أن يسوي بين الصحابة في ذلك فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه ﵃ أجمعين.
قال إسماعيل القاضي حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب بن زياد حدثني عثمان بن حكيم بن عبادة بن حنيف عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا تصح الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة، وقال أيضا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان قال كتب عمر بن عبد العزيز ﵀: أما بعد فإن ناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي ﷺ فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن.
قال إسماعيل القاضي حدثنا معاذ بن أسد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا ابن لهيعة حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن نبيه بن وهب أن كعبا دخل على عائشة ﵂ فذكروا رسول الله ﷺ فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه.
[فرع] قال النووي إذا صلى على النبي ﷺ فليجمع بين الصلاة والتسليم فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول: صلى الله عليه فقط ولا ﵇ فقط، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ فالأولى أن يقال ﷺ تسليما.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٧ إلى ٥٨]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨)﴾
يقول تعالى متهددا ومتوعدا من آذاه بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك وإيذاء رسوله بعيب أو بنقص-عياذا بالله من ذلك-قال عكرمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في المصورين. وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله :
يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره» (١) ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون يا خيبة الدهر فعل بنا كذا وكذا فيسندون أفعال الله وتعالى إلى الدهر ويسبونه وإنما الفاعل لذلك هو الله فنهى عن ذلك. هكذا قرره الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من العلماء ﵏.
стр. 2872
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ نزلت في الذين طعنوا على النبي ﷺ في تزويجه صفية بنت حيي بن أخطب. والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله كما قال الإمام أحمد (١): حدثنا يونس حدثنا إبراهيم بن سعد عن عبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال رسول الله ﷺ : «الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» وقد رواه الترمذي (٢) من حديث عبيدة بن أبي رائطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن المغفل به، ثم قال وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ أي ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ وهذا هو البهت الكبير أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم فإن الله قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا فهم في الحقيقة منكسو القلوب يذمون الممدوحين ويمدحون المذمومين.
وقال أبو داود: حدثنا القعنبي حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته» (٣) وهكذا رواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي به ثم قال حسن صحيح، وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن هشام عن عمار بن أنس عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه «أي الربا أربى عند الله؟» قالوا الله ورسوله أعلم قال «أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم» ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾.
стр. 2873
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٩ إلى ٦٢]
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (٦٢)﴾
يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ تسليما أن يأمر النساء المؤمنات-خاصة أزواجه وبناته لشرفهن-بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء، والجلباب هو الرداء فوق الخمار، قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد وهو بمنزلة الإزار اليوم. قال الجوهري:
الجلباب الملحفة، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا لها [البسيط]:
تمشي النسور إليه وهي لاهية … مشي العذارى عليهنّ الجلابيب (١)
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة (٢)، وقال محمد بن سيرين سألت عبيدة السلماني عن قول الله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى وقال عكرمة تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبد الله الطهراني فيما كتب إليّ حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن خيثم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة قالت لما نزلت هذه الآية ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن القربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثنا يونس بن يزيد قال وسألناه يعني الزهري هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال عليها الخمار إن كانت متزوجة وتنهى عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر المحصنات وقد قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾.
وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة وإنما نهى عن ذلك لخوف الفتنة لا لحرمتهن واستدل بقوله تعالى: ﴿وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ أي إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر. قال السدي.
في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ قال كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة يتعرضون للنساء وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة فإذا كان
стр. 2874
الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا المرأة عليها جلباب قالوا هذه حرة فكفوا عنها، وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب قالوا هذه أمة فوثبوا عليها، وقال مجاهد يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة.
وقوله تعالى: ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك، ثم قال تعالى متوعدا للمنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال عكرمة وغيره هم الزناة هاهنا ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني الذين يقولون جاء الأعداء وجاءت الحروب وهو كذب وافتراء لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي لنسلطنك عليهم. وقال قتادة لنحشرنك بهم، وقال السدي لنعلمنك بهم ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أي في المدينة ﴿إِلاّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ﴾ حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين ﴿أَيْنَما ثُقِفُوا﴾ أي وجدوا ﴿أُخِذُوا﴾ لذلتهم وقلتهم ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ ثم قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ أي وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٣ إلى ٦٨]
﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَاِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨)﴾
يقول تعالى مخبرا لرسوله صلوات الله وسلامه عليه أنه لا علم له بالساعة وإن سأله الناس عن ذلك، وأرشده أن يرد علمها إلى الله كما قال الله تعالى في سورة الأعراف وهي مكية وهذه مدنية فاستمر الحال في رد علمها إلى الذي يقيمها لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ كما قال تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] وقال:
﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وقال: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] ثم قال: ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ﴾ أي أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ أي في الدار الآخرة ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ أي ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها ﴿لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ أي وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه.
ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ أي يسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنم يقولون وهم كذلك يتمنون أن لو
стр. 2875
كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله:
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
وقال تعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ وقال طاوس، سادتنا يعني الأشراف وكبراءنا يعني العلماء، رواه ابن أبي حاتم أي اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئا وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ أي بكفرهم وإغوائهم إيانا.
﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ قرأ بعض القراء بالباء الموحدة، وقرأ آخرون بالثاء المثلثة وهما قريبا المعنى كما في حديث عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (١) أخرجاه في الصحيحين، يروى كثيرا وكبيرا وكلاهما بمعنى صحيح واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة وهذا تارة كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيهما قرأ.
فحسن وليس له الجمع بينهما، والله أعلم.
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا علي بن هاشم عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه في تسمية من شهد مع علي ﵁ الحجاج بن عمرو بن غزية وهو الذي كان يقول عند اللقاء يا معشر الأنصار أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾.
[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٦٩]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً (٦٩)﴾
قال البخاري (٢) عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ إن موسى كان رجلا حييا وذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرا جدا وقد رواه
стр. 2876
في أحاديث الأنبياء بهذا السند بعينه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن موسى ﵇ كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من عيب في جلده إما برص وإما أدرة وإما آفة. وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى ﵇ فخلا يوما وحده فخلع ثيابه على حجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا-قال-فذلك قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ وهذا سياق حسن مطول وهذا الحديث من إفراد البخاري دون مسلم.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا روح، حدثنا عوف عن الحسن عن النبي ﷺ . وخلاس ومحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ قال: قال رسول الله: «إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه.» ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولا ورواه عنه في تفسيره عن روح عن عوف به.
ورواه ابن جرير (٢) من حديث الثوري عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحو هذا. وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير وعبد الله بن الحارث عن ابن عباس في قوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ قال: قال قومه له إنك آدر فخرج ذات يوم يغتسل فوضع ثيابه على صخرة فخرجت الصخرة تشد بثيابه وخرج يتبعها عريانا حتى انتهب به مجالس بني إسرائيل فرأوه ليس بآدر فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس ﵄ سواء.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس عن النبي ﷺ : قال: «كان موسى ﵇ رجلا حييا وإنه أتى-أحسبه قال الماء-ليغتسل فوضع ثيابه على صخرة وكان لا يكاد تبدو عورته فقال بنو إسرائيل إن موسى آدر أو به آفة-يعنون أنه لا يضع ثيابه- فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال-أو كما قال-فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾.
стр. 2877
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵃ في قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون ﵇ فقال بنو إسرائيل لموسى ﵇ أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حياء فآذوه من ذلك فأمر الله الملائكة فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل فتكلمت بموته فما عرف موضع قبره إلا الرخم وإن الله جعله أصم أبكم وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن موسى الطوسي عن عباد بن العوام به ثم قال وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى وجائز أن يكون الأول هو المراد فلا قول أولى من قول الله .
(قلت) يحتمل أن يكون الكل مرادا وأن يكون معه غيره، والله أعلم.
قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسما فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله قال:
فقلت يا عدو الله أما لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فاحمر وجهه ثم قال «رحمة الله على موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» (٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش به.
[طريق أخرى]-قال الإمام أحمد (٣): حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس عن الوليد بن أبي هشام مولى الهمداني عن زيد بن زائدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» فأتى رسول الله ﷺ مال فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة، قال: فتثبت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنك قلت لنا «لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا» وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا، فاحمر وجه رسول الله ﷺ وشق عليه ثم قال «دعنا منك لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر».
وقد رواه أبو داود (٤) في الأدب عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف الفريابي عن إسرائيل عن الوليد بن أبي هشام به مختصرا «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا إني
стр. 2878
أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» وكذا رواه الترمذي (١) في المناقب عن الذهلي سواء إلا أنه قال زيد بن زائدة، ورواه أيضا عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن محمد عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما عن إسرائيل عن السدي عن الوليد بن أبي هشام به مختصرا أيضا فزاد في إسناده السدي، ثم قال غريب من هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ اي له وجاهة وجاه عند ربه . قال الحسن البصري كان مستجاب الدعوة عند الله، وقال غيره من السلف لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء . وقال بعضهم من وجاهته العظيمة عند الله أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه فأجاب الله سؤاله فقال ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾.
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٠ إلى ٧١]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)﴾
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه وأن يقولوا ﴿قَوْلاً سَدِيداً﴾ أي مستقيما لا اعوجاج فيه ولا انحراف ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم أي يوفقهم للأعمال الصالحة وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ وذلك أنه يجار من نار الجحيم ويصير إلى النعيم المقيم. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، حدثنا خالد عن ليث عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا فقال: «إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا» ثم أتى النساء فقال: «إن الله أمرني أن آمركن أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا».
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري حدثنا عيسى بن سمرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ الآية، غريب جدا، وروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن محمد بن كعب عن ابن عباس موقوفا: من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، قال عكرمة القول السديد لا إله إلا الله وقال غيره السديد الصدق وقال مجاهد، هو السداد. وقال غيره:
هو الصواب والكل حق.
стр. 2879
[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٧٢ إلى ٧٣]
﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)﴾
قال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة الطاعة وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم فلم يطقنها فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فأخذها آدم فتحملها فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (١) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها وهو قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ يعني غرا بأمر الله.
وقال ابن جرير (٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها﴾ قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلت فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة، وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريبا من هذا، وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض.
وقال آخرون: هي الطاعة، وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها. وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود، وقال بعضهم الغسل من الجنابة، وقال مالك عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة:
الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها بل متفقة وراجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها وهو أنه إن قام بذلك أثيب وإن تركها عوقب فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفق الله وبالله المستعان.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة البصري، حدثنا حماد بن واقد، يعني أبا عمر الصفار سمعت أبا معمر يعني عون بن معمر يحدث عن الحسن، يعني البصري أنه تلا هذه الآية ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ﴾ قال عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين
стр. 2880
الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت قالت: لا ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال:
فقيل لها هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت، قالت: لا ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت قالت: لا.
وقال مقاتل بن حيان إن الله تعالى حين خلق خلقه جمع بين الإنس والجن والسموات والأرض والجبال فبدأ بالسموات فعرض عليهن الأمانة، وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ فقلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليس بنا قوة ولكنا لك مطيعون، ثم عرض الأمانة على الأرضين فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب، ولا نطيق ولكنا لك سامعون مطيعون لا نعصيك في شيء أمرتنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل، وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت، ولم ترعها حق رعايتها، وأسأت فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار، قال:
رضيت يا رب، وأتحملها، فقال الله عند ذلك قد حملتكها فذلك قوله تعالى:
﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ رواه ابن أبي حاتم.
وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السموات فقالت: يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب غرست في الأشجار وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة، وقالت الجبال مثل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ في عاقبة أمره، وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، وقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل ولا نريد الثواب.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في هذه الآية ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، قال الإنسان بين أذني وعاتقي، فقال الله : إني معينك عليها، إني معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق، ومعينك على فرجك بلباس فلا تكشفه إلى ما أكره. ثم روي عن أبي حازم نحو هذا.
стр. 2881
وقال ابن جرير (١): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى:
﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ﴾ الآية، قال: إن الله تعالى عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ويجعل لهن ثوابا وعقابا، ويستأمنهن على الدين، فقلن لا، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا، قال: وعرض الله ﵎ على آدم فقال:
بين أذني وعاتقي، قال ابن زيد: قال الله تعالى له: أما إذا تحملت هذا فسأعينك، أجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرخ عليه حجابه واجعل للسانك بابا وغلقا، فإذا خشيت فأغلق، وأجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك.
وقال ابن جرير (٢): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير ﵁، وكان من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، وأنزلت العجمية والعربية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله تعالى شيئا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم إلا بينه لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب، فعالم يعمل وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، فالحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا» هذا حديث غريب جدا، وله شواهد من وجوه أخرى.
ثم قال ابن جرير (٣): حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبيد المجيد الحنفي، حدثنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها-وكان يقول-وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة». قالوا:
يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال ﵁: الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره، وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داود القطان به.
وقال ابن جرير (٤) أيضا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق عن شريك عن الأعمش،
стр. 2882
عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال:
«القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها-أو قال-يكفر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك، فيقول أني يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك، فيقول أني يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك، فيقول أني يا رب وقد ذهبت الدنيا؟.
فيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الآبدين» قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت:
ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق.
وقال شريك: وحدثنا عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة وفي كل شيء، إسناده جيد، ولم يخرجوه.
ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل (٢) كجمر دحرجته على رجلك، تراه منتبرا (٣) وليس فيه شيء -قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال-فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت إن كان مسلما ليردنه علي دينه، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا (٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا. حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد قال الطبراني في مسنده
стр. 2883
عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ابن حجيرة عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» فزاد في الإسناد ابن حجيرة وجعله في مسند ابن عمر ﵄.
وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: حدثنا شريك عن أبي إسحاق الشيباني عن خناس بن سحيم أو قال: جبلة بن سحيم، قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي لا والأمانة، فجعل زياد يبكي ويبكي فظننت أني أتيت أمرا عظيما، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم، كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع قال أبو داود (١): حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف بالأمانة فليس منا» تفرد به أبو داود ﵀.
وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ﴾ أي إنما حمل بني آدم الأمانة وهي التكاليف، ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ﴾ وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسله ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾. آخر تفسير سورة الأحزاب ولله الحمد والمنة.
стр. 2884
تفسير سورة سبأ
وهي مكية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ إلى ٢]
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾
يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال تعالى:
﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى﴾ [الليل: ١٣]، ثم قال : ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ فهو المعبود أبدا، المحمود على طول المدى.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شيء، وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره، ولهذا قال : ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها﴾ أي يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور، والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك عدده وكيفيته وصفاته ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أي من قطر ورزق، وما يعرج فيها، أي من الأعمال الصالحة وغير ذلك، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ أي الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣ إلى ٦]
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾
هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن مما أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقسم بربه العظيم على وقع: المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة
стр. 2885
يونس ﵇، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] والثانية هذه ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، والثالثة في سورة التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] فقال تعالى: ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره، فقال: ﴿عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾.
قال مجاهد وقتادة: لا يعزب عنه لا يغيب عنه، أي الجميع مندرج تحت علمه، فلا يخفى عليه شيء، فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم. ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة، بقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أي سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ أي لينعم السعداء من المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال : ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضا ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] يقال أيضا ﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم: ٥٦] ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ العزيز هو المنيع الجناب الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء وغلبه، الحميد، في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله جل وعلا.
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٧ إلى ٩]
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾
هذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم
стр. 2886
بالرسول ﷺ في إخباره بذلك ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق ﴿إِنَّكُمْ﴾ أي بعد هذا الحال ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد، لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون.
ولهذا قالوا: ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ قال الله رادا عليهم ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ أي ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد ﷺ هو الصادق البار الراشد، الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء ﴿فِي الْعَذابِ﴾ أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى ﴿وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ من الحق في الدنيا، ثم قال تعالى منبها لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي حيثما توجهوا وذهبوا، فالسماء مطلة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال : ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧ - ٤٨].
قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ أي لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ قال معمر عن قتادة:
﴿مُنِيبٍ﴾ تائب. وقال سفيان عن قتادة: المنيب المقبل إلى الله تعالى، أي إن في النظر إلى خلق السموات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد، لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها، وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى﴾ [يس: ٨١] وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧].
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ إلى ١١]
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾
يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود ﵊ مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه
стр. 2887
من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ ، سمع صوت أبي موسى الأشعري ﵁ يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال ﷺ «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود» (١).
وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ﵁، ومعنى قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي﴾ أي سبحي، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة، وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه-الجمل-في باب النداء منه ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي سيري معه بالنهار كله، والتأويب سير النهار كله، والإسآد سير الليل كله، وهذا لفظه، وهو غريب جدا لم أره لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا، والصواب أن المعنى في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي رجعي مسبحة معه كما تقدم، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط، ولهذا قال تعالى:
﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ وهي الدروع قال قتادة، وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة حدثنا ابن ضمرة عن ابن شوذب قال: كان داود ﵇ يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم، ألفين له، ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود ﵇ في تعليمه صنعة الدروع وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدر، وقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه فيقصم، ولا تدقه فيقلق، وهكذا روي عن قتادة وغير واحد، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السرد حلق الحديد. وقال بعضهم: يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر [الكامل]:
وعليهما مسرودتان قضاهما … داود أو صنع السّوابغ تبّع (٢)
стр. 2888
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵊ من طريق إسحاق بن بشر، وفيه كلام، عن أبي إلياس عن وهب بن منبه ما مضمونه أن داود ﵇ كان يخرج متنكرا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا في عبادته وسيرته وعدله ﵇. قال وهب: حتى بعث الله تعالى ملكا في صورة رجل، فلقيه داود ﵊ فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا. قال: ما هي قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني بيت المال، فعند ذلك نصب داود ﵇ إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان الله له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدروع، وهو أول من عملها، فقال الله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ يعني مسامير الحلق.
قال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع باعها فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها، وقال: إن الله أعطى داود شيئا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج، إلا على أصناف صوته ﵇، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان قد أعطي سبعين مزمارا في حلقه. وقوله تعالى: ﴿وَاعْمَلُوا صالِحاً﴾ أي في الذي أعطاكم الله تعالى من النعم ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ إلى ١٣]
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾
لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام من تسخير الريح له، تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر. قال الحسن البصري:
كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل باصطخر يتغذى بها ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع.
وقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ قال ابن عباس ﵄ ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: القطر النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان ﵇ قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه. أي بقدره
стр. 2889
وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا﴾ أي ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ وهو الحريق.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثا غريبا، فقال: حدثنا أبي حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون» رفعه غريب جدا. وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر عن محمد بن بحير عن ابن أنعم أنه قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب. قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلا، وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين.
وقال أيضا: حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة يعني ابن الفضل عن إسماعيل عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا، فهو ولي الله تعالى، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان.
وقوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ﴾ أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور.
وقال الضحاك: هي المساجد، وقال قتادة: هي القصور والمساجد. وقال ابن زيد: هي المساكن. وأما التماثيل، فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج. وقوله تعالى: ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس [الطويل]:
تروح على آل المحلّق جفنة … كجابية الشيخ العراقيّ تفهق (١)
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ ﴿كَالْجَوابِ﴾ أي كالجوبة من الأرض. وقال العوفي عنه كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.
والقدور الراسيات، أي الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها، كذا قال
стр. 2890
مجاهد والضحاك وغيرهما. وقال عكرمة: أثافيها منها. وقوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ أي وقلنا لهم: اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا، وشكرا مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية، كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجّبا
قال أبو عبد الرحمن الحبلي: الصلاة شكر والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر، وأفضل الشكر الحمد، رواه ابن جرير، وروى هو وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح، وهذا لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود ﵈ كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولا وعملا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر يعني ابن سليمان عن ثابت البناني، قال: كان داود ﵇ قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى» (١).
وقد روى أبو عبد الله بن ماجة (٢) من حديث سنيد بن داود: حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قالت أم سليمان بن داود ﵈، لسليمان، يا بني لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة» وروى ابن أبي حاتم عن داود ﵊ هاهنا أثرا غريبا مطولا جدا وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ قال داود: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال «الآن شكرتني حين قلت إن النعمة مني». وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ إخبار عن الواقع.
[سورة سبإ (٣٤): آية ١٤]
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾
يذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئا على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس
стр. 2891
﵄ ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد: مدة طويلة نحوا من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقطت إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. وتبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب وفي صحته نظر.
قال ابن جرير (١): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «كان نبي الله سليمان ﵇ إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان ﵇: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين» قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفا، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة.
وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ﵁، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃. قال: كان سليمان ﵊ يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها: فيقول ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت تنبت دواء قالت: نبت دواء كذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال ولأي شي نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد.
قال سليمان ﵊: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج
стр. 2892
عليهم فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان ﵇ في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عليه فأخرجوه. ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة.
وهي في قراءة ابن مسعود ﵁، فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم يطلعون على الغيب، لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله : ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكرا لها (١).
وهذا الأثر-والله أعلم-إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.
وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ﵎:
﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال: قال سليمان ﵇ لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير وليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال:
فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله دابة الأرض، قال: والدابة تأكل العيدان يقال لها القادح، فدخلت فيها فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتا، فلما رأت ذلك الجن، انفضوا وذهبوا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر، وذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا، والله أعلم.
стр. 2893
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٥ إلى ١٧]
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)﴾
كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان ﵊ من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله ﵎ إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مذر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله وبيانه قريبا وبه الثقة.
قال الإمام أحمد (١) ﵀: حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: إن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ:
ما هو أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال ﷺ : «بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون، فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسان» ورواه عبد عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة به.
وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر-في كتاب القصد والأمم، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم-من حديث ابن لهيعة عن علقمة بن وعلة عن ابن عباس ﵄، فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر.
وقال الإمام أحمد (٢) أيضا وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي عن يحيى بن هانئ بن عروة عن فروة بن مسيك ﵁ قال:
أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم، قال رسول الله ﷺ «نعم» فقاتل بمقبل قومك مدبرهم» فلما وليت دعاني فقال: «لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام» فقلت: يا رسول الله أرأيت سبأ، واد هو أو جبل أو ما هو؟ قال ﷺ : «لا بل هو رجل من العرب، ولد له عشرة فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، تيامن الأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، الذين يقال لهم بجيلة وخثعم، وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسان».
وهذا أيضا إسناد حسن وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب عن العنقزي عن أسباط بن نصر عن يحيى بن هانئ المرادي عن عمه أو عن أبيه -شك-أسباط-قال: قدم فروة بن مسيك ﵁ على رسول الله ﷺ فذكره.
стр. 2894
[طريق أخرى] لهذا الحديث. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة عن توبة بن نمر عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بإفريقية، فقال يوما: ما أظن قوما بأرض إلا وهم من أهلها، فقال علي بن أبي رباح: كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مسيك الغطيفي ﵁ قدم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال ﷺ «ما أمرت فيهم بشيء بعد» فأنزلت هذه الآية ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله أن رسول الله ﷺ سئل عن سبأ ما هو: أبلد أم رجل أم امرأة؟ قال ﷺ : «بل رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد الأشعريون وأنمار وحمير غير ما حلها، وأما الشام فلخم وجذام وغسان وعاملة» فيه غرابة من حيث ذكر نزول الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله أعلم.
[طريق أخرى] قال ابن جرير (١): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك الغطيفي ﵁ قال: قال رجل:
يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما هو: أرض أم امرأة؟ قال ﷺ : «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وحمير وأنمار» فقال رجل:
ما أنمار؟ قال ﷺ : «الذين منهم خثعم وبجيلة» ورواه الترمذي في جامعه عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا: حدثنا أبو أسامة فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.
وقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير هو عثمان بن كثير عن الليث بن سعد عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين عن تميم الداري ﵁ قال: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فسأله عن سبأ، فذكر مثله، فقوي هذا الحديث وحسن. قال علماء النسب-منهم محمد بن إسحاق-: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له الرائش لأنه أول من غنم في الغزو، فأعطى قومه فسمي الرائش، والعرب تسمي المال ريشا ورياشا. وذكروا أنه بشر برسول الله ﷺ في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعرا:
سيملك بعدنا ملكا عظيما … نبي لا يرخص في الحرام (٢)
стр. 2895
ويملك بعده منهم ملوك … يدينوه العباد بغير ذام
ويملك بعدهم منا ملوك … يصير الملك فينا باقتسام
ويملك بعد قحطان نبي … تقي مخبت خير الأنام
يسمى أحمدا يا ليت أني … أعمر بعد مبعثه بعام
فأعضده وأحبوه بنصري … بكل مدجج وبكل رام
متى يظهر فكونوا ناصريه … ومن يلقاه يبلغه سلامي
ذكر ذلك الهمداني في كتاب-الإكليل-واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال [أحدها] أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاثة طرائق. [والثاني] أنه من سلالة عابر، وهو هود ﵊، واختلفوا أيضا في كيفية نسبه به على ثلاثة طرائق أيضا. [والثالث] أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه على ثلاث طرائق أيضا. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري رحمة الله تعالى عليه في كتابه المسمى الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة.
ومعنى قوله ﷺ : «كان رجلا من العرب» يعني العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل ﵊ من سلالة سام بن نوح، وعلى القول الثالث كان من سلالة الخليل ﵇، وليس هذا المشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ مر بنفر من أسلم ينتضلون، فقال: «ارموا بني إسماعيل؟ فإن أباكم كان راميا» (١) فأسلم قبيلة من الأنصار-والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ-نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد حين بعث الله عليهم سيل العرم، ونزلت طائقة منهم بالشام، وإنما قيل باليمن وقيل لهم غسان بماء نزلوا عليه قيل إنه قريب من المشلل، كما قال حسان بن ثابت ﵁ [البسيط]:
إما سألت فإنا معشر نجب … الأزد نسبتنا والماء غسان (٢)
ومعنى قوله ﷺ : «ولد له عشرة من العرب» أي كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة، والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب. ومعنى قوله ﷺ :
«فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة» أي بعد ما أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم، منهم من
стр. 2896
أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم فبنوا بينهما سدا عظيما محكما، حتى ارتفع الماء وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف منهم قتادة أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب. بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب.
وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم ليوحدوه ويعبدوه، كما قال ﵎: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ ثم فسرها بقوله : ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ أي من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي غفور لكم إن استمررتم على التوحيد.
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله، كما قال الهدهد لسليمان ﵊ ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: ٢٢ - ٢٤] وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: بعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيا وقال السدي: أرسل الله إليهم اثني عشر ألف نبي، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ المراد بالعرم المياه، وقيل الوادي، وقيل الجرذ، وقيل الماء الغزير، فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته مثل مسجد الجامع وسعيد كرز، حكى ذلك السهيلي. وذكر غير واحد منهم ابن عباس ووهب بن منبه وقتادة والضحاك:
إن الله لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض يقال لها الجرذ نقبته. قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمن فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السد فنقبته فانهار عليهم.
وقال قتادة وغيره: الجرذ هو الخلد، نقبت أسافله حتى إذا ضعف ووهى، وجاءت أيام السيول صدم الماء البناء فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال الله ﵎:
стр. 2897
﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والحسن وقتادة والسدي: وهو الأراك وأكلة البرير ﴿وَأَثْلٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: هو الطرفاء. وقال غيره هو شجر يشبه الطرفاء، وقيل هو السمر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال:
﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة، والمناظر الحسنة، والظلال العميقة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والتمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ أي عاقبناهم بكفرهم. قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور. وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور. وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء عن هشام بن صالح التغلبي عن ابن خيرة، وكان من أصحاب علي ﵁، قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة، قيل:
وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها.
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٨ إلى ١٩]
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾
يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرا، ويقيل في قرية ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء، وكذا قال أبو مالك، وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ومالك عن زيد بن أسلم وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد وغيرهم: يعني قرى الشام، يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة.
وقال العوفي عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها بيت المقدس، وقال العوفي عنه أيضا:
هي قرى عربية بين المدينة والشام ﴿قُرىً ظاهِرَةً﴾ أي بينة واضحة يعرفها المسافرون يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ أي جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ﴾ أي الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا
стр. 2898
ونهارا.
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وقرأ آخرون «بعد بين أسفارنا» وذلك أنهم بطروا هذه النعمة كما قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد، وأحبوا مفاوز ومهامة يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في منّ وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ [البقرة: ٦١] وقال : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ [القصص: ٥٨] وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذاقَهَا اللهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. وقال تعالى في حق هؤلاء: ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي بكفرهم ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي جعلناهم حديثا للناس وسمرا يتحدثون به من خبرهم، وكيف مكر الله بهم وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ قال: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال وأنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه وهو أعزهم أخوالا: يا بني إذا كان غدا وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا لطمتك فالطمني.
قال: يا أبت لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد، قال: يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل به حتى وافاه على ذلك، فلما أصبحوا واجتمع الناس قال: يا بني افعل كذا وكذا، فأبى فانتهره أبوه، فأجابه فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه فلطمه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني؟ علي بالشفرة، قالوا: ما تصنع بالشفرة؟ قال: اذبحه، قالوا تريد أن تذبح ابنك؟ الطمه أو اصنع ما بدا لك، قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك فأبى إلا أن يذبحه، قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه، قال: فإذا كان الحديث هكذا، فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ابني فيه،
стр. 2899
اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضه وعقاره.
فلما صار الثمن في يده وأحرزه قال: أي قوم إن العذاب قد أظلكم وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارا جديدا وحمى شديدا وسفرا بعيدا، فليلحق بعمان، ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير. وكلمة قال إبراهيم لم أحفظها-فليلحق ببصرى، ومن أراد الراسخات في الوحل: المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قومه، فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل، قال: فأتوا على بطن مر، فقال بنو عثمان هذا مكان صالح لا نبغي به بدلا، فأقاموا به فسموا لذلك خزاعة، لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان وتوجهت غسان إلى بصرى.
هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن بسبب استشعاره بإرسال العرم عليهم، فقال: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن فيما حدثني به أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، وكان قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيها أصغر ولدي وعرض أمواله. فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو، فاشتروا منه أمواله وانتقل هو في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك وكانت حربهم سجالا، ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي ﵁ [الطويل]:
وعك بن عدنان الذين تغلبوا … بغسان حتى طرّدوا كل مطرد (١)
وهذا البيت من قصيدة له. قال: ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان، فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرا، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات. وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: فأمر ابن أخيه مكان ابنه-إلى قوله فباع ماله وارتحل بأهله فتفرقوا، رواه
стр. 2900
ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن حميد، أخبرنا سلمة عن ابن إسحاق قال: يزعمون أن عمرو بن عامر وهو عم القوم، كان كاهنا فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم، فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هم بعيد وحمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكأس أو كرود. قال: فكانت وادعة بن عمرو، ومن كان منكم ذا هم مدن، وأمر دعن، فليلحق بأرض شن، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم بارق، ومن كان منكم يريد عيشا آنيا، وحرما آمنا فليلحق بالأرزين، فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار ومن كان منكم يريد خمرا وخميرا وذهبا وحريرا، وملكا وتأميرا، فليلحق بكوثى وبصرى، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام ومن كان منهم بالعراق. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمرو بن عامر، وكانت كاهنة فرأت في كهانتها ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان، وقال سعيد عن قتادة عن الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان فمزقهم الله كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة واسمه ميمون بن قيس [المتقارب]:
وفي ذاك للمؤتسي أسوة … ومأرب قفى عليها العرم (٢)
رخام بنته لهم حمير … إذا جاء ماؤهم لم يرم
فأروى الزروع وأعنابها … على سعة ماؤهم إذا قسم
فصاروا أيادي ما يقدرون … منه على شرب طفل فطم
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أي إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب وتبديل النعمة وتحويل العافية عقوبة على ما ارتكبوه من الكفر والآثام، لعبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب شكور على النعم.
قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرحمن وعبد الرزاق المعني قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد عن أبيه هو سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر،
стр. 2901
وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته». وقد رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي إسحاق السبيعي به، وهو حديث عزيز من رواية عمر بن سعد عن أبيه، ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ «عجبا للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (١). قال مطرف يقول: نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٠ إلى ٢١]
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾
لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قال ابن عباس ﵄ وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم ﵊، ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٢] وقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] والآيات في هذا كثيرة، وقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم ﵊ من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فرحا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف، وكان ذلك ظنا من إبليس، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أعده وأمنيه وأخدعه، فقال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفر إلا غفرت له»، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله ﵎: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي من حجة. وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرهم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني، دعاهم إليها فأجابوه، وقوله : ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ﴾ أي إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيحسن عبادة ربه في الدنيا ممن هو منها في شك.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي ومع حفظه ضل من ضل من أتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل.
стр. 2902
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٣]
﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾
بين ﵎ أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي من الآلهة التي عبدت من دونه ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣] وقوله تعالى: ﴿وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ﴾ أي لا يملكون شيئا استقلالا ولا على سبيل الشركة ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه، قال قتادة في قوله : ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ من عون يعينه بشيء.
ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أي لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال :
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٣٥٥] وقال جل وعلا: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ [النجم: ٢٦] وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال: «فأسجد لله تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» الحديث بتمامه.
وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه، أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي، قاله ابن مسعود ﵁ ومسروق وغيرهما ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي زال الفزع عنها، قال ابن عباس وابن عمر ﵃ وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله :
﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ﴾ يقول: جلى عن قلوبهم، وقرأ بعض السلف، وجاء مرفوعا إذا فرغ بالغين المعجمة ويرجع إلى الأول فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضا ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أي أخبروا
стр. 2903
بما قال من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ما فيها من الشك والتكذيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ما فيها من الشك قال: فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم ﴿قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ قال:
وهذا في بني آدم هذا عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وقد اختار ابن جرير القول الأول: إن الضمير عائد على الملائكة، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والآثار، ولنذكر منها طرفا يدل على غيره.
قال البخاري (١) عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: إن نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض-ووصف سفيان بيده فحرفها، ونشر بين أصابعه-فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائه كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» (٢) انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة به، والله أعلم.
[حديث آخر] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر، أخبرنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في نفر من أصحابه، قال عبد الرزاق: من الأنصار، فرمي بنجم فاستنار، فقال ﷺ :
«ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية» قالوا: كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم.
قلت للزهري: أكان يرمي بها في الجاهلية، قال: نعم ولكن غلظت حين بعث النبي ﷺ ، قال:
فقال رسول الله ﷺ : «فإنها لا يرمي بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎ إذا
стр. 2904
قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذي يلونهم حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون».
هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم (١) في صحيحه من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس ومعقل بن عبيد الله، أربعتهم عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس ﵄، عن رجل من الأنصار به. وقال يونس عن رجال من الأنصار ﵃، وكذا رواه النسائي في التفسير من حديث الزبيدي عن الزهري به، ورواه الترمذي (٢) فيه عن الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ عن رجل من الأنصار ﵁، والله أعلم.
[حديث آخر] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي، والسياق لمحمد بن عوف، قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد هو ابن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عبد الله بن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أراد الله ﵎ أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السموات منه رجفة-أو قال رعدة-شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ﵊، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل ﵊ على الملائكة، كلما مر بسماء سماء يسأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول ﵇:
قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض».
وكذا رواه ابن جرير وابن خزيمة عن زكريا بن أبان المصري عن نعيم بن حماد به. وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم ﵀، وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العوفي عن ابن عباس ﵄، وعن قتادة أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله تعالى إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى ﵊، ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية.
стр. 2905
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٤ إلى ٢٧]
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾
يقول تعالى مقررا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضا، فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض، أي بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. وقوله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هذا من باب اللف والنشر أي واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى، ولهذا قال: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد ﷺ للمشركين والله ما نحن وإياهم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد (١). وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم: معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين (٢).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ معناه التبري منهم، أي لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]. وقال : ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١ - ٦].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ أي يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق، أي يحكم بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦] ولهذا قال : ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.
وقوله ﵎: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ أي أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادا وصيرتموها له عدلا ﴿كَلاّ﴾ أي ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ اللهُ﴾ أي الواحد الأحد الذي لا شريك له ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
стр. 2906
أي ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، ﵎ وتقدس عما يقولون علوا كبيرا، والله أعلم.
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٨ إلى ٣٠]
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾
يقول تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ تسليما ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله ﵎: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١]، ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ أي تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ كقوله : ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].
قال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ يعني إلى الناس عامة. وقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله تعالى محمدا ﷺ إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله ﵎ أطوعهم لله .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس ﵄ يقول: إن الله تعالى فضل محمدا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس فيم فضله على الأنبياء؟ قال ﵁: إن الله تعالى قال: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال للنبي ﷺ : ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس. وهذا الذي قاله ابن عباس ﵄ قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» (١) وفي الصحيح أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت إلى الأسود والأحمر» (٢) قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم، والكل صحيح.
стр. 2907
ثم قال مخبرا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهذه الآية كقوله : ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ [الشورى: ١٨] الآية، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي لكم ميعاد مؤجل معدود محرر لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤] وقال : ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٤ - ١٠٥]
﴿[سورة سبإ (٣٤)﴾: الآيات ٣١ إلى ٣٣]
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾
يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قال الله متهددا لهم ومتوعدا ومخبرا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ وهم الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ منهم وهم قادتهم وسادتهم ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ أي لولا أنتم تصدوننا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾؟ أي نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي بل كنتم تمكرون بنا ليلا نهارا وتغروننا وتمنوننا وتخبروننا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين.
قال قتادة وابن زيد ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ يقول: بل مكركم بالليل والنهار، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم بالليل والنهار ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً﴾ أي نظراء وآلهة معه وتقيمون لنا شبها وأشياء من المحال تضلونا بها ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ أي الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي
стр. 2908
إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن صرد عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب». وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب، قال: فحدثته أبا سليمان، يعني الداراني رحمة الله عليه، فبكى ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد والغل في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار وأدخل المغار؟ اللهم سلم.
[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٣٤ إلى ٣٩]
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ (٣٩)﴾
يقول تعالى مسليا لنبيه ﷺ وآمرا بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح ﵊ ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧] وقال الكبراء من قوم صالح ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٥ - ٧٦] وقال : ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ [الأنعام: ١٣٣] وقال جل وعلا: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: ١٦] وقال جل وعلا هاهنا:
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أي نبي أو رسول ﴿إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها﴾ وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة، قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر ﴿إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي لا نؤمن به ولا نتبعه.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا محمد بن
стр. 2909
عبد الوهاب عن سفيان بن عاصم عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل. فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال: دلني عليه، قال: وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب، قال فأتى النبي ﷺ فقال: إلام تدعو؟ قال «أدعوا إلى كذا وكذا» قال: أشهد أنك رسول الله. قال ﷺ «وما علمك بذلك؟» قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ الآية، قال: فأرسل إليه النبي ﷺ إن الله قد أنزل تصديق ما قلت، وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل.
وقال ﵎ إخبارا عن المترفين المكذبين: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة وهيهات لهم ذلك قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] وقال ﵎: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] وقال ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ [المدثر: ١١ - ١٧].
وقد أخبر الله عن صاحب تينك الجنتين أنه كان ذا مال وثمر وولد، ثم لم يغن عنه شيئا بل سلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال ها هنا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة والحجة القاطعة الدامغة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم. قال الإمام أحمد (١) ﵀: حدثنا كثير، حدثنا جعفر، حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (٢) ورواه مسلم وابن ماجة من حديث كثير بن هشام عن جعفر بن برقان به، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾
стр. 2910
أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾ أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ أي في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ومن كل شر يحذر منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم وعلي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها» فقال أعرابي: لمن هي؟ قال ﷺ : «لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ أي يسعون في الصد عن سبيل الله واتباع رسله والتصديق بآياته ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي بحسب ماله في ذلك من الحكمة يبسط على هذا من المال كثيرا. ويضيق على هذا ويقتر على رزقه جدا. وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٢١] أي كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير وهذا غني موسع عليه، فكذلك هم في الآخرة هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا كما قال ﷺ : «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه» (١) رواه مسلم من حديث ابن عمرو ﵄.
وقوله تعالى: ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث «يقول الله تعالى أنفق، أنفق عليك» (٢) وفي الحديث أن ملكين يصبحان كل يوم يقول.
أحدهما: اللهم أعط ممسكا تلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقا خلفا (٣)، وقال رسول الله ﷺ «أنفق بلالا، ولا تخشى من ذي العرش إقلالا». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي عن يزيد بن عبد العزيز الفلاس، حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعض الموسر ما في يده حذار الإنفاق» ثم تلا هذه الآية ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾.