[الجزء الاول]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ بسم الله نستفتح خزائن علمه، ونطرق أبواب حكمته، وبحمد الله نستقبل مواطر فضله، ونرجو المزيد من غيوث رحمته.. وبالصلاة والسلام على رسول الله نتزود بخير زاد، فى صحبتنا لكتاب الله، الذي نزل به الروح الأمين على قلبه، هدى ورحمة للعالمين! فسبحانك اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، والصلاة والسلام على النبي الأمى، الذي بعثته فى الأميين رسولا يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فحمل الأمانة، وأدى الرسالة، وجاهد فى الله حقّ جهاده، حتى أجلى غواشى الشرك من القلوب، وقشع ضلالات الجهل عن العقول، وغزا بالقرآن أمة ركبها الضلال، واستبد بها العمى، فصابها بصوب حكمته، وأدبها بأدب نبوته، وصاغها صياغة جديدة، فإذا هى أمة غير الأمة، وناس غير الناس، حتى لقد استأهلت أن تلبس هذا الوصف الكريم الذي وصفها الله به فى كتابه الكريم إذ قال سبحانه: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» ! فالأمة الإسلامية هى أمة القرآن، إليه يردّ أصلها، وبه يعرف نسبها، ومنه نسجت وتنسج ما لبست وتلبس من حلل العزة والكرامة والسيادة،
стр. 2
ولن يمسك عليها وجودها فى هذا المقام الكريم إلا رعايتها للقرآن، وتمسكها به، واجتماعها عليه،. ويوم تفتر عزيمتها عن المضي معه، أو تسترخى يدها عن الشدّ عليه والتعلق به، يوم يكون- ولا كان- ردّتها إلى الجاهلية، وركسها فى الضلال، ورعيها فى الهمل مع السائمة والهائمة، من حواشى الأمم، ونفايات الشعوب! وتاريخ المسلمين مع القرآن الكريم يشهد لذلك شهادة قائمة على هذا الحساب، مقدرة بهذا التقدير، جارية معه.. طردا وعكسا!! فإنه على قدر ما كان يقترب المسلمون من كتابهم الكريم، وبقدر ما كانوا يرعون حقّه، ويؤدون أمانته- كان نصيبهم من الخير، وكان حظهم من السلامة فى أنفسهم، وأموالهم، وأوطانهم! والعكس صحيح.. فإنه على قدر ما كان يبعد المسلمون عن كتابهم، وبقدر ما يفرّطون فى حقه، ويستخفوّن بشأنه- بقدر ما كان بعدهم عن الخير، وكان دنوّهم من الخطر، وتعرّضهم لآفات التفكك والانحلال! وليس هذا شأن المسلمين وحدهم.. بل هو شأن كل من يدعى إلى الخير فيلقاه معرضا، أو يصحبه على دخل وجفاء! وفى واقع الحياة، وعلى مسرح أحداثها كثير من المثلات والعبر! بنو إسرائيل مثلا..
أطعمهم الله خير طعام، تشتهيه النفس، وتطيب معه الحياة، فأنزل عليهم المنّ والسّلوى.. مائدة من السماء.. يجدونها حيث يشاءون، حاضرة عتيدة بين أيديهم، لا يتكلفون لها جهدا، ولا يبذلون من أجلها دانقا أو درهما!! ومع هذا، فقد عافت نفوسهم هذا الطعام السماوي.. الطيب الكريم،
стр. 3
المحفوف بالرحمات والبركات، وأبت عليهم نفوسهم اللئيمة الخبيئة إلا أن تضع فمها فى التراب، وأن ترعى مع الأنعام، وتأكل مما يأكل الحيوان..!
وقد كشف القرآن عن هذا الموقف اللئيم، الذي وقفوه إزاء هذه النعمة الكريمة، فقال تعالى:
«وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ... »
(٦١: البقرة) .
فهذه مائدة كانت ممدودة لهم من السماء، وكان جديرا بالقوم أن يعيشوا فيها، وأن يهنئوا بها.. ولو أنهم فعلوا ما زايلهم هذا الخير أبدا، ولعاشت فيه أجيالهم جيلا بعد جيل، يطعمون من هذا الطعام الطيب الكريم، الذي تصفو عليه النفوس، وتنتعش الأرواح، كما تصح عليه الأبدان!! ومن يدرى؟ فلعله لو ذهب بنو إسرائيل بهذه التجربة إلى غايتها، لتغير وجه الحياة الإنسانية بهم، ولظهرت فى الحياة سلالات بشرية لا تحمل معدة الحيوان، ولا بهيمية البهائم.. ولكن الله بالغ أمره! «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» (٣: الطلاق) .
فبدّل الله نعمة القوم نقمة، وضربهم بالذّلة والمسكنة، فما استقام لهم بعدها وجه فى الحياة، ولا كان لهم فيها من زاد إلا السحت الخبيث من الطعام، يختلسونه اختلاسا، مما يأكل الناس والأنعام! «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ
стр. 4
فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ»
(١٧٥- ١٧٦: الأعراف) .
ونحن- المسلمين- ماذا كان منا اليوم فى شأن هذا الكتاب الكريم الذي بين أيدينا؟
لقد أنزله الله علينا مائدة من السماء، حافلة بالطيبات من الرزق، محملة بالكريم الغدق من النعم! فذالكم هو «القرآن الكريم» الذي وصفه الله بقوله:
«وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» (٨٢: الإسراء) ..
والذي يقول فيه النبىّ صلوات الله وسلامه عليه: «القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته» .
ففى مأدبة الله هذه.. الشفاء والرحمة.. وإن المائدة التي أعدّها الله للمسلمين، ووضعها بين أيديهم ليست على شاكلة تلك المائدة التي أنزلها على بنى إسرائيل طعاما يغذّى الأجسام، ويشبع البطون.
إن المائدة الممدودة للمسلمين، مائدة يتغذى منها العقل والروح، فتتخلق منها ملكات علوية، ووجدانات ربانية. بها يسمو الإنسان ويعلو، وبها ينتصر على هذا الضعف الإنسانى، وينتصر على تلك النزعات الحيوانية، المندسّة فى كيانه.
ولهذا يقول الرسول الكريم عن تلك المأدبة: «فتعلموا من مأدبته» ولم يقل: «فكلوا من مأدبته» .. ذلك أن القرآن مأدبة علم وحكمة وخلق، وليس مأدبة معدة، ولا طعام بطون!!
стр. 5
وانظر كيف رفع الله قدر هذه الأمة، وأعلى شأنها، وكيف جعل غذاءها السماوىّ الذي أنزله عليها غذاء يتصل بالروح، ولم يجعله فيما يقدم إلى البطن والمعدة، وفى ذلك ما فيه من كرامة وتكريم لهذه الأمة، التي تتلو القرآن وتدين بالإسلام، وتتعبد بقول الحق جل وعلا فى شأنها: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» (١١١: آل عمران) .
فمن شأن القرآن أن يقيم المتصلين به على طريق الحق، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله! إن الذي يستقيم على دعوة القرآن، لهو إنسان سليم فى كيانه، معافى فى نفسه، ثم هو مع ذلك قادر على أن يحمل الهدى إلى غيره، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويكون خليفة الله فى الأرض، وخليفة الرسول فى الدعوة إلى الله، وهداية الناس إليه.
ولكن صحبة المسلمين للقرآن لم تكن قائمة على العدل والإحسان فى جميع الأحوال.. فكثيرا ما أساء المسلمون تلك الصحبة، وأوسعوها جفاء وعقوقا، حيث يعيش القرآن فيهم غريبا.. لا يقفون عنده، ولا يلتفتون إليه، ولا يتدبرون آياته، ولا يتلقون بعض ما فيه من خير وهدى! والجفوة التي بين المسلمين وبين القرآن الكريم جفوة غليظة مستحكمة، قد تداعت عليها دواع كثيرة، أحكمت بنيانها، وثبتت دعائمها، فلم يعد بين المسلمين وبين القرآن طريق يصلهم به إلا تلك الطرق الدارسة الطامسة، التي تتصاعد منها أتربة وأدخنة، تعمّى على الناظر منهم فى كتاب الله، وجوه الحق والخير التي فيه.
стр. 6
وإن كل حظ المسلمين اليوم من القرآن هو حظهم من مخلّفات الآباء والأجداد، مما تضمه المتاحف ودور الآثار، يزورونها لماما، ويطرقونها حينا بعد حين.. قد تثير فيهم تلك الزّورة نشوة عارضة، أو تبعث فيهم عزّة كاذبة، ينفضونها عن نفوسهم قبل أن يجاوزوا المزارة، كما ينفضون ما قد يكون علق على ثيابهم من التراب، وهم يجوسون خلال الديار! فنحن نلمّ بالقرآن إلماما، ونلقاه حينا بعد حين، وقد نذكر به فى تلك اللقاءات، وهذه الإلمامات، ما نذكر من مواعظ وعظات، ثم لا نلبث حتى ننخلع عن هذه المشاعر قبل أن نضع المصحف من أيدينا، لنلقى الحياة ونختلط بها، كما نحن، على الوجه الذي كنا نصحبها به، ونعيش معها عليه! فما يحدّث به القرآن شىء، وحياتنا التي نحياها ونتقلب فيها شىء آخر، بعيد كل البعد عن القرآن، وما يحدثنا به القرآن! إن المسلم- منا- يعيش فى هذه الحياة بشخصية «مزدوجة» ويلقاها بنفس منقسمة على نفسها، ولهذا كان مسيره فيها مضطربا مختلجا، تتماوج أبعاضه بين مشرق ومغرب، وشمال وجنوب، فهو يتحرك فى مكانه، حركة متماوجة مضطربة، فلا يتقدم خطوة إلى الأمام، على كثرة هذا الضرب المضطرب فى الأرض! والسبب فى هذا يرجع- فى تقديرنا- إلى «تميّع» العقيدة الدينية فى نفس المسلم، وإلى اختلاط كثير من مسائلها فى تفكيره، وعدم وضوح المعالم والحدود لكثير من أمور الدين عنده! وذلك- فى تقديرنا أيضا- يرجع إلى أمور كثيرة.. منها:
أولا: هذه الخلافات السياسية والمذهبية التي وقعت بين المسلمين منذ أعقاب الخلافة الراشدة، فانعكست آثار هذه الخلافات السياسية والمذهبية
стр. 7
على المسائل الدينية، فجاءت تلك المسائل على وجوه كثيرة متناقضة متضاربة، يلطم بعضها وجه بعض، بحجج تسندها آية من كتاب الله، متأولة على غير وجهها، أو حديث ضعيف، أو أثر مكذوب.. فتجد كل هذه الأقوال منطقا يقيمها، أو ذكاء يدارى عوارها، بما دخل المسلمين من مذاهب الجدل والسفسطة، منذ قيام الدولة العباسية، واتصال العرب والمسلمين بالثقافات والديانات الأخرى، التي كانت تصبّ روافدها المتدفقة فى كيان الأمة العربية، وفى محيط العقل الإسلامى.
وكان من هذا أن تشعبت مسائل الدين بين الطوائف المختلفة، اختلافا دينيا سياسيا، والتي انقسمت كل طائفة منها على نفسها، فكانت فرقا تبلغ المئات عدا.. وقد ذهبت كل فرقة فى الدين مذهبا، وأقامت لمذهبها حجته من كتاب الله، وسنة رسول الله.. وهذا هو أفدح ما فى الأمر، وأشنع ما فى هذا الخلاف! فالمسألة الواحدة من مسائل الدين، تأخذ دورة طويلة لا تكاد تنتهى أبدا، فلا يكاد المسلم يمسك منها بطرف حتى تجره جرا إلى مسائل كثيرة، تتولد منها وتتفرع، وتبيض وتفرخ، وإذا هو أمام عشرات من الصور «المهزوزة» للأمر الواحد، والمسألة الواحدة.. تتراقص فى محيط تفكيره، كما يتراقص الشبح فى ضوء مصباح، عبثت بذبالته الريح.. فى يوم عاصف! وهذا ما نجده فى كل أمر من أمر ديننا نرجع فيه إلى الفقه الإسلامى، الذي صادف تدوينه، تلك الفترة التي تمزقت فيها الوحدة الإسلامية، وتمزق معها العقل الإسلامى! وثانيا: التعويل على هذا الفقه تعويلا كاملا، وربط المسلمين به ربطا محكما، حتى لقد أصبح عند كثير من علماء المسلمين، وفقهائهم- على امتداد العصور
стр. 8
التي تلت هذا العصر- أصبح دستور الشريعة الإسلامية، وترجمان كتابها الكريم.. وكان من هذا أن أصبح تعلّق أكثر العلماء والفقهاء بهذا الفقه أكثر من تعلقهم بكتاب الله نفسه.. فهم يرجعون فى كل أمر يعرض لهم إلى مقولات المذهب أو المذاهب الفقهية، فى هذا الأمر أو ذاك، وفى كل داعية من دواعى الحياة، يراد للدين أن يزنها بميزانه، ويقيسها بأحكامه! وطبيعى أنه إذا جاء رأى دينى من محصّل هذا النظر القائم على مقولات المذاهب الفقهية المتضاربة المتخالفة- جاء مذعورا قلقا، يموج فى أخلاط من الآراء المتناقضة، والأقوال المتخالفة، لا يكاد المرء يعرف منها وجها من ظهر.
من أجل هذا «تميّعت» مسائل الدين، وغامت فى أنظار المسلمين، فهم إنما يطوفون بها فى إجلال وتقديس، أشبه بإجلال المجهول وتقديسه، لا يقوم فى النفس مقاما ثابتا مطمئنا أبدا، بل سرعان ما يذهب ذلك الشبح الباهت إذا طلع عليه بصيص من نور، أو لمعة من سراب! والقرآن- من غير شك أو جدال- هو مصدر الشريعة الإسلامية، وهو دستورها القائم أبد الدهر..
وقد استغنى به المسلمون فى الصدر الأول للإسلام، فأغناهم عن كل شىء..
لا يمدون أبصارهم إلى غيره، ولا يأخذون لدينهم ودنياهم إلا بما توحى به إليهم كلماته، وتومىء به إليهم آياته! وطبيعى أن هذا الذي نقوله عن كتاب الله، نقوله كذلك فيما ثبت من سنة رسول الله، القولية والفعلية، إذ كانت السنة المطهرة تطبيقا شارحا لكتاب الله، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (٧: الحشر) .
стр. 9
ولا يستقيم هذا القول، الذي نقوله فى القرآن- بأنه مصدر التشريع الإسلامى- إلّا بفهم سليم صحيح لكتاب الله، ولا يكون هذا الفهم السليم الصحيح إلا عن طول تأمل وتدبر لكتاب الله، وتذوق لأساليب بيانه، ووقوف على بعض أسراره.
وبهذا الفهم لكتاب الله، يتحقق لنا أمران:
أولهما: اتصالنا بكتاب الله اتصالا وثيقا، قائما على معرفة به، وتذوق لجنى طعومه الطيبة، وهذا مما يجعل لتلاوتنا للقرآن، أو استماعنا لتلاوته أثرا فى نفوسنا، ووقعا على قلوبنا، وتجاوبا مع آدابه، واستجابة لنداءته.. فيما يدعو إليه، من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر! وثانيهما: تصور مسائل الدين تصورا واضحا محددا، بلا ذيول، ولا معلقات..
وبهذا يعرف المسلم الحكم قاطعا، فيما أحل الله، وفيما حرم، فيكون على بينة من أمره، فيما يأخذ أو يدع من أمر دينه! ومن أجل هذا كانت صحبتنا هذه لكتاب الله، على هذا الوجه، الذي لا ننظر فيه إلى غير كتاب الله، وإلى تدبر آياته، بعيدا عن طنين المقولات الكثيرة التي جاءت إلى القرآن من كل صوب، وكادت تخفت صوته، وتغيم على الأضواء السماوية المنبعثة منه! إننا فى صحبتنا هذه للقرآن، لا نقيم نظرنا على غير كلماته وآياته، ولا نخط على هذه الصفحات غير ما يسمح لنا به النظر فى كلماته وآياته.
إننا لا نفسر القرآن بالمعنى المعروف للتفسير، فى هذه الصحبة التي نصحب فيها كتاب الله.. وإنما نحن نرتل آيات الله ترتيلا.. آية آية، أو آيات آيات.. ثم نقف لحظات نلتقط فيها أنفاسنا المبهورة، لما تطالعنا به الآية أو الآيات، من عجب ودهش وروعة، ثم نمسك القلم، لنمسك به على الورق بعض
стр. 10
ما وقع فى مشاعرنا من صور العجب والدهش والروعة.. وإنها لصور باهتة بالنسبة للواقع الذي حملته تلك المشاعر.. فما أبعد الفرق بين الشعور المشتمل علينا ونحن بين يدى كلمات الله، وبين الكلمة التي تنقل هذا الشعور!! ولكنها- على أي حال- معلم من معالم الطريق إلى كتاب الله، يمكن أن يجد فيه السالك نورا، ويزداد به المهتدى هدى.. «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» «وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..
وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين.
المؤلف القاهرة فى الثاني والعشرين من ذى القعدة ١٣٨٦ هـ فى الثالث من مارس ١٩٦٧ م
стр. 11
دراسات حول القرآن
أولا: المكىّ والمدنيّ
المكىّ من القرآن ما نزل بمكة، والمدنىّ ما نزل بالمدينة.
وعدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة باتفاق.
السّور المكية.
١) اقرأ باسم ربك ٢) ن ٣) المزمل ٤) المدثر ٥) المسد ٦) التكوير ٧) الأعلى ٨) الليل ٩) الفجر ١٠) الضحى ١١) الشرح ١٢) العصر ١٣) العاديات ١٤) الكوثر ١٥) التكاثر ١٦) الماعون ١٧) الكافرون ١٨) الفيل ١٩) الفلق ٢٠) الناس ٢١) الإخلاص ٢٢) النجم ٢٣) عبس ٢٤) القدر ٢٥) الشمس ٢٦) البروج ٢٧) التين ٢٨) قريش ٢٩) القارعة ٣٠) القيامة ٣١) الهمزة ٣٢) المرسلات ٣٣) ق ٣٤) البلد ٣٥) الطارق ٣٦) القمر ٣٧) ص ٣٨) الأعراف ٣٩) الجن ٤٠) يس ٤١) الفرقان ٤٢) المعارج ٤٣) مريم ٤٤) طه ٤٥) الواقعة
١٠٧) التحريم ١٠٨) الجمعة ١٠٩) التغابن ١١٠) الصف ١١١) الفتح ١١٢) التوبة ١١٣) المائدة ١١٤) فاتحة الكتاب.. اختلف فى نزولها بمكة أو بالمدينة.
وقيل إنها نزلت مرتين- مرة بمكة ومرة بالمدينة.
ثانيا: عدد آياته، وكلماته، وحروفه
وكان من اهتمام المسلمين بالقرآن، وحرصهم عليه أن أحصوه آية آية، وكلمة كلمة، وحرفا حرفا.. ونسجل هنا هذا الجهد المشكور لعلماء القرآن رضى الله عنهم.
عدد آيات القرآن:
اختلف الدارسون للقرآن فى إحصاء آياته..
فقال بعضهم: هى ستة آلاف آية.
وقال آخرون: ستة آلاف آية ومئتان وأربع آيات.
وقيل: سنة آلاف ومئتان وأربع عشرة آية.
وقيل: ستة آلاف ومئتان وتسع عشرة آية.
وقيل ستة آلاف ومئتان وخمس وعشرون أو ست وعشرون أو ست وثلاثون..
عدد كلماته:
أجمع العلماء على أن عدد كلمات القرآن سبع وسبعون ألفا وأربع مئة وسبع وثلاثون كلمة.
عدد حروفه:
وأما عدد حروفه فهى ثلاثمئة وواحد وعشرون ألف حرف.
стр. 14
وقيل إن الحجاج بن يوسف جمع القراء والحفاظ والكتّاب، فقال لهم:
أخبرونى عن القرآن كله، كم من حرف هو؟ فأجمعوا على أنه ثلاثمئة وأربعون ألفا وسبع مئة وأربعون حرفا.
قال: فأخبرونى عن نصفه..
قالوا: عند الفاء من قوله تعالى فى سورة الكهف: «وَلْيَتَلَطَّفْ» (١٩: الكهف) .
стр. 15
١- فاتحة الكتاب
نزولها: مكية، وقيل إنها نزلت بمكة، ثم نزلت مرة أخرى بالمدينة.
ولا وجه لهذا القول.
عدد آياتها: سبع.
عدد كلماتها: خمس وعشرون كلمة.
عدد حروفها: مائة وثلاث وعشرون حرفا.
من أسمائها: سميت بأسماء كثيرة، جاوزت المائة، وذلك حسب ما يقع فى الخاطر منها.
ومن أسمائها: الفاتحة، وفاتحة الكتاب، والحمد، وسورة الحمد، والشافية، والشفاء، وأم القرآن، وأم الكتاب: والسبع المثاني (لأنها تثنى- أي تكرر- فى كل صلاة) .
آية: (١) [سورة الفاتحة (١) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)
التفسير: باسم الألوهية يقوم الوجود، وإليه يركن كل موجود.. فكل عوالم الكون مألوهة لله، خاضعة لمشيئته، محفوفة برحمته.
ووصف الألوهية بهاتين الصفتين: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» يدل على أن هذا الوجود إنما هو فيض من رحمانية الله ورحمته. إذ الوجود- على أية صورة من صوره- نعمة وخير، إذا هو قيس بالعدم، الذي هو فناء مطلق، وتيه وضياع.
стр. 16
آية: (٢) [سورة الفاتحة (١) : آية ٢]
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢)
التفسير: بهذا الحمد لله تنطق المخلوقات كلها، فهو سبحانه الذي أوجدها من العدم وأعطاها خلقها بين المخلوقات، وقام عليها مدبرا، وحافظا، «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» (٥٠: طه) ، فحق عليها أن تحمده، وتشكر له، وقد لزمها هذا الحق الذي لا انفكاك لها منه، إن لم تؤده اختيارا أدته اضطرارا، وإن لم يفصح عنه ظاهرها نمّ عليه باطنها: «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (٤٤: الإسراء)
آية: (٣) [سورة الفاتحة (١) : آية ٣]
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)
التفسير: استفاضة رحمانية الله، وشمول رحمته، يجدها كل موجود فى نفسه، وفيما حوله، ولهذا كان حمد الله واقعا بين هاتين الصفتين، كأنه تعقيب عليهما أولا، وكأنهما تعليل له ثانيا.
آية: (٤) [سورة الفاتحة (١) : آية ٤]
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)
التفسير: يوم الدين: هو يوم الدينونة، أي الحساب والجزاء، وهو يوم القيامة: «وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ
стр. 17
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ» (١٧- ١٨- ١٩:
الانفطار) .
ومجىء «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» معطوفا عطف بيان على «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» للإشعار بأن هذه الملكية ملكية رحمانية ورحمة، تضع موازين القسط للفصل بين الناس، حيث يثاب المحسنون، ويعاقب المسيئون، وهو عقاب فيه رحمة لهم، حيث يطهرهم من أدران الآثام التي علقت بهم، ليكونوا أهلا لمساكنة الملأ الأعلى.
آية: (٥) [سورة الفاتحة (١) : آية ٥]
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)
التفسير: من مقتضى حمد لله الذي استوجبه على عباده بربوبيته، ورحمته، أن يفرد بالعبودية، وأن يختص بالعبادة، فلا متوجّه إلا إليه، ولا لجوء إلا له، ولا معول إلا عليه. «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ، فَادْعُوهُمْ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (١٩٤: الأعراف) .
آية: (٦) [سورة الفاتحة (١) : آية ٦]
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)
. التفسير: الصّراط المستقيم: هو الطريق القائم على الحق والعدل، الموصّل إلى الخير والفلاح، لا يضل سالكه، ولا تتعثر له قدم فيه.
آية: (٧) [سورة الفاتحة (١) : آية ٧]
صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)
стр. 18
التفسير: هذا بيان للصراط المستقيم ولأهله، الذين أنعم الله عليهم، فهداهم إليه، وأقامهم عليه، ثم بيان آخر للصراط المستقيم، وهو صراط لا يسلكه للمغضوب عليهم، الذين مكروا بآيات الله، وكفروا بنعمه، فضربهم بغضبه، وصبّ عليهم لعنته، وهو صراط لا يستقيم عليه من اتبع هواه، وعمى عن الحق الذي بين يديه! والمغضوب عليهم هم اليهود، وقد صرّح القرآن فى غير موضع وفى أكثر من آية، بأنهم مغضوب عليهم من الله، فقال تعالى: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ» (٦٠: المائدة) وليس وصف اليهود بالمغضوب عليهم مانعا من إطلاق الوصف على كل من غضب الله عليه، فحاد عن الطريق المستقيم، وكذلك الشأن فى «الضالين» باعتباره وصفا لكل من ضل طريق الحق والهدى.
وفى دعاء المؤمنين بأن يهديهم الله الصراط المستقيم، ويجنبهم صراط المغضوب عليهم، والضالين عن الطريق القويم- فى هذا الدعاء غاية فى تحرّى الطريق إلى الله، والتماسه مستقيما خالص الاستقامة، بعيدا عن مزالق المفتونين فى دينهم، والمنحرفين عن سواء السبيل.
و «آمين» دعاء تختم به السورة، وهو اسم فعل أمر، بمعنى استجب يا الله ما دعوناك به. وهذا اللفظ ليس من القرآن..
وهذا، وتلك السورة الكريمة، فوق أنها قرآن كريم، هى مفتتح هذا القرآن، وهى أم الكتاب الكريم، لاشتمالها على أصول الشريعة الإسلامية، من توحيد، وعبادات، وآداب، ومعاملات..
ولهذا كانت ملاك الصلاة، التي هى بدورها ملاك الإسلام كله،
стр. 19
إذ لا صلاة لمن لا يصلى بها، ومن أجل هذا سميت آياتها السبع، السبع المثاني، إذ يثنّى بها فى كل صلاة، أي تقرأ مثنى فى الصلاة ذات الركعتين، ومثنى مثنى فى الصلاة ذات الأربع ركعات! واستمع إلى هذا الدعاء أو الصّلاة.
«أبانا الذي فى السماوات.. ليتقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما فى السّماء كذلك على الأرض.. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا.. ولا تدخلنا فى تجربة..
لكن نجّنا من الشّرّير.. لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد.. آمين» أتدرى ما هذا الكلام؟
إنّه الصّلاة التي كان يصلّى بها السيّد المسيح، والتي علّم أتباعه أن يصلوا بها.. إذ يقول لهم:
«وحينما تصلّون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم، فإنهم يظنون أنهم بكثرة كلامهم يستجاب لهم.. فلا تتشبهوا بهم.. لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه..
فصلّوا أنتم هكذا» «١» .
ثم يذكر لهم هذه الصلاة على النحو السابق..
وأنت ترى ما بين هذه الصلاة التي كان يصلى بها السيد المسيح، ويعلمها أتباعه، وبين فاتحة الكتاب التي هى قرآن المسلمين فى صلاتهم- أنت ترى ما بين هذه وتلك من تشابه كبير فى الروح التي تستولى على الإنسان وهو
стр. 20
يتلوها، خاشعا متعبدا.. أليس ذلك دليلا على أنهما من معدن واحد، وأن متنزلهما السماء، وحيا من رب العالمين؟ ثم أليس ذلك دليلا على ما بين الديانات السماوية من صلات وثيقة قائمة على الحق العدل؟ بلى! وإنه لو سلمت الكتب السماوية السابقة من التحريف، لالتقت مع القرآن فى كل ما جاء به، ولكن التحريف والتعديل باعد بين تلك الكتب وبين القرآن فى أصول الدعوة وفروعها على السواء.!
стр. 21
٢- سورة البقرة
نزولها: نزلت بالمدينة، وهى أول سورة نزلت بعد هجرة النبىّ ﷺ إلى المدينة.
عدد آياتها: مائتان وست وثمانون آية.
عدد كلماتها: ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة.
عدد حروفها: خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف.
آية: (١) [سورة البقرة (٢) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١)
التفسير: فى القرآن الكريم تسع وعشرون سورة، بدأت بحرف أو أكثر من حروف الهجاء، وكل حرف ينطق به نطقا مستقلا مرتلا، هكذا:
ألف.. لام.. ميم.. أو: طا، ها، أو: ياسين. وعلى هذا النحو تنطق جميع الحروف التي جاءت مفتتحا لسور القرآن.
وقد شغلت هذه الحروف علماء التفسير، فأطالوا النظر فيها، وأكثروا القول فى تأويلها وتفسيرها، حتى لقد تجاوزت وجوه الرأى فيها أربعين وجها! والمفهوم الذي نستريح إليه لهذه الأحرف، أنها مجرد حروف هجاء، مما بنيت منه كلمات القرآن الكريم، وآياته، وسوره، وأنها حين يبدأ بها فى التلاوة هكذا.. حرفا حرفا، آخذا كل حرف نغما مستقلا على لسان القارئ- ترسم لمرتل القرآن أسلوبا خاصّا فى التلاوة، فيقرأ الكلمات قراءة مستأنية، يأخذ فيها كل حرف مكانه على لسان القارئ، كما أخذت حروف هذه المفتتحات وضعها المستقل على لسانه! فى أناة وتقطيع.. حرفا حرفا!
стр. 22
وبهذا يتحقق الأداء السليم لتلاوة القرآن، كما يقول الله تعالى: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (٤: المزمل) .
إن العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، هم قوم أميون، تلقّوا لغتهم سماعا، وحفظوا كلماتها وأساليبها، أصواتا تحمل من المعاني ما تحمل أنغام الموسيقى إلى أربابها! فالعربى كان يعرف الكلمة جملة، كما كان يعرف مدلولها الذي تدل عليه جملة أيضا، بل إنه يعرف مدلول الكلمة أكثر مما يعرف الكلمة ذاتها، فإذا نطق بكلمة «سيف» أو «درع» أو «جمل» أو «ليلى» أو نحو هذا، ارتسم فى الحال لعينيه مدلول الاسم الذي نطق به، دون أن يلتفت كثيرا إلى الصوت الذي انطلق من فمه! وإذ كان حساب الكلمات عند العرب الجاهليين على هذا النحو، الذي تبدو فيه الكلمات وكأنها مجرد أصوات! وإذ كان ذلك كذلك، وإذ كان القرآن الكريم كلاما معجزا، فإن وجه الإعجاز لا ينكشف فى كلماته وآياته إلا إذا تحقق للكلمة وجود ذاتى، وعرف لها ناطقها وسامعها أنها كائن له مشخصاته، التي تحقّق له وجودا مستقلا عن غيره، مباينا له، كما يستقل الإنسان عن الإنسان بذاته ومشخصاته.
وعلى هذا التقدير، تحدث القرآن الكريم إلى هؤلاء الأميّين بما يكشف لهم عن شخصية الكلمة، وأنها بناء يقوم على أسس، ويبنى على أصول، وأن لبنات هذا البناء هى حروف: ألف، لام، ميم، نون، قاف.. وهكذا.
وبهذا النظر إلى الكلمات، ينطق العربىّ بكلمات القرآن الكريم متأنيا، متأملا، حتى لكأن الحرف كلمة! وبهذا يتصل قارئ القرآن بكلمات القرآن اتصالا وثيقا، يخلص إليه منه كثير من أضوائه ونفحاته، وذلك هو
стр. 23
بعض الحكمة من ترتيل القرآن، وقراءته على هذا الوجه الذي ينفرد به عن قراءة أي كلام، حيث يقول الله تعالى: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (٤: المزمل) ويقول سبحانه: «وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا» ! (١٠٦: الإسراء) وقد امتثل النبي الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- أمر ربّه، فكانت قراءته ترتيلا منغما، يأخذ فيه كل حرف مكانه فى الكلمة، وتأخذ كل كلمة مكانها فى الآية، دون أن يختفى حرف، أو تضيع كلمة.
روى البخاري عن أنس، أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ ، فقال: «كانت مدّا» ثم قرأ- أي أنس- «بسم الله الرحمن الرحيم» يمدّ الله، ويمدّ الرحمن، ويمد الرحيم» أي أنه يمثّل بهذا الأسلوب القراءة التي كان يقرأ بها النبي الكريم.
وعلى هذا، فإن مجىء هذه الأحرف المقطعة فى بعض سور القرآن، وفى مفتتح السور التي جاءت فيها- إن هذا أشبه «بالوحدة» التي يقوم عليها اللحن الموسيقى، والتي يسرى صداها فى اللحن كله، من أوله إلى آخره، وإن تعددت أنغامه، وخفتت أو علت أصداؤه.!
فليس من الضروري إذن أن يجتهد فى البحث عن معنى لهذه الأحرف المقطعة، ولنا أن نحسبها مطلعا موسقيا، تقوم عليه وحدة النغم فى ترتيل آيات السور التي بدئت بحرف أو حرفين أو أكثر.
آية (٢) [سورة البقرة (٢) : آية ٢]
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)
التفسير: «الكتاب» هو القرآن، وتسمية القرآن كتابا إشارة إلى أن
стр. 24
من شأن هذا الكلام أن يكتب ويوثّق، حتى يحفظ من التبديل والتحريف، وهذا ما فعله الرسول الكريم، فى كل ما تلقاه وحيا من القرآن، إذ كان صلوات الله وسلامه عليه لا يكاد يفرغ من تلقّى ما أوحى إليه من ربّه، حتى يمليه على جماعة عرفوا بأنهم كتاب الوحى.
وأول ما أوحى إلى الرسول من كلمات الله قوله تعالى:
«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» «١» .
وانظر إلى تلك المفارقات العجيبة البعيدة بين إنسان أمّى، لا يقرأ ولا يكتب، يصطفيه الله للنبوة، ويختاره لرسالة دستورها القرآن الكريم، الذي يتلقاه وحيا من السماء على مدى نيف وعشرين سنة.. ثم تكون «اقْرَأْ» أول كلمة تفتتح بها هذه الرسالة.. ثم تتبع بكلمتي «عَلَّمَ بِالْقَلَمِ» .
وفى هذا ما يؤذن النبىّ بمحتوى جديد من محتويات رسالته، وهو الدعوة إلى القلم والقراءة والكتابة، فذلك من النعم التي أنعم الله بها على عباده، إذ سرعان ما أقبل العرب الأميون على القراءة والكتابة، على أنها دعوة من دعوة الدين، ولفتة من لفتات الشريعة، فتعلّموا وعلموا ما لم يكونوا يعلمون.
(الآيات: (٣- ٤- ٥) [سورة البقرة (٢) : الآيات ٣ الى ٥]
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
стр. 25
التفسير: تلك هى صفات المتقين.
يؤمنون بالغيب.. والغيب ما خرج عن متناول الحواس، وإدراك العقل.
والإيمان بما يجىء من عالم الغيب، لا معتبر له إلا إذا كان مستنده إلى جهة لا يتطرق الكذب إليها، وإلا كان التصديق بما يخبر به العرافون والكهنة وغيرهم ممن يدّعون علم الغيب. إيمانا، وهو ليس من الإيمان فى شىء، وإنما المراد بالإيمان هنا ما يخبر به رسل الله وأنبياؤه أقوامهم، من أمر البعث، والحساب، والجنة، والنار، ونحو هذا، مما هو من أنباء الغيب، التي لا تقع لعلم الناس، ولا تستجيب لمدركاتهم.
فأول صفة من صفات المتقين، هى الإيمان بتلك الغيبيات، على الصورة التي يخبر بها الرسل، حيث تلقّوا الأخبار عن تلك الغيبيات، وحيا من الله، وهم الأمناء على ما أوحى إليهم من ربّهم.
فلا إيمان لمن لا يؤمن بالله، ولا إيمان بالله لمن لا يؤمن برسل الله، ولا إيمان برسل الله لمن لا يؤمن بما يحمل رسل الله من رسالات، وما يبلغون من أوامر ونواه، وما يلقون من أخبار.
وملاك التقوى هو الإيمان، فلا تقوى لمن لا إيمان له، فإذا جاء الإيمان على تلك الصورة، كان داعية لأن يقيم الإنسان على طريق التقوى، وأن يؤهّله لتلك الصفات التي وصف الله سبحانه بها المتقين: الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بما نزل على محمد، إيمانا مفصلا، وبما أنزل على الرسل من قبله، إيمانا مجملا، ثم ينتهى بهم ذلك الإيمان إلى الإيمان باليوم الآخر، وما فيه من حساب، وثواب، وعقاب وجنة ونار.. وعندئذ يصبح المؤمن المستكمل لتلك الصفات مؤهلا لأن يحسب من المتقين، ويدخل فى عدادهم.
стр. 26
الآيتان (٦- ٧) [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦ الى ٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)
التفسير: الناس ثلاثة: مؤمنون، وقد بدأت السورة بذكرهم. وكافرون، وهم المذكورون فى هاتين الآيتين. ومنافقون مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، سيجيئ ذكرهم بعد هذا.
ويلاحظ أن القرآن ذكر هنا كلمة «المتقين» فى مقابل الكافرين، ولم يقل «المؤمنين» ، وذلك أن من شأن الإيمان الصحيح أن يبلغ بصاحبه منازل المتقين.
والذين كفروا المذكورون فى هذه الآية، ليسوا مطلق الكافرين، بل هم كفار مكة، الذين حادّوا الله ورسوله، وأشربوا فى قلوبهم الكفر، وعلم الله أنهم لن يستجيبوا للرسول، كأبى جهل، وعتبة بن ربيعة وغيرهما ممن مات على الكفر فى غزوة بدر وأحد، من قتلى قريش.. فهؤلاء قد حكم الله عليهم هذا الحكم: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ.. لا يُؤْمِنُونَ..» وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة يس: «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» فهؤلاء الذين حق عليهم القول بألا يؤمنوا هم الذين تعنيهم هذه الآية: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» .
وإلا فلو كان المراد بالذين كفروا فى هذه الآية مطلق الكافرين، لما كان
стр. 27
لدعوة الرسل حكمة، ولما كان لعرض رسالاتهم على الناس معنى، لأنهم إنما يبعثون إلى قوم كافرين، فيستجيب لهم من يستجيب، ويقيم على كفره من حقّ عليه القول منهم.. أما تيئيس الكافرين مطلقا، والحكم عليهم بألا يؤمنوا أبدا، فذلك بعيد عن حكمة الله فى ابتلاء الناس واختبارهم، وإقامة الحجة عليهم، بإرسال الرسل إليهم.. «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (٤٢: الأنفال) .
وقوله تعالى: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» هو كشف لما اشتمل عليه كيان هؤلاء الكافرين الذين لا يتحولون عن كفرهم أبدا، بما قام فى كيانهم من حواجز تعزلهم عن التجاوب مع دعوة الإيمان، ولا تسمح لشعاعة من شعاعات الحق أن تخترق تلك الحواجز، فقد «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» .. والختم على الشيء وضع خاتم عليه، أشبه بالقفل المحكم، بحيث لا ينفذ إليه شىء.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى آية أخرى: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها» .
(٢٤: محمد) «وَعَلى سَمْعِهِمْ» أي وختم على سمعهم، فالواو هنا للعطف على قوله تعالى:
«خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» والختم على السمع: الضرب عليه بحجاب، فلا تنفذ منه دعوة الحق إلى موطن الإدراك من العقل، فهم أشبه بالنائم المستغرق فى نومه، حواسه كلها سليمة، ولكنها معطلة لا تعمل فى تلك الحال.. كما يقول فى أصحاب الكهف: «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً» .
(١١: الكهف) .
«وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ» .. أي أن أبصارهم لا ترى الأشياء رؤية واضحة، بل تبدو المرئيات لها مهزوزة غائمة، تضطرب فى مجال الرؤية، فلا يعرف الرائي حقيقة ما رأى.
стр. 28
وهذه الصورة الحسية التي صورت بها حال أولئك الكافرين، إنما هى تجسيم لطبائعهم النكدة، وعقولهم المظلمة! وإلا فإن آذانهم مرهفة، وأبصارهم حديدة، ولكنهم لا يحصّلون بها خيرا، ولا يهتدون بها إلى سبيل الرشاد والهدى.
ويثار هنا قول، هو: ما لهؤلاء الكافرين إذ لم يهتدوا إلى الإيمان وقد عطل الله مداخل الإيمان إلى كيانهم؟.
وهذه مسألة كثر فيها الرأى، واختلف عليها العلماء، حتى صار المسلمون فيها فرقا، من سنية، ومعتزلة، وشيعة، وخوارج.
والرأى فى هذا أن يفوض الأمر كله لله.. فالخلق خلقه، والناس عبيده، يقضى فيهم بحكمه كيف اقتضت إرادته.. كما فى قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (٢: التغابن) وكما يروى فى الحديث الشريف:
«عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- سئل عن معنى قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» (١٧٢: الأعراف) فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ ، سئل عنها فقال: «إن الله لمّا خلق آدم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره بشماله، فاستخرج منه ذريته، فقال: هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقام رجل فقال: يا رسول الله: ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت وهو على عمل أهل النار فيدخله به النار» .. هكذا قضى الله فى عباده، فريق فى الجنة، وفريق فى السعير.. ومن حكمة الله ولطفه بعباده أنه لم ينكشف
стр. 29
الأمر لأىّ من الفريقين، فلا أحد من أصحاب الجنة يعلم أنه من أصحاب الجنة، ولا أحد من أهل النار يعرف أنه من أهل النار، بل الجميع مدعوّون من عند الله إلى أن يعملوا على مرضاته، ليفوزوا بالجنة.. وهنا يبدو مجال العمل للجنة فسيحا يسع الناس جميعا، فيسعى كلّ سعيه، فمن كان من أهل الجنة عمل عمل أهل الجنة حتى يبلغها، ومن كان من أهل النار عمل عمل أهل النار حتى يدخلها «وكلّ ميسّر لما خلق له» .!!
الآيات: (٨- ٩- ١٠) [سورة البقرة (٢) : الآيات ٨ الى ١٠]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)
التفسير: هؤلاء هم الصنف الثالث من الناس، وهم المنافقون، الذين ليسوا بالمؤمنين ولا بالكافرين.
والنفاق شر من الكفر الصّراح، لأن الكافر على بينة من أمره مع نفسه، وعلى حال يعرف الناس منها وجهه.. وليس الكافر بالميئوس منه أن يتحول فى أية لحظة من الكفر إلى الإيمان..
أما المنافق فأمره مختلط، وشأنه مضطرب، يدور حول نفسه التي تحمل الكفر والإيمان معا، فلا هو فى الكافرين، ولا فى المؤمنين..
ولهذا توعد الله سبحانه المنافقين بما لم يتوعد به الكافرين، من عذاب ونكال، حيث يقول سبحانه: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً» (١٤٥: النساء) .
стр. 30
وقد توعد الله سبحانه المنافقين هنا بالعذاب الأليم، فقال:
«وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» على حين توعد الكافرين فى الآية قبلها بالعذاب العظيم، فقال سبحانه: «وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» والأليم أشد هولا ونكالا من العظيم، فقد يكون العظيم عظيما فى شخصه وهيئته، وليس عظيما فى أفاعيله وسطوته.. أما الأليم فهو البالغ الغابة فى الإيلام، ولو ضؤل شخصه! «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» .
آفة الكافرين فى كفرهم موزعة بين أجهزة ثلاثة فى كيانهم، هى القلب، والسمع، والبصر.. فقلوبهم مغلقة عن الخير، وأسماعهم نابية عن الحق، وأبصارهم كليلة عن الهدى..
أما المنافقون فإن آفة نفاقهم فى القلوب وحدها، حيث قد سمعوا الحق ووعوه، وأبصروا الهدى واستيقنوه، ولكن حين ينفذ هذا كله إلى موطن الإيمان من قلوبهم، يصادف قلوبا مريضة، لا تقبل الحق والخير، وإن قبلتهما فإنها سرعان ما تلفظهما، كما يلفظ المحموم طيب الطعام.
«فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً» يمكن أن تكون الفاء هنا للسببية، ويكون المعنى أن ما أرسل الله من هدى على يد النبىّ قد استقبلوه بتلك القلوب المريضة فهيج علّتها، وأيقظ نائم دائها.
كما يمكن أن تكون «الفاء» للتفريغ، وتكون الجملة بعدها دعائية، والمعنى أن هؤلاء المنافقين- بما استبطنوا من نفاق لا يرجى شفاؤه- استحقوا أن يدعى عليهم بما يزيد مرض قلوبهم مرضا.
стр. 31
آية: (١١) [سورة البقرة (٢) : آية ١١]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)
التفسير: هكذا ينافق المنافق حتى مع نفسه، فيرى أنه على طريق الحق، على حين أنه غارق فى الضلال.. والله يقول: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» . (٨: فاطر) فلقد غلبت عليهم شقوتهم، ونظروا إلى أنفسهم فى مرايا النفاق، فرأوا أنهم أحسن الناس حالا، وأكملهم كمالا!!
(آية ١٢) [سورة البقرة (٢) : آية ١٢]
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)
. التفسير: إنهم هم المنافقون! لقد فضح الله باطنهم الخبيث، وما انطوى عليه من سوء، فدمغهم بهذا الحكم القاطع المؤكد أوثق التوكيد «بجملة أدوات» : ألا (الاستفتاحية) وإنّ (المؤكدة) وهم (ضمير الفصل) وال (المعرّفة للخبر بما يدل على قصر الفساد عليهم وحدهم) .
آية (١٣) [سورة البقرة (٢) : آية ١٣]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)
.
стр. 32
التفسير: فى إسناد مقول القول «آمنوا» إلى المبنى للمجهول، ما يشعر بأن ضلالهم- قد أصبح من الانكشاف والوضوح بحيث أنطق كل موجود فى محيطهم، بدعوتهم إلى الاستقامة، والانتظام فى موكب «الناس» ، الذين صانوا إنسانيتهم عن هذا الانحراف السفيه، الذي يعيش فيه المنافقون.
ولهذا جاء قول الله تعالى: «كَما آمَنَ النَّاسُ» ولم يجىء: «كما آمن المؤمنون» وفيه ما يدل على أن الإيمان أقرب شىء إلى الفطرة التي فطر الناس عليها، وأن من شأن الناس أن يستجيبوا لدعوة الإيمان، وأن من استجاب للرسول- صلوات الله وسلامه عليه- هم الناس، ولا اعتبار لغيرهم.
وجاءت فاصلة الآية هنا: «لا يعلمون» على حين أنها جاءت فى الآية السابقة عليها: «لا يشعرون» وذلك لاختلاف المقام هنا وهناك.
«هُمُ الْمُفْسِدُونَ.. وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ» «هُمُ السُّفَهاءُ.. وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ» الإفساد فى الأرض- مع أنه مما يجابه الحواس، ويقع فى محيط إحساسها- لا يشعر به أولئك المنافقون، لكثرة ما ألحقوا على هذه الحواس من خداع وتضليل، ولكثرة ما تعالوا معها بالتعمية والتمويه: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ» .
والسّفه- مع أنه انحراف حاد عن طريق الحق والخير- لا يقع فى علم هؤلاء السفهاء، ولا يرون فيه ما يرى الراشدون من الناس من حماقة ومنقصة!:
«أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ» .
стр. 33
الآيات (١٤- ١٥- ١٦) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤ الى ١٦]
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)
. التفسير: هذه حال المنافقين دائما.. يلقون الناس بوجهين، وجه يظهر الحب والمودة، ووجه يضمر السوء والشر.. إنهم مع أهوائهم الضالة، ونفوسهم المريضة، فحيث كان لهذه الأهواء منتجع، وكان لتلك النفوس مستراح- فهم هناك.. يتقلبون مع كل ريح، ويطعمون من كل مائدة! و «شياطينهم» هم رءوس النفاق فيهم، وأصحاب الأمر والتدبير عندهم.
وفى قوله تعالى: «وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» بعد قوله سبحانه «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ» توكيد لخسرانهم وضلالهم، إذ قد لا يربح التاجر فى تجارته، ولكن ذلك لا ينقص من ميزانه الخلقي مثقال ذرة، إذ قد يكون عدم ربحه، أو خسارته، لأسباب لا يدله فيها. ولكن هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى إنما هم مغبونون فى تلك الصفقة التي عقدوها، ولو جرّت عليهم كثيرا من حطام الدنيا، لأنهم خسروا أنفسهم، وذلك هو الخسران المبين، فهو خسران محقق، وغبن فاحش، يملأ النفس حسرة وندما. عند من وعى وعقل!
стр. 34
الآيتان: (١٧- ١٨) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧ الى ١٨]
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)
. التفسير: أكثر المفسرين على أن الكاف فى «كمثلهم» زائدة، باعتبار أن كلمة «مثل» أداة للتشبيه، والكاف أداة للتشبيه، ولا تجتمع الأداتان على مشبّه به واحد، وعلى هذا تكون الصورة هكذا: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» أو «مثلهم كالذى استوقد نارا» .
وبلاغة القرآن أعظم وأسمى من أن تخضع لمقاييس النحو وتخريج النحاة! فليس فى كلمات الله ما يحتاج إلى علل النحاة، وو مما حكاتهم، ليستقيم على علمهم، ولينضبط مع قواعدهم- وحسب القرآن أن يقول قولا، أو ينهج أسلوبا، فيكون قوله الحق، وأسلوبه الفصل، ولا عليه أن تضطرب قواعد النحو، وتتبلبل عقول النحاة! والأمر هنا- فيما يتعلق بالكاف فى «كمثل» - يجرى على أسلوب القرآن كله، فى إعجازه، واستيلائه على أعنّة البلاغة وأزمّتها.
فقوله تعالى: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» هو تشبيه حال بحال، وشأن بشأن.. بمعنى أن شأن هؤلاء المنافقين وحالهم، كشأن أو حال من استوقد نارا.
فهؤلاء المنافقون مثل، وذاك الذي استوقد نارا مثل.. وبين المثلين تشابه وتطابق، فصح أن يكون كل منهما طرفا فى تشبيه واحد، وكاف التشبيه أداته.. فكأنه قيل: هذا المثل كهذا المثل! وننظر فيما بين المثلين من وجه شبه، فنرى:
стр. 35
فى المشبه، وهم المنافقون.. كانوا فى زمرة الكافرين، ثم إنهم أعلنوا إيمانهم، واتخذوا هذا الإيمان جنّة يتقون بها يد المؤمنين، إذا هى علت على الكافرين، وأنزلتهم على حكمهم، وذريعة يتوصلون بها إلى ما قد يفىء الله على المؤمنين من خير! .. فكان أن فضح الله نفاقهم، وجاءت آياته تنزع عنهم هذا الثوب الذي ستروا به هذا النفاق، فأصبحوا عراة لا يستطيعون أن يظهروا فى الناس، إلا كما تظهر الحيات برءوسها من وراء أجحارها! وفى المشبه به، وهو هذا الذي استوقد نارا..
هذا الإنسان، كان فى ظلمة الليل، وفى لفح زمهريره القارس، فاستوقد نارا، كى يجد فيها الدفء والنور! ثم جاء هؤلاء المنافقون فيمن جاء إلى هذا الضوء، ليجدوا عنده الأمن، والدفء..
ولكنّ هؤلاء المنافقين، وإن اختلطوا بالمجتمعين على هذا الضوء، وحسبوا- فى ظاهر الأمر- على ما عليه القوم، فإن الله سبحانه حجز عنهم النور، وأخذ على أبصارهم، فلم يروا ما حولهم، ولم يعرفوا وجه الطريق الذي يسلكون، فركبتهم الحيرة، وقيدهم العمى والضلال..!
ونقرأ الآية الكريمة: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ» ، فنجد لمحة من لمحات الإعجاز القرآنى، فى هذا التخالف بين أجزاء الصورة فى المشبه به، حيث كان الظاهر أن يقال: «ذهب الله بنوره وترك فى ظلمات لا يبصر» .
ولكن هذا يفسد المعنى، حيث يقضى بهذا الحكم على موقد النار، فيذهب بنوره الذي رفعه لهداية الناس، وحيث يقع هذا الحكم على غير المنافقين، من طالبى الهدى عنده.
стр. 36
والصورة التي رسمتها الآية الكريمة- على ما جاءت عليه- تأخذ المنافقين وحدهم بجرمهم، فتحرمهم الإفادة من هذا النور الذي يملأ الوجود من حولهم.. ثم لا تحرم المهتدين ما أفادوا من هدى.
ولقد جاء القرآن بمثل آخر لهؤلاء المنافقين فى الآيتين التاليتين:
الآيتان (١٩- ٢٠) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)
التفسير: الصيّب هو المطر. وقد شبّه به هدى السماء، الذي تلقاه الرسول من ربّه، ليحيى به موات القلوب، كما يحيى المطر جديب الأرض.
وفى القرآن وعد ووعيد، وتكاليف وأعباء، كالعبادات، والجهاد فى سبيل الله، ومجاهدة النفس فى اجتناب المحرمات.. ثم هو مع هذا رحمة وشفاء! وفى الغيث الذي ينزل من السماء ظلمات من السحب المتراكمة، ورعد وبرق.. ثم هو مع هذا نعمة وحياة! كذلك كانت آيات القرآن حين تتنزل، تنخلع لها قلوب المنافقين، وتنفطر منها أفئدتهم، لما يتوقعون فيها من صواعق تدمدم عليهم، وتفضح
стр. 37
مكنون صدورهم، بما يبيتون ما لا يرضى من القول، وما لا يحمد من العمل.. فإذا تلقى الرسول وحيا من ربّه، وأعلنه فى أصحابه، اصطكت به أسماع المنافقين، ووجفت قلوبهم هلعا وفزعا! هذا هو حظهم من كتاب الله، وذلك مبلغ ما ينالهم من هذا الخير العظيم.. اضطراب، وذعر، وهمّ مقيم.. حذر الخزي والفضيحة! وذلك شأنهم تماما مع الغيث.. الناس، والحيوان، والنبات، وحتى الجماد.. يحيون بهذا الغيث، ويترقبون فى شوق ولهف مواقيت نزوله، دون أن يتأدّى إليهم خوف أو قلق، مما يصحبه من ظلام ورعود! لأنهم يعلمون ما وراء هذه الرعود والبروق من رى وحياة!! أما المنافقون، فشأنهم مع هذا الغيث كشأنهم مع كل خير.. يلتوون به، ويستقبلونه بنفوسهم المريضة، فلا يصيبهم منه إلا الشرّ، الذي يكمن فى كل خير تستقبله النفوس المريضة، وفى كل نعمة تقع فى يد السفهاء من الناس!.
الرعود والصواعق، هى التي يستقبلها أولئك المنافقون من كل ما تحمل هذه الظاهرة الطبيعية، من خير ورحمة!.
وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ» إشارة إلى دورة من دورات المنافقين، حيث انتهى بهم ترددهم بين الإيمان والكفر، إلى الكفر الغليظ.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ آمَنُوا، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا» (١٣٧: النساء) . فالمنافقون هم كفار، وأكثر من كفار.. كفار ومنافقون معا!.
وفريق آخر من المنافقين ما يزال أمرهم مرددا بين النفاق والكفر-
стр. 38
هؤلاء وإن ذهب الله بالنور الذي دخل عليهم من القرآن، حين خادعوا الله ورسوله- فإنهم لا يزالون على صلة بالإسلام والمسلمين، لم يتحولوا إلى الكفر تحولا صريحا، ولهذا فإن لمعات من ضوء الإسلام تطلع عليهم بين الحين والحين فتمسك بهم على طريق الإسلام وفى جماعة المسلمين، ثم تهجم عليهم ضلالاتهم، فتعمّى عليهم السبل، وتتقطع بينهم وبين الإسلام المسالك، فإذاهم فى حيرة واضطراب.. وهكذا تترد أحوالهم بين الإيمان والكفر، إلى أن يموتوا على هذا النفاق.. «يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا» .
الآيتان: (٢١- ٢٢) [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)
التفسير: دعوة عامة شاملة إلى الناس، من ربّ الناس، بعد أن عرضهم هذا العرض الكاشف، من مؤمنين، وكافرين، منافقين.. فالطريق إلى الله مفتوح للناس جميعا، يسع برّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، وبين يدي كل إنسان شواهد قائمة، وأعلام منصوبة على الطريق، تدعوه إلى الله، وإلى الإقرار بوحدانيته، إذا هو نظر فى هذا الوجود، نظرة بعيدة عن الهوى، خالصة من الضلال والزيغ.
стр. 39
آية (٢٣) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣]
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣)
التفسير: وهذا الكتاب الذي نزل على محمد، هو آية من آيات الله، وعلم من أعلامه الدالة عليه، وعلى قدرته ووحدانيته.. فمن قصرت بصيرته عن تناول الآيات الكونية، وعن فهم ما تحدّث به عن الله، وعن قدرته ووحدانيته، فهذا هو كتاب الله، ترجمان هذه الآيات، بلسان عربى مبين، يفهم عنه كل عربى ما يقول.. فليستمع إليه، وليأخذ بما يقول، وليؤمن به.. لأنه لا يقول إلا صدقا، ولا ينطق إلا حقّا وعدلا، إذ هو كلام ربّ العالمين.. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وليس الكشف عن صدق هذا الكتاب، وعن علوّ متنزله، بالأمر الذي يعجز عنه العربي، إذ هو ناطق بلسانه متحدث باللغة التي يعرف دقائق أسرارها، وروائع أساليبها.. وما عليه إلا أن يستمع إلى آيات من هذا الكتاب، ثم إلى ما يتخير من فنون الكلام عند قومه: من شعر، وخطابة، وأمثال، وسجع كهان.. ثم يزن كلا القولين، بأى ميزان من موازين القول عنده.. وفى غير عناء سيبدو له أنه يقابل الدر بالحصى، ويفاضل بين الجواهر والأصداف، وأن كلام الله هو كلام الله، وأن كلام الناس هو كلام الناس! فإن شكّ شاك فى هذا فليضع الأمر موضع الامتحان العملي.. فهذه كلمات الله، فى جلالها، وسموها، تقف فى الميدان، متحدية أرباب الفصاحة والبيان، بكل صور التحدي: أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وأن يجمعوا إليهم كل
стр. 40
ما استطاعوا جمعه من قوى مادية ومعنوية، بشرية أو غير بشرية.. وهيهات أن يبلغوا من ذلك إلا العجز، والاستخزاء.
آية: (٢٤) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٤]
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)
التفسير: فإذا كشفت هذه التجربة عن العجز الفاضح، وظهر منها أن هذا الكلام هو كلام الله، وأن هذا الرسول هو رسول الله، لم يكن بد من تصديقه، وتصديق ما جاء به، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والامتثال لما يأمر به، وينهى عنه، وإلا فهو العناد الآثم، والكبر الوقاح، المفضى بصاحبه إلى هذا المصير المشئوم: «النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» .
آية: (٢٥) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥]
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)
التفسير: وهذه الصورة الكريمة التي تعرضها الآية للمؤمنين، وما يلقون من كرامة ونعيم، فى مواجهه الصورة الكئيبة التي تعرض فيها الآيات السابقة