سورة يوسف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة يوسف (١٢) : آية ٣٠]
وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠)
هذا الكلام متضمن لوجوه من المكر.
أحدها: قولهن: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها ولم يسموها باسمها، بل ذكروها بالوصف الذي ينادي عليها بقبيح فعلها بكونها ذات بعل، فصدور الفاحشة من ذات الزوج أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
الثاني: أن زوجها عزيز مصر، ورئيسها، وكبيرها. وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حرّ. وذلك أبلغ في القبح.
الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها، وتحت كنفها، فحكمه حكم أهل البيت. بخلاف من تطلب ذلك من الأجنبي البعيد.
والخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
стр. 317
السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له كل مبلغ، حتى وصل حبها له إلى شغاف قلبها.
السابع: أن في ضمن هذا: أنه أعفّ منها وأبر، وأوفى، حيث كانت هي المراودة الطالبة، وهو الممتنع، عفافا وكرما وحياء. وهذا غاية الذم لها.
الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة المستقبل الدالة على الاستمرار والوقوع حالا واستقبالا، وأن هذا شأنها، ولم يقلن: راودت فتاها. وفرق بين قولك: فلان أضاف ضيفا، وفلان يقري الضيف ويطعم الطعام، ويحمل الكلّ. فإن هذا يدل على أن هذا شأنه وعادته.
التاسع: قولهن إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي إنا لنستقبح منها ذلك غاية الاستقباح. فنسبن الاستقباح إليهن ومن شأنهن مساعدة بعضهن بعضا على الهوى ولا يكدن يرين ذلك قبيحا، كما يساعد الرجال بعضهم بعضا على ذلك، فحيث استقبحن منها ذلك كان هذا دليلا على أنه من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد عليه، ولا يحسن معاونتها عليه.
العاشر: أنهن جمعن لها في هذا الكلام واللوم بين العشق المفرط، والطلب المفرط، فلم تقتصد في حبها، ولا في طلبها.
أما العشق فقولهن قَدْ شَغَفَها حُبًّا أي وصل حبه إلى شغاف قلبها.
وأما الطلب المفرط فقولهن تُراوِدُ فَتاها والمراودة: الطلب مرة بعد مرة فنسبوها إلى شدة العشق، وشدة الحرص على الفاحشة.
فلما سمعت بهذا المكر منهن هيأت لهن مكرا أبلغ منه، فهيأت لهن متكأ، ثم أرسلت إليهن، فجمعتهن، وخبأت يوسف ﵇ عنهن.
وقيل: إنها جملته، وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته عليهن فجأة.
فلم يرعهنّ إلا وأحسن خلق الله وأجمله قد طلع عليهن بغتة، فراعهن ذلك
стр. 318
المنظر البهي. وفي أيديهن مدى يقطعن بها ما يأكلن، فدهش حتى قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن.
وقد قيل: إنهن أبنّ أيديهن. ولكن الظاهر خلاف ذلك. وإنما تقطيعهن أيديهن جرحها، وشقها بالمدى، لدهشتهن بما رأين. فقابلت مكرهن القولي بهذا المكر الفعلي، وكانت هذه في النساء غاية في المكر.
[سورة يوسف (١٢) : آية ٤٠]
ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)
إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة، كاللات والعزّى، وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة.
فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها. وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى. فما عبدوا إلا أسماء، لا حقائق لمسمياتها. وهذا كمن سمى قشور البصل لحما، وأكلها. فيقال: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه، وكمن سمى التراب خبزا وأكله، يقال له: ما أكلت إلا اسم الخبز، بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم. فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه. وما الحكمة ثمّ إلا مجرد الاسم.
فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى.
[سورة يوسف (١٢) : آية ٥٣]
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)
فإن قيل: فكيف قال وقت ظهور براءته؟ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي.
قيل: هذا قد قاله جماعة من المفسرين. وخالفهم في ذلك آخرون أجل منهم وقالوا: إن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف ﵇.
والصواب معهم من وجوه.
أحدها: أنه متصل بكلام المرأة، وهو قولها ١٢: ٥١- ٥٣ الْآنَ
стр. 319
حَصْحَصَ الْحَقُّ. أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ، وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ. وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي
ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه ما.
والقول في مثل هذا لا يحذف، لئلا يوقع في اللبس. فإن غايته: أن يحتمل الأمرين. فالكلام الأول أولى به قطعا.
والثاني: أن يوسف ﵇ لم يكن حاضرا وقت مقالتها هذه، بل كان في السجن لما تكلمت بقولها الآن «حصحص الحق» والسياق صحيح صريح في ذلك. فإنه لما أرسل إليه الملك يدعوه قال للرسول ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ، فَسْئَلْهُ: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ. فأرسل إليهن الملك وأحضرهن، وسألهن، وفيهن امرأته. فشهدن ببراءته ونزاهته في غيبته، ولم يمكنهن إلا قول الحق، فقال النسوة حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وقالت امرأة العزيز أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
فإن قيل: لكن قوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ الأحسن أن يكون من كلام يوسف ﵇، أي إنما كان تأخيري عن الحضور مع رسوله ليعلم الملك أني لم أخنه في امرأته في حال غيبته، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين. ثم إنه ﷺ قال: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وهذا من تمام معرفته ﷺ بربه ونفسه. فإنه لما أظهر نزاهته وبراءته مما قذف به أخبر عن حال نفسه، وأنه لا يذكيها ولا يبرئها، فإنها أمارة السوء، لكن رحمة ربه وفضله هو الذي عصمه. فرد الأمر إلى الله بعد أن أظهر براءته.
قيل: هذا وإن كان قد قاله طائفة. الصواب أنه من تمام كلامها، ولكن فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه. وهو قول النسوة ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وقول امرأة العزيز أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ هذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر. ثم اتصل بها قوله:
стр. 320
١٢: ٥٢ ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ فهذا هو المذكور أولا بعينه.
فلا شيء يفصل الكلام من نظمه، ويضمر فيه قول لا دليل عليه.
فإن قيل: فما معنى قولها: «ليعلم أني لم أخنه بالغيب» .
قيل: هذا من تمام الاعتذار، قرنت الاعتذار بالاعتراف، فقالت ذلك أي قولي هذا وإقراري ببراءته: ليعلم أني لم أخنه بالكذب عليه في غيبته، وإن خنته في وجهه في أول الأمر، فالآن يعلم أني لم أخنه في غيبته، ثم اعتذرت عن نفسها بقولها وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي ثم ذكرت السبب الذي لأجله لم تبرئ نفسها، وهي أن النفس أمارة بالسوء.
فتأمل ما أعجب أمر هذه المرأة، أقرت بالحق واعتذرت عن محبوبها، ثم اعتذرت عن نفسها، ثم ذكرت السبب الحامل لها على ما فعلت، ثم ختمت ذلك بالطمع في مغفرة الله ورحمته، وأنه إن لم يرحم عبده وإلا فهو عرضة للشر.
فوازن بين هذا وبين تقدير كون هذا الكلام كلام يوسف ﵇ لفظا ومعنى.
وتأمل ما بين التقديرين من التفاوت، ولا يستبعد أن تقول المرأة هذا وهي على دين الشرك. فإن القوم كانوا يقرون بالرب وبحقه، وإن أشركوا معه غيره. ولا تنس قول سيدها لها في أول الحال ١٢: ٢٩ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ.
[سورة يوسف (١٢) : آية ١٠١]
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)
جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستسلام للرب وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات
стр. 321
العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء.
[سورة يوسف (١٢) : آية ١٠٨]
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)
قال الفراء: وجماعة «ومن اتبعني» معطوف على الضمير في «أدعو» يعني أنا ومن اتبعني يدعو إلى الله كما أدعو، وهذا قول الكلبي، قال: حق على كل من أتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة.
ويقوى هذا القول من وجوه كثيرة:
قال ابن الأنباري: ويجوز أن يتم الكلام عند قوله «إلى الله» ثم يبتدئ بقوله «على بصيرة أنا ومن اتبعني» فيكون الكلام على قوله جملتين، أخبر في أولاهما أنه يدعو إلى الله، وفي الثانية: بأنه مع أتباعه على بصيرة، والقولان متلازمان فلا يكون الرجل من أتباعه حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه ويكون على بصيرة.
وقول الفراء أحسن وأقرب إلى الفصاحة والبلاغة.
وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها: فهي لا تحصل إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حد أقصى يصل إليه السعي، ويكفي هذا في شرف العلم: أن صاحبه يحوز به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء.
стр. 322
سورة الرعد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الرعد (١٣) : آية ٨]
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨)
قال ابن عباس ﵄ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ من التسعة أشهر وَما تَزْدادُ: ما تزيد فيها، ووافقه على هذا أصحابه، كمجاهد وسعيد بن جبير.
وقال مجاهد أيضا: إذا حاضت المرأة على ولدها كان نقصانا من الولد، وما تزداد، قال: إذا زادت على تسعة أشهر كان ذلك تماما لما نقص من ولدها.
وقال أيضا: ما رأت الحامل من الدم في حملها فهو نقصان من الولد، والزيادة ما زاد على تسعة أشهر، وهو تمام النقصان.
وقال الحسن: ما تغيض الأرحام: ما كان من سقط، وما تزداد: تلد المرأة لعشرة أشهر.
وقال عكرمة: ما تغيض الأرحام: الحيض بعد الحمل، فكل يوم رأت فيه الدم حاملا ازدادته في الأيام طاهرا، فما حاضت يوما إلا ازدادت في الحمل.
стр. 323
وقال قتادة: الغيض: السقط، وما تزداد: فوق التسعة أشهر.
وقال سعيد بن جبير: إذا رأت المرأة الدم على الحمل فهو الغيض للولد، فهو نقصان في غذاء الولد، وزيادة في الحمل.
«تغيض، وتزداد» فعلان متعديان مفعولهما محذوف، وهو العائد إلى «ما» الموصولة، والغيض: النقصان. ومنه ١١: ٤٤ وَغِيضَ الْماءُ وضده الزيادة.
والتحقيق في معنى الآية: أنه يعلم مدة الحمل، وما يعرض فيها من الزيادة والنقصان، فهو العالم بذلك دونكم، كما هو العالم بما تحمل كل أنثى: هل هو ذكر أو أنثى؟ وهذا أحد أنواع الغيب التي لا يعلمها إلا الله تعالى، كما
في الصحيحين عنه ﷺ «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله»
فهو سبحانه المنفرد بعلم ما في الرحم، وعلم مدة إقامته فيه، وما يزيد في بدنه، وما ينقص.
وما عدا هذا القول فهو من توابعه ولوازمه كالسقط والتمام، ورؤية الدم وانقطاعه.
والمقصود ذكر مدة إقامة الحمل في البطن، وما يتصل بها من زيادة ونقصان.
[سورة الرعد (١٣) : آية ١٧]
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧)
شبه الله الوحي الذي أنزله لحياة القلوب والأسماع والأبصار بالماء الذي
стр. 324
أنزله لحياة الأرض بالنبات. وشبه القلوب بالأودية. فقلب كبير. يسع علما عظيما. كواد كبير يسع ماء كثيرا. وقلب صغير إنما يسع بحسبه، كواد صغير، فسالت أودية بقدرها. واحتملت قلوب من الهدى والعلم بقدرها، وكما أن السيل إذا خالط القلوب أثار ما فيها من الشهوات والشبهات، ليقلعها ويذهبها، كما يثير الدواء وقت شربه من البدن أخلاطه، فيتكدر بها شاربه، وهي من تمام نفع الدواء. فإنه إنما أثارها ليذهب بها، فإنه لا يجامعها ولا يشاركها. وهكذا يضرب الله الحق والباطل.
ثم ذكر المثل الناري فقال: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ وهو الخبث الذي يخرج عند سبك الذهب والفضة والنحاس والحديد، فتخرجه النار وتميزه، وتفصله من الجوهر الذي ينتفع به، فيرمى ويطرح ويذهب جفاء، وكذلك الشهوات والشبهات يرميها العلم والهدى من قلب المؤمن ويطرحها. ويجفوها، كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد والغثاء والخبث، ويستقر في قرار الوادي الماء الصافي الذي يستسقي منه الناس ويزرعون ويسقون أنعامهم. كذلك يستقر في قرار القلب وجذره الإيمان الخالص الصافي الذي ينفع صاحبه وينتفع به غيره. ومن لم يفقه هذين المثلين ولم يتدبرهما، ويعرف ما يراد منهما فليس من أهلهما. والله الموفق.
وقال في مفتاح دار السعادة: ١٣: ١٧ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً.
هذا هو المثل المائي. شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء. وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل، فقلب كبير يسع علما عظيما كواد كبير يسع ماء كثيرا، وقلب صغير كواد صغير يسع علما قليلا، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها.
стр. 325
ولما كانت الأودية مجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل، فيحتمله السيل، فيطفو على وجه الماء زبدا عاليا يمر عليه متراكما، ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى ذلك منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب والغثاء يذهب جفاء يجفى ويطرح على شفير الوادي، فكذلك العلم والإيمان، الذي أنزله في القلوب، فاحتملته، فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الباطلة. فيطفو في أعلاها. واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلوب. فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئا فشيئا حتى يزول كله. ويبقى العلم النافع، والإيمان الخالص في هذا القلب، يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون.
[سورة الرعد (١٣) : آية ٢٨]
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)
الطمأنينة: سكون القلب إلى الشيء، وعدم اضطرابه وقلقه. ومنه الأثر المعروف «الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع، ويجد عنده سكونا إليه. والكذب يوجب اضطرابا وارتيابا. ومنه
قوله ﷺ «البر ما اطمأن إليه القلب»
أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه.
وفي «ذكر الله» هاهنا قولان.
أحدهما: أنه ذكر العبد ربّه، فإنه يطمئن إليه قلبه، ويسكن. فإذا اضطرب القلب وقلق فليس له ما يطمئن به سوى ذكر الله.
ثم اختلف أصحاب هذا القول فيه. فمنهم من قال: هذا في الحلف واليمين، إذا حلف المؤمن على شيء سكنت قلوب المؤمنين إليه، واطمأنت. ويروى هذا عن ابن عباس ﵄.
стр. 326
ومنهم من قال: بل هو ذكر العبد ربه بينه وبينه، يسكن إليه قلبه، ويطمئن.
والقول الثاني: أن ذكر الله هاهنا القرآن، وهو ذكره الذي أنزله على رسوله به طمأنينة قلوب المؤمنين. فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين.
ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن. فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه وقلقه من شكه. والقرآن هو المحصل لليقين الدافع للشكوك والظنون والأوهام. فلا تطمئن قلوب المؤمنين إلا به. وهذا القول هو المختار.
وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى: ٤٣: ٣٦ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ والصحيح: أنه ذكره الذي أنزله على رسوله، وهو كتابه من أعرض عنه قيض الله له شيطانا يضله ويصده عن السبيل. وهو يحسب أنه على هدي.
وكذلك القولان أيضا في قوله تعالى: ٢٠: ١٢٤ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى والصحيح أنه ذكره الذي أنزله على رسوله وهو كتابه. ولهذا يقول المعرض عنه ٢٠: ١٢٥، ١٢٦ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى، وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً؟ قالَ: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها، وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى.
وأما تأويل من تأوله على الحلف ففي غاية البعد عن المقصود. فإن ذكر الله بالحلف يجري على لسان الصادق والكاذب والبر والفاجر. والمؤمنون تطمئن قلوبهم إلى الصادق ولو لم يحلف. ولا تطمئن قلوبهم إلى من يرتابون منه ولو حلف.
وجعل الله الطمأنينة في قلوب المؤمنين ونفوسهم. وجعل الغبطة والمدحة والبشارة بدخول الجنة لأهل الطمأنينة. فطوبى لهم وحسن مآب.
стр. 327
سورة إبراهيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ١٨]
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)
شبه الله تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف.
فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور، لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكونها لغير الله ، وعلى غير أمره: برماد طيرته الريح العاصف. فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه. فلذلك قال: لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء. فلا يرون له أثرا من ثواب، ولا فائدة نافعة. فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، موافقا لشرعه.
والأعمال أربعة: فواحد مقبول. وثلاثة مردودة.
فالمقبول: الخالص الصواب. فالخالص: أن يكون لله لا لغيره.
стр. 328
والصواب أن يكون مما شرعه الله على لسان رسوله.
والثلاثة المردودة ما خالف ذلك.
وفي تشبيهها بالرماد سرّ بديع. وذلك للتشابه بين أعمالهم وبين الرماد، في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا. فكانت الأعمال التي لغير الله، وعلى غير مراده: طعمة للنار، وبها تسعّر النار على أصحابها.
وينشئ الله سبحانه لهم من أعمالهم الباطلة نارا وعذابا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره ونهيه التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيما وروحا، فأثرت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رمادا. فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون الله وقود النار.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٢٤ الى ٢٥]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)
شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله. فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة. فكل عمل صالح مرض لله فهو ثمرة هذه الكلمة.
وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كلمة طيبة: شهادة أن لا إله إلا الله. كشجرة طيبة: وهو المؤمن. أصلها ثابت قول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن وَفَرْعُها فِي السَّماءِ يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.
وقال الربيع بن أنس: كلمة طيبة: هذا مثل الإيمان. فإن الإيمان الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه. وفرعها في
стр. 329
السماء: خشية الله. والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن. فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين.
وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها. فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها. فعرف حقيقة إلهيته التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفي تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللا غير ناكبة عنها ولا باغية سواها بدلا. كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلا. فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت. فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى.
وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلما كثيرا طيبا، يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى: ٣٥: ١٠ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فأخبر سبحانه، أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب. وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملا صالحا كل وقت.
والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفا بمعناها وحقيقتها نفيا وإثباتا، ومتصفا بموجبها، قائما قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته.
فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه. وفروعها متصلة بالسماء. وهي مخرجة ثمرتها كل وقت.
стр. 330
ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة. ويدل عليه حديث ابن عمر في الصحيح.
ومنهم من قال: هي المؤمن نفسه. كما قال محمد بن سعد: حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي عن ابن عباس في قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ يعني بالشجرة الطيبة: المؤمن، ويعني بالأصل الثابت في الأرض، والفرع في السماء: بكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم، فيبلغ عمله وقوله السماء. وهو في الأرض.
وقال عطية العوفي في قوله: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب وعمل صالح يصعد إلى الله.
وقال الربيع بن أنس: أصلها ثابت وفرعها في السماء، قال: ذلك المؤمن ضرب مثله في الإخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له، أصلها ثابت قال: أصل عمله ثابت في الأرض، وفرعها في السماء قال: ذكره في السماء.
ولا اختلاف بين القولين.
والمقصود بالمثل: المؤمن، والنخلة مشبهة به، وهو مشبه بها. وإذا كانت النخلة شجرة طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك.
ومن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة. فالنخلة من أشرف أشجار الجنة.
وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علم الرب الذي تكلم به، وحكمته سبحانه.
فمن ذلك: أن الشجرة لا بد لها من عروق وساق وفروع وورق وثمر.
فكذلك شجرة الإيمان والإسلام ليطابق المشبه المشبه له. فعروقها: العلم
стр. 331
والمعرفة، واليقين وساقها: الإخلاص، وفروعها: الأعمال وثمرتها: ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة، والصفات الممدوحة، والأخلاق الزكية، والسّمت الصالح والهدى والدّلّ المرضي. فيستدل على غرس هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور.
فإذا كان العلم صحيحا مطابقا لمعلومه الذي أنزل الله كتابه به، والاعتقاد مطابقا لما أخبر به عن نفسه، وأخبرت به عنه رسله، والإخلاص قائم في القلب، والأعمال موافقة للأمر، والهدى والدّل والسّمت مشابه لهذه الأصول مناسب لها: علم أن شجرة الإيمان في القلب أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وإذا كان الأمر بالعكس علم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة، التي اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار.
ومنها: أن الشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها. فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس. فهكذا شجرة الإسلام في القلب، إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح، والعود بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، وإلا أوشك أن تيبس.
وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إن الإيمان يخلق في القلب كما يخلق الثوب، فجددوا إيمانكم» .
وبالجملة: فالغرس إن لم يتعاهده صاحبه أوشك أن يهلك.
ومن هاهنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر الله به من العبادات على تعاقب الأوقات، ومن عظيم رحمته، وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده: أن وظفها عليها وجعلها مادة لسقي غراس التوحيد الذي غرسه في قلوبهم.
ومنها: أن الغرس والزرع النافع قد أجرى الله سبحانه العادة أنه لا بد أن يخالطه دغل ونبت غريب، ليس من جنسه. فإن تعاهده ربه ونقاه وقلعه
стр. 332
كمل الغرس والزرع، واستوى وتم نباته، وكان أوفر لثمرته وأطيب، وأذكى. وإن تركه أوشك أن يغلب على الغراس والزرع، ويكون الحكم له أو يضعف الأصل ويجعل الثمرة ذميمة ناقصة بحسب كثرته وقلته.
ومن لم يكن له فقه نفس في هذا ومعرفة به، فإنه يفوته ربح كبير.
وهو لا يشعر.
فالمؤمن دائما سعيه في شيئين: سقي هذه الشجرة، وتنقية ما حولها.
فبسقيها تبقى وتدوم، وبتنقية ما حولها تكمل وتتم. والله المستعان وعليه التكلان.
فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم.
ولعلها قطرة من بحر، بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخطئة، وعلومنا القاصرة. وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار، وإلا فلو طهرت منا القلوب، وصفت الأذهان، وذكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجردت الهمم للتلقي عن الله ورسوله لشاهدنا من معاني كلام الله وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق.
وبهذا تعرف قدر علوم الصحابة ومعارفهم، وأن التفاوت الذي بين علومهم وعلوم من بعدهم كالتفاوت الذي بينهم وبينهم في الفضل. والله أعلم حيث يجعل مواقع فضله، ويختص من يشاء برحمته.
فصل
ثم ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة. فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض، ما لها من قرار، فلا عرق ثابت، ولا فرع عال، ولا ثمرة زاكية. فلا أصل، ولا جنّى، ولا ساق قائم، ولا عرق في الأرض ثابت. فلا أسفلها مغدق، ولا أعلاها مونق ولا جنى لها، ولا تعلو، بل تعلى.
стр. 333
وإذا تأمل اللبيب أكثر كلام هذا الخلق في خطابهم وكتبهم. وجده كذلك. فالخسران كل الخسران: الوقوف معه، والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه، الذي هو كتاب الرب سبحانه.
قال الضحاك: ضرب الله مثل الكافر بشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. يقول: ليس لها أصل ولا فرع. وليس لها ثمرة، ولا فيها منفعة. كذلك الكافر لا يعمل خيرا، ولا يقوله، ولا يجعل له فيه بركة ولا منفعة.
وقال ابن عباس: ومثل كلمة خبيثة: وهي الشرك، كشجرة خبيثة:
يعني الكافر. اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر، ولا برهان. ولا يقبل الله مع الشرك عملا، فلا يقبل عمل المشرك ولا يصعد إلى الله، فليس له أصل ثابت في الأرض، ولا فرع في السماء يقول: ليس له عمل صالح في السماء ولا في الأرض.
وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثل الكافر، ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع، ولا يستقر قوله ولا عمله على الأرض، ولا يصعد إلى السماء.
وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إن رجلا لقي رجلا من أهل العلم، فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: ما أعلم لها في الأرض مستقرا، ولا في السماء مصعدا، إلا أن تلزم عنق صاحبها، حتى يوافي بها القيامة.
وقوله «اجتثت» أي استؤصلت من فوق الأرض.
ثم أخبر سبحانه عن فضله وعدله في الفريقين: أصحاب الكلم الطيب، وأصحاب الكلم الخبيث. فأخبر أنه يثبت الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحوج ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة، وأنه يضل الظالمين،
стр. 334
وهم المشركون عن القول الثابت. فأضل هؤلاء بعدله لظلمهم، وثبت المؤمنين بفضله لإيمانهم.
[سورة إبراهيم (١٤) : آية ٢٧]
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)
تحت هذه الآية كنز عظيم، من وفّق لمعرفته وحسن استخراجه واقتنائه وأنفق منه فقد غنم، ومن حرمه فقد حرم.
وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين. فإن لم يثبته الله، وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما. وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله ١٧: ٧٤ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا وقال تعالى لأكرم خلقه ٨: ١٢ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا وفي الصحيحين من حديث البجلي قال: «وهو يسألهم ويثبتهم» وقال تعالى لرسوله: ١١: ١٢٠ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ.
والخلق كلهم قسمان: موفق بالتثبيت، ومخذول بترك التثبيت.
ومادة التثبيت أصله ومنشؤه من القول الثابت، وفعل ما أمر به العبد.
فبهما يثبت الله عبده. فكل من كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبيتا قال تعالى: ٤: ٦٦ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً.
فأثبت الناس قلبا: أثبتهم قولا.
والقول الثابت: هو القول الحق الصدق. وهو ضد القول الباطل الكذب.
فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له.
وأثبت القول: كلمة التوحيد ولوازمها. فهي أعظم ما يثبت الله بها
стр. 335
عبده في الدنيا والآخرة. ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا، والكاذب من أبغض الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونا، وأقلهم ثباتا. وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الاخبار وشجاعته ومهابته.
ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك. ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة.
وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلم به؟.
فقال: والله ما فهمت منه شيئا إلا أني رأيت لكلامه صولة ليست صولة مبطل.
فما منح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما يكونون إليه في قبورهم، ويوم معادهم. كما
في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب عن النبي ﷺ «إن هذه الآية نزلت في عذاب القبر» .
стр. 336
سورة الحجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الحجر (١٥) : آية ٢١]
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)
متضمن لكنز من الكنوز، وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه، ومن مفاتيح تلك الخزائن بيديه، وإن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده، ولا يقدر عليه.
وقوله: ٥٣: ٤٢ وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى متضمن لكنز عظيم.
وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به، وإلا فهو مضمحل منقطع. فإنه ليس المنتهى. وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها. فانتهت إلى خلقه ومشيئته. وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعذاب. وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل.
وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه.
فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ واجتمع ما يراد له كله في قوله: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى.
[سورة الحجر (١٥) : آية ٧٥]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)
стр. 337
سورة الحجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الحجر (١٥) : آية ٢١]
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)
متضمن لكنز من الكنوز، وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه، ومن مفاتيح تلك الخزائن بيديه، وإن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده، ولا يقدر عليه.
وقوله: ٥٣: ٤٢ وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى متضمن لكنز عظيم.
وهو أن كل مراد إن لم يرد لأجله ويتصل به، وإلا فهو مضمحل منقطع. فإنه ليس المنتهى. وليس المنتهى إلا إلى الذي انتهت إليه الأمور كلها. فانتهت إلى خلقه ومشيئته. وحكمته وعلمه، فهو غاية كل مطلوب، وكل محبوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعذاب. وكل عمل لا يراد لأجله فهو ضائع وباطل.
وكل قلب لا يصل إليه فهو شقي محجوب عن سعادته وفلاحه.
فاجتمع ما يراد منه كله في قوله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ واجتمع ما يراد له كله في قوله: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى فليس وراءه سبحانه غاية تطلب، وليس دونه غاية إليها المنتهى.
[سورة الحجر (١٥) : آية ٧٥]
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)
стр. 338
قد مدح الله الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه. هذا منها.
والمتوسمون: هم المتفرسون الذين يأخذون بالسيماء، وهي العلامة.
يقال: توسمت فيك كذا، أي تفرسته، كأنها أخذت من السيماء، وهي فعلاء من السمة، وهي العلامة.
وقال تعالى: ٤٧: ٣٠ وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وقال تعالى: ٢: ٢٧٣ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ وفي الترمذي مرفوعا «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» «١» ثم قرأ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ.
وقال في مدارج السالكين:
قال مجاهد ﵀: المتوسمين المتفرسين. وقال ابن عباس ﵄: للناظرين. وقال قتادة: للمقرين، وقال مقاتل: للمتفكرين.
ولا تنافي بين هذه الأقوال. فإن الناظر متى نظر في آثار ديار المكذبين ومنازلهم، وما آل إليه أمرهم، أورثه فراسة وعبرة وفكرة. وقال تعالى في حق المنافقين وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ فالأول فراسة النظر والعين. والثاني فراسة الأذن والسمع.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: علق معرفته إياهم بالنظر على المشيئة ولم يعلق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط، بل أخبر به خبرا مؤكدا بالقسم فقال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وهو تعريض الخطاب، وفحوى الكلام ومغزاه.
واللحن ضربان. صواب وخطأ.
فلحن الصواب نوعان. أحدهما: الفطنة.
ومنه قول النبي ﷺ للمتخاصمين «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» .
стр. 339
والثاني: التعريض والإشارة. وهو قريب من الكتابة. ومنه قول الشاعر:
وحديث ألذه، وهو مما ... يشتهي السامعون يوزن وزنا
منطق صائب، وتلحن أحيا ... نا، وخير الحديث ما كان لحنا
والثالث: فساد المنطق في الاعراب، وحقيقته: تغيير الكلام عن وجهه، إما إلى خطأ، وإما إلى معنى خفي، لم يوضع له اللفظ.
والمقصود: أنه سبحانه أقسم على معرفته المنافقين من لحن خطابهم.
فإن معرفة المتكلم وما في ضميره من كلامه أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه. فإن دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من دلالة السيماء المرئية. والفراسة تتعلق بالنوعين: بالنظر، والسماع.
وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ قوله تعالى:
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
.
стр. 340
سورة النحل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة النحل (١٦) : الآيات ٧٥ الى ٧٦]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)
هذان مثلان متضمنان قياسين من قياس العكس. وهو نفي الحكم لنفي علته وموجبه.
فإن القياس نوعان: قياس طرد، يقتضى إثبات الحكم في الفرع لثبوت علة الأصل فيه. وقياس عكس، يقتضى نفي الحكم عن الفرع لنفي علة الحكم فيه.
فالمثل الأول: ما ضربه الله سبحانه لنفسه وللأوثان. فالله سبحانه هو المالك لكل شيء، ينفق كيف يشاء على عبيده، سرا وجهرا، وليلا ونهارا، يمينه ملأى لا يغيضها نفقة، سحّاء الليل والنهار. والأوثان مملوكة لعابديها
стр. 341
عاجزة لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها شركاء لله، ويعبدونها من دونه، مع هذا التفاوت العظيم، والفرق المبين؟ هذا قول مجاهد وغيره.
وقال ابن عباس: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، مثل المؤمن في الخير الذي عنده، ثم رزقه منه رزقا حسنا. فهو ينفق منه على نفسه وعلى غيره سرا وجهرا. والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز، لا يقدر على شيء، لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟.
والقول الأول: أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبا بقوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ. فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ثم قال ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ.
ومن لوازم هذا المثل وأحكامه: أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه الله رزقا حسنا والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء.
فهذا مما نبه عليه المثل وأرشد إليه. فذكره ابن عباس ﵄ منبها على إرادته، لا أن الآية اختصت به.
فتأمله فإنك تجده كثيرا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرمان فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قوله.
فصل
وأما المثل الثاني: فهو مثل ضربه الله لنفسه ولما يعبد من دونه أيضا. فالصنم الذي يعبد من دونه بمنزلة رجل أبكم، لا يعقل ولا ينطق، بل هو أبكم القلب واللسان. قد عدم النطق القلبي واللساني، ومع هذا فهو عاجز لا يقدر على شيء البتة. ومع هذا فأينما أرسلته لا يأتيك
стр. 342
بخير، ولا يقضي لك حاجة. والله سبحانه حي قادر متكلم، يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. وهذا وصف له بغاية الكمال والحمد. فإن أمره بالعدل- وهو الحق- يتضمن أنه سبحانه عالم به، معلّم له، راض به، آمر لعباده به، محب لأهله. لا يأمر بسواه، بل ينزه عن ضده، الذي هو الجور والظلم والسفه والباطل. بل أمره وشرعه عدل كله. وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه، وهم المجاورون له عن يمينه على منابر من نور.
وأمره بالعدل يتناول الأمر الشرعي الديني، والأمر القدري الكوني.
وكلاهما عدل، لا جور فيه بوجه ما، كما في الحديث الصحيح «اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك» فقضاؤه: هو أمره الكوني. فإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فلا يأمر إلا بالحق والعدل، وقضاؤه وقدره القائم به حق وعدل.
وإن كان في المقضي المقدّر ما هو جور وظلم. فالقضاء غير المقضي، والقدر غير المقدر.
ثم أخبر سبحانه أنه على صراط مستقيم. وهذا نظير قول رسوله هود ١١: ٥٦ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها، إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
فقوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها نظير
قوله ﷺ : «ناصيتي بيدك»
وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ نظير قوله «عدل في قضاؤك» فالأول ملكه. والثاني حمده. وهو سبحانه له الملك. وله الحمد. وكونه سبحانه على صراط مستقيم يقتضي أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا بالعدل، ولا يفعل إلا ما هو مصلحة ورحمة، وحكمة وعدل، فهو على الحق في أقواله وأفعاله فلا يقضي على العبد بما يكون ظالما له به، ولا يأخذه بغير ذنبه، ولا ينقصه من حسناته شيئا. ولا يحمل عليه من سيئات غيره التي لم يعملها ولم يتسبب إليها شيئا، ولا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، ولا
стр. 343
يفعل قط ما لا يحمد عليه ويثنى به عليه، ويكون له فيه العواقب الحميدة والغايات المطلوبة. فإن كونه على صراط مستقيم: يأبى ذلك كله.
قال محمد بن جرير الطبري: وقوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول: إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته. لا يظلم أحدا منهم شيئا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام والإيمان به.
ثم حكى عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح عنه إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قال: الحق. وكذلك رواه ابن جريج عنه.
وقالت فرقة: هي مثل قوله: ٨٩: ١٤ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ.
وهذا اختلاف عبارة. فإن كونه بالمرصاد: هو مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إن ربي يحثكم على صراط مستقيم ويحضكم عليه.
وهؤلاء، إن أرادوا أن هذا معنى الآية التي أريد بها. فليس هو كما زعموا. ولا دليل على هذا المقدر. وقد فرق سبحانه بين كونه آمرا بالعدل، وبين كونه على صراط مستقيم.
وإن أرادوا: أن حثّه على الصراط المستقيم من جملة كونه على صراط مستقيم، فقد أصابوا.
وقالت فرقة أخرى: معنى كونه على صراط مستقيم: أن مرد العباد والأمور كلها إلى الله، لا يفوته شيء منها.
وهؤلاء: إن أرادوا أن هذا معنى الآية فليس كذلك. وإن أرادوا: أن هذا من لوازم كونه على صراط مستقيم، ومن مقتضاه وموجبه: فهو حق.
стр. 344
وقالت فرقة أخرى: معناه كل شيء تحت قدرته وقهره، وفي ملكه وقبضته.
وهذا- وإن كان حقا- فليس هو معنى الآية. وقد فرق هود ﵇ بين قوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها وبين قوله: إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فهما معنيان مستقلان.
فالقول قول مجاهد. وهو قول أئمة التفسير. ولا تحتمل العربية غيره إلا على استكراه.
قال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز:
أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوجّ الموارد مستقيم
وقد قال تعالى: ٦: ٣٩، ١٠٠ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ. وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وإذا كان الله سبحانه هو الذي جعل رسله وأتباعهم على صراط مستقيم في أقوالهم وأفعالهم، فهو وسبحانه أحق بأن يكون على صراط مستقيم في قوله وفعله. وإن كان صراط الرسل وأتباعهم هو موافقة أمره، فصراطه الذي هو سبحانه عليه: هو ما يقتضيه حمده وكماله ومجده، من قول الحق وفعله.
وبالله التوفيق.
وقال في مفتاح دار السعادة:
فالمثل الأول للصنم وعابديه. والمثل الثاني: ضربه الله تعالى لنفسه، وأنه يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم.
فكيف تسوّى بينه وبين الصنم الذي له مثل السوء؟ فما فعله الرب ﵎ مع عباده: هو غاية الحكمة والإحسان والعدل، في إقدارهم وإعطائهم ومنعهم، وأمرهم ونهيهم.
стр. 345
فدعوى المدعي: أن هذا نظير تخلية السيد بين عبيده وإمائه يفجر بعضهم ببعض، ويسبي بعضهم بعضا أكذب دعوى وأبطلها. والفرق بينهما أظهر وأعظم من أن يحتاج إلى ذكره، والتنبيه عليه. والحمد لله الغني الحميد. فغناه التام فارق، وحمده وملكه، وعزته وحكمته وعلمه، وإحسانه وعدله، ودينه وشرعه وحكمه وكرمه، ومحبته للمغفرة والعفو عن الجناة، والصفح عن المسيئين، وقبوله توبة التائبين، وصبر الصابرين، وشكر الشاكرين الذين يؤثرونه على غيره، ويتطلبون مرضاته، ويعبدونه وحده، ويسيرون في عبيده سيرة العدل والإحسان والنصائح، ويجاهدون أعداءه، فيبذلون دماءهم وأموالهم في محبته ومرضاته. ليتميز الخبيث من الطيب، ووليه من عدوه، ويخرج طيبات هؤلاء وخبائث أولئك إلى الخارج، فيترتب عليها آثارها المحبوبة للرب تعالى من الثواب والعقاب، والحمد لأوليائه والذم لأعدائه.
[سورة النحل (١٦) : آية ٩٩]
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)
فإن قيل: فقد أثبت له على أوليائه هاهنا سلطانا، فكيف نفاه بقوله تعالى حاكيا عنه مقررا له ١٤: ٢٣ وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ، وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي وقال تعالى: ٣٤: ٢٠، ٢١ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ.
قيل: السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه من وجهين.
أحدهما: أن السلطان الثابت: هو سلطان التمكن منهم، وتلاعبه
стр. 346
بهم، وسوقه إياهم كيف أراد، بتمكينهم إياه من ذلك، بطاعته وموالاته.
والسلطان الذي نفاه: سلطان الحجة. فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان.
الثاني: أن الله لم يجعل له عليهم سلطانا ابتداء ألبتة، ولكن هم سلطوه على أنفسهم بطاعته، ودخولهم في جملة جنده وحزبه، فلم يتسلط عليهم بقوته، فإن كيده ضعيف. وإنما تسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم.
والمقصود: أن من قصده أعظم أوليائه وأحبابه ونصحائه، فأخذه وأخذ أولاده وحاشيته وسلمهم إلى عدوه. كان من عقوبته: أن يسلط عليه ذلك العدو نفسه.
[سورة النحل (١٦) : آية ١٢٥]
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)
جعل الله سبحانه مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق. فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه: يدعى بطريق الحكمة.
والقابل الذي عنده نوع غفلة وتأخر: يدعى بالموعظة الحسنة. وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب.
والمعاند الجاحد: يجادل بالتي هي أحسن.
هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية.
لا ما يزعم أسير منطق اليونان: أن الحكمة قياس البرهان. وهي دعوة الخواص، والموعظة الحسنة: قياس الخطابة، وهي دعوة العوام.
وبالمجادلة بالتي هي أحسن: القياس الجدلي. وهو رد شغب المشاغب بقياس جدلي مسلّم المقدمات.
وهذا باطل. وهو مبني على أصول الفلسفة. وهو مناف لأصول المسلمين. وقواعد الدين من وجوه كثيرة. ليس هذا موضع ذكرها.
стр. 347
سورة الأسراء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٢]
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢)
وأخبر عن خليله إبراهيم ﷺ : أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الناس. فقال: ٢٦: ٨٤ وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وبشر عباده: أن لهم عنده قدم صدق. ومقعد صدق. فقال تعالى: ١٠: ٢ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقال: ٥٤: ٥٤، ٥٥ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
وهذه خمسة أشياء: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق.
وحقيقة الصدق في هذه الأشياء: هو الحق الثابت المتصل بالله، الموصل إلى الله. وهو ما كان به وله، من الأقوال والأعمال، وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة.
فمدخل الصدق ومخرج الصدق: أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا
стр. 348
بالله، ولله، وفي مرضاته، متصلا بالظفر بالبغية، وحصول المطلوب، ضد مخرج الكذب ومدخله، الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساق ثابتة يقوم عليها. كمخرج أعدائه يوم بدر، ومخرج الصدق: كمخرجه ﷺ هو وأصحابه في تلك الغزوة. وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدق بالله، ولله، وابتغاء مرضاة الله. فاتصل به التأييد والظفر والنصر، وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب. فإنه لم يكن لله، ولا بالله، بل كان محادة لله ولرسوله. فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار.
وكذلك مدخل من دخل من اليهود والمحاربين لرسول الله ﷺ حصن بني قريظة فإنه لما كان مدخل كذب أصابهم معه ما أصابهم.
فكل مدخل ومخرج كان بالله ولله وابتغاه مرضاة الله: فصاحبه ضامن على الله. فهو مدخل صدق ومخرج صدق.
وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء وقال:
اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك. يريد أن لا يكون المخرج مخرج صدق. ولذلك فسر مدخل الصدق ومخرجه: بخروجه ﷺ من مكة، ودخوله المدينة. ولا ريب أن هذا على سبيل التمثيل. فإن هذا المدخل والمخرج من أجلّ مداخله ومخارجه ﷺ . وإلا فمداخله ومخارجه كلها مداخل صدق ومخارج صدق، إذ هي لله وبالله وبأمره، ولابتغاء مرضاته.
وما خرج أحد من بيته ودخل سوقه أو أي مدخل آخر إلا بصدق أو بكذب. فمخرج كل واحد ومدخله لا يعدو الصدق والكذب. والله المستعان.
وأما لسان الصدق: فهو الثناء الحسن عليه ﷺ من سائر الأمم بالصدق، ليس ثناء بالكذب. كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل
стр. 349
عليهم صلوات الله وسلامه ١٩: ٥٠ وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا.
والمراد باللسان هاهنا: الثناء الحسن. فلما كان الصدق باللسان، وهو محله، أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق، جزاء؟ وعبر به عنه.
فإن اللسان يراد به ثلاثة معان: هذا، واللغة، لقوله تعالى: ١٤:
٥ وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ وقوله: ٣٠: ٢٢ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ وقوله: ١٦: ١٠٣ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ.
ويراد به الجارحة نفسها كما في قوله: ٧٥: ١٦ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.
وأما قدم الصدق: ففسر بالجنة، وفسر بمحمد ﷺ . وفسر بالأعمال الصالحة.
وحقيقة القدم: ما قدموه، ويقدمون عليه يوم القيامة. وهم قدموا الأعمال والإيمان بمحمد ﷺ ، ويقدمون على الجنة التي هي جزاء ذلك.
فمن فسره بها أراد ما يقدمون عليه. ومن فسره بالأعمال وبالنبي ﷺ فإنهم قدموها وقدموا الايمان به بين أيديهم. فالثلاثة قدم صدق.
وأما مقعد الصدق: فهو الجنة عند الرب ﵎.
ووصف ذلك كله بالصدق مستلزم لثبوته واستقراره، وأنه حق مستلزم لدوامه ونفعه وكمال عائدته. فإنه متصل بالحق سبحانه، كائن به وله. فهو صدق غير كذب، وحق غير باطل. ودائم غير زائل، ونافع غير ضار. وما للباطل ومتعلقاته إليه سبيل ولا مدخل.
قول الله تعالى: ١٧: ٤٥ وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً وقوله: ٤١: ٥ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ
стр. 350
حِجابٌ
على أصح القولين. والمعنى: جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره، والأيمان به، وبيّنه قوله: ١٧: ٤٥ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً.
وهذه الثلاثة هي الثلاثة المذكورة في قوله: ٤١: ٥ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فأخبر سبحانه أن ذلك جعله.
فالحب يمنع من رؤية الحق، والأكنة تمنع من فهمه، والوقر يمنع من سماعه.
وقال الكلبي: الحجاب هاهنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول الله بالأذى من الرعب ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه.
ووصفه بكونه مستورا فقيل: بمعنى ساتر. وقيل: على النسب، أي في ستر والصحيح: أنه على بابه، أي مستورا عن الأبصار فلا يرى. ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت. والنسب في مفعول لم يشتق من فعله، كمكان محول أي ذي حول، ورجل مرطوب، أي ذي رطوبة. فأما مفعول فهو جار على فعله فهو الذي وقع عليه الفعل. كمضروب ومجروح ومستور.
[سورة الإسراء (١٧) : آية ٨٢]
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢)
و «من» هاهنا لبيان الجنس، لا للتبعيض. فإن القرآن كله شفاء. كما قال في الآية الأخرى ١٠: ٥٧ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
فهو شفاء للقلوب من داء الجهل، والشك والريب. فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع، ولا أعظم، ولا أسرع في إزالة الداء من القرآن.
стр. 351
سورة الكهف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الكهف (١٨) : آية ٢٨]
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)
فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة. كان أمره فرطا.
ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه: ضائع، قد فرط فيه.
وفسر بالإسراف، أي قد أفرط بالإهلاك. وفسر بالخلاف للحق.
وكلها أقوال متقاربة.
والمقصود: أن الله نهي عن طاعة من جمع هذه الصفات. فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه. فإن وجده كذلك فليبعد منه وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى واتباع
стр. 352
السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه.
وقد سئل أبو العباس ثعلب عن قوله تعالى: أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا فقال: جعلناه غافلا. قال: ويكون في الكلام: أغفلته، سميته غافلا:
ووجدته غافلا.
قلت: الغفل الشيء الفارغ، والأرض الغفل: التي لا علامة بها، والكتاب الغفل: الذي لا شكل عليه. فأغفلناه: تركناه غافلا عن الذكر فارغا منه. فهو إبقاء له على العدم الأصلي، لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر، فبقي غافلا، فالغفلة وصفه. والإغفال فعل الله فيه بمشيئته، وعدم مشيئته لتذكرة. فكل منهما مقتض لغفلته. فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر، وإذا شاء غفلته امتنع منه الذكر.
فإن قيل: فهل تضاف الغفلة والكفر والأعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب لأضدادها، أم إلى عدم مشيئته لوقوعها؟
قيل: القرآن قد نطق بهذا وبهذا. قال تعالى: ٥: ٤١ أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ وقال: ٥: ٤١ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وقال: ٦: ١٢٥ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ.
فإن قيل: فكيف يكون عدم السبب المقتضي موجبا للأثر؟
قيل: الأثر إن كان وجوديا فلا بد من مؤثر وجودي، وأما العدم فيكفى فيه عدم سببه وموجبه. فيبقى على العدم الأصلي. فإذا أضيف إليه، كان من باب إضافة الشيء إلى دليله. فعدم السبب دليل على عدم المسبب.
وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار فلا مشاحّة في ذلك وإما أن يكون العدم أثرا ومؤثرا فلا.
стр. 353
وهذا الإغفال ترتب عليه اتباع هواه، وتفريطه في أمره.
قال مجاهد: كان أمره فرطا: أي ضياعا.
وقال قتادة: ضاع أكبر الضيعة.
وقال السدي: هلاكا.
وقال أبو الحسن بن الهيثم: أمر فرط: متهاون به مضيّع. والتفريط تقديم العجز.
: أمر فرط: متهاون به مضيّع. والتفريط تقديم العجز.
وقال أبو إسحاق: من قدم العجز في أمر أضاعه وأهلكه.
وقال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط فيه. يقال: كل أمر فلان فرط.
وقال الفراء: فرطا متروكا، فرط فيما لا ينبغي التفريط فيه، واتبع ما لا ينبغي اتباعه. وغفل عما لا يحسن الغفلة عنه.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٥٧]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧)
وهي جمع كنان، كعنان وأعنة. وأصله: من الستر والتغطية.
ويقال: كنه، وأكنه، وكنان، بمعنى واحد، بل بينهما فرق. فأكنه، إذا ستره وأخفاه. كقوله تعالى: ٢: ١٧٧ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ وكنه: إذا صانه وحفظه، كقوله: ٣٧: ٤٩ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ويشتركان في الستر، والكنان: ما أكنّ الشيء وستره. وهو كالغلاف.
وقد أقروا على أنفسهم بذلك فقالوا: ٤١: ٥ قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ، وَفِي آذانِنا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فذكروا غطاء القلب: وهو الأكنة، وغطاء الأذن، وهو الوقر، وغطاء العين وهو الحجاب.
والمعنى: لا نفقه كلامك، ولا نسمعه، ولا نراك.
стр. 354
والمعنى: إنا في ترك القبول منك بمنزلة من لا يفقه ما تقول، ولا يراك. قال ابن عباس: قلوبنا في أكنة: مثل الكنانة التي فيها السهام. وقال مجاهد: كجعبة النّبل. وقال مقاتل: عليها غطاء فلا نفقه ما تقول.
[سورة الكهف (١٨) : آية ١٠١]
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١)
وهذا يتضمن معنيين.
أحدهما: أن أعينهم في غطاء عما تضمنه الذكر من آيات الله، وأدلة توحيده، وعجائب قدرته.
والثاني: أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن وتدبره، والاهتداء به. وهذا الغطاء للقلب أولا، ثم يسري منه إلى العين.
стр. 355
سورة مريم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة مريم (١٩) : آية ٣٩]
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩)
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم. هذا الموت، ثم يقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، ويقولون:
نعم. هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ متفق عليه.
وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال «يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة، لا موت، ويا أهل النار، لا موت.
كلّ خالد فيما هو فيه»
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار، أتى بالموت، حتى يجعل بين النار والجنة. ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة، لا موت. ويا أهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا. ويزداد أهل النار حزنا»
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم