← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الرجس: القذر، والنّجس.. ووضع الرجس فى مقابل الإيمان، إشارة إلى أن الإيمان طهر، وتزكية، وتطييب للمؤمن.. على خلاف الكفر، فإنه قذر، ونجس، ورجس، يلبس صاحبه، ويشتمل عليه، كما يلبس الجلد الجسد ويحتويه! وفى وضع الذين «لا يعقلون» ، بدل الذين «لا يؤمنون» كما يقضى بذلك السياق- إشارة أخرى إلى أن الكفر هو وليد الجهل والحمق، وعدم استعمال العقل وتوجيهه إلى تعقّل الآيات المبثوثة فى هذا الكون، الذي تتجلّى فى آفاقه آيات الخالق، المبدع، وقدرة الحكيم العليم، الخالق، المصوّر. ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك: «قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» جاء داعيا إلى توجيه العقل إلى النظر فى ملكوت السموات والأرض، وقراءة ما سطرته يد القدرة على هذا الوجود من آيات ناطقة، تحدّث عن الخالق العظيم، وتسبّح بحمده، فى ولاء، وانقياد وخشوع! - وفى قوله تعالى: «وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» - توكيد لما قررته الآيات السابقة، من أنه لا تؤمن نفس إلا بإذن الله.. وأن النظر فى ملكوت السموات والأرض، وإن كان مطلوبا من كل عاقل أن ينظر فى هذا الملكوت، وأن يطيل النظر فيه دارسا متفحصا، باحثا عن دلائل وجود الله، وما له فى هذا الملكوت من إبداع، وما له عليه من سلطان- هذا النظر لن يصل بصاحبه إلى الإيمان، ولن يفتح قلبه له، إلا إذا كان هذا الناظر ممن أراد الله لهم أن يكونوا مؤمنين.. أما الذين قدّر الله عليهم ألا يؤمنوا، فلن يؤمنوا، أبدا، ولو نطقت أمامهم الآيات، وأسمعتهم ما أودع الخالق فيها من بديع صنعه، ورائع حكمته وقدرته.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ

стр. 2242

كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» (٦: البقرة) . وهذه هى قضية القضاء والقدر.. وقد وعدنا أن نعرض لها، وسنعرض لها إن شاء الله فى سورة الكهف. قوله تعالى: «فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ» هو تهديد لهؤلاء الكافرين، ووعيد لهم، بما ينتظرهم من بلاء وعذاب، وإنه كما أخذ الذين كفروا من قبلهم بالهلاك، سيؤخذون هم به.. فلينتظروا فلينظروا، وليستقبلوا ما يطلع عليهم من وراء هذا الانتظار، من نقم الله، وما تحمل إليهم من مهلكات. وما تسوق إليهم من بلاء ونكال.. قوله تعالى: «ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ» .. هو تبشير للمؤمنين، وتطمين لهم من أن يصيبهم شىء من هذا المكروه الذي سيحّل بالكافرين.. فالمؤمنون بمنجاة من هذا المكروه.. إنهم مع رسل الله، وإن الله لن يتخلّى عن رسله، ولن يريهم منه إلا ما يسرّهم من الأمن والعافية، والدرجات العليا عنده.. وكذلك المؤمنون الذين اتّبعوا الرسل.. إنهم معهم حيث يكونون.. فالمرء مع من أحبّ.. وفى هذا خزى للكافرين، إذ حرموا من أن ينالوا شيئا من هذا الذي ينعم فيه المؤمنون مع رسل الله.. من نصر الله وتأييده.. - وفى قوله تعالى: «كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ» إشارة إلى أن هذا الوعد الذي وعده الله رسله والمؤمنين، هو وعد حقّ لا شكّ فيه، قد أوجبه الله على نفسه، فضلا وكرما، كما يقول : َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» .. وكما يقول سبحانه: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» . (٢١: المجادلة)

стр. 2243

وفى جزم الفعل «ننج» ما يكشف عن مزيد من فضل الله وكرمه وإحسانه إلى عباده المؤمنين.. ففى مجىء الفعل «ننج» مجزوما، ولا جازم له، يفتح الطريق إلى تقدير فعل أمر، ليقع هذا الفعل تحت سلطان الأمر من الله .. وهو أمر من الله سبحانه، إلى الله سبحانه!! والتقدير: كذلك حقّا علينا إنجاء المؤمنين.. فلننجهم إذن!! فسبحانه من ربّ كريم، يفيض على المؤمنين من عباده ما لا يفيض الأب البرّ الرحيم على صغاره، من حدبه، وعطفه، وتبسطه معهم، وتدليله لهم.! الآيات: (١٠٤- ١٠٧) [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٧] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) التفسير: قوله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» .

стр. 2244

المراد بالنّاس هنا هم المشركون، الذين لم يستجيبوا للرسول، وأمسكوا بما هم عليه من شرك وضلال.. وجواب الشرط هنا جاء على غير ما يقتضيه السياق.. فالشرط وهو قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي» مطلوبه أن يكون الجواب على هذا النحو.. فلا تدخلوا فى هذا الدين.. أو: فأنتم وشأنكم.. ولكن الجواب الذي جاء به القرآن الكريم، هو الجواب الذي لا يجىء إلّا من الحكيم العليم.. رب العالمين.. هكذا: «فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» .. وفى هذا الجواب تنكشف أمور: فأولا: أن النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- متمسّك بهذا الدين، الذي يشكّ فيه هؤلاء الشاكّون، وأن شكوكهم لا تثير فى نفسه أىّ ريب فى هذا الحق الذي بين يديه.. وفى هذا ما ينبىء عن ثقة النبىّ، ويقينه، بهذا الدّين الذي يؤمن به، ويدعو إليه. وثانيا: أن النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- لن يتحول عن هذا الدّين، إلى الدّين الذي عليه هؤلاء المشركون، ولن يعبد تلك الآلهة التي يعبدونها من دون الله.. وثالثا: أن هذه الآلهة التي يعبدونها هى الضلال.. ولا يعبدها إلّا الضالّون، ولا يمسك بها إلّا المبطلون.. وأن آلهتهم تلك لا تملك لهم ضرّا، وأنهم لو تركوها، ونفضوا أيديهم منها، فلن تضرّهم شيئا.. أما الله ، الذي يعبده «محمد» ويدعو إلى عبادته، فهو الذي يملك الضّرّ لهم.. إنه هو الذي يتوفّاهم، ويتولىّ حسابهم وجزاءهم على ما كان منهم من كفر وضلال. رابعا: أنه- صلوات الله وسلامه عليه- متّبع لما أمر به، وهو أن يكون

стр. 2245

من المؤمنين.. فهو من المؤمنين، لأنه مؤمن بهذا الدّين الذي أمر أن يدين به، وهم غير مؤمنين، لأنهم لا يدينون بدين الله.. قوله تعالى: «وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» . «الواو» هنا فى قوله تعالى: «وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ» هى واو العطف، على تقدير أن الخبر قبلها وهو قوله تعالى: «وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» هو فى معنى الأمر، أي تلقيت هذا الأمر، بأن قيل لى: كن من المؤمنين، «وأن أقم وجهك للدين حنيفا، ولا تكونن من المشركين» فجعل قول الله له- صلوات الله وسلامه عليه- أمرا لازما لا انفكاك له منه، وهذا أبلغ فى الدلالة على الامتثال والطاعة والولاء.. وإقامة الوجه على الأمر: فى قوله تعالى: «وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً» كناية عن الاشتغال به وحده، دون التفات إلى سواه.. ومنه قوله تعالى: «يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ» (٩: يوسف) .. وذلك أن الوجه إذ يستقيم على طريق، فإنه لا يلتفت إلى طرق أخرى.. فإقامة الوجه على الدّين: توجيه الوجه إليه كله، دون أن يخطف خطفة بصر إلى غيره.. والحنيف: هو المائل عن طريق إلى طريق.. والمستقيم على دين الله، قد مال باستقامته تلك عن كل طريق، وأخذ طريق الله طريقا.. وفى التعبير بلفظ «الحنيف» بمعنى المائل عن الضلال إلى الحق، إشارة إلى أن أكثر الطرق هى طرق الضلال، وأكثر الناس هم الضالون، القائمون على هذه الطرق.. وخروج إنسان من الناس عن هذه الطرق، وميله عن الجماعات التي تسلكها، هو أمر يحتاج إلى مكابدة وعناء، كما أنه أمر ملفت للنظر، جدير بالتنويه.. فهو أشبه بالخروج على الإجماع! - وفى قوله تعالى: «وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» تعريض بالمشركين،

стр. 2246

وتهديد لهم، إذ كانوا على أمر محظور منهىّ عنه، يتعرض مقترفه للنقمة والبلاء.. قوله تعالى: «وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ» هو تعريض أيضا بالمشركين، وتهديد لهم، وأنهم يعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرّهم، وأنهم بهذا قد ظلموا أنفسهم، وباعوها فى سوق الضلال، بهذا النّقد الزائف، الذي لا قيمة له إذا عرض فى سوق الحق! وفى خطاب النبىّ صلوات الله وسلامه عليه بهذا النهى، تغليظ لشناعة المنهىّ عنه، وتهويل للخطر الذي يتهدد الناس منه، وأن على كل إنسان أن يوقظ وجوده كله، حتى لا يقع فى هذا المحذور أو يدنو منه.. وكفى أن يكون المنهي عنه هو الشرك بالله، وكفى أن ينبّه النبىّ الكريم إلى هذا الخطر، وهو أعلم الناس به، وأبعدهم عنه. قوله تعالى: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» . إن الذي يعبده المشركون من آلهة، هو سراب خادع، ووهم باطل.. إنها لا تملك ضرّا ولا نفعا.. وإن الذي يملك الضّرّ والنفع هو الله وحده، لا شريك له فى هذا الوجود، ولا فيما يجرى على هذا الوجود من أمور فإذا مسّ الإنسان ضرّ- أىّ ضر- فلا يكشف هذا الضرّ عنه إلا الله.. وإن أصاب الإنسان خير- أي خير- فهو مما أراده الله، وقدّره، وأجراه له.. لا يستطيع أحد فى هذا الوجود أن يردّه، أو ينقص منه، أو يؤخر وقته المقدور فى علم الله.. وفى توجيه الخطاب إلى النبىّ بهذا الحكم الذي قضى الله به فى عباده، ما يشعر بأن النبىّ- وهو من هو عند الله، قربا وحبّا- خاضع لهذا القضاء..

стр. 2247

فما يصيبه من خير هو من عند الله.. إنه لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا.. فكيف بمن هم ليسوا على هذه المنزلة عند الله، من قرب وحب؟ - وفى قوله تعالى: «وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» إشارة إلى أن المغفرة والرحمة من الله لعباده، هى شأنه فى خلقه.. حتى ما يقع بهم من مكروه وضرّ، هو محفوف بالمغفرة، محمول بيد الرحمة.. وحتى ما يلقى المشركون والضّالون من نقمة الله وعذابه، هو واقع تحت رحمة الله بهم ومغفرته لهم، ولولا ذلك لما تنفّسوا نفسا واحدا فى هذه الدنيا..! كما يقول سبحانه: «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ» (٦١: النحل) . الآيتان: (١٠٨- ١٠٩) [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩) التفسير: بهاتين الآيتين تختّم السورة الكريمة، فيجىء ختامها متلاقيا مع بدئها، ويكون ما بين البدء والختام، عرضا شارحا لمضمون البدء والختام! فقد بدأت السورة هكذا: «الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ» .. وفى هذا البدء إعلان عن هذا الكتاب الحكيم الذي بعث به النبىّ الكريم إلى الناس، يدعوهم إلى الإيمان بالله، وينذرهم بعقابه، ويبشرهم برحمته ورضوانه، فعجبوا أن يكون ذلك الكتاب السماوىّ فى يد رجل منهم، وقال الكافرون تلك القولة المنكرة: «إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ» .

стр. 2248

ثم تأخذ السورة بعد ذلك فى عرض قدرة الله، وما أبدع وصوّر فى هذا الوجود، وفيما يقع لنظر الناظرين فيه من دلائل وجود الله، وعلمه، وحكمته.. فأخذ بعض الناس بحظهم من النظر السّليم فآمنوا، وزاغت أبصار كثير منهم، فكفروا.. ثم تعرض السورة بعضا من مشاهد القيامة، وما يلقى الكافرون المكذّبون من بلاء وعذاب، وما ينال المؤمنون من نعيم ورضوان.. ثم تعود فتنقل النّاس من مشاهد القيامة إلى هذه الدنيا التي هم فيها، وتعرض لأبصارهم ما أخذ الله به الظالمين، من القرون الماضية، من بأسه ونقمته، على حين عافى المؤمنين من هذا البأس وتلك النقمة، وأولاهم عزّا ونصرا.. ثم تختتم السورة بهاتين الآيتين، بهذا الإعلان العامّ، الذي بدأت به، فتصل منه ما انقطع: «قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم» وهو هذا الكتاب الحكيم، الذي جاءكم من ربكم: «فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه» إذ ارتاد الخير لها، وغرس فى مغارس الخير، وهو الذي يجنى ثمر هذا الخير، ويضمه إلى يده، لا يناله غيره.. «ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها» ، إذ عمى عن طريق الحق، وركب مركب الضلال، فإذا ورد موارد الهلاك، فلا يلومنّ إلا نفسه.. «وما أنا عليكم بوكيل» .. إذ ليس الرسول وكيلا عنهم، يعمل لهم، كما يعمل الوكيل لمن وكله عنه.. فليس أحد مغنيا عن أحد، ولا أحد موكّلا عن أحد، بل هى المسئولية الذاتية، يحملها كل إنسان عن نفسه.. إذ كان للإنسان وجوده، وكانت له ذاتيته وشخصيته، وبهذا فلا يصح أن يضع إنسان نفسه تحت وصاية أحد، أو يعفى نفسه من العمل، بإقامة وكيل عنه، لأن هذا الوكيل الذي يريد أن يقيمه، هو نفسه مطالب بالعمل لنفسه، وبتحصيل الخير لها.. حتى ولو كان رسول الله نفسه.. وفى هذا تكريم للإنسان، وتصحيح لوجوده، وتسليم بحقه الكامل فى

стр. 2249

هذا الوجود، وأن عليه أن ينظر إلى نفسه وحده، وأن يأخذ لها بحظها من سعيه وعمله.. إنه إنسان رشيد عاقل، فكيف يقبل هو، أو يقبل منه أن يحلّ نفسه من إنسانيته، وعقله، ورشده، ليكون طفلا قاصرا، يفكّر له غيره، ويعمل له سواه؟ ذلك حساب مغلوط لا يقبل منه أبدا، ولو قبله هو على نفسه..! - وفى قوله تعالى: «وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ» ، وفى تعدية اسم المفعول: «وكيل» الذي هو بمعنى موكّل بحرف الاستعلاء «على» بدلا من حرف المجاوزة «عن» - فى هذا ما يشعر بأن النبي الكريم- وهو من هوّ فى مقامه الرفيع فوق الناس جميعا- ليس له أن يكون وكيلا عن أحد من الناس، وإنما كل إنسان له وعليه مسؤليته الكاملة، يحملها وحده.. وهذا- كما قلنا- تشريف للإنسان، وتكريم له.. وأن كل إنسان جدير به أن يأخذ مكانه فى الناس، وأن يعمل ما وسعه العمل، ليبلغ المكان الذي يستطيعه بعمله واجتهاده.. فالطريق أمامه مفتوح، لا يقف فى سبيله أحد! .. قوله تعالى: «وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ» .. فذلك هو الرسول الإنسان.. إنه يحمل مسئوليته كاملة.. فيتّبع ما يوحى إليه من ربه، ويستقيم عليه.. إن ذلك هو ميدانه الذي يعمل فيه، ويدعو الناس إلى العمل فيه معه.. فمن استجاب له، قبله، وضمّه إليه، ومن أبى فما على الرسول إلا البلاغ، وليصبر الرسول حتى يحكم الله بما قضى به فى عباده، وهو خير الحاكمين.. لا يحكم إلا بالعدل، ولا يقضى إلا بالحقّ، فيجزى المحسنين بإحسانهم، ويأخذ المذنبين بذنوبهم، إن شاء، أو يعفو عنهم..!

стр. 2250

١١- سورة هود نزولها: مكية.. بإجماع.. عدد آياتها: مائة وثلاث وعشرون آية. عدد كلماتها: ألف وتسعمائة وإحدى عشرة كلمة. عدد حروفها: سبعة آلاف وستمائة وخمسة أحرف. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ٥) [سورة هود (١١) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) التفسير: تبدأ هذه السورة الكريمة بما بدأت به السورة التي قبلها، سورة «يونس» بذكر الكتاب الحكيم، الذي أوحى إلى الرسول، صلوات الله وسلامه عليه.. فهى تصف الكتاب بالحكمة، «كتاب أحكمت آياته» وقد وصفته السورة التي قبلها بأنه كتاب حكيم: «تلك آيات الكتاب الحكيم» ثم تعطيه وصفا آخر، هو أن الحكمة التي اشتمل عليها، لم تكن حكمة مجملة مغلقة،

стр. 2251

بل هى حكمة مفصلة، واضحة مشرقة، تنالها أفهام الناس جميعا، ويشارك فيها الحكماء وغير الحكماء، لأن الذي أحكمها هو الذي فصّلها.. فهو «حكيم» يملك الحكمة كلها.. «خبير» يضع كل شىء موضعه.. - وفى قوله تعالى: «الر» إشارة إلى أن هذه الكلمة، فى حروفها الثلاثة، الألف، واللام، والراء.. هى الكتاب كله، وهى الحكمة كلها.. ولكنها غير مدركة لأفهام البشر، فهى مجمل المجمل من الحكمة، وعلم مجملها ومفصّلها عند «الحكيم» وحده، وهو الحق . - وفى قوله تعالى: «أُحْكِمَتْ آياتُهُ» هو تفصيل مجمل لهذه الحكمة المجملة «فى الر» . - وفى قوله تعالى: «ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ» هو تفصيل لمجمل هذه الحكمة المجملة، وقد فصّلها حكيم خبير. وقوله تعالى: «أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ» . هو من تفصيل هذه الحكمة التي حملها هكذا الكتاب الحكيم، واشتمل عليها.. فالدعوة إلى الإيمان بالله، وإخلاص العبادة له وحده، والتحذير من عقاب الله، والتبشير بثوابه- هى مضمون هذا الكتاب الحكيم، ومحتواه!. والضمير فى «منه» يعود إلى الله : «أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ. إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ» أي من الله، «نذير وبشير» ..

стр. 2252

قوله تعالى: «وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ» .. هو معطوف على قوله تعالى: «أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ» .. و «تولوا» مضارع أصله تتولّوا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا، أي إن الذي أدعوكم إليه بهذا الكتاب الحكيم، هو: «ألا تعبدوا إلا الله» .. «وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه» .. استغفروه مما يقع منكم من معاص، ثم توبوا إليه مما ترتكبون من آثام.. وفى العطف «بثم» إشارة إلى أن الاستغفار مطلوب دائما من كل مؤمن إذ كان الإنسان فى معرض الزلل والانحراف، وهو يعالج شئون الحياة.. أما التوبة فهى رجوع الى الله بعد أن يبعد الإنسان كثيرا عنه، بارتكاب منكر من المنكرات.. فالتوبة يكون الإنسان فيها فى مواجهة موقف محدد، يراجع فيه الإنسان نفسه، فيرجع إلى ربه من قريب، قبل أن تشطّ به الطريق، ويبعد عن ربه.. أما الاستغفار فهو دعاء متصل بين الإنسان وربه، وهذا يعنى أن الإنسان وإن اجتهد فى الطاعة، وأخلص فى العبادة، وبالغ فى تحرّى الاستقامة لا يسلم أبدا من أن تقع منه هنات وزلات.. وإذن فهو على شعور بالنقص دائما، وفى مداومة الاستغفار، التجاء إلى الله أن يطهره، وأن يمحو ما علق به من ذنوب! - وفى قوله تعالى: «يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» بيان لثمرة الإيمان بالله، ودوام الاتصال بالاستغفار والتوبة، ففى ذلك ضمان لسلامة الإنسان، وإمساك به على طريق الحق والخير، فيكون بذلك محفوفا برحمة الله، مستوجبا لرضاه، قرير العين، مطمئن القلب، بالاستظلال بظله، فيعيش عمره

стр. 2253

المقدور له فى هذه الدنيا، سعيدا هانئا، يجنى أطيب الثمرات، لما غرس، من خير، وما قدم من إحسان.. فهو بهذا ممتّع متاعا حسنا والضمير فى قوله تعالى: «فَضْلَهُ» .. يعود إلى الله ، ويكون معناه: أن الله يجزى أهل الفضل والإحسان، فضلا من فضله وإحسانا من إحسانه.. كذلك يمكن أن يعود هذا الضمير إلى الإنسان، صاحب هذا الفضل، بمعنى أنه سيجد فضله الذي قدمه حاضرا بين يديه، قد ادخره الله له، وبارك عليه، وثمّره، ونمّاه له. - وفى قوله تعالى: «وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ» دعوة للمعاندين والسّادرين فى غيّهم وضلالهم، أن يستمعوا إلى الرسول، وأن يستجيبوا له، وإلا فهم فى مواجهة بلاء، وعذاب، يوم القيامة.. وفى خوف النبي عليهم من عذاب هذا اليوم ما يشعر بحرص النبي على هدايتهم، وإشفاقه عليهم، من هذا المصير المشئوم الذي هم صائرون إليه.. «فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير» وفى وصف اليوم بأنه «كبير» إشارة إلى ما فيه من أهوال ثقال، وأن كل لحظة، فيه لثقلها على النفس، تعدل أياما وسنين.. هكذا لحظات الشدائد والمحن، تمر ثقيلة بطيئة، يحسبها الذين يعيشونها دهرا طويلا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا» (٢٧: الإنسان) . قوله تعالى: «أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» .

стр. 2254

يثنون صدورهم: أي يطبقونها، ويطوونها على ما بداخلها من شر، وزور، وبهتان.. يستغشون ثيابهم: أي يلبسونها، ويتخذونها غشاء لهم.. «ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه» .. هذا تقرير لواقع المشركين وأصحاب الضلالات، مع أنفسهم، إذ لما فى صدورهم من منكرات الأمور، وعوارها، يحاولون جاهدين أن يخفوا هذا المنكر الذي ضمّت عليه صدورهم، ويداروا هذا العوار الذي إن ظهر للناس فاحت منه ريح خبيثة، تفضحهم وتخزيهم بين الناس.. فهم أبدا على حذر وحرص، من أن يطلع أحد على هذا الفعل الفاضح الذي اتخذوا له من صدورهم مسرحا يتحرك عليه، ويعيش فيه.. فالأسلوب هنا خبرى، يقرر حقيقة واقعة، وهى أن هؤلاء أصحاب منكرات، يطوون عليها صدورهم حتى لا يطلع عليها أحد، وقد بلغ بهم سوء ظنهم بالله، وجهلهم بما له من صفات الكمال، أنهم يظنون بهذا الفعل أنهم يحولون بين الله تعالى، وبين أن يعلم ما هم عليه من منكر.. - وفى قوله تعالى: «أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» هو ردّ على سوء فهمهم لكمالات الله، وجهلهم بنفوذ علمه وسلطانه إلى كل ذرّة فى هذا الوجود.. وأنهم مقهورون تحت سلطان هذا العلم، لن يستطيعوا أن يخفوا منه شيئا، ولو مزجوه بلحمهم وخلطوه بدمهم.. فهم حين يستغشون ثيابهم ليستروا بها عوراتهم، لا يسترونها عن الله، كما لا يسترون عنه، ما أطبقوا عليه صدورهم من عورات ومنكرات: «إنه عليم بذات الصدور» أي بما فى داخلها، وما أطبقت عليه، فكيف بالصدور نفسها؟ وذات الصدور، حقيقتها.. وعلم الله بها، هو علم كامل، إذ هو سبحانه الذي خلقها، وأودع ما فيها من قوى، فكيف يدخل عليها شىء ثم يخفى عن الخالق سبحانه؟ «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» ؟.

стр. 2255

الآيات: (٦- ١١) [سورة هود (١١) : الآيات ٦ الى ١١] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١) التفسير: مناسبة قوله تعالى: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» للآيات التي قبلها، هى أن الآيات السابقة كشفت عن سوء ظن المشركين والمنافقين بالله، وجهلهم بما له من علم، وقدرة، وأنه- سبحانه- يعلم سرّهم وجهرهم، ويطلع على ما طووا عليه صدورهم من ضلال وإلحاد.. وفى هذه الآية والآية التي بعدها، يكشف عن بعض مظاهر علمه وقدرته، فيقول سبحانه:

стр. 2256

«وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» .. والدابة كل مادب على الأرض من كائنات حيّة.. من الحشرات والهوامّ.. إلى الإنسان.. واختصاص دوابّ الأرض بالذكر، لأنها هى التي تشاركنا الحياة على هذه الأرض، وهى التي تقع لحواسنا ومدركاتنا. وهى التي تحتاج إلى ما يمسك عليها حياتها، من طعام وشراب، ومأوى.. ونحو هذا.. فكل ما على الأرض من كائنات، ومنها الإنسان- مكفول له رزقه من الله.. فهو- سبحانه- الذي خلقه، وهو- سبحانه- الذي يقدر رزقه، ويسوقه إليه من فضله وكرمه.. - وفى قوله تعالى: «إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» إشارة إلى أن الله- سبحانه- قد أوجب ذلك على نفسه، حتى لكأن كل حى له عند الله- حق يطالب به.. وذلك من كرم الكريم، ورحمة الرحيم.. وإذا كان فى الناس من يوجب على نفسه ما لا يجب من أفعال الخير، كما يقول الشاعر: على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل - نقول إذا كان فى الناس من يوجب على نفسه ما لا يجب، من فضل وإحسان، فكيف برب الناس، ملك الناس، إله الناس.. من لا تنفذ خزائنه، ولا تنقص بكثرة العطاء نعمه؟ وكيف بمن خلق هذه الأحياء.. ألا يضمن حياتها، ويمسك وجودها؟ إن الخلق لا تظهر حكمته، ولا تتجلى آثاره، إلا إذا قام معه ما يضمن بقاءه، ويحفظ الحياة التي أودعها الخالق فيه، وإلا كانت عملية الخلق عبثا، يتنزه الله عنه..

стр. 2257

وفى قوله تعالى: «وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» إشارة إلى تمكن علم الله، وإحاطته بالموجودات، وأنه يعلمها علم تفصيل لا علم إجمال وحسب، فيعلم الكائنات، فردا فردا، مستقرها فى أصلاب آبائها، ويعلم مستودعها فى أرحام أمهاتها.. فهى قبل أن تكون كائنا فى هذا الوجود، ودابة من دواب هذه الأرض، كان علم الله قائما عليها، وعنايته موكّلة بها، حتى إذا أودعها رحم الأم ظهر الأرض، كان على الله رزقها وكفالتها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ» (٩٨: الأنعام) . قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» . هو استعراض أيضا لبعض مظاهر قدرة الله.. فهو- سبحانه- الذي خلق السموات والأرض فى ستة أيام. وقد أشرنا من قبل إلى أن هذا الزمن الذي خلقت فيه السموات والأرض، إنما هو الوعاء الزمنى، الذي يتمّ فيه خلق هذين الكائنين واستواء خلقهما، ونضجه، شأنهما فى هذا شأن أي مخلوق.. فكما يتم خلق الجنين الإنسانى- مثلا- فى تسعة أشهر، تمّ خلق السموات والأرض فى ستة أيام.. فالسموات والأرض أشبه بالكائنات الحية فى الخلق، كان لهما عند الله سبحانه أجل استوفيا فيه خلقهما. أما القول بأن الله سبحانه قد شغل بخلق السموات والأرض ستة أيام، ثم استراح فى اليوم السابع، فهو مما تحدّثت به التوراة التي عبث بها بنو إسرائيل..

стр. 2258

وقوله تعالى: «وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» إشارة إلى أن خلق السموات والأرض جاء متأخرا عن خلق الماء وهذا ما ينبغى أن نقف عنده، ولا نسأل عما وراءه، فذلك مما لا تدركه مدركاتنا، وهو مما ينبغى أن نؤمن به إيمان تسليم وتصديق، دون أن نبحث أو نسأل عن العرش ما هو؟ وأين هو؟ فالسؤال عن مثل هذا مضلّة، والبحث فيه عناء.. والله يقول: «وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» . (٨٥: الإسراء) وقوله تعالى: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» .. الابتلاء الاختيار، ولام التعليل متعلقة بقوله تعالى: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» ، أي وخلقكم أيها الناس وجعلكم خلائف فى الأرض، ومكّن لكم فيها بما أودع فيكم من عقل، وما سخر لكم من مخلوقات، ليتبين من ذلك كيف تعملون، وكيف تكون خلافتكم فيما استخلفكم الله فيه.. ولولا هذا ما كان لكم وجود، ولا كان منكم هذا الذي أنتم عليه، من إيمان وكفر، وهدى، وضلال.. وفى قصر الابتلاء والمفاضلة فيما ابتلوا فيه، على الأعمال الحسنة- إشارة إلى ما يجب أن يكون من الناس، وهو العمل فى ميدان الإحسان وحده، والتنافس بينهم فى هذا المجال.. ففى ذلك ينبغى أن يتنافس المتنافسون. - وفى قوله تعالى: «وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» إشارة إلى ما كشف عنه هذا الابتلاء والامتحان.. فقد كشف عن بعض نفوس خبيثة، وعقول فاسدة، وقلوب مريضة، لم تتعرف إلى الله، ولم تهتد إليه، ولم تستمع لدعاة الداعين إلى الإيمان بالله، وباليوم الآخر.. فإذا استمعوا إلى شىء من كلام الله، يحدثهم بأنهم مبعوثون بعد موتهم، أنكروا هذا القول، وقالوا: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» ..

стр. 2259

يقولون ذلك على القطع والتوكيد، حتى لكانّ لهم عليه برهانا مبينا، أو حجة بالغة. قوله تعالى: «وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ؟ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» . الأمة: الجماعة من الناس، على مشرب واحد.. فهم قطعة من المجتمع الإنسانى. والأمة: القطعة من الزمن، كما فى قوله تعالى: «وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ» (٤٥: يوسف) . والأمة: الحال المقتطعة من أحوال الناس، كما فى قوله سبحانه: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ» (٢٢: الزخرف) أي على حال. يحبسه: يؤخره.. وحاق بهم: أي أحاط بهم، واشتمل عليهم. وهذا أيضا مما تكشّف عنه الابتلاء الذي ابتلى به الناس، إذ خلقهم الله وأقامهم على هذه الأرض.. فقد كان فى الناس من كذبوا بآيات الله ورسل الله، واليوم الآخر.. وكان منهم من بالغ فى هذا التكذيب، وبلغ الغاية فى السفاهة والحمق.. فهم إذا أنذروا بالعذاب يوم القيامة قالوا: متى هو؟ وإذا أنذروا بالعذاب والهلاك فى الدنيا قالوا: ما يحبسه؟ يقولون ذلك فى تحدّ وعناد، وإصرار على الكفر والتكذيب، بهذا الوعيد الذي توعدهم الله به.. ولو عقلوا ما استعجلوا هذا البلاء، ولأخذوا أنفسهم بما ينجيهم منه. وقد رد الله عليهم بقوله: «أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ» أي أنه لو وقع بهم هذا العذاب فلن يدفع عنهم، ولن يكون لهم فيه إلا البلاء والهلاك.. فما بالهم- قاتلهم الله- يستعجلون ما فيه دمارهم وهلاكهم؟

стр. 2260

قوله تعالى: «وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ» . هو عرض كاشف لحال الإنسان، وموقفه من نعم الله ونقمه.. فهو إذا أذاقه الله طعم نعمة من نعمه، وذلك من رحمة الله به، وإحسانه إليه- سكن إليها واطمأن بها، وشغله الاستمتاع بها عن ذكر الله، بل وعن الإيمان بالله..! فإذا نزع الله منه هذه النعمة- وذلك بسبب ما كان منه من انحراف عن الله، ليكون له من ذلك نخسة تذكره بالله- إذا فعل الله ذلك به، يئس من رحمة الله، وكفر به وبآلائه، ولم يعد يذكر شيئا مما كان لله عليه من فضل.. فإذا عاد الله بفضله عليه، وأذاقه من رحمته، لم يذكر الله، وإنما يذكر نفسه، ويشغل عن الله بالفرحة، بزوال هذا البلاء الذي كان فيه، ويستعلى على الناس تيها وفخرا. وفى التعبير عن النعم بالرحمة، إشارة إلى أنها من فيض رحمة الله على عباده.. وفى التعبير عن زوال النعمة بالنزع، إشارة إلى أن هذه النعمة كانت ثوبا ستر الله به من أنعم عليه بها، فلما لم يؤدّ ما لهذا النعمة من واجب الشكر لله عليها، واتّخذ منها سلاحا يحارب به الله، ومطية يمتطيها إلى تخطى حدوده- انتزع الله هذا الثوب الذي كان يستره به، وأخذه بقوله سبحانه: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (٥٣: الأنفال) . وقوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ» - هو استثناء من هذا الحكم العام الواقع على الإنسان فى جنسه كله،

стр. 2261

وهو أنه إذا أنعم الله عليه بطر، واستكبر، وكفر.. وإن مسته ضراء، جزع ويئس، وازداد كفرا، وإن عادت عليه النعمة، عاد سيرته الأولى معها.. كفرانا وطغيانا.. هذا هو الشأن الغالب فى الناس.. «إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات» فإنهم يستقبلون نعم الله بالحمد والشكر، ويتقبلون امتحان الله لهم حين يمسهم بضر- بالتسليم والصبر.. «أولئك لهم مغفرة وأجر كبير» .. لهم مغفرة لذنوبهم بما صبروا على المكروه، ولهم أجر عظيم على ما كانوا فيه من طاعات وأعمال صالحة، مع هذه النعم التي أنعمها الله عليهم. الآيات: (١٢- ١٦) [سورة هود (١١) : الآيات ١٢ الى ١٦] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) التفسير: قوله تعالى: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ.. إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» .

стр. 2262

مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، التي استفتحت بها السورة الكريمة، قد ذكرت القرآن الكريم، وأنه كتاب أحكمت آياته، ثم فصّلت من لدن حكيم خبير، وأنه مع ما فى هذا الكتاب من علوّ، وإشراق، فقد مكر المشركون به، وجعلوا يكيدون له، ويسخرون من النبي الكريم الذي يدعوهم به إلى الله، ويقولون عن هذا القرآن: إنه سحر، وعن النبي: إنه ساحر، وشاعر، ومجنون- فناسب أن يذكر بعد هذا ما كان يجد النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- فى صدره من ضيق وحرج، من بهت قومه له، وسخريتهم به، وخلافهم عليه.. فجاء قوله تعالى: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ» - جاء كاشفا للنبى عن تلك الحال التي يعانيها، ويجد من آثارها فى نفسه، همّا وقلقا، واستثقالا من مواجهة قومه بما يكرهون من عيب آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، ووعيدهم بالعذاب الهون فى الآخرة.. كقوله تعالى: «إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ» (٩٨: الأنبياء) ، وكقوله سبحانه: «وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا. إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً. وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً» (١٠- ١٣: المزمل) فكان النبي- صلوات الله وسلامه عليه- يجد حرجا من أن يلقى قومه بمثل هذه الحرب السافرة، التي تزيد من حنقهم عليه، وعداوتهم له، وقطع ما بينه وبينهم من أواصر المودة والقربى.. إنه- صلوات الله وسلامه عليه- حريص على امتثال أمر ربه، بتبليغ ما أنزل إليه من كلماته، ثم هو حريص على أن يشدّ قومه إليه، وألا يدع حبال القربى تتقطع بينهم وبينه..! فكان من هذا وذاك فى ضيق وحرج! - وفى قوله تعالى «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ.. إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى

стр. 2263

كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» - فى هذا عزاء للنبى، وتسرية له، وتثبيت لفؤاده على طريق دعوته.. وترك النبي لبعض ما يوحى إليه، هو إمساكه دون مواجهة المشركين به، وذلك فيما يسوؤهم فى آلهتهم، أو فى أنفسهم، أو فيهما معا.. أما ما يضيق به صدر النبي فهو ما يرمونه به من كذب، وما يقترحون عليه من مقترحات، بأن يأتيهم بآيات مادية، تجابه حواسهم.. كأن ينزّل عليه كنز، أو يجىء معه ملك من السماء، يشهد له بأن الكتاب الذي معه، هو من عند الله! - وقد جاء قوله تعالى: «إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» ردّا على المشركين، وعلى مقترحاتهم التي يقترحونها، وأن الرسول الذي جاءهم، إنما رسالته فيهم هو أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وينذر الذين لا يؤمنون بالله، ولا برسوله، ولا باليوم الآخر.. «والله على كل شىء وكيل» أي قائم على كل شىء.. لا يملك أحد معه شيئا.. فليس للنبى أن يغيّر أو يبدّل فيما أمره الله بتبليغه إلى الناس، ولو كان فيه ما يسفّه أحلامهم، ويكشف ضلالهم. قوله تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» . هو حكاية لمقولة من مقولات المشركين فى القرآن الكريم، مما يضيق به صدر النبي، ويألم منه.. وهو قولهم إن هذا القرآن حديث افتراه محمد على الله، ونسبه إليه، وما هو إلا من أساطير الأولين، اكتتبها، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا. وقد أمر الله النبي الكريم أن يلقاهم متحديّا أن يأتوا «بعشر سور مثله مفتريات» .. أي إذا كان هذا القرآن من مفتريات «محمد»

стр. 2264

- وكذبوا وخرسوا- فإن فى عالم الافتراء متسعا لمن شاء أن يتعامل معه، ويحمل من معطياته ما يشاء.. فليفتروا عشر سور من مثل هذا القرآن، فى بيانه لعجز، وآياته المشرقة، وفى تعاليمه الحكيمة، ووصاياه الرشيدة.. ثم إن لهم أن يستعينوا بمن يستطيعون الاستعانة به، من أحبار وكهان، ومن شعراء وخطباء، ومن قصّاص ومحدّثين.. فهذه هى الدنيا كلها، وهؤلاء هم أهلها جميعا، فليقّلبوا وجوه الأرض كلها، وليجمعوا إليهم أهل العلم جميعا.. ثم ليأنوا بعشر سور مثله مفتريات.. فإنهم إن فعلوا- وهيهات- فقد صحّ قولهم فى القرآن إنه مفترى، وصدق حكمهم عليه بأنه من عمل محمد، ولا نسبة له إلى الله.. أما إن عجزوا، بعد أن يجهدوا جهدهم، ويبلوا بلاءهم، ويدعوا من استطاعوا، فليحكموا هم على أنفسهم بأنهم هم المفترون، وأنهم هم الكاذبون، فيما قالوه فى القرآن الكريم.. وليعلموا أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله، ومن عند الله.. فهل يرجعون بعد هذا عن غيّهم وضلالهم، ويذعنون للحق الذي فضح نوره ما قد علا وجوههم من خزى وذلّة، بين يدى هذا الامتحان الذي خرّوا فيه صرعى لأول جولة، فى ميدان التحدّى؟ والضمير فى قوله تعالى «فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ» يعود إلى من يدعوهم المشركون، من الأعوان والأنصار، ويستعينون بهم فى افتراء عشر سور من مثل هذا القرآن.. وفى هذا إشارة إلى أن المشركين أنفسهم لا يستطيعون أن يردوا هذا المورد، ولا أن تحدثهم أنفسهم بالوقوف أمام القرآن الكريم فقد عرفوه، وعرفوا علوّ منزلة، وأنه أبعد من أن تطوله يد إنسان.. وإذن، فهم إذا اتجهوا إلى التحدّى فلن يتجهوا إلى أنفسهم، إذ قد فرغ حسابهم معها من أول لقاء مع القرآن.. وأنه إذا كان سبيل إلى لقاء

стр. 2265

هذا التحدّى، فليكن بالبحث عن قوة أخرى غيرهم.. فليبحثوا عنها.. فإن استجابت لهم تلك القوة، أو القوى، فليأتوا بما حصلوا عليه منها، وليلقوا به بين يدى القرآن! - وفى قوله تعالى: «فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ» إشارة إلى أن القرآن الكريم نزل محمّلا بعلم الله.. أي يحمل علم الله، وإذا كان هذا شأنه، فكيف تقوم قوة فى هذا الوجود، تتحدّى هذا العلم، وتقف له.. «قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» (٨٨: الإسراء) ويمكن أن يحمل قوله تعالى: «فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ» على معنى أنه أنزل عن علم من الله، وأن ما أوحى به جبريل إلى النبي، كان بأمر الله سبحانه وبعلمه. - وفى قوله تعالى: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» تحريض للمشركين على أن ينتهزوا هذه الفرصة، وأن يستسلموا للقرآن الكريم، وأن يعطوه أيديهم كما يعطى الأسير يده لمن صرعه فى ميدان القتال! قوله تعالى: «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» . البخس: النقص، والخسران فى الميزان أو المكيال، وفى كل ما هو مطلوب أداؤه من حقوق.. حبط ما صنعوا: أي بطل وفسد. ومناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أنّ المشركين، وقد أعجزهم العجز عن أن يثبتوا فى هذا الامتحان بين يدى القرآن- لم يكن أمامهم إلا أحد طريقين.. فإما أن يستسلموا للقرآن، ويسلموا له، ويؤمنوا به، وبالله الذي أنزله،

стр. 2266

وبالرسول الذي أنزل عليه.. وبهذا يدخلون فى عداد المؤمنين، ويعملون عمل المؤمنين للدنيا والآخرة معا.. وإما أن يظلوا على ما هم فيه من شرك وضلال، فيعيشوا لدنياهم، ويعملوا لها، غير ملتفتين إلى ماوراء هذه الدنيا، ولا منتظرين حسابا ولا جزاء.. إنهم إن فعلوا، فلهم ما أرادوا، فليعملوا للدنيا، وليقطفوا من ثمارها ما تغرس أيديهم، فلن يحرمهم الله ثمرة عملهم فيها.. ولن يعجل الله لهم العذاب، ولن يأخذهم بذنوبهم فى هذه الدنيا.. فإذا كان يوم القيامة، وبعثوا من القبور، وسيقوا إلى الحساب والجزاء.. فهنالك يرون سوء مصيرهم، وأنهم قد جاءوا إلى هذا اليوم مفلسين، لأنهم لم يعملوا له عملا.. وإنه «ليس لهم فى الآخرة إلا النار» .. أما ما عملوه فى الدنيا فهو باطل وقبض الريح، حتى ما كان لهم من أعمال تحسب من الصالحات فى أعمال المؤمنين، هى أعمال باطلة، لأنها لم تستند إلى الإيمان بالله، ولم تعمل لحساب الآخرة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ» (٢٠: الأحقاف) وفى الإشارة إلى هؤلاء المشركين بقوله تعالى: «أُولئِكَ» مواجهة لهم بهذا الحكم الذي حكم به عليهم، وهو حكم يساقون به إلى النار، فيجدون مسّ لهيبها قبل أن يغمسوا فيها..!

стр. 2267

الآيات: (١٧- ٢٤) [سورة هود (١١) : الآيات ١٧ الى ٢٤] أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) التفسير: قوله تعالى: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ» . البيّنة: الحجة، والدليل الموصل إلى ما يتبينه الإنسان من أمور.. فهى من البيان، وهو الظهور، وقد سمّى الرسول بيّنة، لأنه يبين للناس طريق الحق

стр. 2268

والخير.. وفى هذا يقول الله تعالى: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً» . المرية: الشك والارتياب. ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنّها تعرض صورة لأهل الإيمان، وما فى نفوسهم من استعداد لتقبّله، والاستجابة له، بعد أن عرضت الآيات السابقة صورة لأهل الزيغ والضلال، ومن فى قلوبهم مرض.. والبيّنة هنا هى الاستبصار الذي يتعرف به الإنسان إلى الحق، مستهديا إليه بعقله، فيتعرف إلى الله، ويؤمن به، ولا دليل معه، سوى عقله، الذي ينظر به فى هذا الوجود، فيطلعه على أن لهذا الكون وللنظام الممسك به، إلها قديرا، عليما حكيما.. وكثير من الناس تعرفوا على الله، وآمنوا به، عن هذا الطريق، طريق النظر الشخصي، المنقطع عن دعوات الأنبياء، وتوجيهات الرسل.. ففى الإنسان فطرة، ومعه عقل من شأنهما أن يهدياه إلى الله، وأن يكشفا له الطريق إليه، لو أنه ظل محتفظا بسلامة فطرته، حارسا عقله من دوافع الهوى، ونزغات الشيطان.. - وفى قوله تعالى: «وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» - ضميران: الضمير الأول، فى «يتلوه» وهو يعود إلى البيّنة، بمعنى أنها برهان ودليل، أو بمعنى أنها نور من عند الله، يضىء القلوب، وينير البصائر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» (٢٢: الزمر) .. ويكون معنى «يتلوه» : أي يجىء بعده، أي بعد هذا النور، أو هذا

стр. 2269

البرهان، أو هذا الدليل- يجىء شاهد يؤكّد صدق هذا البرهان، ويدعم هذا الدليل، ويلقى إلى هذا النور نورا.. أما هذا الشاهد، فهو القرآن الكريم، وما فيه من دلائل الإعجاز التي من شأنها أن تفتح القلوب للإيمان بالله.. والضمير الثاني، فى قوله تعالى: «منه» ويعود إلى الله ، وقد ذكر سبحانه، فى قوله تعالى: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ..» والشاهد، هو القرآن الكريم، كما قلنا من قبل. ويكون المعنى على هذا: أيستوى من كان على نور من ربّه، بما أودع الله ، فيه، من فطرة سليمة، فينظر إلى هذا الوجود ببصيرة مبصرة، وقلب سليم، حتى يعرف ربّه، ويؤمن به، مستهديا إلى هذا الإيمان عن طريق التدبّر والنظر.. ثم يزداد معرفة، ويزداد إيمانا واطمئنانا، حين يلتقى برسول الله، ويستمع إلى كلمات الله، فيجد منها شاهدا مبينا يشهد بصدق ما وقع لنظره وما اهتدى إليه بعقله، من التعرف على الله والإيمان به- أيستوى من هذا شأنه ومن ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فلم يهده نظره إلى الإيمان، إذ كان أعمى، ولم يستجب لمن يقوده إليه؟ شتان ما بين النور والظلام، والحق والباطل.. - وفى قوله تعالى: «وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً» . الضمير فى «قبله» يعود إلى الشاهد، وهو القرآن الكريم.. والمعنى أن من قبل هذا القرآن كان كتاب موسى، وكان هذا الكتاب «إماما» ، أي متقدما فى الكتب السماوية «ورحمة» لما حمل إلى الناس من هدى ونور.. فليس هذا الكتاب الذي جاء به محمد من ربّه حدثا لم يقع فى الناس، بل لقد سبقته كتب جاءت من عند الله.. فكيف ينكر هؤلاء الضالّون أن يأتى إنسان بكتاب من عند الله؟ وكيف يقولون هذا القول الذي حكاه القرآن عنهم، منكرا متوعدا فقال تعالى: «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا

стр. 2270

ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.. قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ» (٩١: الأنعام) . فإذا لم يكن فى الكتاب الذي جاء به محمد ما يرون فى وجهه أنه من عند الله- عمى منهم، وكفرا وعنادا- فليكن لهم فى واقع التاريخ ما يمسك بهم عن المكابرة، أن يقولوا ما أنزل الله على بشر من شىء.. فذلك إنكار لواقع محسوس، حيث هؤلاء الرسل الذين ذكرهم التاريخ، وحيث هذه الكتب السماوية التي يدين بها ألوف البشر.. وهذه التوراة.. كتاب موسى، وهؤلاء هم اليهود الذين يدينون بها.. فكيف يسمح لعاقل عقله أن يقول: ما أنزل الله على بشر من شىء..؟ - فى قوله تعالى: «أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» .. الإشارة هنا بأولئك، موجهة إلى المذكورين فى قوله تعالى: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» .. وقد استخدم القرآن الكريم، الاسم الموصول «من» بلفظه أولا، فأفرد العائد إليه، ثم استخدمه بمعناه ثانيا، فجمع العائد إليه.. وفى الإفراد، والجمع، إعجاز من إعجاز القرآن.. ذلك أن الإيمان بالله، عن طريق الاستدلال العقلي، وعن النظر فى ملكوت السموات والأرض، ثم عن الاستماع إلى آيات الله، وتفهم ما فيها من حق وخير- هذا الإيمان لا يكون إيمانا حقا إلا إذا كان عن معاناة ذاتية، ونظر شخصى.. بحيث يرى الإنسان مواقع الهدى بنفسه، ويتبيّن وجه الحقّ بعقله.. وهنا يفتح قلبه للإيمان، وينزله منزلا مطمئنّا فيه، لأن إيمانه حينئذ قد جاء إليه عن طريق نظره، وإدراكه، واستدلاله، لا عن تلقين، أو محاكاة..

стр. 2271

هذا هو الموقف الذي ينبغى أن يأخذه الإنسان فى طريق التعرف على الله والإيمان به.. إنه يبدو وكأنه يقف وحده، لا ينظر إلى غيره مقلدا، أو متابعا.. ولكنّ الواقع أن أعدادا كثيرة من الناس تقف مثل هذا الموقف، تتهدّى إلى الله بنظرها، وتتعرف إليه بعقلها، وتؤمن به بقلبها.. فهم إذ جاءوا إلى الإيمان، جاء إليه كل واحد منهم باستعداده الخاص، وبتقديره الذاتي الشخصي.. ثم هم إذا دخلوا فى الإيمان كانوا أعدادا كثيرة.. «أولئك يؤمنون به» .. أي أولئك الذين هم على بينة من ربهم، يؤمنون بهذا القرآن، لأنه يلتقى مع نظرتهم السليمة التي نظروا بها فى ملكوت السموات والأرض.. فهم- والأمر كذلك- أفراد حين ينظرون فى ملكوت السموات والأرض، وفى دلائل الإيمان ودعوات الهدى.. وهم جماعات كثيرة، حين يدخلون فى دين الله، ويصبحون فى المؤمنين.. «أفمن كان على بيّنة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة.. أولئك يؤمنون به» .. فهو- أي المؤمن- وحده، حين يتلقى الإيمان، ويتقبله.. ثم هو واحد فى جماعات كثيرة تلقت الإيمان وتقبلته!! وفى قوله تعالى: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ» هو تهديد لأولئك الذين يقفون من القرآن الكريم موقف المستهزئين المكذبين.. فالنّار موعدهم التي يلتقون عندها بعد أن يقطعوا مرحلة عمرهم، وهم يتخبطون فى هذا الضلال والظلام.. والأحزاب، جمع حزب، وهم طوائف الضالين، من كل بيت، ومن

стр. 2272

كل قبيلة، إذ ألّف بينهم الضلال، فجمع أحزابهم التي تحزبت، واجتمعت على الوقوف فى وجه الدعوة التي يدعو إليها رسول الله.. - وفى قوله تعالى: «فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ.. إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ.. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ» .. تثبيت للنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- وشدّ لأزره، وربط على قلبه، وهو فى مواجهة هذه الموجات العاتية الصاخبة، من الضلال.. وليس النبىّ بالذي يرتاب أو يشكّ فيما بين يديه من آيات ربه، ولكن الذي يحتاج إليه وهو فى هذه المعركة، هو أن يمدّ من ربه بما يزيده يقينا، وثباتا.. ولهذا جاء بعد ذلك، قوله تعالى: «إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» والنبىّ على يقين من الكتاب الذي معه، وبأنه الحق من ربه، ولكن المعركة المحتدمة بينه وبين تلك القوى العاتية تحتاج إلى أمداد سماوية يمده بها الله، فتكون أشبه بجنود السماء فى معركة بدر، التي أمده الله بها، وجعلها بشرى له وللمؤمنين، واطمئنانا لقلبه وقلب المقاتلين: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ» (١٠: الأنفال) .. ولهذا أيضا جاء قوله تعالى: «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ» مشيرا إلى كثافة هذا الظلام المنعقد من الكفر والضلال حول دائرة النور والإيمان! .. فالنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- محتاج فى هذا الموقف إلى أمداد من ربه، تثبت فؤاده، وتربط على قلبه، حتى يصمد فى هذه المعركة المحتدمة، ويصبر على ما يساق إليه من مكاره.. قوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى

стр. 2273

رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ.. أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» .. الأشهاد: جمع شاهد، أو شهيد، مثل صاحب وأصحاب، ومثل شريف وأشراف.. والمراد بهم هنا، الأنبياء، الذين يشهدون على أقوامهم.. والاستفهام هنا مراد به النفي.. وقد جاء فى صيغة الاستفهام، ليكون أبلغ فى تقرير النفي، ذلك أن هذا الاستفهام يستدعى جوابا، الأمر الذي يلفت السامعين إلى البحث عن هذا الجواب، وتفرس وجوه الظالمين جميعا، وتقليب أحوالهم، لتقع العين على من هم أظلم ممن افترى على الله الكذب.. ثم إذا دارت العين فى كل مدار، وتطلعت فى كل أفق، ثم لم تجد أحدا أظلم من هؤلاء الظالمين الذين افتروا على الله الكذب- كان الجواب بالنفي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب!! وحين يتقرر ذلك، يجىء التعقيب على السؤال وجوابه.. «أولئك يعرضون على ربّهم» أي هؤلاء الذين تقرر أنهم أظلم الظالمين، لأنهم افتروا على الله الكذب «أولئك يعرضون على ربّهم» وقد أشير إليهم بأداة الإشارة «أولئك» بعد أن تحددت صفتهم، وعرفت وجوههم، ليكونوا بمعزل عن المجتمع الإنسانىّ كلّه، وحتى لا يصيب أحدا شىء من هذا البلاء الذي يحلّ بهم! فالإشارة إليهم، إلفات إلى ذواتهم، حتى يبتعد الناس عنهم، ويحذروا الدنوّ منهم، لئلا يؤخذوا معهم، ويساقوا مساقهم. والعرض على الله، هو عرض شامل للناس جميعا.. ولكنّ إفراد هؤلاء الذين افتروا على الله الكذب، بالعرض، وحدهم.. يشير إلى أنّهم سيعرضون عرضا خاصا، فى ذلك المكان الذي عزلوا فيه عن الناس جميعا..

стр. 2274

- «وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ» .. الأشهاد، هم الرسل، الذين يحضرون عرض هؤلاء المفترين، على ربّهم. ويشهدون عليهم بما كان منهم، من تكذيب بالله، وافتراء عليه، بما كانوا ينسبون إليه سبحانه من صاحبة وولد.. فكل نبى شهيد على من بعث فيهم.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ» (٨٩: النحل) . ويقول سبحانه: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» (٤١: النساء) . وشهادة الرسل على هؤلاء المفترين على الله، هى شهادة تخزى هؤلاء المكذبين المفترين، وتبهتهم، وتدينهم بين يدى الله، وتقيم أسباب الحكم عليهم بالعذاب الأليم.. وفى هذا مضاعفة لآلامهم، حتى لكأن هذه الشهادات قيود وأغلال تمسك بهم أن يفلتوا من العذاب. وفى إشارة الرسل إليهم بقولهم: «أُولئِكَ» تأكيد لذوات هؤلاء المجرمين، وإحكام للدائرة المطبقة عليهم، فلا يفلت منهم أحد، ولا يدحل عليهم من ليس منهم.. فهم وحدهم فى هذا المكان المنعزل، وفى ذلك المنزل السوء.. - «ألا لعنة الله على الظالمين» .. قد يكون هذا تعقيبا من الرسل بعد أن أدّوا الشهادة على هؤلاء الظالمين من أقوامهم، الذين كذبوهم، وآذوهم.. أو قد يكون تعقيبا من النّظّارة جميعا، من الخلائق التي شهدت هذا العرض، من الناس والملائكة.. وفى وصفهم «بالظالمين» ، بدلا من «الكاذبين» الذي يقتضيه سياق النظم، إشارة إلى أنهم لم يكونوا كاذبين وحسب، بل كانوا متجاوزين الحدود

стр. 2275

فى الكذب، مبالغين فيه، غير مقتصدين، أو واقفين به عند حدّ.. لقد كذبوا على الله، وكذبوا على أنفسهم، وكذبوا على الناس، وقلبوا وجوه الحقائق قلبا منكرا، فكانوا بهذا كاذبين وظالمين معا. قوله: «الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ» - هو بيان شارح لظلم هؤلاء الظالمين، وافتراء هؤلاء المفترين.. إنهم يصدّون عن سبيل الله.. يصدّون أنفسهم عن الإيمان، ويصدّون غيرهم عن أن يؤمنوا، ويقعدون لهم بكل سبيل، وإنهم ليريدون أن تكون سبيل الله معوجّة، بما يدخلون على الحق من ضلال، وبما يفترون عليه من كذب.. وإنهم آخر الأمر ليكفرون بالله وباليوم الآخر.. وتلك هى حصيلتهم التي حصلوها فى الدنيا، وجاءوا يحملونها على ظهورهم فى الآخرة. قوله تعالى: أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ.. يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ.. ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ.. أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» . أي إن هؤلاء الظالمين، الذين بلغ ظلمهم ما بلغ من الشناعة والفحش، والذين كان تعجيل العذاب لهم، يأخذهم بظلمهم فى الدنيا، أمرا تستدعيه الحال- هؤلاء لم يعجّل الله لهم العذاب فى الدنيا، لا لأن قوة تعصمهم من الله، أو تردّ عنهم بأسه- تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. فما كانوا «معجزين فى الأرض» أي ما كانوا ليعجزوا لله عن أن يأخذهم بالبلاء والهلاك، كما أخذ الظالمين من قبلهم، وما كان لهم من أولياء يدفعون بأس الله عنهم، ولكنه سبحانه أخّرهم إلى يوم القيامة، حيث أن عقاب الدنيا، لا يستوفى منهم ما هم أهل له من بلاء ونكال.. والله يقول: «وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ

стр. 2276

مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ.. وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ» (٤٢- ٤٣: إبراهيم) - وفى قوله تعالى: «يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ» إشارة إلى عذاب الآخرة الذي سيلقونه، وأنه أضعاف مضاعفة لعذاب الدنيا الذي حلّ بالظالمين قبلهم، وأنهم إذا كانوا قد أفلتوا فى الدنيا من عذاب الله، فإنه سيضاف إلى عذابهم فى الآخرة، ويضاعف لهم العذاب. - وفى قوله تعالى: «ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ» تعليل لما هم فيه فى هذا اليوم من بلاء عظيم، إذ أنهم فى دنياهم قد عطلّوا حواسّهم، فلم ينتفعوا بها فى الاستماع إلى آيات الله، أو فى النظر إلى ملكوت السموات والأرض، وما يتجلّى فيه من آيات الخلاق المبدع العظيم! - وفى قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» تعقيب على تلك المحاكمة التي أدين فيها هؤلاء الظالمون.. إنهم قد خسروا أنفسهم، وأوردوها هذا المورد الوبيل. أمّا ما كان بين أيديهم من مفتريات وأباطيل، فقد صفرت أيديهم منه، ولم يبق لهم إلا ما أعقب من الحسرة والندامة! قوله تعالى: «لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ» لا جرم: أي لا شكّ ولا ريب.. والمعنى أنه لا جدال، ولا شكّ فى نظر أي عاقل ينظر فى أحوال هؤلاء الظالمين، وما جنوا على أنفسهم- أنهم هم أخسر الناس صفقة، إذ اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» .. فكما أنهم كانوا بفعلهم المنكر أظلم الظالمين، كذلك هم يوم توفّى كلّ نفس ما كسبت، وينال كل عامل جزاء ما عمل- هم أخسر الخاسرين فى

стр. 2277

هذا اليوم، يوم الجزاء. قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» أخبتوا إلى ربهم: الإخبات: الولاء والخضوع، وأرض خبيت أي مطمئنة مستوية.. والمعنى أنه إذا كانت النار مثوى الظالمين، فإن الجنة هى دار المتقين، الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأسلموا أنفسهم لله، وأخلصوا له الولاء والطاعة، واستقبلوا آيات الله فى غير عناد واستكبار، ونظروا إليها بغير استعلاء وازدراء، فعرفوا أنها الحقّ، فاتبعوه. وفى المقابلة بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، نظر لناظر، وعبرة لمعتبر.. فهناك شقاء، وبلاء، ونكال، وهنا نعيم، ورحمة، ورضوان.. ولكلّ منزلة أهلها، والعمل هو الذي يضع كل إنسان موضعه. قوله تعالى: «مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ» هو عرض للفريقين معا- الذين كفروا، والذين آمنوا.. أصحاب النار، وأصحاب الجنة- فى هذه الصورة الحسيّة، التي يراها الناس رأى العين، والتي تمثل حال كلّ منهما فى وضوح وجلاء.. فالذين كفروا يرون صورتهم على صفحة مرآة، لا تتحرك عليها إلا أشباح آدميين، معطوبين، مصابين بآفات العمى والصمم.. وإن الذي ينظر فى هذه الأشباح المتحركة على تلك الصفحة، يرى عالما يضرب فى نيه وضلال، ويتخبط فى ظلام وضباب.!

стр. 2278

فالأعمى.. إذا دعا لا يجد لدعائه من يسمع ويستجيب! .. وهو لا يملك غير الدعاء.. والأصمّ.. إذا أشار، لا يجد من يبصر إشارته، ويترجم مضمونها.. وهو لا يملك غير الإشارة.. فهذا هو عالم الضّالين والكافرين.. هم بين أعمى، لا يجد من الصمّ الذين بين يديه، من يستمع له.. وبين أصمّ، لا يجد من العمى الذين معه من يستجيب لإشارته.. فكل منهم ضالّ يحتاج إلى من يهديه، ويسدّ النقص الذي فيه، فكيف إذا كانوا كلّهم عميا وصمّا؟ أما الذين آمنوا.. فهم عالم نابض بالحياة، مستكمل كل أسباب الوجود الكريم.. فهم بين سامع ومبصر، وسميع وبصير.. ليس فى عالمهم مئوف فى حاسّتيه هاتين.. وإنما هم متفاوتون فى درجات السّمع والبصر.. فإذا كان فيهم السامع، فإن فيهم من هو أرهف سمعا، وهو «السميع» ، وإذا كان فيهم من هو مبصر، فإن فيهم من هو أحد بصرا وهو «البصير» .. وبهذا يكمّل بعضهم بعضا، ويصبحون آخر الأمر جهازا سليما كاملا، للمسموعات، والمبصرات جميعا.. يلتفطون كل مسموع، ويتبادلون المعرفة فيما سمعوا، ويكشفون كل منظور، ويتعاطون العلم لكل ما أبصروا واستبصروا! - وفى قوله تعالى: «هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا» استفهام يراد به تقرير النفي.. أي لا يستوى الفريقان أبدا. «ومثلا» : تمييز.. أي هل يستوى هذان الفريقان من جهة المماثلة بينهما، والموازنة بين قدريهما؟ - وفى قوله تعالى: «أَفَلا تَذَكَّرُونَ» تحريض لذوى الألباب أن يقفوا عند

стр. 2279

هذا المثل، وأن ينظروا إلى ما فيه من عبرة واعتبار! .. فعلى ضوء هذا المثل ينكشف الفرق بين المؤمنين والكافرين! الآيات: (٢٥- ٣١) [سورة هود (١١) : الآيات ٢٥ الى ٣١] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) التفسير: قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ» .. مناسبة هذه القصّة، لما قبلها أنها تعرض من الماضي صورة للصراع بين

стр. 2280

الحق والباطل، وبين المحقّين والمبطلين، بعد أن عرضت الآيات السابقة موقفا قائما بين النبىّ وقومه، وما يدعوهم إليه من هدى وخير، وما يلقونه به من صدّ وتكذيب! وفى ذكر أخبار الأولين، وما فى تلك الأخبار من مواقف مشابهة للأحداث الجارية التي يعيش فيها الناس يومهم هذا، تذكير لهم بتلك الحقيقة التي تقررت بحكم الواقع، وهى أن النصر دائما للمؤمنين، وأن الخزي والهوان دائما على المكذبين الكافرين.. وقصة نوح وقومه، هى أولى الأحداث الإنسانية، التي اصطدم فيها رسول من رسل الله بقومه.. ثم تجىء بعد هذا قصص مشابهة لها، يجىء بها القرآن مرتبة ترتيبا زمنيا، حسب وقوعها.. قصة «عاد» ونبيّهم «هود» وقصة «ثمود» ونبيّهم «صالح» .. وهكذا.. إبراهيم، ولوط، وموسى، وعيسى. فهذا نوح- ﵇ يلقى قومه برسالة ربه، منذرا إياهم بالعذاب الأليم، إن هم لم يستجيبوا له، ويؤمنوا بالله رب العالمين.. ومبشرا لهم بالجنة والرضوان إن هم آمنوا بالله، وأخلصوا دينه له.. «إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ» وهذا أول صوت نسمعه من نوح، يؤذّن به فى قومه، فى هذه القصة.. ولا شك أن هناك أحداثا كثيرة، طواها النظم القرآنى، ولم يذكرها، إذ هى مما يفهم بداهة.. كمجىء نوح إلى قومه، ودعوته لهم، وشرحه لرسالته فيهم.. ومن قبل ذلك، كان إعلام الله إيّاه باختياره للنبوة، واصطفائه بالرسالة، ثم تلقيه مضمون هذه الرسالة.. وهكذا.. وفى قول نوح لقومه: «إنى لكم نذير مبين. ألّا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم أليم» هو تلخيص لمضمون رسالته، وضبط لمحتواها.. فهو نذير بليغ، يحذرهم عذاب الآخرة..
следующие страницы →