجات لهم من الرجال والنساء. وعلى تزويج الصالحين للزواج من رقيقهم رجالا كانوا أم نساء. وفيها وصية ضمنية بأن لا يكون الفقر مانعا من ذلك. فإذا كانوا فقراء فإن الله قادر على إغنائهم من فضله. وهو ذو الفضل الواسع العليم بمقتضيات الأمور. تعليق على الآية وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وما فيها من أحكام وتلقين والآية تحتوي موضوعا مستقلا عن الفصل السابق كما يبدو. غير أن التناسب الموضوعي غير مفقود. ولم نطلع على رواية في نزول الآية. وقد أورد المفسرون في سياقها حديثا نبويا عن ابن مسعود قال «قال رسول الله ﷺ : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» «١» . وهذا الحديث يجعل بين هذه الآية والفصل السابق صلة تعقيبية على اعتبار أن المتزوجين أبعد عن الافتتان وأقدر على العفة واجتناب مزالق الفاحشة وهذا مما استهدفه الفصل السابق كما لا يخفى. ولفظ الحديث

стр. 4169

متصل بما جاء في الآيات السابقة. ومن المحتمل أن تكون الآية قد نزلت مع الفصل السابق أو عقبه فوضعت في ترتيبها، وإلّا فيكون ذلك بسبب التناسب الموضوعي. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الأمر على سبيل الندب والحثّ والاستحباب «١» . كما ذهب بعضهم إلى أنه على الوجوب على كل قادر «٢» . وأسلوب الآية ينطوي على تلقين قوي بوجوب الزواج بصورة عامة حتى ليشمل الرقيق وحتى لينهى عن أن يكون الفقر أو ضيق الرزق عثرة في سبيله أمام الراغبين في الزواج والصالحين له من النساء والرجال بما فيهم العبيد والإماء. ولا سيما أن أكثر حالات الفقر ليست انعدام القدرة بالمرة، وإنما هي ضيق رزق مع القدرة على المهر والنفقة في نطاق الاعتدال أو الكفاف والكسب وهذا منطو في مضمون الآية ويؤيده أن الآية التالية ذكرت عدم الاستطاعة بالمرة. وفي كل هذا حكم اجتماعية وأخلاقية وإنسانية رائعة. والمتبادر أن الأمر موجه بنوع خاص إلى أولياء الفتيات ومالكي الرقيق لأنهم هم الذين قد يكون المنع من جانبهم. ولعل مما ينطوي فيها إيجاب الاعتدال في المهور وعدم الشطط أمام حالة ضيق الرزق التي هي حالة الجمهور الأعظم من الناس. ولا تخلو في الوقت نفسه من حثّ جمهور المسلمين على المساعدة على تحقيق ما أمرت به الآية. وبخاصة الفقرة الأخيرة المشجعة التي جاءت في آخرها. وهذا وذاك من جملة تلك الحكم البليغة السامية. ولقد أورد البغوي في سياق هذه الآية حديثا نبويا مشهورا على ألسنة المسلمين جاء فيه «تناكحوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم» . وحديثا آخر ورد في حديث طويل رواه الشيخان والنسائي جاء فيه «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت النبي يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنهم تقالّوا فقالوا وأين نحن من رسول الله فقد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر فقال أحدهم أما أنا فإني أصلّي الليل أبدا. وقال

стр. 4170

آخر أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر. وقال الآخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله إليهم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» «١» . وأورد ابن كثير حديثا رواه الترمذي والنسائي والحاكم عن النبي ﷺ جاء فيه «ثلاثة حقّ على الله عونهم المكاتب الذي يريد الأداء والناكح الذي يريد العفاف والمجاهد في سبيل الله» «٢» وفي الأحاديث تساوق مع التلقين القرآني في الحثّ على الزواج وعلى المساعدة فيه كما هو المتبادر. [سورة النور (٢٤) : آية ٣٣] وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) . (١) نكاحا: هنا بمعنى قدرة مادية على الزواج. (٢) الكتاب: بمعنى المكاتبة. وهي اصطلاح يراد به افتداء العبد نفسه بمال يتعهد بأدائه لسيده، فإذا أداه أصبح حرا. ولعلها تنطوي على معنى التعاقد بين السيد وعبده. (٣) خيرا: هنا بمعنى الصلاح والقابلية وحسن الخلق والقصد والصدق والوفاء.. إلخ. هذه الآية احتوت ثلاثة أمور: الأول: تنبيه للذين لا يقدرون ماديا على التزوج إلى واجب التزام العفة حتى
следующие страницы →