بايعتك على ذلك» هذا لفظ البخاري (١).
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا عبد الرّحمن بن مهدي، حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رقيقة قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن أن لا نشرك بالله شيئا الآية وقال «فيما استطعتن وأطقتن» قلنا الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله ألا تصافحنا؟ قال «إني لا أصافح النساء إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة» (٣) هذا إسناد صحيح وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة والنسائي أيضا من حديث الثوري ومالك بن أنس، كلهم عن محمد بن المنكدر عن أميمة به، وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر، وقد رواه أحمد أيضا من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن أميمة به وزاد: ولم يصافح منا امرأة، وكذا رواه ابن جرير من طريق موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر به.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر الرازي عن محمد بن المنكدر، حدثتني أميمة بنت رقيقة وكانت أخت خديجة خالة فاطمة من فيها إلى فيّ فذكره.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني سليط بن أيوب بن الحكم بن سليم عن أمه سلمى بنت قيس، وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ وقد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف قال: «ولا تغششن أزواجكن» قالت:
فبايعناه ثم انصرفنا فقلت لامرأة منهن ارجعي فسلي رسول الله ﷺ ما غش أزواجنا؟ قالت:
فسألته فقال «تأخذ ماله فتحابي به غيره».
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرّحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي عن أمه عائشة بنت قدامة يعني ابن مظعون قالت أنا مع أمي رائطة ابنة سفيان الخزاعية والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصينني في معروف قالت: فأطرقن فقال لهن النبي ﷺ : -قلن نعم-فيما استطعتن» فكن يقلن وأقول معهن وأمي تقول لي أي بنية نعم، فيما استطعت فكنت أقول كما يقلن.
стр. 3572
وقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله ﷺ فقرأ علينا ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً﴾ ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة يدها قالت: أسعدتني فلانة فأريد أن أجزيها، فما قال لها رسول الله ﷺ شيئا، فانطلقت ورجعت فبايعها (١)، ورواه مسلم. وفي رواية: فما وفي منهن امرأة غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان.
وللبخاري (٢) عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة غير خمسة نسوة. أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ وامرأتان أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ وامرأة أخرى.
وقد كان رسول الله ﷺ يتعاهد النساء بهذه البيعة يوم العيد، كما قال البخاري (٣): حدثنا محمد بن عبد الرّحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جريج أن الحسن بن مسلم أخبره عن طاوس عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء مع بلال فقال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ حتى فرغ من الآية كلها ثم قال حين فرغ «أنتن على ذلك؟» فقالت امرأة واحدة ولم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله، لا يدري الحسن من هي، قال: فتصدقن، قال: وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش عن سليمان بن سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله تبايعه على الإسلام فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى».
وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم-قرأ الآية التي أخذت على النساء: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ﴾
стр. 3573
-فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء الله غفر له وإن شاء عذبه» (١) أخرجاه في الصحيحين.
وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي عبد الله عبد الرّحمن بن عسيلة الصنابحي عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، وقال «فإن وفيتم فلكم الجنة» رواه ابن أبي حاتم.
وقد روى ابن جرير (٢) من طريق العوفي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: «قل لهن إن رسول الله ﷺ يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا» وكانت هند بنت عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة متنكرة في النساء فقالت: إني إن أتكلم يعرفني وإن عرفني قتلني، وإنما تنكرت فرقا من رسول الله ﷺ فسكت النسوة اللاتي مع هند وأبين أن يتكلمن فقالت هند وهي متنكرة: كيف تقبل من النساء شيئا لم تقبله من الرجال؟.
ففطن إليها رسول الله ﷺ وقال لعمر «قل لهن ولا يسرقن» قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهنات ما أدري أيحلهن لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فدعاها فأخذت بيده فعاذت به فقال: «أنت هند؟» قالت: عفا الله عما سلف، فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال: «ولا يزنين» فقالت:
يا رسول الله، وهل تزني امرأة حرة؟ قال «لا والله ما تزني الحرة-قال-ولا يقتلن أولادهن» قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر فأنت وهم أبصر، قال: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه ويقطعن الشعور، ويدعون بالويل والثبور. وهذا أثر غريب وفي بعضه نكارة والله أعلم، فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله يخيفهما بل أظهر الصفاء والود لهما، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما.
وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، بايع رسول الله ﷺ الرجال على الصفا، وعمر بايع النساء تحتها عن رسول الله ﷺ فذكر بقيته كما تقدم وزاد: فلما قال: ولا تقتلن أولادكن. قالت هند: ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي حدثتني
стр. 3574
غبطة بنت سليمان، حدثتني عمتي عن جدتها عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه فنظر إلى يدها فقال «اذهبي فغيري يدك» فذهبت فغيرتها بحناء ثم جاءت فقال «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا» فبايعها وفي يدها سواران من ذهب، فقالت:
ما تقول في هذين السوارين؟ فقال «جمرتان من نار جهنم».
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل عن حصين عن عامر هو الشعبي قال: بايع رسول الله ﷺ النساء وفي يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال «ولا تقتلن أولادكن» فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال، وكان بعد ذلك إذا جاء النساء يبايعنه جمعهن فعرض عليهن، فإذا أقررن رجعن، فقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ﴾ أي من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط فبايعها ﴿عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ﴾ أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرا في نفقتها فلها أن تأكل من ماله بالمعروف ما جرت به عادة أمثالها وإن كان من غير علمه عملا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل عليّ جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك» (١) أخرجاه في الصحيحين.
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَزْنِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] وفي حديث سمرة: ذكر عقوبة الزناة بالعذاب الأليم في نار الجحيم. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع رسول الله ﷺ فأخذ عليها ﴿أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ الآية، قالت:
فوضعت يدها على رأسها حياء فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقري أيتها المرأة فوالله ما بايعنا إلا على هذا، قالت: فنعم إذا، فبايعها بالآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل عن حصين عن عامر هو الشعبي قال: بايع رسول الله ﷺ النساء وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه ثم قال «ولا تقتلن أولادكن» فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصي بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءت النساء يبايعنه جمعهن فعرض عليهن فإذا أقررن رجعن. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ وهذا يشمل قتله بعد وجوده كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإملاق ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه.
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم وكذا قال مقاتل. ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو
стр. 3575
داود (١): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب. حدثنا عمرو يعني ابن الحارث عن ابن الهاد عن عبد الله بن يونس عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين».
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ يعني فيما أمرتهن به من معروف ونهيتهن عنه من منكر. قال البخاري (٢): حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال:
سمعت الزبير عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال: إنما هو شرط شرطه الله للنساء. وقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله طاعة لنبيه إلا في المعروف والمعروف طاعة، وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله وهو خيرة الله من خلقه في المعروف.
وقد قال غيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وسالم بن أبي الجعد وأبي صالح وغير واحد:
نهاهن يومئذ عن النوح، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضا.
وقال ابن جرير (٣): حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة في هذه الآية ذكر لنا أن النبي ﷺ أخذ عليهن النياحة ولا تحدثن الرجال إلا رجلا منكن محرما، فقال عبد الرّحمن بن عوف: يا رسول الله إن لنا أضيافا وإنا نغيب عن نسائنا فقال رسول الله ﷺ : «ليس أولئك عنيت، ليس أولئك عنيت» وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء أخبرنا ابن أبي زائدة حدثني مبارك عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي ﷺ ألا تحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يمذي بين فخذيه.
وقال ابن جرير (٤): حدثنا ابن حميد حدثنا هارون عن عمرو عن عاصم عن ابن سيرين عن أم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشترط علينا رسول الله من المعروف حين بايعناه أن لا ننوح فقالت امرأة من بني فلان إن بني فلان أسعدوني فلا حتى أجزيهم، فانطلقت فأسعدتهم ثم جاءت فبايعت، قالت فما وفي منهن غيرها وغير أم سليم ابنة ملحان أم أنس بن مالك.
وقد روى البخاري هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين عن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂. وقد روي نحوه من وجه آخر أيضا.
وقال ابن جرير (٥) حدثنا أبو كريب حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن فروخ القتات حدثني
стр. 3576
مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزا لنا كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ ، قالت فأتيته لأبايعه فأخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن، فقالت عجوز يا رسول الله إن أناسا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني وإنهم قد أصابتهم مصيبة فأنا أريد أسعدهم قال: «فانطلقي فكافئيهم» فانطلقت فكافأتهم ثم إنها أتته فبايعته وقال هو المعروف الذي قال الله :
﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي حدثنا القعنبي حدثنا الحجاج بن صفوان عن أسيد بن أبي أسيد البراد عن امرأة من المبايعات قالت كان فيما أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نعصيه في معروف أن لا نخمش وجها ولا ننشر شعرا ولا نشق جيبا ولا ندعوا ويلا.
وقال ابن جرير (١): حدثنا محمد بن سنان القزاز حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا إسحاق بن عثمان أبو يعقوب، حدثني إسماعيل بن عبد الرّحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ جمع نساء الأنصار في بيت ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁، فقام على الباب وسلّم علينا فرددن أو فرددنا عليه¬ السّلام، ثم قال أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن قالت فقلنا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله، فقال: تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين، قالت: فقلنا نعم، قالت فمد يده من خارج الباب أو البيت ومددنا أيدينا من داخل البيت ثم قال: اللهم اشهد، قالت، وأمرنا في العيدين أن نخرج فيه الحيض والعواتق ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز قال إسماعيل فسألت جدتي عن قوله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قالت: النياحة.
وفي الصحيحين من طريق الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» (٢) وفي الصحيحين أيضا عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة (٣).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد حدثنا أبان بن يزيد حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت-وقال-النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (٤).
ورواه مسلم في صحيحه منفردا به من حديث أبان بن يزيد العطار به وعن أبي سعيد أن
стр. 3577
رسول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة رواه أبو داود (١). وقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن يزيد مولى الصهباء عن شهر بن حوشب عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ قال النوح (٣)، ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد عن أبي نعيم وابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع كلاهما عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء به وقال الترمذي حسن غريب.
[سورة الممتحنة (٦٠): آية ١٣]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾
ينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها في أولها فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني اليهود والنصارى وسائر الكفار ممن غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء وقد يئسوا من الآخرة أي من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله .
وقوله تعالى: ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ فيه قولان: أحدهما كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك لأنهم لا يعتقدون بعثا ولا نشورا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه. قال العوفي عن ابن عباس ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر السورة يعني من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله ، وقال الحسن البصري ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات، وقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا وكذا قال الضحاك، رواهن ابن جرير (٤).
والقول الثاني معناه كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير، قال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ قال كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه، وهذا قول مجاهد وعكرمة ومقاتل وابن زيد والكلبي ومنصور، وهو اختيار ابن جرير ﵀.
آخر تفسير سورة الممتحنة، ولله الحمد والمنة.
стр. 3578
تفسير سورة الصف
وهي مدنية
قال الإمام أحمد (١): حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وعن عطاء بن يسار، عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال تذاكرنا أيكم يأتي رسول الله ﷺ ، فيسأله أي الأعمال أحب إلى الله، فلم يقم أحد منا فأرسل رسول الله ﷺ إلينا رجلا، فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة يعني سورة الصف كلها، هكذا رواه الإمام أحمد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قراءة قال أخبرني أبي سمعت الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرّحمن حدثني عبد الله بن سلام أن أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحب الأعمال إلى الله ، فلم يذهب إليه أحد منا وهبنا أن نسأله عن ذلك، قال فدعا رسول الله ﷺ أولئك النفر رجلا رجلا حتى جمعهم ونزلت فيهم هذه السورة ﴿سَبَّحَ لِلّهِ﴾ الصف. قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ كلها (٢).
قال أبو سلمة: وقرأها علينا عبد الله بن سلام كلها. قال يحيى بن أبي كثير: وقرأها علينا أبو سلمة كلها. قال الأوزاعي وقرأها علينا يحيى بن أبي كثير كلها، قال أبي وقرأها علينا الأوزاعي كلها وقد رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرّحمن الدارمي حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾.
قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ . قال أبو سلمة فقرأها علينا ابن سلام، قال يحيى فقرأها علينا أبو سلمة، قال ابن كثير فقرأها علينا الأوزاعي، قال عبد الله فقرأها علينا ابن كثير. ثم قال الترمذي، وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي، فروى ابن المبارك عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن سلام أو عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام، قلت: وهكذا رواه الإمام
стр. 3579
أحمد عن يعمر عن ابن المبارك به، قال الترمذي وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير.
قلت وكذا رواه الوليد بن يزيد عن الأوزاعي كما رواه ابن كثير، قلت وقد أخبرني بهذا الحديث الشيخ المسند أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار قراءة عليه، وأنا أسمع، أخبرنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللتي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبد الرّحمن بن المظفر بن محمد بن داود الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا عيسى بن عمر بن عمران السمرقندي.
أخبرنا الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرّحمن الدارمي بجميع مسنده، أخبرنا محمد بن كثير عن الأوزاعي فذكر بإسناده مثله، وتسلسل لنا قراءتها إلى شيخنا أبي العباس الحجار ولم يقرأها لأنه كان أميا، وضاق الوقت عن تلقينها إياه ولكن أخبرني الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ﵀، أخبرنا القاضي تقي الدين بن سليمان ابن الشيخ أبي عمر، أخبرنا أبو المنجا بن اللتي، فذكره بإسناده وتسلسل لي من طريقه وقرأها علي بكمالها ولله الحمد والمنة.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الصف (٦١): الآيات ١ إلى ٤]
﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾
قد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ غير مرة بما أغنى عن إعادته. وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إنكار على من يعد وعدا أو يقول قولا لا يفي به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقا، سواء ترتب عليه عزم للموعود أم لا، واحتجوا أيضا من السنة بما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان» (١). وفي الحديث الآخر في الصحيح «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها» (٢) فذكر منهن إخلاف الوعد، وقد استقصينا الكلام على هذين الحديثين
стр. 3580
في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة، ولهذا أكد الله تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله تعالى:
﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾.
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله ﷺ وأنا صبي فذهبت لأخرج لألعب فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطك فقال لها رسول الله ﷺ :
«وما أردت أن تعطيه؟» قالت: تمرا. فقال: «أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة» (١) وذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى إلى أنه إذا تعلق بالوعد غرم على الموعود وجب الوفاء به كما لو قال لغيره تزوج ولك علي كل يوم كذا فتزوج وجب عليه أن يعطيه ما دام كذلك، لأنه تعلق به حق آدمي وهو مبني على المضايقة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجب مطلقا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فريضة الجهاد عليهم فلما فرض نكل عنه بعضهم كقوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٦ - ٧٧].
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] الآية.
وهكذا هذه الآية معناها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون لوددنا أن الله دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره فقال الله : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا اختيار ابن جرير.
وقال مقاتل بن حيان: قال المؤمنون لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لعملنا به، فدلهم الله على أحب الأعمال إليه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ فبين لهم فابتلوا يوم أحد بذلك، فولوا عن النبي ﷺ مدبرين فأنزل الله في ذلك ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ وقال: أحبكم إلي من قاتل في سبيلي.
ومنهم من يقول: أنزلت في شأن القتال، يقول الرجل قاتلت ولم يقاتل وطعنت ولم يطعن وضربت ولم يضرب وصبرت ولم يصبر. وقال قتادة والضحاك: نزلت توبيخا لقوم كانوا يقولون قتلنا وضربنا وطعنا وفعلنا، ولم يكونوا فعلوا ذلك. وقال ابن زيد: نزلت في قوم من
стр. 3581
المنافقين كانوا يعدون المسلمين النصر ولا يفون لهم بذلك، وقال مالك عن زيد بن أسلم ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ قال: في الجهاد.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فما بين ذلك في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة قالوا في مجلس لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت فأنزل الله تعالى هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة لا أبرح حبيسا في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي عن أبيه قال: بعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه منهم ثلاثمائة رجل كلهم قد قرأ القرآن، فقال أنتم قراء أهل البصرة وخيارهم. وقال كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيناها غير أني قد حفظت منها ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فهذا إخبار من الله تعالى بمحبة عباده المؤمنين إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان.
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال» ورواه ابن ماجة من حديث مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين حدثنا الأسود يعني ابن شيبان حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير قال: قال مطرف كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه فلقيته، فقلت يا أبا ذر كان يبلغني عنك حديث فكنت أشتهي لقاءك، فقال: لله أبوك فقد لقيت فهات، فقلت كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم أن الله يبغض ثلاثة ويحب ثلاثة، قال أجل فلا إخالني أكذب على خليلي ﷺ قلت فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله ؟ فقال: رجل غزا في سبيل الله خرج محتسبا مجاهدا فلقي العدو فقتل وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل ثم قرأ ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ وذكر الحديث هكذا أورد هذا الحديث من هذا الوجه بهذا السياق، وهذا اللفظ واختصره، وقد أخرجه الترمذي والنسائي من حديث شعبة عن منصور بن المعتمر
стр. 3582
عن ربعي بن خراش عن زيد بن بيان عن أبي ذر بأبسط من هذا السياق وأتم، وقد أوردناه في مواضع أخر ولله الحمد.
وعن كعب الأحبار أنه قال: يقول الله تعالى لمحمد ﷺ : «عبدي المتوكل المختار ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطابة وملكه بالشام وأمته الحمادون يحمدون الله على كل حال، وفي كل منزلة لهم دوي كدوي النحل في جو السماء بالسحر، يوضون أطرافهم ويأتزرون على أنصافهم صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة» ثم قرأ ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ رعاة الشمس يصلون الصلاة حيث وأدركتهم لو على ظهر دابة. رواه ابن أبي حاتم.
وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ قال:
كان رسول الله ﷺ لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. قال وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أي ملتصق بعضه في بعض من الصف في القتال، وقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى بعض، وقال ابن عباس ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ مثبت لا يزول ملصق بعضه ببعض.
وقال قتادة ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ألم تر إلى صاحب البنيان كيف لا يحب أن يختلف بنيانه. فكذلك الله لا يحب أن يختلف أمره وإن الله صف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله فإنه عصمة لمن أخذ به، أورد ذلك كله ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير (١): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد عن أبي بكر بن أبي مريم عن يحيى بن جابر الطائي عن أبي بحرية قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل ويستحبون القتال على الأرض لقول الله : ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قال: وكان أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني ألتفت في الصف فجؤوا في لحيي.
[سورة الصف (٦١): الآيات ٥ إلى ٦]
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ أنه قال لقومه:
﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي لم توصلون الأذى إلي وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة. وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصابه من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر ولهذا قال «رحمة الله على موسى: لقد أوذي بأكثر من هذا
стр. 3583
فصبر» وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي ﷺ أو يوصلوا إليه أذى كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ [الأحزاب:٦٩].
وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] ولهذا قال تعالى في هذه الآية ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني التوراة قد بشرت بي وأنا مصداق ما أخبرت عنه، وأنا مبشر بمن بعدي وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد.
فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل مبشرا بمحمد وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين الذي لا رسالة بعده ولا نبوة.
وما أحسن ما أورد البخاري الحديث الذي قال فيه: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن لي أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب» (١) ورواه مسلم من حديث الزهري به نحوه.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال:
سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه أسماء منها ما حفظنا فقال «أنا محمد وأنا أحمد والحاشر والمقفي ونبي الرحمة والتوبة والملحمة» (٢) ورواه مسلم من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به.
وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] قال ابن عباس:
ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن بعث محمد وهو حي ليتبعنه وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه.
стр. 3584
وقال محمد بن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله ﷺ أخبرنا عن نفسك قال: «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» (١) وهذا إسناد جيد وروي له شواهد من وجوه أخر، فقال الإمام أحمد (٢): حدثنا عبد الرّحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض ابن سارية قال: قال رسول الله ﷺ «إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات النبيين يرين».
وقال أحمد (٣) أيضا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر قال:
سمعت أبا أمامة قال: قلت يا رسول الله ما كان بدء أمرك. قال «دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام».
وقال أحمد (٤) أيضا: حدثنا حسن بن موسى، سمعت خديجا أخا زهير بن معاوية عن أبي إسحاق عن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلا منهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن رواحة، وعثمان بن مظعون وأبو موسى، فأتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له: إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا قال: فأين هم؟ قالا: هم في أرضك فابعث إليهم فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك.
قال: إنا لا نسجد إلا لله قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله وأمرنا بالصلاة والزكاة.
قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم، قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه. قالوا: نقول كما قال الله هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يعترضها ولد، قال: فرفع عودا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله وأنه الذي نجد في الإنجيل وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل نعليه وأوضئه، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرا، وزعم أن النبي ﷺ استغفر
стр. 3585
له حين بلغه موته.
قد رويت هذه القصة عن جعفر وأم سلمة ﵄ وموضع ذلك كتاب السيرة والمقصد أن الأنبياء ﵈ لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها وتأمرهم باتباعه ونصره وموازرته إذا بعث، وكان ما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد الأنبياء بعده حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا منهم، وكذا على لسان عيسى ابن مريم، ولهذا قالوا: أخبرنا عن بدء أمرك يعني في الأرض قال: «دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ابن مريم ورؤيا أمي التي رأت» أي ظهر في أهل مكة أثر ذلك، والإرهاص فذكره صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قال ابن جريج وابن جرير (١) ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾ أحمد أي المبشر به في الأعصار المتقادمة المنوه بذكره في القرون السالفة. لما ظهر أمره وجاء بالبينات، قال الكفرة والمخالفون ﴿هذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
[سورة الصف (٦١): الآيات ٧ إلى ٩]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾
يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ﴾ أي:
لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب على الله ويجعل له أندادا وشركاء وهو يدعي إلى التوحيد والإخلاص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ أي يحاولون أن يردوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذاك ذلك مستحيل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في سورة براءة بما فيه كفاية، ولله الحمد والمنة.
[سورة الصف (٦١): الآيات ١٠ إلى ١٣]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾
تقدم في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة ﵃ أرادوا أن يسألوا رسول الله ﷺ عن أحب الأعمال إلى الله ليفعلوه، فأنزل الله تعالى هذه السورة ومن جملتها هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم فسر
стр. 3586
هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، التي هي محصلة للمقصود ومزيلة للمحذور فقال تعالى:
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي من تجارة الدنيا والكد لها والتصدي لها وحدها، ثم قال تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه غفرت لكم الزلات وأدخلتكم الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها﴾ أي وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها وهي ﴿نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه تكفل الله بنصركم، قال الله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقال تعالى:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي عاجل، فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة لمن أطاع الله ورسوله ونصر الله ودينه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
[سورة الصف (٦١): آية ١٤]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم وأن يستجيبوا لله ولرسوله كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: ﴿مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من معيني في الدعوة إلى الله ؟ ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى ﵇ ﴿نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي نحن أنصارك على ما أرسلت به وموازروك على ذلك، ولهذا بعثهم دعاة إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين، وهكذا كان رسول الله ﷺ يقول في أيام الحج: «من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي» (١) حتى قيض الله له الأوس والخزرج من أهل المدينة فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه، وفوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا سماهم الله ورسوله الأنصار وصار ذلك علما عليهم ﵃ وأرضاهم.
وقوله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ أي لما بلغ عيسى ابن مريم ﵊ رسالة ربه إلى قومه وآزره من وازره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به وضلت طائفة، فخرجت عما جاءهم به وجحدوا نبوته ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وغلت فيه طائفة ممن اتبعه
стр. 3587
حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة وافترقوا فرقا وشيعا فمن قائل منهم: إنه ابن الله، وقائل إنه ثالث ثلاثة: الأب والابن وروح القدس، ومن قائل إنه الله، وكل هذه الأقوال مفصلة في سورة النساء.
وقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ﴾ أي نصرناهم على من عاداهم من فرق النصارى ﴿فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ أي عليهم، وذلك ببعثة محمد ﷺ ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (١) ﵀: حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المنهال يعني ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وهم في بيت اثنا عشر رجلا من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنا فقال: أنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا، فقال له: «اجلس» ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا، فقال: نعم أنت ذاك.
قال: فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى ﵇ من روزنة في البيت إلى السماء قال:
وجاء الطلب من اليهود فأخذوا شبيهه فقتلوه وصلبوه وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمنوا به، فتفرقوا فيه ثلاث فرق، فقالت فرقة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء الله ثم رفعه إليه وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ﷺ ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ يعني الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى والطائفة التي آمنت في زمن عيسى ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ بإظهار محمد ﷺ دينهم على دين الكفار.
هذا لفظه في كتابه عند تفسير هذه الآية الكريمة، وهكذا رواه النسائي عند تفسير هذه الآية من سننه عن أبي كريب محمد بن العلاء عن أبي معاوية بمثله سواء.
فأمة محمد ﷺ لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم الدجال مع المسيح عيسى ابن مريم ﵇ كما وردت بذلك الأحاديث الصحاح، والله أعلم. آخر تفسير سورة الصف ولله الحمد والمنة.
стр. 3588
تفسير سورة الجمعة
وهي مدنية
عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄، أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين، رواه مسلم (١) في صحيحه.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ إلى ٤]
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾
يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض، أي من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] ثم قال تعالى:
﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ أي هو مالك السموات والأرض المتصرف فيهما بحكمه، وهو القدوس، أي المنزه عن النقائص الموصوف بصفات الكمال ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيرهما غير مرة.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ الأميون هم العرب، كما قال تعالى:
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر، كما قال تعالى في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وهو ذكر لغيرهم يتذكرون به، وكذا قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف:١٥٨] وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقوله تعالى إخبارا عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته، صلوات الله وسلامه عليه، إلى جميع الخلق أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام بالآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.
وهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله إبراهيم، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولا
стр. 3589
منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فبعثه الله وله الحمد والمنة على حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، أي نزرا يسيرا ممن تمسك بما بعث الله به عيسى ابن مريم ﵇، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾.
وذلك أن العرب كانوا قديما متمسكين بدين إبراهيم الخليل ﵇، فبدلوه وغيروه وقلبوه وخالفوه واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتاب قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها وأولوها، فبعث الله محمدا صلوات الله وسلامه عليه بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة ورضا الله عنهم، والنهي عما يقربهم إلى النار وسخط الله تعالى حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع، وجمع له تعالى وله الحمد والمنة جميع المحاسن ممن كان قبله وأعطاه ما لم يعط أحدا من الأولين ولا يعطيه أحدا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين.
وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة ﵁، قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثا، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله ﷺ يده على سلمان الفارسي ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لنا له رجال-أو رجل-من هؤلاء» (١) ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق، عن ثور بن زيد الديلي عن سالم أبي الغيث عن أبي هريرة به.
ففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس، لأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم إلى الله وإلى اتباع ما جاء به، ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال: هم الأعاجم وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم،
стр. 3590
حدثنا أبو محمد عيسى بن موسى عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في أصلاب أصلاب رجال من أصحابي ورجالا ونساء من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب» ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يعني بقية من بقي من أمة محمد ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ يعني ما أعطاه الله محمدا ﷺ من النبوة العظيمة وما خص به أمته من بعثته ﷺ إليهم.
[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٥ إلى ٨]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾
يقول تعالى ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، أي كمثل الحمار إذا حمل كتبا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسيا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظا ولم يفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالا من الحمير، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى:
﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى هاهنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾.
وقال الإمام أحمد (١) ﵀: حدثنا ابن نمير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال:
قال رسول الله ﷺ : «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا والذي يقول له أنصت ليس له جمعة».
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين إن كنتم صادقين، أي فيما تزعمونه.
قال الله تعالى: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ وقد قدمنا الكلام في سورة البقرة على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
стр. 3591
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦]، وقد أسلفنا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على الضلال من أنفسهم أو خصومهم كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] ومباهلة المشركين في سورة مريم ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥].
وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي، أبو يزيد، حدثنا فرات عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيت محمدا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال رسول الله ﷺ : «لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا» (٢) رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الكريم، قال البخاري وتبعه عمرو بن خالد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم، ورواه النسائي أيضا عن عبد الرّحمن بن عبيد الله الحلبي عن عبيد الله بن عمرو الرقي به أتم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كقوله تعالى في سورة النساء ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] وفي معجم الطبراني من حديث معاذ بن محمد الهذلي عن يونس عن الحسن عن سمرة مرفوعا «مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره فقالت له الأرض يا ثعلب ديني، فخرج له حصاص (٣) فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات».
[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٩ إلى ١٠]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾
إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه كمل جميع الخلائق فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وفيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة،
стр. 3592
وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحاح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع الضبي، حدثنا سلمان قال: قال أبو القاسم ﷺ :
«يا سلمان ما يوم الجمعة؟» قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : «يوم الجمعة يوم جمع الله فيه أبواكم-أو أبوكم-» وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا فالله أعلم.
وقد كان يقال له في اللغة القديمة يوم العروبة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فضلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق آدم، واختار النصارى يوم الأحد الذي ابتدئ فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة يوم الجمعة الذي أكمل الله فيه الخليقة كما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال:
قال رسول الله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم إن هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد» (١) لفظ البخاري وفي لفظ لمسلم (٢) «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق».
وقد أمر الله المؤمنين بالاجتماع لعبادته يوم الجمعة فقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ أي اقصدوا واعمدوا واهتموا في سيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع وإنما هو الاهتمام بها كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الإسراء: ١٩] وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود ﵄ يقرءانها «فامضوا إلى ذكر الله».
فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه لما أخرجاه في الصحيحين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٣) لفظ البخاري وعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلما صلّى قال: «ما شأنكم؟» قالوا: استعجلنا إلى الصلاة قال «فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (٤)
стр. 3593
أخرجاه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها تمشون، وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» (١). رواه الترمذي من حديث عبد الرزاق كذلك، وأخرجه من طريق يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة بمثله، قال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنية والخشوع. وقال قتادة في قوله:
﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ يعني أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها، وكان يتأول قوله تعالى: ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي المشي معه، وروي عن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وغيرهما نحو ذلك.
ويستحب لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها، لما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل» (٢) ولهما عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» (٣) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» (٤) رواه مسلم، وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم وهو يوم الجمعة» (٥) رواه أحمد والنسائي وابن حبان.
وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من غسل واغتسل يوم الجمعة وبكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة أجر سنة أجر صيامها وقيامها» (٧) وهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي، وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما
стр. 3594
قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (١) أخرجاه.
ويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويتنظف ويتسوك ويتطهر. وفي حديث أبي سعيد المتقدم «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس من طيب أهله».
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أيوب الأنصاري: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى» وفي سنن أبي داود وابن ماجة عن عبد الله بن سلام ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر:
«ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته» (٣) وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار فقال: «ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته» (٤) رواه ابن ماجة.
وقوله تعالى: ﴿إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله ﷺ إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁، فإنما كان هذا لكثرة الناس كما رواه البخاري ﵀ حيث قال: حدثنا آدم هو ابن أبي إياس، حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن وكثر الناس، زاد النداء الثاني على الزوراء (٥) يعني يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء، وكانت أرفع دار بالمدينة بقرب المسجد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم، حدثنا محمد بن راشد المكحولي عن مكحول أن النداء كان في يوم الجمعة مؤذن واحد، حين يخرج الإمام ثم تقام الصلاة وذلك النداء الذي يحرم عنده الشراء والبيع إذا نودي به، فأمر عثمان ﵁ أن ينادي قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس. وإنما يؤمر بحضور الجمعة الرجال الأحرار دون
стр. 3595
العبيد والنساء والصبيان، ويعذر المسافر والمريض وقيّم المريض وما أشبه ذلك من الأعذار، كما هو مقرر في كتب الفروع.
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء ﵃ على تحريم البيع بعد النداء الثاني، واختلفوا هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ على قولين وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة خير لكم أي في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ أي فرغ منها ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، كما كان عراك بن مالك ﵁ إذا صلّى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد فقال: اللهم إني أجبت دعوتك وصليت فريضتك وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين، رواه ابن أبي حاتم.
وروي عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة بارك الله له سبعين مرة لقول الله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي في حال بيعكم وشرائكم وأخذكم وإعطائكم اذكروا الله ذكرا كثيرا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة، ولهذا جاء في الحديث «من دخل سوقا من الأسواق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحي عنه ألف ألف سيئة» (١) وقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرا حتى يذكر الله قائما وقاعدا ومضطجعا.
[سورة الجمعة (٦٢): آية ١١]
﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١)﴾
يعاتب ﵎ على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ فقال تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً﴾ أي على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائما على المنبر إلا القليل منهم، وقد صح بذلك الخبر فقال الإمام أحمد (٢): حدثنا ابن إدريس عن حصين عن سالم بن أبي الجعد عن
стр. 3596
جابر قال: قدمت عير مرة المدينة، ورسول الله ﷺ يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلا فنزلت ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ (١) أخرجاه في الصحيحين من حديث سالم به.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هشيم عن حصين عن سالم بن أبي الجعد وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقدمت عير إلى المدينة فابتدرها أصحاب رسول الله ﷺ ، حتى لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا عشر رجلا فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد لسال بكم الوادي نارا» ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً﴾ وقال: كان في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر ﵄.
وفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قائِماً﴾ دليل على أن الإمام يخطب يوم الجمعة قائما. وقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس (٢)، ولكن هاهنا شيء ينبغي أن يعلم وهو: أن هذه القصة قد قيل إنها كانت لما كان رسول الله ﷺ يقدم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود في كتاب المراسيل، حدثنا محمود بن خالد عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بكير بن معروف أنه سمع مقاتل بن حيان يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يوم والنبي ﷺ يخطب، وقد صلّى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفة قد قدم بتجارة، يعني فانفضوا ولم يبق معه إلا نفر يسير وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ﴾ أي الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أي لمن توكل عليه وطلب الرزق في وقته. آخر تفسير سورة الجمعة ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
стр. 3597
تفسير سورة المنافقون
وهي مدنية
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ إلى ٤]
﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾
يقول تعالى مخبرا عن المنافقين أنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي ﷺ ، فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك بل على الضد من ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ أي إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليسوا كما يقولون، ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله فقال: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ أي فيما أخبروا به وإن كان مطابقا للخارج لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم.
وقوله تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ أي اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة والحلفات الآثمة ليصدقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالا، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولهذا كان الضحاك بن مزاحم يقرؤها «اتخذوا إيمانهم جنة» أي تصديقهم الظاهر جنة أي تقية يتقون به القتل، والجمهور يقرؤها ﴿أَيْمانَهُمْ﴾ جمع يمين، وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى، فطبع الله ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾. أي فلا يصل إلى قلوبهم هدى ولا يخلص إليها خير فلا تعي ولا تهتدي.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي وكانوا أشكالا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك
стр. 3598
في غاية الضعف والخور والهلع والجزع والجبن، ولهذا قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي كلما وقع أمر أو كائنة أو خوف يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم كما قال تعالى:
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ [الأحزاب: ١٩] فهم جهامات (١) وصور بلا معاني، ولهذا قال تعالى:
﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال.
وقد قال الإمام أحمد (٢): حدثنا يزيد، حدثنا عبد الملك بن قدامة الجمحي عن إسحاق بن بكير بن أبي الفرات عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لعنة وطعامهم نهبة وغنيمتهم غلول ولا يقربون المساجد إلا هجرا، ولا يأتون الصلاة إلا دبرا، مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل صخب بالنهار» وقال يزيد بن مرة: سخب بالنهار.
[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٥ إلى ٨]
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)﴾
يقول تعالى مخبرا عن المنافقين عليهم لعائن الله أنهم ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ أي صدوا وأعرضوا عما قيل لهم استكبارا عن ذلك واحتقارا لما قيل لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ثم جازاهم على ذلك فقال تعالى:
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ كما قال في سورة براءة، وقد تقدم الكلام على ذلك وإيراد الأحاديث المروية هنالك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان ﴿لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ قال ابن أبي عمر: وحوّل سفيان وجهه على يمينه ونظر بعينه شزرا ثم قال: هو هذا.
وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي ابن سلول كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة (٣): ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، يعني مرجعه
стр. 3599
من أحد، وكان عبد الله بن أبي ابن سلول كما حدثني ابن شهاب الزهري له مقام يقومه كل جمعة، لا ينكر شوفا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعزروه واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع، يعني مرجعه بثلث الجيش ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدو الله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بجرا إن قمت أشدد أمره، فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك ما لك؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بجرا إن قمت أشدد أمره.
قالوا: ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ ، فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.
وقال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله ﷺ ، فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله ﷺ فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعذموه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله ﷺ فجعل يلوي رأسه، أي لست فاعلا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل منزلا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي: ائت النبي ﷺ حتى يستغفر لك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ﴾ وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير. وقوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي ابن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق.
وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن يحيى بن حبان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة في قصة بني المصطلق، فبينا رسول الله ﷺ مقيم هناك اقتتل على الماء جهجاه بن سعيد الغفاري، وكان أجيرا لعمر بن الخطاب وسنان بن وبر قال ابن إسحاق:
فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: ازدحما على الماء فاقتتلا، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل
стр. 3600
على من عنده من قومه وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد بن أرقم ﵁ فذهب بها إلى رسول الله ﷺ : وهو غليم عند عمر بن الخطاب ﵁، فأخبره الخبر، فقال عمر ﵁: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ «فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه، لا، ولكن ناد يا عمر الرحيل» فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله ﷺ أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان فقالوا: يا رسول الله عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل.
وراح رسول الله ﷺ مهجرا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير ﵁ فسلم عليه بتحية النبوة ثم قال: والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله ﷺ : «أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل» قال: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل. ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوّجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكا، فسار رسول الله ﷺ بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا ونزلت سورة المنافقين (١).
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمر بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فكسع (٢) رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار:
فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري يا للمهاجرين فقال رسول الله ﷺ : «ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة».
وقال عبد الله بن أبي ابن سلول: وقد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله ﷺ ، ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي ﷺ : «دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» (٣) ورواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد المروزي عن سفيان بن عيينة، ورواه البخاري عن الحميدي ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان به نحوه.
стр. 3601
وقال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال:
فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردت إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمت كئيبا حزينا، قال: فأرسل إلي نبي الله ﷺ فقال: «إن الله قد أنزل عذرك وصدقك» قال: فنزلت هذه الآية ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ -حتى بلغ- ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٢) ورواه البخاري عند هذه الآية عن آدم بن أبي إياس عن شعبة، ثم قال: وقال ابن أبي زائدة عن الأعمش عن عمرو عن ابن أبي ليلى عن زيد عن النبي ﷺ ، ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضا من حديث شعبة به.
[طريق أخرى عن زيد] قال الإمام أحمد (٣) ﵀: حدثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكير قالا: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم، وقال ابن أبي بكير عن زيد بن أرقم قال: خرجت مع عمي في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي ابن سلول يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله ﷺ ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ فحدثته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه فحلفوا بالله ما قالوا، فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه فأصابني هم لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك! قال حتى أنزل الله ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ قال: فبعث إلي رسول الله ﷺ فقرأها رسول الله ﷺ علي ثم قال: «إن الله قد صدقك».
ثم قال أحمد (٤) أيضا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق أنه سمع زيد بن أرقم يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأصاب الناس شدة فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله ﷺ حتى ينفضوا من حوله، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل فقالوا: كذب زيد يا رسول الله، فوقع في نفسي مما قالوا فأنزل الله تصديقي ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ﴾ قال ودعاهم رسول الله ﷺ ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم.
стр. 3602
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قال كانوا رجالا أجمل شيء (١)، وقد رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث زهير ورواه البخاري أيضا والترمذي من حديث إسرائيل كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني الكوفي عن زيد به.
[طريق أخرى عن زيد] قال أبو عيسى الترمذي (٢): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي سعيد الأزدي، قال: حدثنا زيد بن أرقم قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نبتدر الماء وكان الأعراب يسبقوننا إليه فسبق أعرابي أصحابه ليملأ الحوض ويجعل حوله حجارة ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه، قال: فأتى رجل من الأنصار الأعرابي فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه فانتزع حجرا ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبته فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره، وكان من أصحابه فغضب عبد الله بن أبي ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله ﷺ عند الطعام، فقال عبد الله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمدا بالطعام فليأكل هو ومن معه، ثم قال لأصحابه: لئن رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل.
قال زيد وأنا ردف عمي، قال فسمعت عبد الله بن أبي يقول ما قال، فأخبرت عمي فانطلق فأخبر رسول الله ﷺ فأرسل إليه رسول الله ﷺ فحلف وجحد، قال فصدقه رسول الله ﷺ وكذبني، قال فجاء إلي عمي فقال ما أردت إلا أن مقتك رسول الله ﷺ وكذبك والمسلمون، قال فوقع علي من الغم ما لم يقع على أحد قط، قال فبينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر، وقد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله ﷺ فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني وقال: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قلت: ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أن أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين.
انفرد بإخراجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي عن سعيد بن مسعود عن عبيد الله بن موسى به، وزاد بعد قوله سورة المنافقين ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ -حتى بلغ- ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ -حتى بلغ- ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.
وقد روى عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير في المغازي، وكذا ذكر
стр. 3603
موسى بن عقبة في مغازيه أيضا هذه القصة بهذا السياق، ولكن جعلا الذي بلغ رسول الله ﷺ كلام عبد الله بن أبي ابن سلول إنما هو أوس بن أرقم من بني الحارث بن الخزرج، فلعله مبلغ آخر أو تصحيف من جهة السمع والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، حدثني سلامة، حدثني عقيل، أخبرني محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو بن ثابت الأنصاري أخبراه أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المشلل وبين البحر، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبي ابن سلول فقال: قد كنت ترجى وتدفع فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب وكانوا يدعون كل حديث هجرة الجلابيب، فقال عبد الله بن أبي عدو الله: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
قال مالك بن الدخشم وكان من المنافقين: ألم أقل لكم لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، فسمع بذلك عمر بن الخطاب فأقبل يمشي حتى أتى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، يريد عمر عبد الله بن أبي، فقال رسول الله ﷺ لعمر: «أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» قال عمر: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس» فأقبل أسيد بن حضير وهو أحد الأنصار ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ : «أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله؟» قال: نعم والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط أذنيه، فقال رسول الله ﷺ : «اجلس» ثم قال رسول الله ﷺ : «آذنوا بالرحيل» فهجر بالناس فسار يومه وليلته والغد حتى متع النهار، ثم نزل ثم هجر بالناس مثلها حتى صبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل.
فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أرسل إلى عمر فدعاه فقال له رسول الله ﷺ : «أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله؟» قال عمر: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله امتثلوه، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرا» وأنزل الله ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾
стр. 3604
-إلى قوله تعالى- ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية. وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار (١): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أبي لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ : «بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا».
وذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة، واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك! فقال: ما لك ويلك؟ فقال: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله ﷺ وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله ﷺ فقال: أما إذا أذن لك رسول الله ﷺ فجز الآن. وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أبو هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول:
رسول الله ﷺ الأعز وأنا الأذل، قال وجاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي فوالذي بعثك بالحق، ما تأملت وجهه قط هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه لأتيتك فإني أكره أن أرى قاتل أبي.
[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٩ إلى ١١]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)﴾
يقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرا لهم بأنه من التهى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خلق له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإنفاق في طاعته فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ فكل مفرط يندم عند الاحتضار ويسأل طول المدة ولو شيئا يسيرا ليستعتب ويستدرك ما فاته وهيهات، كان ما كان وأتى ما هو آت،
стр. 3605
وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] وقال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠].
ثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أي لا ينظر أحدا بعد حلول أجله. وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقا في قوله وسؤاله ممن لو رد لعاد إلى شر مما كان عليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ وقال أبو عيسى الترمذي (١): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو جناب الكلبي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله فإنما يسأل الرجعة الكفار، فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنا ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدا، قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير.
ثم قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق عن الثوري عن يحيى بن أبي حية وهو أبو جناب الكلبي عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ بنحوه ثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره عن أبي جناب عن الضحاك عن ابن عباس من قوله وهو أصح، وضعف أبا جناب الكلبي.
قلت: ورواية الضحاك عن ابن عباس فيها انقطاع والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا سليمان بن عطاء عن مسلمة الجهني عن عمه يعني أبا مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر فقال «إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له فيلحقه دعاؤهم في قبره». آخر تفسير سورة المنافقين. ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.
стр. 3606
تفسير سورة التغابن
وهي مدنية وقيل مكية
قال الطبراني: حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال حدثنا الوليد بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن» أورده ابن عساكر في ترجمة الوليد بن صالح، وهو غريب جدا بل منكر.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ إلى ٤]
﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾
هذه السورة هي آخر المسبحات وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبارئها ومالكها، ولهذا قال تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ أي هو المتصرف في جميع الكائنات المحمود على جميع ما يخلقه ويقدره. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي ما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ أي هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلال، وهو شهيد على أعمال عباده وسيجزيهم بها أتم الجزاء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل والحكمة ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي أحسن أشكالكم، كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. وكقوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [غافر: ٦٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع والمآب، ثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية فقال تعالى:
﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾.
стр. 3607
[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٥ إلى ٦]
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾
يقول تعالى مخبرا عن الأمم الماضين وما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل والتكذيب بالحق فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي خبرهم وما كان من أمرهم ﴿فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ﴾ أي وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم وهو ما حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ أي في الدار الآخرة مضاف إلى هذا الدنيوي، ثم علل ذلك فقال: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بالحجج والدلائل والبراهين ﴿فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ أي استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾ أي كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل ﴿وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ أي عنهم ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٧ إلى ١٠]
﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾
يقول تعالى مخبرا عن الكفار والمشركين والملحدين أنهم يزعمون أنهم لا يبعثون ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾ أي لتخبرن بجميع أعمالكم جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها ﴿وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ أي بعثكم ومجازاتكم، وهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه على وقوع المعاد ووجوده، فالأولى في سورة يونس ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] والثانية في سورة سبأ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] الآية. والثالثة هي هذه ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا﴾ يعني القرآن ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر كما قال تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠].
وقوله تعالى: ﴿ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة، وذلك أن
стр. 3608
أهل الجنة يغبنون أهل النار، وكذا قال قتادة ومجاهد، وقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة ويذهب بأولئك إلى النار. قلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقد تقدم تفسير مثل هذه غير مرة.
[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١١ إلى ١٣]
﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾
يقول تعالى مخبرا بما أخبر به في سورة الحديد: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]. وهكذا قال هاهنا:
﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال ابن عباس: بأمر الله، يعني عن قدره ومشيئته ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله هدى الله قلبه. وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه أو خيرا منه. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (١).
وقال الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنا عند علقمة فقرئ عنده هذه الآية ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فسئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، وقال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ يعني يسترجع يقول ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].
وفي الحديث المتفق عليه «عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (٢).
وقال أحمد (٣): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد عن علي بن رباح أنه سمع جنادة بن أبي أمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله وتصديق به وجهاد في سبيل الله» قال:
стр. 3609
أريد أهون من هذا يا رسول الله قال السماحة: والصبر. قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله قال: «لا تتهم الله في شيء قضى لك به» لم يخرجوه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمر بطاعة الله ورسوله فيما شرع وفعل ما به أمر وترك ما عنه نهى وزجر، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من البلاغ وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم.
ثم قال تعالى مخبرا أنه الأحد الصمد الذي لا إله غيره فقال تعالى: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فالأول خبر عن التوحيد ومعناه معنى الطلب أي وحدوا الإلهية له وأخلصوها لديه وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ [المزمل: ٩].
[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١٤ إلى ١٨]
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾
يقول تعالى مخبرا عن الأزواج والأولاد أن منهم من هو عدو الزوج والوالد بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] ولهذا قال تعالى هاهنا:
﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال ابن زيد: يعني على دينكم، وقال مجاهد ﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ قال: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه (١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل حدثنا سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فلما أتوا رسول الله رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى عن
стр. 3610
الفريابي، وهو محمد بن يوسف به. وقال حسن صحيح. ورواه ابن جرير (١) والطبراني من حديث إسرائيل به، وروي من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وهكذا قال عكرمة مولاه سواء.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد فتنة أي اختبار وابتلاء من الله تعالى لخلقه ليعلم من يطيعه ممن يعصيه وقوله تعالى:
﴿وَاللهُ عِنْدَهُ﴾ أي يوم القيامة ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] والتي بعدها.
وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بريدة: سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطب، فجاء الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: «صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» (٣) ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد به، وقال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من حديثه.
وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا سريج بن النعمان، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس قال: قدمت على رسول الله ﷺ في وفد كندة فقال لي: «هل لك من ولد؟» قلت: غلام ولد لي في مخرجي إليك من ابنة جمد ولوددت أن بمكانه شبع القوم، فقال لي: «لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا» ثم قال: «ولئن قلت ذاك إنهم لمجبنة محزنة» تفرد به أحمد رحمه الله تعالى، وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمود بن بكر، حدثنا أبي عن عيسى عن ابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «الولد ثمرة القلوب وإنهم مجبنة مبخلة محزنة» ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.
وقال الطبراني: حدثنا هاشم بن مزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال:
«ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزا لك وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالك الذي ملكت يمينك».