ثديي-أو قال نحري-فعلمت ما في السموات وما في الأرض. ثم قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى، قال: قلت نعم، يختصمون في الكفارات والدرجات، قال:
وما الكفارات والدرجات؟ قال: قلت المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه، وقال: قل يا محمد إذا صليت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون قال: والدرجات بذل الطعام وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام» وقد تقدم في آخر سورة ﴿ص﴾ عن معاذ نحوه.
وقد رواه ابن جرير (١) من وجه آخر عن ابن عباس وفيه سياق آخر وزيادة غريبة فقال:
حدثني أحمد بن عيسى التميمي، حدثني سليمان بن عمر بن سيار، حدثني أبي عن سعيد بن زربي عن عمر بن سليمان، عن عطاء عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : «رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت لا يا رب، فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السموات والأرض فقلت يا رب في الدرجات والكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فقلت يا رب إنك اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما وفعلت وفعلت فقال ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أفعل بك ألم أفعل بك؟ قال فأفضى إلي بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها قال فذاك قوله في كتابه: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي» إسناده ضعيف.
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر بسنده إلى هبار بن الأسود ﵁ أن عتبة بن أبي لهب لما خرج في تجارة إلى الشام قال لأهل مكة اعلموا أني كافر بالذي دنا فتدلى، فبلغ قوله رسول الله ﷺ فقال: سلط الله عليه كلبا من كلابه. قال هبار: فكنت معهم فنزلنا بأرض كثيرة الأسد، قال فلقد رأيت الأسد جاء فجعل يشم رؤوس القوم واحدا واحدا حتى تخطى إلى عتبة فاقتطع رأسه من بينهم. وذكر ابن إسحاق وغيره في السيرة أن ذلك كان بأرض الزرقاء وقيل بالسراة، وأنه خالف ليلتئذ، وأنهم جعلوه بينهم وناموا من حوله فجاء الأسد فجعل يزأر ثم تخطاهم إليه فضغم رأسه لعنه الله.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله ﷺ فيها جبريل على صورته التي خلقه الله عليها وكانت ليلة
стр. 3397
الإسراء. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الإسراء بطرقها وألفاظها في أول سورة ﴿سُبْحانَ﴾ بما أغنى عن إعادته هاهنا، وتقدم أن ابن عباس ﵄ كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء ويستشهد بهذه الآية، وتابعه جماعة من السلف والخلف، وقد خالفه جماعات من الصحابة ﵃ والتابعين وغيرهم.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ قال:
قال رسول الله ﷺ «رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتثر من ريشه التهاويل (٢) من الدر والياقوت» وهذا إسناد جيد قوي، وقال أحمد (٣) أيضا: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عن عبد الله قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل من الدر والياقوت ما الله به أعلم. إسناده حسن أيضا.
وقال الإمام أحمد (٤) أيضا: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين، حدثني عاصم بن بهدلة قال، سمعت شقيق بن سلمة يقول: سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ : «رأيت جبريل على سدرة المنتهى وله ستمائة جناح» سألت عاصما عن الأجنحة فأبى أن يخبرني، قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب، وهذا أيضا إسناد جيد.
وقال أحمد (٥): حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين، حدثنا عاصم بن بهدلة حدثني شقيق بن سلمة قال: سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل ﵇ في خضر معلق به الدر» إسناد جيد أيضا.
وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا يحيى عن إسماعيل، حدثنا عامر قال: أتى مسروق عائشة فقال يا أم المؤمنين هل رأى محمد ﷺ ربه ؟ قالت: سبحان الله لقد قفّ شعري لما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾ [الشورى: ٥١] ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية. ومن أخبرك
стр. 3398
أن محمدا قد كتم فقد كذب، ثم قرأت ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين.
وقال الإمام أحمد (١) أيضا: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق قال: كنت عند عائشة فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ فقالت: أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله ﷺ عنها فقال: «إنما ذاك جبريل» لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطا من السماء إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض (٢)، أخرجاه في الصحيحين من حديث الشعبي به.
[رواية أبي ذر] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عفان حدثنا همام: حدثنا قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأى ربه ؟ فقال: إني قد سألته فقال: «قد رأيته نورا أني أراه» هكذا وقع في رواية الإمام أحمد وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أني أراه» (٤). وقال حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: قلت: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألته فقال «رأيت نورا» (٥) وقد حكى الخلال في علله أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث فقال: ما زلت منكرا له وما أدري ما وجهه.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون الواسطي، أخبرنا هشيم عن منصور عن الحكم عن إبراهيم عن أبيه عن أبي ذر قال: رآه بقلبه ولم يره بعينه، وحاول ابن خزيمة أن يدعي انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وبين أبي ذر، وأما ابن الجوزي فتأوله على أن أبا ذر لعله سأل رسول الله ﷺ قبل الإسراء فأجابه بما أجابه به، ولو سأله بعد الإسراء لأجابه بالإثبات، وهذا ضعيف جدا، فإن عائشة أم المؤمنين ﵂ قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يثبت لها الرؤية، ومن قال إنه خاطبها على قدر عقلها أو حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه كابن خزيمة في كتاب التوحيد، فإنه هو المخطئ والله أعلم. وقال النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشام عن منصور عن الحكم عن يزيد بن شريك عن أبي ذر قال: رأى
стр. 3399
رسول الله ﷺ ربه بقلبه ولم يره ببصره.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن علي بن مسهر، عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قال رأى جبريل ﵇ (١).
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته مرتين، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ قد تقدم في أحاديث الإسراء أنه غشيتها الملائكة مثل الغربان وغشيها نور الرب وغشيتها ألوان ما أدري ما هي؟ وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا مالك بن مغول، حدثنا الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة عن عبد الله هو ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ قال فراش من ذهب، قال:
وأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات (٣). انفرد به مسلم (٤).
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره-شك أبو جعفر- قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهى إلى السدرة، فقيل له إن هذه السدرة، فغشيها نور الخلاق وغشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجر، وقال فكلمه عند ذلك فقال له سل.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ قال كان أغصان السدرة لؤلؤا وياقوتا وزبرجدا، فرآها النبي ﷺ ورأى ربه بقلبه، وقال ابن زيد قيل: يا رسول الله أي شيء رأيت يغشى تلك السدرة؟ قال: «رأيت يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله ».
وقوله تعالى: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ قال ابن عباس ﵄: ما ذهب يمينا ولا شمالا ﴿وَما طَغى﴾ ما جاوز ما أمر به، وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة فإنه ما فعل إلا ما أمر به ولا سأل فوق ما أعطي، وما أحسن ما قال الناظم:
رأى جنة المأوى وما فوقها ولو … رأى غيره ما قد رآه لتاها
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ كقوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى﴾ [طه:٢٣] أي الدالة على قدرتنا وعظمتنا، وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية
стр. 3400
تلك الليلة لم تقع لأنه قال: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة سبحان.
وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة عن الوليد بن قيس عن إسحاق بن أبي الكهتلة قال محمد أظنه عن ابن مسعود أنه قال: إن محمدا لم ير جبريل في صورته إلا مرتين: أما مرة فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته فأراه صورته فسد الأفق، وأما الأخرى فإنه صعد معه حين صعد به، وقوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ قال: فلما أحسّ جبريل ربه عاد في صورته وسجد، فقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ قال: خلق جبريل ﵇، وهكذا رواه أحمد وهو غريب.
[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٩ إلى ٢٦]
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى (١٩) وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى (٢٤) فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦)﴾
يقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم البيوت لها مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن ﵇ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ﴾ وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، قال ابن جرير (٢): وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله فقالوا اللات، يعنون مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرءوا اللات بتشديد التاء وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
وقال البخاري (٣): حدثنا مسلم هو ابن إبراهيم، حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿اللاّتَ وَالْعُزّى﴾ قال: كان اللات رجلا يلت السويق سويق الحاج، قال ابن جرير (٤): وكذا العزى من العزيز، وكانت شجرة عليها بناء وأستار
стр. 3401
بنخلة، وهي بين مكة والطائف، وكانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ : «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم».
وروى البخاري (١) من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق» فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما قال النسائي: أخبرنا أحمد بن بكار، وعبد الحميد بن محمد قالا: حدثنا مخلد، حدثنا يونس عن أبيه، حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال:
حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلت! قلت هجرا. فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وانفث عن شمالك ثلاثا، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم لا تعد» (٢).
وأما مناة فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة. وروى البخاري (٣) عن عائشة نحوه، وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أخر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة. غير هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها.
قال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة. بها سدنة وحجاب وتهدي لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها كطوافها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده: فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم، حلفاء بني هاشم (٤).
قلت: بعث إليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول: [رجز] يا عزّى كفرانك لا سبحانك … إنّي رأيت الله قد أهانك (٥)
وقال النسائي: أخبرنا علي بن المنذر، أخبرنا ابن فضيل، حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فقال: «ارجع فإنك لم تصنع شيئا» فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة وهم
стр. 3402
حجبتها أمعنوا في الحيل وهم يقولون: يا عزى، يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال «تلك العزى!».
قال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب (١).
قلت: وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان صخر بن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف. قال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، فبعث رسول الله ﷺ إليها أبا سفيان صخر بن حرب فهدمها، ويقال علي بن أبي طالب قال: وكانت ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة. قلت: وكان يقال لها الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة الكعبة الشامية، فبعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي فهدمه، قال: وكانت فلس لطيئ ولمن يليها بجبل طيئ من سلمى وأجا، قال ابن هشام: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين:
الرسوب والمخذم، فنفله إياهما رسول الله ﷺ فهما سيفا علي. قال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له ريام، وذكر أنه كان به كلب أسود وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع استخرجاه وقتلاه وهدما البيت. قال ابن إسحاق: وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام: [الطويل] ولقد شددت على رضاء شدة … فتركتها قفرا بقاع أسحما
قال ابن هشام: إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة وهو القائل: [الوافر] ولقد سئمت من الحياة وطولها … وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة حدتها بعدها مائتان لي … وعمرت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا … يوم يمر وليلة تحدونا
قال ابن إسحاق: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل وإياد بسنداد، وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة: [الكامل] بين الخورنق والسّدير وبارق … والبيت ذي الكعبات من سنداد (٢)
стр. 3403
ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى﴾ أي أتجعلون له ولدا وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكور، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت ﴿قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أي جورا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورا وسفها، وقال تعالى منكرا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة:
﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ أي من تلقاء أنفسكم ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ أي من حجة ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ أي ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رئاستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين. ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ أي ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءوهم به ولا انقادوا له.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى﴾ أي ليس كل من تمنى خيرا حصل له ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٣] ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ود شيئا يحصل له. قال الإمام أحمد (١): حدثنا إسحاق حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته» تفرد به أحمد.
وقوله: ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ أي إنما الأمر كله لله مالك الدنيا والآخرة والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟
[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٧ إلى ٣٠]
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى (٣٠)﴾
يقول تعالى منكرا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾
стр. 3404
[الزخرف: ١٩] ولهذا قال تعالى: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي ليس لهم علم صحيح يصدّق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ أي لا يجدي شيئا ولا يقوم أبدا مقام الحق، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» (١).
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أي أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره. وقوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد (٢) عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت:
قال رسول الله ﷺ : «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» وفي الدعاء المأثور «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا» (٣) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أي هو الخالق لجميع المخلوقات والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته وهو العادل الذي لا يجور أبدا لا في شرعه ولا في قدره.
[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢]
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى (٣٢)﴾
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الغني عما سواه الحاكم في خلقه بالعدل وخلق الخلق بالحق ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ أي يجازي كلا بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي لا يتعاطون المحرمات والكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء: ٣١] وقال هاهنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ وهذا استثناء منقطع، لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.
стр. 3405
قال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» (٢) أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به.
وقال ابن جرير (٣): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن ثور، حدثنا معمر عن الأعمش عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم، وكذا قال مسروق والشعبي. وقال عبد الرحمن بن نافع الذي يقال له: ابن لبابة الطائفي قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ إلا ما سلف وكذا قال زيد بن أسلم. وقال ابن جرير (٤): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور عن مجاهد أنه قال في هذه الآية:
﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه، قال الشاعر: [رجز] إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا … وأيّ عبد لك ما ألمّا؟ (٥)
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قول الله تعالى:
﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: الرجل يلم بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:
إن تغفر اللهم تغفر جما … وأي عبد لك ما ألما؟
وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعا قال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا أبو
стр. 3406
عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: هو الرجل الذي يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال: قال رسول الله ﷺ :
إن تغفر اللهم تغفر جما … وأي عبد لك ما ألما؟
وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصري عن أبي عاصم النبيل ثم قال:
هذا حديث صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق، وكذا قال البزار:
لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه، وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل، وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة تنزيل، وفي صحته مرفوعا نظر.
ثم قال ابن جرير (١): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا يونس عن الحسن عن أبي هريرة ﵁ أراه رفعه في: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: اللمم من الزنا ثم يتوب ولا يعود. واللمم من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمم من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، قال: فذلك الإلمام، وحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ثم لا يعود إليه.
وحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية عن أبي رجاء عن الحسن في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا واللمة من شرب الخمر فيجتنبها ويتوب منها. وقال ابن جرير (٢) عن عطاء عن ابن عباس ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ يلم بها في الحين قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس ﵁ قال:
اللمم، الذي يلم المرة. وقال السدي: قال أبو صالح سئلت عن اللمم فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم، حكاه البغوي.
وروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح-وهو ضعيف-عن عمرو بن شعيب أن عبد الله بن عمرو قال: اللمم ما دون الشرك، وقال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن عطاء عن ابن الزبير ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قال: ما بين الحدين حد الدنيا وعذاب الآخرة، وكذا رواه شعبة عن الحكم عن ابن عباس مثله سواء. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ كل شيء بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة، تكفره الصلوات فهو اللمم، وهو دون كل موجب، فأما
стр. 3407
حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي هو بصير بكم عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي تصدر عنكم، وتقع منكم حين أنشأ أباكم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر ثم قسمهم فريقين: فريقا للجنة وفريقا للسعير. وكذا قوله: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟ قال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط، وكنا فيمن بقي ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا لا أبالك فماذا بعد هذا ننتظر؟ رواه ابن أبي حاتم عنه.
وقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٤٩]. وقال مسلم في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال:
سميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم وسميت برة، فقال رسول الله ﷺ : «لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم» فقالوا: بم نسميها؟ قال: «سموها زينب» (١) وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢) حيث قال:
حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال:
مدح رجل رجلا عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «ويلك قطعت عنق صاحبك-مرارا-إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك» (٣) ثم رواه عن غندر عن شعبة عن خالد الحذاء به، وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة من طرق عن خالد الحذاء به.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: أخبرنا سفيان عن منصور عن
стр. 3408
إبراهيم عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول: أمرنا رسول الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب (١). ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري عن منصور به.
[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ إلى ٤١]
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى (٣٧) أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١)﴾
يقول تعالى ذاما لمن تولى عن طاعة الله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١] ﴿وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى﴾ [القيامة: ٣٢] قال ابن عباس: أطاع قليلا ثم قطعه (٢)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وغير واحد. قال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرا، فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل فيقولون أكدينا ويتركون العمل.
وقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى﴾ أي أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق وقطع معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده حتى قد أمسك عن معروفه فهو يرى ذلك عيانا؟ أي ليس الأمر كذلك. وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا، ولهذا جاء في الحديث «أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا» وقد قال الله تعالى ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قال سعيد بن جبير والثوري: أي بلغ جميع ما أمر به، وقال ابن عباس ﴿وَفّى﴾ لله بالبلاغ، وقال سعيد بن جبير ﴿وَفّى﴾ ما أمر به، وقال قتادة ﴿وَفّى﴾ طاعة الله وأدى رسالته إلى خلقه وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً﴾ [البقرة: ١٢٤] فقام بجميع الأوامر وترك جميع النواهي وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله ﷺ
стр. 3409
هذه الآية ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قال «أتدري ما وفى؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال «وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار» ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير وهو ضعيف.
وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السمناني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله ﷺ عن الله أنه قال: «ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» (١) قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ حتى ختم الآية.
ورواه ابن جرير (٢) عن أبي كريب عن رشدين بن سعد عن زبان به.
ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أي كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨] ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى﴾ أي كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به» (٣) فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» (٤) والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من
стр. 3410
آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ﴾ [يس:١٢] الآية. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله.
وثبت في الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا» (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أي يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] أي فيخبركم به ويجزيكم عليه أتم الجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهكذا قال هاهنا: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ أي الأوفر.
[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٢ إلى ٥٥]
﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشّاها ما غَشّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥)﴾
يقول تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ أي المعاد يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله إلى الجنة أو النار.
وذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ قال: لا فكرة في الرب. قال البغوي: وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعا «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق فإنه لا تحيط به الفكرة».
كذا أورده وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته» (٢) وفي الحديث الآخر الذي في السنن «تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذات الله تعالى فإن الله خلق ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة ثلاثمائة سنة» أو كما قال:
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ أي خلق في عباده الضحك والبكاء وسببهما
стр. 3411
وهما مختلفان ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا﴾ كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ [الملك: ٢] ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى﴾ أي كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة وهي النشأة الآخرة يوم القيامة ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ أي ملك عباده المال وجعله لهم قنية مقيما عندهم لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم، وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين، منهم أبو صالح وابن جرير وغيرهما، وعن مجاهد ﴿أَغْنى﴾ موّل ﴿وَأَقْنى﴾ أخدم، وكذا قال قتادة، وقال ابن عباس ومجاهد أيضا ﴿أَغْنى﴾ أعطى ﴿وَأَقْنى﴾ رضى.
وقيل: معناه أغنى نفسه وأفقر الخلائق إليه، قاله الحضرمي بن لاحق، وقيل: ﴿أَغْنى﴾ من شاء من خلقه، ﴿وَأَقْنى﴾ أي أفقر من شاء منهم، قاله ابن زيد، حكاهما ابن جرير وهما بعيدان من حيث اللفظ. وقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له (مرزم الجوزاء) كانت طائفة من العرب يعبدونه ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى﴾ وهم قوم هود ويقال لهم عاد بن إرم بن سام بن نوح كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨] فكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله تعالى وعلى رسوله فأهلكهم الله ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة: ٦ - ٧] أي متتابعة.
وقوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ أي دمرهم فلم يبق منهم أحدا ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ أي أشد تمردا من الذين من بعدهم ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ يعني مدائن لوط قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: فغشاها ما غشى يعني من الحجارة التي أرسلها عليهم ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣] قال قتادة، كان في مدائن لوط أربعة آلاف ألف إنسان، فانضرم عليهم الوادي شيئا فشيئا من نار ونفط وقطران كفم الأتون. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن محمد بن وهب بن عطية عن الوليد بن مسلم عن خليد عنه به، وهو غريب جدا ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ أي ففي أي نعم الله عليك أيها الإنسان تمتري؟ قاله قتادة وقال ابن جريج ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ يا محمد والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير (١).
[سورة النجم (٥٣): الآيات ٥٦ إلى ٦٢]
﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاُعْبُدُوا (٦٢)﴾
стр. 3412
﴿هذا نَذِيرٌ﴾ يعني محمدا ﷺ ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ أي من جنسهم أرسل كما أرسلوا كما قال تعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أي اقتربت القريبة وهي القيامة ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ أي لا يدفعها إذا من دون الله أحد ولا يطلع على علمها سواه، والنذير الحذر لما يعاين من الشر الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] وفي الحديث: «أنا النذير العريان» (١) أي الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئا، بل بادر إلى إنذار قومه قبل ذلك فجاءهم عريانا مسرعا، وهو مناسب لقوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ أي اقتربت القريبة يعني يوم القيامة. كما قال في أول السورة التي بعدها: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حاتم لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا ببطن واد، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبرتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه».
وقال أبو حازم: قال رسول الله ﷺ قال أبو نضرة: لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال:
«مثلي ومثل الساعة كهاتين» وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام ثم قال: «مثلي ومثل الساعة كمثل فرسي رهان» ثم قال: «مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طليعة، فلما خشي أن يسبق ألاح بثوبه أتيتم أتيتم» ثم يقول رسول الله ﷺ : «أنا ذلك» وله شواهد من وجوه أخر من صحاح وحسان.
ثم قال تعالى منكرا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم ﴿تَعْجَبُونَ﴾ من أن يكون صحيحا ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ منه استهزاء وسخرية ﴿وَلا تَبْكُونَ﴾ أي كما يفعل الموقنون به كما أخبر عنهم ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٩].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ قال سفيان الثوري عن أبيه عن ابن عباس قال: الغناء هي يمانية أسمد لنا غن لنا، وكذا قال عكرمة، وفي رواية عن ابن عباس ﴿سامِدُونَ﴾ معرضون، وكذا قال مجاهد وعكرمة، وقال الحسن غافلون، وهو رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفي رواية عن ابن عباس تستكبرون، وبه يقول السدي، ثم قال تعالى آمرا لعباده بالسجود له والعبادة المتابعة لرسوله ﷺ والتوحيد والإخلاص ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاعْبُدُوا﴾ أي
стр. 3413
فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوا.
قال البخاري (١): حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. انفرد به دون مسلم، وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح عن معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم فسجد وسجد من عنده فرفعت رأسي فأبيت أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرؤها إلا سجد معه (٣). وقد رواه النسائي في الصلاة عن عبد الملك بن عبد الحميد عن أحمد بن حنبل به.
آخر تفسير سورة النجم.
تفسير سورة القمر
وهي مكية
قد تقدم في حديث أبي واقد: أن رسول الله كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة في الأضحى والفطر، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار لإشمالهما على ذكر الوعد والوعيد وبدء الخلق وإعادته والتوحيد وإثبات النبوات وغير ذلك من المقاصد العظيمة.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ إلى ٥]
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾
يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها كما قال تعالى: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقال: ﴿اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] وقد وردت الأحاديث بذلك. قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا: حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب، فلم يبق منها إلا شف يسير فقال: «والذي
стр. 3414
نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه وما نرى من الشمس إلا يسيرا» قلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العمي عن أبيه، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.
[حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره] قال الإمام أحمد (١): حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا شريك، حدثنا سلمة بن كهيل عن مجاهد عن ابن عمر قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ والشمس على قعيقعان (٢) بعد العصر فقال: «ما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من النهار فيما مضى» وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بعثت أنا والساعة هكذا» وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى (٤) وأخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار.
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا محمد بن عبيد، أخبرنا الأعمش عن أبي خالد عن وهب السوائي قال: قال رسول الله ﷺ : «بعثت أنا والساعة كهذه من هذه إن كادت لتسبقها» وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى.
وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك فسأله: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنتم والساعة كهاتين» تفرد به أحمد ﵀، وشاهد ذلك أيضا في الصحيح في أسماء رسول الله ﷺ أنه الحاشر الذي يحشر الناس على قدميه (٧). وقال الإمام أحمد (٨): حدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان ابن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال عن خالد بن عمير قال: خطب عتبة بن غزوان، قال بهز، وقال قبل هذه المرة: خطبنا رسول الله ﷺ ، قال: فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم (٩) وولت حذاء (١٠)، ولم يبق منها إلا
стр. 3415
صبابة (١) كصبابة الإناء يتصابها صاحبها (٢)، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا، والله لتملئونه أفعجبتم والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ (٣) من الزحام» (٤) وذكر تمام الحديث انفرد به مسلم.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا يعقوب، حدثني ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق (٥)، فقلت لأبي: أيستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى، فحضرنا فخطب حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قد كان هذا في زمان رسول الله ﷺ ، كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال:
«خمس قد مضين الروم والدخان واللزام والبطشة والقمر» (٧) وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
[رواية أنس بن مالك]: قال الإمام أحمد (٨): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين فقال:
стр. 3416
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١) ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وقال البخاري:
حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك، أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما (٢). وأخرجاه أيضا من حديث يونس بن محمد المؤدب عن شيبان عن قتادة، ورواه مسلم أيضا من حديث أبي داود الطيالسي ويحيى القطان وغيرهما عن شعبة عن قتادة به.
[رواية جبير بن مطعم ﵁] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه وأسنده البيهقي في الدلائل من طريق محمد بن كثير عن أخيه سليمان بن كثير عن حصين بن عبد الرحمن.
وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به، ورواه البيهقي أيضا من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم، كلاهما عن حصين عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده فذكره.
[رواية عبد الله بن عباس ﵄] قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر عن جعفر عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان النبي ﷺ (٤). ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن عراك به مثله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه، وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو البزار، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: كسف القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سحر القمر، فنزلت ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ -إلى قوله- ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾.
[رواية عبد الله بن عمر] قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر
стр. 3417
أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري:
حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر في قوله تعالى:
﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، انشق فلقتين، فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي ﷺ : «اللهم اشهد» (١) وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد به، قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وقال الترمذي: حسن صحيح.
[رواية عبد الله بن مسعود] قال الإمام أحمد (٢): حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شقتين، حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ : «اشهدوا» (٣) وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به، وأخرجاه من حديث الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود به.
وقال ابن جرير (٤): حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمي يحيى بن عيسى، عن الأعمش عن إبراهيم عن رجل عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى، فانشق القمر فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ «اشهدوا اشهدوا» قال البخاري: وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله بمكة وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة (٥). قال: فقالوا انظروا ما يأتيكم به السفّار (٦)، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار فقالوا ذلك.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة انظروا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد
стр. 3418
صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فسئل السفار، قال:
وقدموا من كل وجهة فقالوا: رأيناه، ورواه ابن جرير من حديث المغيرة به، وزاد فأنزل الله : ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. ثم قال ابن جرير (١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب عن محمد هو ابن سيرين قال: نبئت أن ابن مسعود ﵁ كان يقول: لقد انشق القمر.
وقال ابن جرير (٢) أيضا: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط عن سماك عن إبراهيم عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فرج القمر حين انشق، ورواه الإمام أحمد (٣) عن مؤمل عن إسرائيل عن سماك عن إبراهيم، عن الأسود عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر.
وقال ليث عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «اشهد يا أبا بكر» فقال المشركون: سحر القمر حتى انشق.
وقوله تعالى، ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أي دليلا وحجة وبرهانا ﴿يُعْرِضُوا﴾ أي لا ينقادون له بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ويقولون هذا الذي شاهدناه من الحجج سحر سحرنا به ومعنى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أي ذاهب، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما: أي باطل مضمحل لا دوام له ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ أي كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم.
وقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال قتادة: معناه أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر، وقال ابن جريج: مستقر بأهله، وقال مجاهد ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي يوم القيامة، وقال السدي: مستقر أي واقع، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ﴾ أي من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في القرآن ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب. وقوله تعالى:
﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾ أي في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يعني أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وكذا قوله تعالى: ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٦ إلى ٨]
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾
стр. 3419
يقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ أي إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب وما فيه من البلاء بل والزلازل والأهوال، ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ﴾ أي ذليلة أبصارهم ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ وهي القبور ﴿كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي ﴿جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ في الآفاق، ولهذا قال:
﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي مسرعين ﴿إِلَى الدّاعِ﴾ لا يخالفون ولا يتأخرون ﴿يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أي يوم شديد الهول عبوس قمطرير ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ٩ - ١٠].
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ إلى ١٧]
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾
يقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أي صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون ﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ قال مجاهد: ﴿وَازْدُجِرَ﴾. أي استطير جنونا، وقيل: وازدجر أي انتهروه وزجروه وتواعدوه ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (١) [الشعراء: ١١٦]، قاله ابن زيد وهذا متوجه حسن ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أنت لدينك. قال الله تعالى:
﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ قال السدي: وهو الكثير ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ أي نبعت جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا، ﴿فَالْتَقَى الْماءُ﴾ أي من السماء ومن الأرض ﴿عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي أمر مقدر.
قال ابن جريج عن ابن عباس ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان على أمر قد قدر، وروى ابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليا عن المجرة فقال:
هي شرج السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير والقرظي وقتادة وابن زيد: هي المسامير، واختاره ابن جرير (٢)، قال:
стр. 3420
وواحدها دسار. ويقال: دسير كما يقال حبيك وحباك والجمع حبك، وقال مجاهد: الدسر أضلاع السفينة.
وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج. وقال الضحاك: طرفاها وأصلها، وقال العوفي عن ابن عباس: هو كلكلها أي صدرها. وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا﴾ أي بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا ﴿جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ﴾ أي جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارا لنوح ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾ قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة، والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢] وقال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي فهل من يتذكر ويتعظ. قال الإمام أحمد (١): حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وهكذا رواه البخاري (٢)، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي ﷺ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وقال النبي ﷺ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ وروى البخاري أيضا من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
وقال: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أو «مذكر»، قال: سمعت عبد الله يقرأ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. دالا (٣). وقد أخرج مسلم هذا الحديث وأهل السنن إلا ابن ماجة من حديث أبي إسحاق.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي، ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ أي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [ص: ٢٩] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] قال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ يعني هونا قراءته، وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال الضحاك عن ابن عباس: لولا
стр. 3421
أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله .
قلت: ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» (١) وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة، وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن رافع، حدثنا ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر هو الوراق في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ هل من طالب علم فيعان عليه، وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق، ورواه ابن جرير (٢)، وروي عن قتادة مثله.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ إلى ٢٢]
﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾
يقول تعالى مخبرا عن عاد قوم هود، إنهم كذبوا رسولهم أيضا، كما صنع قوم نوح وأنه تعالى أرسل عليهم ﴿رِيحاً صَرْصَراً﴾ وهي الباردة الشديدة البرد ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ أي عليهم، قاله الضحاك وقتادة والسدي ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ عليهم نحسه ودماره لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه فيسقط إلى الأرض، فتثلغ (٣) رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ. فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾.
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٣ إلى ٣٢]
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾
وهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا ﴿فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾
стр. 3422
يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كلنا قيادنا لواحد منا. ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم ثم رموه بالكذب فقالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ﴾ أي متجاوز في حد الكذب، قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ وهذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد. ثم قال تعالى: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ أي اختبارا لهم، أخرج الله لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صماء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح ﵇ فيما جاءهم به، ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله صالح: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾ أي انتظر ما يؤول إليه أمرهم، واصبر عليهم فإن العاقبة لك، والنصر لك في الدنيا والآخرة ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي يوم لهم ويوم للناقة كقوله: ﴿قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥].
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ قال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء. وإذا جاءت حضروا اللبن، ثم قال تعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ قال المفسرون: هو عاقر الناقة، واسمه قدار بن سالف، وكان أشقى قومه. كقوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها﴾ [الشمس: ١٢] ﴿فَتَعاطى﴾ أي فحبسر ﴿فَعَقَرَ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ أي فعاقبتهم فكيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ أي فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد وييبس الزرع والنبات، قاله غير واحد من المفسرين، والمحتظر قال السدي هو المرعى بالصحراء حين ييبس ويحترق وتنسفه الريح، وقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظارا على الإبل والمواشي من يبيس الشوك فهو المراد من قوله: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ وقال سعيد بن جبير: هشيم المحتظر هو التراب المتناثر من الحائط، وهذا قول غريب، والأول أقوى والله أعلم.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٣ إلى ٤٠]
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾
يقول تعالى مخبرا عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وخالفوه، وارتكبوا المكروه من إتيان الذكور وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، ولهذا أهلكهم الله هلاكا لم يهلكه أمة من الأمم، فإنه تعالى أمر جبريل ﵇ فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم وأرسلها وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً﴾ وهي الحجارة ﴿إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ﴾ أي خرجوا من آخر الليل فنجوا مما أصاب قومهم، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته
стр. 3423
أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالما لم يمسسه سوء، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا﴾ أي ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه فما التفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه بل شكوا فيه وتماروا به.
﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ وذلك ليلة ورد عليه الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل في صور شباب مرد حسان محنة من الله بهم، فأضافهم لوط ﵇، وبعثت امرأته العجوز السوء إلى قومها فأعلمتهم بأضياف لوط، فأقبلوا يهرعون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، وذلك عشية ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه ويقول لهم: ﴿هؤُلاءِ بَناتِي﴾ يعني نساءهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ … ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ [الحجر: ٧١ - ٧٢] أي ليس لنا فيهن أرب ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم، يقال إنها غارت من وجوههم، وقيل إنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطا ﵇ إلى الصباح. قال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ أي لا محيد لهم عنه ولا انفكاك لهم منه ﴿فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤١ إلى ٤٦]
﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾
يقول تعالى مخبرا عن فرعون وقومه: إنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنذارة إن كفروا، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر أي فأبادهم الله ولم يبق منهم مخبر ولا عين ولا أثر، ثم قال تعالى: ﴿أَكُفّارُكُمْ﴾ أي أيها المشركون من كفار قريش ﴿خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ﴾ يعني من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل وكفرهم بالكتب، أأنتم خير من أولئكم؟ ﴿أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ أي أم معكم من الله براءة أن لا ينالكم عذاب ولا نكال؟ ثم قال تعالى مخبرا عنهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ أي يعتقدون أنهم يتناصرون بعضهم بعضا، وأن جميعهم يغني عنهم من أرادهم بسوء. قال الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي سيتفرق شملهم ويغلبون.
قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد عن خالد، وقال أيضا: حدثنا محمد حدثنا عفان بن مسلم عن وهيب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال وهو في قبة له
стр. 3424
يوم بدر: «أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم في الأرض أبدا» فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (١) وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع من حديث خالد، وهو ابن مهران الحذاء به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد عن أيوب عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي جمع يغلب قال عمر:
فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في الدرع وهو يقول: «سيهزم الجمع ويولون الدبر» فعرفت تأويلها يومئذ.
وقال البخاري (٢): حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم، أخبرني يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين فقالت: نزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ هكذا رواه هاهنا مختصرا، ورواه في فضائل القرآن مطولا ولم يخرجه مسلم.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٧ إلى ٥٥]
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾
يخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق وسعر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ أي كما كانوا في سعر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، وكما كانوا ضلالا يسحبون فيها على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم تقريعا وتوبيخا: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: ٢] وكقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ١ - ٣] أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرقة
стр. 3425
القدرية، الذين نبغوا (١) في أواخر عصر الصحابة، وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلا وما ورد فيه من الأحاديث في شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري ﵀، ولنذكر هاهنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة.
قال أحمد (٢): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي ﷺ يخاصمونه في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣) وهكذا رواه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث وكيع عن سفيان الثوري به.
وقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا يونس بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ما نزلت هذه الآيات ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ إلا في أهل القدر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، حدثني قرة بن حبيب عن كنانة، حدثني جرير بن حازم عن سعيد بن عمرو بن جعدة، عن ابن زرارة عن أبيه عن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ قال: «نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذبون بقدر الله».
وحدثنا الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم، وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له قد تكلم في القدر، فقال: أوقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ أولئك شرار هذه لأمة، فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحدا منهم فقأت عينيه بإصبعي هاتين.
وقد رواه الإمام أحمد (٤) من وجه آخر وفيه مرفوع فقال: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي عن بعض إخوته عن محمد بن عبيد المكي عن عبد الله بن عباس قال: قيل له إن رجلا قدم علينا يكذب بالقدر، فقال: دلوني عليه وهو أعمى، قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس؟ قال: والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدقنها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كأني بنساء بني فهر يطفن بالخزرج تصطفق إلياتهن مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى
стр. 3426
يخرجوا الله من أن يكون قدر خيرا، كما أخرجوه من أن يكون قدر شرا» ثم رواه أحمد عن أبي المغيرة عن الأوزاعي عن العلاء بن الحجاج عن محمد بن عبيد فذكر مثله لم يخرجوه.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الله بن يزيد: حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني أبو صخر عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه. فكتب إليه عبد الله بن عمر أنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إلي فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر» ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به.
وقال أحمد (٢): حدثنا أنس بن عياض، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم» لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.
وقال أحمد (٣): حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين عن أبي صخر حميد بن زياد عن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة مسخ ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية» (٤) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي صخر حميد بن زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا إسحاق بن الطباع، أخبرني مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليماني قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس» (٦) ورواه مسلم منفردا به من حديث مالك.
وفي الحديث الصحيح «استعن بالله ولا تعجز فإن أصابك أمر فقل قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان» (٧) وفي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك جفت الأقلام وطويت الصحف» (٨) وقال الإمام
стр. 3427
أحمد (١): حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث عن معاوية عن أيوب بن زياد، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم طعم الإيمان ولم تبلغ حق حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار (٢).
ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى البلخي عن أبي داود الطيالسي عن عبد الواحد بن سليم عن عطاء بن أبي رباح عن الوليد بن عبادة عن أبيه به وقال: حسن صحيح غريب. وقال سفيان الثوري عن منصور عن ربعي بن خراش، عن رجل عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يؤمن أحد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره» (٣) وكذا رواه الترمذي من حديث النضر بن شميل عن شعبة عن منصور به، ورواه من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة عن منصور عن ربعي عن علي فذكره وقال: هذا عندي أصح، وكذا رواه ابن ماجة من حديث شريك عن منصور عن ربعي عن علي به. وقد ثبت في صحيح مسلم من رواية عبد الله بن وهب وغيره عن أبي هانئ الخولاني عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (٤) زاد ابن وهب ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود: ٧] ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب.
وقوله تعالى: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبرنا بنفوذ قدره فيهم فقال: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ﴾ أي إنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلا موجودا كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء: [الطويل] إذا ما أراد الله أمرا فإنما … يقول له كن قولة فيكون
стр. 3428
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ﴾ يعني أمثالكم وسلفكم من الأمم السالفة المكذبين بالرسل ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك وقدر لهم من العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ أي مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة ﵈ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ أي من أعمالهم ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ أي مجموع عليهم ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم بن بانك، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث وهو ابن أخي عائشة لأمها عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالبا» (٢) ورواه النسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن مسلم بن بانك المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم. وقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر. ثم قال سعيد فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي: ويحك يا سعيد بن مسلم! لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنبا فاستصغره فأتاه آت في منامه فقال له يا سليمان: [الطويل] لا تحقرنّ من الذنوب صغيرا … ان الصغير غدا يعود كبيرا
إن الصغير ولو تقادم عهده … عند الإله مسطّر تسطيرا
فازجر هواك على البطالة لا تكن … صعب القياد وشمّرن تشميرا
إن المحبّ إذا أحب إلهه … طار الفؤاد وألهم التفكيرا
فاسأل هدايتك الإله بنيّة … فكفى بربك هاديا ونصيرا
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسعر والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد. وقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي في دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه وجوده وإحسانه ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ أي عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها. وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون.
وقد قال الإمام أحمد (٣): حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن أوس عن عبد الله بن عمرو يبلغ به النبي ﷺ قال: «المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» (٤) انفرد بإخراجه
стр. 3429
مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة بإسناده مثله.
آخر تفسير سورة اقتربت ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.
تفسير سورة الرحمن
وهي مكية
قال الإمام أحمد (١): حدثنا عفان، حدثنا حماد عن عاصم عن زر أن رجلا قال لابن مسعود: كيف تعرف هذا الحرف من ماء غير آسن أو آسن؟ فقال: كل القرآن قد قرأت. قال:
إني لأقرأ المفصل في ركعة واحدة، فقال: أهذا كهذا الشعر لا أبالك؟ قد علمت. قرائن النبي ﷺ التي كان يقرن قرينتين قرينتين من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود ﴿الرَّحْمنُ﴾.
وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد الرحمن بن واقد وأبو مسلم السعدي، حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» (٢) ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد، ثم حكي عن الإمام أحمد أنه كان لا يعرفه، ينكر رواية أهل الشام عن زهير بن محمد هذا، ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن مالك عن الوليد بن مسلم، وعن عبد الله بن أحمد بن شبويه عن هشام بن عمارة، كلاهما عن الوليد بن مسلم به ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من هذا الوجه.
وقال أبو جعفر بن جرير (٣): حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك البصري قالا: حدثنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ سورة الرحمن أو قرئت عنده فقال: «ما لي أسمع الجن أحسن جوابا لربها منكم؟» قالوا:
وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «ما أتيت على قول الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ إلا قالت الجن لا بشيء من نعم ربنا نكذب» ورواه الحافظ البزار عن عمرو بن مالك به، ثم قال:
لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
стр. 3430
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ إلى ١٣]
﴿الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)﴾
يخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه أنه أنزل على عباده القرآن، ويسر حفظه وفهمه على من رحمه فقال تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ قال الحسن: يعني النطق، وقال الضحاك وقتادة وغيرهما: يعني الخير والشر، وقول الحسن هاهنا أحسن وأقوى لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق وتسهيل خروج الحروف من مواضعها من الحلق واللسان والشفتين على اختلاف مخارجها وأنواعها. وقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أي يجريان متعاقبين بحساب مقنن لا يختلف ولا يضطرب ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] وقال تعالى: ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦].
وعن عكرمة أنه قال: لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجابا واحدا من سبعين حجابا دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها. ونور الشمس جزء من سبعين جزءا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ قال ابن جرير (١): اختلف المفسرون في معنى قوله ﴿وَالنَّجْمُ﴾ بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ قال: النجم ما انبسط على وجه الأرض يعني من النبات، وكذا قال سعيد بن جبير والسدي وسفيان الثوري، وقد اختاره ابن جرير رحمه الله تعالى. وقال مجاهد:
النجم الذي في السماء. وكذا قال الحسن وقتادة، وهذا القول هو الأظهر والله أعلم لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ١٨] الآية.
стр. 3431
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ يعني العدل كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] وهكذا قال هاهنا: ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ أي خلق السموات والأرض بالحق والعدل لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ أي لا تبخسوا الوزن بل زنوا بالحق والقسط كما قال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢] وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ أي كما رفع السماء وضع الأرض ومهدها وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقر لما على وجهها من الأنام وهم الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم في سائر أقطارها وأرجائها.
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: الأنام الخلق ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ أي مختلفة الألوان والطعوم والروائح ﴿وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ﴾ أفرده بالذكر لشرفه ونفعه رطبا ويابسا، والأكمام قال ابن جريج عن ابن عباس: هي أوعية الطلع وهكذا قال غير واحد من المفسرين، وهو الذي يطلع فيه القنو ثم ينشق عن العنقود، فيكون بسرا ثم رطبا ثم ينضج ويتناهى ينعه واستواؤه.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا أبو قتيبة، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: أخبرك أن رسلي أتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشيء من الخير، تخرج مثل آذان الحمير ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع فتنضج فتكون كأطيب فالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصمة للمقيم وزادا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم، إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠] وقيل: الأكمام رفاتها وهو الليف الذي على عنق النخلة، وهو قول الحسن وقتادة.
﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾ يعني التبن. وقال العوفي عن ابن عباس: العصف ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه، فهو يسمى العصف إذا يبس، وكذا قال قتادة والضحاك وأبو مالك عصفه تبنه. وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ يعني الورق. وقال الحسن: هو ريحانكم هذا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالرَّيْحانُ﴾ خضر الزرع، ومعنى هذا-والله أعلم- أن الحب كالقمح والشعير ونحوهما له في حال نباته عصف، وهو ما على السنبلة، وريحان وهو الورق الملتف على ساقها. وقيل: العصف الورق أول ما ينبت الزرع بقلا والريحان الورق
стр. 3432
يعني إذا أدجن وانعقد فيه الحب، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة:
[الطويل] وقولا له من ينبت الحب في الثّرى … فيصبح منه البقل يهتزّ رابيا (١)
ويخرج منه حبه في رؤوسه … ففي ذاك آيات لمن كان واعيا
وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي فبأي الآلاء يا معشر الثقلين من الإنس والجن تكذبان؟ قاله مجاهد وغير واحد، ويدل عليه السياق بعده، أي النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون به:
اللهم ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد. وكان ابن عباس يقول لا بأيها يا رب أي لا نكذب بشيء منها، قال الإمام أحمد (٢): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقرأ وهو يصلي نحو الركن قبل أن يصدع بما يؤمر والمشركون يستمعون ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.
[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ إلى ٢٥]
﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥)﴾
يذكر تعالى خلقه الإنسان من صلصال كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، وهو طرف لهبها، قاله الضحاك عن ابن عباس، وبه يقول عكرمة ومجاهد والحسن وابن زيد، وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ من لهب النار من أحسنها، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ من خالص النار، وكذلك قال عكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم.
وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» (٤) ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به.
стр. 3433
وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يعني مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء، وقال في الآية الأخرى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس. وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل: ٩] وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب، ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ قال ابن عباس: أي أرسلهما. وقوله: ﴿يَلْتَقِيانِ﴾ قال ابن زيد: أي منعهما أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما، والمراد بقوله ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ الملح والحلو، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٥٣] قد اختار ابن جرير هاهنا أن المراد بالبحرين: بحر السماء وبحر الأرض، وهو مروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية وابن أبزى، قال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض وهذا وإن كان هكذا لكن ليس المراد بذلك ما ذهب إليه، فإنه لا يساعده اللفظ فإنه تعالى قد قال:
﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ أي وجعل بينهما برزخا، وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا، وهذا على هذا، فيفسد كل واحد منهما الآخر ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه، وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخا وحجرا محجورا.
وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ أي من مجموعهما، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى كما قال تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن وقد صح هذا الإطلاق. واللؤلؤ معروف، وأما المرجان فقيل هو صغار اللؤلؤ (١)، قاله مجاهد وقتادة وأبو رزين والضحاك وروي عن علي، وقيل كباره وجيده، حكاه ابن جرير عن بعض السلف ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس، وحكاه عن السدي عمن حدثه عن ابن عباس، وروي مثله عن علي ومجاهد أيضا ومرة الهمداني، وقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون، قال السدي عن أبي مالك عن مسروق عن عبد الله قال: المرجان الخرز الأحمر، قال السدي: وهو البسذ بالفارسية، وأما قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢] فاللحم من كل من الأجاج والعذب والحلية إنما هي من الملح دون العذب. قال ابن عباس: ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر فوقعت في صدفة إلا صار منها لؤلؤة، وكذا قال عكرمة، وزاد: فإذا لم تقع
стр. 3434
في صدفة نبتت بها عنبرة، وروي من غير وجه عن ابن عباس نحوه.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها، يعني من قطر فهو اللؤلؤ. إسناده صحيح، ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض، امتن بها عليهم فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ﴾ يعني السفن التي تجري في البحر قال مجاهد:
ما رفع قلعه من السفن فهي منشأة وما لم يرفع قلعه فليس بمنشأة، وقال قتادة: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ يعني المخلوقات، وقال غيره، المنشئات بكسر الشين يعني البادئات ﴿كَالْأَعْلامِ﴾ أي كالجبال في كبرها وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم، مما فيه صلاح الناس في جلب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا العرار بن سويد عن عميرة بن سعد قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ على شاطئ الفرات إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها فبسط علي يديه ثم قال: يقول الله :
﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ والذي أنشأها تجري في بحوره ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله.
[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠)﴾
يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات إلا من شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت بل هو الحي الذي لا يموت أبدا، قال قتادة: أنبأ بما خلق ثم أنبأ أن ذلك كله فان. وفي الدعاء المأثور:
يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك. وقال الشعبي: إذا قرأت ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ فلا تسكت حتى تقرأ ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام أي هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] وكقوله إخبارا عن المتصدقين: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان:٩].
стр. 3435
قال ابن عباس: ذو الجلال والإكرام ذو العظمة والكبرياء، ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمة العدل قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وهذا إخبار عن غناه عما سواه وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم وأنه كل يوم هو في شأن، قال الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال من شأنه أن يجيب داعيا أو يعطي سائلا، أو يفك عانيا أو يشفي سقيما.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كل يوم هو يجيب داعيا ويكشف كربا ويجيب مضطرا ويغفر ذنبا، وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السموات والأرض يحيي حيا ويميت ميتا، ويربي صغيرا ويفك أسيرا وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحمصي، حدثنا جرير بن عثمان عن سويد بن جبلة هو الفزاري قال: إن ربكم كل يوم هو في شأن فيعتق رقابا، ويعطي رغابا، ويقحم عقابا.
وقال ابن جرير (١): حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثني إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثني عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني عن أبيه، عن منيب بن عبد الله بن منيب الأزدي عن أبيه قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: «أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين».
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار وسليمان بن أحمد الواسطي قالا:
حدثنا الوزير بن صبيح الثقفي أبو روح الدمشقي والسياق لهشام قال: سمعت يونس بن ميسرة بن حلبس، يحدث عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «قال الله :
﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ -قال-من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين» (٢). وقد رواه ابن عساكر من طرق متعددة عن هشام بن عمار به، ثم ساقه من حديث أبي همام الوليد بن شجاع عن الوزير بن صبيح قال: «ودلنا عليه الوليد بن مسلم عن مطرف عن الشعبي عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ فذكره قال: والصحيح الأول، يعني إسناده الأول.
قلت: وقد روي موقوفا كما علقه البخاري بصيغة الجزم فجعله من كلام أبي الدرداء فالله أعلم. وقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا محمد بن