← Тафсир

Тафсир · id 23604

تفسير ابن كثير - ط العلمية

ابن كثير

Полный текст (3 956 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

فقالت: تعس من كفر بالله! فقالت لها بنت فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله، فلطمتها بنت فرعون وضربتها وأخبرت أباها، فأرسل فرعون إليها فقال: تعبدين ربا غيري؟ قالت: نعم ربي وربك ورب كل شيء الله وإياه أعبد، فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها وأرسل عليها الحيات، فكانت كذلك، فأتى عليها يوما فقال لها: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك ورب كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي فقالت له: اقض ما أنت قاض، فذبح ابنها في فيها، وإن روح ابنها بشرها فقال لها: أبشري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت ثم أتى عليها فرعون يوما آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر في فيها، فبشرها روحه أيضا وقال لها: اصبري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، قال: وسمعت امرأة فرعون كلام روح ابنها الأكبر ثم الأصغر، فآمنت امرأة فرعون وقبض الله روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت، فازدادت إيمانا ويقينا وتصديقا فأطلع الله فرعون على إيمانها فقال للملأ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها فقال لهم: إنها تعبد غيري، فقالوا له: اقتلها. فأوتد لها أوتادا فشد يديها ورجليها فدعت آسية ربها فقالت ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة، فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها في الجنة ﵂. وقوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أي حفظته وصانته، والإحصان هو العفاف والحرية ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ أي بواسطة الملك وهو جبريل فإن الله بعثه إليها فتمثل لها في صورة بشر سوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها فكان منه الحمل بعيسى ﵇، ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ﴾ أي بقدره وشرعه ﴿وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ﴾. قال الإمام أحمد (١): حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات عن علباء عن عكرمة عن ابن عباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط وقال: «أتدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ : «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون». وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على

стр. 3642

سائر الطعام» (١). وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم ﵉ في كتابنا [البداية والنهاية] ولله الحمد والمنة، وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ﵇ في الجنة عند قوله تعالى ﴿ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾. آخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد والمنة. تفسير سورة الملك وهي مكية قال الإمام أحمد (٢): حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن سورة في القرآن ثلاثين آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٣) ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد أبي عبد الله القرشي النيسابوري المقري الزاهد الفقيه، أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم لكن في غير الصحيحين. وروى عنه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وعليه تفقه في مذهب أبي عبيد بن حربويه وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب عن الزهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «إن رجلا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه، فقال لها إنك من كتاب الله وأنا أكره مساءتك، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضرا ولا نفعا، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب ﵎ فاشفعي له، فتنطلق إلى الرب فتقول يا رب إن فلانا عمد إلي من بين كتابك فتعلمني وتلاني، أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلا ذاك به فامحني من كتابك فيقول ألا أراك غضبت، فتقول وحق لي أن أغضب فيقول اذهبي فقد وهبته لك وشفعتك فيه-قال-فتجيء فتزجر الملك، فيخرج كاسف البال لم يحل منه بشيء -قال-فتجيء فتضع فاها على فيه فتقول مرحبا بهذا الفم فربما تلاني، مرحبا بهذا الصدر فربما وعاني، ومرحبا بهاتين القدمين فربما قامتا بي، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه» قال: فلما حدث بهذا رسول الله ﷺ لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها وسماها رسول الله ﷺ المنجية.

стр. 3643

قلت وهذا حديث منكر جدا وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم والدارقطني وغير واحد، وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري من قوله مختصرا، وروى البيهقي في كتاب إثبات عذاب القبر عن ابن مسعود موقوفا ومرفوعا ما يشهد لهذا، وقد كتبناه في كتاب الجنائز من الأحكام الكبرى ولله الحمد والمنة. وقد روى الطبراني والحافظ الضياء المقدسي من طريق سلام بن مسكين عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾». وقال الترمذي: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب حدثنا يحيى بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر فإذا إنسان يقرأ سورة الملك: تبارك حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ : «هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر» ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي الباب عن أبي هريرة، ثم روى الترمذي أيضا من طريق ليث بن أبي سليم عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم تَنْزِيلُ﴾، و ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وقال ليث عن طاوس: يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن بن علاف الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي» يعني ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، هذا الحديث غريب وإبراهيم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة يس، وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد في مسنده بأبسط من هذا فقال: حدثنا إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى، قال: اقرأ ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة تجادل أو تخاصم يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له أن ينجيه من عذاب النار وينجي بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ : «لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي». ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الملك (٦٧): الآيات ١ إلى ٥] ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥)﴾

стр. 3644

يمجد تعالى نفسه الكريمة ويخبر أنه بيده الملك أي هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ واستدل بهذه الآية من قال إن الموت أمر وجودي، لأنه مخلوق، ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم ليبلوهم أي يختبرهم أيهم أحسن عملا، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فسمى الحال الأول وهو العدم موتا وسمى هذه النشأة حياة، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا خليد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء» ورواه معمر عن قتادة. وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي خير عملا كما قال محمد بن عجلان، ولم يقل أكثر عملا ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ أي هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب بعد ما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزا هو مع ذلك يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ أي طبقة بعد طبقة وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض أو متفاصلات بينهن خلاء، فيه قولان أصحهما الثاني كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره. وقوله تعالى: ﴿ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ﴾ أي بل هو مصطحب مستو ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة ولا نقص ولا عيب ولا خلل، ولهذا قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي انظر إلى السماء فتأملها هل ترى فيها عيبا أو نقصا أو خللا أو فطورا، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والثوري وغيرهم في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي شقوق (١)، وقال السدي ﴿هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي من خروق، وقال ابن عباس في رواية ﴿مِنْ فُطُورٍ﴾ أي من وهاء، وقال قتادة ﴿هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي هل ترى خللا يا ابن آدم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ قال قتادة: مرتين ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً﴾ قال ابن عباس: ذليلا، وقال مجاهد وقتادة: صاغرا ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال ابن عباس: يعني وهو كليل، وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير المنقطع من الإعياء، ومعنى الآية أنك لو كررت البصر مهما كررت لانقلب إليك أي لرجع إليك البصر ﴿خاسِئاً﴾ عن أن يرى عيبا أو خللا

стр. 3645

﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي كليل قد انقطع من الإعياء من كثرة التكرر ولا يرى نقصا، ولما نفى عنها في خلقها النقص بين كمالها وزينتها فقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ عاد الضمير في قوله ﴿وَجَعَلْناها﴾ على جنس المصابيح لا على عينها لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء بل بشهب من دونها وقد تكون مستمدة منها، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ أي جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا وأعتدنا لهم عذاب السعير في الآخرة كما قال تعالى في أول الصافات: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ٦ - ١٠] قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال خلقها الله زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به، رواه ابن جرير (١) وابن أبي حاتم. [سورة الملك (٦٧): الآيات ٦ إلى ١١] ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ يقول تعالى: ﴿وَ﴾ أعتدنا ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي بئس المآل والمنقلب ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً﴾ قال ابن جرير (٢): يعني الصياح ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ قال الثوري: تغلي بهم كما يغلي الحب القليل في الماء الكثير. وقوله تعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي تكاد ينفصل بعضها عن بعض من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ يذكر تعالى عدله في خلقه، وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه كما قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وقال تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث

стр. 3646

لا تنفعهم الندامة فقالوا: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أي لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزله الله من الحق، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم. قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾. قال الإمام أحمد (١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي قال: أخبرني من سمعه من رسول الله ﷺ أنه قال: «لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم» وفي حديث آخر «لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة». [سورة الملك (٦٧): الآيات ١٢ إلى ١٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ يقول تعالى مخبرا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات حيث لا يراه أحد إلا الله تعالى بأنه له مغفرة وأجر كبير أي تكفر عنه ذنوبه ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين «سبعة يظلهم الله تعالى في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله» فذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه (٢). وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عبيد عن ثابت عن أنس قال: قالوا يا رسول الله، إنا نكون عندك على حال فإذا فارقناك كنا على غيره قال: «كيف أنتم وربكم؟» قالوا: الله ربنا في السر والعلانية، قال: «ليس ذلكم النفاق» لم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عبيد فيما نعلمه، ثم قال منبها على أنه مطلع على الضمائر والسرائر ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما يخطر في القلوب. ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ أي ألا يعلم الخالق، وقيل معناه ألا يعلم الله مخلوقه؟ والأول أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهيأ فيها من المنافع ومواضع الزروع والثمار فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ أي فسافروا حيث شئتم من أقطارها وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي

стр. 3647

عليكم شيئا إلا أن ييسره الله لكم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ فالسعي في السبب لا ينافي التوكل كما قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبد الله بن هبيرة يقول: إنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا (٢) وتروح بطانا» (٣) رواه (٤) الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث ابن هبيرة، وقال الترمذي: حسن صحيح، فأثبت لها رواحا وغدوا لطلب الرزق مع توكلها على الله وهو المسخر المسير المسبب. ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أي المرجع يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة: ﴿مَناكِبِها﴾ أطرافها وفجاجها ونواحيها، وقال ابن عباس وقتادة أيضا: ﴿مَناكِبِها﴾ الجبال، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام الأزدي، حدثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن بشير بن كعب أنه قرأ هذه الآية ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ فقال لأم ولد له: إن علمت ﴿مَناكِبِها﴾ فأنت عتيقة فقالت: هي الجبال، فسأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال. [سورة الملك (٦٧): الآيات ١٦ إلى ١٩] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ وهذه أيضا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره، وهو مع هذا يحلم ويصفح ويؤجل ولا يعجل كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ [فاطر: ٤٥] وقال هاهنا ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ﴾ أي تذهب وتجيء وتضطرب ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً﴾ أي ريحا فيها حصباء تدمغكم كما قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً﴾ [الإسراء: ٦٨] وهكذا توعدهم هاهنا بقوله ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أي كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذب به. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من الأمم السالفة والقرون الخالية

стр. 3648

﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم، أي عظيما شديدا أليما. ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ أي تارة يصففن أجنحتهن في الهواء وتارة تجمع وتنشر جناحا ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ أي في الجو ﴿إِلاَّ الرَّحْمنُ﴾ أي بما سخر لهن من الهواء من رحمته ولطفه ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ أي بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، وهذه كقوله تعالى ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩]. [سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٠ إلى ٢٧] ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾ يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا معه غيره يبتغون عندهم نصرا ورزقا، منكرا عليهم فيما اعتقدوه ومخبرا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه، فقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ أي ليس لكم من دونه من ولي ولا واق ولا ناصر لكم غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ أي من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه يرزقكم بعده، أي لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا الله وحده لا شريك له، أي وهم يعلمون ذلك ومع هذا يعبدون غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أي استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ أي في معاندة واستكبار ونفور على إدبارهم عن الحق لا يسمعون له ولا يتبعونه. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبا على وجهه، أي يمشي منحنيا لا مستويا على وجهه أي لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب بل تائه حائر ضال، أهذا أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ أي منتصب القامة ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي على طريق واضح بين وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة، هذا مثلهم في الدنيا وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم مفض به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم. ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٢ -

стр. 3649

٢٦] الآيات. أزواجهم: أشباههم. قال الإمام أحمد (١) ﵀: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل عن نفيع، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل يا رسول الله كيف يحشر الناس على وجوههم؟ فقال: «أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم» (٢) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق يونس بن محمد عن شيبان عن قتادة عن أنس به نحوه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ أي ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ أي العقول والإدراك ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ أي قلما تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم في طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، وحلالكم وأشكالكم وصوركم ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي تجمعون بعد هذا التفرق والشتات، يجمعكم كما فرقكم ويعيدكم كما بدأكم. ثم قال تعالى مخبرا عن الكفار المنكرين للمعاد المستبعدين وقوعه ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ﴾ أي لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي وإنما علي البلاغ وقد أديته إليكم. قال تعالى: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي لما قامت القيامة وشاهدها الكفار ورأوا أن الأمر كان قريبا لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك لما يعلمون ما لهم هناك من الشر أي فأحاط بهم ذلك وجاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ولا حساب ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [الزمر: ٤٧ - ٤٨] ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ ﴿هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي تستعجلون. [سورة الملك (٦٧): الآيات ٢٨ إلى ٣٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي خلصوا أنفسكم فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة والرجوع إلى دينه ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا الله أو رحمنا فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي آمنا برب العالمين الرّحمن الرّحيم

стр. 3650

وعليه توكلنا في جميع أمورنا كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي منا ومنكم ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى إظهارا للرحمة في خلقه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً﴾ أي ذاهبا في الأرض إلى أسفل فلا ينال بالفؤوس الحداد ولا السواعد الشداد، والغائر عكس النابع ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ أي نابع سائح جار على وجه الأرض، أي لا يقدر على ذلك إلا الله فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة، فلله الحمد والمنة. آخر تفسير سورة الملك ولله الحمد والمنة. تفسير سورة القلم وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة القلم (٦٨): الآيات ١ إلى ٧] ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾ قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة وأن قوله تعالى: ﴿ن﴾ كقوله ﴿ص﴾. ﴿ق﴾ ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا، وقيل: المراد بقوله ﴿ن﴾ حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان هو الثوري، حدثنا سليمان هو الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم قال: اكتب. قال: وماذا أكتب؟ قال: اكتب القدر، فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن أبي معاوية عن الأعمش به، وهكذا رواه شعبة ومحمد بن فضيل ووكيع عن الأعمش به. وزاد شعبة في روايته ثم قرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ وقد رواه شريك عن الأعمش عن أبي ظبيان أو مجاهد عن ابن عباس فذكر نحوه، ورواه معمر عن الأعمش أن ابن عباس قال:

стр. 3651

فذكره ثم قرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ ثم قال ابن جرير (١): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: إن أول شيء خلق ربي القلم ثم قال له: اكتب، فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق النون فوق الماء ثم كبس الأرض عليه. وقد روى الطبراني ذلك مرفوعا، فقال: حدثنا أبو حبيب زيد بن المهتدي المرودي، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما خلق الله القلم والحوت فقال للقلم: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: كل شيء كائن إلى يوم القيامة» ثم قرأ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ فالنون الحوت، والقلم القلم. [حديث آخر] في ذلك رواه ابن عساكر عن أبي عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول شيء خلقه الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون-أو ما هو كائن-من عمل أو رزق أو أثر أو أجل فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك ممن أبغضت». وقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال: كان يقال النون الحوت العظيم الذي تحت الأرض السابعة، وقد ذكر البغوي وجماعة من المفسرين أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السموات والأرض، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن، والله أعلم. ومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا حميد عن أنس أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأتاه فسأله عن أشياء قال إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ وما بال الولد ينزع إلى أمه؟ قال: «أخبرني بهن جبريل آنفا» قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت» (٣) ورواه البخاري من طرق عن حميد ورواه مسلم أيضا، وله من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ نحو هذا، وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان أن حبرا

стр. 3652

سأل رسول الله ﷺ عن مسائل، فكان منها أن قال: فما تحفتهم، يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة، قال: «زيادة كبد الحوت» قال: فما غداؤهم على أثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها» قال: فما شرابهم عليه؟ قال «من عين فيها تسمى سلسبيلا» (١) وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ لوح من نور. قال ابن جرير (٢): حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري عن فرات بن أبي الفرات عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ لوح من نور وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة، وهذا مرسل غريب، وقال ابن جريج: أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام، وقيل المراد بقوله: ﴿ن﴾ دواة، والقلم القلم. قال ابن جرير (٣): حدثنا عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن وقتادة في قوله ﴿ن﴾ قالا هي الدواة، وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدا فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خلق الله النون وهي الدواة». وقال ابن جرير (٤): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله حدثنا ثابت الثمالي عن ابن عباس قال: إن الله خلق النون وهي الدواة، وخلق القلم: فقال اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول به بر أو فجور أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة وللكتاب خزانا فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابن عباس: ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة يقولون ﴿إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣ - ٥] فهو قسم منه تعالى وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم، ولهذا قال: ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني وما يكتبون. وقال أبو الضحى عن ابن عباس: ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ أي

стр. 3653

وما يعملون وقال السدي: وما يسطرون يعني الملائكة وما تكتب من أعمال العباد، وقال آخرون: بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرضين بخمسين ألف عام. وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ويونس بن حبيب قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الواحد بن سليم السلمي عن عطاء، هو ابن أبي رباح، حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي، حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب، قال يا رب وما أكتب؟ قال اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد» (١) وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به، وقال حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود في كتاب السنة من سننه عن جعفر بن مسافر عن يحيى بن حسان عن ابن رباح عن إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي حفصة، واسمه حبيش بن شريح الحبشي الشامي، عن عبادة فذكره. وقال ابن جرير (٢): حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد عن عمر بن حبيب عن القاسم بن أبي بزة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء» غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَالْقَلَمِ﴾، يعني الذي كتب به الذكر. وقوله تعالى: ﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ أي يكتبون كما تقدم. وقوله: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ أي لست ولله الحمد بمجنون كما يقوله الجهلة من قومك، المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي بل إن لك الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق وصبرك على أذاهم، ومعنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع كقوله ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أي غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: غير ممنون أي غير محسوب وهو يرجع إلى ما قلناه. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: وإنك لعلى دين عظيم وهو الإسلام، وكذلك قال مجاهد وأبو مالك والسدي والربيع بن أنس، وكذا قال الضحاك وابن زيد. وقال عطية: لعلى أدب عظيم. وقال معمر عن قتادة: سئلت عائشة عن خلق

стр. 3654

رسول الله ﷺ قالت: كان خلقه القرآن تقول كما هو في القرآن. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت أخبرني يا أم المؤمنين عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم فقالت: كان خلقه القرآن (١). هذا مختصر من حديث طويل، وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث قتادة بطوله، وسيأتي في سورة المزمل إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا إسماعيل حدثنا يونس عن الحسن قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أسود، حدثنا شريك عن قيس بن وهب عن رجل من بني سواد قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: أما تقرأ القرآن؟ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال: قلت حدثيني عن ذاك. قالت: صنعت له طعاما وصنعت له حفصة طعاما، فقلت لجاريتي اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبل فاطرحي الطعام، قالت فجاءت بالطعام قالت فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت وكان نطع، قالت فجمعه رسول الله ﷺ وقال «اقتصوا-أو اقتصي شك أسود-ظرفا مكان ظرفك» قالت: فما قال شيئا. وقال ابن جرير (٤): حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة عن الحسن عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة أم المؤمنين ﵂ فقلت لها: أخبريني بخلق النبي ﷺ ، فقالت كان خلقه القرآن أما تقرأ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٥)؟ وقد روى أبو داود والنسائي من حديث الحسن نحوه. وقال ابن جرير (٦): حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة ﵂ فسألتها عن خلق النبي ﷺ فقالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، وهكذا رواه أحمد (٧) عن عبد الرّحمن بن مهدي، ورواه النسائي في التفسير عن إسحاق بن منصور عن

стр. 3655

عبد الرّحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح به. ومعنى هذا أنه ﵊ صار امتثال القرآن أمرا ونهيا سجية له وخلقا تطبعه وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان ﷺ أحسن الناس خلقا ولا مسست خزا ولا حريرا ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ (١)، وقال البخاري (٢): حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها وأحسن الناس خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير والأحاديث في هذا كثيرة ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب الشمائل. قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما له قط، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتي إليه إلا أن تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله وقال الإمام أحمد (٤): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» تفرد به. وقوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦] وكقوله تعالى: ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية ستعلم ويعلمون يوم القيامة، وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي المجنون، وكذا قال مجاهد وغيره، وقال قتادة وغيره: بأيكم المفتون أي أولى بالشيطان، ومعنى المفتون ظاهر أي الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله ﴿بِأَيِّكُمُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾

стр. 3656

وتقديره فستعلم ويعلمون أو فستخبر ويخبرون بأيكم المفتون، والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ أي هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق. [سورة القلم (٦٨): الآيات ٨ إلى ١٦] ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾ يقول تعالى كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون. وقال مجاهد ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق (١). ثم قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بإيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى واستعمالها في كل وقت في غير محلها، قال ابن عباس: المهين الكاذب، وقال مجاهد: هو الضعيف القلب، قال الحسن: كل حلاف مكابر مهين ضعيف. وقوله تعالى: ﴿هَمّازٍ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ يعني الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال: مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (٢) الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم من طرق عن مجاهد به. وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن همام أن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات» (٤) رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن إبراهيم به، وحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري عن منصور عن إبراهيم عن همام عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة قتات» يعني نماما (٥)، وحدثني يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو سعيد الأحول عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة عن همام بن الحارث قال: مر رجل على حذيفة، فقيل إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء،

стр. 3657

فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول، أو قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة قتات» (١) وقال أحمد (٢): حدثنا هشام، حدثنا مهدي عن واصل الأحدب عن أبي وائل قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث فقال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «لا يدخل الجنة نمام». وقال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن ابن خثيم عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بخياركم؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «الذين إذا رأوا ذكر الله » ثم قال: «ألا أخبركم بشراركم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرآء العنت» (٤) ورواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد عن يحيى بن سليم عن ابن خثيم به. وقال الإمام أحمد (٥): حدثنا سفيان عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن عبد الرّحمن بن غنم يبلغ به النبي ﷺ «خيار عباد الله الذين إذا رأوا ذكر الله، وشرار عباد الله المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبرآء العنت». وقوله تعالى: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي يمنع ما عليه وما لديه من الخير ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحل الله له يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾ أي يتناول المحرمات، وقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ أما العتل فهو الفظ الغليظ الصحيح الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد (٦): حدثنا وكيع وعبد الرّحمن عن سفيان عن معبد بن خالد عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر» وقال وكيع «كل جواظ جعظري مستكبر» (٧) أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان الثوري وشعبة كلاهما عن معبد بن خالد به. وقال الإمام أحمد (٨) أيضا: حدثنا أبو عبد الرّحمن، حدثنا موسى بن علي قال: سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال عند ذكر أهل النار «كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع» تفرد به أحمد.

стр. 3658

قال أهل اللغة: الجعظري الفظ الغليظ. والجواظ الجموع المنوع. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد عن شهر بن حوشب عن عبد الرّحمن بن غنم قال: سئل رسول الله ﷺ عن العتل الزنيم فقال: «هو الشديد الخلق المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس رحيب الجوف» وبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري والعتل الزنيم» وقد أرسله أيضا غير واحد من التابعين: وقال ابن جرير (٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه. وأرحب جوفه وأعطاه من الدنيا مقضما فكان للناس ظلوما قال فذلك العتل الزنيم» وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين ونص عليه غير واحد من السلف، منهم مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغيرهم أن العتل هو المصحح الخلق الشديد القوى في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك. وأما الزنيم فقال البخاري (٣): حدثنا محمود حدثنا عبيد الله عن إسرائيل عن أبي حصين عن مجاهد عن ابن عباس ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة، ومعنى هذا أنه كان مشهورا بالسوء كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها، وإنما الزنيم في لغة العرب هو الدعي في القوم، قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة، وقال: ومنه قول حسان بن ثابت، يعني يذم بعض كفار قريش: [الطويل] وأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نيط خلف الراكب القدح الفرد (٤) وقال آخر: زنيم ليس يعرف من أبوه … بغيّ الأم ذو حسب لئيم (٥) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا أسباط عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾ قال: الدعي الفاحش اللئيم. ثم قال ابن عباس: [الطويل] زنيم تداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عرض الأديم الأكارع (٦)

стр. 3659

وقال العوفي عن ابن عباس: الزنيم الدعي، ويقال: الزنيم رجل كانت به زنمة يعرف بها، ويقال: هو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، وزعم أناس من بني زهرة أن الزنيم الأسود بن عبد يغوث الزهري وليس به. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنه زعم أن الزنيم الملحق النسب، وقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس حدثنا ابن وهب حدثني سليمان بن بلال عن عبد الرّحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه سمعه يقول في هذه الآية ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال سعيد: هو الملصق بالقوم ليس منهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عقبة بن خالد عن عامر بن قدامة قال: سئل عكرمة عن الزنيم قال: هو ولد الزنا. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشاة الزنماء، والزنماء من الشياه التي في عنقها هنتان معلقتان في حلقها. وقال الثوري عن جابر عن الحسن عن سعيد بن جبير قال: الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها والزنيم الملصق. رواه ابن جرير (١)، وروي أيضا من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في الزنيم: نعت فلم يعرف حتى قيل زنيم. قال وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها قال: وقال آخرون كان دعيا. وقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو كريب حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن أصحاب التفسير قالوا: هو الذي تكون له زنمة مثل زنمة الشاة، وقال الضحاك: كانت له زنمة في أصل أذنه ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب، وقال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر، وقال مجاهد: الزنيم الذي يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة، وقال أبو رزين: الزنيم علامة الكفر، وقال عكرمة: الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها. والأقوال في هذا كثيرة وترجع إلى ما قلناه وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر الذي يعرف به من بين الناس وغالبا يكون دعيا ولد زنا، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره كما جاء في الحديث «لا يدخل الجنة ولد زنا» (٣) وفي الحديث الآخر «ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه» (٤). وقوله تعالى: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول تعالى: هذه مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين كفر بآيات الله وأعرض عنها، وزعم أنها

стр. 3660

كذب مأخوذ من أساطير الأولين كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦]. وقال تعالى هاهنا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ قال ابن جرير (١): سنبين أمره بيانا واضحا حتى يعرفوه ولا يخفى عليهم كما لا تخفى عليهم السمة على الخراطيم، وهكذا قال قتادة: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ شين لا يفارقه آخر ما عليه، وفي رواية عنه. سيما على أنفه، وكذا قال السدي وقال العوفي عن ابن عباس ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ يقاتل يوم بدر فيخطم بالسيف في القتال. وقال آخرون ﴿سَنَسِمُهُ﴾ سمة أهل النار يعني نسود وجهه يوم القيامة وعبر عن الوجه بالخرطوم. حكى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، ومال إلى أنه لا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة وهو متجه. وقد قال ابن أبي حاتم في سورة ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] حدثنا أبي حدثنا أبو صالح كاتب الليث حدثني خالد بن سعيد عن عبد الملك بن عبد الله، عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن العبد يكتب مؤمنا أحقابا ثم أحقابا ثم يموت والله عليه ساخط، وإن العبد يكتب كافرا أحقابا ثم أحقابا ثم يموت والله عليه راض، ومن مات همازا لمازا ملقبا للناس كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم من كلا الشفتين». [سورة القلم (٦٨): الآيات ١٧ إلى ٣٣] ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بعثة محمد ﷺ إليهم فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أي اختبرناهم ﴿كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ﴾ وهي البستان المشتمل على

стр. 3661

أنواع الثمار والفواكه ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ أي حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي فيما حلفوا به، ولهذا حنثهم الله في أيمانهم فقال تعالى: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ﴾ أي أصابتها آفة سماوية ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾. قال ابن عباس كالليل الأسود وقال الثوري والسدي مثل الزرع إذا حصد أي هشيما يبسا. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن أحمد بن الصباح أنبأنا بشير بن زاذان عن عمر بن صبح عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرّحمن بن سابط عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إياكم والمعاصي إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قد حرموا خير جنتهم بذنبهم. ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ أي لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ أي القطع ﴿أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ أي تريدون الصرام قال مجاهد: كان حرثهم عنبا ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ﴾ أي يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم. ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به فقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ أي يقول بعضهم لبعض لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم، قال الله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أي قوة وشدة. وقال مجاهد ﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ﴾ أي جد، وقال عكرمة: على غيظ، وقال الشعبي ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ على المساكين، وقال السدي ﴿عَلى حَرْدٍ﴾ أي كان اسم قريتهم حرد فأبعد السدي في قوله هذا ﴿قادِرِينَ﴾ أي عليها فيما يزعمون ويرومون ﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ﴾ أي فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها وهي على الحالة التي قال الله قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة لا ينتفع بشيء منها فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق ولهذا قالوا ﴿إِنّا لَضَالُّونَ﴾ أي قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها قاله ابن عباس وغيره، ثم رجعوا عما كانوا فيه وتيقنوا أنها هي فقالوا ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي بل هي هذه ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب. ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن كعب والربيع بن أنس والضحاك وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ قال مجاهد والسدي وابن جريج ﴿لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أي لولا تستثنون قال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحا وقال ابن جريج: هو قول القائل إن شاء الله، وقيل معناه قال أوسطهم ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أي هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم.

стр. 3662

﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ أتوا بالطاعة حيث لا تنفع وندموا واعترفوا حيث لا ينجع، ولهذا قالوا ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أي يلوم بعضهم بعضا على ما كانوا أصروا اليه من منع المساكين من حق الجذاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب ﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ﴾ أي اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا. ﴿عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ قيل: رغبوا في بدلها لهم في الدنيا وقيل احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة والله أعلم. ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها ضروان على ستة أميال من صنعاء. وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة وكانوا من أهل الكتاب. وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة فكان ما يستغل منها يرد فيها ما يحتاج إليه ويدخر لعياله قوت سنتهم ويتصدق بالفاضل، فلما مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية رأس المال والربح والصدقة فلم يبق لهم شيء. قال الله تعالى: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ أي هكذا عذاب من خالف أمر الله وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات وبدل نعمة الله كفرا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم وعذاب الآخرة أشق، وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ نهى عن الجذاذ بالليل والحصاد بالليل. [سورة القلم (٦٨): الآيات ٣٤ إلى ٤١] ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١)﴾ لما ذكر الله تعالى حال أهل الجنة الدنيوية وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله ، وخالفوا أمره بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ أي أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء ولهذا قال: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي كيف تظنون ذلك؟ ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ يقول تعالى: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف متضمن حكما مؤكدا كما تدعونه؟ ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ

стр. 3663

الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ أي أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة؟ ﴿إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ أي أنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي قل لهم من هو المتضمن المتكفل بهذا؟ قال ابن عباس: يقول أيهم بذلك كفيل ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ﴾ أي من الأصنام والأنداد ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾. [سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ إلى ٤٧] ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾ لما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم جنات النعيم، بيّن متى ذلك كائن وواقع فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ يعني يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء، والامتحان والأمور العظام. وقد قال البخاري هاهنا: حدثنا آدم حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا (١) واحدا (٢)» وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ وهو حديث طويل مشهور، وقد قال عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: هو يوم القيامة يوم كرب وشدة، رواه ابن جرير (٣) ثم قال حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن مسعود أو ابن عباس-الشك من ابن جرير- ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: عن أمر عظيم، كقول الشاعر: [الطويل] مالت الحرب عن ساق (٤) وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: شدة الأمر، وقال ابن

стр. 3664

عباس: هي أول ساعة تكون في يوم القيامة، وقال ابن جرير عن مجاهد ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ قال: شدة الأمر وجده، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ هو الأمر الشديد الفظيع من الهول يوم القيامة، وقال العوفي عن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يقول حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وكشفه دخول الآخرة وكشف الأمر عنه، وكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس: أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير (١)، ثم قال (٢): حدثني أبو زيد عمر بن شبّة، حدثنا هارون بن عمر المخزومي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي ﷺ قال ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يعني عن نور عظيم يخرّون له سجدا» ورواه أبو يعلى عن القاسم بن يحيى عن الوليد بن مسلم به وفيه رجل مبهم والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ أي في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدنيا فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب فيسجد له المؤمنون ولا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد، بل يعود ظهر أحدهم طبقا واحدا كلما أراد أحدهم أن يسجد خرّ لقفاه عكس السجود، كما كانوا في الدنيا بخلاف ما عليه المؤمنون. ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن، وهذا تهديد شديد أي دعني وإياه مني ومنه أنا أعلم به منه كيف أستدرجه وأمده في غيه وأنظر ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي وهم لا يشعرون بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة وهو في نفس الأمر إهانة، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] وقال تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولهذا قال هاهنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي وأؤخرهم وأنظرهم وأمدهم وذلك من كيدي ومكري بهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي عظيم لمن خالف أمري وكذب رسلي واجترأ على معصيتي. وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» (٣) ثم قرأ ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:

стр. 3665

١٠٢] وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ تقدم تفسيرها في سورة الطور، والمعنى في ذلك أنك يا محمد تدعوهم إلى الله بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى، وهم يكذبون بما جئتهم به بمجرد الجهل والكفر والعناد. [سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٨ إلى ٥٢] ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)﴾ يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن الله سيحكم لك عليهم ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ﴾ يعني ذا النون وهو يونس بن متى ﵇ حين ذهب مغاضبا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير الذي لا يرد ما أنفذه من التقدير فحينئذ نادى في الظلمات ﴿أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] وقال هاهنا: ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والسدي: وهو مغموم. وقال عطاء الخراساني وأبو مالك: مكروب وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] خرجت الكلمة تحفّ حول العرش فقالت الملائكة: يا رب هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال الله ﵎: أما تعرفون هذا؟ قالوا: لا، قال: هذا يونس، قالوا: يا رب عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة؟ قال: نعم، قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾. وقد قال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» (٢) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وقوله تعالى:

стр. 3666

﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لينفذونك ﴿بِأَبْصارِهِمْ﴾ أي يعينونك بأبصارهم بمعنى يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك وحمايته إياك منهم، وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة. [حديث أنس بن مالك ﵁] قال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود العتكي، حدثنا شريك (ح) وحدثنا العباس العنبري، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك عن العباس بن ذريح عن الشعبي، قال العباس عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة (١) أو دم لا يرقأ» (٢) لم يذكر العباس العين، وهذا لفظ سليمان (٣). [حديث بريدة بن الحصيب ﵁] قال أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن حصين عن الشعبي عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا رقية إلا من عين أو حمة» (٤) هكذا رواه ابن ماجة، وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن سعيد بن منصور عن هشيم عن حصين بن عبد الرّحمن عن عامر الشعبي عن بريدة موقوفا وفيه قصة، وقد رواه شعبة عن حصين عن الشعبي عن بريدة قاله الترمذي. وروى هذا الحديث الإمام البخاري من حديث محمد بن فضيل وأبو داود من حديث مالك بن مغول والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن حصين عن عامر الشعبي عن عمران بن حصين موقوفا «لا رقية إلا من عين أو حمة». [حديث أبي ذر جندب بن جنادة ﵁] قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة بن البرند السامي، حدثنا ديلم بن غزوان، حدثنا وهب بن أبي دبى عن أبي حرب عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العين لتولع الرجل بإذن الله فيتصاعد حالقا ثم يتردى منه» إسناده غريب ولم يخرجوه. [حديث حابس التميمي] قال الإمام أحمد (٥): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حرب حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حية بن حابس التميمي أن أباه أخبره أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:

стр. 3667

«لا شيء في الهام والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل» (١) وقد رواه الترمذي عن عمرو بن علي عن أبي غسان يحيى بن أبي كثير عن علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير به ثم قال غريب. وقال: وروى سنان عن يحيى بن أبي كثير عن حية بن حابس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قلت: كذلك رواه الإمام أحمد (٢) عن حسن بن موسى، وحسين بن محمد عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن حيّة، حدثه عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا بأس في الهام، والعين حق وأصدق الطيرة الفأل». [حديث ابن عباس ﵁] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الله بن الوليد عن سفيان عن دويد، حدثني إسماعيل بن ثوبان عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «العين حق، العين حق تستنزل الحالق» غريب. [طريق أخرى] قال مسلم في صحيحه حدثنا عبد الله بن عبد الرّحمن الدارمي، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا» (٤) انفرد به دون البخاري. وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين يقول: «أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة» (٥) ويقول هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵉ أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث المنهال به. [حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف ﵁] قال ابن ماجة: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة (٦)، فما لبث أن لبط (٧) به فأتي به رسول الله ﷺ فقيل له أدرك سهلا صريعا قال: «من تتهمون به» قالوا: عامر بن ربيعة قال: «علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه منا يعجبه فليدع له بالبركة» ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه،

стр. 3668

قال سفيان قال معمر عن الزهري وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه (١)، وقد رواه النسائي من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس كلاهما عن الزهري به، ومن حديث سفيان بن عيينة به أيضا عن معمر عن الزهري عن أبي أمامة ويكفأ الإناء من خلفه ومن حديث ابن أبي ذئب عن الزهري عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف عن أبيه به، ومن حديث مالك أيضا عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه به. [حديث أبي سعيد الخدري] قال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك (٢)، ورواه الترمذي والنسائي من حديث سعيد بن إياس أبي مسعود الجريري به وقال الترمذي: حسن. [حديث آخر عنه] قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن صهيب، حدثني أبو نضرة عن أبي سعيد أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: اشتكيت يا محمد؟ قال: «نعم» قال: «باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين تشنيك والله يشفيك، باسم الله أرقيك» (٤). ورواه عن عفان عن عبد الوارث مثله، ورواه مسلم وأهل السنن إلا أبا داود من حديث عبد الوارث به. وقال الإمام أحمد (٥) أيضا: حدثنا عفان، حدثنا وهيب حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد أو عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ اشتكى فأتاه جبريل فقال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين والله يشفيك. ورواه أيضا عن محمد بن عبد الرّحمن الطفاوي عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد به قال أبو زرعة الرازي: روى عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عن عبد العزيز عن أبي نضرة وعن عبد العزيز عن أنس في معناه، وكلاهما صحيح. [حديث أبي هريرة ﵁] قال الإمام أحمد (٦): حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «إن العين حق» (٧) أخرجاه

стр. 3669

من حديث عبد الرزاق. وقال ابن ماجة (١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل ابن علية عن الجريري عن مضارب بن حزن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «العين حق» تفرد به. ورواه أحمد (٢) عن إسماعيل ابن علية عن سعيد الجريري به، وقال الإمام أحمد (٣) حدثنا ابن نمير حدثنا ثور يعني ابن يزيد عن مكحول عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم» وقال أحمد (٤): حدثنا خلف بن الوليد حدثنا أبو معشر عن محمد بن قيس: سئل أبو هريرة هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: الطيرة في ثلاث: في المسكن والفرس والمرأة؟ قال: قلت إذا أقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول «أصدق الطيرة الفأل، والعين حق». [حديث أسماء بنت عميس] قال الإمام أحمد (٥): حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة الزرقي قال: قالت أسماء يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: «نعم فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين» (٦) وكذا رواه الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة به، ورواه الترمذي أيضا والنسائي من حديث عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة عن أسماء بنت عميس به. وقال الترمذي: حسن صحيح. [حديث عائشة ﵂] قال ابن ماجة: حدثنا علي بن أبي الخصيب حدثنا وكيع عن سفيان ومسعر، عن معبد بن خالد عن عبد الله بن شداد عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمرها أن تسترقي من العين (٧). ورواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان عن معبد بن خالد به، وأخرجه مسلم من حديث سفيان ومسعر كلاهما عن معبد به، ثم قال ابن ماجة (٨) حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو هشام المخزومي حدثنا وهيب عن أبي واقد عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «استعيذوا بالله فإن العين حق» تفرد به. وقال أبو داود (٩): حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن

стр. 3670

الأسود عن عائشة قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل منه المعين. قلت كذلك رواه أحمد عن حسن بن موسى وحسين بن محمد عن سنان أن ابن حسنة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا بأس في الهام الهام، والعين حق وأصدق الطيرة الفأل». [حديث سهل بن حنيف] قال الإمام أحمد (١): حدثنا حسين بن محمد. حدثنا أبو أويس. حدثنا الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، أن أباه حدثه أن رسول الله ﷺ خرج وساروا معه نحو مكة حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة، اغتسل سهل بن حنيف، وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد، فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب وهو يغتسل فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط سهل فأتي رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله هل لك في سهل! والله ما يرفع رأسه ولا يفيق، قال: «هل تتهمون فيه من أحد؟» قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة فدعا رسول الله ﷺ عامرا فتغيظ عليه وقال: «علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ -ثم قال-اغتسل له» فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه فصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه، ففعل ذلك فراح سهل مع الناس ليس به بأس. [حديث عامر بن ربيعة] قال الإمام أحمد (٢) في مسنده: حدثنا وكيع، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن عيسى عن أمية بن هند بن سهل بن حنيف عن عبيد الله بن عامر قال: انطلق عامر بن ربيعة وسهل بن حنيف يريدان الغسل، قال فانطلقا يلتمسان الخمر (٣). قال فوضع عامر جبة كانت عليه من صوف فنظرت إليه فأصبته بعيني فنزل الماء يغتسل، قال فسمعت له في الماء فرقعة فأتيته فناديته ثلاثا فلم يجبني، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال فجاء يمشي فخاض الماء فكأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال فضرب صدره بيده ثم قال: «اللهم اصرف عنه حرها وبردها ووصبها» (٤) قال فقام، فقال رسول الله ﷺ : «إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله ما يعجبه فليبرك فإن العين حق». [حديث جابر] قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو داود، حدثنا طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل الأنصاري، ويقال له ابن الضجيع ضجيع حمزة ﵁، حدثني عبد الرّحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس» قال البزار يعني

стр. 3671

العين قال: ولا نعلم يروى هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد. قلت: بل قد روي من وجه آخر عن جابر. قال الحافظ أبو عبد الرّحمن محمد بن المنذر الهروي المعروف بشكر في كتاب العجائب، وهو مشتمل على فوائد جليلة وغريبة: حدثنا الرهاوي، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا علي بن أبي علي الهاشمي، حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «العين حق لتورد الرجل القبر والجمل القدر وإن أكثر هلاك أمتي في العين». ثم رواه عن شعيب بن أيوب عن معاوية بن هشام عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «قد تدخل الرجل العين في القبر وتدخل الجمل القدر». وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات ولم يخرجوه. [حديث عبد الله بن عمرو] قال الإمام أحمد (١): حدثنا قتيبة، حدثنا رشدين بن سعد عن الحسن بن ثوبان عن هشام بن أبي رقية عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا حسد والعين حق» تفرد به أحمد. [حديث عن علي] روى الحافظ ابن عساكر من طريق خيثمة بن سليمان الحافظ، حدثنا عبيد بن محمد الكشوري، حدثنا عبد الله بن عبد الله بن عبد ربه البصري عن أبي رجاء عن شعبة، عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ﵁ أن جبريل أتى النبي ﷺ فوافقه مغتما فقال: يا محمد ما هذا الغم الذي أراه في وجهك: قال: «الحسن والحسين أصابتهما عين» قال: صدق بالعين فإن العين حق أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات؟ قال «وما هن يا جبريل؟» قال: قل اللهم ذا السلطان العظيم والمن القديم، ذا الوجه الكريم ولي الكلمات التامات والدعوات المستجابات، عاف الحسن والحسين من أنفس الجن وأعين الإنس، فقالها النبي ﷺ ، فقاما يلعبان بين يديه فقال النبي ﷺ «عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله». قال الخطيب البغدادي: تفرد بروايته أبو رجاء محمد بن عبيد الله الحبطي من أهل تستر، ذكره ابن عساكر في ترجمة طراد بن الحسين من تاريخه، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي يزدرونه بأعينهم ويؤذونه بألسنتهم ويقولون ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ أي لمجيئه بالقرآن قال الله تعالى: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ آخر تفسير سورة ن ولله الحمد والمنة.

стр. 3672

تفسير سورة الحاقة وهي مكية ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ إلى ١٢] ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ (٥) وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)﴾ الحاقة من أسماء يوم القيامة لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد ولهذا عظم الله أمرها فقال: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ وهي الصيحة التي أسكتتهم والزلزلة التي أسكنتهم، هكذا قال قتادة الطاغية الصيحة، وهو اختيار ابن جرير (١)، وقال مجاهد: الطاغية الذنوب، وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد إنها الطغيان وقرأ ابن زيد ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١] وقال السدي ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ قال يعني عاقر الناقة. ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ أي باردة قال قتادة والسدي والربيع بن أنس والثوري ﴿عاتِيَةٍ﴾ أي شديدة الهبوب، قال قتادة. عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم. وقال الضحاك: ﴿صَرْصَرٍ﴾ باردة ﴿عاتِيَةٍ﴾ عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، وقال علي وغيره: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب. ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ﴾ أي سلطها عليهم ﴿سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً﴾ أي كوامل متتابعات مشائيم، قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والثوري وغيرهم: ﴿حُسُوماً﴾ متتابعات، وعن عكرمة والربيع بن خثيم مشائيم عليهم كقوله تعالى: ﴿فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قال الربيع: وكان أولها الجمعة وقال غيره الأربعاء، ويقال إنها التي تسميها الناس الأعجاز، وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ وقيل لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال أيام العجوز لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فقتلها الريح في اليوم الثامن، حكاه البغوي والله أعلم. قال ابن عباس: ﴿خاوِيَةٍ﴾ خربة، وقال غيره: بالية أي جعلت الريح تضرب بأحدهم

стр. 3673

الأرض فيخر ميتا على أم رأسه، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان. وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» (١) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي حدثنا ابن فضيل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «ما فتح الله على عاد من الريح التي هلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم فجعلتهم بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها قالوا هذا عارض ممطرنا، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة». وقال الثوري عن ليث عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب ﴿فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ أي هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفا. ثم قال تعالى: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرئ بكسر القاف أي ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط، وقرأ آخرون بفتحها أي ومن قبله من الأمم المشبهين له. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتُ﴾ وهم الأمم المكذبون بالرسل ﴿بِالْخاطِئَةِ﴾ بالفعلية الخاطئة وهي التكذيب بما أنزل الله قال الربيع ﴿بِالْخاطِئَةِ﴾ أي بالمعصية، وقال مجاهد: بالخطايا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا جنس أي كل كذب رسول الله إليهم كما قال تعالى ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٤] ومن كذب برسول فقد كذب بالجميع كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ﴿كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٤١] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ أي عظيمة شديدة أليمة، قال مجاهد: ﴿رابِيَةً﴾ شديدة، وقال السدي: مهلكة. ثم قال تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾ أي زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود، وقال ابن عباس وغيره: «طغى الماء» كثر، وذلك بسبب دعوة نوح ﵇ على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له وعم أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته. وقال ابن جرير (٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن أبي سنان سعيد بن سنان عن غير واحد عن علي بن أبي طالب قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان فطغى الماء على الخزان، فخرج فذلك قوله تعالى: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ﴾

стр. 3674

أي زاد على الحد بإذن الله ﴿حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ أي عتت على الخزان، ولهذا قال تعالى ممتنا على الناس: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ وهي السفينة الجارية على وجه الماء ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه أي وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ [يس: ٤١ - ٤٢] وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، والأول أظهر ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ أي وتفهم هذه النعمة وتذكرها أذن واعية، قال ابن عباس: حافظة سامعة. وقال قتادة: ﴿أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله، وقال الضحاك ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ سمعتها أذن ووعت أي من له سمع صحيح وعقل رجيح، وهذا عام في كل من فهم ووعى. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد بن صبيح الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب: سمعت مكحولا يقول: لما نزل على رسول الله ﷺ ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي أن يجعلها أذن علي» قال مكحول: فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئا قط فنسيته، وهكذا رواه ابن جرير عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم عن علي بن حوشب عن مكحول به وهو حديث مرسل. وقد قال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد يعني والد أبي أحمد الزبيري، حدثني صالح بن الهيثم: سمعت بريدة الأسلمي يقول: قال رسول الله ﷺ لعلي «إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي وحق لك أن تعي» قال: فنزلت هذه الآية ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ ورواه ابن جرير عن محمد بن خلف عن بشر بن آدم به. ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن أبي داود الأعمى عن بريدة به ولا يصح أيضا. [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٣ إلى ١٨] ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَاِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)﴾ يقول تعالى مخبرا عن أهوال يوم القيامة وأول ذلك نفخة الفزع ثم يعقبها نفخة الصعق حين

стр. 3675

يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور وهي هذه النفخة، وقد أكدها هاهنا بأنها واحدة لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد، وقال الربيع: هي النفخة الأخيرة والظاهر ما قلناه، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ أي فمدت مد الأديم العكاظي وتبدلت الأرض غير الأرض ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ أي قامت القيامة ﴿وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ قال سماك عن شيخ من بني أسد عن علي قال: تنشق السماء من المجرة، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جريج: هي كقوله ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾ [النبأ: ١٢] وقال ابن عباس: متخرقة والعرش بحذائها ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ الملك اسم جنس أي الملائكة على أرجاء السماء، قال ابن عباس: على ما لم يه منها أي حافاتها، وكذا قال سعيد بن جبير والأوزاعي، وقال الضحاك: أطرافها، وقال الحسن البصري: أبوابها، وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها﴾ يقول: على ما استدق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ أي يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العظيم أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب. وفي حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش أنهم ثمانية أو عال (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو السمح البصري، حدثنا أبو قبيل حيي بن هانئ أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: كتب إلي أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه مخفق الطير سبعمائة عام» وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات. وقد رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه، حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» (٢) هذا لفظ أبي داود.

стр. 3676

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ قال: ثمانية صفوف من الملائكة قال: وروي عن الشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج مثل ذلك، وكذا روى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: ثمانية صفوف، وكذا روى العوفي عنه، وقال الضحاك عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء كل جزء منهم بقدر الإنس والجن والشياطين والملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ أي تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال تعالى: ﴿لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ وقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا علي بن علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» (٢) ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع به وقد رواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن علي بن علي عن الحسن عن أبي هريرة به، وقد روى ابن جرير (٣) عن مجاهد بن موسى عن يزيد عن سليمان بن حيان عن مروان الأصغر عن أبي وائل عن عبد الله قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، ورواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا مثله. [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٩ إلى ٢٤] ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ (٢٤)﴾ يخبر تعالى عن سعادة من يؤتى كتابه يوم القيامة بيمينه وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ أي خذوا اقرءوا كتابيه لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة، لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات. قال عبد الرّحمن بن زيد: معنى

стр. 3677

﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾ أي ها اقرءوا كتابيه وؤم زائدة كذا قال، والظاهر أنها بمعنى هاكم. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول عن أبي عثمان قال: المؤمن يعطى كتابه بيمينه في ستر من الله فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئة تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، قال: فعند ذلك يقول: ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ﴾. وحدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: إن الله يوقف عبده يوم القيامة فيبدي أي يظهر سيئاته في ظهر صحيفته فيقول له أنت عملت هذا، فيقول نعم أي رب، فيقول له إني لم أفضحك به وإني قد غفرت لك فيقول عند ذلك ﴿هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ حين نجا من فضيحته يوم القيامة. وقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يدني الله العبد يوم القيامة فيقرره بذنوبه كلها حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله تعالى إني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» (١) وقوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ أي قد كنت موقنا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أي مرضية ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أي رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني، حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة قال: سأل رجل رسول الله ﷺ : هل يتزاور أهل الجنة؟ قال «نعم إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى فيحيونهم ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين تقصر بهم أعمالهم». وقد ثبت في الصحيح «إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» (٢). وقال تعالى: ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ قال البراء بن عازب: أي قريبة يتناولها أحدهم وهو نائم على سريره، وكذا قال غير واحد. قال الطبراني عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الرّحمن بن زياد بن أنعم عن عطاء بن يسار عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز:

стр. 3678

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا كتاب من الله لفلان بن فلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية» وكذا رواه الضياء في صفة الجنة من طريق سعدان بن سعيد عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان عن رسول الله ﷺ قال: «يعطى المؤمن جوازا على الصراط: بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية». وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ أي يقال لهم ذلك تفضلا عليهم وامتنانا وإنعاما وإحسانا، وإلا فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» (١). [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٢٥ إلى ٣٧] ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)﴾ وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله، فحينئذ يندم غاية الندم ﴿فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها، وكذا قال محمد بن كعب والربيع والسدي، وقال قتادة: تمنى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ أي لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه، بل خلص إلي وحدي فلا معين لي ولا مجير، فعندها يقول الله : ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر فتغله أي تضع الأغلال في عنقه ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها أي تغمره فيها. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال الله تعالى خذوه ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفا في النار. وروى ابن أبي الدنيا في الأهوال أنه يبتدره أربعمائة ألف ولا يبقى شيء إلا دقه، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: إن الرب عليك غضبان فكل شيء غضبان عليك، وقال الفضيل بن عياض: إذا قال الرب خذوه فغلوه ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي اغمروه فيها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ قال كعب الأحبار: كل حلقة

стр. 3679

منها قدر حديد الدنيا، وقال العوفي عن ابن عباس وابن جريج: بذراع الملك، وقال ابن جريج: قال ابن عباس ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ تدخل في استه ثم تخرج من فيه ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى. وقال العوفي عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «لو أن رصاصة مثل هذه-وأشار إلى جمجمة-أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها» (٢) وأخرجه الترمذي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به، وقال: هذا حديث حسن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ أي لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى، ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض النبي ﷺ وهو يقول: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٣) وقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ﴾ أي ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله تعالى لا حميم وهو القريب، ولا شفيع يطاع، ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين، قال قتادة: هو شر طعام أهل النار. وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب عن خصيف عن مجاهد عن ابن عباس قال: ما أدري ما الغسلين ولكني أظنه الزقوم. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال: الغسلين الدم والماء يسيل من لحومهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه: الغسلين صديد أهل النار (٤). [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٣٨ إلى ٤٣] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣)﴾ يقول تعالى مقسما لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله

стр. 3680

على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة فقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني محمدا ﷺ ، أضافه إليه على معنى التبليغ، لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] وهذا جبريل ﵇، ثم قال تعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] يعني محمدا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] يعني أن محمدا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] أي بمتهم. ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٥] وهكذا قال هاهنا ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ فأضافه الله تارة إلى قول الرسول الملكي وتارة إلى الرسول البشري، لأن كلا منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه، ولهذا قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. قال الإمام أحمد (١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا شريح بن عبيد قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال: فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ﴾ قال: فقلت كاهن، قال: فقرأ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ إلى آخر السورة قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موضع، فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب ﵁، كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة، ولله الحمد والمنة. [سورة الحاقة (٦٩): الآيات ٤٤ إلى ٥٢] ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا﴾ أي محمد ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا وليس كذلك لعاجلناه بالعقوبة، ولهذا قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ قيل: معناه لانتقمنا منه باليمين لأنها أشد في البطش، وقيل لأخذنا منه بيمينه ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ قال ابن عباس: وهو نياط القلب وهو العرق الذي القلب معلق فيه، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحكم وقتادة والضحاك، ومسلم البطين
следующие страницы →