في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضا عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن يزيد بن هارون به. وقال الترمذي: حسن. وقد رواه البخاري (١) في المغازي عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة عن مصرف عن حميد عن أنس ﵁ به، ولم يذكر نزول الآية.
ورواه ابن جرير (٢) من حديث المعتمر بن سليمان عن حميد عن أنس ﵁ به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة ﵁ قال: لما أن رجع رسول الله ﷺ من أحد صعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وعزى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر، ثم قرأ هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ الآية كلها، فقام إليه رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت وعلي ثوبان أخضران حضرميان، فقال: «أيها السائل: هذا منهم» وكذا رواه ابن جرير (٣) من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به. وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضا، وابن جرير من حديث يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما ﵁ به.
وقال: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس. وقال أيضا: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا أبو عامر-يعني العقدي-حدثني إسحاق-يعني ابن طلحة بن عبيد الله-عن موسى بن طلحة قال: دخلت على معاوية ﵁، فلما خرجت دعاني فقال: ألا أضع عندك يا ابن أخي حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ؟ أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول «طلحة ممن قضى نحبه».
ورواه ابن جرير (٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي عن موسى بن طلحة قال: قام معاوية بن أبي سفيان ﵁ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول «طلحة ممن قضى نحبه» ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى:
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ يعني عهده ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قال يوما فيه القتال فيصدق في اللقاء.
وقال الحسن ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ يعني موته على الصدق والوفاء، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلا، وكذا قال قتادة وابن زيد. وقال بعضهم، نحبه نذره.
وقوله تعالى: ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ أي وما غيروا عهدهم وبدلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا
стр. 2802
على ما عاهدوا عليه وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا ﴿إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ … ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم حتى يعملوا بما يعلمه منهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلا به قبل وجوده، وكذا قال الله تعالى:
﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ولهذا قال تعالى هاهنا ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ أي بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه وقيامهم به ومحافظتهم عليه ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ﴾ وهم الناقضون لعهد الله المخالفون لأوامره فاستحقوا بذلك عقابه، وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا إن شاء استمر بهم على ما فعلوا حتى يلقوه فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان والعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان، ولما كانت رحمته ورأفته ﵎ بخلقه فهي الغالبة لغضبه قال ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾.
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٢٥]
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥)﴾
يقول تعالى مخبرا عن الأحزاب لما أجلاهم عن المدينة بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية، ولولا أن الله جعل رسوله رحمة للعالمين، لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العقيم التي أرسلها على عاد، ولكن قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] فسلط عليهم هواء فرق شملهم كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل من قبائل شتى أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحنقهم، ولم ينالوا خيرا لا في الدنيا مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة بما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول ﷺ بالعداوة وهمهم بقتله واستئصال جيشه، ومن هم بشيء وصدق همه بفعله، فهو في الحقيقة كفاعله.
وقوله ﵎: ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ أي لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم، بل كفى الله وحده ونصر عبده وأعز جنده، ولهذا كان رسول الله ﷺ يقول «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده» (١) أخرجاه من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ على
стр. 2803
الأحزاب فقال «اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» (١).
وفي قوله ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم. قال محمد بن إسحاق، لما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان رسول الله ﷺ هو يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله تعالى مكة، وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد (٢): حدثنا يحيى عن سفيان، حدثني أبو إسحاق قال: سمعت سليمان بن صرد ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» وهكذا رواه البخاري (٣) في صحيحه من حديث الثوري، وإسرائيل عن أبي إسحاق به.
وقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ أي بحوله وقوته ردهم خائبين لم ينالوا خيرا، وأعز الله الإسلام وأهله، وصدق وعده ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧]
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧)﴾
قد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد، وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري لعنه الله، دخل حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلون محمدا وأصحابه، فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك يا حيي إنك مشؤوم، فدعنا منك، فلم يزل يفتل في الذروة والغارب حتى أجابه، واشترط له حيي إن ذهب الأحزاب ولم يكن من أمرهم شيء أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نقضت قريظة، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ ساءه وشق عليه وعلى المسلمين جدا.
فلما أيده الله تعالى ونصره وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة مؤيدا منصورا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول الله ﷺ يغتسل
стр. 2804
من وعثاء تلك المرابطة في بيت أم سلمة ﵂، إذ تبدى له جبريل ﵊ معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال ﷺ «نعم» قال لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم.
ثم قال: إن الله ﵎ يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة، وفي رواية فقال له: عذيرك من مقاتل أوضعتم السلاح؟ قال «نعم» قال لكنا لم نضع أسلحتنا بعد انهض إلى هؤلاء، قال ﷺ «أين؟» قال: بني قريظة، فإن الله تعالى أمرني أن أزلزل عليهم، فنهض رسول الله ﷺ من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال ﷺ «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله ﷺ ، إلا تعجيل المسير.
وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة، فلم يعنف واحدا من الفريقين، وتبعهم رسول الله ﷺ ، وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم ﵁، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب ﵁، ثم نازلهم رسول الله ﷺ وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما طال عليه الحال، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس ﵁، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما فعل عبد الله بن أبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله ﷺ ، فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك، ولم يعلموا أن سعدا ﵁ كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق، فكواه رسول الله ﷺ في أكحله وأنزله في قبة المسجد ليعوده من قريب.
وقال سعد ﵁ فيما دعا به، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فأفجرها، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستجاب الله تعالى دعاءه، وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبا من تلقاء أنفسهم فعند ذلك استدعاه رسول الله ﷺ من المدينة ليحكم فيهم، فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه، جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد إنهم مواليك فأحسن فيهم، ويرققونه عليهم ويعطفونه وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال ﵁: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم.
فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ «قوموا إلى سيدكم» فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله ﷺ «إن هؤلاء-وأشار إليهم-قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت» فقال ﵁: وحكمي نافذ عليهم؟ قال ﷺ «نعم». قال وعلى من في هذه الخيمة؟ قال «نعم». قال وعلى من هاهنا وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله، وهو معرض
стр. 2805
بوجهه عن رسول الله ﷺ إجلالا وإكراما وإعظاما، فقال له رسول الله ﷺ «نعم». فقال ﵁: إني أحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذريتهم وأموالهم، فقال له رسول الله ﷺ «لقد حكمت بحكم الله تعالى من فوق سبع أرقعة»، وفي رواية «لقد حكمت بحكم الملك»، ثم أمر رسول الله ﷺ بالأخاديد فخدت في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم ينبت منهم مع النساء وأموالهم، وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة الذي أفردناه موجزا وبسيطا، ولله الحمد والمنة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديما طمعا في اتباع النبي الأمي الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فعليهم لعنة الله.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ يعني حصونهم، كذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم من السلف، ومنه سمي صياصي البقر، وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها، ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ وهو الخوف، لأنهم كانوا مالؤوا المشركين على حرب النبي ﷺ ، وليس من يعلم كمن لا يعلم، وأخافوا المسلمين وراموا قتالهم ليعزوا في الدنيا، فانعكس عليهم الحال، وانقلبت إليهم القتال، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا العز ذلوا، وأرادوا استئصال المسلمين فاستئصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ فالذين قتلوا هم المقاتلة والأسراء هم الأصاغر والنساء.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا هشيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي قال: عرضت على النبي ﷺ يوم قريظة، فشكوا في، فأمر بي النبي ﷺ أن ينظروا هل أنبت بعد، فنظروني فلم يجدوني أنبت، فخلي عني وألحقني بالسبي (٢)، وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق عن عبد الملك بن عمير به. وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه النسائي أيضا من حديث ابن جريج عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن عطية بنحوه. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ أي جعلها لكم من قتلكم لهم ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها﴾ قيل: خيبر، وقيل مكة، رواه مالك عن زيد بن أسلم وقيل فارس والروم، وقال ابن جرير يجوز أن يكون الجميع مرادا ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾.
стр. 2806
قال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة ﵂ قالت: خرجت يوم الخندق أقفوا الناس فسمعت وئيد الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ ﵁، ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة، قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد ﵁ وعليه درع من حديد قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت وكان سعد ﵁ من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول [رجز]:
لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل … ما أحسن الموت إذا حان الأجل (٢)
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب ﵁ وفهيم رجل عليه تسبغة له، تعني المغفر، فقال عمر ﵁: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز؟ قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ، فدخلت فيها، فرفع الرجل التسبغة عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله ﵁، فقال: يا عمر ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله تعالى؟ قالت: ورمى سعدا ﵁ رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له، وقال له:
خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله فقطعه، فدعا الله تعالى سعد ﵁ فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت:
فرقأ كلمه وبعث الله تعالى الريح على المشركين ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد ﵁ في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أوقد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم.
قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته، وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، فمر على بني تميم وهم جيران المسجد، فقال «من مر بكم؟» قالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية الكلبي يشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵊، فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم إنه الذبح، قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ
стр. 2807
﵁، فقال رسول الله ﷺ «انزلوا على حكم سعد بن معاذ» فنزلوا، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ ﵁، فأتى به على حمار عليه إكاف من ليف قد حمل عليه، وحف به قومه فقالوا: يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك، وأهل النكاية ومن قد علمت.
قالت: فلا يرجع إليهم شيئا ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم. قال: قال أبو سعيد فلما طلع، قال رسول الله ﷺ «قوموا إلى سيدكم فأنزلوه» فقال عمر ﵁: سيدنا الله، قال «أنزلوه» فأنزلوه، قال رسول الله ﷺ «احكم فيهم» قال سعد ﵁: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله ﷺ «لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله» ثم دعا سعد ﵁، فقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قال: فانفجر كلمه وكان قد برئ منه إلا مثل الخرص، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله.
قالت عائشة ﵂: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄، قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر ﵁ من بكاء عمر ﵁ وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ قال علقمة: فقلت أي أمه، فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته ﷺ (١)، وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ نحوا من هذا، ولكنه أخصر منه، وفيه دعا سعد ﵁.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾
هذا أمر من الله ﵎ لرسوله ﷺ بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن ﵅ وأرضاهن الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة. قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه، قالت: فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري
стр. 2808
أبويك» وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: «إن الله تعالى قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾» إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟ وكذا رواه معلقا عن الليث، حدثني يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ فذكره، وزاد: قالت ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت، وقد حكى البخاري (١) أن معمرا اضطرب فيه، فتارة رواه عن الزهري عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: قالت عائشة ﵂: لما نزل الخيار قال لي رسول الله ﷺ : «إني أريد أن أذكر لك أمرا، فلا تقضي فيه شيئا حتى تستأمري أبويك» قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال فرده عليها، فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قالت فقرأ ﷺ عليها ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة، قالت: ففرح بذلك النبي ﷺ .
وحدثنا ابن وكيع، حدثنا محمد بن بشر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت: لما نزلت آية التخيير بدأ بي رسول الله ﷺ فقال: «يا عائشة إني عارض عليك أمرا فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأم رومان ﵄» فقالت: يا رسول الله وما هو؟ قال ﷺ : «قال الله : ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ولا أؤامر في ذلك أبوي أبا بكر وأم رومان ﵄. فضحك رسول الله ﷺ ثم استقرأ الحجر فقال: «إن عائشة ﵂ قالت كذا وكذا» فقلن: ونحن نقول مثلما قالت عائشة ﵅ كلهن. رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة عن محمد بن عمرو به.
قال ابن جرير (٣): وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ لما نزل على نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل علي فقال: «سأذكر لك أمرا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك» فقلت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «إني أمرت أن أخيركن» وتلا عليها آية التخيير إلى آخر الآيتين، قالت: فقلت وما الذي تقول: لا تعجلي حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله
стр. 2809
ورسوله. فسر ﷺ بذلك، وعرض على نسائه فتتابعن كلهن، فاخترن الله ورسوله ﷺ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل عن الزهري، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس ﵄ قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال ﷺ : «إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تعجلي حتى تستأمري أبويك» قالت، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت ثم قال: «إن الله ﵎ قال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ الآيتين، قالت عائشة ﵂: فقلت أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن ما قالت عائشة ﵅ (١)، وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ مثله.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: خيرنا رسول الله ﷺ ، فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئا (٣)، أخرجاه من حديث الأعمش وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر ﵁، فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر ﵄، فدخلا والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه، وهو ﷺ ساكت، فقال عمر ﵁: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد-امرأة عمر-سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: «هن حولي يسألنني النفقة» فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده، فنهاهما رسول الله ﷺ ، فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده، قال: وأنزل الله الخيار، فبدأ بعائشة ﵂ فقال: «إني أذكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك» قالت:
وما هو؟ قال: فتلا عليها: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ﴾ الآية، قالت عائشة ﵂:
أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال ﷺ : «ان الله تعالى لم يبعثني معنفا، ولكن بعثني معلما ميسرا، لا تسألني
стр. 2810
امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها» (١) انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، فرواه هو والنسائي من حديث زكريا بن إسحاق المكي به.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا علي بن هشام بن البريد عن محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن عثمان بن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ خير نساءه الدنيا والآخرة ولم يخيرهن الطلاق (٢)، وهذا منقطع.
وقد روي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك، وهو خلاف الظاهر من الآية، فإنه قال:
﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ أي أعطيكن حقوقكن وأطلق سراحكن، وقد اختلف العلماء في جواز تزوج غيره لهن لو طلقهن على قولين، أصحهما نعم لو وقع ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم. قال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة وحفصة وأم حبيب وسودة وأم سلمة ﵅، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حيي النضيرية وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ وأرضاهن جميعا.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٠ إلى ٣١]
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١)﴾
يقول الله تعالى واعظا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله ﷺ فناسب أن يخبرهن بحكمهن وتخصيصهن دون سائر النساء بأن من يأت منهن بفاحشة مبينة. قال ابن عباس ﵄: وهي النشوز وسوء الخلق، وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وكقوله : ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [الزمر: ٤] فلما كانت محلتهن رفيعة ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظا صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال مالك عن زيد بن أسلم ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قال: في الدنيا والآخرة، وعن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ أي سهلا هينا، ثم ذكر عدله
стр. 2811
وفضله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي ويستجب ﴿نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ أي في الجنة فإنهن في منازل رسول الله ﷺ في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)﴾
هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ﷺ ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطبا لنساء النبي ﷺ بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال السدي وغيره:
يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي دغل ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ قال ابن زيد: قولا حسنا جميلا معروفا في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.
وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أي الزمن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه كما قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن وهن تفلات» (١) وفي رواية «وبيوتهن خير لهن» (٢).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا أبو رجاء الكلبي روح بن المسيب ثقة، حدثنا ثابت البناني عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول الله فقلن:
يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله ﷺ : «من قعدت-أو كلمة نحوها-منكن في بيتها، فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى» ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب، وهو رجل من أهل البصرة مشهور.
وقال البزار أيضا: حدثنا محمد المثنى، حدثني عمرو بن عاصم، حدثنا همام عن قتادة عن مورّق عن أبي الأحوص عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة عورة، فإذا
стр. 2812
خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها» رواه الترمذي (١) عن بندار عن عمرو بن عاصم به نحوه. وروى البزار بإسناده المتقدم وأبو داود أيضا عن النبي ﷺ قال «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها» (٢) وهذا إسناد جيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية. وقال قتادة ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ يقول: إذا خرجتن من بيوتكن وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقال مقاتل بن حيان ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.
وقال ابن جرير (٣): حدثني ابن زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبي الفرات، حدثنا علي بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: تلا هذه الآية ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا، وفي النساء دمامة. وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس لعنه الله أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر نفسه منه فكان يخدمه، فاتخذ إبليس شيئا من مثل الذي يرمز فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرج النساء للرجال، قال ويتزين الرجال لهن، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن فنزلوا معهن، وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قول الله تعالى:
﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ نهاهن أولا عن الشر ثم أمرهن بالخير من إقامة الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهذا من باب عطف العام على الخاص. وقوله تعالى:
﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا، لأنهن سبب نزول هذه الآية وسبب النزول داخل فيه قولا واحدا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح. وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في
стр. 2813
السوق ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة. وهكذا روى ابن أبي حاتم قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحبّاب حدثنا حسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ قال: نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة. وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي ﷺ ، فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففيه نظر، فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:
[الحديث الأول]: قال الإمام أحمد (١): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ﵂ ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر يقول: «الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾» رواه الترمذي (٢) عن عبد بن حميد عن عفان به. وقال: حسن غريب.
[حديث آخر] قال ابن جرير (٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس عن أبي إسحاق، أخبرني أبو داود عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله ﷺ قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة ﵄، فقال: «الصلاة الصلاة، ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾» أبو داود الأعمى هو نفيع بن الحارث كذاب.
[حديث آخر] وقال الإمام أحمد (٤) أيضا: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدثنا شداد أبو عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع ﵁. وعنده قوم، فذكروا عليا ﵁ فشتموه، فشتمه معهم، فلما قاموا قال لي: شتمت هذا الرجل؟ قلت: قد شتموه فشتمته معه، ألا أخبركم بما رأيت من رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة ﵂ أسألها عن علي ﵁، فقالت: توجه إلى رسول الله ﷺ فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله ﷺ ومعه علي وحسن وحسين ﵃، آخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل فأدنى عليا وفاطمة ﵄، وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا ﵄ كل واحد منها على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه أو قال كساءه، ثم تلا ﷺ هذه الآية ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ وقال: «اللهم هؤلاء
стр. 2814
أهل بيتي، وأهل بيتي أحق».
وقد رواه أبو جعفر بن جرير (١) عن عبد الكريم بن أبي عمير عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره قال واثلة ﵁: فقلت وأنا-يا رسول الله صلى الله عليك-من أهلك؟ قال ﷺ : «وأنت من أهلي» قال واثلة ﵁: وإنها من أرجى ما أرتجي، ثم رواه أيضا عن عبد الأعلى بن واصل عن الفضل بن دكين، عن عبد السلام بن حرب عن كلثوم المحاربي عن شداد بن أبي عمار قال: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع ﵁، إذ ذكروا عليا ﵁ فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه إني عند رسول الله ﷺ إذ جاء علي وفاطمة وحسن وحسين ﵃، فألقى ﷺ عليهم كساء له ثم قال لهم: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قلت: يا رسول الله وأنا؟ قال ﷺ : «وأنت» قال: فوالله إنها لأوثق عمل عندي.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٢): حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح، حدثني من سمع أم سلمة ﵂ تذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة ﵂ ببرمة فيها خزيرة، فدخلت عليه بها فقال ﷺ لها: «ادعي زوجك وابنيك» قالت: فجاء علي وحسن وحسين ﵃، فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة وهو على منامة له، وكان تحته ﷺ كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلي، فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ قالت ﵂: فأخذ ﷺ فضل الكساء فغطاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال ﷺ :
«إنك إلى خير، إنك إلى خير» في إسناده من لم يسم وهو شيخ عطاء، وبقية رجاله ثقات.
[طريق أخرى] قال ابن جرير (٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقداد، حدثنا سعيد بن زربي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن أم سلمة ﵂ قالت: جاءت فاطمة ﵂ إلى رسول الله ﷺ ببرمة لها قد صنعت فيها عصيدة، تحملها على طبق، فوضعتها بين يديه ﷺ فقال: «أين ابن عمك وابناك؟» فقالت ﵂ في البيت، فقال ﷺ : «ادعيهم» فجاءت إلى علي ﵁ فقالت: أجب رسول الله ﷺ أنت وابناك، قالت أم سلمة ﵂: فلما رآهم مقبلين مد ﷺ يده إلى كساء كان على المنامة، فمده
стр. 2815
وبسطه وأجلسهم عليه ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه فقال «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا».
[طريق أخرى] قال ابن جرير (١): حدثنا ابن حميد حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا علي بن أبي طالب ﵁ عند أم سلمة ﵂ فقالت: في بيتي نزلت ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ قالت أم سلمة: جاء رسول الله ﷺ إلى بيتي فقال: «لا تأذني لأحد» فجاءت فاطمة ﵂، فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها، ثم جاء الحسن ﵁، فلم أستطع أن أمنعه أن يدخل على جده وأمه، ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه عن جده ﷺ وأمه ﵂ ثم جاء علي ﵁، فلم أستطع أن أحجبه، فاجتمعوا فجللهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا؟ قالت: فوالله ما أنعم، وقال: «إنك إلى خير».
[طريق أخرى] قال الإمام أحمد (٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف عن أبي المعدل عن عطية الطفاوي عن أبيه قال: إن أم سلمة ﵂ حدثته قالت: بينما رسول الله ﷺ :
في بيتي يوما إذ قالت الخادم: إن فاطمة وعليا ﵄ بالسدة، قالت: فقال لي رسول الله ﷺ «قومي فتنحي عن أهل بيتي» قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبا، فدخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين ﵃، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليا ﵁ بإحدى يديه، وفاطمة ﵂ باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل عليا: وأغدق عليهم خميصة سوداء، وقال «اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي» قالت: فقلت وأنا يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «وأنت».
[طريق أخرى] قال ابن جرير (٣): حدثنا أبو كريب حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة ﵂ قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتي ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ قالت: وأنا جالسة على باب البيت، فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال ﷺ : «إنك إلى خير، أنت من أزواج النبي ﷺ قالت: وفي البيت رسول الله ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃.
[طريق أخرى] رواها ابن جرير (٤) أيضا عن أبي كريب عن وكيع عن عبد الحميد بن بهرام
стр. 2816
عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ﵂.
[طريق أخرى] قال ابن جرير (١): حدثنا أبو كريب حدثنا خالد بن مخلد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وهب بن زمعة قال:
أخبرتني أم سلمة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ جمع عليا وفاطمة والحسن والحسين ﵃، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ثم قال: «هؤلاء أهل بيتي» قالت أم سلمة ﵂: فقلت يا رسول الله أدخلني معهم، فقال ﷺ : «أنت من أهلي».
[طريق أخرى] رواها ابن جرير (٢) أيضا عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة عن أمه ﵂ بنحو ذلك.
[حديث آخر] قال ابن جرير (٣): حدثنا وكيع قال: حدثنا محمد بن بشير عن زكريا عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: خرج النبي ﷺ ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن ﵁ فأدخله معه، ثم جاء الحسين فأدخله معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه ثم جاء علي ﵁ فأدخله معه، ثم قال ﷺ : ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به.
[طريق أخرى] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سريج بن يونس أبو الحارث، حدثنا محمد بن يزيد عن العوام يعني ابن حوشب ﵁ عن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة ﵂ فسألتها عن علي ﵁، فقالت ﵂: تسألني عن رجل من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ ، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ﵃، فألقى عليهم ثوبا فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا» قالت: فدنوت منهم فقلت: يا رسول الله، وأنا من أهل بيتك؟ فقال ﷺ : «تنحي فإنك على خير».
[حديث آخر] قال ابن جرير (٤): حدثنا ابن المثنى، حدثنا بكر بن يحيى بن زبان العنزي، حدثنا مندل عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة
стр. 2817
﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾» قد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة ﵂ كما تقدم، وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد العجلي عن عطية عن أبي سعيد ﵁ موقوفا، والله أعلم.
[حديث آخر] قال ابن جرير (١): حدثنا ابن المثنى، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا بكير بن مسمار قال: سمعت عامر بن سعد ﵁ قال: قال سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليا وابنيه وفاطمة ﵃، فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال: «رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي».
[حديث آخر] وقال مسلم (٢) في صحيحه: حدثني زهير بن حرب وشجاع بن مخلد، عن ابن علية، قال زهير: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أبو حيان حدثني يزيد بن حبان قال:
انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلمة إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ ، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا تكلفونيه.
ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما خطيبا بماء يدعى خما، بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله تعالى، فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» ثلاثا، فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ﵃، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة بعده؟ قال: نعم.
ثم رواه عن محمد بن بكار بن الريان عن حسان بن إبراهيم عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم ﵁، فذكر الحديث بنحو ما تقدم، وفيه فقلت له: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، وايم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده.
هكذا وقع في هذه الرواية، والأولى أولى والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنه أراد
стр. 2818
تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حرموا الصدقة، أو أنه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح جمعا بينهما وبين الرواية التي قبلها، وجمعا أيضا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرا، والله أعلم، ثم الذي لا شك فيه من تدبر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي واعملن بما ينزل الله ﵎ على رسوله ﷺ في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قتادة وغير واحد.
واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس، أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة الصديقة بنت الصديق ﵄ أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه. قال بعض العلماء ﵀: لأنه لم يتزوج بكرا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه ﷺ ورضي الله عنها، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه المرتبة العليا، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث «وأهل بيتي أحق». وهذا ما يشبه ما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: «هو مسجدي هذا» (١) فهذا من هذا القبيل، فإن الآية إنما نزلت في مسجد قباء كما ورد في الأحاديث الأخر، ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى بتسميته بذلك، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي جميلة قال: إن الحسن بن علي ﵄ استخلف حين قتل علي ﵄، قال: فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجره، وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن ﵁ ساجد. قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه، فمرض منها أشهرا ثم برأ، فقعد على المنبر فقال: يا أهل العراق اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ قال فما زال يقولها حتى ما بقي أحد في المسجد إلا وهو يحن بكاء.
وقال السدي عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين ﵄ لرجل من الشام:
стр. 2819
أما قرأت في الأحزاب ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾؟ فقال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ أي بلطفه بكن، بلغتن هذه المنزلة، وبخبرته بكن وأنكن أهل لذلك أعطاكن ذلك وخصكن بذلك. قال ابن جرير ﵀: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله تعالى على ذلك واحمدنه ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ أي ذا لطف بكن، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آيات الله والحكمة، وهي السنة. خبيرا بكن إذ اختاركن لرسوله وقال قتادة ﴿وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: يمتن عليهن بذلك، رواه ابن جرير. وقال عطية العوفي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ يعني لطيفا باستخراجها خبيرا بموضعها، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وكذا روي عن الربيع بن أنس عن قتادة.
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٥]
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)﴾
قال الإمام أحمد (١): حدثنا عفان: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عثمان بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرعني منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، وأنا أسرح شعري، فلففت شعري ثم خرجت إلى حجرتي حجرة بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد فإذا هو يقول عند المنبر «يا أيها الناس إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾» إلى آخر الآية، وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد به مثله.
[طريق أخرى عنها] قال النسائي أيضا: حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا سويد، أخبرنا عبد الله بن شريك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أم سلمة ﵂، أنها قالت للنبي ﷺ : يا نبي الله ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يذكرون؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب حدثه عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية.
[طريق أخرى] قال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قالت أم سلمة
стр. 2820
﵂: يا رسول الله يذكر الرجال ولا نذكر، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية.
[حديث آخر] قال ابن جرير (١): حدثنا أبو كريب قال: حدثنا سيار بن مظاهر العنزي، حدثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: قال النساء للنبي ﷺ : ما له يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل لله تعالى:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الآية، وحدثنا بشر حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: دخل نساء على نساء النبي ﷺ فقلن: قد ذكر كن الله تعالى في القرآن ولم نذكر بشيء أما فينا ما.
يذكر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ (٢) الآية، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ دليل على أن الإيمان غير الإسلام، وهو أخص منه لقوله تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وفي الصحيحين «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٣) فيسلبه الإيمان ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنه أخص منه كما قررناه أولا في شرح البخاري.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾ القنوت هو الطاعة في سكون ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩] وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فالإسلام بعده مرتبة يرتقي إليها وهو الإيمان، ثم القنوت ناشئ عنهما ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾ هذا في الأقوال، فإن الصدق خصلة محمودة ولهذا كان بعض الصحابة ﵃ لم تجرب عليهم كذبة لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو علامة على الإيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا، «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإن.
الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (٤).
والأحاديث فيه كثيرة جدا، ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ﴾ هذه سجية الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدر كائن لا محالة وتلقي ذلك بالصبر عند الصدمة الأولى، أي
стр. 2821
أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه وهو صدق السجية وثباتها ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾ الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته، كما في الحديث «اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (١).
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾ الصدقة هي الإحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء الذين لا كسب لهم ولا كاسب يعطون من فضول الأموال طاعة لله وإحسانا إلى خلقه. وقد ثبت في الصحيحين «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله-فذكر منهم-ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» (٢) وفي الحديث الآخر «والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (٣). والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدا له موضع بذاته.
﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ وفي الحديث الذي رواه ابن ماجة «والصوم زكاة البدن» (٤) أي يزكيه ويطهره وينقيه من الأخلاط الرديئة طبعا وشرعا، كما قال سعيد بن جبير: من صام رمضان وثلاثة أيام من كل شهر دخل في قوله تعالى: ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة، كما قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» (٥) ناسب أن يذكر بعده ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾ أي عن المحارم والمآثم إلا عن المباح كما قال : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا محمد بن جابر عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كتبا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات» (٦) وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث الأعمش عن الأغر أبي مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄
стр. 2822
عن النبي ﷺ بمثله.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قلت يا رسول الله أي العباد أفضل درجة عند الله تعالى يوم القيامة؟ قال ﷺ : «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» قال: قلت يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله تعالى؟ قال: «لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويتخضب دما، لكان الذاكرون الله تعالى أفضل منه».
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة، فأتى على جمدان فقال «هذا جمدان سيروا فقد سبق المفردون» قالوا: وما المفردون؟ قال ﷺ «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» ثم قال ﷺ «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا: والمقصرين؟ قال ﷺ «اللهم اغفر للمحلقين» قالوا، والمقصرين؟ قال: «والمقصرين» تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم دون آخره.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: إنه بلغني عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال:
قال رسول الله ﷺ «ما عمل آدمي عملا قط أنجى له من عذاب الله تعالى من ذكر الله » وقال معاذ ﵁: قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدا فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال ﷺ «ذكر الله ».
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: إن رجلا سأله فقال: أي المجاهدين أعظم أجرا يا رسول الله؟ قال ﷺ «أكثرهم لله تعالى ذكرا» قال: فأي الصائمين أكثر أجرا؟ قال ﷺ «أكثرهم لله ذكرا» ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة. كل ذلك يقول رسول الله «أكثرهم لله ذكرا» فقال أبو بكر لعمر ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير، فقال رسول الله ﷺ «أجل». وسنذكر إن شاء الله تعالى بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢] الآية، إن شاء الله تعالى. وقوله تعالى:
стр. 2823
﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ خبر عن هؤلاء المذكورين كلهم أي أن الله تعالى قد أعد لهم أي هيأ لهم مغفرة منه لذنوبهم وأجرا عظيما وهو الجنة.
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٦]
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦)﴾
قال العوفي عن ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة ﵁، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية ﵂ فخطبها، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله ﷺ «بلى فانكحيه» قالت: يا رسول الله أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله ﷺ : ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ الآية، قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحا؟ قال رسول الله ﷺ : «نعم» قالت: إذا لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي (١).
وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ﵁ فاستنكفت منه وقالت: أنا خير منه حسبا، وكانت امرأة فيها حدة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية كلها (٢)، وهكذا قال مجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان أنها نزلت في زينب بنت جحش ﵂ حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة ﵁، فامتنعت ثم أجابت.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ وكانت أول من هاجر من النساء، يعني بعد صلح الحديبية، فوهبت نفسها للنبي ﷺ ، فقال:
قد قبلت، فزوجها زيد بن حارثة ﵁-بعد فراقه زينب، فسخطت هي وأخوها وقالا:
إنما أردنا رسول الله ﷺ فزوجنا عبده، قال: فنزل القرآن ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ إلى آخر الآية، قال: وجاء أمر أجمع من هذا ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: فذاك خاص وهذا إجماع (٣).
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ثابت البناني عن أنس ﵁، قال: خطب النبي ﷺ على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، فقال النبي ﷺ «فنعم إذا» قال: فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها، قالت: لاها الله ذا ما
стр. 2824
وجد رسول الله ﷺ إلا جليبيبا وقد منعناها من فلان وفلان، قال: والجارية في سترها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله ﷺ أمره، إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه، قال: فكأنها جلت عن أبويها، وقالا:
صدقت فذهب أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كنت رضيته فقد رضيناه، قال ﷺ «فإني قد رضيته» قال: فزوجها، ثم فزع أهل المدينة فركب جليبيب، فوجدوه قد قتل وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس ﵁: فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بيت بالمدينة.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا عفان، حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن ثابت عن كنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي قال: إن جليبيبا كان امرأ يدخل على النساء يمر بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي: لا يدخلن اليوم عليكن جليبيبا فإنه إن دخل عليكن لأفعلن ولأفعلن، قالت: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي ﷺ فيها حاجة أم لا، فقال النبي ﷺ لرجل من الأنصار «زوجني ابنتك» قال: نعم وكرامة يا رسول الله ونعمة عين، فقال ﷺ : «إني لست أريدها لنفسي» قال: فلمن يا رسول الله؟ قال ﷺ «لجليبيب» فقال: يا رسول الله أشاور أمها، فأتى أمها، فقال: رسول الله ﷺ يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونعمة عين، فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه إنما يخطبها لجليبيب، فقالت:
أجليبيب إنيه أجليبيب إنيه؟ ألا لعمر الله لا نزوجه، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله ﷺ فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها، قالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ ادفعوني إليه، فإنه لن يضيعني، فانطلق أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال:
شأنك بها فزوجها جليبيبا.
قال: فخرج رسول الله ﷺ في غزوة له، فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه ﵃ «هل تفقدون من أحد»؟ قالوا: نفقد فلانا ونفقد فلانا، قال ﷺ «انظروا هل تفقدون من أحد» قالوا: لا. قال ﷺ : «لكنني أفقد جليبيبا» قال ﷺ «فاطلبوه في القتلى» فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فقالوا: يا رسول الله ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فأتاه رسول الله ﷺ فقام عليه فقال «قتل سبعة وقتلوه، هذا مني وأنا منه» مرتين أو ثلاثا، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه وحفر له ماله سرير إلا ساعد النبي ﷺ ، ثم وضعه في قبره ولم يذكر أنه غسله ﵁، قال ثابت ﵁: فما كان في الأنصار أيم أنفق منها. وحديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ ؟ فقال: قال «اللهم صب عليها الخير صبا ولا تجعل عيشها كدا» وكذا كان، فما كان في الأنصار أيم أنفق منها.
стр. 2825
هكذا أورده الإمام أحمد بطوله، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله. وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب أن الجارية لما قالت في خدرها: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ نزلت هذه الآية ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
وقال ابن جريج: أخبرني عامر بن مصعب عن طاوس قال: إنه سأل ابن عباس عن ركعتين بعد العصر فنهاه، وقرأ ابن عباس ﵁ ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هنا، ولا رأي ولا قول، كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: ٦٥] وفي الحديث «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٧]
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً (٣٧)﴾
يقول تعالى مخبرا عن نبيه ﷺ أنه قال لمولاه زيد بن حارثة ﵁ وهو الذي أنعم الله عليه أي بالإسلام ومتابعة الرسول ﷺ ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أي بالعتق من الرق، وكان سيدا كبير الشأن جليل القدر حبيبا إلى النبي ﷺ يقال له الحب، ويقال لابنه أسامة الحب ابن الحب، قالت عائشة ﵂: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلا أمره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه، رواه الإمام أحمد (١) عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد عن وائل بن داود عن عبد الله البهي عنها.
وقال البزار: حدثنا خالد بن يوسف، حدثنا أبو عوانة، ح وحدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو داود حدثنا أبو عوانة، أخبرني عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: حدثني أسامة بن زيد ﵄ قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعلي بن أبي طالب ﵄:
فقالا: يا أسامة استأذن لنا على رسول الله ﷺ قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقلت: علي والعباس يستأذنان، فقال ﷺ : «أتدري ما حاجتهما؟» قلت: لا يا رسول الله، قال ﷺ :
стр. 2826
«لكني أدري» قال: فأذن لهما، قالا: يا رسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟ قال ﷺ «أحب أهلي إلي فاطمة بنت محمد» قالا: يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة، قال ﷺ «فأسامة بن زيد بن حارثة الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه».
وكان رسول الله ﷺ قد زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية ﵂، وأمها أميمة بنت عبد المطلب، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهما، وخمارا وملحفة ودرعا، وخمسين مدا من طعام وعشرة أمداد من تمر، قاله مقاتل بن حيان، فمكث عنده قريبا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ ، فجعل رسول الله ﷺ يقول له: «أمسك عليك زوجك واتق الله» قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير هاهنا آثارا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها فلا نوردها.
وقد روى الإمام أحمد هاهنا أيضا حديثا من رواية حماد بن زيد عن ثابت، عن أنس ﵁ فيه غرابة تركنا سياقه أيضا. وقد روى البخاري (١) أيضا بعضه مختصرا فقال:
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا معلى بن منصور عن حماد بن زيد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في زيد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك ﵁. قال: إن هذه الآية ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ﵄.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم مرزوق، حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين ﵄ ما يقول الحسن في قوله تعالى:
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ فذكرت له، فقال: لا ولكن الله تعالى أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ﵁ ليشكوها إليه قال: «اتق الله وأمسك عليك زوجك» فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾. وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثني خالد عن داود عن عامر عن عائشة ﵂ أنها قالت: لو كتم محمد ﷺ شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ الوطر هو الحاجة والأرب، أي لما فرغ منها وفارقها زوجناكها، وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله بمعنى أنه أوحى إليه أن يدخل عليها
стр. 2827
بلا ولي ولا عقد ولا مهر ولا شهود من البشر.
قال الإمام أحمد (١): حدثنا هاشم يعني ابن القاسم، أخبرنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب ﵂ قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة «اذهب فاذكرها علي» فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول إن رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله ﷺ وأطعمنا عليها الخبز واللحم، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته، فجعل ﷺ يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر، فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية كلها (٢)، ورواه مسلم والنسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة به.
وقد روى البخاري ﵀ عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن زينب بنت جحش ﵂ كانت تفخر على أزواج النبي فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات، وقد قدمنا في سورة النور عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة ﵄، فقالت زينب ﵂: أنا الذي نزل تزويجي من السماء، وقالت عائشة ﵂: أنا التي نزل عذري من السماء، فاعترفت لها زينب ﵂.
وقال ابن جرير (٣): حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن المغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب ﵂ تقول للنبي ﷺ إني لأدلي عليك بثلاث، وما من نسائك امرأة تدلي بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير جبريل ﵊.
وقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ أي إنما أبحنا لك تزويجها، وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات
стр. 2828
الأدعياء، وذلك أن رسول الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة ﵁، فكان يقول له زيد بن محمد، فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٤ - ٥] ثم زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش ﵂، لما طلقها زيد بن حارثة ﵁، ولهذا قال تعالى في آية التحريم ﴿وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ليحترز من الابن الدعي، فإن ذلك كان كثيرا فيهم. وقوله تعالى:
﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ أي وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه وهو كائن لا محالة، كانت زينب ﵂ في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ .
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٨]
﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨)﴾
يقول تعالى: ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ أي فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب ﵂ التي طلقها دعيه زيد بن حارثة ﵁. وقوله تعالى:
﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذا حكم الله تعالى في الأنبياء قبله لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حرج، وهذا رد على من توهم من المنافقين نقصا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودعيه الذي كان قد تبناه ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ أي وكان أمره الذي يقدره كائنا لا محالة وواقعا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٩ إلى ٤٠]
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠)﴾
يمدح ﵎ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾ أي إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي يخافونه ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله تعالى ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ أي وكفى بالله ناصرا ومعينا، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله تعالى كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي قبله إنما يبعث إلى قومه خاصة، وأما هو ﷺ فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨] ثم ورث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃، بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، في ليله ونهاره، وحضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضي الله عنهم وأرضاهم ثم ورثه كل خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون، فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم.
стр. 2829
قال الإمام أحمد (١): حدثنا ابن نمير، أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله ما يمنعك أن تقول فيه؟ فيقول رب خشيت الناس، فيقول: فأنا أحق أن يخشى» ورواه أيضا عن عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن عمرو بن مرة. ورواه ابن ماجة (٢) عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به.
وقوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ نهى أن يقال بعد هذا زيد بن محمد، أي لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه ﷺ لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم فإنه ﷺ ولد له القاسم والطيب والطاهر من خديجة ﵂، فماتوا صغارا وولد له ﷺ إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا، وكان له ﷺ من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ﵃ أجمعين، فمات في حياته ﷺ ثلاث، وتأخرت فاطمة ﵂ حتى أصيبت به ﷺ ، ثم ماتت بعده لستة أشهر.
وقوله تعالى: ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ كقوله : ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃.
قال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: «مثلي في النبيين كمثل رجل بني دارا فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة» ورواه الترمذي (٤) عن بندار عن أبي عامر العقدي به، وقال حسن صحيح.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٥): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا المختار بن فلفل، حدثنا أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعد ولا نبي» قال: فشق ذلك على الناس، فقال: «ولكن
стр. 2830
المبشرات» قالوا: يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: «رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة» وهكذا رواه الترمذي (١) عن الحسن بن محمد الزعفراني عن عفان بن مسلم به، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فلفل.
[حديث آخر] قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سليم بن حيان عن سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة ختم بي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» (٢) ورواه البخاري ومسلم والترمذي من طرق عن سليم بن حيان به، وقال الترمذي: صحيح غريب من هذا الوجه.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل النبيين كمثل رجل بني دارا فأتمها إلا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة» انفرد به مسلم (٤) من رواية الأعمش به.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٥): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عثمان بن عبيد الراسبي قال: سمعت أبا الطفيل ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا نبوة بعدي إلا المبشرات» قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال «الرؤيا الحسنة» -أو قال- «الرؤيا الصالحة».
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٦): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال:
هذا ما حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتا فأكملها وأحسنها وأجملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك-قال رسول الله ﷺ -فكنت أنا اللبنة» (٧) أخرجاه من حديث عبد الرزاق.
[حديث آخر] عن أبي هريرة ﵁ أيضا قال الإمام مسلم: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر قالوا حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله
стр. 2831
عنه أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» (١) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث إسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي:
حسن صحيح.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى دارا فأتمها إلا موضع لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة» (٢) ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية به.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، حدثنا سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : «إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته».
[حديث آخر] قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي» (٤) أخرجاه في الصحيحين.
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما كالمودع فقال: «أنا محمد النبي الأمي-ثلاثا-ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعوفيت وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله تعالى أحلوا حلاله، وحرموا حرامه» تفرد به الإمام أحمد.
ورواه الإمام أحمد (٦) أيضا عن يحيى بن إسحاق عن ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة لهيعة عن عبد الله بن سريج الخولاني عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عبد الله بن عمرو
стр. 2832
﵄، فذكر مثله سواء.
والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب وأفاك دجال ضال مضل، لو تخرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات فكلها محال وضلال عند أولي الألباب كما أجرى الله على يد الأسود العنسي باليمن ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة ما علم كل ذي لب وفهم وحجى أنهما كاذبان ضالان لعنهما الله، وكذلك كل مدع لذلك إلى يوم القيامة حتى يختموا بالمسيح الدجال، فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها.
وهذا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلا على سبيل الاتفاق أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] الآية، وهذا بخلاف حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنهم في غاية البر والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات والأدلة الواضحات والبراهين الباهرات، فصلوات الله وسلامه عليهم دائما مستمرا ما دامت الأرض والسموات.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤١ إلى ٤٤]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤)﴾
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم ﵎ المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب. قال الإمام أحمد (١):
حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن سعيد، حدثني مولى ابن عياش عن أبي بحرية عن أبي الدرداء ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم» قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال ﷺ : «ذكر الله » (٢) وهكذا رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن زياد
стр. 2833
مولى ابن عياش عن أبي بحرية واسمه عبد الله بن قيس التراغمي عن أبي الدرداء ﵁ به، قال الترمذي: رواه بعضهم عنه فأرسله. قلت وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى:
﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ في مسند الإمام أحمد من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش أنه بلغه عن معاذ بن جبل ﵁ عن رسول الله ﷺ بنحوه، فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا فرج بن فضالة عن أبي سعيد الحمصي قال:
سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: دعاء سمعته من رسول الله ﷺ لا أدعه: اللهم اجعلني أعظم شكرك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك، ورواه الترمذي (٢) عن يحيى بن موسى عن وكيع عن أبي فضالة الفرج بن فضالة عن أبي سعيد الحمصي عن أبي هريرة ﵁، فذكر مثله، وقال: غريب، وهكذا رواه الإمام أحمد أيضا عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن فرج بن فضالة عن أبي سعيد المري عن أبي هريرة ﵁، فذكره.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بسر يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال ﷺ : «من طال عمره وحسن عمله» وقال الآخر: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به، قال ﷺ : «لا يزال لسانك رطبا بذكر الله تعالى» (٤) وروى الترمذي وابن ماجة الفصل الثاني من حديث معاوية بن صالح به، وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا سريج، حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث قال: إن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال «أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقولوا مجنون». وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم العمي، حدثنا سعيد بن سفيان الجحدري، حدثنا الحسن بن أبي جعفر عن عقبة بن أبي ثبيب الراسبي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اذكروا الله ذكرا كثيرا حتى يقول المنافقون إنكم تراؤون».
وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد أبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع جابر بن عمرو يحدث عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال
стр. 2834
رسول الله ﷺ : «ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله تعالى فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة». وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدا معلوما، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله تعالى لم يجعل له حدا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال : ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته، والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله تعالى كثيرة جدا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك. وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنسائي والمعمري وغيرهما. ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب الأذكار للشيخ محيي الدين النووي ﵀.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي عند الصباح والسماء، كقوله ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ هذا تهييج إلى الذكر، أي أنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله ﴿كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] وقال النبي ﷺ «يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه» (١) والصلاة من الله تعالى ثناؤه على العبد عند الملائكة، حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عنه، وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة. وقد يقال: لا منافاة بين القولين، والله أعلم.
وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله ﵎: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ [غافر: ٧ - ٩] الآية. وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي بسبب رحمته بكم وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله غيرهم، وبصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه من سواهم من
стр. 2835
الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأتباعهم من الطغاة، وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه ﵃، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني، ابني، وسعت فأخذته، فقال القوم:
يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، قال فخفضهم رسول الله ﷺ وقال «لا، والله لا يلقي حبيبه في النار» إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن في صحيح الإمام البخاري (٢) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى امراة من السبي قد أخذت صبيا لها فألصقته إلى صدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﷺ : «أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟» قالوا: لا. قال رسول الله ﷺ «فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها» وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ الظاهر أن المراد-والله أعلم-تحيتهم، أي من الله تعالى يوم يلقونه سلام أي يوم يسلم عليهم كما قال : ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] وزعم قتادة أن المراد أنهم يحيي بعضهم بعضا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير. [قلت] وقد يستدل له بقوله تعالى: ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ يعني الجنة وما فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والملاذ والمناظر، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٤٥ إلى ٤٨]
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٤٨)﴾
قال الإمام أحمد (٣): حدثنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، حدثنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في
стр. 2836
القرآن ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لست بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، وقد رواه البخاري (١) في البيوع عن محمد بن سنان عن فليح بن سليمان عن هلال بن علي به. ورواه في التفسير عن عبد الله، قيل ابن رجاء، وقيل ابن صالح، عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو به.
ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عبد الله بن رجاء عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون به.
وقال البخاري في البيوع: وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام ﵁، وقال وهب بن منبه: إن الله تعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له شعياء: أن قم في قومك بني إسرائيل فإني منطق لسانك بوحي وأبعث أميا من الأميين، أبعثه ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرا ونذيرا لا يقول الخنا، أفتح به أعينا كمها وآذانا صما وقلوبا غلفا، أسدده لكل أمر جميل وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلال، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئاما من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين مصدقين لما جاءت به رسلي، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قيانا وقعودا ويقاتلون في سبيل الله صفوفا وزحوفا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتي ألوفا، يطهرون الوجوه والأطراف ويشدون الثياب في الأنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته، وذريته السابقين والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، وأعز من نصرهم وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم، أو بغى عليهم أو أراد أن ينتزع شيئا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون
стр. 2837
الزكاة ويوفون بعهدهم أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم. هكذا رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني ﵀.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ وقد كان أمر عليا ومعاذا ﵄ أن يسيرا إلى اليمن فقال «انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾».
ورواه الطبراني عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي بإسناده مثله، وقال في آخره «فإنه قد أنزل علي يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على أمتك ومبشرا بالجنة ونذيرا من النار وداعيا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه وسراجا منيرا بالقرآن». فقوله تعالى: ﴿شاهِداً﴾ أي لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة وجئنا بك على هؤلاء شهيدا كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقوله : ﴿وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي بشيرا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا للكافرين من وبيل العقاب. وقوله جلت عظمته: ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ﴾ أي داعيا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك ﴿وَسِراجاً مُنِيراً﴾ أي وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق كالشمس في إشرافها وإضاءتها لا يجحدها إلا معاند. وقوله جل وعلا ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي لا تطعهم وتسمع منهم في الذي يقولونه ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ أي اصفح وتجاوز عنهم، وكل أمرهم إلى الله تعالى، فإن فيه كفاية لهم، ولهذا قال ﷻ : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾.
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٤٩]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)﴾
هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة منها إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده أو في الوطء أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده إلا في هذه الآية، فإنه استعمل في العقد وحده لقوله ﵎: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وفيها دلالة لإباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها.
وقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِناتِ﴾ خرج مخرج الغالب إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس ﵄ وسعيد بن المسيب والحسن البصري
стр. 2838
وعلي بن الحسين زين العابدين وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله، وهذا مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى صحة الطلاق قبل النكاح فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فعندهما متى تزوجها طلقت منه، واختلفا فيما إذا قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال أبو حنيفة ﵀: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه، فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس يعني ابن أبي إسحاق، قال: سمعت آدم مولى خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع عن مطر عن الحسن بن مسلم بن يناق عن ابن عباس ﵄ قال: إنما قال الله : ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح، وهكذا روى محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: قال الله تعالى: ﴿إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا طلاق قبل النكاح.
وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ «لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك» (١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. وقال الترمذي. هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب، وهكذا روى ابن ماجة عن علي والمسور بن مخرمة ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا طلاق قبل نكاح» (٢).
وقوله : ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ هذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها، فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وإن لم يكن دخل بها بالإجماع أيضا. وقوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى أو المتعة الخاصة إن لم يكن قد سمي لها. قال الله تعالى:
стр. 2839
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦].
وفي صحيح البخاري (١) عن سهل بن سعد وأبي أسيد ﵄ قالا: إن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه ﷺ بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقين، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: إن كان سمى لها صداقا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمى لها صداقا أمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل.
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٥٠]
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠)﴾
يقول تعالى مخاطبا نبيه ﷺ بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي أعطاهن مهورهن وهي الأجور هاهنا، كما قاله مجاهد وغير واحد. وقد كان مهره لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونشا وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان، فإنه أمهرها عنه النجاشي رحمه الله تعالى أربعمائة دينار وإلا صفية بنت حيي فإنه اصطفاها من سبي خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها، كذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية أدى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها-﵅ أجمعين-.
وقوله تعالى: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ أي وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما، وملك ريحانة بنت شمعون النضرية ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ﵉، وكانتا من السراري ﵄.
وقوله تعالى: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ﴾ الآية، هذا عدل وسط بين الإفراط والتفريط، فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما فرطت فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت وهذا شنيع فظيع، وإنما قال: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ﴾ فوحد لفظ الذكر لشرفه وجمع الإناث لنقصهن
стр. 2840
كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة:٢٥٧] ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وله نظائر كثيرة.
وقوله تعالى: ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل عن السدي عن أبي صالح عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: ﴿إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه كنت من الطلقاء. ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن عبيد الله بن موسى به، ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عنها بنحوه، ورواه الترمذي في جامعه. وهكذا قال أبو رزين وقتادة إن المراد من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أي أسلمن، وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود «واللائي هاجرن معك».
وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ﴾ الآية، أي ويحل لك أيها النبي المرأة المؤمنة إن وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى فيها شرطان، كقوله تعالى إخبارا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] وكقول موسى ﵇ ﴿يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] وقال هاهنا: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ الآية.
وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال رسول الله ﷺ : «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله ﷺ : «إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا» فقال: لا أجد شيئا، فقال «التمس ولو خاتما من حديد» فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له النبي ﷺ : «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم سورة كذا وسورة كذا-السور يسميها-فقال له النبي ﷺ : «زوجتكها بما معك من القرآن» (٢) أخرجاه من حديث مالك.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا عفان، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتا يقول: كنت مع أنس