Полный текст (6 903 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
وهناك أنعام حرّموا ظهورها، وحموها من أن تركب أو يحمل عليها، إذا جاءت على صفات خاصة عندهم، كما أشار الله إلى ذلك فى قوله تعالى: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ» .
(١٠٦: المائدة) وقد شرحنا ذلك من قبل عند شرح هذه الآية.
وهناك أنعام يذبحونها على مذابح أصنامهم.. لا يذكرون اسم الله عليها.. وكلّ هذا افتراء على الله، والله سبحانه سيجزيهم بهذا الافتراء الذي افتروه، نكالا وعذابا أليما..
ومن مفتريات هؤلاء المفترين، وضلالات أولئك الضالّين، هذا الذي أخذوا به أنفسهم، فيما فى بطون أنعامهم من أجنّة يجدونها عند ذبحها..
فكانوا إذا خرج الجنين حيّا جعلوا لحمه طعاما للذكور منهم دون زوجاتهم، وإن خرج الجنين ميتا أباحوا أكله لذكورهم ونسائهم جميعا. «وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ» .
ولا معقول لهذه التفرقة، ولا منطق لها، فيما بين الجنين الذي يخرج من بطن أمه حيّا، وهذا الذي يخرج ميتا، ماداموا قد استباحوا أكلهما جميعا، اللهم إلا أن يكون ذلك عن وهم تسلط على عقولهم، فأراهم فى هذا الحىّ غير هذا الذي فى الميت.
وقل فى واردات هذا الوهم ما تشاء.
فقد يكون ذلك عن شعور بأن الجنين الذي خرج حيّا يحمل معه روحا تتسلّط على المرأة المتزوجة، فتفسد حملها، أو تختلط به فيجىء الولد منها على صورة غير صورة الإنسان السوىّ.. أو نحو هذا.
وذلك كله ضلال فى ضلال.
وقوله سبحانه: «سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» أي أنه سبحانه
стр. 1472
وتعالى سيحاسبهم على هذا الوصف الباطل الذي يلحقونه بتلك الأشياء التي يقولون فى حلّها وحرمتها ما تمليه عليهم أهواؤهم، دون أن يكون ذلك مستندا إلى دين أو معتمدا على عقل.. والله «حكيم» لا يدخل فى شريعته مثل هذا الضلال «عليم» بما يعمل الظالمون، المفترون، الضالون..
وفى عرض أباطيل هؤلاء الضالين ومفترياتهم بلفظ: «قالوا» .. و «قالوا» مع أنهم فعلوا هذه الأشياء فعلا، إشارة إلى أن هذه الأفعال هى وليدة أقوال تقال، وهى أوهام وظنون، لا تلبث حتى تستولى على عقول سامعيها فتتشكل منها أفعال، ويقوم عليها سلوك.. وهذا ما يشير أيضا إلى ما للكلمة من أثر فى تقويم سلوك المرء أو اعوجاجه.. فالكلمة ليست مجرد صوت يطرق السمع، ثم يذهب أدراج الرياح، وإنما هى- فى حقيقتها- رسول هدى، وداعية خير، أو هى قذيفة مدمرة، وجرثومة مهلكة.
وقوله سبحانه: «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» هو تعقيب على تلك الشناعات التي تلبس المشركين، وتستولى على وجودهم، وهو حكم بالخسران واقع عليهم من الله سبحانه جزاء لما اقترفوا من سيئات، وما ارتكبوا من آثام.. ومن أبرز هذه الآثام وأشنعها قتلهم أولادهم «سفها بغير علم» أي عن ضلال، وسفه، وجهالة، ولهذا قدّم قتل الأولاد على كل جناية غيرها..
وقوله تعالى: «وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ» معطوف على قوله تعالى: «قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ» أي أن هذا الخسران الذي حكم الله به عليهم، هو لجنايتهم الغليظة فى قتل أبنائهم، ثم لتحريم ما حرموا مما رزقهم الله من أنعام وحرث، افتراء على الله، وادعاء عليه بأن هذا مما شرعه الله
стр. 1473
لهم، وهو مما وكّدته خيالاتهم المريضة، ومدركاتهم السقيمة.. تماما كما قتلوا أولادهم سفها بغير علم.
وقوله تعالى: «قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» هو حكم عليهم بالضلال والسفه بعد الحكم عليهم بالخسران والضياع. فإن كان لهم إلى أنفسهم حاجة، فيبادروا إلى استنفاذها من هذا الضلال، وإقامتها على طريق الحق والعدل والإحسان..
الآيات: (١٤١- ١٤٤) [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤١ الى ١٤٤]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)
التفسير: فى هذه الآيات، يعرض الله مشاهد من آيات قدرته، وروائع علمه وحكمته فيما أبدع وصوّر فى هذا الوجود، من نعم سابغة
стр. 1474
وعطايا جزيلة، كان لكثير من الناس مكر فيها، وكفر بها.. وهى التي كان من شأنها أن تقابل منهم بالولاء لله، والتمجيد له، والتسبيح بحمده..
فهذه الجنات المعروشات، أي القائمة على عروش: وهى العنب الذي يفترش سقوفا تتدلّى منها ثماره المهدّلة، وهذه الجنّات غير المعروشات التي تظلل الأرض بأغصانها، وأوراقها وثمارها، وهذه النخيل السابحة فى أعنان السماء، تحمل على رءوسها ثمرا مختلف الألوان، متشاكل الطعوم، وهذه الزروع التي تفترش الأرض، وتكسو أديمها ببساط سندسى يحمل على ظهره الحبّ والثمر، وهذه الأشجار من الزيتون والرّمان، فى صوره المختلفة، وأشكاله المتعددة- كل هذا الذي يملأ الأرض من حياة، وجمال، ومن خير عميم ورزق كريم، هو من صنع الخالق العظيم، ومن فيض كرمه وإحسانه.. وهو مائدة ممدودة لعباده جميعا.. وربّ المائدة يضيفهم إليه، ويدعوهم إلى مدّ أيديهم إلى هذا الرزق الكريم.. «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» .
وفى قوله تعالى: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» تذكير للناس بهذه النعم التي أفاضها الله عليهم، وإلفات للغافلين منهم إلى ما لله عليهم من فضل وإحسان، وإلا فإن الناس فى غير حاجة إلى دعوة للأخذ من هذا الثمر والأكل منه.. ولكن فى دعوة الله تذكير لهم بأنهم فى ضيافة صاحب هذا الثمر، وأنهم لن يأكلوا منه إلا بعد أن يأذن لهم، إذن تكريم وتفضّل وإحسان..
وفى القيد الوارد على الأكل من الثمر بقوله تعالى: «إِذا أَثْمَرَ» تقييد للأنظار بهذه الجنات وتلك الزروع، وملاحظة أطوار الحياة التي تتنقل فيها، وأنها لم تصل إلى هذا الطور الذي تحمل فيه الثمر الذي يصلح للأكل إلا بعد أن قطعت طريقا طويلا، فى نموّها وتطورها، شأنها شأن الإنسان يكون
стр. 1475
بذرة فى بطن أمه، ثم ينشق عنه الرحم وليدا، فطفلا، فغلاما، فصبيّا، فشابا، فكهلا، فشيخا..
وبهذه الملاحظة لتلك الجنات وهذه الزروع تتجلى قدرة الله، وتتكشف آيات إبداعه وخلقه، فيكون من ذلك كله عبرة لأولى الألباب، وتبصرة وذكرى لقوم يؤمنون.
وقوله سبحانه «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» أمر بأداء الحق المفروض على هذه النعم التي يعيش فيها أهلها.. وحق هذه النعم هو شكر الله عليها، إذ هو المنعم بها، ومن شكر الله عليها، مشاركة الفقراء والمحتاجين لهم فيها، وإعطاؤهم ما أوجب الله على الأغنياء للفقراء فى أموالهم فى قوله تعالى «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (٢٤- ٢٥: المعارج) وفى إضافة الحقّ إلى الله هكذا: «حقّه» إشعار بأن هذا الحق هو لله، صاحب هذه النعم، وأنه سبحانه قد جعل هذا الحقّ الذي له، لهؤلاء الفقراء من عباده..
وإذن فليس لأحد من الأغنياء منّة على هؤلاء الفقراء، ولا فضل له عليهم، إذا هو أعطاهم مما لله عنده.. فذلك من حقّ الله عليه، والله يجزيه عما أعطى، فضلا منه سبحانه وكرما.. لأنه تعالى يأخذ مما له، ويجزى الثواب الجزيل عليه، أضعافا مضاعفة.. فسبحانه سبحانه، ما أعظم فضله، وما أوسع رحمته، وأكثر مننه على عباده..
وفى قوله سبحانه: «وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ النهى هنا وارد على إتيان حق الله فى هذا الثمر، وجعلوا الحقّ مضافا إلى الزرع على معنى: وآتوا حقّ الثمر يوم حصاده بالصدقة
стр. 1476
على الفقراء فى قصد دون إسراف.
وهذا- فى رأينا- مردود من وجوه:
فأولا: إضافة الحق إلى الله أولى من إضافته إلى الثمر، لأنه بالنسبة إلى الله حق أصيل، وهو بالنسبة للثمر حق تبعىّ، بعد تعلق حق الله به.
وثانيا: أنه ليس من طبيعة الناس الإسراف فى الإحسان، وإنما الغالب عليهم هو البخل والشحّ فى هذا الباب، ولهذا كانت دعوة الله إليهم دائما متجهة إلى التحريض على الإنفاق، والإغراء به، بما وعد الله المحسنين من الخير العظيم على إحسانهم فى الدنيا، بنماء أموالهم، وفى الآخرة، بحسن المثوبة وعظيم الجزاء. مثل قوله تعالى «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» (٥- ١٠ الليل) ..
وقوله سبحانه: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» (٢٦١: البقرة) .
فالشحّ هو الغالب على الناس، وليس السّخاء، ولا الإسراف فى هذا المقام، مقام التصدّق على الفقراء..
وعلى هذا، فإنه من غير المتفق مع دعوة القرآن، أن تحمل آياته دعوة إلى التحذير من الإسراف فى البذل والعطاء، للفقراء والمساكين.
وثالثا: إذا كان فى المؤمنين من يبالغ فى الإحسان، ويسرف فى البذل، فإن ذلك زيادة فى الخير، ومبالغة فى الإحسان، فلا تجىء دعوة سماوية
стр. 1477
بالتحذير للمؤمن أن يعلى مقامه عند الله بالمبالغة فى الإحسان، وبذل العطاء للفقراء والمحتاجين..
ورابعا: إذا فرض أن الإسراف مكروه حتى فى باب الإحسان، فإن المسرفين هنا قلّة قليلة جدا، لا يحمل التحذير لها بهذه الصيغة العامّة المطلقة، التي تنسحب آثارها على المسرفين، والمعتدلين، بل وعلى الأشحّاء جميعا..
حيث يجد الشحيح مدخلا إلى المبالغة فى شحّه، حين يسمع دعوة تقول:
«وَلا تُسْرِفُوا» .
وخامسا: إذا كان من الحكمة التحذير من الإسراف فى جميع الأحوال، فإنه مما يجانب الحكمة فى تلك الحال التي يطعم فيها الطاعمون من هذا الثمر الذي ملأ الله أيديهم منه- أن يدعوا إلى ترك الإسراف هنا- الذي يحمل فى مضامينه دعوة إلى الإمساك- وهم يطعمون، ويتخيّرون ألوانا مما يطعمون، وعيون الفقراء ترقبهم، ببطون خاوية، ولعاب يسيل!! وعلى هذا فإن الفهم الذي نستريح إليه لقوله تعالى: «وَلا تُسْرِفُوا» هو أنه قيد وارد على قوله سبحانه: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» .. أي كلوا من ثمره فى غير إسراف، حتى يكون فى أيديكم فضلة تؤدون فيها حق الله فى هذا الثمر الذي تطعمون منه، وحتى لا تمتلىء البطون، وتبلغ حدّ التخمة، فلا يذكر المرء حينئذ شهوة جائع إلى هذا الثمر.
أما قوله تعالى: «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» فهو معطوف على قوله تعالى: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» .. معترضا بين صاحب الحال وهو الفاعل فى الفعل «كلوا» وبين جملة الحال وهى قوله تعالى: «وَلا تُسْرِفُوا» ..
ويكون المعنى: كلوا من ثمر هذه الجنات وتلك الزروع عند ما ينضج ثمرها،
стр. 1478
وآتوا حق الله فى هذا الثمر الذين تأكلون منه، غير مسرفين فى الأكل..
والسرّ فى اقتران الأمر بالأكل من الثمر والأمر بإتيان حق الله منه، ذلك الاقتران الذي يفصل بين صاحب الحال والحال.. السرّ فى هذا هو- والله أعلم- تذكير بحق الله، وشغل النفس به، وهى تتذوق بواكير ثمر هذه الجنات وتلك الزروع، وذلك قبل أن تشبع وتتخم.. وهذا من شأنه أن يقيم فى كيان الإنسان عزيمة صادقة موثّقة على الوفاء به عند حصاد هذا الثمر، فى حين أن ذلك يدعو أيضا إلى المبادرة بإعطاء شىء من حق الله فيه قبل الحصاد، ومشاركة الفقراء، للآكلين من بواكيره، حتى لا يطول بهم الحرمان والانتظار إلى يوم الحصاد.. «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» ..
فإذا جاء الحال بعد ذلك مقيّدا للأكل، وناهيا عن الإسراف فيه جاء هذا شاملا لجميع الأحوال التي يؤكل فيها هذا الثمر- فى حال نضجه، وصلاحيته للأكل وفى حال حصاده وجمعه، وما بعد حصاده وجمعه.
«وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» فى أي حال من الأحوال.
وقوله تعالى: «وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً» معطوف على قوله سبحانه:
«جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ» أي أنه سبحانه أنشأ كذلك حمولة وفرشا من الأنعام، كما أنشأ جنات معروشات وغير معروشات من الزروع.
والمراد بالإنشاء هنا تيسير هذه النعم وتذليلها للإنسان، وهدايته إلى تسخيرها والانتفاع بها على هذه الوجوه.. فتلك نعم أخرى إلى نعمة إيجادها.. فالله ، هو الذي أوجدها، ثم هو سبحانه الذي مكّن للإنسان من أن ينتفع بها، بما منحه من قوى عاقلة، تقدّر وتدبر، وتعرف كيف تسوس هذه النعم، وتستخرج بعض ما ضمت عليه من خير.
стр. 1479
والحمولة من الأنعام: ما يحمل عليه من إبل، وخيل، وحمير..
والفرش: ما يتخذ من هذه الأنعام من جلد وصوف، ليفترش..
وقوله تعالى: «كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» أي كلوا مما رزقكم الله من هذه الأنعام التي تتخذون منها حمولة وفرشا، «وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ» فيما يملى عليكم من أباطيل تحرّمون بها ما أحلّ الله لكم «إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» يحرّم عليكم نعم الله، ويقيم بينكم وبينها حواجز باطلة، تفسد عليكم هذه النعم، فلا ترون فيها كمال النعمة، وسعة الإحسان..
وقوله سبحانه: «ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» بدل من «حمولة وفرشا» أي «وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً.. ثمانية أزواج» .. أو هو مفعول به لقوله تعالى: «كُلُوا» أي كلوا من هذا الذي رزقكم الله من الأنعام ثمانية أزواج، وقوله سبحانه:
«مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» هو بيان لهذه الأنعام التي سخّرها الله للناس، وأباح لهم أكلها، وما كان للمشركين من ادعاءات وافتراءات على الله فيها.
فهذه الأنعام التي أحلّ الله أكلها، هى ثمانية أزواج، أي ثمانية متزاوجة، أي هى أزواج.. ذكر وأنثى.. من الضأن اثنين: ذكر وأنثى، ومن المعز اثنين: ذكر وأنثى، ومن الإبل اثنين: ذكر وأنثى، ومن البقر اثنين: ذكر وأنثى.. فهى أربعة ذكور، وأربع إناث.. الضأن، والمعز، والإبل، والبقر.
وما يندرج معها من فصائلها.. وهى التي أحل أكلها دون غيرها من الأنعام..
стр. 1480
وفى قوله تعالى: «قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ» إنكار على المشركين هذا الذي شرعوه من حلّ بعضها وحرمة بعضها، كما ذكر الله عنهم ذلك فى قوله سبحانه: «وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ» .. وقوله سبحانه: «وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا» .. فهذا هو حكم الله فيها.. الإباحة المطلقة. فمن أين جاءهم هذا القول الذي يقولونه فيها؟
«نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .. وإنه لا علم عندهم، ولكنها أوهام وأباطيل..
وقوله سبحانه: «أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا؟» هو إنكار بعد إنكار.. فبعد أن أنكر الله عليهم أنهم ليس معهم علم من كتاب سماوى بهذا الذي يقولونه، أنكر عليهم أنهم كانوا ممن تلقوا هذا العلم من الله أو كانوا شهودا وحضورا عند تلقّيه! وإذن فلا حجة معهم على هذه المفتريات التي يفترونها على الله.. وإذن فهم مبطلون فيما يقولون فى هذه الأنعام، وهم بهذا الباطل ظالمون معتدون، يضلون أنفسهم، ويضلون غيرهم.. وإذن فليحملوا أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم. «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» .
الآيات: (١٤٥- ١٤٧) [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٧]
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)
стр. 1481
التفسير: بعد أن أبطل الله مفتريات المشركين وما يقولونه فى مطاعمهم عن الأنعام، أمر النبىّ الكريم أن يلقاهم بما بين يديه من شريعة الله فى هذه المطاعم: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ..» .. فالمطاعم من هذه الأنعام كلها مباح لا حرمة فيه، إلا ما كان ميتا غير مزكّى بالذبح، وإلا ما كان دما مسفوحا أي سائلا مراقا، أو ما كان من لحم الخنزير، فإنه رجس، أي دنس وقذر، أو كان مما لم يذكر اسم الله عليه. وأهلّ- أي ذكر- اسم غير اسم الله عند ذبحه، فإنه فسق وخروج به عن الإيمان بالله، وتلطيخ له بالشرك.. فهذه كلها محرمات مستثناة من عموم الحلّ، لما تلبّس بها من أوضار وأقذار، ما عدا الخنزير فإنه رجس فى أصله.
وفى قوله سبحانه «مَسْفُوحاً» قيد وارد على حرمة الدم، وهو أن يكون دما سائلا، مما يجرى فى عروق الحيوان.. فذلك هو الدم الحرام، على خلاف الدم المتجمد أصلا كالكبد والطحال، فهما حلالان، كما جاء فى الحديث الشريف: «أحلت لكم ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال..»
стр. 1482
وقوله تعالى: «أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ» معطوف على قوله تعالى:
«إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» أي أو فسقا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ» .. وقوله تعالى «فَإِنَّهُ رِجْسٌ» هو بيان للعلة فى حرمة لحم الخنزير.
أي فإن لحم الخنزير رجس، أي قذر أصلا، بخلاف المحرمات السابقة فإنها حلال أصلا، ولكن دخل عليها ما أفسدها وجعلها فسقا خارجا عن دائرة الحلال..
وقوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو استثناء من حرمة المحرّمات السابقة التي حرم الله على المسلمين أن يطعموا منها فى حياتهم المألوفة..
أما إذا وقع المسلم فى حال لا يجد فيها ما يأكله وخاف على نفسه التلف، فإنه قد أبيح له أن يتناول من تلك المحرمات ما يسد جوعته، ويحفظ حياته..
«غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ» أي غير متجاوز الحدّ الذي يدفع عنه ضراوة الجوع، وغير معرض نفسه لمثل هذا الموقف قصدا، ليستبيح لحم الخنزير مثلا..
وقوله تعالى: «فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» إشارة إلى سعة رحمة الله ومغفرته لعباده، وما لهما من أثر فى ضبط هذا الموقف الذي يضطر فيه الإنسان إلى الإلمام بهذه المحرمات..
فمن رحمة الله أنه عمل على صيانة النفس الإنسانية من التلف، فأباح لها المحظور عند الاضطرار والحاجة، بعد أن صانها من الدنس فحرم عليها الخبيث.
ومن واسع مغفرته أنه شمل هذه المحظورات فى حال الاضطرار، بالمغفرة.
وفى تقديم المغفرة على الرحمة كرم ولطف من رب العالمين، حيث جعل المغفرة إذنا يصحبه معه من يأكل من هذه المحظورات عند الاضطرار فلا يتأثم ولا يتحرّج قوله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ» ..
стр. 1483
بعد أن بين الله ما أحل للمسلمين من طيبات، وما حرّم عليهم من خبائث- بين سبحانه ما حرم على اليهود من طيبات أحلها للمسلمين، وقد كانت حلّا لليهود من قبل أن تنزل التوراة، فحرمها الله عليهم، عقابا لهم ونكالا، إذ مكروا بآيات الله، وكفروا نعمه..
فحرّم الله عليهم كل ذى ظفر من الأنعام، أي كل ما كان منفرج الأصابع، كالإبل والنعام والدجاج والبط، كما حرم عليهم شحوم البقر والعنم، إلا الشحم الذي علق بظهورها، وما اشتملت عليه من الحوايا الشحم.. وهى الأمعاء، والكرش أو الشحم الذي اختلط بعظم كشحم الإلية.
وقوله تعالى: «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» هو تعليل لهذه العقوبة التي أخذهم الله بها، وضيق عليهم ما وسّعه على غيرهم من عباده، وذلك لأنهم بغوا واعتدوا، ولم يقفوا عند الحدود التي حددها الله لهم، فكان عقابهم أن أخذهم الله بالضيق، إذ طلبوا السعة من غير ما شرع الله..
وفى قوله تعالى: «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» إشارة إلى أن ما تلقاه النبىّ من آيات ربه، وفيما أخبر به عن اليهود هنا، هو من الصدق الذي لا افتراء فيه، لأنه تنزيل من رب العالمين..
ونلمح فى قوله تعالى: «وَإِنَّا» وهى ضمير الجمع، المراد به الله فى جلاله وعظمته، نلمح فيه الرسول الكريم، مضافا إلى الله فى هذا الخطاب الموجه إلى اليهود، مؤكدا صدق الله وصدق الرسول.. «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» ..
وفى هذا تكريم للرسول أي تكريم..
وفى قوله سبحانه: «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» التفات إلى النبىّ الكريم، وتلقين له بكلمات الله التي يردّ بها على اليهود الذين يكذبون بما أخبر القرآن الكريم من تحريم ما حرّم الله
стр. 1484
عليهم من طيبات، فإنهم سيزعمون مزاعم كثيرة، ويقولون فيما يقولون من زور وبهتان: إن الله لم يحرّم علينا هذا الذي يذكره محمد عنا فى قرآنه! وقد علم الله سبحانه منهم أنهم لن يسلّموا بما أخبر به النبىّ عنهم، ولهذا جاء قوله تعالى مؤكدا هذا الخبر بقوله سبحانه: «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» وذلك ليكون لهم من هذا التوكيد رادع يردعهم عن التكذيب بخبر يعلمون صدقه.. فإن أبوا إلا لجاحا وعنادا، لقيهم الرسول بقوله تعالى: «رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» وفى هذا وعيد لليهود، وتجريم لهم، وأنهم- مع سعة رحمة الله- لا ينالون هذه الرحمة، ولا يدخلون فيمن يرحمهم الله من عباده، لأنهم أجرموا فى حق الله، «وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» .
هذا، ويلاحظ أن الآية الكريمة لم تلقهم بالتجريم لقاء مباشرا، بل جاء الحكم على المجرمين حكما عاما، يشملهم ويشمل غيرهم من المجرمين- وذلك أن الآية مكية، والسورة كلها مكية، ولم يكن الرسول قد التقى باليهود التقاء مباشرا، وإنما هذه الإشارات البعيدة هى إرهاص بما سيكون بينهم وبين الرسول من لقاء مباشر، وأنهم لن يلقوا الرسول، بالسلام، والتسليم، بل سيلقونه- بما عرف عنهم- بالبهت والتكذيب..
وهذا من شأنه:
أولا: أن يهيىء نفس النبىّ للمعركة المنتظرة بينه وبين اليهود، وأنها معركة ستكون أسلحة اليهود فيها هى البهت والتكذيب، والافتراء والدس.
وثانيا: أن يلفت اليهود إلى النبىّ، وإلى ما سيكون له من شأن معهم، وأنه ليس رسولا إلى العرب وحدهم، بل هو رسول إلى كل من تبلغه رسالته، من عرب وغير عرب، من مشركين وأهل كتاب على السواء.
стр. 1485
الآيات: (١٤٨- ١٥٠) [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٠]
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)
التفسير: من مفتريات المشركين أنهم يمكرون بأنفسهم، ويسوّغون لها الباطل والضلال بمثل هذه الأقوال التي يقولونها عن مشيئة الله، ويعلقون بها كل آثامهم.. وذلك كقولهم حين يدعون إلى الإيمان، وترك ما هم فيه من شرك: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ» .. وفى عطف آبائهم عليهم إشارة إلى أنّهم إنما يتبعون دين آبائهم، وأنهم إذا كانوا هم وآباؤهم على شرك، فذلك مما أراده الله لهم، ولو شاء الله لهم ألّا يشركوا ما أشركوا..» .. هكذا يمكرون بآيات الله، وهكذا يتعلّلون بمشيئة الله، ويسترون شركهم بها..
وهم فى هذا القول كاذبون حتى مع أنفسهم.. فلو أنّهم كانوا مؤمنين بالله على تلك الصفة التي يؤمنون فيها بمشيئته، ويرون أنها المشيئة الغالبة التي يردّ إليها كل شىء- لو أنّهم آمنوا بالله على تلك الصفة لما كانوا مشركين، بل كان إيمانهم بالله إيمانا خالصا مبرأ من الشرك، إذ أضافوا إليه كلّ شىء،
стр. 1486
وردّوا إلى إرادته ومشيئته كل شىء، ولو أنهم فعلوا ذلك لما كان لهم إلى هذه المعبودات التي عبدوها من دون الله وسيلة، ولكانوا هم وهذه المعبودات سواء عند الله، لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا.. ولكنهم إذ يقولون فى مشيئة الله هذا القول الذي يحسبون أنه يخليهم من مسئولية الشرك، بل ويعفيهم من كل إثم- لا يؤمنون بالله هذا الإيمان، ولا يرونه الإله المتفرد بكل شىء! وقد تحدثنا من قبل عن فساد هذا القول فى بحثنا الذي قدمناه، عن مشيئة الله، ومشيئة الإنسان، عند تفسير قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ..» (الآية: ١١١) من هذه السورة.
وقوله تعالى: «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا» إشارة إلى ما بين أصحاب القلوب المريضة، والنفوس الفاسدة، من تشابه فى التداعي إلى الشرّ، والتجاوب مع الضلال.. وأنه كما كذّب هؤلاء المشركون وقالوا «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا» قال كثير ممن سبقوهم إلى الشرك هذا القول، فكان كفرهم وضلالهم ضربا من هذا المنطق الفاسد.
وفى قوله تعالى: «حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا» تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين إذا هم ظلّوا على ما هم فيه من شرك وضلال، وأنهم سيلاقون ما لاقى أسلافهم الذين أشركوا، ولم تنفعهم العبر والمثلات، فأخذهم الله بذنوبهم، وصبّ عليهم العذاب فى الدنيا، وسيلقون العذاب الأليم فى الآخرة..
وقوله تعالى: «قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا» مواجهة للمشركين بتهمة الشرك الذي تلبّسوا به متذرّعين بتلك الحجة الفاسدة التي يلقون بها كل دعوة تدعوهم إلى ترك الشرك.. «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا» .
وهم مطالبون هنا بأن يقيموا هذا القول على علم من كتاب سماوى، أو من عقل سليم..
стр. 1487
وإنه لا علم عندهم من هذا أو ذاك.
وإذ خرسوا فلم يردوا على هذا السؤال، فقد تولّى الله ، الجواب المفحم لهم، الفاضح لسفههم وضلالهم: «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ» وهو جواب يواجههم بالتهمة التي تدينهم، وتلقى بهم فى مهاوى الهالكين.
«والخرص» الأخذ بالشيء من غير علم محقق، يقال خرص النخلة. أي قدّر ما عليها من ثمر قبل أن ينضج، وهذا لا يكون إلا عن حدس وتوهّم، أشبه بالرجم بالغيب.
قوله تعالى: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» هو ردّ زاجر على المشركين، وإدحاض لافترائهم على الله، والتعلل لشركهم بقولهم:
«لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا» .. وكأنهم بهذا القول إنما يقيمون لهم حجّة على الله، فلا يؤاخذهم على ما يقع منهم من شرك أو غيره من الآثام، بحجة أن الله هو الذي أراد لهم الشرك، كما أراد لهم كل فعل منكر، إذ بيده كل شىء، وإليه يردّ كلّ شىء.. أليس هذا هو قول المؤمنين بالله عن الله.؟
فكيف يراد من المشركين أن يخرجوا من شركهم؟ ألهم إرادة مع الله، أو مشيئة مع مشيئته.. هكذا يقولون!؟
وهذا من المشركين ضلال فى ضلال، إذ لو كانوا مؤمنين بالله- كما قلنا- على تلك الصّفة لكان لهم أن يقولوا فى مشيئته هذا القول.. ولكنهم إذ يجعلون لله شركاء يعبدونهم من دونه، لا يجعلون لمشيئته من يشاركه فيها، بل يجعلونها مطلقة، فلا مشيئة لأحد مع مشيئته.. وهذا تناقض مفضوح..
فإمّا إله متفرد بألوهيته، ومشيئته، وإذن فلا يشاركه أحد فى ألوهيته ومشيئته، وإما إله مع آلهة، يشاركونه المشيئة، كما يشاركونه الألوهية، وإذن
стр. 1488
فلا يصحّ لهؤلاء المشركين أن يضيفوا إلى مشيئة الله ما يقع لهم من شر وشرك..
وقد ردّ الله عليهم حجتهم الفاسدة بقوله تعالى: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» أي إن حجتكم التي تحتجون بها لشرككم بالله، وإضافة هذا الشرك إلى مشيئته هى حجة باطلة، لا تقيم لكم عند الله عذرا، ولا تدفع عنكم مغبة هذا الإثم الذي غرقتم فيه، ولا تزال حجّة الله قائمة عليكم، آخذة بنواصيكم إلى المصير المشئوم الذي أعدّ لكم.. «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» التي لا تنقض أبدا.. وقد أقام الله عليكم الحجة، بأن جعل لكم سمعا وأبصارا وأفئدة، ثم أرسل إليكم رسله مبشرين ومنذرين.. فلم يغن عنكم سمعكم ولا أبصاركم ولا أفئدتكم، ولم تستقبلوا بتلك الجوارح هذا النور المرسل لكم هدى ورحمة.. فحقّ عليكم العذاب، بما كنتم تكسبون..
وقوله تعالى: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» إشارة إلى أن مشيئة الله عامة شاملة، فلا يقع فى الوجود شىء إلا بمشيئته، حتى شرك هؤلاء المشركين، هو واقع بمشيئة الله، كما يقول هؤلاء المشركون، الذين يقولون هذا القول هزؤا وسخرية، ومكرا وتخابثا.
ونعم: لو شاء الله ما أشركوا هم ولا آباؤهم.. ولكن قد طردهم الله من مواقع فضله وإحسانه، وعزلهم عن مجتمع أحبابه وأوليائه، لأنهم ليسوا أهلا لإحسانه، ولا موضعا لكرامته.. والله يقول: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» (٢٢- ٢٣: الأنفال) .
قوله تعالى: «قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا» .
هلمّ: اسم فعل أمر، بمعنى هات، أو أحضر.
стр. 1489
والخطاب هنا للمشركين، الذين يقولون: «لو شاء ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شىء» .. فهم مطالبون بأن يأتوا بمن يشهد لهم على هذا الزّور الذي يقولونه على الله، ويضيفونه إلى مشيئته.. فهل عندهم من يشهد لهم بأن الله حرّم هذه المطاعم، التي يقولون إنها حرّمت عليهم بمشيئة الله وتقديره؟
إن الله- سبحانه- لم يحرّم شيئا من هذا الذي حرموه هم.. وإذن فهم الذين شاءوا بمشيئتهم أن يكون لهم موقف مع هذه الأشياء، وأن يصدروا حكمهم عليها بالتحريم، فكيف ينكرون- بعد هذا- مشيئتهم العاملة معهم فى الحياة، فتحلّ لهم الخبائث، وتحرم عليهم الطيبات؟ أليس ذلك عن مشيئة وإرادة منهم؟ إنهم لو كانوا- كما يقولون- بلا مشيئة متحركة عاملة، لما كان لهم أن يبدّلوا ويغيروا شيئا وجدوه قائما على ما أوجده الله، ولكانوا كالحيوان الأعجم، الذي يحرى على طبيعته، ويأخذ الأشياء على ما بها..
فهم- والحال كذلك- أصحاب مشيئة، ولكنها مشيئة فاسدة ملتوية، يعترضون بها سنن الله، ويغيّرون بها شريعة الله، ومن ثمّ فهم معتدون آثمون، قد حقّ عليهم أن يؤخذوا باعتدائهم، وأن يعذبوا بآثامهم.
وقوله سبحانه: «فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» تثبيت للنبى الكريم على طريقه المستقيم، الذي أقامه الله عليه، وألا يأخذ بشهادة من يشهدون على هذا الزور، فإن أهل الضلال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لا يتحرجون من الكذب والافتراء، ولا يتورّعون أن يدّعوا على الله الكذب والبهتان.
وقوله تعالى: «وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» أي يشركون بربهم، ويجعلون
стр. 1490
له أندادا، وأعدالا يساوونه، ويتوازنون معه عندهم.
وفى إضافتهم إلى «ربهم» توبيخ لهم، وتسفيه لعقولهم، إذ يسوّون ربهم الذي خلقهم، وسوّاهم، ورزقهم، ببعض مخلوقاته، من حيوان وجماد.
وهذا لا يكون إلا ممن سفه نفسه، وزهد فى عقله، واستسلم لهواه، واتبع شيطانه..
الآيات: (١٥١- ١٥٣) [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥١ الى ١٥٣]
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)
التفسير: بعد أن فضح الله حجة هؤلاء المشركين التي أجازوا بها هذا الضلال الذي هم فيه، من شرك بالله، وتحريم ما حرموا من الطيبات التي أحلّها الله لعباده- أمر الرسول الكريم أن يؤذّن فى الناس-
стр. 1491
ومن بينهم هؤلاء المشركين- بما شرع الله لهم من دين، وما حرّم عليهم من محرّمات، وما أحلّ لهم من طيبات، وتلك هى شهادة الرسول عليهم، بعد أن دعوا إلى أن يأتوا بمن يشهد لهم على هذه المفتريات التي افتروها على الله..
وشهادة الرسول، هى مما تلقاه وحيا من ربّه، وليس منها شىء من عنده:
«قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» .
وسواء جاء هؤلاء المدعوون للاستماع إلى تلك الشهادة السماوية أم لم يجيئوا، فإن الرسول مأمور بأن يؤذن بشهادته فى الناس، وأن يبلغ ما أنزل إليه من ربه.. فمن كانت له أذنان فليسمع..!
«أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» هذا هو رأس المحرمات التي حرّمها الله على عباده:
الشرك به، إذ هو كفران بمن خلق ورزق، وعدوان على صاحب الحق فى الولاء والخضوع له، من عباده.
وقد اضطرب المفسرون اضطرابا شديدا، واختلفت بهم مذاهب الرأى فى توجيه الآية الكريمة وجها يستقيم على فهم يوفق بين أمور تبدو فى ظاهر النظم متعارضة، إن هى جرت على قواعد اللغة والنحو..
فأولا: الجمع بين التحريم فى قوله سبحانه: «ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» ثم وقوع هذا التحريم على النهى عن الشرك فى قوله تعالى: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» ..
وذلك أنه إذا أخذ بظاهر النظم كان معناه: «ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» أي أن الذي حرمه ربكم عليكم هو أن تتركوا الشرك.. وهذا أمر بالشرك ودعوة إليه، وذلك ما ينزه كلام الله عنه..
وثانيا: مما وقع تحت حكم التحريم أمور واجبة شرعا، يرغّب الإسلام فيها، ويدعو إليها، وقد جاءت بصيغة الأمر فى قوله تعالى: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» .
стр. 1492
وقوله سبحانه: «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ»
.. وقوله جل شأنه:
«وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا»
.. «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا»
..
وهذه الأشياء المأمور بها، على سبيل الوجوب، فى آيات كثيرة من كتاب الله- تبدو هنا فى ظاهر النظم كأنها دعوة إلى ترك هذه الواجبات، وإلباسها لباس المحرمات.. وهذا ما لا يستقيم أبدا..
وقد ذهب المفسرون- كما قلنا- مذاهب كثيرة مختلفة، من التأويل المتعسف، ومن افتراض الحذف والإضافة، والتقديم، والتأخير، وغير ذلك، مما يدخل على الآية الكريمة أجساما غريبة فيها، تفسد نظمها، وتحجب وجوه إعجازها..
ولا نعرض هنا لتلك المقولات، فهى مبثوثة فى كتب التفاسير ولا محصل منها لفهم سليم نستريح إليه.. وحسبنا أن ندلى بما عندنا من فهم للآية الكريمة وما فى نظمها الذي جاءت عليه، من إعجاز، لا يتحقق إلا بالنظر إليها، نظرا مباشرا، من غير أن يدخل عليها ما يغير من صورة نظمها، بحذف أو إضافة، أو تقديم أو تأخير..
فنقول- والله أعلم- إن الآية الكريمة والآيتان بعدها تضمنت مجموعة من النواهي والأوامر..
فمن النواهي: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» .. «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ» «وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ» .. «وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» .. «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»
..
ومن الأوامر: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» .. «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ»
.. «وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا»
.. «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا»
.
стр. 1493
ثانيا: إذا لاحظنا أنّ الأمر والنهى هما الصميم من الشريعة الإسلامية، وعليهما تدور أحكام الشريعة ووصاياها- إذا لاحظنا ذلك وجدنا أن لهذا الجمع بين النواهي والأوامر التي حملتها تلك الآيات الثلاث، حكمته، إذ كان الرسول الكريم هنا فى مواجهة الناس جميعا، وخاصة المشركين، وهو فى هذا الموقف مطالب بأن يكشف أصول الشريعة التي جاء بها، وما أحلّ الله للناس وما حرّم عليهم.. وقد جاءت الآيات الثلاث بالأصول العامة لأحكام الشريعة كلها، فيما حرّمت وأحلّت.
عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ «أيكم يبايعنى على ثلاث..» ثم تلا رسول الله ﷺ : «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم..» حتى فرغ من الآيات قال: «فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به فى الدنيا كانت عقوبته (أي كانت العقوبة كفارة له) ومن أخر إلى الآخرة، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه» .
وعن ابن عباس رضى الله عنهما، أن هذه الآيات محكمات، لم ينسخهن شىء من جميع الكتب، وأنهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.
ثالثا: إذا لاحظنا أيضا أن الرسول الكريم لم يكن فى هذا الموقف يواجه الناس بأحكام جديدة، يكشف بها عن وجه رسالته، وإنما كانت تلك الأحكام قد تقررت من قبل، فيما جاء به القرآن، وقد كان ذلك معلوما كلّه هؤلاء المخاطبين، من مؤمنين ومشركين. - إذا لاحظنا ذلك وجدنا أنه لم يكن عمل الرسول هنا إلا تلاوة لنصوص أحكام كانت مقررة من قبل، ولهذا فقد أمر الرسول الكريم بأن يدعو الناس إليه، «قُلْ تَعالَوْا» .. ثم يستحضر الدستور
стр. 1494
الذي بين يديه من كتاب الله، ويتلو هذه الأحكام المقررة فيه، من أوامر ونواه: «قُلْ تَعالَوْا.. أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» ..
خامسا: وإذ كان المشركون قد شرعوا لأنفسهم شريعة مفتراة، حرّموا بها ما أحلّ الله من طيبات، فقد كانت المواجهة لهم أولا بما حرّم الله من منكرات، وما نهى عنه من خبائث..
وننظر فى الآيات الكريمة فنرى:
أولا: قوله تعالى: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» يمثّل الرسول الكريم وقد جاء، وبين يديه، وعلى لسانه، كتاب الله الذي معه، يتلو منه ما حرّم الله على عباده من منكرات..
ثم ها هو ذا رسول الله يتلو عليهم ما حرم الله من منكرات، فيبدأ بقوله تعالى: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» . فهذا أول ما يجده الرسول الكريم من منكر نهى الله عنه فى آيات كثيرة أنزلها الله عليه، واستودعها قلبه.. مثل قوله تعالى: «وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» . وقوله سبحانه:
«فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» .
فهذا هو أول ما يتلوه الرسول من كتاب ربه: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» ..
والرسول فى هذه التلاوة غير ملتفت إلى تلك الدعوة التي دعا فيها الناس إلى أن يستمعوا إليه، وهو يتلو ما حرّم ربهم عليهم.. فتلك دعوة موجهة منه للناس أن يجتمعوا إليه، فإذا اجتمعوا، استقبلهم بما أنزل الله عليه من آياته، من منهيّات..
وإذن فلا اتصال فى النظم من جهة اللغة والنحو بين قوله تعالى: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» وبين قوله سبحانه: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» .
стр. 1495
فالأول عمل من أعمال الرسول لدعوة الناس إليه، والثاني تلاوة من كتاب الله الذي بين يديه.. ومن هنا نجد أكثر من فاصل يفصل بين المقطعين من الآية:
فهناك فاصل زمنىّ- حسىّ ومعنوى- بين الدعوة، وحضور المدعوّين، وبين إسماعهم ما حرّم الله عليهم فى كتابه.. وهناك فاصل اعتباري، حيث أن المقطع الأول هو- فى ظاهره- من كلام الرسول، ومن عمله، على حين أن الثاني من كتاب الله نصّا، يتلوه الرسول من مستودعات الله فى قلبه..
وثانيا: قوله تعالى «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» بالعطف على النهى قبله:
«أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» هو من لوازم هذا النهى ومن مقتضياته.. فإن النهى فى حقيقته أمر سلبىّ، يقتضى الوقوف من المنهىّ عنه موقفا مجانبا له، أو منسحبا منه.. ومن تمام الحكمة أن يعقب تجنّب المنهىّ عنه، الخروج به من هذا الموقف السلبىّ إلى ما يقابله من عمل إيجابىّ.. فإذا امتثل الإنسان النهى عن الشرك بالله، وانخلع عن عبادة من عبدهم من دون الله، كان عليه أن يؤمن بالله، وأن يتقبل أوامره ويعمل بها..
ومن إعجاز القرآن الكريم هنا أن يجىء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب النهى عن الشرك بالله، ليملأ هذا الفراغ الذي وجد بإجلاء الشرك عن قلوب المشركين، أو بغروب شخصه من آفاق المؤمنين..
فالأمر بالإحسان إلى الوالدين هنا، هو فى المكان الذي كان من المنتظر أن يحلّ فيه الإيمان بالله، محلّ الشرك، بعد أخلى مكانه، وزال شخصه.. وفى هذا ما فيه من تعظيم حق الوالدين، وجعل برهما والإحسان إليهما، أشبه بالإيمان بالله.. أما الإيمان بالله هنا فهو واقع لا شك فيه بعد أن جلا الشرك، الذي كان هو الحاجز الذي يحول بين المشركين وبين الإيمان بالله..
ثالثا: قوله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
стр. 1496
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»
هو استكمال لما حرّمه الله من منكرات، مما يتلوا الرسول الكريم على الناس من كتاب ربه..
وفى النهى عن قتل الأولاد خشية الفقر، بعد أمر الأبناء ببرّ الآباء- فى هذا ما يكشف عن تلك المفارقة البعيدة بين ما يكون من الأبناء من برهم بآبائهم، وبين ما يأتيه هؤلاء الآباء من قتل أولئك الأبناء.. وفى هذا ما فيه ضلال وسفه، وخروج على مألوف الطبيعة، فيما بين الكائن الحىّ ومواليده..
من حيوان ونبات!! وفى قوله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» قدّم رزق الآباء على الأبناء، لأن الآباء هنا فى فقر واقع بهم، وفى ضيق استولى عليهم، فقتل فيهم مشاعر الإنسانية، حتى طوعت لهم أنفسهم قتل أولادهم، شفقة عليهم، وإراحة لهم من آلام الجوع، وقسوة المسغبة، فجاء قوله تعالى:
«نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» ليشعر الآباء بأن الله متكفل برزقهم ورزق أبنائهم معا، وأن هذا الضيق الذي هم فيه سوف يعقبه فرج، وأن هذا الرزق الضيّق الذي هم فيه فعلا، هو قسمة بينهم وبين أبنائهم، فهم فيه سواء، وأنه ليس للآباء أن يقتلوا أولادهم وهم شركاؤهم فى هذا الرزق المحدود الذي فى أيديهم..
وقد جاء قوله تعالى فى سورة الإسراء: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ» بتقديم رزق الأبناء على الآباء، لأن الآباء فى تلك الحال ليسوا فى حال ضيق وفقر، وإنما هم على شعور الخوف من الفقر مستقبلا، فهم يقتلون أولادهم فى تلك الحال لا لفقر وقع، وإنما لخشية الفقر المتوقّع، الذي قد يكون وجود الأبناء سببا فى التعجيل به- فجاء قوله تعالى: «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ» ليدفع هذا الشعور، وليقيم مكانه شعورا مضادا له، وهو أن
стр. 1497
الأبناء لهم رزقهم عند الله، وأن هذا الرزق مقدم على رزق الآباء، وأن قتلهم حينئذ يكون عدوانا عليهم، وحبسا لهذا الرزق لذى سيرزقهم الله إياه..
وفى قوله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ» نهى عن الفواحش، وهى المنكرات، وعلى رأسها لزنا، إذ كانت الصفة الملازمة له فى القرآن هى الفحش.. وما ظهر من الفواحش هو المعالن به منها، وهو فاحشة إلى فاحشة.. إذ كان الزنا فى أصله فاحشة، وكان الإعلان به فاحشة أخرى، لما فى لمعالنة من إذاعة الفاحشة، والتحريض عليها، والله يقول:
«لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» فكيف بالجهر بالسوء من الفعل؟ ..
وما بطن من الفواحش، هو ما كان فى ستر وخفاء، فهو منكر فى ذاته، ولا يرفع عنه هذا المنكر إتيانه فى خفاء، إذ لا تخفى على الله خافية، وإن خفيت على الناس.
رابعا: قوله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»
. هو نهى عن العدوان على مال اليتيم الذي فى يد الأوصياء عليه، وفى النهى عن قربانه تحذير من الدنوّ منه بقصد السوء والعدوان، وفى قوله تعالى: «إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»
استثناء من النهى العام بالاقتراب من مال اليتيم، إلا أن يكون ذلك لإصلاحه، واستثماره، أو الأخذ منه بالحق والإحسان، دون جور أو عدوان.. وفى قوله تعالى: «حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»
هو بيان للغاية التي يمتد إليها النهى عن الاقتراب من مال اليتيم، لأنه إلى تلك الحال يكون فى يد الوصىّ، فإذا بلغ اليتيم أشده صار المال إلى يده، وخرج من يد الوصىّ، فلا سلطان له حينئذ للتسلط عليه كيتيم.. ويكون العدوان على ماله بعد هذا، هو عدوان على الإنسان من حيث هو إنسان لا ولاية لأحد عليه، الأمر الذي نهى الله عنه.
خامسا: قوله تعالى: «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً
стр. 1498
إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» .
هو أمر بعد النهى عن العدوان على مال اليتيم، وفى هذا الأمر تكتمل صورة النهى، ويتمّ المقصود منه..
فإذا امتنع الوصىّ عن العدوان على مال اليتيم، وكفّ يده عن الأخذ منه بغير حق، كان عليه أن يتبع هذا السلوك فى كل ما بينه وبين الناس من معاملات.. فإذا كان الشيء مكيلا أو موزونا، أوفى الكيل والميزان فيما يكيل أو يزن «بالقسط» أي بالعدل.. فإذا نقص المكيل أو الموزون شيئا ما، من غير قصد، فذلك مما عفى الله عنه، ورفع الحرج عن صاحبه.. «لا نكلف نفسا إلا وسعها» إذ ليس مما تتسع له النفس ويقدر عليه الإنسان أن يضبط الكيل والميزان ضبطا مطلقا، بل المطلوب هو تحرّى الحق، وعدم القصد إلى خيانة أو خسران فى الكيل والميزان..
وهذا الأمر وإن كان فى مواجهة الأوصياء، هو أمر عام لكل من يؤمن بالله، وإن كان الأوصياء أولى الناس بالاستجابة له، بعد تلك التجربة التي كانوا فيها مع اليتيم ومال اليتيم.
ومما هو من قبيل الأمانة، وتجنب الخيانة، الحكم بالعدل بين الناس، وقول كلمة الحق فى أداء الشهادة، وكذلك الوفاء بالعهود والمواثيق التي بين الإنسان وخالقه، أو بينه وبين العباد..
سادسا- قوله تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» هو تعقيب على تلك النواهي والأوامر التي أمر الله سبحانه النبىّ الكريم أن يتلوها على الناس. فهذه المأمورات وتلك المنهيّات هى شريعة لله، وهى الصراط المستقيم الذي دعا لله عباده إلى الاستقامة عليه، فمن اجتنب المنهيات، وأنى المأمورات، فهو على صراط الله، وعلى شريعة الله، ومن
стр. 1499
انحرف عن هذا الصراط، فقد ضلّ وغوى، وكان من الهالكين..
وفى قوله تعالى: «فَاتَّبِعُوهُ» أمر بإتيان الأوامر.. وفى قوله تعالى: «وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» نهى عن إتيان المنهيات..
وفى التعبير عن سبيل الله «بالصراط» والتعبير عن الطرق الخارجة عنه بالسبل- إشارة إلى أن طريق الله «صراط» أي طريق معدّ ومهيأ للسالكين، تقوم عليه منارات هدى، وإشارات هداية.. أما هذه السبل التي لا نستقيم على هذا الصراط، فهى طرق لا معلم فيها، ولا شارة عليها، يركبها الراكب فيتخبط، ويتعثر، ويضلّ.. ولهذا جاء التعبير عن صراط الله بلفظ المفرد، لأنه واحد لا غير، إذ الحقّ حقّ.. وجهه واحد، وطريقه واحدة، وأما الباطل، فهو أباطيل.. متعدد الوجوه، مختلف السبل..
عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: «خطّ رسول الله خطا بيده ثم قال:
«هذا سبيل الله تعالى مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال:
«وهذه السبل ليس فيها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ:
«وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» .
الآيات: (١٥٤- ١٥٧) [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٤ الى ١٥٧]
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)
стр. 1500
التفسير: فى العطف بثمّ هنا على الآيات السابقة ما يشير إلى أن هذا الخبر الذي تضمنته، متأخر زمنا عن الأحكام الواردة فى تلك الآيات.. وهذا يخالف الظاهر.. فإن ما نزل على النبىّ من آيات تلاها على الناس، هو متأخر زمنا عن الكتاب الذي نزل على موسى، وهو التوراة.. فما تأويل هذا؟
والجواب: أن هذا الذي يتلوه الرسول الكريم من كلمات ربه هو متقدم حكما على كتاب موسى، وإن جاء متأخرا زمنا.. ذلك أن القرآن الكريم هو أصل الكتب السماوية، وأنه جمع ما تفرق منها. وقد أشرنا إلى ذلك عند تفسير قوله تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (٤٨: المائدة) .
فإن ما أنزل الله على موسى، هو مما شرع الله من قبل للأمم السابقة، فيما جاء على لسان نوح وإبراهيم، وغيرهما من الأنبياء.. إذ أن شرع الله واحد، وهذا الذي تلاه النبىّ من كتاب الله هو أصل كل شريعة، وقوام كل دعوة سماوية، سبقت شريعة موسى، أو جاءت بعدها.
وقوله تعالى: «تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» هو وصف للحال الذي نزل عليها الكتاب الذي جاء به موسى، وهو أنه جاء تاما على أحسن ما يكون عليه التمام، كما جاء مفصلا لكل شىء.. ففى التوراة بيان مفصل لكل جزئية جاءت بها الشريعة الموسوية، فيما يتصل بالعقيدة، أو بالأمور
стр. 1501
الدنيوية، حيث لم تدع مجالا لتأويل أو تفسير، ولا مكانا لعقل ينظر ويجتهد..
وذلك:
أولا: ليسدّ على بنى إسرائيل الطريق إلى التأويلات الفاسدة، وإلقاء أهوائهم كلها على كلمات الله، إذا جاءتهم مجملة، تحمل أكثر من محمل.. وذلك لما عرف عنهم من المكر بايات الله والاستخفاف بحرماته..
وثانيا: ليلغى عقول هؤلاء القوم، وليمسك بهم فى دور الطفولة، جزاء لما استولى عليهم من طبائع خبيثة، لا تؤمن إلا بما يقع لأيديهم من محسوسات، فكانت التوراة بهذا التفصيل الذي جاءت به، أشبه بالمحسوسات فى وضوحها، وتحديد دلالاتها.. ومع هذا فقد خرجوا على حدودها، بما أدخلوا عليها من حذف وإضافة ومن تبديل وتحريف.
وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ» هو تعليل لهذا التفصيل الذي جاءت عليه التوراة، الأمر الذي لا يدع لهم سبيلا إلى التأويل والتخريج، والذي من شأنه أن يكشف لهم الطريق إلى الله، وإلى الإيمان به، وبالدار الآخرة، التي هم فى ذهول عنها، لما يشغلهم من أمور الدنيا، ويحبس عقولهم وقلوبهم عليها..
هذا، وفى خطاب اليهود بضمير الغائب، دون أن يجرى لهم ذكر يعود إليه هذا الضمير- استخفاف بهم، وإهمال لشأنهم، إذ كانوا فى هذا الشرود وذلك الذهول عن الله، وعن كلماته المفصّلة التي بين أيديهم..
قوله تعالى:
«وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» هو دعوة للمسلمين، إلى الله، وإلفات لهم إلى هذا الكتاب الذي جاءهم به رسول الله
стр. 1502
من ربّه، يحمل البركة والخير والرحمة، لمن اتّصل به، وأخذ عنه..
وقوله سبحانه: «أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ» .. بيان للحكمة من إنزال هذا الكتاب على الأمة العربية، بلسانها العربي، وعلى يد رسول عربى، دون إحالة لهم على ما عند غيرهم من أهل الكتاب.. وفى هذا فضل عظيم من الله على هؤلاء القوم، الذين خصهم الله برحمته، ومسهم بفضله، فجعلهم أهلا لخطابه، وموضعا لمغارس السماء فيهم.. فلا حجّة لهم بعد هذا، ولا مكان لقول يقولونه إذا هم حوسبوا على هذا الشرك وذلك الضلال الذي هم فيه، حيث يقولون: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، ولم ندرس ما عندهم، ولم نتلق عنهم، لأننا أمة لنا كيان واعتبار، وتأبى علينا أنفسنا أن نجىء إليهم متطفلين على ما فى أيديهم..
فها هو ذا الكتاب الذي كانوا يتطلعون إليه، قد جاءهم.. فما حجتهم إذا لم يتبعوه ويؤمنوا به؟.
والطائفتان اللتان سبقتا الأمة العربية بالكتب المنزلة، هما: اليهود والنصارى.. وقد خصّا بالذكر لأنهما كانا من المساكنين للأمة العربية، والمتصلين بها، زمانا ومكانا.
وقوله تعالى: «أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ» هو من المقولات التي كان يمكن أن يقولها مشركو العرب، لو لم ينزل عليهم القرآن الكريم.. وها هو ذا الكتاب المبارك قد نزل عليهم.. فماذا هم فاعلون به؟ وما حجتهم على الله إذا زهدوا فيه، أو وقفوا منه موقف العداوة، ونصبوا له الحرب، كما هم يفعلون الآن والنبي معهم؟.
وقوله تعالى: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها» هو وعيد لهؤلاء المشركين الذين استقبلوا آيات الله بالتكذيب بها، وبالصدّ عنها، فإنهم
стр. 1503
قد ظلموا أنفسهم، وحرموها هذا الخير المرسل إليهم، وحجبوها عن تلك الرحمة المهداة لهم..
وقوله سبحانه: «سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ» هو حكم بالعقوبة الرادعة، والجزاء الأليم، لأولئك الذين كذّبوا بآيات الله وصدّوا عنها.. والصّدوف عن الشيء: التولي عنه، والمجانية له.
الآيات: (١٥٨- ١٦٠) [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٨ الى ١٦٠]
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠)
التفسير: بعد أن أعذر الله للمشركين من قريش ومن حولهم، بما بعث فيهم من رسول منهم، وبما أنزل إليهم من كتاب كانوا يتمنونه من قبل ليكونوا أهل كتاب كاليهود والنصارى، وبعد أن كان منهم هذا الذي استقبلوا به الكتاب والنبىّ الذي حمل إليهم الكتاب، من مشاقّة وعناد، وتكذيب- بعد هذا كله لم يكن لهم أن ينتظروا إلا أن يصيروا إلى هذا المصير الذي يقودهم إليه كفرهم وضلالهم، إذ لا هدى لهم بعد هذا الهدى، ولا كتاب بعد هذا الكتاب.. ولهذا جاء قوله تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ
стр. 1504
أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ»
لينكر عليهم هذا العناد الذي هم فيه، وليدخل اليأس عليهم من أن ينتظروا جديدا، يطلع فى أفقهم بدعوة تدعوهم إلى الله، إذ ليس هناك دعوة أبلغ ولا أبين من هذه الدعوة التي بين أيديهم..
وأنهم إن كانوا ينتظرون أن تأتيهم الملائكة، أو يأتيهم الله، أو تأتيهم بعض آيات الله.. فلينتظروا..
أما الملائكة فلن يأتوا أبدا.. والله يقول: «قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا» (٩٥: الإسراء) .
وأما الله ، فهو معهم أينما كانوا، ولكنهم لن يروه عيانا، لأنه سبحانه منزّه عن أن يحدّ، ولو رؤى لكان محدودا..
وأما بعض آيات الله، وهى نذر الهلاك المرسل إليهم، أو علامات الساعة التي تكون بين يديها- فإنها إذا جاءت لم تكن من تلك المعجزات التي تكشف للناس طريق الإيمان إلى الله، وإنما هى آيات تطلع عليهم بالمهلكات، حيث لا فائدة للإيمان بعدها، ولا أثر له فى حياة صاحبها، لأنها تأتى لتنهى حياة الناس، لا لتجدّد لهم حياة طيبة فى الحياة.... وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» فالإيمان عند استقبال الموت لا ينفع صاحبه، فهو كإيمان فرعون حين أدركه الغرق.
وقوله تعالى: «أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» .. الضمير فى إيمانها يعود إلى النفس التي آمنت عن مجىء نذر الله، ثم تراخى الموت قليلا عنها حتى ملكت أمرها، واستطاعت أن تتصرف فى الحياة- وهى مؤمنة- تصرفا
стр. 1505
يجرى مع الإيمان فى طريق الخير والإحسان.. وهذا من رحمة الله بالناس وفضله عليهم، إذ لم يحرمهم ثمرة الإيمان الذي دخلوا فيه، وهم بين إرهاصات الموت ونذره..
وقوله تعالى: «قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ» هو وعيد للمشركين، وإبعاد لهم من الإيمان الذي دعوا إليه فصدّوا عنه، وتركهم وما هم فيه من ضلال، ينتظرون ما ينجلى عنه كفرهم وعنادهم، وما ينجلى عنه موقف النبي وأصحابه.. معهم! قوله تعالى:
«إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» هو إشارة إلى اليهود والنصارى، وما انتهى إليه أمرهم من تفرق واختلاف فى دينهم الذي بين أيديهم، وقد تفرقوا شيعا وأحزابا.. كلها على غير طريق الحق، لأن الحق طريق واحد، ومن استقام عليه قليل من كثير، وفرقة واحدة من جميع هذه الفرق..
وقد نبّه الله النبىّ إلى هذا الخلاف الذي بين اليهود واليهود، وبين النصارى والنصارى، ثم بين اليهود والنصارى، وأنه ليس للنبى أن يدخل معهم فى جدال، «إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» أي يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، ويجزى كلّا بما كسب، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى بعد هذا: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» - هكذا رحمة الله، وكذلك عدله..
يجزى الحسنة بعشر أمثالها.. فضلا وكرما، ويجزى السيئة بمثلها.. عدلا وصدقا..
стр. 1506
الآيات: (١٦١- ١٦٤) [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٦١ الى ١٦٤]
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)
التفسير: بهذه الآيات، والآية التي بعدها تختم هذه السورة، التي كانت كلها دعوة إلى الله، ومعارض مختلفة للكشف عن قدرته، وعلمه، وحكمته..
فهى- وإن اختلفت مواقف الدعوة فيها إلى الله- تمثل جميعا موقفا واحدا، ينتهى النظر بعد ترداده فيها، وتطوافه حولها إلى التسليم بأن لهذا الوجود ربا، وأن لهذه الموجودات خالقا مبدعا، قائما على كل كبير وصغير منها..
هكذا ينتهى النظر فى هذه المعارض الكثيرة المختلفة التي عرضتها السورة هذا العرض المعجز المبين- ينتهى النظر وقد امتلأت قلوب المؤمنين إيمانا بالله، وخشية لجلاله وولاء لعظمته وقدرته.. أما المشركون، والكافرون، ومن فى قلوبهم مرض، فلا على المؤمنين من أمرهم شىء.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..
والرسول الكريم هو إمام المؤمنين، وقدوة المهتدين، ولهذا فقد كان من فضل الله عليه، ورعايته له أن لقيه- سبحانه- بعد هذه المواقف المتزاحمة
стр. 1507
بينه وبين المشركين- لقيه ربه بهذا الهدى السماوي، ليثبت به فؤاده، ويشرح به صدره..
«قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .. فعلى هذا الصراط المستقيم أقام الله نبيه الكريم من أول خطوه فى الحياة.
وقوله تعالى: «دِيناً قِيَماً» هو بدل من «صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» على اعتبار أنه منصوب محلّا.. أي هدانى ربى صراطا مستقيما: «دِيناً قِيَماً.. مِلَّةَ إِبْراهِيمَ» وقوله تعالى: «مِلَّةَ إِبْراهِيمَ» بدل من قوله: تعالى «دِيناً قِيَماً» و «حَنِيفاً» حال من إبراهيم، «وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» حال أخرى ...
وقوله تعالى: «قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ» هو بيان لهذا الصراط المستقيم الذي هو الدين القيم، والذي هو ملة إبراهيم، والذي من شأن من يستقيم على هذا الصراط، ويتبع هذا الدّين أن يكون ولاؤه كله لله، وعمله كله لله.. فلا يصلى إلّا له، ولا يتقرب بالطاعات والقربات إلا إليه وحده، وأن تكون حياته كلها لله، مسلما له وجهه، مفوضا إليه أمره، حتى إذا مات كان إلى الله مصيره، وبين يديه موقفه وحسابه..
تلك هى عقيدة من أقامه الله على صراطه المستقيم، وذلك هو ولاؤه لله رب العالمين.. وهكذا كان النبىّ، وهكذا ينبغى أن يقتدى به كل مؤمن بالله وبرسوله..
وقوله تعالى: «وَبِذلِكَ أُمِرْتُ» إشارة إلى أن هذا الذي عليه النبي، من إيمان بالله، وولاء له، ليس من عند ذاته، وإنما هو مما أمره الله به، وأمره أن يبلغ الناس إياه..
стр. 1508
وقوله تعالى: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» أي أول من استجاب لدعوة الله التي دعى إليها، وأمر أن يؤذّن بالناس فيها.. فالنبىّ هو صاحب الدعوة الإسلامية، فكان أول من لبس ثوبها، وتوّج بتاجها..
والسؤال هنا: هل كان النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- أول المسلمين عامة، أي أول الإنسانية كلها إسلاما.. أم هو أول المسلمين من أمة محمد وحدها؟.
والجواب على هذا- والله أعلم- أنّه- ﷺ أول المسلمين فى أمته، إذ أن «الإسلام» هو سمة الرسالة المحمدية وحدها، من بين الرسالات السماوية كلها، وأن «الإسلام» وإن كان هو دين الله، الذي جاءت به رسالاته كلها، إلا أنه لم يأخذ هذا الوصف إلا فى رسالة محمد، التي كانت مجتمع الرسالات، وخاتمتها، وأن إبراهيم وإسماعيل ﵉ قد دعوا الله بأن يجعل منهما أمة مسلمة، هى أمة محمد ﵊..
وفى هذا يقول الله على لسانيهما: «رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» .. (١٢٨: البقرة) :
ويقول سبحانه «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ» (٧٨: الحج) وقوله تعالى:
«قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ» أمر من الله- سبحانه- للنبىّ أن ينكر على المشركين ما هم فيه من ضلال وشرك بالله، وأنهم إذا ابتغوا غير الله ربّا، فلن يبتغى هو غير الله ربّا، فالله هو ربّ كل شىء، واتخاذ غيره إلها، هو شرود عن الحق الذي استقام عليه الوجود كله..
стр. 1509
وقوله سبحانه:
«وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» هو تقرير لهذه الحقيقة التي استقام عليها النبىّ ومن تبعه من المؤمنين، إذ أن كل إنسان محاسب على ما عمل، ومجزيّ به، وما تكسبه كل نفس فهو محسوب عليها: «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» أي لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى.
إذ كل نفس بما كسبت رهينة.
والوزر: الحمل الثقيل، ومنه قوله تعالى: «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ» .
وقوله تعالى: «ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» هو تذكير للناس جميعا بربهم الذي أنشأهم، وربّاهم، وأنهم سيعرضون عليه بأعمالهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
الآية: (١٦٥) [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٥]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)
التفسير: بهذه الآية الكريمة تختم سورة الأنعام.. وهى سورة كلها نعم وأفضال، تحدّث كلماتها وآياتها بما لا يحصى من آلاء الله ونعمه المبثوثة فى الوجود، والتي من شأنها أن تطلع ذوى الأبصار والبصائر على ما فى ملكوت الله من آيات القدرة، وروائع الحكمة، فيخبتوا لله ويخشعوا..
وقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ» بيان لنعمة من نعم الله الكبرى على بنى آدم خاصة، إذ جعلهم «خلائف الأرض» وفى هذا ما فيه من تكريم لهم، وإحسان إليهم..
стр. 1510
وفى قوله تعالى: «خَلائِفَ» إشارة إلى مكانة الإنسان، وسموّ قدره، وأنه ليس مكرّما فى جنسه وحسب، بل هو مكرّم فى كل فرد من أفراده..
فكل إنسان هو خليفة الله فى هذه الأرض، وأنه- وإن كان عضوا فى المجتمع الإنسانى- فليس ذلك بالذي يذهب بشىء من مقومات شخصيته، أو يجور على هذا الوضع الكريم الذي وضعه الله فيه.. فهو خليفة الله، أيّا كان مكانه فى المجتمع.. غنيا أو فقيرا، عالما أو جاهلا، قويا أو ضعيفا.. إنه خليفة الله فى الأرض، ومن واجبه أن يعمل بمقتضى هذه الخلافة، ويجمع إلى يديه أسبابها ومقوّماتها..
هذا هو الإنسان كما تنظر إليه شريعة الإسلام.. إنسان كريم على الله، خلع عليه خلع الخلافة، وتوجه بتاجها، وجعل درة هذا التاج هو عقله الذي يستطيع به أن يبلغ من السموّ ما يشاء.
وإنه لمن ظلم الإنسان لنفسه، ومن استصغاره لوجوده، أن يسفّ وينحدر عن هذا المستوي الكريم الذي رفعه الله إليه، فيتحول إلى كائن حيوانىّ ذليل، يقاد فينقاد، ويستذل فيذلّ، حتى لينعزل عن العالم الإنسانى، ويصبح على غير الخلق السوىّ الذي خلقه الله عليه.. «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ..»
وفى قوله تعالى: «وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ» إشارة إلى أن هذا المستوي الكريم الذي وضع الله سبحانه الإنسان فيه- ليس على درجة واحدة، وإنما هو درجات، بعضها فوق بعض، وإن كان أدنى هذه الدرجات لا ينزل بالإنسان عن درجة الخلافة التي أعده الله لها. فإن نزل الإنسان عن هذه الدرجة فقد نزل عن إنسانيته، وتحلّى عن مكانه بين الناس..
أما هذا التفاوت الذي بين الناس فهو فى مراتب الفضل، ابتداء من
следующие страницы →