وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي قال: سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أبغض الناس إلى الله ، من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه». وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه بزيادة (١).
[سورة المائدة (٥): الآيات ٥١ إلى ٥٣]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)﴾
ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله-قاتلهم الله-ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد يعني ابن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب، عن عياض أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟ فقال: إنه لا يستطيع، فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآية، ثم قال:
حدثنا محمد بن الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآية، وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب، فقال: كل، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وروي عن أبي الزناد نحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي شك وريب ونفاق، يسارعون فيهم، أي
стр. 1122
يبادرون إلى موالاتهم ومودتهم في الباطن والظاهر، ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ أي يتأولون في مودتهم وموالاتهم أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى، فينفعهم ذلك. عند ذلك قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قال السدي: يعني فتح مكة. وقال غيره: يعني القضاء والفصل، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾.
قال السدي: يعني ضرب الجزية على اليهود والنصارى، ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يعني الذين والوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الموالاة، ﴿نادِمِينَ﴾ أي على ما كان منهم مما لم يجد عنهم شيئا، ولا دفع عنهم محذورا، بل كان عين المفسدة، فإنهم فضحوا وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين بعد أن كانوا مستورين، لا يدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾.
وقد اختلف القرّاء في هذا الحرف فقرأه الجمهور بإثبات الواو في قوله ﴿وَيَقُولُ﴾، ثم منهم من رفع ويقول على الابتداء، ومنهم من نصب عطفا على قوله ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فتقديره أن يأتي وأن يقول وقرأ أهل المدينة ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير (١). قال ابن جرير عن مجاهد ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تقديره حينئذ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾.
واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فآوي إليه وأتهوّد معه، لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر أما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصر معه، فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآيات، وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه أي أنه الذبح، رواه ابن جرير (٢).
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، كما قال ابن جرير (٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس قال: سمعت أبي عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني
стр. 1123
الحارث بن الخزرج إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي:
إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي، فقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن أبي «يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه» قال: قد قبلت، فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الآيتين.
ثم قال ابن جرير (١): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري: قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر، فقال مالك بن الصيف: أغركم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أمررنا (٢) العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا، فقال عبادة بن الصامت: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم كثيرا سلاحهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود إني رجل لا بد لي منهم، فقال رسول الله ﷺ «يا أبا الحباب، أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه» فقال: إذا أقبل، قال: فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾.
وقال: محمد بن إسحاق (٣): فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله ﷺ بنو قينقاع، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد أحسن في موالي، قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ «أرسلني»، وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال «ويحك أرسلني» قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر (٤)، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدني (٥) في غداة واحدة إني امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله ﷺ «هم لك».
قال محمد بن إسحاق: فحدثني أبو إسحاق بن يسار عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن
стр. 1124
الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فجعلهم إلى رسول الله ﷺ ، وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار، وولايتهم، ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ﴾ -إلى قوله- ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (١).
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زيادة عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي ﷺ «قد كنت أنهاك عن حب يهود» فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات، وكذا رواه أبو داود (٣) من حديث محمد بن إسحاق.
[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٤ إلى ٥٦]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)﴾
يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشدّ منعة، وأقوم سبيلا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠]. أي بممتنع ولا صعب. وقال تعالى هاهنا ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي يرجع عن الحق إلى الباطل. قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش. وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: في قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ هم أهل القادسية. وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
стр. 1125
قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السّكون (١).
وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية يعني ابن حفص، عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال «هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب»، وهذا حديث غريب جدا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عبد الصمد يعني ابن عبد الوارث، حدثنا شعبة عن سماك، سمعت عياضا يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: لما نزلت ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول الله ﷺ «هم قوم هذا». ورواه ابن جرير (٢) من حديث شعبة بنحوه.
وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ وفي صفة رسول الله ﷺ أنه الضحوك القتال، فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.
وقوله ﴿يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وإقامة الحدود، وقتال أعدائه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم، ولا عذل عاذل.
قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش.
وقال الإمام أحمد (٤) أيضا: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن أبي المثنى، أن أبا ذر ﵁، قال: بايعني رسول الله ﷺ خمسا، وواثقني سبعا، وأشهد الله علي سبعا-أني
стр. 1126
لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ ، فقال «هل لك إلى بيعة، ولك الجنة؟» قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط علي «أن لا تسأل الناس شيئا» قلت: نعم. قال «ولا سوطك وإن سقط منك». يعني تنزل إليه فتأخذه.
وقال الإمام أحمد (١) أيضا: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر عن المعلى الفردوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم» تفرد به أحمد.
وقال أحمد (٢): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان عن زبيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف». ورواه ابن ماجة (٣) من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به.
وروى أحمد (٤) وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبد الرحمن أبي طوالة، عن نهار بن عبد الله العبدي المدني، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ ، قال «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أي عبدي أرأيت منكرا فلم تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: أي رب وثقت بك، وخفت الناس».
وثبت في الصحيح «ما ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال «يتحمل من البلاء ما لا يطيق».
﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ أي من اتصف بهذه الصفات فإنما هو من فضل الله عليه وتوفيقه له، ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين. وقوله ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي المؤمنون المتصفون بهذه الصفات من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي عبادة الله وحده لا شريك له وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين والمساكين.
وأما قوله ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾ فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله
стр. 1127
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أي في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره، لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب أن هذه الآية نزلت فيه، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سويد عن عتبة بن أبي حكيم في قوله ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب، وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾.
وقال ابن جرير (١): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن عبيد الله، سمعت مجاهدا يقول في قوله ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية. نزلت في علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع، وقال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، نزلت في علي بن أبي طالب، عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به.
وروى ابن مردويه من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان علي بن أبي طالب قائما يصلي، فمر سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، الضحاك لم يلق ابن عباس. وروى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن السائب الكلبي، وهو متروك، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول الله ﷺ ، فقال: «أعطاك أحد شيئا؟» قال: نعم. قال «من؟» قال: ذلك الرجل القائم. قال «على أي حال أعطاكه؟» قال: وهو راكع، قال «وذلك علي بن أبي طالب». قال:
فكبر رسول الله ﷺ عند ذلك وهو يقول ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ وهذا إسناد لا يفرح به.
ثم رواه ابن مردويه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ نفسه، وعمار بن ياسر وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، ثم روى بإسناده عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ نزلت في المؤمنين وعلي بن أبي طالب أولهم، وقال ابن جرير (٢): حدثنا هناد، حدثنا عبدة عن عبد الملك، عن
стр. 1128
أبي جعفر قال: سألته عن هذه الآية ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب، قال: علي من الذين آمنوا، وقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه (١). وقال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا، رواه ابن جرير.
وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت ﵁ حين تبرأ من حلف اليهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢١ - ٢٢] فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين، فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾.
[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾
هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون: وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزوا يستهزئون بها، ولعبا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل: [الوافر] وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم (٢)
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ﴾ من هاهنا لبيان الجنس كقوله ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ وقرأ بعضهم: والكفار بالخفض عطفا، وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول، ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ تقديره ولا ﴿الْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾ أي لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء، والمراد بالكفار
стр. 1129
هاهنا المشركون، وكذلك وقع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير «لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا» (١).
وقوله ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء إن كنتم مؤمنين بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ولعبا، كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨].
وقوله: ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً﴾ أي وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ﴿اِتَّخَذُوها﴾ أيضا ﴿هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي «إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص، أي ضراط، حتى لا يسمع التأذين فإذا قضي التأذين، أقبل فإذا ثوب للصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا اذكر كذا، لما لم يكن يذكر حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين قبل السلام» (٢) متفق عليه، وقال الزهري: قد ذكر الله التأذين في كتابه فقال ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ رواه ابن أبي حاتم.
وقال أسباط عن السدي في قوله ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً﴾ قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله قال: حرق الكاذب، فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار وهو نائم، وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله، رواه ابن جرير (٣) وابن أبي حاتم.
وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد، لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لا تبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي ﷺ فقال «قد علمت الذي قلتم» ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول:
أخبرك (٤).
стр. 1130
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره وكان يتيما في حجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: يا عم إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك، فأخبرني أن أبا محذورة قال له: نعم، خرجت في نفر وكنا في بعض طريق حنين مقفل (٢) رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به فسمع رسول الله ﷺ ، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه فقال رسول الله ﷺ «أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع»؟ فأشار القوم كلهم إليّ وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال «قم فأذن» فقمت ولا شيء أكره إليّ من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ ، فألقى عليّ رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه، قال «قل الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرّها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده، حتى بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ «بارك الله فيك وبارك عليك» فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال «قد أمرتك به»، وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ [بمكة] (٣) فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ ، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة من طريق عن عبد الله بن محيريز عن أبي محذورة واسمه سمرة بن معير بن لوذان، أحد مؤذني رسول الله ﷺ الأربعة، وهو مؤذن أهل مكة، وامتدت أيامه ﵁ وأرضاه.
стр. 1131
[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٩ إلى ٦٣]
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة، فيكون الاستثناء منقطعا، كما في قوله تعالى: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وكقوله: ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٤] وفي الحديث المتفق عليه «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله» (١)، وقوله ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ معطوف على ﴿أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي خارجون عن الطريق المستقيم.
ثم قال ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ﴾ أي هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات المفسرة بقوله ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللهُ﴾ أي أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي غضبا لا يرضى بعده أبدا ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ كما تقدم بيانه في سورة البقرة (٢)، وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف (٣)، وقد قال سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سويد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ الله؟ فقال «إن الله لم يهلك قوما، أو لم يمسخ قوما فيجعل لهم نسلا ولا عقبا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك» وقد رواه مسلم (٤) من حديث سفيان الثوري ومسعر، كلاهما عن مغيرة بن عبد الله اليشكري به.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير:
أهي من نسل اليهود؟ فقال «لا إن الله لم يلعن قوما قط فيمسخهم، فكان لهم نسل ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم»، ورواه أحمد (٥) من حديث داود بن أبي الفرات به.
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال
стр. 1132
رسول الله ﷺ «الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير» هذا حديث غريب جدا.
وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ قرئ: وعبد الطاغوت على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به، أي وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرئ: وعبد الطاغوت بالإضافة على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت، أي خدامه وعبيده، وقرئ: وعبد الطاغوت على أنه جمع الجمع عبد وعبيد وعبد مثل ثمار وثمر، حكاها ابن جرير (١) عن الأعمش، وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها وعابد الطاغوت، وعن أبي وابن مسعود: وعبدوا، وحكى ابن جرير عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: وعبد الطاغوت على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها، والظاهر أنه لا بعد في ذلك، لأن هذا من باب التعريض بهم، أي وقد عبد الطاغوت فيكم وأنتم الذين فعلتموه، وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا، وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال ﴿أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً﴾ أي مما تظنون بنا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة، كقوله : ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وهذه صفة المنافقين منهم أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر، ولهذا قال ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ أي عندك يا محمد ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أي مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر ولهذا قال ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فخصهم به دون غيرهم، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي والله عالم بسرائرهم وما تنطوي عليه ضمائرهم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء وقوله ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس وأكلهم أموالهم بالباطل، ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم.
وقوله تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني من تركهم ذلك، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لهؤلاء حين لم ينهوا ولهؤلاء حين عملوا، قال: وذلك الأمر كان، قال: ويعملون
стр. 1133
ويصنعون واحد، رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (١): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، حدثنا قيس عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية «لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون» قال: كذا قرأ وكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، إنا لا ننهى، رواه ابن جرير (٢).
وقال ابن أبي حاتم، ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، حدثنا ثابت أبو سعيد الهمداني قال لقيته بالري فحدث عن يحيى بن يعمر قال:
خطب علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك عن أبي إسحاق عن المنذر بن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ «ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب» تفرد به أحمد من هذا الوجه، ورواه أبو داود (٤) عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه، فلا يغيرون إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا» وقد رواه ابن ماجة عن علي بن محمد، عن وكيع عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه به، قال الحافظ المزي: وهكذا رواه شعبة عن أبي إسحاق به.
[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]
﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾
стр. 1134
يخبر تعالى عن اليهود-عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة-بأنهم وصفوا الله وتعالى عن قولهم علوا كبيرا بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء وعبروا عن البخل بأن قالوا ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أي بخيلة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قال:
لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة، ولكن يقولون: بخيل يعني أمسك ما عنده بخلا تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي والضحاك، وقرأ ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ يعني أنه ينهى عن البخل وعن التبذير، وهو زيادة الإنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله، وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنحاص اليهودي، عليه لعنة الله، وقد تقدم أنه الذي قال ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] فضربه أبو بكر الصديق ﵁.
وقال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ وقد ردّ الله عليهم ما قالوه وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ وهكذا وقع لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٣ - ٥٤]، وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١ وآل عمران: ١١٢].
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال ﴿وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] والآيات في هذا كثيرة، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل (١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء (٢) الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه-قال: وعرشه على الماء وفي يده الأخرى
стр. 1135
القبض يرفع ويخفض. وقال: يقول الله تعالى: «أنفق، أنفق عليك» أخرجاه في الصحيحين، البخاري في التوحيد عن علي بن المديني، ومسلم فيه عن محمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق به.
وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً﴾ أي يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك طغيانا، وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، وكفرا أي تكذيبا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إِلاّ خَساراً﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ يعني أنه لا تجتمع قلوبهم بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائما، لأنهم لا يجتمعون على حق، وقد خالفوك وكذبوك، وقال إبراهيم النخعي: ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ﴾، قال: الخصومات والجدال في الدين، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ أي كلما عقدوا أسبابا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورا يحاربونك بها، أبطلها الله ورد كيدهم عليهم، وحاق مكرهم السيئ بهم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي من سجيتهم أنهم دائما يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته، ثم قال جلا وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي لو أنهم آمنوا بالله ورسوله واتقوا ما كانوا يتعاطونه من المآثم والمحارم ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم المقصود، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس وغيره:
هو القرآن، ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدا ﷺ ، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتما لا محالة.
وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني لأرسل السماء عليهم مدرارا، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني يخرج من الأرض بركاتها، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، وقال بعضهم معناه ﴿لَأَكَلُوا
стр. 1136
مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء. وقال ابن جرير:
قال بعضهم: معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل: هو في الخير من قرنه إلى قدمه، ثم رد هذا القول لمخالفته أقوال السلف (١).
وقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ حديث علقمة عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال «يوشك أن يرفع العلم» فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال «ثكلتك أمك يا ابن لبيد إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة.
والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله» ثم قرأ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ هكذا أورده ابن أبي حاتم معلقا من أول إسناده مرسلا في آخره.
وقد رواه الإمام أحمد (٢) بن حنبل متصلا موصولا، فقال: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد أنه قال ذكر النبي ﷺ شيئا، فقال «وذاك عند ذهاب العلم» قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال «ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء» هكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده نحوه، وهذا إسناد صحيح.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ كقوله ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وكقوله من أتباع عيسى ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧]، فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد وهو أوسط مقامات هذه الأمة وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله : ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [فاطر: ٣٢، ٣٣]، والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة، وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس الضبي، حدثنا عاصم بن عدي حدثنا أبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال «تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة:
سبعون منها في النار، وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة: واحدة في الجنة، وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعا واحدة في الجنة،
стр. 1137
وثنتان وسبعون في النار» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال «الجماعات الجماعات». قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ تلا فيه قرآنا، قال ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وتلا أيضا قوله تعالى:
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعني أمة محمد ﷺ وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر ولله الحمد والمنة.
[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]
﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧)﴾
يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا ﷺ باسم الرسالة، وآمرا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام، قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن إسماعيل، عن الشعبي عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية (١)، هكذا رواه هاهنا مختصرا وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولا، وكذا رواه مسلم في كتابي الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طرق عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها ﵂، وفي الصحيحين عنها أيضا أنها قالت: لو كان محمدا ﷺ كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ (٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنا عند ابن عباس، فجاء رجل فقال له: إن ناسا يأتونا فيخبروننا أن عندكم شيئا لم يبده رسول الله ﷺ للناس فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والله ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء، وهذا إسناد جيد، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر (٣).
стр. 1138
وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم، وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ «أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع إصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول «اللهم هل بلغت» (١)؟.
قال الإمام أحمد (٢): حدثنا ابن نمير، حدثنا فضيل يعني ابن غزوان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع. «يا أيها الناس» أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال «فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» ثم أعادها مرارا، ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال «اللهم هل بلغت؟» مرارا. قال: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه ، ثم قال «ألا فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ يعني وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، فما بلغت رسالته، أي وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قال: يا رب، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ؟ فنزلت ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ورواه ابن جرير (٣) من طريق سفيان وهو الثوري به.
وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ أي بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك، وقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يحرس، كما قال الإمام أحمد (٤): حدثنا يزيد، حدثنا يحيى قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث أن عائشة ﵂ كانت
стр. 1139
تحدث أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت ما شأنك يا رسول الله؟ قال «ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة» قالت: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السلاح، فقال «من هذا؟» فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: «ما جاء بك؟» قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه، أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به، وفي لفظ: سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة مقدمه المدينة يعني على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة ﵂، وكان ذلك في سنة ثنتين منها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري، نزيل مصر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد يعني أبا قدامة عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ قالت:
فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة وقال «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله » وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب، وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه من طريق مسلم بن إبراهيم به، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الحارث بن عبيد أبي قدامة عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به، ثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري عن ابن شقيق، قال: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية، ولم يذكر عائشة. قلت: هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل ابن علية، وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري عن عبد الله بن شقيق مرسلا، وقد روي هذا مرسلا عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير، والربيع بن أنس، رواه ابن مردويه، ثم قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل بن المختار عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل. حتى نزلت ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فترك الحرس، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حدثنا كردوس بن محمد الواسطي، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن عن فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الآية ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ ترك رسول الله ﷺ الحرس. حدثنا علي بن أبي حامد المديني، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن مفضل بن إبراهيم الأشعري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار، حدثنا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكي يحدث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فذهب ليبعث معه، فقال «يا عم إن الله قد
стр. 1140
عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث» وهذا حديث غريب وفيه نكارة، فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية، ثم قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني عن النضر، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال:
«إن الله قد عصمني من الجن والإنس»، ورواه الطبراني عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به.
وهذا أيضا حديث غريب، والصحيح أن هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم، ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلا ونهارا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب، نال منه المشركون أذى يسيرا، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها، منعوه من الأحمر والأسود، وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة:
فقال أبو جعفر بن جرير (١): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي، وغيره، قالوا: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال «الله » فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله : ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله ﷺ بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس
стр. 1141
بئر قد دلى رجليه، فقال غورث بن الحارث من بني النجار: لأقتلن محمدا، فقال له أصحابه:
كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه، قتلته به، قال: فأتاه. فقال:
يا محمد، أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله ﷺ «حال الله بينك وبين ما تريد»، فأنزل الله : ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح (١).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أبو عمرو بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله ﷺ في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال رسول الله ﷺ «الله يمنعني منك ضع السيف» فوضعه، فأنزل الله : ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسرائيل، يعني الجشمي، سمعت جعدة هو ابن خالد بن الصمة الجشمي ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ ورأى رجلا سمينا، فجعل النبي ﷺ يومئ إلى بطنه بيده ويقول «لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرا لك» قال: وأتي النبي ﷺ برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي ﷺ : «لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي».
وقوله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي بلغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠].
[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٨ إلى ٦٩]
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾
يقول تعالى: قل يا محمد ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي من الدين حتى تقيموا التوراة والإنجيل، أي حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء،
стр. 1142
وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد ﷺ والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: في قوله ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: يعني القرآن العظيم، وقوله ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً﴾ تقدم تفسيره، ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي فلا تحزن عليهم، ولا يهيدنّك ذلك منهم، ثم قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ وهم حملة التوراة، ﴿وَالصّابِئُونَ﴾ لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون طائفة بين النصارى والمجوس ليس لهم دين، قاله مجاهد، وعنه: بين اليهود والمجوس، وقال سعيد بن جبير: بين اليهود والنصارى، وعن الحسن والحكم: إنهم كالمجوس، وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرءون الزبور.
وقال وهب بن منبه: هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثو كفرا، وقال ابن وهب: أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: الصابئون هم قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يوما، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات، وقيل غير ذلك، وأما النصارى فمعروفون وهم حملة الإنجيل، والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله واليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملا صالحا، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ولا هم يحزنون، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا.
[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٠ إلى ٧١]
﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)﴾
يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه، ثم تاب الله عليهم، أي مما كانوا فيه، ثم ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ أي بعد ذلك، ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم
стр. 1143
[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٢ إلى ٧٥]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾
يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوا كبيرا، هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق وهو صغير في المهد أن قال: إني عبد الله، ولم يقل أنا الله ولا ابن الله، بل قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال ﴿وَإِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم: ٣٠ - ٣٦] وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمرا لهم بعبادة ربه وربهم، وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ﴾ أي فيعبد معه غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ﴾ أي فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وفي الصحيح أن النبي ﷺ بعث مناديا ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وفي لفظ: مؤمنة، وتقدم في أول سورة النساء عند قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منه ديوانا لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، والحديث في مسند أحمد، ولهذا قال تعالى إخبارا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ أي وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه.
وقوله ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قال: هو قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة، وهذا قول غريب في تفسير الآية أن المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى، والصحيح أنها أنزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة: وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوا
стр. 1144
كبيرا، قال ابن جرير وغيره: والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافا متباينا ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة (١).
وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ﴾ [المائدة: ١١٦] (٢)، وهذا القول هو الأظهر-والله أعلم-قال الله تعالى: ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ أي ليس متعددا بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعدا لهم ومتهددا ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ أي من هذا الافتراء والكذب ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الآخرة من الأغلال والنكال، ثم قال ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه.
وقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي له سوية أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]. وقوله ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال، قال الله تعالى:
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ الإجماع على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ أي يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ﴾ أي نوضحها ونظهرها ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون.
стр. 1145
[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٦ إلى ٧٧]
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾
يقول تعالى منكرا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبينا له أنها لا تستحق شيئا من الإلهية، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، ﴿وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا ولا يملك ضرا ولا نفعا لغيره ولا لنفسه؟ ثم قال ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديما، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أي وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة زمانا، فأتاه الشيطان فقال: إنما تركب أثرا أو أمرا قد عمل قبلك، فلا تحمد عليه، ولكن ابتدع أمرا من قبل نفسك، وادع إليه وأجبر الناس عليه، ففعل ثم ادّكر بعد فعله زمانا، فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أياما، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سببك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم فلا توبة لك أبدا، ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (١).
стр. 1146
[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٨ إلى ٨١]
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)﴾
يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه. قال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان، ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي كان لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وقال الإمام أحمد (١) ﵀: حدثنا يزيد. حدثنا شريك بن عبد الله عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا: فجالسوهم في مجالسهم» قال يزيد: وأحسبه قال: «وأسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وكان رسول الله ﷺ متكئا، فجلس فقال «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا» (٢).
وقال أبو داود (٣): حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض-ثم قال-: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله ﴿فاسِقُونَ﴾ -ثم قال-: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو تقصرنه على الحق قصرا»، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من طريق علي بن بذيمة به، وقال الترمذي: حسن غريب، ثم رواه هو وابن ماجة عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، وهارون بن إسحاق الهمداني، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن ابن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «إن الرجل
стр. 1147
من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه، أن يكون أكيله وخليطه وشريكه» وفي حديث هارون «وشريبه»، ثم اتفقا في المتن «فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» ثم قال رسول الله ﷺ «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم» والسياق لأبي سعيد، كذا قال في رواية هذا الحديث.
وقد رواه أبو داود أيضا عن خلف بن هشام، عن أبي شهاب الخياط، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم وهو ابن عجلان الأفطس، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي ﷺ بنحوه، ثم قال أبو داود: كذا رواه خالد عن العلاء، عن عمرو بن مرة به، ورواه المحاربي عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة عن أبي موسى.
والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام، قد تقدم حديث جابر عند قوله ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ﴾ [المائدة: ٦٣] وسيأتي عند قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] حديث أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإمام أحمد (١): حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم»، ورواه الترمذي عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر به، وقال: هذا حديث حسن.
وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول «مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم» تفرد به، وعاصم هذا مجهول.
وفي الصحيح من طريق الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن
стр. 1148
قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم (١).
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا ابن نمير، حدثنا سيف هو ابن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يعني عدي بن عميرة ﵁، يقول: سمعت النبي ﷺ يقول «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله الخاصة والعامة»، ثم رواه أحمد عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عيسى بن عدي الكندي، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول:
سمعت رسول الله ﷺ يقول، فذكره، هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين.
قال أبو داود (٣): حدثنا أبو العلاء (٤)، حدثنا أبو بكر، حدثنا المغيرة بن زياد الموصلي عن عدي بن عدي، عن العرس يعني ابن عميرة، عن النبي ﷺ قال «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، -وقال مرة فأنكرها-كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» تفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن ابن شهاب، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي مرسلا. وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حدثنا شعبة وهذا لفظه، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ ، وقال سليمان، حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال «لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم».
وقال ابن ماجة (٥): حدثنا عمران بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قام خطيبا، فكان فيما قال «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه». قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا.
وفي حديث إسرائيل عن عطية (٦) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب
стр. 1149
من هذا الوجه. وقال ابن ماجة: حدثنا راشد بن سعيد الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي غالب، عن أبي أمامة: قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب فقال «أين السائل؟» قال:
أنا يا رسول الله. قال «كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر» تفرد به. وقال ابن ماجة: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحقر أحدكم نفسه» قالوا يا رسول الله:
كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال «يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة:
ما منعك أن تقول في كذا وكذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى» تفرد به، وقال أيضا: حدثنا علي بن محمد، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، حدثنا نهار العبدي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت الناس» تفرد به أيضا ابن ماجة، وإسناده لا بأس به.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا عمرو بن عاصم عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال «لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه» قيل:
وكيف يذل نفسه؟ قال «يتعرض من البلاء لما لا يطيق»، وكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعا عن محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وقال ابن ماجة (٢): حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؟ قال «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال «الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم» قال زيد: تفسير معنى قول النبي ﷺ والعلم في رذالكم إذا كان العلم في الفساق، تفرد به ابن ماجة، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ شاهد لهذا، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وقوله تعالى: ﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين.
стр. 1150
وقوله ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطا مستمرا إلى يوم معادهم، ولهذا قال ﴿أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ وفسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم أنهم ﴿وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ يعني يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مسلم بن علي عن الأعمش بإسناد ذكره، قال «يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاثا في الدنيا، وثلاثا في الآخرة، فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار»، ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ هكذا ذكره ابن أبي حاتم.
وقد رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عمار عن مسلمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي ﷺ فذكره، وساقه أيضا من طريق سعيد بن غفير عن مسلمة، عن أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي ﷺ فذكر مثله، وهذا حديث ضعيف على كل حال، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ﴾ أي لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه، ﴿وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ أي خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.
[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٢ إلى ٨٦]
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضلوا لحاهم (١)، وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدي:
стр. 1151
فهاجر النجاشي فمات بالطريق (١). وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلّى عليه النبي ﷺ يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة.
ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر: سبعة قساوسة وخمسة رهابين. وقيل:
بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلا، فالله أعلم وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين، وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء كانوا من الحبشة أو غيرها (٢).
فقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول الله ﷺ غير مرة، وسموه وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن محمد بن السري، حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حدثنا علي بن سعيد العلاف، حدثنا أبو النضر عن الأشجعي، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله»، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، حدثنا فرج بن عبيد، حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما خلا يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله»، وهذا حديث غريب جدا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً﴾ وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعا في ملتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب، وهو العابد، مشتق من الرهبة، وهي الخوف، كراكب وركبان، وفرسان.
стр. 1152
قال ابن جرير (١): وقد يكون الرهبان واحدا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان (٢) وجرادين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحدا قول الشاعر: [الرجز] لو عاينت رهبان دير في القلل … لا نحدر الرهبان يمشي ونزل (٣)
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم. حدثنا نصير بن أبي الأشعث، حدثني الصلت الدهان عن جاثمة بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً﴾ فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله ﷺ «ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا»، وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الخاني عن نضير بن زياد الطائي، عن صلت الدهان، عن جاثمة بن رئاب، عن سلمان به.
وقال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الخاني، حدثنا نضير بن زياد الطائي، حدثنا صلت الدهان عن جاثمة بن رئاب قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً﴾ فقال هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النبي ﷺ ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ فأقرأني «ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا» فقوله ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به.
وقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر بن علي بن مقدم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي مع محمد ﷺ وأمته هم الشاهدون، يشهدون لنبيهم ﷺ أنه قد بلغ، وللرسل أنهم قد بلغوا، ثم قال الحاكم:
صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
стр. 1153
وقال الطبراني، حدثنا أبو شبيل عبد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة، وجعفر بن إياس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال: إنهم كانوا كرابين يعني فلاحين، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم القرآن، آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله ﷺ «لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم» فقالوا: لن ننتقل عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه، من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: مع محمد ﷺ ، وأمته هم الشاهدون، يشهدون لنبيهم أنه قد بلّغ وللرسل أنهم قد بلغوا. ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، وهم الذين قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٥] ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي جحدوا بها وخالفوها، ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ أي هم أهلها والداخلون فيها.
[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٧ إلى ٨٨]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم، فقال النبي ﷺ «لكني أصوم وأفطر، وأصلي، وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني» رواه ابن أبي حاتم (١)، وروى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحو ذلك، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر فقال بعضهم لا آكل اللحم وقال بعضهم لا أتزوج النساء وقال بعضهم لا أنام
стр. 1154
على الفراش فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عثمان يعني ابن سعد، أخبرني عكرمة عن ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال:
يا رسول الله، إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء، وإني حرمت عليّ اللحم، فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾. وكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعا عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي عاصم النبيل به. وقال، حسن غريب. وقد روي من وجه آخر مرسلا، وروي موقوفا على ابن عباس، فالله أعلم.
وقال سفيان الثوري ووكيع عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله ﷺ عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية، أخرجاه من حديث إسماعيل، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم.
وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، قال: جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني حرمت فراشي، فتلا هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية. وقال الثوري، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له عبد الله:
ادن، فقال: إني حرمت أن آكله، فقال عبد الله: ادن فاطعم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ الآية: رواهن ابن أبي حاتم، وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه من طريق إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن منصور به؛ ثم قال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه أن عبد الله بن رواحة أضافه ضيف من أهله، وهو عند النبي ﷺ ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارا له، فقال لامرأته حبست ضيفي من أجلي هو علي حرام، فقالت امرأته: هو علي حرام. وقال الضيف: هو علي حرام، فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا باسم الله، ثم ذهب إلى النبي ﷺ فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ وهذا أثر منقطع.
وفي صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه شبيه بهذا، وفيه وفي هذه القصة دلالة
стр. 1155
لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلا أو ملبسا أو شيئا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضا، ولقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ ولأن الذي حرم اللحم على نفسه كما في الحديث المتقدم لم يأمره النبي ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإمام أحمد بن حنبل إلى أن من حرم مأكلا أو مشربا أو ملبسا أو شيئا من الأشياء، فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم:١]، ثم قال ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وكذلك هاهنا لما ذكر هذا الحكم، عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التكفير، والله أعلم.
وقال ابن جرير (١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج عن ابن جريج، عن مجاهد قال:
أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة في أصحابه تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يؤكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقول لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم رسول الله ﷺ فقال «إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا» فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت.
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين كما تقدم ذلك، ولله الحمد والمنة.
وقال أسباط عن السدي في قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يوما فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي ﷺ ، كانوا عشرة منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون: ما حقنا إن لم نحدث عملا، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم
стр. 1156
فنحن نحرم، فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك (١)، وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء فكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه، فأتت امرأته عائشة ﵂ وكان يقال لها الحولاء، فقالت لها عائشة ومن عندها من أزواج النبي ﷺ : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطيبين؟ فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع علي زوجي، وما رفع عني ثوبا منذ كذا وكذا. قال:
فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال «ما يضحككن؟» قالت: يا رسول الله إن الحولاء سألتها عن أمرها. فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال «ما لك يا عثمان؟» قال: إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة، وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه، فقال رسول الله ﷺ «أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك». فقال: يا رسول الله إني صائم. فقال «أفطر» فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. فقال رسول الله ﷺ «ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم وأفطر وأصوم وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني» فنزلت ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ يقول لعثمان: لا تجب نفسك، فإن هذا هو الاعتداء، أمرهم أن يكفروا عن أيمانهم فقال ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾، رواه ابن جرير (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد منه ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم ولا تجاوزوا الحد فيه: كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] الآية، وقال ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً﴾ [الفرقان: ٦٧] فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي عنه، لا إفراط ولا تفريط، ولهذا قال ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ثم قال ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً﴾ أي في حال كونه حلالا طيبا ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته وعصيانه ﴿وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
стр. 1157
[سورة المائدة (٥): آية ٨٩]
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾
وقد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة، وإنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله وبلى والله. وهذا مذهب الشافعي.
وقيل هو في الهزل. وقيل: في المعصية. وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ والصحيح أنه اليمين من غير قصد بدليل قوله ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ أي بما صممتم عليه منها وقصدتموها، ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه.
وقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة: أي من أعدل ما تطعمون أهليكم. وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: خبز ولبن، وخبز وسمن. وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة عن سليمان يعني ابن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت بعض أهله قوت دون، وبعضهم قوتا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي من الخبز والزيت، وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: من عسرهم ويسرهم وحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي، حدثنا محمد بن شعيب يعني ابن شابور، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن التميمي عن ليث بن أبي سليم عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له عبد الرحمن التميمي، عن ابن عمر ﵁ أنه قال ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، قال: الخبز واللحم، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل.
وحدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر في قوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز واللحم، ورواه ابن جرير (١) عن هناد وابن وكيع، كلاهما عن أبي معاوية، ثم روى ابن جرير عن عبيدة والأسود وشريح القاضي ومحمد بن سيرين والحسن والضحاك وأبي رزين، أنهم قالوا نحو ذلك، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضا.
стр. 1158
واختار ابن جرير أن المراد بقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي في القلة والكثرة (١)، ثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج، عن حصين الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي ﵁ في قوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: يغديهم ويعشيهم. وقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزا ولحما، زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا، حتى يشبعوا. وقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما، فهذا قول عمر وعلي وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان. وقال أبو حنيفة: نصف صاع بر وصاع مما عداه.
وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حدثنا عبيد بن الحسن بن يوسف، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن سخبرة ابن أخي عائشة لأمه، حدثنا عمر بن يعلى عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كفّر رسول الله ﷺ بصاع من تمر، وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر. ورواه ابن ماجة عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكاء، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن المنهال بن عمرو به، لا يصح هذا الحديث لحال عمر بن عبد الله هذا، فإنه مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس عن داود يعني ابن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: مدا من بر يعني لكل مسكين ومعه إدامه، ثم قال: وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء والقاسم وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين والزهري، نحو ذلك.
وقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي ﷺ لكل مسكين ولم يتعرض للأدم.
واحتج بأمر النبي ﷺ للذي جامع في رمضان بأن يطعم ستين مسكينا من مكتل يسع خمسة عشر صاعا، لكل واحد منهم مد. وقد ورد حديث آخر صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه:
حدثنا أحمد بن علي بن الحسن المقري، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا النضر بن زرارة الكوفي عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يقيم كفارة اليمين مدا من حنطة بالمد الأول، إسناده ضعيف لحال النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو مجهول مع أنه قد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء
стр. 1159
مستقيمة، فالله أعلم، ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضا. وقال أحمد بن حنبل: الواجب مد من بر أو مدان من غيره، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال الشافعي ﵀: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة، أجزأه ذلك، واختلف أصحابه في القلنسوة: هل تجزئ أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز احتجاجا بما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي: قالا:
حدثنا القاسم بن مالك عن محمد بن الزبير، عن أبيه، قال: سألت عمران بن الحصين عن قوله ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: لو أن وفدا قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة، قلنسوة قلتم قد كسوا، ولكن هذا إسناد ضعيف لحال محمد بن الزبير هذا، والله أعلم. وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني: في الخف وجهين أيضا، والصحيح عدم الإجزاء وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلا أو امرأة كل بحسبه، والله أعلم.
وقال العوفي عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة، وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت. وقال ليث عن مجاهد: يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان (١). وقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاوس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو مالك. ثوب ثوب. وعن إبراهيم النخعي أيضا: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يرى الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعا، وقال الأنصاري عن أشعث عن ابن سيرين والحسن: ثوبان ثوبان.
وقال الثوري عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها. وقال ابن جرير (٢): حدثنا هناد، حدثنا ابن المبارك عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى أنه حلف على يمين، فكسا ثوبين من معقدة البحرين. وقال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن المعلى، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ في قوله ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال «عباءة لكل مسكين»، حديث غريب.
وقوله ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها بالإيمان من كفارة القتل لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب. ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك (٣) ومسند الشافعي وصحيح مسلم أنه ذكر أن عليه عتق رقبة، وجاء معه بجارية
стр. 1160
سوداء فقال لها رسول الله ﷺ «أين الله؟». قالت: في السماء. قال «من أنا؟» قالت:
رسول الله. قال «أعتقها فإنها مؤمنة» الحديث بطوله. فهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين، أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإجماع، وقد بدأ بالأسهل، فالأسهل فالإطعام أسهل وأيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث كفر بصيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾.
وروى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري، أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام وإلا صام، وقال ابن جرير حاكيا عن بعض متأخري متفقهة زمانه أنه جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف فيه لمعاشه، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه، ثم اختار ابن جرير أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين (١).
واختلف العلماء: هل يجب فيها التتابع أو يستحب ولا يجب، ويجزئ التفريق؟ قولان:
أحدهما لا يجب وهذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك لإطلاق قوله ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء رمضان لقوله ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ ونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة، لأنه قد روي عن أبي بن كعب وغيره أنهم كانوا يقرءونها «فصيام ثلاثة أيام متتابعات». قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها «فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود، وقال إبراهيم في قراءة أصحاب عبد الله بن مسعود «فصيام ثلاثة أيام متتابعات». وقال الأعمش كان أصحاب ابن مسعود يقرءونها كذلك، وهذه إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا، فلا أقل أن يكون خبرا واحدا أو تفسيرا من الصحابة وهو في حكم المرفوع.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن جعفر الأشعري، حدثنا الهيثم بن خالد القرشي، حدثنا يزيد بن قيس عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن جريج، عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله نحن بالخيار؟ قال «أنت بالخيار إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات» وهذا حديث غريب جدا.
وقوله ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ أي هذه كفارة اليمين الشرعية ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾. قال ابن جرير (٢): معناه لا تتركوها بغير تكفير ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ أي