← Тафсир

Тафсир · id 23604

تفسير ابن كثير - ط العلمية

ابن كثير

Полный текст (3 956 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

تفسير سورة الشورى وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٦] ﴿حم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة. وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا منكرا فقال أخبرنا أحمد بن زهير حدثنا عبد الوهاب نجدة الحوطي حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج عن أرطاة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال له وعنده حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه: أخبرني عن تفسير قول الله تعالى: ﴿حم عسق﴾ قال فأطرق ثم أعرض عنه ثم كرر مقالته فأعرض عنه فلم يجبه بشيء وكره مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يحر إليه شيئا فقال له حذيفة ﵁: أنا أنبئك بها قد عرفت لم كرهها؟ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الإله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق تبنى عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقا فإذا أذن الله ﵎ في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث الله على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مكانها وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت؟ فما هو إلا بياض يومها ذلك حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم ثم يخسف الله بها وبهم جميعا فذلك قوله تعالى: ﴿حم عسق﴾ يعني عزيمة من الله تعالى وفتنة وقضاء حم عين يعني عدلا منه سين: يعني سيكون ق: يعني واقع بهاتين المدينتين. وأغرب منه ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في الجزء الثاني من مسند ابن عباس ﵁ وعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ في ذلك ولكن إسناده ضعيف جدا ومنقطع فإنه قال: حدثنا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم حدثنا أبو عبد الله الحسن بن يحيى الخشني الدمشقي عن أبي معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب ﵁ المنبر فقال: أيها الناس هل سمع منكم أحد رسول الله ﷺ يفسر ﴿حم عسق﴾ فوثب ابن عباس ﵁ فقال أنا، قال حم اسم من أسماء الله تعالى، قال فعين؟ قال عاين المولون عذاب يوم بدر، قال فسين؟ قال سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، قال فقاف؟ فسكت فقام أبو ذر ففسر كما قال ابن عباس ﵄ وقال قاف قارعة من السماء تغشى الناس. وقوله : ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي كما أنزل إليك هذا القرآن

стр. 3152

كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك. وقوله تعالى: ﴿اللهُ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتقامه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله. قال الإمام مالك ﵀ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول ﷺ كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يأتيني الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة ﵂ فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ﷺ ليتفصد عرقا (١). أخرجاه في الصحيحين ولفظه للبخاري. وقد رواه الطبراني عن عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ عن الحارث بن هشام أنه سأل رسول الله ﷺ كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال ﷺ : «في مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قاله-وقال- وهو أشده علي-قال-وأحيانا يأتيني الملك فيتمثل لي فيكلمني فأعي ما يقول» (٢). وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : «أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تقبض» تفرد به أحمد، وقد ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة. وقوله ﵎: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي الجميع عبيد له وملك له تحت قهره وتصريفه ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] والآيات في هذا كثيرة. وقوله : ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ قال ابن عباس ﵄ والضحاك وقتادة والسدي وكعب الأحبار أي فرقا من العظيمة (٤) ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ كقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: ٧] وقوله ﷻ : ﴿أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إعلام بذلك وتنويه به، وقوله

стр. 3153

: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ يعني المشركين ﴿اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي شهيد على أعمالهم يحصيها ويعدها عدا، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٧ إلى ٨] ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨)﴾ يقول تعالى وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ أي واضحا جليا بينا ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ وهي مكة ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ أي من سائر البلاد شرقا وغربا، وسميت مكة أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها، ومن أوجز ذلك وأدله ما قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: إن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو واقف بالحزورة (٢) في سوق مكة «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (٣) وهكذا رواية الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث الزهري به وقال الترمذي حسن صحيح. وقوله : ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد وقوله تعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في وقوعه وأنه كائن لا محالة. وقوله جل وعلا: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] أي يغبن أهل الجنة أهل النار، وكقوله : ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٣ - ١٠٥]. قال الإمام أحمد (٤) حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا ليث حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان؟» قال: قلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله. قال ﷺ للذي في يده اليمنى: «هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم-ثم

стр. 3154

أجمل (١) على آخرهم-لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا-ثم قال ﷺ للذي في يساره: هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا» فقال أصحاب رسول الله ﷺ فلأي شيء نعمل إن كان هذا الأمر قد فرغ منه فقال رسول الله ﷺ «سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل» ثم قال (٢) ﷺ بيده فقبضها ثم قال «فرغ ربكم من العباد-ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال فريق في الجنة-ونبذ باليسرى وقال-فريق في السعير» (٣) وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث بن سعد وبكر بن مضر كلاهما عن أبي قبيل عن شفي بن مانع الأصبحي عن عبد الله بن عمرو ﵄ به. وقال الترمذي حسن صحيح غريب وساقه البغوي في تفسيره من طريق بشر بن بكر عن سعيد بن عثمان عن أبي الزاهرية عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ فذكره بنحوه وعنده زيادات منها-ثم قال: فريق في الجنة وفريق في السعير عدل من الله ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عن الليث به ورواه ابن جرير (٤) عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي قبيل عن شفي عن رجل من الصحابة ﵃ فذكره. ثم روى عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث وحيوة بن شريح عن يحيى بن أبي أسيد أن أبا فراس حدثه أنه سمع عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: إن الله تعالى يقول: إن الله تعالى لما خلق آدم نفضه نفض المزود (٥) وأخرج منه كل ذريته فخرج أمثال النغف (٦) فقبضهم قبضتين ثم قال شقي وسعيد ثم ألقاهما ثم قبضهما فقال فريق في الجنة وفريق في السعير (٧) وهذا الموقوف أشبه بالصواب والله أعلم. وقال الإمام أحمد (٨) حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد يعني ابن سلمة أخبرنا الجريري عن أبي نضرة قال: إن رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعني يزورونه

стр. 3155

فوجدوه يبكي، فقالوا له ما يبكيك؟ ألم يقل لك رسول الله ﷺ خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني، قال بلى ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى قال هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي» فلا أدري في أي القبضتين أنا وأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدا منها حديث علي وابن مسعود وعائشة وجماعة جمة ﵃ أجمعين. وقوله ﵎: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي إما على الهداية أو على الضلالة ولكنه تعالى فاوت بينهم فهدى من يشاء إلى الحق وأضل من يشاء عنه وله الحكمة والحجة البالغة ولهذا قال : ﴿وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾. وقال ابن جرير (١) حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن أبي سويد أنه حدثه عن ابن حجيرة أنه بلغه أن موسى ﵊ قال: يا رب خلقك الذين خلقتهم جعلت منهم فريقا في الجنة وفريقا في النار لو ما أدخلتهم كلهم الجنة فقال يا موسى ارفع ذرعك فرفع قال قد رفعت قال ارفع فرفع فلم يترك شيئا قال يا رب قد رفعت قال ارفع قال قد رفعت إلا ما لا خير فيه قال كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة إلا ما لا خير فيه. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٩ إلى ١٢] ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾ يقول تعالى منكرا على المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ومخبرا أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده فإنه هو القادر على إحياء الموتى وهو على كل شيء قدير، ثم قال : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ أي مهما اختلفتم فيه من الأمور وهذا عام في جميع الأشياء ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ كقوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي﴾ أي الحاكم في كل شيء ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع في جميع الأمور. وقوله ﷻ : ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي خالقهما وما بينهما ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ أي من جنسكم وشكلكم منة عليكم وتفضلا جعل من جنسكم ذكرا وأنثى ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً﴾ أي وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج. وقوله ﵎:

стр. 3156

﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي يخلقكم فيه أي في ذلك الخلق على هذه الصفة لا يزال يذرؤكم فيه ذكورا وإناثا خلقا من بعد خلق وجيلا بعد جيل ونسلا بعد نسل من الناس والأنعام وقال البغوي ﵀ يذرؤكم فيه أي في الرحم وقيل في البطن وقيل في هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد نسلا من الناس والأنعام، وقيل في بمعنى الباء أي يذرؤكم به ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي ليس كخالق الأزواج كلها شيء لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الزمر وحاصل ذلك أنه المتصرف الحاكم فيهما ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يوسع على من يشاء ويضيق على من يشاء وله الحكمة والعدل التام ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٣ إلى ١٤] ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾ يقول تعالى لهذه الأمة: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ فذكر أول الرسل بعد آدم ﵇ وهو نوح ﵇ وآخرهم محمد ﷺ . ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم وهم إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ﵈ وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] الآية والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال : ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وفي الحديث «نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» (١) أي القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم كقوله ﷻ : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أي وصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة. ونهاهم عن الافتراق والاختلاف. وقوله : ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد. ثم قال ﷻ : ﴿اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي هو الذي يقدر الهداية لمن يستحقها ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد، ولهذا

стр. 3157

قال ﵎: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم وقيام الحجة عليهم وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشقة ثم قال : ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي لولا الكلمة السابقة من الله تعالى بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعا. وقوله جلت عظمته: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي ليسوا على يقين من أمرهم وإيمانهم وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد. [سورة الشورى (٤٢): آية ١٥] ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها حكم برأسه، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضا عشرة فصول كهذه. وقوله: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ﴾ أي فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك، أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه. وقوله : ﴿وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أي واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم الله ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ يعني المشركين فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان. وقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ﴾ أي صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم. وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي في الحكم كما أمرني الله، وقوله جلت عظمته: ﴿اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ﴾ أي هو المعبود لا إله غيره فنحن نقر بذلك اختيارا وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارا فله يسجد من في العالمين طوعا واختيارا. وقوله ﵎: ﴿لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ أي نحن برآء منكم، كما قال : ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقوله تعالى: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ قال مجاهد: أي لا خصومة. قال السدي: وذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه لأن هذه الآية مكية، وآية السيف بعد الهجرة. وقوله : ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ أي يوم القيامة، كقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع والمآب يوم الحساب.

стр. 3158

[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٦ إلى ١٨] ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ يقول تعالى متوعدا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى ﴿حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي باطلة عند الله ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ أي منه ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي يوم القيامة، قال ابن عباس ﵁ ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله ليصدوهم عن الهدى وطمعوا أن تعود الجاهلية، وقال قتادة: هم اليهود والنصارى قالوا لها: ديننا خير من دينكم ونبينا قبل نبيكم ونحن خير منكم وأولى بالله منكم (١)، وقد كذبوا في ذلك. ثم قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه ﴿وَالْمِيزانَ﴾ وهو العدل والإنصاف، قاله مجاهد وقتادة، وهذه كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وقوله: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧ - ٩]. وقوله ﵎: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فيه ترغيب فيها وترهيب منها وتزهيد في الدنيا، وقوله : ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ أي: يقولون ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩]، وإنما يقولون ذلك تكذيبا واستبعادا وكفرا وعنادا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها﴾ أي خائفون وجلون من وقوعها ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها. وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد، وفي بعض ألفاظه أن رجلا سأل رسول الله ﷺ بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره، فناداه فقال: يا محمد، فقال له رسول الله ﷺ نحوا من صوته: «هاؤم»، فقال له: متى الساعة؟ فقال رسول الله ﷺ : «ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟» فقال: حب الله ورسوله، فقال ﷺ : «أنت مع من أحببت» (٢)، فقوله في الحديث «المرء مع من أحب» (٣) هذا متواتر لا محالة،

стр. 3159

والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة بل أمره بالاستعداد لها. وقوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ﴾ أي يجادلون في وجودها ويدفعون وقوعها ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أي في جهل بين، لأن الذي خلق السموات والأرض قادر على إحياء الموتى بطريق الأولى والأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢] ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ يقول تعالى مخبرا عن لطفه بخلقه في رزقه إياهم عن آخرهم لا ينسى أحدا منهم، سواء في رزقه البر والفاجر، كقوله : ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] ولها نظائر كثيرة، وقوله جل وعلا: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ﴾ أي يوسع على من يشاء ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ أي لا يعجزه شيء ثم قال : ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أي عمل الآخرة ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي نقويه ونعينه على ما هو بصدده ونكثر نماءه ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا وليس له إلى الآخرة هم البتة بالكلية حرمه الله الآخرة والدنيا إن شاء أعطاه منها وإن لم يشأ لم يحصل لا هذه ولا هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة، والدليل على هذا أن هذه الآية هاهنا مقيدة بالآية التي في سبحان وهي قوله ﵎: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً. اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١]. وقال الثوري عن مغيرة عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال

стр. 3160

رسول الله ﷺ : «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب» (١) وقوله جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ أي هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإنس من تحريم ما حرموا عليهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل أكل الميتة والدم والقمار إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالة الباطلة التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم والعبادات الباطلة والأقوال الفاسدة. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة يجر قصبه في النار» (٢) لأنه أول من سيب السوائب، وكان هذا الرجل أحد ملوك خزاعة وهو أول من فعل هذه الأشياء وهو الذي حمل قريشا على عبادة الأصنام لعنه الله وقبحه ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي لعوجلوا بالعقوبة لولا ما تقدم من الإنظار إلى يوم المعاد ﴿وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي شديد موجع في جهنم وبئس المصير. ثم قال تعالى: ﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا﴾ أي في عرصات القيامة ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أي الذي يخافون منه واقع بهم لا محالة هذا حالهم يوم معادهم وهم في هذا الخوف والوجل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فأين هذا من هذا؟ أين من هو في العرصات في الذل والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه ممن هو في روضات الجنات فيما يشاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. قال الحسن بن عرفة: حدثنا عمرو بن عبد الرحمن الآبار، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري عن أبي طيبة قال إن الشرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول ما أمطركم؟ قال فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم حتى أن القائل منهم ليقول أمطرينا كواعب أترابا. ورواه ابن جرير عن الحسن بن عرفة به، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي الفوز العظيم والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٤] ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾ يقول تعالى لما ذكر روضات الجنات، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي هذا حاصل لهم كائن لا محالة ببشارة الله

стр. 3161

تعالى لهم به. وقوله : ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة. قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاوسا يحدث عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن قوله تعالى ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد فقال ابن عباس: عجلت إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة (١)، انفرد به البخاري، ورواه الإمام أحمد عن يحيى القطان عن شعبة به، وهكذا روى عامر الشعبي والضحاك وعلي بن أبي طلحة والعوفي ويوسف بن مهران وغير واحد عن ابن عباس ﵄ مثله، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم. وقاله الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام بن القاسم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال لهم رسول الله ﷺ : «لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم» وروى الإمام أحمد (٢) عن حسن بن موسى، حدثنا قزعة يعني ابن سويد وبن أبي حاتم عن أبيه عن مسلم بن إبراهيم عن قزعة بن سويد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرا إلا أن توادوا الله وأن تقربوا إليه بطاعته» وهكذا روى قتادة عن الحسن البصري مثله وهذا كأنه تفسير بقول ثان كأنه يقول ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ أي إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى. وقول ثالث وهو ما حكاه البخاري وغيره رواية عن سعيد بن جبير ما معناه أنه قال معنى ذلك أن تودوني في قرابتي أي تحسنوا إليهم وتبروهم. وقال السدي عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين ﵁ أسيرا فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرني الفتنة (٣) فقال له علي بن الحسين ﵁: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم، قال: ما قرأت ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾

стр. 3162

قال: وإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم، وقال أبو إسحاق السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله ﵎: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ فقال: قربى النبي ﷺ رواهما ابن جرير (١). ثم قال ابن جرير (٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام، حدثني يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس ﵄، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا، فقال ابن عباس أو العباس ﵄-شك عبد السلام-لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟» قالوا بلى يا رسول الله قال ﷺ : «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «أفلا تجيبوني؟» قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: «ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك أولم يكذبوك فصدقناك أولم يخذلوك فنصرناك» قال: فما زال ﷺ يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا في أيدينا لله ولرسوله، قال: فنزلت ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين عن عبد المؤمن بن علي، عن عبد السلام عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف بإسناده مثله أو قريبا منه. وفي الصحيحين في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية، وذكر نزولها في المدينة فيه نظر لأن السورة مكية وليس يظهر بين هذه الآية وبين السياق مناسبة، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر عن قيس عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: «فاطمة وولدها ﵄» وهذا إسناد ضعيف فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعي مخترق وهو حسين الأشقر ولا يقبل خبره في هذا المحل، وذكر نزول الآية في المدينة بعيد فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة ﵂ أولاد بالكلية فإنها لم تتزوج بعلي ﵁ إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة والحق تفسير هذه الآية بما فسرها به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄ كما رواه عنه البخاري ولا تنكر الوصاة بأهل البيت والأمر بالإحسان إليهم واحترامهم وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخرا وحسبا ونسبا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية

стр. 3163

الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه وعلي وأهل بيته وذريته ﵃ أجمعين. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغدير خم: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا على الحوض» (١) وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قلت: يا رسول الله إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها، قال: فغضب النبي ﷺ غضبا شديدا وقال «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب الرجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله». ثم قال أحمد (٣): حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة، قال: دخل العباس ﵁ على رسول الله ﷺ فقال: إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغضب رسول الله ﷺ ودر عرق بين عينيه ثم قال ﷺ : «والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي»، وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵄ عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ارقبوا محمدا ﷺ في أهل بيته (٤). وفي الصحيح أن الصديق ﵁ قال لعلي ﵁: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي (٥)، وقال عمر بن الخطاب للعباس ﵄ والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فحال الشيخين ﵄ هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين. وقال الإمام أحمد (٦) ﵀: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أبي حيان التيمي، حدثني يزيد بن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن ميسرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ﵁، فلما جلسنا إليه قال حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله ﷺ وسمعت حديثه وغزوت معه وصليت معه، لقد رأيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من

стр. 3164

رسول الله ﷺ ، فقال: يا ابن أخي والله لقد كبر سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ فما حدثتكم فاقبلوه وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال ﵁: قام رسول الله ﷺ يوما خطيبا فينا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر ووعظ، ثم قال ﷺ : «أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله تعالى فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه وقال ﷺ : «وأهل بيتي أذكركم في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه لسن من أهل بيته ولكن أهل بيته من حرم عليه الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس ﵃، قال: أكل هؤلاء حرم عليه الصدقة؟ قال: نعم (١)، وهكذا رواه مسلم والنسائي من طرق يزيد بن حيّان به. وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترة أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما» (٢) تفرد بروايته ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وقال الترمذي (٣) أيضا: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن عن جعفر بن محمد بن الحسن عن أبيه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: «يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي» تفرد به الترمذي أيضا، وقال: حسن غريب، وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد وزيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد ﵃. ثم قال الترمذي (٤) أيضا: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس ﵃، قال: قال رسول الله ﷺ : «أحبوا الله تعالى لما يغذوكم من نعمه، وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي بحبي» ثم قال: حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه، وقد أوردنا أحاديث أخر عند قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ﴾

стр. 3165

﴿عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] بما أغنى عن إعادتها هاهنا، ولله الحمد والمنة. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مفضل بن عبد الله عن أبي إسحاق عن حنش، قال: سمعت أبا ذر ﵁ وهو آخذ بحلقة الباب يقول: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح ﵊ من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك» هذا بهذا الإسناد ضعيف. وقوله : ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً﴾ أي ومن يعمل حسنة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً﴾ أي أجرا وثوابا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠]، وقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي يغفر الكثير من السيئات ويكثر القليل من الحسنات، فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر، وقوله جل وعلا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أي لو افتريت عليه كذبا كما يزعم هؤلاء الجاهلون ﴿يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ﴾ أي يطبع على قلبك ويسلبك ما كان آتاك من القرآن، كقوله ﷻ : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٧] أي لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه. وقوله جلت عظمته: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ ليس معطوفا على قوله ﴿يَخْتِمْ﴾ فيكون مجزوما بل هو مرفوع على الابتداء. قاله ابن جرير، قال: وحذفت من كتابته الواو في رسم مصحف الإمام، كما حذفت في قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]. وقوله ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ معطوف على ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ أي يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه بكلماته، أي بحججه وبراهينه ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما تكنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٥ إلى ٢٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ يقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه أنه من كرمه وحلمه أن يعفو ويصفح ويستر ويغفر، وكقوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء: ١١٠] وقد ثبت في صحيح مسلم رحمة الله عليه، حيث قال:

стр. 3166

حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك، وهو عمه ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ : «لله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كانت راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك-أخطأ من شدة الفرح» (١). وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود ﵁ نحوه. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ إن أبا هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش» وقال همام بن الحارث: سئل ابن مسعود ﵁ عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا بأس به، وقرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ الآية، رواه ابن جرير (٢) وابن أبي حاتم من حديث شريح القاضي عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي، عن همام فذكره، وقوله : ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ أي يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي ﴿وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ أي هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ومع هذا يتوب على من تاب إليه. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال السدي: يعني يستجيب لهم، وكذا قال ابن جرير (٣): معناه يستجيب الدعاء لهم ولأصحابهم وإخوانهم، وحكاه عن بعض النحاة، وأنه جعلها كقوله : ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] ثم روى هو وابن أبي حاتم من حديث الأعمش عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ ﵁ بالشام، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة، والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى من تسبون من فارس والروم الجنة وذلك بأن أحدكم إذا عمل له-يعني أحدهم عملا قال: أحسنت رحمك الله، أحسنت بارك الله فيك ثم قرأ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية أنه جعل قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كقوله ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ [الزمر: ١٨] أي هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه كقوله ﵎: ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] والمعنى الأول أظهر لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك. ولهذا قال

стр. 3167

ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن عبد الله الكندي، حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال «الشفاعة لمن وجبت له النار ممن صنع إليهم معروفا في الدنيا» وقال قتادة عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله : ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قال: يشفعون في إخوانهم ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: يشفعون في إخوان إخوانهم. وقوله ﴿وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لما ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرا وبطرا. وقال قتادة: كان يقال خير العيش ما لا يلهيك ولا يطغيك، وذكر قتادة حديث «إنما أخاف عليكم ما يخرج الله تعالى من زهرة الحياة الدنيا» وسؤال السائل: أيأتي الخير بالشر؟ الحديث. وقوله : ﴿وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم وهو أعلم بذلك فيغني من يستحق الغنى ويفقر من يستحق الفقر كما جاء في الحديث المروي «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه». وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا﴾ أي من بعد إياس الناس من نزول المطر ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه كقوله : ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] وقوله ﷻ : ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي يعم بها الوجود على أهل ذلك القطر وتلك الناحية. قال قتادة: ذكر لنا أن رجلا قال لعمر بن الخطاب ﵁: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط الناس. فقال عمر ﵁: مطرتم ثم قرأ ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ أي هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٩ إلى ٣١] ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ﴾ الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر ﴿خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما﴾ أي ذرأ فيهما في السموات والأرض ﴿مِنْ دابَّةٍ﴾ وهذا يشمل الملائكة والإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم وطباعهم

стр. 3168

وأجناسهم وأنواعهم وقد فرقهم في أرجاء أقطار السموات والأرض ﴿وَهُوَ﴾ مع هذا كله ﴿عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ أي يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق. وقوله : ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هي عن سيئات تقدمت لكم ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي من السيئات فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وفي الحديث الصحيح «والذي نفسي بيده ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها» (١). وقال ابن جرير (٢): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب قال: قرأت في كتاب أبي قلابة قال نزلت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] وأبو بكر ﵁ يأكل فأمسك وقال: يا رسول الله إني أرى ما عملت من خير وشر، فقال: «أرأيت ما رأيت مما تكره، فهو من مثاقيل ذر الشر وتدخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة» وقال: قال أبو إدريس: فإني أرى مصداقها في كتاب الله تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ ثم رواه من وجه آخر عن أبي قلابة عن أنس ﵁ قال والأول أصح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا الأزهر بن راشد الكاهلي عن الخضر بن القواس البجلي عن أبي سخيلة عن علي ﵁ قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله ، وحدثنا به رسول الله ﷺ ، قال: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ وسأفسرها لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم والله تعالى أحلم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه» وكذا رواه الإمام أحمد (٣) عن مروان بن معاوية وعبدة عن أبي سخيلة قال: قال علي ﵁ فذكر نحوه مرفوعا. ثم روى ابن أبي من وجه آخر موقوفا فقال: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح عن أبي الحسن عن أبي جحيفة قال دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يعيه؟ قال: فسألناه فتلا هذه الآية ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ قال ما عاقب الله تعالى به في الدنيا فالله أحلم من أن يثني عليه بالعقوبة يوم القيامة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم

стр. 3169

من أن يعود عفوه يوم القيامة. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا طلحة يعني ابن يحيى عن أبي بردة عن معاوية هو ابن أبي سفيان ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله تعالى عنه به من سيئاته» وقال الإمام أحمد (٢) أيضا: حدثنا حسين عن زائدة عن ليث عن مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفرها». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن هو البصري قال في قوله ﵎: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ قال لما نزلت قال رسول الله ﷺ «والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا اختلاج (٣) عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفوالله عنه أكثر». وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن علي، حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن عمران بن حصين ﵁ قال: دخل عليه بعض أصحابه وقد كان ابتلي في جسده فقال له بعضهم إنا لنبتئس لك لما نرى فيك، قال فلا تبتئس بما ترى فإن ما ترى بذنب وما يعفوالله عنه أكثر ثم تلا هذه الآية ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾. وحدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا جرير عن أبي البلاد قال: قلت للعلاء بن بدر ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وقد ذهب بصري وأنا غلام؟ قال فبذنوب والديك. وحدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع عن عبد العزيز بن أبي رواد عن الضحاك قال: ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ثم قرأ الضحاك ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ ثم يقول الضحاك: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٢ إلى ٣٥] ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾ يقول تعالى ومن آياته الدالة على قدرته الباهرة وسلطانه تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره وهي الجواري في البحر كالأعلام أي كالجبال، قاله مجاهد والحسن والسدي والضحاك: أي هذه في البحر كالجبال في البر ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ أي التي تسير في البحر

стр. 3170

بالسفن لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك السفن بل تبقى راكدة لا تجيء ولا تذهب بل واقفة على ظهره أي على وجه الماء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ أي في الشدائد ﴿شَكُورٍ﴾ أي إن في تسخيره البحر وإجرائه الهوى بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم لدلالات على نعمة تعالى على خلقه لكل صبار أي في الشدائد ﴿شَكُورٍ﴾ في الرخاء. وقوله ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ أي ولو شاء لأهلك السفن وغرقها بذنوب أهلها الذين هم راكبون عليها ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي من ذنوبهم ولو أخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك كل من ركب البحر. وقال بعض علماء التفسير معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ أي لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة مقصد، وهذا القول يتضمن هلاكها وهو مناسب للأول وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت أو لقواه فشردت وأبقت وهلكت، ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة كما يرسل المطر بقدر الكفاية ولو أنزله كثيرا جدا لهدم البنيان أو قليلا لما أنبت الزرع والثمار حتى أنه يرسل إلى مثل بلاد مصر سيحا من أرض أخرى غيرها لأنهم لا يحتاجون إلى مطر ولو أنزل عليهم لهدم بنيانهم وأسقط جدرانهم، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي لا محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا فإنهم مقهورون بقدرتنا. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٦ إلى ٣٩] ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾ يقول تعالى محقرا لشأن الحياة الدنيا وزينتها وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني بقوله تعالى: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به فإنما هو متاع الحياة الدنيا وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ أي وثواب الله تعالى خير من الدنيا وهو باق سرمدي فلا تقدموا الفاني على الباقي ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي للذين صبروا على ترك الملاذ في الدنيا ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرمات. ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش في سورة الأعراف ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس ليس سجيتهم الانتقام من الناس. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله (١) وفي حديث آخر كان يقول لأحدنا عند المعتبة: «ما له

стр. 3171

تربت جبينه» (١) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن زائدة عن منصور عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا إذا قدروا عفوا. وقوله : ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي اتبعوا رسله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ وهي أعظم العبادات لله ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ أي لا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا فيه ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما قال ﵎: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية ولهذا كان ﵇ يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب ﵁ الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين فاجتمع رأي الصحابة كلهم ﵃ على تقديم عثمان عليهم ﵃ ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وذلك بالإحسان إلى خلق الله الأقرب إليهم منهم فالأقرب. وقوله : ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم ليسوا بالعاجزين ولا الأذلين بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا كما قال يوسف ﵊ لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه وكما عفا رسول الله ﷺ عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل التنعيم فلما قدر عليهم منّ عليهم مع قدرته على الانتقام وكذلك عفوه ﷺ عن غورث بن الحارث الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم فاستيقظ ﵇ وهو في يده مصلتا فانتهره فوضعه من يده وأخذ رسول الله ﷺ السيف من يده ودعا أصحابه ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمر هذا الرجل وعفا عنه (٢). وكذلك عفا ﷺ عن لبيد بن الأعصم الذي سحره ﵇ ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه مع قدرته عليه وكذلك عفوه ﷺ عن المرأة اليهودية-وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمود بن مسلمة-التي سمت الذراع يوم خيبر-فأخبره الذراع بذلك فدعاها فاعترفت فقال ﷺ : «ما حملك على ذلك؟» قالت: أردت إن كنت نبيا لم يضرك وإن لم تكن نبيا استرحنا منك (٣) فأطلقها ﵊ ولكن لما مات منه بشر بن البراء

стр. 3172

﵁ قتلها به، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا، والله أعلم. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٠ إلى ٤٣] ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ قوله ﵎: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وكقوله: ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] الآية، فشرع العدل وهو القصاص وندب إلى الفضل وهو العفو كقوله جل وعلا: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] ولهذا قال هاهنا: ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي لا يضيع ذلك عند الله كما صح ذلك في الحديث «وما زاد الله تعالى عبدا بعفو إلا عزا» (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي المعتدين وهو المبتدئ بالسيئة. ثم قال جل وعلا: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم. قال ابن جرير (٢): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار في قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ فحدثني علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد امرأة أبيه قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة ﵂، قالت: قالت أم المؤمنين ﵂: دخل علينا رسول الله ﷺ وعندنا زينب بنت جحش ﵂، فجعل النبي ﷺ يصنع بيده شيئا فلم يفطن لها، فقلت بيده حتى فطنته لها فأمسك، وأقبلت زينب ﵂ تقحم (٣) لعائشة ﵂ فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لعائشة ﵂ «سبيها» فسبتها فغلبتها، وانطلقت زينب ﵂ فأتت عليا ﵁ فقالت إن عائشة تقع بكم وتفعل بكم فجاءت فاطمة ﵂ فقال ﷺ لها «إنها حبة أبيك ورب الكعبة» فانصرفت، وقالت لعلي ﵁: إني قلت له ﷺ كذا وكذا، فقال لي كذاو كذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي إلى النبي ﷺ وكلمه في ذلك، هكذا أورد هذا السياق، وعلي بن زيد بن جدعان، يأتي في رواياته بالمنكرات غالبا، وهذا فيه نكارة. والصحيح خلاف هذا السياق، كما رواه النسائي وابن ماجة من حديث خالد بن سلمة

стр. 3173

الفأفاء، عن عبد الله البهي عن عروة، قال: قالت عائشة ﵂، ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله ﷺ : حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر ذريّعتيها (١)، ثم أقبلت علي فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ «دونك فانتصري» فأقبلت عليها حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فمها ما ترد علي شيئا، فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه (٢)، وهذا لفظ النسائي. وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو الأحوص عن أبي حمزة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» ورواه الترمذي (٣) من حديث أبي الأحوص عن أبي حمزة واسمه ميمون، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وقوله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي إنما الحرج والعنت ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي يبدؤون الناس بالظلم، كما جاء في الحديث الصحيح «المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم» (٤) ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي شديد موجع. قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، حدثنا عثمان الشحام، حدثنا محمد بن واسع قال: قدمت مكة فإذا على الخندق منظرة (٥)، فأخذت حاجتي فانطلق بي إلى مروان بن المهلب، وهو أمير على البصرة فقال ما حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي إن استطعت أن تكون كما قال أخو بني عدي، قال: ومن أخو بني عدي؟ قال العلاء بن زياد: استعمل صديقا له مرة على عمل، فكتب إليه: أما بعد، فإن استطعت أن لا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خميص، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك، لم يكن عليك سبيل ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فقال مروان: صدق والله ونصح، ثم قال: ما حاجتك يا أبا عبد الله، قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي، قال: نعم، رواه ابن أبي حاتم، ثم إن الله تعالى، لما ذم الظلم وأهله وشرع القصاص، قال نادبا إلى العفو والصفح: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾، أي صبر على الأذى، وستر السيئة ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني لمن حق الأمور التي أمر الله بها، أي لمن الأمور

стр. 3174

المشكورة، والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل، وثناء جميل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي، حدثنا عبد الصمد بن يزيد خادم الفضيل بن عياض قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا، فقل: يا أخي اعف عنه فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله ، فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا يحيى يعني ابن سعيد القطان، عن ابن عجلان، حدثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رجلا شتم أبا بكر ﵁ والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي وقام، فلحقه أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال: «إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان فلم أكن لأقعد مع الشيطان-ثم قال-يا أبا بكر: ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها الله، إلا أعزه الله تعالى بها ونصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله بها قلة» وكذا رواه أبو داود عن عبد الأعلى بن حماد عن سفيان بن عيينة قال: ورواه صفوان بن عيسى كلاهما عن محمد بن عجلان، ورواه من طريق الليث عن سعيد المقبري عن بشير بن المحرر عن سعيد بن المسيب مرسلا، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى، وهو مناسب للصديق ﵁. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٤ إلى ٤٦] ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾ يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة أنه ما يشاء كان ولا راد له، وما لم يشأ لم يكن فلا موجد له، وأنه من هداه فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، كما قال : ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾ [الكهف: ١٧] ثم قال مخبرا عن الظالمين وهم المشركون بالله: ﴿لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ أي يوم القيامة تمنوا الرجعة إلى الدنيا ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾

стр. 3175

كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨]. وقوله : ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ أي على النار ﴿خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله تعالى ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ قال مجاهد: يعني ذليل أي ينظرون إليها مسارقة خوفا منها والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم، أجارنا الله من ذلك. ﴿وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يقولون يوم القيامة ﴿إِنَّ الْخاسِرِينَ﴾ أي الخسار الأكبر ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي ذهب بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد وخسروا أنفسهم، وفرق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم وأهاليهم وقراباتهم فخسروهم ﴿أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ أي دائم سرمدي أبدي لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها. وقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي ليس له خلاص. [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٧ إلى ٤٨] ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾ لما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة، حذر منه وأمر بالاستعداد له، فقال: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ أي إذا أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون، وليس له دافع ولا مانع. وقوله : ﴿ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي ليس لكم حصن تتحصنون فيه ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه فتغيبون عن بصره ﵎، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته، فلا ملجأ منه إلا إليه ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلاّ لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ يعني المشركين ﴿فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ أي لست عليهم بمسيطر، وقال : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال جل وعلا هاهنا: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ أي إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم. ثم قال ﵎: ﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها﴾ أي إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يعني الناس ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أي جدب وبلاء وشدة ﴿فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ أي يجحد ما تقدم من النعمة ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط، كما قال رسول الله ﷺ للنساء: «يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن

стр. 3176

أكثر أهل النار» فقالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يوما، قالت: ما رأيت منك خيرا قط» (١) وهذا حال أكثر الناس، إلا من هداه الله تعالى وألهمه رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال ﷺ : «إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (٢). [سورة الشورى (٤٢): الآيات ٤٩ إلى ٥٠] ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ يخبر تعالى أنه خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشأ ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً﴾ أي يرزقه البنات فقط. قال البغوي: ومنهم لوط ﵊. ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ أي يرزقه البنين فقط، قال البغوي: كإبراهيم الخليل ﵊ لم يولد له أنثى ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً﴾ أي ويعطي لمن يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى أي من هذا وهذا، قال البغوي: كمحمد ﵊ ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً﴾ أي لا يولد له. قال البغوي: كيحيى وعيسى ﵉، فجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطيه البنين، ومنهم من يعطيه من النوعين ذكورا وإناثا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا فيجعله عقيما لا نسل له ولا يولد له. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام ﴿قَدِيرٌ﴾ أي على من يشاء من تفاوت الناس في ذلك، وهذا المقام شبيه بقوله ﵎ عن عيسى ﵊ ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ [مريم: ٢١] أي دلالة لهم على قدرته تعالى وتقدس حيث خلق الخلق على أربعة أقسام، فآدم ﵊ مخلوق من تراب لا من ذكر ولا أنثى، وحواء ﵍ مخلوقة من ذكر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى ﵇ من أنثى بلا ذكر، فتمت الدلالة بخلق عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ﴾ فهذا المقام في الآباء والمقام الأول في الأبناء وكل منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير.

стр. 3177

[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥١ إلى ٥٣] ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ هذه مقامات الوحي بالنسبة إلى جنات الله ، وهو أنه ﵎ تارة يقذف في روع النبي ﷺ شيئا لا يتمارى فيه أنه من الله ، كما جاء في صحيح ابن حبان عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب». وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ كما كلم موسى ﵊، فإنه سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجابر بن عبد الله ﵄: «ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا» (١) كذا جاء في الحديث، وكان قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا. وقوله : ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ﴾ كما ينزل جبريل ﵊ وغيره من الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ فهو علي عليم خبير حكيم. وقوله : ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ يعني القرآن ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ﴾ أي على التفصيل الذي شرع لك في القرآن ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ﴾ أي القرآن ﴿نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] الآية. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ﴾ أي يا محمد ﴿لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الخلق القويم، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿صِراطِ اللهِ﴾ أي وشرعه الذي أمر به الله ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي ربهما ومالكهما والمتصرف فيهما والحاكم الذي لا معقب لحكمه ﴿أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي ترجع الأمور فيفصلها ويحكم فيها سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا.

стр. 3178

سورة الزخرف وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ٨] ﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ يقول تعالى: ﴿حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي البين الواضح الجلي المعاني والألفاظ، لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ أي نزلناه ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ أي بلغة العرب فصيحا واضحا ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تفهمونه وتتدبرونه، كما قال : ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ بين شرفه في الملأ الأعلى ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتابِ﴾ أي اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد ﴿لَدَيْنا﴾ أي عندنا، قاله قتادة وغيره ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل قاله قتادة ﴿حَكِيمٌ﴾ أي محكم بريء من اللبس والزيغ. وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال ﵎: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٨٠] وقال تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ. كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦] ولهذا استنبط العلماء ﵃ من هاتين الآيتين أن المحدث لا يمس المصحف كما ورد به الحديث إن صح، لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى، لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. وقوله : ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ اختلف المفسرون في معناها فقيل معناها أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به، قاله ابن عباس ﵄ وأبو صالح ومجاهد والسدي واختاره ابن جرير (١)، وقال

стр. 3179

قتادة في قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً﴾ والله لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء الله من ذلك، وقول قتادة لطيف المعنى جدا، وحاصله أنه يقول في معناه إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن، وإن كانوا مسرفين معرضين عنه بل أمر به ليهتدي به من قدر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته. ثم قال جل وعلا مسليا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه وآمرا له بالصبر عليهم: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي في شيع الأولين ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أي يكذبونه ويسخرون به. وقوله ﵎: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ أي فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد، كقوله : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر: ٨٢] والآيات في ذلك كثيرة جدا. وقوله ﷻ : ﴿وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال مجاهد: سنتهم. وقال قتادة: عقوبتهم. وقال غيرهما: عبرتهم، أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦] وكقوله جلت عظمته: ﴿سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] وقال : ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٥٦]. [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٩ إلى ١٤] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ يقول تعالى: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله، العابدين معه غيره ﴿مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً﴾ أي فراشا قرارا ثابتة تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتنصرفون، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً﴾ أي طرقا بين الجبال والأودية ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.

стр. 3180

وقوله ﵎: ﴿فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ أي أرضا ميتة، فلما جاءها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ثم نبه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها، فقال: ﴿كَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. ثم قال : ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ أي مما تنبت الأرض من سائر الأصناف من نبات وزروع وثمار وأزاهير وغير ذلك من الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ أي السفن ﴿وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أي ذللها لكم وسخرها ويسرها لأكلكم لحومها وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها، ولهذا قال جل وعلا: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي لتستووا متمكنين مرتفقين (١) ﴿عَلى ظُهُورِهِ﴾ أي على ظهور هذا الجنس ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ أي فيما سخر لكم ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي مقاومين، ولولا تسخير الله لنا هذا ما قدرنا عليه. قال ابن عباس ﵄ وقتادة والسدي وابن زيد: مقرنين، أي مطيقين (٢)، ﴿وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ [البقرة: ١٩٧] وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة [حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب] ﵁. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة قال: رأيت عليا ﵁ أتى بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد لله ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ ثم حمد الله تعالى ثلاثا وكبر ثلاثا، ثم قال: سبحانك لا إله إلا أنت قد ظلمت نفسي فاغفر لي ثم ضحك، فقلت له: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال ﵁: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثلما فعلت ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «يعجب الرب ﵎ من عبده إذا قال رب اغفر لي، ويقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري» وهكذا رواه أبو

стр. 3181

داود (١) والترمذي (٢) والنسائي (٣) من حديث أبي الأحوص، زاد النسائي ومنصور عن أبي إسحاق السبيعي عن علي بن ربيعة الأسدي الوالبي به. وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة: قلت لأبي إسحاق السبيعي: ممن سمعت هذا الحديث؟ قال: من يونس بن خباب، فلقيت يونس بن خباب فقلت: ممن سمعته؟ فقال: من رجل سمعه من علي بن ربيعة، ورواه بعضهم عن يونس بن خباب عن شقيق بن عقبة الأسدي عن علي بن ربيعة الوالبي به. [حديث عبد الله بن عباس] ﵄. قال الإمام أحمد (٤): حدثنا أبو المغيرة «حدثنا أبو بكر بن عبد الله عن علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: إن رسول الله ﷺ أردفه على دابته، فلما استوى عليها كبر رسول الله ﷺ ثلاثا وحمد ثلاثا، وهلل واحدة، ثم استلقى عليه فضحك، ثم أقبل عليه فقال «ما من امرئ مسلم يركب فيصنع كما صنعت، إلا أقبل الله عليه، فضحك إليه كما ضحكت إليك» تفرد به أحمد. [حديث عبد الله بن عمر] ﵄. قال الإمام أحمد (٥): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن علي بن عبد الله البارقي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: إن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته كبر ثلاثا ثم قال ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ -ثم يقول-اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا وأخلفنا في أهلنا». وكان ﷺ إذا رجع إلى أهله قال: «آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربنا حامدون» (٦) وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج، والترمذي من حديث حماد بن سلمة، كلاهما عن أبي الزبير به. [حديث آخر] قال الإمام أحمد (٧): حدثنا محمد بن عبيد حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن عمرو بن الحكم بن ثوبان عن أبي لاس الخزاعي قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسول الله ما نرى أن تحملنا هذه،

стр. 3182

فقال ﷺ : «ما من بعير إلا في ذروته شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله » أبو لاس اسمه محمد بن الأسود بن خلف. [حديث آخر] في معناه-قال أحمد (١): حدثنا عتاب، أخبرنا عبد الله، وعلي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، أخبرنا أسامة بن زيد، أخبرني محمد بن حمزة أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «على ظهر كل بعير شيطان فإذا ركبتموها فسموا الله ثم لا تقصروا عن حاجاتكم». [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٥ إلى ٢٠] ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ يقول تعالى مخبرا عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها لله تعالى، كما ذكر الله عنهم في سورة الأنعام في قوله ﵎: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦] وكذلك جعلوا له في قسمي البنات والبنين أخسهما وأردأهما وهو البنات، كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢] وقال جل وعلا هاهنا: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثم ذكر تمام الإنكار، فقال جلت عظمته ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كابة من سوء ما بشر به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك، يقول ﵎: فكيف تأنفون من ذلك وتنسبونه إلى الله ، ثم قال : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ أي المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة وإذا خاصمت فلا عبارة لها، بل هي عاجزة عيية أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله العظيم، فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه ليجبر ما فيها من نقص كما قال بعض شعراء العرب:

стр. 3183

[الطويل] وما الحلي إلا زينة من نقيصة … يتمّم من حسن إذا الحسن قصّرا وأمّا إذا كان الجمال موفّرا … كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا وأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بشر ببنت: ما هي بنعم الولد نصرها بالبكاء، وبرها سرقة، وقوله ﵎: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً﴾ أي اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أي شاهدوه وقد خلقهم الله إناثا ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾ أي بذلك ﴿وَيُسْئَلُونَ﴾ عن ذلك يوم القيامة وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ أي لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله، فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: [أحدها] جعلهم لله تعالى ولدا، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوا كبيرا. [الثاني] دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا. [الثالث] عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان ولا إذن من الله ، بل بمجرد الآراء والأهواء والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء والخبط في الجاهلية الجهلاء. [الرابع] احتجاجهم بتقريرهم على ذلك قدرا، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلا كبيرا، فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار فإنه منذ بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦] وقال : ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] وقال جل وعلا في هذه الآية بعد أن ذكر حجتهم هذه: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي بصحة ما قالوه واحتجوا به ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون ويتقولون. وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ يعني ما يعلمون قدرة الله ﵎ على ذلك (١). [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢١ إلى ٢٥] ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾

стр. 3184

يقول تعالى منكرا على المشركين في عبادتهم غير الله بلا برهان ولا دليل ولا حجة ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل شركهم ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي فيما هم فيه ليس الأمر كذلك، كقوله : ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٥] أي لم يكن ذلك. ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة والمراد بها الدين هاهنا. وفي قوله ﵎: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] وقولهم: ﴿وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ﴾ أي وراءهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾ دعوى منهم بلا دليل. ثم بين جل وعلا أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم فقالوا مثل مقالتهم ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٢ - ٥٣] وهكذا قال هاهنا: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. ثم قال : «قل» أي يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ أي ولو علموا وتيقنوا صحة ما جئتم به لما انقادوا لذلك لسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله. قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ أي من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب كما فصله ﵎ في قصصهم ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي كيف بادوا وهلكوا وكيف نجى الله المؤمنين. [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٢٦ إلى ٣٥] ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء ووالد من بعث بعده من الأنبياء

стр. 3185

الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها أنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي هذه الكلمة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا الله أي جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم ﵊ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي إليها. قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله : ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يعني لا إله إلا الله لا يزال في ذريته من يقولها (١)، وروي نحوه عن ابن عباس ﵄. وقال ابن زيد: كلمة الإسلام وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة، ثم قال جل وعلا: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ﴾ يعني المشركين ﴿وَآباءَهُمْ﴾ أي فتطاول عليهم العمر في ضلالهم ﴿حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي بيّن الرسالة والنذارة ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أي كابروه وعاندوه ودفعوا بالصدور والراح كفرا وحسدا وبغيا ﴿وَقالُوا﴾ أي كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ أي هلا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف، قاله ابن عباس ﵄ وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي وقتادة والسدي وابن زيد، وقد ذكر غير واحد منهم أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي. وقال مالك عن زيد بن أسلم والضحاك والسدي: يعنون الوليد بن المغيرة ومسعود بن عمرو الثقفي. وعن مجاهد: يعنون عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي وعنه أيضا أنهم يعنون عتبة بن ربيعة. وعن ابن عباس ﵄: جبارا من جبابرة قريش، وعنه ﵄ أنهم يعنون الوليد بن المغيرة وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وعن مجاهد: يعنون عتبة بن ربيعة بمكة وابن عبد يا ليل بالطائف. وقال السدي: عنوا بذلك الوليد بن المغيرة وكنانة بن عمرو بن عمير الثقفي، والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان قال الله ﵎ رادا عليهم في هذا الاعتراض ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي ليس الأمر مردودا إليهم. بل إلى الله ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا. وأشرفهم بيتا، وأطهرهم أصلا. ثم قال مبينا أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ الآية. وقوله جلت عظمته: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾

стр. 3186

قيل معناه ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي وغيره. وقال قتادة والضحاك ليملك بعضهم بعضا وهو راجع إلى الأول: ثم قال : ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ أي رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا، ثم قال : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ أي لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه فيجتمعوا على الكفر لأجل المال هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغيرهم ﴿لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ﴾ أي سلالم ودرجا من فضة قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم ﴿عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ أي يصعدون ولبيوتهم أبوابا أي أغلاقا على أبوابهم ﴿وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ﴾ أي جميع ذلك يكون فضة ﴿وَزُخْرُفاً﴾ أي وذهبا، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد. ثم قال ﵎: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي إنما ذلك من الدنيا الفانية الزائلة الحقيرة عند الله تعالى، أي يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب ليوافوا الآخرة، وليس لهم عند الله ﵎ حسنة يجزيهم بها كما ورد به الحديث الصحيح. وورد في حديث آخر «لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء» أسنده البغوي من رواية زكريا بن منظور عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي ﷺ فذكره. ورواه الطبراني من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل بن سعد عن النبي ﷺ «لو عدلت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما أعطى كافرا منها شيئا». ثم قال : ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا لما قال عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ حين صعد إليه في تلك المشربة لما آلى ﷺ من نسائه فرآه على رمال حصير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء وقال: يا رسول الله هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه، وكان رسول الله ﷺ متكئا فجلس وقال: «أو فيّ شاك أنت يا ابن الخطاب؟» ثم قال ﷺ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» (١) وفي رواية «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» (٢). وفي الصحيحين أيضا وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» (٣) وإنما خولهم الله تعالى

стр. 3187

في الدنيا لحقارتهم كما روى الترمذي وابن ماجة من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء أبدا» (١) قال الترمذي: حسن صحيح. [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ إلى ٤٥] ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي يتعامى ويتغافل ويعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ﴾ والعشا في العين ضعف بصرها، والمراد هاهنا عشا البصيرة ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] الآية، وكقوله: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وكقوله ﷻ : ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥] الآية، ولهذا قال ﵎ هاهنا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتّى إِذا جاءَنا﴾ (٢) أي هذا الذي تغافل عن الهدى نقيض له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وقرأ بعضهم «حتى إذا جاءانا» يعني القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة سفع بيده شيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله ﵎ إلى النار، فذلك حين يقول ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ والمراد بالمشرقين هاهنا هو ما بين المشرق والمغرب وإنما استعمل هاهنا تغليبا كما يقال: القمران والعمران والأبوان، قاله ابن جرير (٣) وغيره. ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي لا يغني عنكم

стр. 3188

اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم. وقوله جلت عظمته: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي ليس ذلك إليك إنما عليك البلاغ وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحكم العدل في ذلك ثم قال تعالى: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي لا بد أن ننتقم منهم ونعاقبهم ولو ذهبت أنت ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ أي نحن قادرون على هذا وعلى هذا ولم يقبض الله تعالى رسوله ﷺ حتى أقر عينه من أعدائه وحكمه في نواصيهم، وملكه ما تضمنته صياصيهم! هذا معنى قول السدي واختاره ابن جرير. وقال ابن جرير (١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر قال: تلا قتادة ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ فقال: ذهب النبي ﷺ وبقيت النقمة، ولن يري الله ﵎ نبيه ﷺ في أمته شيئا يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في أمته إلا نبيكم ﷺ . قال: وذكر لنا أن رسول الله ﷺ أري ما يصيب أمته من بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتى قبضه الله ، وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه، ثم روى ابن جرير عن الحسن نحو ذلك أيضا، وفي الحديث «النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون» (٢) ثم قال ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي خذ بالقرآن المنزل على قلبك، فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم الموصل إلى جنات النعيم والخير الدائم المقيم. ثم قال ﷻ : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قيل معناه لشرف لك ولقومك، قاله ابن عباس ﵄ ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد، واختاره ابن جرير (٣) ولم يحك سواه وأورد البغوي هاهنا حديث الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه ما أقاموا الدين» (٤) رواه البخاري ومعناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخلص من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم، وقيل معناه ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] وكقوله تبارك

стр. 3189

وتعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] ﴿وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ أي عن هذا القرآن، وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له. وقوله : ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أي جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله جلت عظمته: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] قال مجاهد في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا. وهكذا حكاه قتادة والضحاك والسدي عن ابن مسعود ﵁، وهذا كأنه تفسير لا تلاوة، والله أعلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: واسألهم ليلة الإسراء، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعوا له، واختار ابن جرير (١) الأول، والله أعلم. [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٤٦ إلى ٥٠] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾ يقول تعالى مخبرا عبده ورسوله موسى ﵇ أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء والقادة والأتباع والرعايا من القبط وبني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بعث معه آيات عظاما كيده وعصاه، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكذبوها وسخروا منها وضحكوا ممن جاءهم بها ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾ ومع هذا ما رجعوا عن غيهم وضلالهم، وجهلهم وخبالهم وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات يضرعون إلى موسى ﵊ ويتلطفون له في العبارة بقولهم: ﴿يا أَيُّهَا السّاحِرُ﴾ أي العالم، قاله ابن جرير (٢). وكان علماء زمانهم هم السحرة. ولم يكن السحر في زمانهم مذموما عندهم فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منهم لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم، ففي كل مرة يعدون موسى ﵇ إن كشف عنهم هذا أن يؤمنوا به ويرسلوا معه بني إسرائيل وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا عليه، وهذا كقوله ﵎:

стр. 3190

﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٣ - ١٣٥]. [سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥١ إلى ٥٦] ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ يقول تعالى مخبرا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده، أنه جمع قومه فنادى فيهم متبجحا مفتخرا بملك مصر وتصرفه فيها ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ قال قتادة: قد كانت لهم جنات وأنهار ماء (١) ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أي أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، يعني وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء وهذا كقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى﴾ [النازعات: ٢٣ - ٢٥]. وقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ قال السدي: يقول بل أنا خير من هذا الذي هو مهين (٢)، وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن أم هاهنا بمعنى بل، ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها «أما أنا خير من هذا الذي هو مهين» قال ابن جرير (٣): ولو صحت هذه القراءة لكان معناها صحيحا واضحا، ولكنها خلاف قراءة الأمصار فإنهم قرءوا ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ على الاستفهام [قلت] وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون لعنه الله بذلك أنه خير من موسى ﵊، وقد كذب في قوله هذا كذبا بينا واضحا، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ويعني بقوله ﴿مَهِينٌ﴾ كما قال سفيان حقير، وقال قتادة والسدي: يعني ضعيف. وقال ابن جرير: يعني لا ملك له ولا سلطان ولا مال ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ يعني لا يكاد يفصح عن كلامه فهو عيي حصر. قال السدي ﴿لا يَكادُ يُبِينُ﴾ أي لا يكاد يفهم. وقال قتادة والسدي وابن جرير: يعني عيي اللسان، وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فيه وهو صغير، وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد وهو ينظر إلى موسى ﵊ بعين كافرة شقية، وقد كان موسى ﵇ من الجلالة والعظمة
следующие страницы →