ثم يقول جل شأنه:
الآيتان: (١٣٣- ١٣٤) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٤]
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)
التفسير: الخطاب هنا لبنى إسرائيل، ليذكروا تلك الوصية التي وصّى بها يعقوب بنيه حين حضرته الوفاة، وأنه أقامهم على دين الله، دين إبراهيم وإسماعيل وإسحق، وهو دين الإسلام.
وإذن فهذا الدين الذي جاء به «محمد» ليس بدعا من الدين، وإنما هو امتداد لدين إبراهيم، الذي وصّى به بنيه: إسماعيل وإسحق، والذي وصّى به اسحق يعقوب، كما وصى به يعقوب بنيه! وإذن فلم يدّعى بنوا إسرائيل- وهو يعقوب- أنهم على الحقّ وحدهم؟ وكيف ودينهم هو فرع من أصل هو دين إبراهيم، وإسماعيل، وإسحق؟.
إن دعوى أنهم المصطفون وحدهم لدين الله دعوى باطلة، إذ ليس إبراهيم لهم وحدهم، وليس دينهم ميراثا من إبراهيم، مقصورا على إسرائيل «يعقوب» وحده فإن يكن هذا الدين ميراثا، فقد ذهب إسماعيل بشطره، على حين ذهب اسحق بالشطر الآخر!.
стр. 142
ويقول سبحانه:
الآيتان: (١٣٥- ١٣٦) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)
التفسير: وقال اليهود للمسلمين: كونوا هودا تهتدوا، وقال لهم النصارى:
كونوا نصارى تهتدوا، حيث حسب اليهود أن اليهودية وحدها هى الدين الحق، وحيث حسب النصارى أن النصرانية وحدها هى الدين الحق، فردّ الله على الفريقين هذا الردّ الذي لقّنه المسلمين، وأمرهم أن يكون هو المعتقد الذي يعتقدونه، والدّين الذي يدينون به، والقول الذي يلقون به اليهود والنصارى على السواء: «بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين.. قولوا آمنّا بالله، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» فهذا هو دين الله، الذي حمله الأنبياء والرسل إلى عباد الله.. فمن آمن برسول من رسل الله ولم يؤمن بجميع الرسل، فليس من المؤمنين، ومن تمسك بكتاب وكفر بما سواه من كتب الله، فهو من الكافرين.. وقد ذمّ الله أهل الكتاب- من اليهود والنصارى- الذين فرّقوا دين الله وتوعدهم بالعذاب الأليم.
стр. 143
فقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥٠- ١٥١: النساء) على حين الله مدح المؤمنين الذين يؤمنون برسله جميعا، ولم يفرقوا بين أحد منهم، وأنزلهم منازل رضوان، وأوسع لهم فى جناب رحمته ومغفرته، فقال تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» : (٢٥٢: النساء) ويقول جل شأنه:
الآيات: (١٣٧- ١٣٩) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٧ الى ١٣٩]
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)
التفسير: الإيمان بالله وكتبه ورسله من غير تفرقة بين الله ورسله، هو الإيمان الذي قامت عليه دعوة الإسلام، واستقام عليه المسلمون، فإن آمن أهل الكتاب مثل هذا الإيمان فقد اهتدوا، وصح إيمانهم، وإن تولّوا فقد ضلّوا سواء السبيل، وصار أمرهم إلى خلاف وشقاق بينهم وبين المؤمنين، ثم بينهم وبين أنفسهم، وليس على النبىّ والمسلمين من بأس فى مخالفة
стр. 144
أهل الكتاب لهم، واتباعهم سبيلا غير سبيل المؤمنين، فالله سبحانه، سيكفى النبىّ شرّهم، ويبطل كيدهم.
وقوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ» داخل فى مقول القول، فى قوله تعالى: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ» أي قولوا آمنا بالله وصبغنا صبغة الله، أو رضينا صبغة الله، والصبغة هنا هى السّمة واللون الذي يظهر به المسلمون فى الناس، وهو الإسلام.
وقوله تعالى: «قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ» إنكار من المسلمين على أهل الكتاب أن يجادلوهم فى الله، إذ الأمر لا يتسع لجدال فى حقيقة واحدة، فإمّا إيمان، وإما كفر.
ثم يقول سبحانه:
آية: (١٤٠) [سورة البقرة (٢) : آية ١٤٠]
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)
التفسير: وهذا إنكار أعلى هل الكتاب- اليهود والنصارى- أن يقول اليهود إن إبراهيم وإسماعيل: وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا يهودا، وأن يقول عنهم النصارى إنهم كانوا نصارى، وقد أخبر الله أنهم لم يكونوا يهودا، أو نصارى: «ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً
стр. 145
مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»
: (٦٧: آل عمران) وأهل الكتاب يعلمون من التوراة والإنجيل هذه الحقيقة، ولكنهم يكتمونها، ويشهدون زورا وبهتانا على خلافها، وذلك ظلم مبين للحقيقة، ولأنفسهم، التي حجبوها عن الحق، وأوردها موارد الضلال والخسران.
ثم يختم الله هذا الموقف بقوله سبحانه:
آية: (١٤١) [سورة البقرة (٢) : آية ١٤١]
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
التفسير: الأمة هى الجماعة، ويراد بها هنا إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وأتباعهم، وقد صار أمرهم إلى الله، والخلاف فيهم لا ثمرة له، وإنما يؤخذ كل إنسان بعمله، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد.
فانظر كيف كان دفاع القرآن عن هذا الأمر الذي جاء به، ودعا المسلمين إليه؟ إنه إلى الآن لم يجىء الأمر المرتقب، وهو دعوة المسلمين إلى أن يحوّلوا قبلتهم إلى البيت الحرام.. ومع هذا كانت تلك المواقف التي كشف فيها القرآن عن طوايا النفوس، وما يحمل أهل الكتاب فى نفوسهم- وخاصة اليهود- من ضغينة وحقد على الإسلام! كانت إعجازا من إعجاز القرآن.
وأنت ترى أن الأمر بتحويل القبلة لم يذكر بعد، ولهذا لم يكن لأهل الكتاب ولا لغيرهم حديث عنه، وإنما سبق القرآن إلى الكشف عن المستقبل، وأطلع المسلمين على ما سيلقى به أهل الكتاب هذا الأمر.!
وأول آية تلقانا بعد هذا هى قوله تعالى: «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ
стр. 146
ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها» (الآية: ١٤٢) .. إنهم لم يقولوا بعد شيئا، ولكنهم سيقولون، حين يجىء الأمر الذي قدره الله وأراده! وسنرى فى الآيات الآتية كيف كان دفاع القرآن، وكيف كان ردّه وردعه لهؤلاء السفهاء، المتطاولين على الحق، المتربصين به وبأهله السوء! وإنك لترى من هذا كلّه أن آية النسخ كانت مقدمة الدفاع، فى قضية التحوّل بالقبلة إلى المسجد الحرام.. وكأنها تقول للمسلمين ولأهل الكتاب:
إن الله إذا نسخ آية من آياته، أو بدل حكما من أحكامه بحكم آخر، فذلك بمقتضى حكمته ورحمته بعباده.
وقد نسخ الله كثيرا من الشرائع التي تقدمت شريعة الإسلام، وأنساها فلم يعد أحد يذكر عنها شيئا.. فأين رسالة نوح؟ وأين صحف إبراهيم التي ذكرها القرآن فى قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» ؟ وأين رسالات الأنبياء: صالح، وهود، وشعيب، ولوط؟
يقول ابن كثير فى تفسيره:
«والذي يحمل اليهود على البحث فى مسألة النسخ هو الكفر والعناد، فإنه ليس فى العقل ما يدل على امتناع النسخ فى أحكام الله تعالى.. لأنه يحكم ما يشاء، كما أنه يفعل ما يريد.. كما أنه قد وقع ذلك فى كتبه المتقدمة، وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرّم ذلك، كما أحلّ لنوح ﵇ بعد خروجه من السفينة، جميع الحيوانات، ثم نسخ حلّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه، وقد حرّم فى شريعة التوراة وما بعدها. وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل ... » «١»
стр. 147
وعلى هذا، فإن أقرب مفهوم إلى النسخ الذي تشير إليه الآية:
«ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ» هو نسخ الأمر بالتوجّه بالصلاة إلى البيت المقدس، وجعله إلى المسجد الحرام.. وكلا المسجدين آية من آيات الله، إذ قاما بأمره، وأفاض عليهما من فضله، فإذا نسخ المسجد الحرام المسجد الأقصى، فإنما هو نسخ آية بآية، وتبديل نعمة بنعمة! .. «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» .
أما قوله تعالى: «أَوْ نُنْسِها» ففيه قراءتان: ننسها، أو ننسأها.
فعلى القراءة الأولى، يكون من النسيان، بمعنى أنه تعالى يعفّى آثار بعض شرائعه التي شرعها، وأحكامه التي قد فرضها فى أجيال الماضين..
قال أبو بكر الرازي:
«إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه، ويرفعه من أوهامهم، ويأمرهم بالإعراض عنه وكتبه فى الصحف، فيندرس على الأيام، كسائر كتب الله القديمة، التي ذكرها الله فى كتابه، فى قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» .. ولا يعرف اليوم منها شىء» .
وعلى القراءة الثانية، يكون من النّسأ، وهو التأخير، ومعنى هذا أن الله سبحانه قد يؤخر نسخ آية إلى أجل معلوم، كما أخر نسخ التوجه إلى بيت المقدس، منذوجّه المسلمون وجوههم إليه فى الصلاة، إلى أن أمروا بالتحول إلى المسجد الحرام.. بعد سبعة عشر شهرا!.
ونخلص من هذا كله، إلى القول، بأن آية النسخ ليست موجهة إلى نسخ آيات من القرآن الكريم، بآيات أخرى، وإنما إلى نسخ قبلة وإحلال أخرى مكانها.. وأن النّسأ هو تأخير الحكم الذي دعى به المسلمون إلى التحول إلى البيت الحرام- مدّة بلغت سبعة عشر شهرا، كانوا يتجهون خلالها
стр. 148
نحو بيت المقدس، وذلك لحكمة أرادها الله تعالى، فيها امتحان وابتلاء لعباده، من مؤمنين، وكافرين، ومنافقين..
تأويل بعض ما يبدو فيه النسخ:
من آيات الأحكام ما يبدو فيها النسخ، إذ كانت القضية واحدة، والأحكام فيها مختلفة، وأوضح مثل لهذا، الآيات التي جاءت فى «الخمر» ومثلها الآيات التي جاءت فى «الربا» .
فقد جاء فى «الخمر» آيات فى عدة مواضع من القرآن، وفى كل موضع حديث عن الخمر، يختلف عما تضمنته الآيات الأخرى، وذلك فى صدد تحريمها، ومثل ذلك ما ورد فى الربا.
ويرى العلماء القائلون بالتناسخ بين هذه الآيات أن ذلك لحكمة تربوية، قصد بها التلطّف فى الدخول على النفوس دخولا مترفقا، فى تحريم أمور كانت ذات ارتباط وثيق بها، وسلطان قاهر لها.. وفى انخلاع النفس عنها جملة، ما لا يؤمن معه سلامة النفس، أو تقبلها لهذه الأوامر إذا هى حملت عليها دفعة واحدة، على هذا الوجه المفاجئ، فقد تخور كثير من النفوس، وقد تتصدع وتنحلّ، إذا هى واجهت الأمر مرة واحدة دون إعداد وتمهيد.
ففى الخمر.. حين أراد الله أن يحرمها، سلك ذلك المسلك التربويّ الحكيم، الذي لا يرى ألطف، ولا أحكم، ولا أعدل مدخلا منه إلى النفس.
(١) : كان أول إشارة إلى الخمر تلك الإشارة التي تضعها وضعا غير كريم بين النعم التي أنعم الله بها على عباده، فقال تعالى:
«وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً» (٦٧: النحل) .
стр. 149
فالرزق الحسن الذي يتخذ من ثمرات النخيل والأعناب، ليس منه السّكر الذي يتخذ من هذه الثمرات.. وإلا لكان قد وصف بأنه سكر حسن، كما وصف الرزق بأنه رزق حسن.
وفى هذا ما يفتح للكثير من ذوى البصائر سبيلا إلى العزوف عن هذا السّكر وتجنبه، إذ كان رزقا غير حسن! (٢) : ثم تجىء الآية الثانية بعد هذا، وفيها تشنيع على الخمر، وتقبيح لها، وفى هذا يقول الله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» (٢١٩: البقرة) .
فقد قرنت الآية الخمر إلى الميسر، وجعلتهما فى مقود واحد، إذ كانا من فصيلة الشر والفساد على السواء..
ومن تدبير القرآن الكريم فى هذا أنه لم يغفل الوجه الآخر لهذه المنكرات.
فكل شىء وإن بلغ ما بلغ من السوء، له جانب آخر غير سيىء.. إذ ليس هناك شر خالص، أو خير محض، فيما يدور فى دنيا الناس، وفيما يتقلّبون فيه.
فلم ينكر القرآن هذه الحقيقة الواقعة، وهى أن للخمر والميسر منافع من بعض الوجوه، وعند بعض الناس، ولكن هذه المنافع ليست شيئا إذا هى قيست إلى جانب الإثم والشرّ اللّذان ينجمان منهما.
فإذا ربح إنسان من الميسر مرة، فإن خسائره المحققة آخر الأمر أضعاف ما ربح، وإذا كان للخمر عند شاربها لذة أو نشوة فى أول عهده بها، فإنها تنتهى به إلى تدمير كامل، لقواه العقلية والجسدية والنفسية، إن لم يكن فى جميع الأحوال ففى غير قليل منها.
стр. 150
(٣) : ثم تجىء بعد ذلك إشارة أوضح وأصرح من سابقتها فى التحذير من الخمر.. إذ يقول تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» (٤٣: النساء) فقد حرمت هذه الآية على المسلم أن يدخل فى الصلاة وهو فى حال سكر، لا يعلم معها ما يقول.
والصلاة تتكرر فى اليوم خمس مرات، فى أوقات متفاوتة، تكاد تجعل الليل والنهار قسمة بينها، وهيهات أن يشرب شارب الخمر عقب صلاة من الصلوات، ثم تدركه الصلاة التالية، وقد صحا من خماره، أو أفاق من سكره.
ولقد دعت هذه الإشارة كثيرا من المسلمين إلى أن يتجنبوا الخمر، وألا يقربوها بحال، على حين ظل بعضهم يلقاها بين الحين والحين، وفى حذر وإشفاق..
(٤) : ثم كانت الحاسمة.. فجاء قوله تعالى:
«إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» (٩١- ٩٢ المائدة) .
وبهذا يجىء الحكم القاطع فى تحريم الخمر، فتصبح منذ اليوم الذي نزلت فيه هاتان الآيتان الكريمتان، محرمة على المسلم! والسؤال الوارد بعد هذا: هو: ماذا يقال عن تلك الآيات التي تحدثت عن الخمر، قبل هاتين الآيتين اللتين جاءتا صريحتين قاطعتين بتحريم الخمر؟
أهي منسوخة بهاتين الآيتين؟ وهل هناك سلسلة من التناسخ بينها، بحيث ينسخ بعضها بعضا.. اللاحق منها ينسخ السابق؟
والجواب على هذا ليس جوابا واحدا.. فإذا قلنا بوجود النسخ فى القرآن
стр. 151
كان واضحا أن هذه الآيات جميعها منسوخة بالآيتين الأخيرتين، وكانت مراحل النسخ بينها متتابعة.. اللاحق منها ينسخ السابق! أما إذا قلنا بألّا نسخ فى القران، كان الجواب، بأن هذه الآيات جميعها عاملة، تلاوة وحكما، وأن اللاحق منها هو منسأ تأخر نزوله، ووجب امتثاله، كلّ فى وقته، لحكمة توجب ذلك الحكم الذي تضمنته الآية.
وهنا يلقانا هذا السؤال: كيف يمكن التوفيق بين هذه الأحكام المختلفة، فى أمر واحد هو الخمر؟
فالخمر: رزق غير حسن..
وهى إثم ونفع، وإثمها أكبر من نفعها..
وهى محرمة.. إذا دخل بها شاربها الصلاة وقد سكر منها.
ثم هى محرمة حرمة مطلقة من كل قيد! هذه سلسلة من الأحكام، واقعة على أمر واحد هو الخمر.
فأى هذه الآيات، أو بمعنى آخر، أي أحكام هذه الآيات يلزم المسلمين العمل، والوقوف عنده؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال، نسأل سؤالا آخر ونجيب عليه، وهو:
هل من شأن النهى القاطع الملزم الذي جاءت به آخر آية فى تحريم الخمر- هل من شأن هذا النهى أن يحول بين المسلم وبين أن يشرب الخمر؟ أو بمعنى آخر هل فى هذا النهى من القوى الذاتية ما يعصم المسلمين جميعا من شرب الخمر أو يحميهم جميعا- فردا فردا- من الضعف النفسي إزاءها؟
والجواب على هذا إنما نأخذه من الواقع التطبيقى فى الحياة، للأوامر والنواهي، التي جاءت بها الأديان، وهى أن أي أمر أو نهى لا يستقيم الناس جميعا عليه، ولن يلتزموه التزاما كاملا، فما أكثر الذين يخرجون عن تلك
стр. 152
الأوامر والنواهي، فلا يأتون منها ما أمر الله به، ولا ينتهون عما نهى الله عنه.
فالأديان تنهى عن الكذب، وكثير من أتباع هذه الأديان يكذبون، والأديان تنهى عن الظلم، وكثير من أتباع هذه الأديان يظلمون، والأديان تنهى عن السرقة وكثير من أتباع هذه الأديان يسرقون.. وهكذا الشأن فى كل ما تأمر به الأديان أو تنهى عنه، لا يستقيم الناس أبدا على أوامرها ونواهيها.، استقامة مطلقة، تحتوى الناس جميعا! والأديان تعلم هذا مقدما، ولهذا تفرض عقوبات دنيوية وأخروية، للمخالفات التي تقع من أتباعها.
والخمر التي نهى الإسلام عنها، قد رصد الشارع العقوبة الرادعة لمن يشربها، ولا ينتهى عما نهى الله عنه منها.
والسؤال هنا: إذا شرب مسلم الخمر.. فما موقف الإسلام منه؟ وما موقفه هو من الإسلام؟
أما الإسلام هنا، فإنه يراه آثما، يستحق العقوبة الرادعة فى الدنيا، وهى الجلد، وأمره إلى الله فى الآخرة.. إن شاء غفر، وإن شاء أخذه بما ارتكب.
وأما هو- أي شارب الخمر- فهو على ما به من إثم- مسلم.. آثم، عاق.
ولا تلتفت هنا إلى قول من يقول بتكفيره.. فقد شرب الخمر من شربها من المسلمين فى عهد النبوة، وفى عهد خلفائه الراشدين، وقامت البينة القاطعة التي أوجبت الحدّ عليهم.. ومع هذا فقد بقي معهم إسلامهم، وكانوا يشهدون مشاهد المسلمين فى الصلاة وغيرها.
وإذن، فقد يشرب المسلم الخمر، يشربها ويدمغ بالإثم والعصيان، ولكن على أي حال هو مسلم، لا تسقط عنه الواجبات المفروضة على المسلم، ومن بينها الصلاة.. وليس من حائل يحول بينه وبين الصلاة فى هذه الحال، إلا أن
стр. 153
يكون فى حال سكر، لا يدرى معها ما يقول.. وهنا نجد الآية الكريمة:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» نجدها عاملة غير معطلة، فهى تفرض حكمها على من خالف ما نهى الله عنه- من أمر الخمر فشربها حتى سكر، وهو ألا يقرب الصلاة حتى يصحو من سكره، ويعلم ما يقول.
وتبقى بعد هذا الآيتان: الأولى والثانية، وهى قوله تعالى: «وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً» وقوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» .
وهاتان الآتيان تعرّضان بالخمر، وتشنّعان عليها، وتضعانها موضعا غير كريم، وتزنانها بميزان يقلّ فيه خيرها ويكثر فيه شرها.
فهى رزق.. ولكنها رزق غير حسن.
وهى نفع.. ولكن إثمها أكبر من نفعها.
وهى رجس.. ولكن بعض الناس يلطخ نفسه بهذا الرجس!.
فجميع هذه الأوصاف هى للخمر، وهى أوصاف خسيسة كلها، ولكنها درجات فى الخسّة من حيث النظرة التي ينظر بها إليها، وهى على جميع مواقع النظر موسومة بسمة القبح والإثم والرجس، وتلك الأوصاف ملازمة لها، لا تنفصل عنها أبدا.
وإذن فالآيات الأربع الواردة فى شأن الخمر، لا تعارض بينها، ولا تناسخ، بل كلها عاملة، تعطى الوصف المناسب لها، كما تعطى الحكم المناسب أيضا.
وما قيل فى آيات الخمر، يقال فى آيات الربا كذلك:
فالآيات التي نزلت فى شأن الربا، جاءت متدرجة على مراحل، على نحو ما جاءت عليه آيات الخمر فى الخمر.
стр. 154
فأول ما نزل فى شأن الربا قوله تعالى: «وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» (٣٩: الروم) .
وفى هذا تحريم للرّبا، وتشنيع عليه، وكشف لوجه كريه من وجوهه.
ثم نزل بعد هذا قوله تعالى فى شأن اليهود المتعاملين بالربا، المستحلّين له:
«وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ» (١٦١: النساء) .
وهذه الإشارة والإشارة التي قبلها تدعوان كثيرا من المسلمين إلى أن يحذروا هذا النوع من المعاملات، وأن ينفروا منه، وإن لم يكن قد حرّم عليهم بعد.
ثم نزل بعد هذا قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (١٣٠: آل عمران) .
«والنهى هنا ليس نهيا قاطعا فى تحريم الربا تحريما مطلقا، وإنما وقع تحريمه فى صورة خاصة، وهى أن يكون أضعافا مضاعفة.. وهذه الصورة تقابل فى تحريم الخمر قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» .
ثم كانت الكلمة الأخيرة فى الرّبا، فنزل قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ» (٢٧٨- ٢٧٩: البقرة) .
وبهذا كان الحسم والقطع فى تحريم الرّبا!.
هذا، ويرى كثير من العلماء أن ما جاء فى الربا والخمر، ليس من قبيل النسخ، لأن النسخ هو إزالة حكم شرعى بحكم آخر شرعى.. والخمر والربا لم يكن قد جاء فيهما حكم شرعىّ بحلّهما، ثم جاء حكم شرعىّ
стр. 155
آخر بتحريمهما، فيكون الحكم الثاني ناسخا للحكم الأول، وإنما هما مما كانا للعرب فى الجاهلية، ثم جاء الإسلام فوجدهما على ما هما عليه فحرّمهما.. وقد ظلّت الخمر غير محرّمة إلى صلح الحديبية، حيث جاء القرآن إذاك بتحريمها.
وكذلك الرّبا، لم يحرم تحريما قاطعا إلا قبيل وفاة النبىّ الكريم.
ولكن إذا قيل فى القرآن نسخ- ألا تعتبر هذه المراحل التشريعية للأمر الواحد واختلاف الحكم فى كل مرحلة منها- ألا تعتبر هذه المراحل مما يقيم للقائلين بالنسخ فى القرآن، الشرط الذي يطلبونه له، وهو إزالة حكم شرعى، بحكم شرعى آخر؟.
ثم ألا تعتبر كل مرحلة من هذه المراحل مظروفة بحكم يخصّها.. ثم تجىء المرحلة التالية فتنسخ حكمها؟.
وعلى أىّ فإن رأينا فى الآيات التي نزلت فى الخمر والرّبا ألّا تناسخ بينها، وأنها جميعا محكمة، عاملة، تلاوة وحكما.
وندع هذه الآيات التي يلتقى معنا فى الرأى فيها بعض الذين يقولون بالنسخ، وإن كان هذا اللقاء على وجه مختلف بيننا وبينهم!.
وننظر فى آيات أخرى يقطعون بالقول بنسخها، ونقطع نحن بالقول بأنها غير منسوخة.
فمن ذلك قوله تعالى:
«وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» (٨: النساء) .
فالقائلون بالنسخ مجمعون- قولا واحدا- على أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث.
стр. 156
والقول ينسخ هذه الآية يسدّ على الفقراء والمساكين واليتامى بابا من أبواب الرحمة، أراد الله سبحانه أن يفتحه عليهم، كما أنه يقطع آصرة المودة بين ذوى القربى، التي أمر الله بها أن توصل!.
وما أعدل الإسلام، وما أحكم أحكامه التي تتجلّى فى كل آية من آياته! وهنا فى هذه الآية الكريمة، التي يريد القائلون بالنسخ، عزل المسلمين عنها- تدبير حكيم من الإسلام، وآية من آيات خلود هذا الدين.
فالميراث الذي يتركه الميت لورثته هو خير غير مرتقب، قد شمل أعدادا من الناس بحكم قرابتهم لهذا الوارث..
وهناك عيون كثيرة تتطلع إلى هذا الخير، وتتبع مواقعه التي وقع فيها، وخاصة ذوى القربى الذين لا نصيب لهم بين الورثة، وكذلك من يشهد قسمة هذا الميراث من فقراء ومساكين، لهم بالمورّث صلة جوار أو معرفة.
إن هؤلاء وأولئك يرون مائدة ممدودة حافلة بأنواع الطعام، وهم جياع يسيل لعابهم إلى القمة مما عليها.
هذا هو الموقف، كما يراه القرآن، وكما تشهده الحياة..
فماذا لو ذهب الورثة بكل هذا الميراث؟ ثم لم يكن لذوى قرابتهم المحرومين منه، نصيب؟ ولم يكن للفقراء والمساكين الذين تتلمظ شفاههم إلى نفحة منه شىء؟
ماذا يكون؟.
أحقاد وأضغان، وعداوات، تثير السخط والنقمة، وتذهب بالإخاء والمودة بين الناس والناس!.
وتأمل قوله تعالى: «إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ» .. أي إذا كانت القسمة بمحضر منهم، وبمشهد وعلم.
стр. 157
فهذا الحضور هو شرط فى أن يرزق هؤلاء الحاضرون من هذا الخير الذي شهدوه، ورأوا الأيدى تمتد إليه وتنال منه! وأنت ترى ما فى هذا التوجيه السماوي، تلك الحكمة الحكيمة التي تقوم عليها شريعة الإسلام فى تربية الأمم، ودعم بنائها، وإقامة أسسها على دعائم وطيدة من التضامن الاجتماعى، وحراسة المجتمع الإنسانى من أن تدخل عليه آفات التباغض والتحاسد، التي هى أفتك الأدواء فى تقويض الجماعات والأمم!.
إن ضريبة «الزكاة» التي تفرضها كثير من الدول على ما ترك المورّث ليس إلا تطبيقا إجباريا، لهذا المبدأ الكريم السمح، وإلا وحيا من وحيه، وإن كان البون شاسعا، والمدى بعيدا، بينها وبين ما جاء به القران وشرعه الإسلام.
فالإسلام لم يجعل هذا الأمر على وجه ملزم، بل جعله دعوة مطلقة للخير وللبر، فى مقام يحضره داعيان من دواعى الخير والبر، وهما: الوجد والموت..
إذ المال موجود عتيد بين يدى من سيصير إليهم من الورثة، وهو مال لم يقع فى أيديهم بعد.. ومن أجل هذا فإن النفس- فى تلك الحال- لا يغلبها الحرص عليه، والضنّ به كما لو وقع فى اليد، وصار فى حوزة صاحبه.. خاصة وأنه لم يبذل له جهدا، ولم يتكلف له عملا، بل جاءه هكذا عفوا من غير سعى..
ثم الموت المشهود المذكور فى هذا الوقت، حيث كل شىء من هذا المال يذكّر بالميت والموت معا.. ومن أجل هذا فإن النفس لا يغلبها الشح، ولا يمسك بها عن البذل والإنفاق فى سبيل الله، داعى الحرص على الحياة فى هذا الوقت، الذي يطلّ عليها فيه شبح الموت، ويذكرها بأن كل شىء إلى زوال «والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا» !.
هذه الآية من الآيات الكثيرة التي قيل- على سبيل القطع- إنها منسوخة، وهى- كما رأيت- دعوة كريمة من دعوات الإسلام إلى البرّ والإحسان،
стр. 158
وقوة عاملة فى حراسة المجتمع وحمايته من عوادى العداوة والبغضاء!.
فإذا كان هذا ما ينسخ من آداب القرآن وأحكامه.. فماذا يبقى من آدابه وأحكامه؟ بل ولم يبقى- بعد هذا- على شىء من آدابه وأحكامه!؟
إننا لا نسيغ القول أبدا بأن شيئا منسوخا من هذا القرآن الذي نقرؤه، ونتعبّد به! إذ لا حكمة- مع هذا- لآيات كريمة نتلوها ونتعبّد بتلاوتها، ثم لا نعمل بها، ولا نأخذها مأخذ الجدّ، فى تحصيل الخير المشتمل عليه كيانها! إن النسخ معناه عزل الآيات المنسوخة عن الحياة، وإحالتها إلى «المعاش» .. وما الاحتفاظ بها فى القرآن إلا كالاحتفاظ بجثث الأموات محنطة فى توابيت!! وذلك مقام تنزّه عنه كلام الله رب العالمين! ولا نستكثر من عرض الآيات التي قيل إنها منسوخة- وهى كما يقول القائلون بالنسخ- كثيرة، تبلغ نحو ثلث القرآن عند بعضهم.. وسنلتقى أثناء نظرنا فى كتاب الله مع بعض تلك الآيات، التي قيل إنها منسوخة، وسنكشف إن شاء الله عن وجه الحق فيها! والله المستعان، ومنه السداد والتوفيق.
стр. 159
الآية: (١٤٢) [سورة البقرة (٢) : آية ١٤٢]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)
كان تحوّل النبىّ والمسلمين بقبلتهم فى الصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، حدثا اتخذه اليهود ذريعة للتشويش على المسلمين، وإدخال البلبلة والاضطراب على معتقدهم، فكانوا يرصدون كل حدث يقع فى محيط المسلمين، ليقعوا منه على سلاح مسموم، يعملونه فى المعركة التي يخضونها ضد الإسلام والمسلمين.
وحين أمر الله نبيه أن يتحول بالمسلمين إلى المسجد الحرام فى الصلاة وجدها اليهود فرصة سانحة للعمل، فأذاعوا أن محمدا إنما فعل ذلك على حساب عقيدته، للخلاف الذي بينه وبينهم، وأن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء جميعا، فكيف استباح محمد لنفسه أن يخرج على شريعة الأنبياء وهو الذي يدعو إلى الإيمان بهم جميعا؟ فإذا كان دينه من عند الله، فهذا الذي فعله هو إبطال لهذا الدين، ومعالنة صريحة بالخروج على أحكامه، وأما إذا كان ما يدعو إليه من دين هو من عمله، فإن له أن يغيّر فيه ويبدّل كيف يشاء، لكن على ألا يتحكك بالأديان السماوية، وألا يعقد صلة بينه وبين الأنبياء.!
بمثل هذه التخرصات كان يلقى اليهود المسلمين، على ألسنة المنافقين ومن فى قلوبهم مرض، وقد أثاروا بهذه المقولات بلبلة واضطرابا، حتى لقد وقع عند بعض المسلمين أن صلاتهم التي اتجهوا بها إلى بيت المقدس لم تكن قائمة على وجهها الصحيح، ولهذا أمرهم الله بالتحول إلى البيت الحرام!
стр. 160
هذا، وفى قوله تعالى: «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ» إخبار بما سيكون من هؤلاء السفهاء من سفاهة، قبل أن يقع منهم هذا السّفه عن تلك الواقعة، وفى هذا ما يكشف عن لؤم القوم وخبث طويتهم، وأنهم- بحكم ما هم عليه من خبث ولؤم- لن يتركوا هذا الحدث من غير أن يثيروا الغبار حوله، وأن يشعلوها فتنة عمياء، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا! وفى قوله تعالى: «قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ردّ مفحم على تلك السفاهة المضلة، فإذا كانت العبادة لله وحده، وإذا كانت وجوه العابدين إنما قبلتها لله وحده، فإن أي متجه يتجه إليه المؤمن هو وجه قاصد إلى الله: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» ..
«قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ...
وقد وجّه الله المسلمين وجهتهم الأولى، وهو الذي وجههم وجهتهم الثانية، وهم فى وجهتيهم على صراط مستقيم، إذ كانوا ملتزمين أمر الله، آخذين بهديه، عابدين له وحده!
آية: (١٤٣) [سورة البقرة (٢) : آية ١٤٣]
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
التفسير:
قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» عطف على قوله سبحانه:
стр. 161
«وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» أي قد هديناكم إلى صراط مستقيم «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» أي أمة قائمة على صراط مستقيم، هو الوسط بين التقصير والغلوّ. وهذا هو أعدل المناهج وأقومها، حيث أن التقصير يقعد بصاحبه عن اللحاق بالركب، كما أن الغلوّ يقطع صاحبه عن مواصلة الرحلة، بعد أن يكلّ حدّه، ويفتر عزمه.
وقوله تعالى: «لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» تعليل شارح للأمة الوسط ومكانها المحمود بين الأمم، فأهل هذه الأمة، هم بموقفهم الوسط، شهادة قائمة على الناس جميعا، إذ كان سيرهم على خط الحياة سيرا يحتمله جهد الأقوياء والضعفاء جميعا ... إنه سير يحفز همّة الضعيف ويشحذ عزمه، على حين أنه يمسك زمام الشارد، ويردّ أنفاسه المبهورة.
وقوله تعالى: «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» هو الميزان الذي يضبط الأمة الوسط، ويحكم قيامها على هذا الطريق السّوىّ، حيث كان الرسول الكريم هو المثل الأمثل لأمته، فهو فى الأمة الوسط شهادة قائمة عليها، يأخذ بقوله وعمله خطّ الوسط فيها، فيمسك بالضعاف أن ينزلوا عن المستوي الجامع للأمة الوسط، ويهتف بالمغالين ألّا يتفلتوا من خط هذه الأمة وينقطعوا عنه.
والوسط من كل شىء هو مركز الاعتدال منه، ونقطة التوازن فيه.
وطبيعى أن فوق الوسط منزلة أعلى منه، وأنه ليس غاية الكمال، ومع هذا، فإنه- فى مجموعه- خير مما فوقه، لأنه أثبت وأدوم، ولأنه أقرب إلى متناول الناس، إن لم يكن الناس جميعا، فالأغلب الأعم منهم.
إن الاعتدال فى أي شىء وفى كل شىء، هو مما يحتمله الناس ويقدرون
стр. 162
على الوفاء به، ويصبرون على ما يكرهون منه، أما ما فوق الوسط فهو أمر لا تحتمله أكثر النفوس، ولا تصبر عليه.. وقد يرتفع الإنسان إلى أكثر مما يحتمل، فيختل توازنه ويسقط.. ولا تكون السلامة والعافية إلا حيث الاعتدال، الذي يجد الإنسان فى مجاله القدرة على التحرك إلى فوق، وإلى تحت، وهو فى تلك الحركة- بحكم الوسط- لا يخرج عن المقام الكريم اللائق به، حيث يظل- بالوضع الذي هو فيه- مشرفا على الأرض، مستشرفا للسماء! وقد يقول بعض القائلين: إن الوسط لا طعم له، ولا ذاتية لوجوده..
إنه أشبه بالخط الوهمي بين شيئين.. إنه ليس شيئا، ولا ضد شىء.
إن القسمة فى الأمور، هى الشيء وما يقابله.. الخير والشر.. الأبيض والأسود.. الحلو والمر.. الجميل والقبيح.. اليمين والشمال..
أما الوسط الذي يفصل بين هذه المتقابلات فليس إلا خطا وهميا..
ونقول: إننا لا ننكر أن الوسط ليس هو الكمال كله، وأن فوق الوسط منازل كثيرة للفضل، وأنه غير محجور على الناس أن يرتفعوا إليها، وأن يتنافسوا فيها.. بل إن ذلك مندوب محمود..
ولكن هذا شىء، والتشريع العام شىء آخر.
التشريع إلزام لا انفكاك منه.. التشريع عقد بين صاحب الشريعة وأتباع هذه الشريعة.. فهم مطالبون بالوفاء بما شرع لهم، وهم ملومون مأخذون بالعقاب إذا قصروا.. وليس الأمر كذلك فيما كان عن تطوع واختيار.. إذ للإنسان أن يمضيه أو يعفى نفسه منه.. ولا لوم عليه! والتشريع حين يكون عاما.. لأمة، أو للإنسانية كلها- تقتضى الحكمة
стр. 163
فيه أن يكون قائما على معيار يسع الناس جميعا.. الأقوياء والضعفاء.. فى جميع الأزمان والأوطان.
لذلك اقتضت رحمة الخالق بعباده، فى دعوتهم إلى الإسلام، الذي أريد له أن يكون دين الإنسانية، ومختتم رسالات السماء- اقتضت هذه الرحمة الراحمة أن تكون شريعة هذا الدين مقدرة على قدر ما يحتمل الضعفاء لا الأقوياء، وأن يكون ما فى الأقوياء من قدرة على احتمال ما فوق هذا التشريع هو فضل من فضل الله عليهم، يزدادون به كمالا فوق الكمال الذي بلغوه بأداء ما كلّفوا.. فإنه ما على المحسنين من سبيل.
وقوله تعالى: «وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ» بيان للحكمة التي أرادها الله من وراء هذا الامتحان الذي امتحن المسلمين به، حين وجههم إلى بيت المقدس، ثم عدل وجههم عنه إلى البيت الحرام. ففى هذا الامتحان يختبر إيمان المؤمنين، وتظهر حقيقة ما عندهم من طاعة وامتثال لله ولرسوله، من غير أن تدور فى رءوسهم أسئلة التوقف، فيقول قائلهم: ما هذا؟ ولم؟ وكيف؟ إذ أن من شأن المؤمن أن يتلقى أمر الرسول بالقبول والتسليم، امتثالا لقوله تعالى: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» : (٧: الحشر) وفى قوله تعالى: «وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» إشارة إلى أن هذه المحنة التي امتحن بها المؤمنون كبيرة، لا يجوزها بقلب سليم، ونفس مطمئنة إلّا الذين هداهم الله وثبت أقدامهم على طريق الحق واليقين:
«وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» : (٢١٣: البقرة) .
وقوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» تطمين لقلوب المؤمنين الذين وقع فى نفوسهم شىء من صلاتهم التي كانوا يصلّونها إلى بيت المقدس،
стр. 164
فهى صلاة كاملة، مقبولة عند الله.. ذلك أن المسلمين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فلما هاجر النبىّ وتحولت القبلة إلى البيت الحرام اهتزت مشاعرهم، وساورهم القلق فى شأن تلك الصلاة التي صلّوها إلى بيت المقدس، فكان أن تداركهم الله برحمته، وأنزل عليهم قوله: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» .
آية: (١٤٤) [سورة البقرة (٢) : آية ١٤٤]
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)
التفسير: يخبر الله سبحانه فى هذه الآية عن الحال التي كان يعانيها النبىّ الكريم، حين هاجر إلى المدينة وقلبه معلّق بمكة والبيت الحرام، ووجهه يتردد فى السماء بين مطالع المسجدين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهما على سمت واحد، فقطع الله عليه طريق التردد، وأمسك وجهه على القبلة التي تهفو إليها نفسه: «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» .
ويلاحظ أن هنا تقديما وتأخيرا فى عرض الأحداث، إذ جاء ذكر الآثار التي ترتبت على هذه الواقعة، قبل وقوعها، فكشفت الآيات عن موقف اليهود من تحول القبلة إلى المسجد الحرام أولا، ثم عرضت الأمر بهذا التحول بعد ذلك، وفى هذا ما يشعر بأن هذا التحول فى ذاته ما كان ليكون موضع تساؤل وجدل، فهو أمر من أمر الله، ووجه من الوجوه إليه: «وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ
стр. 165
وَالْمَغْرِبُ»
.. ولكن النفوس المريضة لا تجد طعما لحلو، ولا مساغا لطيب، وهذا هو الذي ينظر فيه، ويهتم له، خاصة إذا كان المراء فيه عن علم: «وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» .
آية: (١٤٥) [سورة البقرة (٢) : آية ١٤٥]
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)
التفسير: المراد بالقبلة هنا الدين والملّة، وموقف أهل الكتاب من النبىّ وما جاء به موقف عنادىّ، فهم منه على خلاف، لا يردّهم عنه أي برهان، ولا تنفعهم معه أية حجة، ولو جاءهم النبىّ بكل آية قاهرة ما آمنوا له، ولا اجتمعوا إليه.. وإذن فهم أبدا على ما هم عليه من هذا الخلاف.. هم مع باطلهم فى جانب، والنبي مع الحق الذي معه فى جانب، ثم هم فيما بينهم مختلفون، لا يلتقى بعضهم ببعض، ولا يستقيم بعضهم على طريق بعض!.
وفى قوله تعالى: «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ» استبعاد من أن يميل النبىّ إلى جانبهم، لأنهم إنما يتبعون أهواء، ويميلون مع مفتريات!
стр. 166
الآيتان: (١٤٦- ١٤٧) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٦ الى ١٤٧]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)
التفسير: هؤلاء الذين يجادلون النبىّ ويكذّبون به وبرسالته، من أهل الكتاب- وخاصة علماءهم- يعرفون صدق هذا النبىّ، إذ يجدون صفته فى التوراة والإنجيل، بحيث لا يلتبس عليهم من أمره شىء، ولكنهم ينكرون هذا الحق الذي يعلمونه علم اليقين، حسدا وبغيا، وذلك ضلال ما بعده من ضلال، والله يقول: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ» (٢٣: الجاثية) وقوله تعالى: «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» تطمين للنبىّ الكريم، وتثبيت له على ما عنده من آيات الله، فهى الحق من عند الله، فلا جدال فيها ولا امتراء، كما يجادل ويمارى الذين بأيديهم مثل هذا الحق من أهل الكتاب.
آية: (١٤٨) [سورة البقرة (٢) : آية ١٤٨]
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)
التفسير: أي دع مراء هؤلاء القوم، فلهم وجهتهم، ولك وجهتك، واستبق الخيرات أنت ومن معك من المؤمنين، فذلك هو الذي ينفع يوم الجزاء، يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
стр. 167
آية: (١٤٩) [سورة البقرة (٢) : آية ١٤٩]
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)
التفسير: لا مراء مع أهل الكتاب، ولا التفات إلى ما يرجف به المنافقون فى شأن القبلة وتحول المسلمين إلى البيت الحرام، وإذن فالمسجد الحرام هو قبلتك أيها النبىّ، تتجه إليه أينما كنت، فى الحضر أو فى السفر، فذلك الأمر هو الحق المنزل إليك من ربّك، الذي لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء.
آية: (١٥٠) [سورة البقرة (٢) : آية ١٥٠]
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)
التفسير: أعيد الأمر مرة ثانية بأن يوجّه النبىّ وجهه شطر المسجد الحرام، ولكن فى هذه المرة دخل المسلمون معه فى هذا الأمر، وإن كان دخول المسلمين مع النبي لازما فى الأمر الأول، وذلك ليتقرر فى نفوس المسلمين أنه أمر لازم لا رجوع فيه، ولا تحول بعده.
وفى قوله تعالى: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ» ما يقطع بأنه لا تحول عن البيت الحرام بحال أبدا، فذلك مما يعطى اليهود حجة على المسلمين إذا هم رجعوا
стр. 168
فتحولوا بقبلتهم إلى بيت المقدس، استجابة لما يوسوس لهم به اليهود، إذ أن الحق طريق واحد، والتردد فيه يعمّى السبل إليه.
وقد عبّر القرآن عن اليهود هنا بكلمة «الناس» ليدخل معهم غيرهم، ممن تأثر بوسوستهم واستمع لضلالتهم.
الآيتان: (١٥١- ١٥٢) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥١ الى ١٥٢]
كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
التفسير: من تمام النعمة على المسلمين، أن الله سبحانه أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آيات الله، ويطهرهم بالإيمان من أرجاس الوثنية والشرك، ويعلمهم ما فى كتاب الله من شرائع وآداب، وما فى سنة الرسول من أدب وحكمة، ويفتح لهم بذلك آفاق العلم والمعرفة.. وحقّ على المسلمين من أجل هذا أن يذكروا فضل الله عليهم، وأن يحمدوه ويمجدوه، ليزيدهم الله من فضله: «فاذكرونى أذكركم» أي اذكروني بالحمد والشكران، أذكركم بالمزيد من الفضل والإحسان.
الآيتان: (١٥٣- ١٥٤) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥٣ الى ١٥٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)
стр. 169
التفسير: الطاعات والاستقامة عليها، لها أعباؤها التي تحتاج إلى قوة احتمال ومجاهدة، ولكى يقوى الإنسان على حمل هذه الأعباء، كان لا بد له من زاد يعينه، ويمسك عليه عزمه ومضاءه..
والصبر والصلاة هما خير ما يتزود الإنسان به، لكى يجد من نفسه القدرة على الوفاء ببعض حق الله عليه.
والصبر قوة معنوية لا يحصل عليها الإنسان إلا بعد رياضة ومعاناة، وتلك الرياضة وهذه المعاناة يحتاجان إلى الصبر، والصبر يحتاج إليهما..
وإذن فالدعوة إلى الصبر دعوة إلى التمرس بالطاعات أولا، والتعود على أداء الواجبات، فذلك هو الذي يخلق فى الإنسان خلق الصبر.. وفى هذا يقول الله سبحانه للنبى الكريم: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها» ..
فأداء الصلاة والمداومة عليها يحتاج إلى الصبر والمصابرة، وبذلك توضع الخمائر الأولى للصبر فى كيان الإنسان، ومع الزمن ينمو الصبر، ويصبح قوة عاملة فى الإنسان.
هذا ويذهب بعض المفسّرين إلى أن معنى الصّبر فى قوله تعالى:
«وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ» هو «الصوم» إذ كان الصوم فى صميمه تجربة حية مباشرة لغرس بذرة الصبر وإرواء نبتته، ولهذا سمّى رمضان شهر الصبر.
ونحن نأخذ بهذا المعنى للصبر، ونرى فى التعبير القرآنى عن الصوم بالصبر إعجازا من إعجاز القرآن، حيث كان الصبر والصوم متلازمين، لا وجود لأحدهما بغير الآخر، فلا صوم إلا مع الصبر، ولا صبر إلا ومعه صوم وحرمان..
صوم عن مكروه، وحرمان من محبوب!.
ولأن الصوم لا يكون إلا ومن ورائه الصبر، كان التعبير عنه بالصبر أولى من التعبير عن الصبر بالصوم، إذ قد يكون الصبر ولا صوم، ولكن لا يكون
стр. 170
الصوم بغير الصبر!.
والجهاد فى سبيل الله، والانتظام فى صفوف المجاهدين، والإقدام على ملاقاة الأعداء، والتعرض لمواجهة الموت- ذلك كله يحتاج إلى رصيد عظيم من الصبر والإيمان.. ولهذا جاءت دعوة الله إلى الجهاد فى سبيل الله، بعد دعوته إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، على المحن والشدائد.
والجهاد فى سبيل الله، محفوف دائما بالبذل والتضحية.. بذل المال، وتضحية النفس، والأهل والولد.
والابتلاء بفقد الأحباب- ولو كان فى سبيل الله- شاق على النفس، أليم وقعه على الأحياء، ولهذا لم يكن الفيء إلى الصبر والصلاة- مهما كان شأنهما- بالذي يقهر نوازع الحزن، ويذهب بلواعج الأسى فى هذا المقام..
ولهذا جاءت تلك المواساة الكريمة الرحيمة من رب العالمين، لتمسح بيد الرحمة على ما بقلوب المبتلين بفقد أحبابهم، والمصابين باستشهاد أهليهم، من آلام وأحزان، فهؤلاء الشهداء- كما يخبر رب العالمين- ليسوا بالأموات، وإنما هم أحياء. فى أطيب منزل، وعند أرحب جناب: «عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (١٧٩- ١٧٠: آل عمران) إن لهؤلاء الشهداء شأنا آخر عند الله غير شأن غيرهم ممن ينقلون من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة.. فهم أحياء عند ربّهم وإن كنا لا نشعر بحياتهم، هم فى عالم ونحن فى عالم، وبين العالمين حجاز.. وحسب المؤمن أن يتلقّى هذا الخبر عن الله تعالى فيعلم، عن يقين أن الشهداء أحياء، يلبسون صورة للحياة أكرم وأبقى من الحياة التي كانوا عليها.. وهم فى نعيم لا يقاس به أي نعيم ينعم به المنعمون فى هذه الدنيا.
стр. 171
الآيات: (١٥٥- ١٥٦- ١٥٧) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥٥ الى ١٥٧]
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
التفسير: الناس جميعا مبتلون فى هذه الحياة- سواء أكانوا أفرادا أو جماعات أو أمما- بشىء من الخوف والجوع- يختلف قلة وكثرة- وبنقص فى الأموال والأنفس والثمرات.. فليس أحد فى هذه الدنيا بمأمن أبدا من أن تنزل به هذه النوازل، متفرقة أو مجتمعة..
والجزع فى هذه المواطن هو الذي يثقّل المصيبة، ويولّد منها مصائب، فيضاعف معها البلاء، ويعظم الألم، ويطبق اليأس، ويغلق كل باب للأمل والرجاء!.
أما الذي يلقى أحداث الحياة ومصائبها بالصبر، ويواجهها بالتسليم والرضا، عن يقين وإيمان بأن ما وقع إنما هو بقضاء الله وقدره- فإن ذلك يهوّن عليه من وقع المصائب وإن عظمت، ويمدّه بمعين عظيم من الصبر والاحتمال، ويفتح له بابا واسعا من الأمل والرجاء فيما هو خير عند الله وأبقى:
«وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» فحين يذكر المؤمن أنه- ذاتا ومالا وأهلا وولدا- ملك لله، لا يملك مثقال ذرة مما فى ملك الله، وأن مصائر الأمور كلها إلى الله، ومردّها جميعا إليه- حين يذكر المؤمن هذا لا يأسى على فائت، ولا يحزن على مفقود،
стр. 172
وتلك هى أولى بشريات المؤمنين فى هذه الدنيا، لا ينزل الحزن ساحتهم، ولا يرهق الهمّ والكرب قلوبهم: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» .
آية: (١٥٨) [سورة البقرة (٢) : آية ١٥٨]
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)
التفسير: الصفا والمروة جبلان صغيران قرب مكة، وهما منسكان من مناسك الحج، والسعى فيهما واجب فى الحج والعمرة عند بعض المذاهب، ونافلة عند البعض الآخر.
وفى قوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» ما يشعر بأن الأصل فى الطواف بهما هو الحظر، وأن رفع الحظر والجناح وارد استثناء على هذا الحظر، وهذا يعنى أن هذا الطواف تركه أبرّ من فعله..
ولكن كيف يكونان- الصفا والمروة- من شعائر الله، ثم يكون الطواف بهما أو السعى بينهما داخلا فى باب الحرج؟.
هذا ما دعا أكثر المفسرين إلى البحث عن وجه يوفّقون به بين هذين الأمرين! وقد كثرت فى هذا المقولات واختلفت المرويات، كما هو الشأن دائما فى مثل هذا الموقف!.
ومما قيل هنا: إنه كان هناك صنمان فى الجاهلية، أحدهما اسمه أساف، على الصّفا، والآخر اسمه نائلة، على المروة، وأن العرب فى الجاهلية كانوا يترددون
стр. 173
عليهما، ويطوفون بهما، فلما جاء الإسلام، ودخل النبىّ- ﷺ مكة معتمرا وأراد أن يسعى بين الصفا والمروة، وقع فى بعض نفوس المسلمين شىء من الكراهية، فنزل قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» أي حيث أن الصفا والمروة من شعائر الله ومناسك عبادته، ولأن السعى بينهما منسك من مناسك الحج، يجب أو أن يندب أداؤه عند الحج أو العمرة، فليسع الحاجّ أو المعتمر بينهما، ولا عليه من بأس أو جناح من وجود هذين الوثنين! فرفع الحرج هو عن السعى مع وجود الصنمين، لا عن ذات السعى.
ولكن هذا التعليل إن ساغ فى تلك الحال العارضة يوم نزول الآية- كما يقال- فإنه بعد ذلك يجعل الآية معلقة بوقت نزولها، منقطعة عن الحياة بعد هذا الوقت، فإن نظر إليها ناظر اليوم على أنها حكم من أحكام الحج، وجد فيها هذا الحرج قائما، يجده فى قلبه من يطوف أو يسعى بين الصفا والمروة!!.
إن كلمات الله فوق هذا النظر المتهافت الكليل، وإن آيات الله لا يقطعها الحادث العارض لنزولها، عن أن تظل عاملة فى الحياة، ومصدر هدى ونور للناس إلى يوم الدين.
وبنظرة أكثر عمقا وأبعد مدى، نرى فى تلك الآية- بما أرانا الله- ما يطمئن إليه القلب، وتستريح له النفس، وينشرح به الصدر.. والحمد لله رب العالمين.
ففى قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ» حكم قاطع بأن هذين المكانين من أماكن الله، التي اختصها بأن يتعبّد له فيها العابدون، ويتقرب إليه عندها المتقربون!
стр. 174
وقد جعل الله السعى بينهما منسكا من مناسك الحج، وفعلا من الأفعال التي تتم بها هذه الفريضة! وليس يعقل بحال أن يلمّ بمن يؤدى هذا المنسك- حاجّا أو متعمرا- غير نفحات الرحمة والرضوان..
وإذن فينبغى أن يكون معنى قوله تعالى: «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» كاشفا عن هذه الحقيقة، وعن نفحات الرضا والرحمة التي تحفّ بمن يطّوّف بهما! وننظر فنرى أن كلمة «يطّوف» بالتشديد غير كلمة «يطوف» بالتخفيف، ومعنى هذا أنها تعنى كثرة الطواف، لا مجرد الطواف! ومن جهة أخرى، فإن الطواف معناه الدوران، ومنه الطواف حول الكعبة، ومنه الطائفة وهى الجماعة المتحلّقة، وعلى هذا يكون المراد بالتطوف بالصفا والمروة: الدوران حولهما لا السعى بينهما.. والطواف بهما أمكن وأشق من السعى.
وعلى هذا يكون معنى التطوف: إما الإكثار مع السعى بين الصفا والمروة، أو التطوف حولهما مع السعى بينهما.
وعلى هذا أيضا، يكون رفع الحرج والجناح لا عن السعى، بل عن الاستزادة من السعى، أو الجمع بين الطواف والسعى، حيث يظن أن أداء الشعيرة موقوف به عند السعى بعدد من المرات، لا يتجاوزه الحاج أو المعتمر، أو أن الجمع بين الطواف والسعى غير مستحب، فكان رفع الحرج بإطلاق قيد العدد فى السعى، إلى ما يمكن أن يحتمله الجهد والطاقة، أو بالجمع بين السعى والطواف- كان الرفع للحرج إغراء بالإكثار من السعى، أو بالسعي الذي يجعل الطواف بالصفا والمروة جزءا منه.. فذلك زيادة فى العمل فى باب الخير،
стр. 175
يزداد به الثواب، ويتضاعف به الجزاء، ولهذا جاء قوله تعالى: «وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» عقب قوله سبحانه: «فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» بيانا لهذه الاستزادة من التطوف التي هى زيادة فى خير، ومضاعفة لأجر، فمن استزاد خيرا فهو خير له.
والفاصلة التي تختم بها الآية: «فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» إقرار لهذا التطوع بالخير، الذي يجىء عن تبرع بما هو فوق المطلوب، وتقبّل له بالحمد والرضا من رب العالمين: «فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» .
ومثل هذا ما جاء فى قوله تعالى فى صوم رمضان: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» .
فالذين يجدون جهدا أو مشقّة فى صوم رمضان، مباح لهم أن يفطروا وأن يطعموا مسكينا عن كل يوم، وإطعام المسكين هو القدر المطلوب الذي يجزى كفدية عن إفطار يوم، لمن يفطرون رمضان حين يجدون مشقة فى صومه:
«فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» أي من زاد عن المطلوب، فأطعم مسكينين أو ثلاثة، أو عشرة، أو مائة، أو أكثر، فذلك زيادة فى عمل الخير، وعلى قدر هذه الزيادة يزاد فى الثواب.
ومثل آية الطواف بالصفا والمروة ما جاء فى قوله تعالى فيما هو من أعمال الحج: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ» .
فبالإفاضة من عرفات تتم أعمال الحج، ولكن الحاج لا يزال فى تلك المواطن
стр. 176
المقدسة، ونفسه معلقة بها، وأشواقه نازعة إليها. وعزيز عليه أن تنقطع الصلة بينه وبينها.. إلا أنه من جهة أخرى يرى أنه أدّى الفريضة وقضى مناسكها، وربما لو أنى عملا آخر ولو كان برا لم يقع عند الله موقع القبول، لأنه جاء على غير شرع الله، فكان قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ» إذنا بالدخول فى باب جديد من أبواب الخير، فيه طلب المزيد من فضل الله: «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» .
الآيتان: (١٥٩- ١٦٠) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٠]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)
التفسير: مناسبة هذه الآية للآية التي قبلها- على ما يبدو فى ظاهر الأمر من بعد الصلة بينهما- هو أن الله يرسل رسله بالبينات والهدى ليكشفوا للناس طريقهم إلى الله، وما يتقربون به إليه، من عبادات ومعاملات، وقد بينت الآية السابقة منسكا من مناسك الحج، وفتحت للناس بابا من أبواب التقرب والزّلفى إلى الله.
وآيات الله هذه هى ميراث المؤمنين عن أنبيائه، والعلماء هم الأمناء على هذا الميراث الكريم.. وقد أخذ الله عليهم الميثاق أن يبينوه للناس ولا يكتموا شيئا منه.. كما قال تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ» .
стр. 177
وإذا كان أهل الكتاب- وخاصة علماءهم- قد نقضوا هذا الميثاق، فكتموا ما أنزل الله عليهم. وشوهوا معالم الحق فيه، فكان من المناسب أن يذكّروا فى تلك الحال بما هم متلبسون به، وأن يحذّروا، حتى ينتزعوا أنفسهم مما هم فيه، من خلال، إن كان لهم إلى أنفسهم عودة وإلى استنقاذها رغبة! والضمير فى قوله تعالى «مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ» يعود إلى الاسم الموصول فى قوله تعالى «ما أَنْزَلْنا» أي من بعد ما بينا هذا المنزل، وجعلناه فى كتاب، وهو التوراة والإنجيل.
وقوله تعالى: «أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ» وعيد شديد لهؤلاء الذين يكتمون ما يعرفون من الحق، الذي بيّنه الله لهم فى كتبه، واللعنة معناها المقت والطرد من رحمة الله.
وأما قوله سبحانه: «وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» فهو تشنيع عليهم، وتغليظ لجرمهم، وفضح لهم بعرضهم فى وجه كل مسبّة يتسابّ بها الناس، ورميهم بكل سوء يرمى به الناس فى دنيا الناس.. هكذا بكل لسان، وفى كل مكان وزمان!! وقوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا» هو يد رحيمة منعمة، يمدها الله سبحانه لهؤلاء الذين غرقت سفينتهم، وتدافعت بهم أمواج الضلال والفتنة، لتلقى بهم إلى حيث البلاء المبين، والعذاب الأليم، وتلك فرصتهم إن اهتبلوها ومدوا أيديهم إلى الله، وأخلصوا له القول والعمل، كان فى ذلك خلاصهم ونجاتهم، ففى رحمة الله متسع لهم، فعلى هؤلاء الذين مكروا بكتاب الله ان يتوبوا، وأن يعدلوا عن طريقهم المعوج الذين ركبوه، وأن يصلحوا ما أفسدوا وما أدخلوا على كتاب الله من تحريف وتبديل، وأن يبينوا ما فى كتاب الله من حق، فى شأن النبي ورسالته.. هنالك يستقيم طريقهم، وتقبل توبتهم: «فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» .
стр. 178
وانظر فى قوله تعالى: «وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» كم تجد فى قول الحق جل وعلا: «أَنَا» من معطيات الأمل والرجاء لمن يلفتهم الله إليه، ويتجلّى عليهم بذاته؟ وكم تجد فى «واو» العطف فى قوله سبحانه: «وَأَنَا» من قوى الجذب إلى الله لهؤلاء الضالين الظالمين؟
«فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ» فهم الراجعون إلىّ، الطامعون فى رحمتى «وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» . الذي يقبل التوبة عن عباده، ويرحمهم.
الآيتان: (١٦١- ١٦٢) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦١ الى ١٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)
التفسير: أما الذين أصروا على الكفر وماتوا عليه، دون أن يتطهروا منه بالتوبة والإيمان، فقد ضلّ سعيهم، وساء مصيرهم، ووقع عليهم من ربهم رجس وغضب، ومن الوجود كلّه- أرضه وسمائه- المقت واللعنة..
والضمير فى قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها» يعود إلى اللعنة فى قوله تعالى:
«أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» أي هم واقعون تحت هذه اللعنة، خالدين فيها أبدا، لا يخفف عنهم عذابها، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة أبدا.
الآيتان: (١٦٣- ١٦٤) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٤]
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)
стр. 179
التفسير: هذه دعوة إلى كل مخلوق: أن يشهد أن لا إله إلا الله ربّ العالمين، لا شريك له، رحمن السموات والأرض ورحيمهما.
وبين يدى هذه الدعوة، معارض مختلفة الصور والألوان لما أبدعت يد الخالق، وما أودعت قدرته وحكمته فى هذا الوجود من آيات وشواهد، تحدّث بجلال الله وعظمته ووحدانيته.
وفى كلّ شىء له آية ... تدلّ على أنه الواحد
فنظرة مستبصرة فى هذا الوجود تفتح للناظر أكثر من طريق إلى الله، إن هو احترم عقله، واستفتى قلبه!
آية: (١٦٥) [سورة البقرة (٢) : آية ١٦٥]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)
التفسير: وإنه لضلال ما بعده من ضلال، وسفه ليس وراءه من سفه أن تكون دلائل القدرة، وشواهد الوحدانية مبثوثة فى كل أفق، ناجمة فى كل مكان، ثم يكون مع ذلك فى الناس من لا يعرف طريقه المستقيم إلى الله
стр. 180
فتتفرق به السبل إليه، فيرى الله بعين مريضة، وبقلب سقيم، وإذا الله عنده ربّ مع أرباب، وإله بين آلهة، فولاؤه لله قسمة بينه وبين ما أشرك معه من آلهة وأرباب، وحبه لله موزع مشاع بينه وبين الشركاء الذين جعلهم معه، وليس كذلك حبّ الذين آمنوا وأخلصوا إيمانهم لله، فهو الحبّ كل الحبّ لله وحده، لا شريك له فيه.
وقوله تعالى: «وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ» وعيد مزلزل لكيان أولئك الذين أشركوا بالله وجعلوا له أندادا، وانتقال خاطف بهم إلى يوم القيامة وأهوالها، والنار الجاحمة المعدة لهم، وعندئذ يرون أن الملك لله وحده، وأن القوة كلها بيده، لا يملك أحد منها مع الله شيئا، يدفع عنهم هذا العذاب المحيط بهم.
الآيتان: (١٦٦- ١٦٧) [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦٦ الى ١٦٧]
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)
التفسير: هنالك فى هذا الموقف المتأزم الخانق، وبين يدى هذا الجحيم الآخذ بالنواصي والأقدام، يكثر التلفت إلى الوراء، وترتفع صيحات الحسرة والندم من الآثمين الضالين! وفى مشهد من تلك المشاهد تقع الملاحاة بين الأتباع والمتبوعين، ويتبرأ