← Тафсир

Тафсир · id 23604

تفسير ابن كثير - ط العلمية

ابن كثير

Полный текст (3 956 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الكائنات. [سورة البقرة (٢): آية ٢٨٣] ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أي مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً﴾ يكتب لكم، قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا قرطاسا أو دواة أو قلما، فرهان مقبوضة، أي فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة أي في يد صاحب الحق، وقد استدل بقوله: ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي والجمهور، واستدل بها آخرون على أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إليه طائفة، واستدل آخرون من السلف بهذه الآية، على أنه لا يكون الرهن مشروعا إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره، وقد ثبت في الصحيحين (١) عن أنس أن رسول الله ﷺ ، توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير رهنها قوتا لأهله، وفي رواية: من يهود المدينة. وفي رواية الشافعي عند أبي الشحم اليهودي، وتقرير هذه المسائل في كتاب الأحكام الكبير، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان. وقوله ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسخت ما قبلها. وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا: وقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ يعني المؤتمن كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ ، قال «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». قوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أي لا تخفوها وتغلوها، ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها كذلك، ولهذا قال ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قال السدي: يعني فاجر قلبه، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة ١٠٦] وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [النساء: ١٣٥] وهكذا قال هاهنا ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.

стр. 562

[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٤] ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩] وقال ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى﴾ [طه: ٧] والآيات في ذلك كثيرة جدا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم. قال الإمام أحمد (١): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن يعني العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ ، ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير» فلما أقر بها القوم وزلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ إلى آخره. ورواه مسلم منفردا به من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة، فذكر مثله ولفظه، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال: نعم.

стр. 563

حديث ابن عباس في ذلك: قال الإمام أحمد (١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال: فقال رسول الله ﷺ «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إلى قوله ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شبية وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع به، وزاد ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت. طريق أخرى عن ابن عباس. قال الإمام أحمد (٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أنزلت، غمت أصحاب رسول الله ﷺ غما شديدا وغاظتهم غيظا شديدا، وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «قولوا سمعنا وأطعنا» فقالوا سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ﴾ إلى ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال. طريق أخرى عنه (٣). قال ابن جرير (٤): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث: أنه بينما هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ الآية، فقال: والله لئن وأخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها، فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها،

стр. 564

وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. طريق أخرى قال ابن جرير (١): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس قال البخاري (٢): حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها، وهكذا روي عن عليّ وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة، أنها منسوخة بالتي بعدها، وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل». وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «قال الله: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرا» لفظ مسلم وهو في إفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال «قال الله: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة». وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ ، قال «قال الله: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها». وقال رسول الله ﷺ «قالت الملائكة: رب وذاك أن عبدك، يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جراي». وقال رسول الله ﷺ «إذا أحسن أحد إسلامه، فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله » تفرد به مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ، وبعضه في صحيح البخاري. وقال مسلم (٣) أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين،

стр. 565

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له، وإن عملها كتبت» تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب. وقال مسلم (١) أيضا: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث عن الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى، قال «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن همّ بها فعملها، كتبها الله عنده سيئة واحدة» ثم رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الرزاق (٢). زاد «ومحاها الله ولا يهلك على الله إلا هالك» وفي حديث سهيل (٣) عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال «ذاك صريح الإيمان» لفظ مسلم، وهو عند مسلم أيضا من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ به، وروى مسلم أيضا من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال «تلك صريح الإيمان». وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله ﴿يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ وهو قوله ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبا من هذا. وروى ابن جرير عن مجاهد والضحاك نحوه، وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة لم تنسخ، واختار ابن جرير ذلك واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلا: حدثنا (٤) ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد وهشام (ح) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية،

стр. 566

حدثنا ابن هشام، قالا جميعا في حديثهما عن قتادة عن صفوان بن محرز، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب اغفر، مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن أبيه، قال: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقالت: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمى والنكبة، والبضاعة يضعها في يد كمه فيفقدها، فيفزع لها ثم يجدها في ضبنته حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر، وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه. (قلت) وشيخه علي بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه. [سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٥ إلى ٢٨٦] ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾ ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما الحديث الأول-قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا شعبة عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال «من قرأ الآيتين» وحدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ بالآيتين-من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» وقد أخرجه بقية الجماعة عن طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله وهو في الصحيحين من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن عنه به، وهو في الصحيحين أيضا عن عبد الرحمن، عن

стр. 567

علقمة، عن ابن مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به، وهكذا رواه أحمد بن حنبل (١)، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ ، قال «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه». الحديث الثاني-قال الإمام أحمد (٢): حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي» قد رواه ابن مردويه من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش». الحديث الثالث-قال مسلم (٣): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير وزهير بن حرب، جميعا عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك ابن مغول عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مرة، عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله ﷺ ، انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط له من فوقها فيقبض منها، قال ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦] قال: فراش من ذهب، قال: أعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات (٤). الحديث الرابع قال أحمد (٥) حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي حدثنا سلمة بن الفضل حدثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ «اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش» هذا إسناد حسن ولم يخرجوه في كتبهم. الحديث الخامس-قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، أخبرنا مروان، أنبأنا ابن عوانة عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : «فضلنا على الناس بثلاث أوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يعطها أحد قبلي، ولا يعطاها أحد بعدي» ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند

стр. 568

عن ربعي عن حذيفة بنحوه. الحديث السادس-قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن نافع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن بزيع، أخبرنا جعفر بن عون عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: لا أرى أحدا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أعطيه نبيكم ﷺ من تحت العرش، ورواه وكيع في تفسيره عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو المخارقي، عن علي، قال: ما أرى أحدا يعقل، بلغه الإسلام، ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش. الحديث السابع-قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بندار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ ، قال: «٧ ن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأ بهن في دار ثلاث ليال فيقر بها شيطان» ثم قال: هذا حديث غريب، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. الحديث الثامن قال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا ابن مريم، حدثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ سورة البقرة وآية الكرسي ضحك وقال: «إنهما من كنز الرحمن تحت العرش» وإذا قرأ ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ استرجع واستكان. الحديث التاسع قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة». الحديث العاشر-قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل إذ سمع نقيضا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته. رواه مسلم والنسائي وهذا لفظه. فقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إخبار عن النبي ﷺ بذلك، قال ابن

стр. 569

جرير (١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ ، قال لما نزلت عليه هذه الآية «ويحق له أن يؤمن» وقد روى الحاكم في مستدركه (٢): حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال النبي ﷺ : «حق له أن يؤمن»، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع فقال ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ ، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله ﴿وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ أي سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ سؤال للمغفرة والرحمة واللطف، قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضل عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ -إلى قوله- ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ قال: قد غفرت لكم ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي المرجع والمآب يوم الحساب. قال ابن جرير (٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن بيان، عن حكيم، بن جابر، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ إلى آخر هذه الآية، وقوله ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ أي لا يكلف أحدا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ أي هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما مالا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ أي من خير ﴿وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي من شر وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف.

стр. 570

ثم قال تعالى مرشدا عباده إلى سؤاله، وقد تكلف لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ أي إن تركنا فرضا على جهة النسيان، أو فعلنا حراما كذلك، أو أخطأنا أي الصواب في العمل جهلا منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال «قال الله: نعم» ولحديث ابن عباس، قال الله «قد فعلت». وروى ابن ماجة (١) في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء؛ قال ابن ماجة في روايته عن ابن عباس، وقال الطبراني وابن حبان، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» وقد روي من طريق آخر وأعله أحمد وأبو حاتم، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أم الدرداء، عن النبي ﷺ ، قال «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان، والاستكراه» قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآنا ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾. وقوله ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدا ﷺ ، نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال «قال الله: نعم» وعن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ، قال «قال الله قد فعلت». وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بعثت بالحنيفية السمحة». وقوله ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ أي من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما لا قبل لنا به، وقد قال مكحول في قوله ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ قال: الغربة والغلمة، [والإنعاظ] (٢) رواه ابن أبي حاتم، قال الله: نعم، وفي الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت. وقوله ﴿وَاعْفُ عَنّا﴾ أي فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ﴿وَاغْفِرْ لَنا﴾ أي فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿وَارْحَمْنا﴾ أي فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفوالله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدم في الحديث أن الله قال: نعم، وفي الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت.

стр. 571

وقوله ﴿أَنْتَ مَوْلانا﴾ أي أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس، قال الله: قد فعلت. وقال ابن جرير (١): حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن أبي إسحاق أن معاذا ﵁، كان إذا فرغ من هذه السورة ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ قال: آمين. ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين (٢). تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني وأوله: «تفسير سورة آل عمران»

стр. 572

سورة آل عمران هي مدنية، لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها، إن شاء الله تعالى، وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة أول البقرة. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة آل عمران (٣): الآيات ١ إلى ٤] ﴿الم (١) اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ (٤)﴾ قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و ﴿الم اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ عند تفسير آية الكرسي وقد تقدم الكلام على قوله ﴿الم﴾ في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته، وتقدم الكلام على قوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في تفسير آية الكرسي. وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا، وقوله: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها، لأنه طابق ما أخبرت به، وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ أي على موسى بن عمران، ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي على عيسى ابن مريم ﵉، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن ﴿هُدىً لِلنّاسِ﴾ أي في زمانهما. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك. وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان-هاهنا-القرآن. واختار ابن جرير (١) أنه مصدر هاهنا لتقدم ذكر القرآن في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ وهو القرآن. وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح، أن المراد بالفرقان هاهنا التوراة، فضعيف أيضا لتقدم

стр. 573

ذكر التوراة، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي يوم القيامة، ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ أي منيع الجناب عظيم السلطان، ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ أي ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام. [سورة آل عمران (٣): الآيات ٥ إلى ٦] ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي هو الذي خلق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر، لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى، عليهم لعائن الله، وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال؟ كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر: ٦]. [سورة آل عمران (٣): الآيات ٧ إلى ٩] ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)﴾ يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات، هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذا قال تعالى ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾ أي أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ أي تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه فروي عن السلف عبارات كثيرة فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به وعن ابن عباس (١) أيضا أنه قال المحكمات قوله

стр. 574

تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيات (١) بعدها. وقوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها ورواه ابن أبي حاتم وحكاه عن سعيد بن جبير به قال: حدثنا أبي حدّثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد أن يحيى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية وهي ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ فقال أبو فاختة: فواتح السور، وقال يحيى بن يعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام. وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: هنّ أمّ الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب، وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ. وقيل في المتشابهات: المنسوخة والمقدم منه والمؤخر والأمثال فيه والأقسام وما يؤمن به ولا يعمل به، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل هي الحروف المقطعة في أوائل السور قاله مقاتل بن حيان، وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضها بعضا وهذا إنما هو في تفسير قوله ﴿كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في سياق واحد والمثاني هو الكلام في شيئين متقالين كصفة الجنة وصفة النار وذكر حال الأبرار وحال الفجار ونحو ذلك. وأما هاهنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمنا وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار ﵀ حيث قال منه آيات محكمات فهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم الباطل ليس لهن تصريف عما وضعن عليه، قال: والمتشابهات في الصدق ليس لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق. ولهذا قال تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى: ﴿اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.

стр. 575

وقوله تعالى ﴿وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي تحريفه على ما يريدون وقال مقاتل بن حيان والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن. وقد قال الإمام أحمد (١) حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ إلى قوله ﴿أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ فقال: «فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» هكذا وقع الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ ليس بينهما أحد. وهكذا رواه ابن ماجة (٢) من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب به. ورواه محمد بن يحيى العبدي في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب به وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب وكذا رواه غير واحد عن أيوب وقد رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به، ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي ولقبه عارم: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به وتابع أيوب أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة. فرواه الترمذي عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخراز، فذكره وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى الأبح، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة. ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة، فذكره. وقد روى هذا الحديث البخاري (٣) عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر (٤) من صحيحه، وأبو داود في السنة (٥) من سننه، ثلاثتهم عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ ، هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» لفظ البخاري. وكذا رواه الترمذي أيضا، عن بندار عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم به؛ وقال: حسن صحيح؛ وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة عن عائشة،

стр. 576

ولم يذكر القاسم؛ كذا قال. وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: سئل رسول الله ﷺ ، عن قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾؛ فقال رسول الله ﷺ ، «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». وقال ابن جرير (١): حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: نزع رسول الله ﷺ بهذه الآية: ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾، فقال رسول الله ﷺ «قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم» ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به. وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ قال «هم الخوارج». وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال «هم الخوارج» وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعا فذكره. وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجأوه بهذه المقالة، فقال قائلهم وهو ذو الخويصرة-بقر الله خاصرته-: اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله ﷺ «لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني». فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب، وفي رواية: خالد بن الوليد، رسول الله في قتله، فقال «دعه فانه يخرج من ضئضئ هذا، أي من جنسه، قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم» ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب ﵁ وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب، وقبائل وآراء، وأهواء، ومقالات، ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا

стр. 577

واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي»، أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة. وقال الحافظ أبو يعلي: حدثنا أبو موسى حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن بن جندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة، أو سمعه منه، يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر «إن في أمتي قوما يقرءون القرآن، ينثرونه نثر الدقل (١) يتأولونه على غير تأويله» لم يخرجوه. وقوله تعالى ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل: على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس ﵁ أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله، ويروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم. وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ الآية، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه» غريب جدا. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله ﷺ ، قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به» وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقرأ: وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون آمنا به، وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله، وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: «إن تأويله إلا عند الله الراسخون في العلم يقولون آمنا به»، وكذا عن أبي بن كعب، واختار ابن جرير هذا القول (٢). ومنهم من يقف على قوله: ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس.

стр. 578

وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد ﴿إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾، ثم ردوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضا، فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس، فقال «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». ومن العلماء من فصل في هذا المقام وقال: التأويل يطلق، ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله ، ويكون قوله ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى، فالوقف على ﴿وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا يكون قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ حالا منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] أي وجاءت الملائكة صفوفا صفوفا. وقوله إخبارا عنهم ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾، أي المتشابه، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ أي الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد، لقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض الرقي، حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ أنسا وأبا أمامة وأبا الدرداء ﵃ قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ ، سئل عن الراسخين في العلم، فقال: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعفّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم».

стр. 579

وقال الإمام أحمد (١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: سمع رسول الله ﷺ قوما يتدارءون، فقال «إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» وتقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب به. وقد قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ، قال «نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر-قالها ثلاثا-ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ﷻ » وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي «لا أعلمه إلا عن أبي هريرة». وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم. ثم قال تعالى مخبرا أنهم دعوا ربهم قائلين ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾، أي لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم، ﴿وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانا وإيقانا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، وقال ابن جرير (٢): حدثنا أبو كريب، قالا جميعا: حدثنا وكيع عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ كان يقول «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» ثم قرأ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾، ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن بكار، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعها تحدث: إن رسول الله ﷺ ، كان يكثر من دعائه «اللهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب؟ قال: «نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين إصبعين من أصابع الله ، فإن شاء أقامه،

стр. 580

وإن شاء أزاغه» فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، رواه أيضا عن المثنى عن الحجاج بن منهال عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، وزاد: «قلت يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: «بلى، قولي اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن» (١). ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير عن قتادة، عن حسان الأعرج، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يدعو «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال «ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾» غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة. وقد رواه أبو داود (٢) والنسائي وابن مردويه من حديث أبي عبد الرحمن المقري، زاد النسائي وابن حبان وعبد الله بن وهب كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب: حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ، كان إذا استقيظ من الليل قال «لا إله إلا أنت، سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب» لفظ ابن مردويه. وقال عبد الرزاق عن مالك عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك عن عبادة بن نسى أنه أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق ﵁ المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا﴾ الآية. قال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نسى أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؟ قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه وإن كنت قبل ذلك لعلى غير

стр. 581

ذلك، فقال له رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك، قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد به، وروى هذا الأثر الوليد أيضا عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن الصنابحي، أنه صلى خلف أبي بكر المغرب، فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة يجهر بالقراءة، فلما قام إلى الثالثة، ابتدأ القراءة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ الآية. وقوله ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩] أي يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله وما كان عليه في الدنيا من خير وشر. [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠ إلى ١١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١)﴾ يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] وقال تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧]، وقال هاهنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بآيات الله، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ أي حطبها الذي تسجر (١) به، وتوقد به، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد عن هند بنت الحارث، عن أم الفضل أم عبد الله بن عباس، قالت: بينما نحن بمكة، قام رسول الله ﷺ من الليل فنادى «هل بلغت اللهم، هل بلغت» ثلاثا، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: نعم، ثم أصبح فقال رسول الله ﷺ «ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، ولتخوضنّ البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرءونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟» قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال «أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار» وكذا رأيته بهذا اللفظ. وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث امرأة

стр. 582

عبد الله بن شداد، عن أم الفضل، أن رسول الله ﷺ قام ليلة بمكة، فقال «هل بلغت» يقولها ثلاثا؛ فقام عمر بن الخطاب وكان أوّاها (١)، فقال: اللهم نعم، وحرصت، وجهدت، ونصحت، فاصبر؛ فقال النبي ﷺ «ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرءون القرآن، فيقرءونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير» قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: «أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار» ثم رواه من طريق موسى بن عبيد، عن محمد بن إبراهيم عن بنت الهاد عن العباس بن عبد المطلب بنحوه. وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون، وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة، والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر، هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس: [الطويل] وقوفا بها صحبي عليّ مطيّهم … يقولون لا تأسف أسى وتجمّل كدأبك من أم الحويرث قبلها … وجارتها أم الرباب بمأسل (٢) والمعنى كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها، والمعنى في الآية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاءوا به من آيات الله وحججه، ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء، وذلّ له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه. [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٢ إلى ١٣] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)﴾ يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي في الدنيا، ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي يوم القيامة ﴿إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال «يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا».

стр. 583

فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك قوله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ -إلى قوله- ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ وقد رواه محمد بن إسحاق أيضا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيها اليهود القائلون ما قلتم ﴿آيَةٌ﴾، أي دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي طائفتين ﴿اِلْتَقَتا﴾ أي للقتال ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش يوم بدر، وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير (١): يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي جعل الله ذلك فيما رأوه سببا لنصرة الإسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذ قبل القتال يحزر (٢) لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة يزيدون قليلا أو ينقصون، وهكذا كان الأمر؛ كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم. والقول الثاني: أن المعنى في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي ضعيفهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف، كما رواه محمد بن إسحاق (٣) عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله ﷺ ، لما سأل ذلك العبد (٤) الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال «كم ينحرون كل يوم»؟ قال: يوما تسعا ويوما عشرا، فقال النبي ﷺ «القوم ما بين التسعمائة إلى الألف». وروى أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة، عن علي ﵁، قال: كانوا ألفا، وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول، والله أعلم، لكن وجه ابن جرير هذا وجعله

стр. 584

صحيحا كما تقول: عندي ألف، وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجا إلى ثلاثة آلاف، كذا قال، وعلى هذا فلا إشكال. لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ [الأنفال: ٤٤] فالجواب أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى، كما قال السدي عن الطيب عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا﴾ الآية، قال: هذا يوم بدر، قال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ الآية. وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلا منهم، فقلنا، كم كنتم؟ قال: ألفا، فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي أكثر منهم بالضعف ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم ، ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان، قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر. ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ أي ليفرق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وقال هاهنا ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ أي إن في ذلك لمعتبرا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤ إلى ١٥] ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)﴾ يخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء، لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ ، قال «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (١) فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب

стр. 585

مرغوب فيه، مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، «وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء»، وقوله ﷺ «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» وقوله في الحديث الآخر «حبب إليّ النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (١). وقالت عائشة ﵂: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من النساء إلا الخيل، وفي رواية من الخيل إلا النساء، وحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد ﷺ ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (٢) وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء، والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود شرعا. وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنه المال الجزيل كما قاله الضحاك وغيره، وقيل: ألف دينار، وقيل: ألف ومائتا دينار وقيل اثنا عشر ألفا، وقيل: أربعون ألفا، وقيل: ستون ألفا، وقيل سبعون ألفا، وقيل: ثمانون ألفا، وقيل غير ذلك، وقد قال الإمام أحمد (٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «القنطار اثنا عشر ألف أوقية، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض»، وقد رواه ابن ماجة (٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة به، وقد رواه ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفا وهذا أصح، وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر، وحكاه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة وأبي الدرداء، أنهم قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية، ثم قال ابن جرير (٥) ﵀: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير، حدثنا شبابة، حدثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ «القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية». وهذا حديث منكر أيضا، والأقرب أن يكون موقوفا على أبي بن كعب كغيره من الصحابة وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن إبراهيم، عن موسى، عن أم

стр. 586

الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف، أصبح له قنطار من أجر عند الله، القنطار منه مثل الحبل العظيم» ورواه وكيع عن موسى بن عبيدة بمعناه، وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي، حدثنا محمد بن عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حميد الطويل ورجل آخر، عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى ﴿وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾؟ قال «القنطار ألفا أوقية» صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم. وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، أنبأنا عمرو بن أبي سلمة، أنبأنا زهير يعني ابن محمد، أنبأنا حميد الطويل، ورجل آخر قد سماه يعني يزيد الرقاشي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ ، في قوله «قنطار يعني ألف دينار» وهكذا رواه ابن مردويه والطبراني (١) عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء. وروى ابن جرير عن الحسن البصري: عنه مرسلا وموقوفا عليه: القنطار ألف ومائتا دينار، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم (٢) عن حماد عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك الثور ذهبا، قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي عن حماد بن زيد مرفوعا، والموقوف أصح. وحب الخيل على ثلاثة أقسام تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون، وتارة تربط فخرا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر وتارة للتعفف واقتناء نسلها، ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر كما سيأتي الحديث بذلك إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وأما المسومة، فعن ابن عباس ﵄: المسومة الراعية، والمطهمة الحسان، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان وغيرهم، وقال مكحول: المسومة الغرة والتحجيل وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد (٣): حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الحميد بن

стр. 587

جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حديج، عن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ «ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه، أو أحب أهله وماله إليه». وقوله تعالى ﴿وَالْأَنْعامِ﴾ يعني الإبل والبقر والغنم، ﴿وَالْحَرْثِ﴾ يعني الأرض المتخذة للغراس والزراعة، وقال الإمام أحمد (١): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي ﵌، قال «خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة» المأمورة: الكثيرة النسل، والسكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة. ثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي حسن المرجع والثواب. وقد قال ابن جرير (٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد. قال: قال عمر بن الخطاب لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا، فنزلت ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ أي قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة، ثم أخبر عن ذلك فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا، ﴿وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾ أي يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبدا، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ١٠٩] أي أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء. [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦ إلى ١٧] ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ (١٦) الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧)﴾ يصف ﵎ عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى:

стр. 588

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا﴾ أي بك وبكتابك وبرسولك، ﴿فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك، ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿الصّابِرِينَ﴾ أي في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، ﴿وَالصّادِقِينَ﴾ فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة، ﴿وَالْقانِتِينَ﴾ والقنوت الطاعة والخضوع ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أي من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات (١)، ومواساة ذوي الحاجات ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ دلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب ﵇، لما قال لبنيه ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، إنه أخرهم إلى وقت السحر وثبت في الصحيحين وغيرهما من المساند والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة، إن رسول الله ﷺ ، قال «ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ (٢)» الحديث، وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءا على حدة، فرواه من طرق متعددة، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: «من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر» (٣)، وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن جرير (٤): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه، قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب، أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود ﵁. وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة. [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨ إلى ٢٠] ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)﴾

стр. 589

شهد تعالى وكفى به شهيدا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ أي المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه، كما قال تعالى: ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦]، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تأكيد لما سبق، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. وقال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب. وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده عن الزبير، قال سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ﴾ قال: «وأنا أشهد أي رب». وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي، قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر (٢) قام فتهجد من الليل فمر بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، واستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ قالها مرارا، قلت: لقد سمع فيها شيئا فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ «يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله : عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة». وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد

стр. 590

سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد ﷺ الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ ، فمن لقي الله بعد بعثة محمد ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقال في هذه الآية مخبرا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾. وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ «شهد الله إنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم أن الدين عند الله الإسلام»، بكسر (١) إنه، وفتح أن الدين عند الله الإسلام، أي شهد هو والملائكة وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام، والجمهور قرءوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم. ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول، إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتاب عليهم، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ أي من جحد ما أنزل الله في كتابه ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ أي فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم قال تعالى ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي على ديني يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله محمد ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به، الكتابيين من المليين والأميين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ أي والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ أي هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وما ذلك إلا لحكمته ورحمته وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ﴾

стр. 591

﴿الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ١] وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه ﷺ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم امتثالا لأمر الله له بذلك، وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال «والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» رواه مسلم (١) وقال ﷺ «بعثت إلى الأحمر والأسود»، وقال «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». وقال الإمام أحمد (٢): حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس ﵁: أن غلاما يهوديا كان يضع للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ فدخل عليه وأبوه قاعد عند رأسه فقال له النبي ﷺ «يا فلان قل لا إله إلا الله» فنظر إلى أبيه فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فخرج النبي ﷺ وهو يقول «الحمد لله الذي أخرجه بي من النار» رواه البخاري في الصحيح، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. [سورة آل عمران (٣): الآيات ٢١ إلى ٢٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)﴾ هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب بما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله، قديما وحديثا، التي بلغتهم إياها الرسل استكبارا عليهم، وعنادا لهم، وتعاظما على الحق، واستنكافا على اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ﷺ «الكبر بطر الحق وغمط الناس». وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الزبير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري، حدثنا محمد بن حمزة، حدثنا أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن أبي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح، ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال «رجل قتل نبيا أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ﴾

стр. 592

﴿بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية، ثم قال رسول الله ﷺ «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون (١) رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله » وهكذا رواه ابن جرير (٢) عن أبي عبيد الوصابي محمد بن حفص، عن ابن حمير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول به، وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره، رواه ابن أبي حاتم. ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ أي موجع مهين ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ [سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٣ إلى ٢٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ يقول تعالى منكرا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل: وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ ، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ أي إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة في الدنيا يوما وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم واختلقوه ولم ينزل الله به سلطانا، قال الله تعالى متهددا لهم ومتوعدا ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه، والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم وحاكم عليه ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في وقوعه وكونه، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾.

стр. 593

[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٦ إلى ٢٧] ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)﴾ يقول ﵎: ﴿قُلِ﴾ يا محمد معظما لربك وشاكرا له ومفوضا إليه ومتوكلا عليه ﴿اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي لك الملك كله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ أي أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن. وفي هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ وهذه الأمة، لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي، خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيا من الأنبياء، ولا رسولا من الرسل في العلم بالله وشريعته، واطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. ولهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية، أي أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، قال الله ردا عليهم ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]، أي نحن نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة، والحجة التامة في ذلك، وهكذا يعطي النبوة لمن يريد، كما قال تعالى: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٢١]، وقد روى الحافظ بن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو: بسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن ملك قد زال سلطانه إلى ملك. وملك ذي العرش دائم أبدا ليس بفان ولا بمشترك. وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي تأخذ من طول هذه فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعا وصيفا وخريفا وشتاء، وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أي تعطي من شئت

стр. 594

من المال ما لا يعد ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل. قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد، حدثنا أبي عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. [سورة آل عمران (٣): آية ٢٨] ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾ نهى ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ومن يرتكب نهي الله في هذا، فقد بريء من الله، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ -إلى أن قال-: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ [النساء: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقال تعالى بعد ذكر موالاة المؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. وقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ أي إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: «إنا لنكشر (١) في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم». وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ أي إليه المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن

стр. 595

سعيد، حدثنا مسلم بن خالد عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، قال: قام فينا معاذ بن جبل، فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الجنة أو إلى النار. [سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٩ إلى ٣٠] ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)﴾ يخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والأزمان والأيام واللحظات وجميع الأوقات، وجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي وقدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ الآية، يعني يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير ومن شر، كما قال تعالى ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] فما رأى من أعماله حسنا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه وود لو أنه تبرأ منه وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقرونا به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]، ثم قال تعالى مؤكدا ومهددا ومتوعدا ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ أي يخوفكم عقابه، ثم قال ﷻ مرجيا لعباده لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه ﴿وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره: أي رحيم بخلقه يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم وأن يتبعوا رسوله الكريم. [سورة آل عمران (٣): الآيات ٣١ إلى ٣٢] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)﴾ هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ ، أنه قال «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ أي يحصل لكم

стр. 596

فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تحبّ إنما الشأن أن تحبّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ «وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث. ثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي باتباعكم الرسول ﷺ ، يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته، ثم قال تعالى آمرا لكل أحد من خاص وعام ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي خالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١]، إن شاء الله تعالى. [سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ إلى ٣٤] ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم ﵇ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، واصطفى نوحا ﵇ وجعله أول رسول بعثه إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ ، وآل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى ابن مريم ﵇. قال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يويم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رحيعم بن سليمان بن داود ﵉ (١)، فعيسى ﵇ من ذرية إبراهيم كما سيأتي

стр. 597

بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة. [سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٥ إلى ٣٦] ﴿إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ امرأة عمران هذه هي أم مريم ﵍، وهي حنة بنت فاقوذ قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل، نذرت أن يكون محررا أي خالصا مفرغا للعبادة ولخدمة بيت المقدس، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي السميع لدعائي العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها: أذكرا أم أنثى؟ ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ قرئ برفع التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقريء بتسكين التاء، على أنه من قول الله ، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى﴾ أي في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ فيه دليل على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم» أخرجاه، وكذلك ثبت فيهما: أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى رسول الله ﷺ فحنكه (١) وسماه عبد الله، وفي صحيح البخاري: أن رجلا قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أسميه؟ قال «أسم ولدك عبد الرحمن»، وثبت في الصحيح أيضا: أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه، فرده إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله ﷺ في المجلس سماه المنذر. فأما حديث قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ ، قال «كل غلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم السابع، ويسمى ويلحق رأسه» فقد رواه أحمد (٢) وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، وروي: ويدمّى، وهو أثبت وأحفظ، والله أعلم. كذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب أن رسول الله ﷺ ، عق (٣) عن ولده إبراهيم وسماه

стр. 598

إبراهيم، فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح، ولو صح لحمل على أنه أشتهر اسمه بذلك يومئذ، والله أعلم. وقوله إخبارا عن أم مريم أنها قالت ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ أي عوذتها بالله من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى ﵇، فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله «ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مسه إياه، إلا مريم وابنها» ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾، أخرجاه من حديث عبد الرزاق. ورواه ابن جرير (١) عن أحمد بن الفرج، عن بقية، عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، وروى (٢) من حديث قيس، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم» ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ومن حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة. ورواه ابن وهب أيضا، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعلّ، عن أبي هريرة. ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بأصل الحديث. وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن بالحجاب» (٣). [سورة آل عمران (٣): آية ٣٧] ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)﴾ يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه ﴿أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾، أي جعلها شكلا مليحا ومنظرا بهيجا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين، فلهذا قال ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ وفي قراءة: ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية، أي جعله كافلا لها. قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك، ولا منافاة بين

стр. 599

القولين؛ والله أعلم. وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علما جما نافعا وعملا صالحا، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما، وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح «فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة» وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضا توسعا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال «الخالة بمنزلة الأم» (١). ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً﴾. قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد ﴿وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً﴾ أي علما، أو قال: صحفا فيها علم، رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة، فإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا﴾ أي يقول من أين لك هذا؟ ﴿قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله ﷺ ، أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة فقال «يا بنية هل عندك شيء آكله، فإني جائع؟» قالت: لا والله-بأبي أنت وأمي-، فلما خرج من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله ﷺ ، فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال «هلمي يا بنية». قالت: فأتيته بالجفنة، فكشف عنها، فإذا هي مملوءة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصليت على نبيه وقدمته إلى رسول الله، فلما رآه حمد الله وقال «من أين لك هذا يا بنية»؟ قالت: يا أبت ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فحمد الله وقال «الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا وسئلت عنه، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب» فبعث رسول الله ﷺ إلى علي، ثم أكل رسول الله ﷺ ، وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته حتى شبعوا جميعا، قالت: وبقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على

стр. 600

جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا. [سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٨ إلى ٤١] ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)﴾ لما رأى زكريا ﵇ أن الله يرزق مريم ﵍ فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد وكان شيخا كبيرا قد وهن منه العظم واشتعل الرأس شيبا، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيا، وقال ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي ولدا صالحا ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾. قال تعالى: ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ﴾ أي خاطبته الملائكة شفاها خطابا، أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ أي بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان. وقوله ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾. روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الآية ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ أي بعيسى ابن مريم. وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم. وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه. وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾، قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى تصديقه (١) له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى ﵇، وهكذا قال السدي أيضا. قوله: ﴿وَسَيِّداً﴾ قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحكيم. قال قتادة: سيدا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحكيم التقي. قال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله . وقوله: ﴿وَحَصُوراً﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير
следующие страницы →