المراد إلى مستقرهما وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش، لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك، لأن له قوائم وحملة يحملونه، ولا يتصور هذا في الفلك المستدير، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.
وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف وأعظم من الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه، فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى، كما نبه بقوله تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧] مع أنه صرح بذلك بقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣ إلى ٤]
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾
لما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ أي جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون، ليسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح من كل ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي من كل شكل صنفان ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أي جعل كلا منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا، فإذا ذهب هذا غشيه هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضا في الزمان كما يتصرف في المكان والسكان، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي في آلاء الله وحكمه ودلائله.
وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ أي أراض يجاور بعضها بعضا، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا، هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه مرملة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها، وهذه بصفتها الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه. وقوله: ﴿وَجَنّاتٌ مِنْ
стр. 1857
أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ يحتمل أن تكون عاطفة على جنات، فيكون ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ مرفوعين.
ويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب، فيكون مجرورا، ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة.
وقوله: ﴿صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ الصنوان: هو الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين، وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد، كسائر الأشجار، ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه، كما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لعمر: «أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه» (١). وقال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء ﵁: الصنوان هي النخلات في أصل واحد، وغير الصنوان المتفرقات، وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد.
وقوله: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال «الدقل (٢)، والفارسي، والحلو، والحامض» (٣)، رواه الترمذي وقال: حسن غريب، أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة، وذا عفص (٤)، وهذا عذب، وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أزرق، وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، مع الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعيا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء، وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
[سورة الرعد (١٣): آية ٥]
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥)﴾
يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكونها بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، ثم هم بعد هذا
стр. 1858
يكذبون خبره في أنه سعيد العالم خلقا جديدا، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به، فالعجب من قولهم ﴿أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
ثم نعت المكذبين بهذا فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ أي يسحبون بها في النار ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ أي ماكثون فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون.
[سورة الرعد (١٣): آية ٦]
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦)﴾
يقول تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أي هؤلاء المكذبون ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي بالعقوبة كما أخبر عنهم في قوله: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ [العنكبوت: ٥٣] الآيتين، وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، وقال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] الآية، أي عقابنا وحسابنا، كما قال مخبرا عنهم: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، فكانوا من شدة تكذيبهم وعنادهم وكفرهم يطلبون أن يأتيهم بعذاب الله قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم.
ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ أي إنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧] وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، وقال:
﴿نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن علي بن زيد
стр. 1859
عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﷺ : «لولا عفوالله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لا تكل كل أحد» وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي أنه رأى رب العزة في النوم، ورسول الله ﷺ واقف بين يديه يشفع في رجل من أمته، فقال له: ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ قال: ثم انتبهت.
[سورة الرعد (١٣): آية ٧]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧)﴾
يقول تعالى إخبارا عن المشركين أنهم يقولون كفرا وعنادا: لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن يزيح عنهم الجبال، ويجعل مكانها مروجا وأنهارا، قال تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] الآية، قال الله تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أي إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها، و ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لكل قوم داع. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر، وأنا هادي كل قوم، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد. وعن مجاهد ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أي نبي، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو صالح ويحيى بن رافع ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ أي قائد. وقال أبو العالية: الهادي القائد، والقائد الإمام، والإمام العمل. وعن عكرمة وأبي الضحى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قالا: هو محمد ﷺ . وقال مالك:
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ يدعوهم إلى الله .
وقال أبو جعفر بن جرير (١): حدثني أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، حدثنا معاذ بن مسلم، حدثنا الهروي عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄، قال: لما نزلت ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قال: وضع رسول الله ﷺ يديه على صدره وقال: «أنا المنذر، ولكل قوم هاد» وأومأ بيده إلى منكب علي، فقال «أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي»، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا المطلب بن زياد عن السدي عن عبد خير عن علي ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ قال: الهادي رجل من بني هاشم. قال الجنيد: هو علي بن أبي طالب ﵁. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وعن أبي جعفر محمد بن علي نحو ذلك.
стр. 1860
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٨ إلى ٩]
﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩)﴾
يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤] أي ما حملت من ذكر أو أنثى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كقوله تعالى:
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ [النجم: ٣٢] الآية، وقال تعالى:
﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦] أي خلقكم طورا من بعد طور، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وعمره، وعمله، وشقي أو سعيد» (١). وفي الحديث الآخر «فيقول الملك أي رب أذكر أم أنثى؟ أي رب أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله، ويكتب الملك» (٢).
وقوله ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ قال البخاري (٣): حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا معن حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ يعني السقط، ﴿وَما تَزْدادُ﴾ يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومن تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى (٤).
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ قال: ما نقصت من تسعة وما زاد عليها، وقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني
стр. 1861
وقد نبتت ثنيتي. وقال ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك ظل مغزل (١)، وقال مجاهد ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ﴾ قال:
ما ترى من الدم في حملها، وما تزداد على تسعة أشهر، وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك، وقال مجاهد أيضا: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة، زاد على التسعة مثل أيام الحيض، وقاله عكرمة وسعيد بن جبير وابن زيد. وقال مجاهد أيضا: ﴿وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ﴾ إراقة الدم حتى يخس الولد، ﴿وَما تَزْدادُ﴾ إن لم تهرق المرأة، تم الولد وعظم (٢).
وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض، استهل، واستهلاله استنكاره لمكانه، فإذا قطعت سرته، حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يحزن ولا يطلب ولا يغتم، ثم يصير طفلا يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ فيقول مكحول يا ويلك: غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق، ثم قرأ مكحول ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ الآية.
وقال قتادة: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ أي بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلا معلوما. وفي الحديث الصحيح أن إحدى بنات النبي ﷺ بعثت إليه أن ابنا لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره. فبعث إليها يقول: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب» (٣) الحديث بتمامه. وقوله: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ أي يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء، ﴿الْمُتَعالِ﴾ أي على كل شيء ﴿قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وقهر كل شيء، فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعا وكرها.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٠ إلى ١١]
﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)﴾
يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه، وأنه سواء منهم من أسر قوله أو جهر به، فإنه يسمعه لا يخفى عليه شيء، كقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ﴾، قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه
стр. 1862
الأصوات، والله لقد جاءت المجادلة تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ ، وأنا في جنب البيت، وإنه ليخفى عليّ بعض كلامها، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١) [المجادلة: ١].
وقوله ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أي مختف في قعر بيته في ظلام الليل، ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ أي ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه، فإن كليهما في علم الله على السواء، كقوله تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ [هود: ٥] الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
وقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة أملاك بالليل، بدلا حافظان وكاتبان، كما جاء في الصحيح «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» (٢). وفي الحديث الآخر «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم وأكرموهم» (٣).
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ والمعقبات من الله هي الملائكة (٤)، وقال عكرمة عن ابن عباس ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه (٥)، وقال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده، إلا قال له الملك وراءك، إلا شيء أذن الله فيه
стр. 1863
فيصيبه (١).
وقال الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا، له حرس من دونه حرس (٢)، وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني ولي الشيطان يكون عليه الحرس. وقال عكرمة في تفسيرها: هؤلاء الأمراء المواكب بين يديه ومن خلفه (٣)، وقال الضحاك في الآية: هو السلطان المحروس من أمر الله، وهم أهل الشرك (٤)، والظاهر-والله أعلم-أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبد يشبه حرس هؤلاء لملوكهم وأمرائهم.
وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير (٥) هاهنا حديثا غريبا جدا، فقال حدثني المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري، حدثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله ﷺ ، فقال:
يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال «ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمير على الذي على الشمال، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أكتبها؟ قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب فيستأذنه ثلاث مرات، فإذا قال ثلاثا، قال: اكتبها أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا، يقول الله: ﴿ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وملكان من بين يديك ومن خلفك، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد ﷺ . وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي، ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي، وإبليس بالنهار وولده بالليل».
وقال الإمام أحمد (٦) ﵀: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا سفيان، حدثني منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وقد
стр. 1864
وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: «وإياي، ولكن الله أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير»، انفرد بإخراجه مسلم (١).
وقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ قيل: المراد حفظهم له من أمر الله، رواه علي بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس (٢)، وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم.
وقال قتادة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ قال: وفي بعض القراءات «يحفظونه بأمر الله» (٣)، وقال كعب الأحبار: لو تجلى لابن لآدم كل سهل وكل حزن، لرأى كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذا لتخطفتم (٤). وقال أبو أمامة: ما من آدمي ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له (٥)، وقال أبو مجلز: جاء رجل من مراد إلى علي ﵁ وهو يصلي فقال: احترس: فإن ناسا من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدّر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، إن الأجل جنة حصينة (٦).
وقال بعضهم ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ بأمر الله، كما جاء في الحديث أنهم قالوا:
يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال «هي من قدر الله» (٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث عن أشعث عن جهم، عن إبراهيم قال: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون، ثم قال: إن تصديق ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وقد ورد هذا في حديث مرفوع، فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه صفة العرش: حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي، حدثنا أبو حنيفة اليماني الأنصاري عن عمير بن عبد الملك قال: خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة قال: كنت إذا أمسكت عن رسول الله ﷺ ابتدأني، وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه عز
стр. 1865
وجل قال: «قال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، ما من قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي»، وهذا غريب، وفي إسناده من لا أعرفه.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٢ إلى ١٣]
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣)﴾
يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق، وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب. وروى ابن جرير (١) أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق، فقال: البرق الماء. وقوله: ﴿خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ قال قتادة: خوفا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله (٢)، ﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ أي ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض قال مجاهد: السحاب الثقال الذي فيه الماء، قال: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا يزيد، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرني أبي قال: كنت جالسا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمر شيخ من بني غفار، فأرسل إليه حميد، فلما أقبل قال: يا ابن أخي، وسع فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله ﷺ ، فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله ﷺ ؟ فقال له الشيخ:
سمعت عن شيخ من بني غفار أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك» والمراد-والله أعلم-أن نطقها الرعد وضحكها البرق. وقال موسى بن عبيدة عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكا، ولا آنس منه منطقا، فضحكه البرق، ومنطقه الرعد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن مسلم قال:
بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع بذنبه فذاك البرق.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو مطر عن سالم، عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال «اللهم
стр. 1866
لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» (١)، ورواه الترمذي والبخاري في كتاب الأدب، والنسائي في اليوم والليلة، والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي مطر ولم يسم به.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (٢): حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة رفعه، أنه كان إذا سمع الرعد قال: «سبحان من يسبح الرعد بحمده»، وروي عن علي ﵁ أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول:
سبحان من سبحت له، وكذا روي عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد، أنهم كانوا يقولون ذلك. وقال الأوزاعي: كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة (٣)، وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض (٤)، رواه مالك في موطئه، والبخاري في كتاب الأدب.
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا صدقة بن موسى حدثنا محمد بن واسع عن شتير بن نهار، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال ربكم :
لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد».
وقال الطبراني: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر، حدثنا عبد الكريم، حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا».
وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ﴾ أي يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر في آخر الزمان، كما قال الإمام أحمد (٦): حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا عمارة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق تلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان».
وقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق، حدثنا
стр. 1867
علي بن أبي سارة الشيباني، حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ بعث رجلا مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: «اذهب فادعه لي». قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله ﷺ ، فقال له: من رسول الله، وما الله، أمن ذهب هو، أم من فضة هو، أم من نحاس هو؟ قال:
فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: يا رسول الله، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي كذا وكذا، فقال لي: «ارجع إليه الثانية» فذهب فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، فقال: «ارجع إليه فادعه» فرجع إليه الثالثة، قال:
فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله سحابة حيال رأسه، فرعدت فوقعت منها صاعقة، فذهب بقحف رأسه (١)، فأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ الآية، ورواه ابن جرير (٢) من حديث علي بن أبي سارة به.
ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبدة بن عبد الله عن يزيد بن هارون، عن ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس فذكر نحوه، وقال: حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا أبو عمران الجوني عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن النبي ﷺ بعثه إلى جبار يدعوه فقال: أرأيتم ربكم أذهب هو؟ أم فضة هو؟ أم لؤلؤ هو؟ قال: فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل عليه صاعقة، فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية (٣). وقال أبو بكر بن عياش عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: جاء يهودي فقال:
يا محمد أخبرني عن ربك، من أي شيء هو؟ من نحاس هو، أم من لؤلؤ أو ياقوت؟ قال:
فجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ الآية (٤).
وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلا أنكر القرآن، وكذب النبي ﷺ فأرسل الله صاعقة فأهلكته، وأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ الآية (٥)، وذكروا في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، لما قدما على رسول الله ﷺ المدينة فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما رسول الله ﷺ ، فقال له عامر بن الطفيل-لعنه الله-: أما والله لأملأنها عليك خيلا جردا (٦) ورجالا مردا (٧)، فقال له رسول الله ﷺ : «يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة» (٨) يعني
стр. 1868
الأنصار، ثم إنهما هما بالفتك برسول الله ﷺ فجعل أحدهما يخاطبه، والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى منهما وعصمه، فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس لحربه ﵊، فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأما عامر بن الطفيل، فأرسل الله عليه الطاعون فخرجت فيه غدة عظيمة، فجعل يقول: يا آل عامر غدة كغدة البكر، وموت في بيت سلولية (١)، حتى ماتا لعنهما الله، وأنزل الله في مثل ذلك ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾، وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه: [المنسرح] أخشى على أربد الحتوف ولا … أرهب نوء السّماك والأسد (٢)
فجّعني الرعد والصواعق باك … فارس يوم الكريهة النّجد
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مسعدة بن سعيد العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن جليد بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله ﷺ ، فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد، ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ : «لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم». قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله ﷺ : «ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل» قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر.
قال رسول الله ﷺ : «لا»، فلما قفلا من عنده قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا، فقال له رسول الله ﷺ : «يمنعك الله»، فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد، أنا أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فنعطيهم الدية. قال أربد: أفعل، فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك، فقام معه رسول الله ﷺ فجلسا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله ﷺ يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب.
فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من
стр. 1869
عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة-حرة راقم-نزلا، فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فقالا: اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله، فقال عامر: من هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكتائب، فخرجا حتى إذا كانا بالرقم، أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقة ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية، ترغب أن يموت في بيتها، ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعا، فأنزل الله فيهما ﴿اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ -إلى قوله- ﴿وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمدا ﷺ ، ثم ذكر أربد وما قتله به، فقال ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ الآية.
وقوله ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ﴾ أي يشكون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ قال ابن جرير: شديدة مما حلته في عقوبة من طغى عليه، وعتا وتمادى في كفره، وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١]، وعن علي ﵁ ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ أي شديد الأخذ، وقال مجاهد: شديد القوة.
[سورة الرعد (١٣): آية ١٤]
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ (١٤)﴾
قال علي بن أبي طالب ﵁ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: التوحيد، رواه ابن جرير (١).
وقال ابن عباس وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ لا إله إلا الله ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية، أي ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾.
قال علي بن أبي طالب: كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبدا بيده، فكيف يبلغ فاه؟ وقال مجاهد ﴿كَباسِطِ كَفَّيْهِ﴾ يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدا، وقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يحكم منه علي شيء، كما قال الشاعر: [الطويل] فإنّي وإيّاكم وشوقا إليكم … كقابض ماء لم تسقه أنامله (٢)
وقال الآخر: [الطويل] فأصبحت مما كان بيني وبينها … من الودّ مثل القابض الماء باليد (٣)
стр. 1870
ومعنى هذا الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضا وإما متناولا له من بعد كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها غيره، لا ينتفعون بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال ﴿وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾.
[سورة الرعد (١٣): آية ١٥]
﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥)﴾
يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعا من المؤمنين وكرها على الكافرين ﴿وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ﴾ أي البكر ﴿وَالْآصالِ﴾ وهو جمع أصيل، وهو آخر النهار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ﴾ [النحل: ٤٨] الآية.
[سورة الرعد (١٣): آية ١٦]
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ (١٦)﴾
يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك الآلهة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعا ولا ضرا، أي لا تحصل لهم منفعة ولا تدفع عنهم مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له فهو على نور من ربه؟ ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ أي أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء، ولا يماثله ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له، عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
وكما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ﴾ [النجم: ٢٦] الآية، وقال ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥] فإذا كان الجميع عبيدا، فلم يعبد بعضهم بعضا بلا دليل
стр. 1871
ولا برهان، بل مجرد الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم، تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩].
[سورة الرعد (١٣): آية ١٧]
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ اِبْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ (١٧)﴾
اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ أي مطرا ﴿فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ أي أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علما كثيرا، ومنها من لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً﴾ أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل.
وقوله: ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ﴾ الآية، هذا هو المثل الثاني وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، أي ليجعل حلية نحاس أو حديد، فيجعل متاعا، فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ﴾ أي إذا اجتمعا، لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة، ونحوهما مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾ أي لا ينتفع به بل يتفرق ويتمزق، ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس، يذهب ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء، وذلك الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وقال بعض السلف: كنت إذا قرأت مثلا من القرآن فلم أفهمه، بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول ﴿وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾ الآية، هذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ وهو الشك، ﴿فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهو اليقين، وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك (١).
стр. 1872
وقال العوفي عن ابن عباس قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً﴾ يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس والحديد خبث، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله، كما يذهب هذا الزبد، وكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله، فمن عمل بالحق كان له وبقي، كما بقي ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار، فتأكل خبثه، ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك يضمحل الباطل، فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيزيغ الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق (١)، وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.
وقد ضرب في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين: ناريا ومائيا وهما قوله ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] الآية، ثم قال ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: ١٩] الآية، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين [أحدهما] قوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ﴾ الآية، والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين: فيقال لليهود يوم القيامة: فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضا (٢).
ثم قال تعالى في المثل الآخر: ﴿أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا، ورعوا، وسقوا، وزرعوا، وأصابت طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (٣) فهذا مثل مائي.
وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مثلي ومثلكم كمثل
стр. 1873
رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله، جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها-قال-: فذلكم مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني فتقتحمون فيها» (١) وأخرجاه في الصحيحين أيضا، فهذا مثل ناري.
[سورة الرعد (١٣): آية ١٨]
﴿لِلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)﴾
يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم ﴿الْحُسْنى﴾ وهو الجزاء الحسن، كقوله تعالى مخبرا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿أَمّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً﴾ [الكهف: ٨٧ - ٨٨]، وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ أي لم يطيعوا الله، ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ أي في الدار الآخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يقبل منهم، لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا ﴿أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ﴾ أي في الدار الآخرة. أي يناقشون على النقير (٢) والقطمير (٣)، والجليل والحقير، ومن نوقش الحساب عذب، ولهذا قال ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾.
[سورة الرعد (١٣): آية ١٩]
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)﴾
يقول تعالى لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هو الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية، ولا لبس فيه، ولا اختلاف فيه، بل هو كله حق يصدق بعضه بعضا، لا يضاد شيء منه شيئا آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] أي صدقا في الإخبار، وعدلا في الطلب، فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وقال في هذه الآية الكريمة:
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى﴾ أي أفهذا كهذا؟ لا استواء.
стр. 1874
وقوله: ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي إنما يتعظ ويعتبر ويعقل أولو العقول السليمة الصحيحة، جعلنا الله منهم.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٠ إلى ٢٤]
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ (٢٢) جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ (٢٤)﴾
يقول تعالى مخبرا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة بأن لهم عقبى الدار، وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ﴾ وليسوا كالمنافقين الذين إذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من صلة الأرحام والإحسان إليهم، وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي فيما يأتون وما يذرون من الأعمال، ويراقبون الله في ذلك، ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة، فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم، وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية.
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي عن المحارم والمآثم، ففطموا أنفسهم عنها لله ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها، على الوجه الشرعي المرضي ﴿وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أي على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب من فقراء ومحاويج ومساكين ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ أي في السر والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من الأحوال، آناء الليل وأطراف النهار ﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا، كقوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٥]، ولهذا قال مخبرا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار.
ثم فسر ذلك بقوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ والعدن الإقامة، أي جنات إقامة يخلدون فيها، وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن في الجنة قصرا يقال له عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.
وقال الضحاك في قوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾: مدينة الجنة، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد والجنات حولها، رواهما ابن جرير (١).
стр. 1875
وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أي يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر أعينهم بهم حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتنانا من الله وإحسانا من غير تنقيص للأعلى عن درجته، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [طور: ٢١] الآية.
وقوله ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي وتدخل عليهم الملائكة من هاهنا ومن هاهنا للتهنئة بدخول الجنة، فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين، مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام.
وقال الإمام أحمد (١) ﵀: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثنا معروف بن سويد الحراني عن أبي عشانة المعافري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء-قال-: فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾».
رواه أبو القاسم الطبراني عن أحمد بن رشدين، عن أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة سمع عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: «أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار، ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب : هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي، وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾.
وقال عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد: حدثنا أرطاة بن المنذر، سمعت رجلا من
стр. 1876
مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سماطان من خدم، وعند طرف السماطين باب مبوب، فيقبل الملك فيستأذن فيقول للذي يليه ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا، فيقول أقربهم للمؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له، حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف، رواه ابن جرير (١). ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الإلهاني قال: سمعت أبا أمامة فذكر نحوه. وقد جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان.
[سورة الرعد (١٣): آية ٢٥]
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ (٢٥)﴾
هذا حال الأشقياء وصفاتهم، وذكر ما لهم في الآخرة، ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل، وهؤلاء ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ كما ثبت في الحديث «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (٢). وفي رواية «وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» (٣)، ولهذا قال ﴿أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وهي الإبعاد عن الرحمة، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ وهي سوء العاقبة والمآل، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾.
وقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ﴾ الآية، قال: هي ست خصال في المنافقين، إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا.
[سورة الرعد (١٣): آية ٢٦]
﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ (٢٦)﴾
يذكر تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويقتر على من يشاء، لما له في ذلك
стр. 1877
من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجا لهم وإمهالا، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] ثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة، فقال: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ مَتاعٌ﴾، كما قال: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٧٧]. وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس، عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع» وأشار بالسبابة، رواه مسلم (٢) في صحيحه. وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ مر بجدي أسك ميت، والأسك الصغير الأذنين، فقال: «والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه» (٣).
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٢٧ إلى ٢٩]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾
يخبر تعالى عن قيل المشركين ﴿لَوْلا﴾ أي هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، كقولهم ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وأن الله قادر على إجابة ما سألوا، وفي الحديث إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهبا، وأن يجري لهم ينبوعا، وأن يزيح الجبال من حول مكة، فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا أعذبهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: «بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة» (٤).
ولهذا قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ أي هو المضل والهادي سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليس منوطا بذلك ولا عدمه، كما قال: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:١٠١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾
стр. 1878
﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١١١]، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ﴾ أي ويهدي إليه من أناب إلى الله ورجع إليه واستعان به وتضرع لديه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ﴾ أي تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرا، ولهذا قال: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي هو حقيق بذلك.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فرح وقرة عين. وقال عكرمة: نعم ما لهم. وقال الضحاك: غبطة لهم. وقال إبراهيم النخعي: خير لهم. وقال قتادة: هي كلمة عربية، يقول الرجل: طوبى لك، أي أصبت خيرا. وقال في رواية: طوبى لهم حسنى لهم، ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أي مرجع، وهذه الأقوال شيء واحد، لا منافاة بينها. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ قال: هي أرض الجنة بالحبشية (١)، وقال سعيد بن مسجوح: طوبى اسم الجنة بالهندية (٢)، وكذا روى السدي عن عكرمة: طوبى لهم هي الجنة، وبه قال مجاهد. وقال العوفي عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ وذلك حين أعجبته (٣).
وقال ابن جرير (٤): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب عن جعفر، عن شهر بن حوشب قال:
طوبى شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة، وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سليمان وأبي إسحاق السبيعي، وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار منها غصن منها. وذكر بعضهم أن الرحمن ﵎ غرسها بيده من حبة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة من عسل وخمر وماء ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب:
حدثنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، مرفوعا «طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» (٥).
وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا حسن بن موسى، سمعت عبد الله بن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أن رجلا قال:
стр. 1879
يا رسول الله: طوبى لمن رآك وآمن بك، قال: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني» قال له رجل: وما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرتها مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها». وروى البخاري ومسلم جميعا عن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة المخزومي عن وهيب عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» (١) قال:
فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال: حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال:
«إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها» (٢).
وفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال: «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها» (٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا فليح عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ (٤) [الواقعة: ٣٠]. أخرجاه في الصحيحين.
وفي لفظ لأحمد (٥) أيضا: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج، قالا: حدثنا شعبة: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين-أو مائة سنة-هي شجرة الخلد». وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ ذكر سدرة المنتهى، فقال: «يسير في ظل الغصن منها الراكب مائة سنة-أو قال- يستظل في الفنن (٦) منها مائة راكب، فيها فراش (٧) الذهب كأن ثمرها القلال» (٨) رواه الترمذي (٩).
وقال إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود
стр. 1880
قال: سمعت أبا أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء، إن شاء أبيض وإن شاء أحمر، وإن شاء أصفر، وإن شاء أسود مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن».
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (١): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁، قال: طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: تفتقي لعبدي عما شاء، فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة.
وقد روى ابن جرير (٢) عن وهب بن منبه هاهنا أثرا غريبا عجيبا، قال وهب ﵀: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرها رياط (٣)، وورقها برود (٤)، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة، بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنا، ووبرها كخز المرعزّى (٥) من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، فينيخونها يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه. قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجبا من غير مهنة (٦)، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى، ولا برك رحلة برك الأخرى، حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه.
قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول تعالى عند ذلك:
أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك. قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته، فيسألونه
стр. 1881
حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيها من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، وسأتحفك بمنزلتي لأنه ليس في عطائي نكد ولا تصريد (١).
قال: ثم يقول: اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال، قال:
فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب، مفرغة في كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك ويدخل إليهما فيحييانه، ويقبلانه، ويتعلقان به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلة التي أعدت له.
وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه، وزاد: فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية من الدر والمرجان، أبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور يفور من أبوابها، وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مسخر إذا لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر، وما كان فيها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر، وما كان فيها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر، مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء، قوائمها وأركانها من الجوهر، وشرفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غرف من المرجان.
فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم، قربت لهم براذين من ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تجنبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حكمة (٢) برذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء منظومة بالدر والياقوت، سروجها سرر موضونة (٣) مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك
стр. 1882
البراذين تزفّ (١) بهم ببطن رياض الجنة، فلما انتهوا إلى منازلهم، وجدوا الملائكة قعودا على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم، فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم، وما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان: جنتان ذواتا أفنان، وجنتان مدهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم، قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟.
قالوا: نعم وربنا. قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا رضينا فارض عنا. قال:
برضاي عنكم حللتم داري، ونظرتم إلى وجهي، وصافحتكم ملائكتي، فهنيئا لكم، ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ليس فيه تنغيص ولا تصريد، فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأدخلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب، ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور، وهذا سياق غريب، وأثر عجيب، ولبعضه شواهد.
ففي الصحيحين أن الله تعالى يقول لذلك الرجل يكون آخر أهل الجنة دخولا الجنة: تمنّ، فيتمنى، حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى: تمن من كذا، وتمن من كذا، يذكره، ثم يقول: ذلك لك وعشرة أمثاله (٢).
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ عن الله «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر» (٣). الحديث بطوله، وقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى، لها ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة، وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة، رواه ابن أبي حاتم.
[سورة الرعد (١٣): آية ٣٠]
﴿كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠)﴾
يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أي تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كذب الرسل من قبلك بهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾
стр. 1883
[النحل: ٦٣] الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] أي كيف نصرناهم، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ﴾ أي هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به، لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا: ما ندري ما الرحمن الرحيم، قاله قتادة، والحديث في صحيح البخاري. وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن» (١).
﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي هذا الذي تكفرون به، أنا مؤمن به معترف، مقر له بالربوبية والألوهية، هو ربي لا إله إلا هو ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي في جميع أموري، ﴿وَإِلَيْهِ مَتابِ﴾ أي إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.
[سورة الرعد (١٣): آية ٣١]
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١)﴾
يقول تعالى مادحا للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾ أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورهم، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به، جاحدون له ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ أي مرجع الأمور كلها إلى الله ، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد الله فما له من مضل، وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة، لأنه مشتق من الجميع.
قال الإمام أحمد (٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه. قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «خففت على داود القراءة فكان يأمر بدابته أن.
تسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه» انفرد
стр. 1884
بإخراجه البخاري (١). والمراد بالقرآن هو الزبور.
وقوله ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي من إيمان جميع الخلق ويعلموا، أو يتبينوا ﴿أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾ فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس.
من هذا القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله. وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» (٢)، معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، أنبأنا بشر بن عمارة، حدثنا عمر بن حسان عن عطية العوفي قال: قلت له: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ﴾ الآية، قالوا لمحمد ﷺ : لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع، فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيي الموتى لقومه، فأنزل الله هذه الآية، قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي ﷺ قال:
نعم عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، وكذا روى ابن عباس والشعبي وقتادة والثوري وغير واحد في سبب نزول هذه الآية، والله أعلم. وقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم (٣).
وقوله ﴿بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ قال ابن عباس: أي لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن ليفعل، رواه ابن إسحاق بسنده عنه، وقاله ابن جرير أيضا. وقال غير واحد من السلف في قوله ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أفلم يعلم الذين آمنوا، وقرأ آخرون: أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا. وقال أبو العالية: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعا. وقوله: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ﴾ أي بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم، ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٧] وقال ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤]. قال قتادة عن الحسن ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ﴾ أي القارعة (٤) وهذا هو الظاهر من السياق.
стр. 1885
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن قتادة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قال: سرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ﴾ قال محمد ﷺ : ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ قال «فتح مكة»، وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في رواية، وقال العوفي عن ابن عباس ﴿تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قال: عذاب من السماء ينزل عليهم ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ﴾ يعني نزول رسول الله ﷺ بهم وقتاله إياهم (١)، وكذا قال مجاهد وقتادة. وقال عكرمة في رواية عن ابن عباس ﴿قارِعَةٌ﴾ أي نكبة.
وكلهم قال ﴿حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ﴾ يعني فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة، وقوله:
﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ أي لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧].
[سورة الرعد (١٣): آية ٣٢]
﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢)﴾
يقول تعالى مسليا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي فلك فيهم أسوة ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي أنظرتهم وأجلتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذة رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨] وفي الصحيحين «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٢) [هود: ١٠٢].
[سورة الرعد (١٣): آية ٣٣]
﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)﴾
يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ أي حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ [الرعد: ١٠]، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧]، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] أفمن هو كذلك كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تبصر، ولا تعقل،
стр. 1886
ولا تملك نفعا لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه وهو قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ﴾ أي عبدوها معه من أصنام وأنداد وأوثان ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يعرفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، ولهذا قال: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لا وجود له، لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمها، لأنه لا تخفى عليه خافية ﴿أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ قال مجاهد: بظن من القول. وقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول، أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر وسميتموها آلهة ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ … ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ [النجم: ٢٣] قال مجاهد: قولهم أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥] الآية، ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ من قرأها بفتح الصاد معناه أنه لما زين لهم ما هم فيه، وأنه حق دعوا إليه، وصدوا الناس عن اتباع طريق الرسل، ومن قرأها بالضم أي بما زين لهم من صحة ما هم عليه، صدوا به عن سبيل الله، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ كما قال ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ [المائدة: ٤١] وقال ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [النحل: ٣٧].
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٤ إلى ٣٥]
﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ (٣٥)﴾
ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار، فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك ﴿لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي بأيدي المؤمنين قتلا وأسرا، ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ﴾ أي المدخر مع هذا الخزي في الدنيا ﴿أَشَقُّ﴾ أي من هذا بكثير، كما قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» (١) وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفا، ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً﴾ [الفرقان: ١١ - ]
стр. 1887
[١٥]، ولهذا قرن هذا بقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي صفتها ونعتها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها يفجرونها تفجيرا، أي يصرفونها كيف شاؤوا وأين شاؤوا، كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ﴾ [محمد: ١٥] الآية.
وقوله: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ أي فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع ولا فناء، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت (١)، فقال: «إني رأيت الجنة-أو أريت الجنة-فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» (٢).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا أبو عقيل عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة، قال له أبي بن كعب: يا رسول الله، صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما رأيناك كنت تصنعه، فقال: «إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه» (٣). وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر شاهدا لبعضه.
وعن عتبة بن عبد السلمي أن أعرابيا سأل النبي ﷺ عن الجنة، فقال: فيها عنب؟ قال: «نعم».
قال: فما عظم العنقود؟ قال: «مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر»، رواه الإمام أحمد (٤).
وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور، عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى». وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «يأكل أهل الجنة ويشربون، ولا يتمخطون ولا يتغوطون، ولا يبولون، طعامهم جشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس» رواه مسلم (٥).
وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن تمام بن عقبة، سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم: تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟
стр. 1888
قال: «نعم، والذي نفس محمد بيده، إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة». قال: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ قال: «تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه» (١) رواه الإمام أحمد والنسائي.
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويا» وجاء في بعض الأحاديث أنه إذا فرغ منه عاد طائرا كما كان بإذن الله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]، وقال ﴿وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: ١٤] وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ [النساء: ٥٧].
وقد تقدم في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها» (٢) ثم قرأ ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ليرغب في الجنة ويحذر من النار، ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر قال بعده: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾. كما قال تعالى:
﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].
وقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه: عباد الله، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من عبادتكم تقبلت منكم، أو أن شيئا من خطاياكم غفرت لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾، والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم، أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم ولا تنافسون في جنة ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ رواه ابن أبي حاتم.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٦ إلى ٣٧]
﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧)﴾
يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ وهم قائمون بمقتضاه ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ -إلى قوله- ﴿إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨] أي إن كان
стр. 1889
ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد ﷺ لحقا وصدقا مفعولا لا محالة وكائنا، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٩]، وقوله ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك. وقال مجاهد ﴿وَمِنَ الْأَحْزابِ﴾ أي اليهود والنصارى ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي بعض ما جاءك من الحق، وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا كما قال تعالى:
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآية، ﴿قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أي إنما بعثت بعبادة الله وحده لا شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبلي ﴿إِلَيْهِ أَدْعُوا﴾ أي إلى سبيله أدعو الناس ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي مرجعي ومصيري.
وقوله: ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا﴾ أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا، شرفناك به، وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ١١]. وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ﴾ أي آراءهم ﴿بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي من الله سبحانه ﴿ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ﴾ وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعد ما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٨ إلى ٣٩]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)﴾
يقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولا بشريا، كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشرا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجا وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠].
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١). وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا يزيد، أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن مكحول قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله ﷺ : «أربع من سنن المرسلين: التعطر والنكاح، والسواك، والحناء» (٣). وقد رواه أبو عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي الشمال، عن أبي
стр. 1890
أيوب فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو الشمال.
وقوله: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه بل إلى الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ أي لكل مدة مضروبة، كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠] وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ﴾ أي لكل كتاب أجل، يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله، ومقدار معين، فلهذا ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ منها، ﴿وَيُثْبِتُ﴾ يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه (١).
وقوله ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت، وفي رواية ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: كل شيء إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة، فإنهما قد فرغ منهما.
وقال مجاهد ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ إلا الحياة والموت والشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران (٢). وقال منصور: سألت مجاهدا، فقلت: أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم، واجعله في السعداء؟ فقال: حسن: ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ الآيتين، قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب السعادة والشقاوة فهو ثابت لا يغير (٣).
وقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء، فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، رواه ابن جرير (٤)، وقال ابن جرير أيضا: حدثنا عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن أبي حكيمة عصمة، عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.
стр. 1891
وقال حماد عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا. ورواه شريك عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عكيم، عن ابن مسعود بمثله. وقال ابن جرير (١): حدثني المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا خصاف عن أبي حمزة، عن إبراهيم، أن كعبا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ﴾ الآية، ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها، ويثبت منها ما يشاء.
وقد يستأنس لهذا القول بما ورواه الإمام احمد (٢): حدثنا وكيع، وحدثنا سفيان هو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» (٣)، ورواه النسائي وابن ماجة من حديث سفيان الثوري به.
وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي حديث آخر «إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض». وقال ابن جرير (٤): حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جرير عن عطاء، عن ابن عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت-والدفتان: لوحان-لله ، كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. وقال الليث بن سعد عن زيادة بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت» وذكر تمام الحديث، رواه ابن جرير (٥).
وقال الكلبي: يمحو الله ما يشاء ويثبت، قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي ﷺ ، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية، فقال: يكتب القول كله حتى إذ كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت، ودخلت وخرجت، ونحو ذلك من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب، وقال عكرمة عن ابن عباس: الكتاب كتابان، فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم
стр. 1892
الكتاب (١).
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ يقول:
هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله، فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت، وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ، وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب.
وقال قتادة في قوله: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ كقوله: ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها﴾ الآية. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: قالت كفار قريش لما نزلت ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ ما نرى محمدا يملك شيئا وقد فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدا لهم، إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فيمحو ما يشاء، ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم.
وقال الحسن البصري ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: من جاء أجله يذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله، وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير ﵀، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ قال: الحلال والحرام، وقال قتادة: أي جملة الكتاب وأصله، وقال الضحاك ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ قال: كتاب عند رب العالمين، وقال سنيد بن داود: حدثني معتمر عن أبيه، عن يسار، عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن أم الكتاب، فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، ثم قال لعلمه: كن كتابا فكان كتابا، وقال ابن جريج عن ابن عباس ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ قال: الذكر.
[سورة الرعد (١٣): الآيات ٤٠ إلى ٤١]
﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١)﴾
يقول تعالى لرسوله ﴿وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد، بعض الذي نعد أعداءك من الخزي والنكال في الدنيا ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي قبل ذلك، ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ أي إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله، وقد فعلت ما أمرت به ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ أي حسابهم وجزاؤهم، كقوله تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلاّ مَنْ تَوَلّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٦]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها﴾
стр. 1893
﴿مِنْ أَطْرافِها﴾ قال ابن عباس: أو لم يروا أنا نفتح لمحمد ﷺ الأرض بعد الأرض (١)، وقال في رواية: أو لم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية (٢).
وقال مجاهد وعكرمة: ننقصها من أطرافها، قال: خرابها. وقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين. وقال العوفي عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها. وقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض. وقال الشعبي: لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك (٣)، ولكن تنقص الأنفس والثمرات (٤)، وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانا تقعد فيه، ولكن هو الموت. وقال ابن عباس في رواية: خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها، وكذا قال مجاهد أيضا: هو موت العلماء، وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ سكن أصبهان، حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجري بمكة قال:
أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه: [الطويل] الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها … متى يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حلّ بها … وإن أبى عاد في أكنافها التلف
والقول الأول أولى، وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية، كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى﴾ الآية، وهذا اختيار ابن جرير.
[سورة الرعد (١٣): آية ٤٢]
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ (٤٢)﴾
يقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم وجعل العاقبة للمتقين، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٠ - ٥٢] الآيتين. وقوله: ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي أنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل عامل بعمله «وسيعلم الكافر»، والقراءة الأخرى ﴿الْكُفّارُ، لِمَنْ عُقْبَى الدّارِ﴾ أي لمن تكون الدائرة والعاقبة لهم أو لأتباع الرسل، كلا، بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة.
стр. 1894
[سورة الرعد (١٣): آية ٤٣]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)﴾
يقول تعالى: يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون: ﴿لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ أي ما أرسلك الله ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم. شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان، وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ قيل: نزلت في عبد الله بن سلام، قال مجاهد (١)، وهذا القول غريب، لأن هذه الآية مكية، وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي ﷺ المدينة، والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس قال: هم من اليهود والنصارى (٢)، وقال قتادة: منهم ابن سلام وسلمان وتميم الداري (٣)، وقال مجاهد في رواية عنه: هو الله تعالى، وكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام ويقول: هي مكية، وكان يقرؤها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ ويقول: من عند الله (٤)، وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري.
وقد روى ابن جرير (٥) من حديث هارون الأعور عن الزهري عن سالم، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾، ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات، قلت، وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من طريق هارون بن موسى هذا، عن سليمان بن أرقم، وهو ضعيف، عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا كذلك ولا يثبت، والله أعلم.
والصحيح في هذا أن ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧] الآية: وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] الآية، وأمثال ذلك مما فيه الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة.
قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة وهو كتاب جليل: حدثنا سليمان بن
стр. 1895
أحمد الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام أنه قال لأحبار اليهود: إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عيدا، فانطلق إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة، فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله ﷺ بمنى والناس حوله، فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله ﷺ قال: «أنت عبد الله بن سلام؟» قال قلت: نعم، قال «ادن».
قال: فدنوت منه. قال: «أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام، أما تجدني في التوراة رسول الله؟» فقلت له: انعت ربنا، قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله ﷺ فقال له: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] إلى آخرها، فقرأها علينا رسول الله ﷺ ، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة، فكتم إسلامه، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وأنا فوق نخلة لي أجذها، فألقيت نفسي، فقالت أمي: لله أنت، لو كان موسى بن عمران ما كان لك أن تلقي نفسك من رأس النخلة، فقلت: والله لأنا أسر بقدوم رسول الله ﷺ من موسى بن عمران إذ بعث، وهذا حديث غريب جدا. آخر تفسير سورة الرعد، ولله الحمد والمنة.