← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

التفسير: «فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» . هكذا دخلوا على أبيهم بهذا الحديث: «مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ» ! أفبعد هذا الانتظار الطويل، ومعاناة الصبر على الجوع والحرمان، انتظارا لهذا الخير الذي يجىء من مصر- أبعد هذا يطلعون على أبيهم بهذا الخبر المزعج: «مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ!!» ثم ما العلاقة بين أن يمنع منهم الكيل وبين طلبهم أن يرسل معهم أخاهم كى يكتالوا؟ ما شأن الأخ بهذا؟ وهل هو بضاعة يشترى بها من مصر ما يكال؟ ذلك شىء عجيب! ثم كيف يقولون: «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» ؟ وكيف يحفظونه، وهم يركبون هذه الطرق التي لا يأتى منها خير؟ لقد ذهبوا إلى مصر، واحتملوا هذا العناء الشديد.. ثم عادوا من غير أن يحصلوا على شىء.. فكيف كان هذا؟ وما لأحوال هذه الدنيا قد تبدّلت وتحولت، حتى لا يكون بيع أو شراء إلا بهذه التحكمات التي لا مفهوم لها؟ لا شك أن يعقوب قد لقى هذا الطلب الذي طلبه أبناؤه منه- لقيه

стр. 2452

بتساؤلات كثيرة، أطلعته منهم على ما كان بينهم وبين العزيز حتى لقد عادوا دون أن يكال لهم كما يكال للناس! وهنا ينكشف ليعقوب ما أخفاه عنه أبناؤه لأمر ما.. لقد كال لهم العزيز، وعاد كل منهم ومعه حمل بعير..! وإذن فماذا أرادوا بقولهم: «يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» ؟ إنهم أرادوا أن يحققوا بذلك أمورا.. منها: أولا: الاستيلاء على عواطف أبيهم، وذلك بمواجهته بهذا الخبر الذي يبعث فيه الهمّ والقلق.. ثم لقائه فجأة بهذا الخبر الهنيء المسعد.. إنهم قد اكتالوا، وجاء كل منهم بحمل بعير.. ولكنهم منعوا مستقبلا من أن يكال لهم، حتى يكون معهم أخوهم من أبيهم!! وثانيا: فى الحديث عن منع الكيل فى المستقبل إلا بتحقيق هذا الشرط، إغراء لأبيهم بالمبادرة إلى إجابة طلبهم حتى يسرعوا بالعودة إلى مصر، ليأخذوا دورهم من الميرة قبل أن تنفد! وها هو ذا يعقوب لا يزال واقعا تحت تأثير الصدمة التي صدم بها حين سمع قولهم: «يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» .. وإنه الآن لحريص على ألا تفوته الفرصة المواتية لجلب الميرة، مهما كان الثمن غاليا!! وهكذا أصاب قولهم: «يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» - أصاب من أبيهم ما أرادوا من تخويفه بالمستقبل، إن لم يبادر ببعثهم إلى مصر مرة أخرى ليكتالوا، وأن يذلل كل صعب لإنفاذ هذا الأمر.. فهم صادقون فى قولهم: «مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» لأنه منع منهم مستقبلا إن لم يجيئوا معهم بأخيهم من أبيهم، كما قال لهم يوسف: «ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ» .. وكما قال: «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ» .. ولكن هذا الخبر حين ألقوه إلى أبيهم

стр. 2453

لم يحمله على المستقبل، بل حمله على الحال التي كان يعيش فيها. ويتوقع الخير الذي يحمله أبناؤه العائدون من مصر.. عندئذ يلقى يعقوب أبناءه بقوله، الذي حكاه القرآن الكريم عنه: «قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ.. فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» . لقد تمثّل له فى هذا الموقف ما كان منهم من إلحاح عليه فى طلب يوسف، ليرتع ويلعب معهم، كما يقولون، ثم جاءوا إليه عشاء يبكون، قائلين: «يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ» ! لقد تمثل له هذا الموقف، فرأى فيما يطلبه أبناؤه منه الآن صورة مشابهة تماما له، وأن الذي دبّروه ليوسف ليس ببعيد أن يدبّر مثله لأخيه! - ففى قوله: «هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ؟» - اتهام لهم بالكيد ليوسف أولا، ثم السير فى طريق الكيد لأخيه.. ثانيا.. ثم هو- مع هذا الاتهام- ينكر عليهم أن يعودوا فيكرروا فعلهم المنكر الذي فعلوه بيوسف فيفعلوه بأخيه.! - وفى قوله: «فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» .. هو عزاء له، يعزّى به نفسه فى حزنه على يوسف، وذلك بتسليم الأمر لله سبحانه، والاستسلام لقدره، والرضا بمقدوره. وأنه سبحانه لو أراد حفظ يوسف لحفظه، فهو خير الحافظين، لا يقع شىء فى هذا الوجود إلا بأمره.. «وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» .. فما ينزل بالناس من مكروه، هو واقع بهم من ربّ رحيم، فهو رحمة بالنسبة لما هو أقسى منه وأوجع! قوله تعالى: «وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا

стр. 2454

يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ» . لقد كان الحديث الذي جرى بينهم وبين أبيهم أول شىء استقبلوه به، وذلك لأن العيون كانت متطلعة إلى ما يحملون معهم من زاد وميرة.. فكان جوابهم لهذه العيون المتطلعة قولهم: «مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» ! ثم كان جوابهم عن التساؤلات الكثيرة حول أسباب هذا المنع، قولهم: «فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ» .. ثم كان قولهم: «وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» تزكية لهذا الطلب. ثم بعد هذا نظروا فى أمتعتهم التي معهم، فوجدوا أن البضاعة التي كانوا قد حملوها معهم إلى مصر، والتي اعتقدوا أنها قد أصبحت فى يد العزيز، مقابل الكيل الذي كاله لهم- وجدوا أن هذه البضاعة قد ردّت إليهم: «وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ» - فعجبوا لهذا، وحسبوا أن فى الأمر خطأ، أو أن العزيز ربّما بدا له ألا يأخذ منهم ثمنا لهذا الكيل الذي كاله لهم، انتظارا لعودتهم إليه فى المرة الثانية.. - «قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي» أي ماذا نريد؟ هذه بضاعتنا ردّت إلينا، فماذا نفعل بها؟ وكيف نصبر على ما نحن عليه من حاجة إلى الطعام؟ إنها بضاعة قد أعددناها لنشترى بها طعاما، وها هى ذى لا تزال فى أيدينا، وإنه لا سبيل إلى الانتفاع بها إلا إذا عدنا بها إلى مصر مرة أخرى، وجلبنا بها الطعام الذي نريد.! وفى قولهم: «وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ» الواو هنا للعطف على محذوف تقديره.. إذ كان ذلك كذلك، نعود إلى مصر ونمير أهلنا، أي نتزوّد لهم بالميرة، وهى الطعام، ونحفظ أخانا الذي سنأخذه معنا، والذي بغيره لا يكال لنا، ونزداد به كيل بعير، إذ سيكون

стр. 2455

لكل منّا حمل بعير.. «ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ» أي أن العزيز لا يعطى طالب الميرة إلا فى حدود مقدّرة لكل فرد مهما كانت قيمة البضاعة التي يحملها معه! إنه لا يأخذ أكثر من حمل بعير! وانظر كيف استدعوا أخاهم من أبيهم بهذا الأسلوب اللّبق الحكيم: «وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ» .. لقد جعلوه طلبا ثانيا بعد الطلب الأول، وهو الميرة، وشدّوه إليه، بحيث لا تكون الميرة إلّا به.. فهم لم يقولوا: ونأخذ أخانا، بل قالوا: «وَنَحْفَظُ أَخانا» .. كأن أخذه أمر مفروغ منه، لا مراجعة لأبيهم فيه.. فقد سلم به لهم حكما إن لم يكن قد سلم به واقعا.. ثم جاء قولهم «وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ» إغراء لأبيهم بالتسليم لهذا الأمر الذي لا بد منه، ففيه جلب الخير لهم، وهم فى وجه هذا العسر والضيق!. وانظر إلى روعة النظم القرآنى فى تصويره لهذا الإغراء العجيب الذي جاء محمولا إلى يعقوب فى قولهم «هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ» . فهذه الواوات المتتابعة التي تجمع تلك المتعاطفات، وتقرن بعضها إلى بعض- تمثّل أروع ما يمكن أن يبلغه فنّ العرض لمجموعة من فريد اللآلئ وكريم الجواهر، تحركها يد صناع، فتجىء بها واحدة إثر أخرى، حتى لكأنها أنغام موسيقية، تؤلف لحنا! وفى اختيار حرف «الواو» من بين حروف العطف، وفى تكراره، دون مغايرة- فى هذا ما يزاوج بين هذه المتعاطفات، ويؤاخى بينها، بحيث تبدو متجمعة، وهى متفرقة- لما فى حرف «الواو» من رخاوة، ولين، حيث تصبح هذه المتعاطفات على هذا النسق، كيانا واحدا لا يمكن الفصل بين

стр. 2456

أجزائه.. «وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ» .. إنها أمر واحد وطلب واحد! «قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ.. فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ» . لم يجد يعقوب بدّا من التسليم بالأمر الواقع، بعد أن أخذ عليه أبناؤه كل سبيل، للتخلص من هذا الطلب الذي طلبوه.. وإنه لكى يقيم لنفسه عذرا بين يدى تلك المخاوف التي يتخوفها على ابنه هذا، دفعهم عنه بقوله: «لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ» ! هكذا بدأهم بهذا الحكم القاطع. كما بدءوه هم بقولهم: «مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ» ..! ثم جاءهم مستثنيا هذا الحكم بقوله: «حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ» .. أي إننى لن أرسله معكم حتى توثقوا معى عهدا وميثاقا تشهدون الله عليه، أن تعيدوه إلىّ، إلا إذا أحاط بكم مكروه، فغلبكم عليه.. فذلك مما لا حيلة لكم فيه.. وفى قوله: «إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ» ما يكشف عن شعور يعقوب، وأنه يتوقع مكروها يقع لابنه هذا.. تماما، كما كان ذلك شعوره حين طلب إليه أبناؤه أن يرسل يوسف معهم، فقال: «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ» .. وقد صدق شعوره فى كلا الحالين.. فكان للذئب قصة مع يوسف، وكان للأحداث قصة مع أخيه! - «فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ» . لقد تم الأمر إذن، وأعطى الأبناء موثقهم لأبيهم، ورضى الأب، بعد

стр. 2457

أن جعل الله وكيلا وشهيدا على ما كان بينه وبينهم.. «وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ» . وحين تحركت القافلة للسير إلى مصر، بأبناء يعقوب، ومعهم أخوهم المطلوب لعزيز مصر، نصح لهم أبوهم فيما نصح بقوله: يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ» ! والسؤال هنا: ما حكمة هذا النصح الذي نصح لهم به؟ وماذا يكون لو دخلوا مصر من باب واحد؟ .. لعل أظهر ما فى هذه النصيحة من حكمة هى ألا يلفتوا الأنظار إليهم، بهذا الموكب الذي ينتظم أحد عشر أخا.. فى سمت واحد، من الجمال والجلال.. فذلك من شأنه أن يدير الرءوس إليهم، وأن تدور الأحاديث عنهم، وتختلف الآراء فيهم، وليس ببعيد أن يكاد لهم من أكثر من جهة: من النساء والرجال، أو من تجار مثلهم، أو من حاشية العزيز نفسه، وقد رأت الحاشية ما كان من العزيز من تلطفه بهم، ومن كيله لهم دون أن يأخذ منهم شيئا.. فما أكثر دوافع الحسد والغيرة فى قلوب الناس، وما أكثر ما فى قلوب الناس من حسد وغيرة حول السلطان وحاشية السلطان! وأيا كان الأمر، فإنه شعور الأب الذي يتخوف على أبنائه نسمات الريح حين تهب عليهم، فكيف وهم على سفر طويل، وفى يد غربة موحشة قاسية؟ ثم كيف وقد كانت فجيعته فى يوسف لا تزال تفرى كبده!؟

стр. 2458

- وفى قوله تعالى: «وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ» إشارة إلى أن هذا النصح الذي نصح لهم به، لا يردّ عنهم قضاء الله، ولا يدفع القدر المقدور لهم «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» ، فهو سبحانه الذي يحكم فى عباده كما يشاء، لا رادّ لحكمه، ولا معقب لقضائه «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» أي فوضت أمرى إليه، وأسلمت مقودى له «وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ» أي عليه وحده ينبغى أن يكون معتمد كل معتمد، ومستند كل مستند.. أما ما سواه فلا معوّل عليه، ولا رجاء عنده، ولا عون منه. الآيات: (٦٨- ٧٦) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٦٨ الى ٧٦] وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)

стр. 2459

التفسير: قوله تعالى: «وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ.. إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها» . فاعل الفعل «يغنى» ضمير يعود على المصدر المفهوم من الفعل دخلوا والتقدير: فلما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى هذا الدخول عنهم من الله من شىء، فقضاؤه نافذ لا محالة، لا يدفعه عنهم هذا التدبير الذي دبّر لهم من أبيهم!. وفى تقييد الجملة الخبرية: «ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ» - فى تقييدها بظرف الدخول. فى قوله تعالى: «وَلَمَّا دَخَلُوا» إشارة إلى أن قضاء الله كان يترصدهم على تلك الأبواب المتفرقة التي دخلوا منها، كما أمرهم أبوهم، وأن ما كان يحذره أبوهم عليهم، وصرفهم عنه إلى حيث قدر لهم الأمن السلامة- هو الذي دفع بهم إلى حيث جرى القدر المقدور لهم، كما ستكشف عنه الأيام بعد.. فسبحان عالم الغيب والشهادة، ومن بيده ملكوت السموات والأرض. لمحة من القضاء والقدر - وفى قوله تعالى: «إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها» إشارة إلى أن يعقوب، يعلم هذا حقّ العلم، وأن نصحه لأبنائه، وتحذيره إياهم أن يدخلوا من باب واحد، وأمرهم بأن يدخلوا من أبواب متفرقة- ما كان يغنى عنهم من أمر الله

стр. 2460

وقضائه شيئا، وهذا ما أشار إليه يعقوب بقوله: «وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» .. ولكنّها حاجة فى نفس يعقوب قضاها، وكان واجبا عليه أن يقضى هذه الحاجة، كما كشف عنها تقديره، وتدبيره.. ذلك أن واجبا على الإنسان أن يدبّر نفسه، وأن ينظر فى شئونه وأحواله، وأن يزنها بالميزان الذي ترجح فيه كفة خيرها على شرها، حسب تقديره وتدبيره، ثم يمضى أمره ذلك على الوجه الذي قدره.. أما ما قدّره الله فهو محجوب عنه، لا ينكشف له حتى يقع. وهو واقع لا شكّ على ما قدّره الله سبحانه وقضى به.. سواء اتفق مع تقديره هو أم اختلف.. فالإنسان مطالب بأن يعمل، غير ناظر إلى قدر الله وقضائه، لأنه لا يعلم ولا يرى، ما قدّره الله وقضاه، ولو أنّه انتظر حتى ينكشف له القضاء، ما عمل شيئا أبدا حتى يقع القضاء، وينفذ القدر، حيث لا يكون له فى هذا سعى واجتهاد، ولكان بهذا كائنا مسلوب الإرادة، فاقد الإدراك! وهذا ما لا ينبغى أن يكون عليه الإنسان، وقد وهبه الله عقلا، وأودع فيه إرادة..! وسنعرض لموضوع القضاء والقدر، عند تفسير قوله تعالى: «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ» (٧٩: الكهف) - فى هذا اللقاء المثير الذي كان بين موسى وبين العبد الصالح.. - وفى قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ» - إشارة إلى أن يعقوب يعلم هذه الحقيقة، وهى أن قضاء الله نافذ لا مردّ له، ولكنه مطالب بأن يعطى وجوده حقّه، من حيث هو إنسان عاقل مريد.. فهو ذو علم لما علّمه الله ، وهو بهذا العلم يعمل ما يمليه عليه عقله، ويدلّه عليه نظره، متوكلا على الله، مفوضا أمره إليه، راضيا بما يأتى به قضاء الله فيه! «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» هذه الحقيقة.. فهم بين

стр. 2461

إنسان يعمل غير ناظر أبدا إلى ما لله من سلطان فيما يعمل.. وبين إنسان لا يعمل شيئا، مستسلما لما يأتى به القدر.. وكلا الطرفين جائر، بعيد عن الطريق السّوىّ المستقيم! قوله تعالى: «وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ، قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» . آوى إليه أخاه. ضمّه إليه، وخلا به، وكان له أشبه بالمأوى الذي يأوى إليه الإنسان، فلا يراه أحد.. لا تبتئس: أي لا تحزن، ولا تضق ذرعا بما سيكون منهم لك، من اتهام وقذف.. وهكذا بدأ يوسف تنفيذ الخطة التي اختطها من قبل، والتي بها حمل إخوته على أن يأتوه بأخيهم من أبيهم هذا، فخلا به يوسف وأنبأه أنّه هو أخوه يوسف، وأنه لن يكشف عن نفسه لإخوته الآن، حتى يضعهم أمام التجربة التي أعدّها لهم، وأن على أخيه ألّا يجزع ولا يقع فى نفسه ما يسوؤه منهم، خلال تلك التجربة! «فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» . السّقاية: القدح الذي يستخدمه الملك لشرابه، ويستقى به.. والعير: الدوابّ التي تستخدم للحمل والركوب. وتبدأ التجربة بأن يأمر يوسف غلمانه بأن يدسّوا القدح الذي يستخدمه لشرابه فى رحل أخيه، ثم ينادى مناديه وراء القوم وقد تحركوا للمسير نحو العودة إلى ديارهم.. وفى المناداة عليهم بقوله: «أَيَّتُهَا الْعِيرُ» بتوجيه النداء إلى عيرهم، دون

стр. 2462

المناداة عليهم بقوله: أيها الركب، مثلا- فى هذا دعوة لهم إلى أن يتوقفوا عن السير.. ولما كانت العير هى المنظور إليها عند هذا النداء، لأنها هى المتحركة، فقد حسن مخاطبتها، لأنها هى المطلوبة أولا.. فإذا وقفت كان للمنادين شأنهم مع راكبيها.. ولهذا فإنه ما إن صدر النداء: «أَيَّتُهَا الْعِيرُ» حتى توقفت، وما إن توقفت حتى كان الحديث إلى راكبيها: «إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» ! «قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ..ماذا تَفْقِدُونَ؟» .. لقد لوى الركب زمام عيرهم عن السير إلى وجهتهم، واستداروا بها نحو من يهتفون بهم، ويلقون إليهم بهذه التهمة الشنعاء: «إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» ! فقالوا لهم، وقد أقبلوا عليهم: «ماذا تفقدون» ؟ «قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ» . لقد كان الرد بلسان الجميع: «نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ» هذا هو ما سرق وذلك ما نتهمكم بسرقته.! أما رئيس هذا الجمع المنطلق وراء القوم، فإنه يتحدث إليهم بما يملك من سلطان، لا يملكه غيره من جماعته.. فيقول بلسانه هو: «وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ» .. فهو يريد أن يأخذ الأمر بالحسنى، وأن يستردّ الصّواع من آخذه، فى مقابل جعل جعله له، وهو حمل بعير من الطعام، وأنه كفيل وضامن لتحقيق هذا الوعد! «قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ» .. أي لقد علمتم من أمرنا أننا ما جئنا لنحدث فى أرضكم فسادا، وإنّما جئنا تجارا لا سراقا.. «وَما كُنَّا سارِقِينَ» لهذا الصّواع الذي تدّعونه علينا..

стр. 2463

«قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ؟ قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» . إذن فلقد خرج الأمر عن المياسرة والمسالمة، إلى هذا التحدّى.. - «فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ» ؟ أي ما جزاء السّارق إذا كنتم كاذبين فى قولكم «وَما كُنَّا سارِقِينَ» ؟. - «قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ» أي جزاء السارق أن يؤخذ بجرم ما سرق.. - «كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» أي هذا هو الحكم الذي ندين به من يعتدى، وهو أن نأخذه بعدوانه.. لا نقبل فيه شفاعة، ولا نعفيه من تحمّل تبعة ما جنى! «فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ.. ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ» . لقد جىء بالقوم إلى العزيز نفسه، حتى يكشف عن أمرهم بين يديه، ليظهر إن كانوا سارقين، أم غير سارقين.. فبدأ بالبحث عن الصّواع فى أوعيتهم، أولا، ثم بالبحث عنها فى وعاء أخيه، وذلك مبالغة فى إخفاء، التدبير الذي دبّره لهم.. «ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ» ! والسؤال هنا: لم كان الحديث عن «الصّواع» بضمير المذكر، ثم كان الحديث عنه هنا بضمير المؤنث» ؟ والجواب: أن الضمير المذكر يعود إلى «الصّواع» على اعتبار أنه «شىء» أو متاع ضائع من الملك.. أما الضمير المؤنث فإنه يعود إلى السّقاية، وهى «الصواع» أيضا، ولكن العزيز ذكره باسم السقاية، كما يقول الله تعالى: «فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ» ثم تدور تلك

стр. 2464

السقاية دورتها وتعود إلى العزيز مرة أخرى «ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ» .. فهو الذي جعلها فى وعاء أخيه، ثم هو الذي استخرجها من وعاء أخيه. قوله تعالى: «كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ» . الكيد التدبير المحكم، وفى نسبة الكيد والتدبير إلى الله إشارة إلى ألطافه بيوسف، ورعايته وتولّيه له، وأنه سبحانه هو الذي يدبّر هذا التدبير المحكم، وأنه بمثل هذا التدبير الذي دبّره له، بلغ ما بلغ من منازل العزة والسيادة.. وتسمية تدبير الله كيدا، تقريب لمفهومه المتعارف بين الناس، وذلك أنه إذا كان التدبير محكما، تتشعب مسالكه، وتتباعد أسبابه- ثم تلتقى جميعها آخر الأمر، فتقع على الهدف المراد- كان هذا التدبير كيدا، وإلى هذا يشير قوله تعالى: «إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً» (١٥- ١٦: الطارق) . قوله تعالى: «ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» أي أنه ما كان يقع فى تقديره أبدا أن يدخل أخاه فى سلطان الملك، فيصبح رجلا من رجال دولته.. ولكن بمشيئة الله وتقديره، كان هذا الذي لم يكن متصوّرا، ووقع ذلك الذي لم يكن متوقعا. قوله تعالى: «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ» أي بيدنا الملك، فنهب ما نشاء لعبادنا المخلصين من برّ وإحسان، ومن علم ومعرفة!. قوله تعالى: «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» إشارة إلى أن ما بلغه يوسف من علم، هو علم قليل، لا يوازن ذرة من علمنا.. وأن هذا العلم الذي معه، والذي بلغ به هذه المكانة فى الناس- هذا العلم فوقه درجات كثيرة من العلم.. وفوق هذه الدرجات درجات.. وهكذا حتى تصبّ جميعها فى محيط العلم الإلهى الذي لا حدود له..

стр. 2465

الآيات: (٧٧- ٨٣) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧٧ الى ٨٣] قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) التفسير: قوله تعالى: «قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» . لقد سقط فى أيديهم، وأمسكت التهمة بهم، ووقع أخوهم لأبيهم فى شباكها.. ولم يكن لهم ما يقولونه إزاء هذا الواقع الصريح، إلا أن يلقوا باللأئمة على أخيهم هذا، وأن ينسبوه إلى السوء، وأن ما وقع منه لم يكن

стр. 2466

بالمستبعد عنه.. إنه يسلك فى هذا مسلكا كان لأخ له من قبل.. هو يوسف! فهما ينتسبان إلى أم غير أمهم أو أمهاتهم.. ومن هنا كان منهما هذا المنكر الذي لم يعرفه آل يعقوب! وماذا سرق يوسف؟. إنهم لا يزالون يذكرون إيثار أبيهم إياه بحبه وعطفه.. «إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا» . فهل يرون فى هذا سرقة من يوسف لحب أبيهم؟ وهل يرون أن يوسف قد أخذ منهم ما ليس له!؟ إذن.. فهو سارق؟ ربما كان ذلك هو الذي عدوّه سرقة! «فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ» .. أي تلقى يوسف منهم هذه التهمة، فأسرّها فى نفسه، ولم يسألهم عنها، ولم يكشف لهم عن وجه يوسف الذي ألقوا إليه بهذه التهمة. «قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ» قال ذلك بينه وبين نفسه. أي أنهم كانوا معتدين عليه، ظالمين له.. والله أعلم بهذا الوصف الذي وصفوه به، حين رموه بالسرقة. قوله تعالى: «قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ..» هنا يجيئون إلى يوسف عن طريق الرجاء والاستعطاف، بعد أن جاءوا إليه منكرين متحدّين.. فقد ظهر أنهم سارقون، وهذا المسروق قد وجد فى أمتعتهم! .. - «يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً» فهم لا يستشفعون له، وإنما

стр. 2467

يستشفعون لأبيه الذي بلغ من الكبر عتيّا، فلا يحتمل هذه الصدمة التي تصدمه بفقد ابنه هذا.. - «فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ.. إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» فخذ بجريرته أحدنا، ليلقى العقاب الذي ستعاقبه به.. وهذا منك إحسان بأبيه، وإكرام لشيخوخته، وأنت- كما رأينا من أفعالك- محسن، تفيض يداك بالخير والمعروف لكل من يرد عليك. «قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ.. إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ» أي عياذا بالله أن نبرىء مذنبا وندين بريئا، فنأخذ البريء بذنب المسيء.. إن ذلك ظلم، لا يلتقى أبدا مع الإحسان الذي تدعوننى باسمه. «فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ.. فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ» . استيئسوا: وجدوا اليأس، وانتهى أمرهم إليه. خلصوا نجيّا: أي خلصوا إلى بعضهم، وانعزلوا عن أعين الناس، يديرون الحديث بينهم فى سرّ.. وأصل النجوة: المكان المرتفع، حيث يعتصم به، ويلجأ إليه.. بعيدا عن الناس. أي وحين يئس القوم من أن يستردوا أخاهم، وأن يقيموا أحدهم مقامه فى التهمة التي أخذ بها- أخذوا مكانا منعزلا، بعيدا عن الناس، وجعلوا يتدبرون فيه أمرهم، والأسلوب الذي يواجهون به هذا الموقف المتأزم. - «قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ» .. والموثق الذي أخذه أبوهم عليهم هو ما جاء فى قوله تعالى: «قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ

стр. 2468

مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ» .. فكيف تلقون أباكم الآن؟ وكيف تواجهونه بهذا الخبر؟ وهل نسيتم ما كان منكم من يوسف من قبل؟ إنكم إن تكونوا قد نسيتم فإن أباكم لم ينس.. ولقد اتهمكم اتهاما صريحا به، إذ قال: «لقد سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» ! - «فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ» .. فهذا هو الموقف الذي سيتخذه كبيرهم.. إنه لن يبرح هذه الأرض- أرض مصر- ولن يغادرها، لأنه لا يستطيع أن يلقى أباه، وأن يجد العذر الذي يعتذر به إليه! .. وإنه لمقيم هنا إلى أن يعلم أن أباه قد علم الأمر وتحققه، فغفر له، وأذن له بالعودة.. أو ينتظر حكم الله فيه، وتبرئة ساحته مما حدث.. «ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ» . أي أما أنتم، فعودوا إلى أبيكم، وأخبروه الخبر، كما وقع على مرأى منكم ومسمع.. فذلك أمر قضى الله به، وليس لنا بما قضى الله به حيلة، وقد أعطينا الموثق، ولم نكن ندرى ماوراء الغيب «وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ» ولو كنا ندرى ما وقع لما أعطينا أبانا ما أعطينا من ميثاق. «وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ» .. ثم قولوا لأبيكم: إن كنت لا تصدق ما نقول، فاسأل أهل القرية التي كنا فيها، أي مصر، فإن عزّ عليك ذلك، ولم تجد فى نفسك القدرة على السّفر لترى بعينك ما حدّثناك به، فهناك الركب الذي كان معنا من أبناء كنعان، الذين أقبلوا معنا من مصر بعد أن أخذوا حاجتهم منها كما أخذنا.. هؤلاء هم

стр. 2469

قريبون منك فاسألهم.. ثم إننا- قبل هذا، أو بعد هذا- لصادقون، فيما حدثناك به.. وانظر إلى موقفهم هنا، وقد جاءوا إلى أبيهم بالصدق كله، وإلى موقفهم من قبل مع يوسف، وقد جاءوا إلى أبيهم بالكذب كله! إنهم هنا يجدون لكلمة الحقّ مساغا فى أفواههم، وقوة على ألسنتهم.. فيقيمون عليها الأدلة البعيدة والقريبة.. ثم لا يكتفون بهذا، بل يجزمون بصدقهم، ويؤكدونه، وإنهم لهذا فى غنى عن أن يشهد لهم أحد بصدقهم، «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» . أما هم هناك، فإنهم قد حملوا شاهد الزور بين أيديهم.. قميصا ملطخا بالدّم الكذب، ودموعا متلصّصة، تتخذ من الليل ستارا تستر به زيفها.. ثم كلمات مستخزية متخاذلة، تمشى على استحياء، فى رعشة واضطراب: «يا أَبانا.. إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ.. وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا.. فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ.. وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ» !! إن هذا القول كان أولى بهم أن يقولوه فى المرة الثانية، وهم صادقون.. إذ كانت منهم فعلة أولى، افتضح فيها أمرهم، ووقع منهم أبوهم على ما فعلوه بيوسف، حين ألقوه فى الجب وادعوا أن الذئب أكله.. فإذا جاءوا اليوم يقولون عن ابنه الآخر، إنه سرق، وإن العزيز قد أخذه رهينة عنده- كان اتهامه لهم بالكذب أقرب شىء يقع فى نفسه.. وكان ظاهر الحال يقضى بأن يقولوا: «ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ» ولكنهم إذ كانوا صادقين حقّا، فإنهم لم يلتفتوا إلى ظاهر الحال، ولم ينظروا إلى وراء، بل واجهوا أباهم بالحق الصّراح الذي بين أيديهم..! فقالوا: «إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما

стр. 2470

عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ .. وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ» .. «قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» ! هى نفس المواجهة التي واجههم بها، حين جاءوه يلقون إليه بالخبر المفجع فى «يوسف» .. إنهم متهمون عنده فى الحالين.. لأنه كان يتوقع منهم أن يسيئوه فى يوسف، وفى أخيه.. ففى يوسف يقول لهم: «إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ» .. وعن ابنه الآخر يقول لهم: «هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ؟» . وهكذا يأخذهم بحدسه فيهم، وظنّه بهم، وقد صدقه حدسه فى الأولى، وتحقق ظنه فى الثانية، فوقع المكروه فى كلا الحالين. «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» أي فصبر جميل على هذا المكروه، هو الدواء الذي لا دواء غيره. «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» .. لقد وقع فى نفس يعقوب أن محنته فى بنيه- يوسف، وأخيه، وكبير أبنائه- قاربت أن تزول، وأن بوارق الأمل أخذت تلوح له فى الأفق، وأن إيمانه بربّه، ورجاءه فى رحمته لن يخذلاه أبدا، ولن يسلماه إلا إلى السلامة والعافية.. ولهذا فهو على رجاء بأن الله- سبحانه- سيلطف به، وسيجمع شمله المبدّد، ويعيد إليه أبناءه الذين لعبت بهم يد الأحداث.. «إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» .

стр. 2471

الآيات: (٨٤- ٨٧) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٤ الى ٨٧] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) التفسير: «وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ» . لقد انصرف يعقوب عن الحديث مع أبنائه فى شأن أخيهم الذي قالوا عنه إنه سرق، وإنه فى يد العزيز بمصر.. وأسلم نفسه إلى ما يعتمل فى كيانه من حسرة وأسى على مصيبته فى يوسف.. إنه قد عرف- على سبيل الظنّ أو اليقين- أن أخا يوسف فى مصر، أما يوسف، فإنه لا يعلم المصير الذي صار إليه.. أحىّ هو أو ميت؟ وإذا كان حيّا فكيف يحيا؟ وأىّ بلاد الله احتوته؟ ذلك هو الذي يزعجه، ويؤرقه! فلو أن يوسف قد مات لكان لحزنه عليه نهاية.. ولكنه يعلم يقينا أن القصّة التي جاء بها إليه أبناؤه فى شأنه، كانت مكذوبة ملفقة، وأن ذئبا لم يأكله.. فهو حىّ ميت.. يطلع عليه فى كل لحظة بهذه الصورة العجيبة، فتهيج لذلك أحزانه، ويشتد كربه، وتسرح به الظنون

стр. 2472

فى كل أفق، باحثا عن يوسف.. ثم يعود آخر المطاف ولا شىء معه، إلّا هذه الزّفرات التي تنطلق من صدره، فترسم على لسانه هذا النغم الحزين: «يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ» !! وهكذا تهجم لوعات الأسى والحسرة على هذا الشيخ الكبير، حتى لقد ابيضّت عيناه من الحزن الدفين، الذي أبى على عينيه أن تبللهما قطرات الدموع، وأن تطفئ النار المشتعلة فيهما، حتى أتت على فحمة سوادهما، وأحالته رمادا! «فهو كظيم» أي يكظم حزنه، ويحبسه فى صدره.. وذلك هو الحزن أفدح الحزن، وأشدّه قسوة.. يقول الشاعر «البارودى» : فزعت إلى الدموع فلم تجبنى ... وفقد الدّمع عند الحزن داء وما قصّرت فى جزع ولكن ... إذا غلب الأسى ذهب البكاء «قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ» . ومع هذه الهموم وتلك الأحزان، التي يعالجها الشيخ الضعيف فى نفسه، ويمسكها فى كيانه، فإنه لم يسلم من اللّوم، الذي يزيد من آلامه، ويضاعف من أحزانه.. فإذا غفل عن نفسه لحظة وجرت على لسانه كلمة يهتف فيها بيوسف، تحركت الغيرة فى صدر أبنائه، وسلقوه بألسنة حداد.. إنه لم ينس يوسف، ولن ينساه، وإنه لا يزال يعيش مع ذكراه، منصرفا إليه بوجوده كلّه، غير ملتفت إلى أحد سواه! ومن كلمات العتب واللوم التي يسمعها يعقوب من أبنائه كلما جرى ذكر يوسف على لسانه- قولهم هذا، الذي حكاه القرآن عنهم: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ» .. والحرض: الشيء الذي استحالت طبيعته وتغيرت معالمه.

стр. 2473

والمعنى: أنك لا تزال هكذا فى هذا الوسواس المزعج حتى تفسد وتختلّ، أو تهلك وتموت.. وهو خبر يراد به اللوم والتقريع.. والفعل «تَفْتَؤُا» من أفعال الاستمرار، ولا يستعمل إلا مصحوبا بالنفي، وقد حذف هنا حرف النفي «لا» لدلالة المقام عليه.. أو أن الفعل «تفتأ» ضمّن معنى الفعل «تستمرّ» الذي لا يصحبه النفي، وقد جاء فى قول امرئ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى - جاء الفعل أبرح متضمنا معنى فعل الاستمرار، فلم يصحبه نفى. الَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» . البثّ: الهمّ، والكرب، الذي يغلب صاحبه، فلا يتسع له صدره، فيصرّح به، ويلقيه خارج صدره.. وأصل البثّ الانتشار، يقال: بث الحديث: أي أذاعه ونشره، ومنه قوله تعالى: «يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» أي المنتشر فى الفضاء. - وفى قوله تعالى: َ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» إشارة إلى أنه إذ يشكو إلى الله ما به فإنما يشكو إلى رب رحيم، يضرع إليه فى الكروب، وتبسط له الأيدى فى الملمات، وتتجه الوجوه إليه فى الشدائد!! ولمن إذا يشكو الموجوعون؟ وإلى من يستصرخ المستصرخون؟ إذا لم يكن بدّ من الشكوى والاستصراخ؟ أهناك غير الله من يرجى لدفع الضر وكشف البلاء؟ إن اللّجأ إلى الله والهتاف به، والشكوى إليه، والتوجع له، هو من دلائل الإيمان به، والثقة فيه، وإظهار العبودية له والافتقار إليه..

стр. 2474

وإنها لعبادة أىّ عبادة، تلك الأكفّ الضارعة إلى الله، وهذه الألسنة الشاكية له، وتلك العيون المتطلعة إليه، ترقب العافية منه، وتنتظر مواطر الخير من غيوث رحمته.. ولهذا، فلقد كان مما أمر الله به عباده أن يدعوه دائما.. فى السراء وفى الضرّاء، وأن يكشفوا بين يديه أحوالهم، وهو الذي يعلم سرهم ونجواهم، وأن يجتهدوا فى الطلب، وهو الذي قدّر كل شىء، وكتب لهم ما هو لهم.. ولكن هذا منهم هو عبادة له، وتسبيح بحمده.. وفى هذا يقول سبحانه.. «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً» (٥٥: الأعراف) .. ويقول سبحانه: «فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً» (٩٠: الأنبياء) . ويقول سبحانه: «وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (٦٠: غافر) .. ذلك ما يعلمه يعقوب من موقفه من ربه، ومن تضرعه إليه، وشكاته له، إنه يعلم من الله، أي مما لله من صفات الكمال والجلال ما لا يعلمه أبناؤه.. ولو علموا من الله ما علم لما كان منهم هذا اللوم له. «يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» . ولعلم يعقوب بربّه، وما عنده من رحمة واسعة، وفضل عظيم، فإنه يدعو أبناءه إلى أن يؤمنوا بالله إيمانه به، ويعرفوه معرفته له، ويطمعوا فى فضله ورحمته طمعه فيهما، وأن ينطلقوا هنا وهناك ليتحسسوا من يوسف وأخيه أي ليبحثوا عنهما، ويتنسموا ريحهما، وألا يدخل عليهم شىء من اليأس من روح الله «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» الذين لا يعرفون الله،

стр. 2475

ولا يقدرونه قدره.. أما المؤمنون فهم أبدا على رجاء من رحمة الله، وعلى ترقب لفضله، وتوقّع لغوثه.. ويوم ينقطع رجاء العبد من ربه، فذلك شاهد على انقطاع الصلة بينه وبينه، وعلى فراغ القلب من أية ذرّة من ذرات الإيمان به! روى أن بعض الصالحين كان يقول: «إن لى إلى الله حاجة أدعوه لها منذ أربعين عاما، ما استجابها لى، ولا يئست من دعائه..» - وفى قوله «فتحسسوا» إشارة إلى البحث المعتمد على التحسس بالمشاعر والحدس، لا على النظر المادىّ، إذ كان الأمر خفيّا، لا يرى الرائي منه شيئا.. إنه فى البحث عنه أشبه بمن يتحسس طريقه فى الظلام الدامس، حيث يبطل عمل العينين، ويكون الاعتماد على الحدس والتظنّي.. وفى تعدية الفعل بحرف الجر من، وهو فعل متعدّ بنفسه، إشارة إلى أنهم يتبعون آثار يوسف وأخيه أثرا أثرا، ويتحسسونها خطوة خطوة.. فحرف الجر «من» دال على التبعيض فى هذا التركيب. وروح الله: نفحات رحمته، وأنسام لطفه، التي بها تستروح النفوس، وتنتعش الأرواح.. الآيات: (٨٨- ٩٢) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٨٨ الى ٩٢] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)

стр. 2476

التفسير: كان لا بد لأبناء يعقوب أن يعودوا إلى مصر مرة أخرى، لا للميرة وحدها- إن كانوا يريدون الميرة- ولكن استجابة لدعوة أبيهم لهم، أن يذهبوا فى وجوه الأرض، ليتحسسوا من يوسف وأخيه.. وإذا كانت مصر هى الوجه البارز، الذي عرفوه وخبروه، ثم هى البلد الذي فيه أحد أخويهم المطلوب البحث عنهما، هذا إلى الأخ الأكبر، الذي لا يزال ينتظر فى مصر- إذ كانت مصر كذلك، فقد جعلوا وجهتهم إليها.. وهناك دخلوا على العزيز يستعطفونه، ويعاودون الحديث معه فى شأن أخيهم الذي اتّهم بالسرقة، وأخذه العزيز كسارق.! «قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» بما أصابنا فى أخينا الذي حبسته عندك، وحرمت والده الشيخ الكبير النظر إليه.. «وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ» أي بضاعتنا التي جئنا بها هى بضاعة متحركة بين أيدينا من الأنعام: من إبل، وغنم وحمير، ونحوها.. يقال: أزجى الشيء يزجيه، أي دفعه وحرّكه.. كما فى قوله تعالى: «رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ» (٦٦: الإسراء) وقوله سبحانه: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ» .. ويجوز أن تكون البضاعة المزجاة، بمعنى الرديئة، التي يدفعها الناس ولا يقبلون عليها، زهدا فيها. - «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» أي اجعل الكيل وافيا على ما عودتنا من قبل.

стр. 2477

والسؤال هنا: كيف يدعونه إلى أن يوفى لهم الكيل، وهم يعلمون أنه لم ينقص الكيل أبدا، كما شاهدوا ذلك بأعينهم، وكما قال هو لهم: «أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ؟» فكيف يدعونه إلى هذا؟ أفلا يكون ذلك اتهاما منهم لعدالته؟ ثم ألا يكون ذلك استثارة لمشاعر النفور منهم والبغضة لهم، وهم فى مقام يطلبون فيه عطفه، ويستميحون معروفه ونائله؟ .. فكيف يتفق هذا وذاك؟ والجواب: أنهم لم يريدوا بقولهم هذا: «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» دعوة له أن يعطيهم حقّهم، وألا يبخسهم منه شيئا.. وإنما هم بهذا يطلبون أكثر مما لهم، إذ كانت البضاعة التي بين أيديهم ليست من الأشياء التي يعزّ وجودها فى مصر، وتشتد الرغبة فيها، مما يجلب إليها من مصنوعات البلاد الأخرى.. وإنما كان الذي معهم أشتات من الأنعام، ساقوها بين أيديهم، وهم فى الطريق إلى مصر.. ولخوفهم من أن يردّها العزيز، ولا يقبلها بضاعة يكيل لهم بها، قدّموا لذلك الضرّ الذي مسهم، «يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ» ثم قدموا إليه البضاعة التي معهم، وكأنهم يعتذرون إليه من تقديمها، إذ لم يكن عندهم غيرها «وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ» .. فإذا جاء بعد هذا قولهم: «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ» كان معناه فاقبلها منا، واجعلها بضاعة غير مبخوسة عندك، واجعل لكل منا حمل بعير، كما عودتنا، فإن لم يكن ذلك فى مقابل هذه البضاعة، فاجعله فضلا منك وإحسانا.. «فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ..» «وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا..» «إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ..»

стр. 2478

لقد ألف القوم يوسف، وألفهم، وأخذ منهم وأعطى.. حتى لقد كادوا يسألونه: من أنت؟ وما لك تؤثرنا بقربك، وتختصنا بالحديث إليك؟ وما اهتمامك بأهلنا، وبمن خلّفنا وراءنا حتّى تحملنا على أن نحضر لك أخانا الذي تخلف عنا، ثم ها هو ذا يصبح رهينة بين يديك؟ هذه الأسئلة، وكثير غيرها، كانت تدور بين القوم، ويتناجون بها أفرادا وجماعات.. ثم لا يجدون عليها الجواب الذي يستريحون إليه، حتى جاءهم الخبر اليقين! «قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ؟» وما كاد يوسف يقول هذا لهم حتى أطلّ عليهم الجواب الذي كان تائها فى رءوسهم: «قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟» - «قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» . لقد جلس لهم يوسف مجلس الإمارة، وأجلس أخاه إلى جانبه.. ثم استدعاهم إليه، على تلك الحال التي جاءوا بها.. وهم لم يعتادوا من قبل أن يروا أحدا يشاركه مجلسه.. فلما أخبروه بخبرهم، وبالضرّ الذي مسهم ومس أهلهم، وبالبضاعة المزجاة التي قدموها ليكتالوا بها، وطلبوا إليه أن يقبلها منهم، وأن يحسن الكيل لهم بها- لمّا فعلوا ذلك، لم يجبهم إلى شىء من هذا، بل فاجأهم بقوله: «هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ؟» . إنه سؤال العارف المتجاهل.. يريد بسؤاله هذا عتابا لا لوما، واستئناسا لا استيحاشا، واعتذارا لهم قبل أن يعتذروا، إذ أضاف ما فعلوه بيوسف وأخيه

стр. 2479

إلى ما كان منهم من جهل، ولو علموا، ما وقعوا فيما فعلوا، فهم معذورون إذ كانوا جاهلين! وهكذا بسط لهم جناح الصفح والمغفرة.. حتى لقد رأوا فى تلك المداعبة والملاطفة وجه الأخوة الحانية. يطلّ عليهم، طاويا تلك السنين التي غبرت!! وتحول الشك عندهم إلى يقين.. فقالوا بصوت واحد: «أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ» ؟ ونعم إنه ليوسف.. يقولونها هكذا بصيغة التوكيد!! «قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي» : ثم أراهم يوسف أن هذا الذي يرونه ولا يكادون يصدّقونه، هو من فضل الله عليه، وأنه سبحانه قد أحسن جزاءه، إذ كان ممن ابتلاهم فصبروا، وممن مكّن لهم فاتّقوا وأحسنوا: «إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» . «قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ» . وماذا يقولون غير هذا؟ وقد فعلوا بيوسف ما فعلوا به صغيرا، ثم ما رموه به بعد سنين طويلة من انقطاع أخباره عنهم.. حين قالوا للعزيز «يوسف» : «إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ» ؟ لقد أدانوا أنفسهم، وأقروا بالخطيئة. فقالوا: «وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ» مؤكدين هذا الإقرار. ومستشهدين له، بهذا الفضل الذي فضله به الله عليهم، واختصه به دونهم: «تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا» . وإنهم لم يرتضوا الحكم الذي حكمه عليهم يوسف بقوله: «إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ» إذ رأوا أن هذا صفح كريم منه، وتسامح أخوىّ لقيهم به.. أما واقع أمرهم فإنهم كانوا خاطئين، بل وغارقين إلى آذانهم فى الخطيئة!! «قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» . وهكذا يأبى عليه فضله وإحسانه، وبرّه بأهله، إلا أن يؤكد الصفح والمغفرة

стр. 2480

بل ويطلب لهم من الله الرحمة والغفران «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» أي لا لوم عليكم، ولا مذمّة منذ اليوم، فقد بلغ الأمر بي وبكم غايته، وانتهى إلى تلك النهاية المسعدة، التي تستوجب منا جميعا حمد الله وشكره. «يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ! لقد غفر هو لهم ما كان منهم معه سابقا ولا حقا.. وإن رحمة الله لأوسع وأرحب، فلن يحرمهم الله سبحانه مغفرته ورحمته.. وكيف! «وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ؟ الآيات: (٩٣- ٩٨) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٣ الى ٩٨] اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨) التفسير: وما أن كشف يوسف لأخوته عن وجهه، وأراهم منه الصفح والمغفرة، حتى التفت بوجوده كلّه إلى أبيه الذي أضرّ به الحزن عليه، وعلاه الكبر، ومسّه الوهن والضعف!

стр. 2481

«اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ» ! [قميص يوسف.. ما هو ؟] وأي قميص هذا الذي أعطاه يوسف إخوته، ودعاهم إلى أن يلقوه على وجه أبيه، فيعيد إليه بصره الذي ذهب؟ تكثر الروايات، حول هذا القميص، حتى لتنسبه إحدى هذه الروايات إلى إبراهيم ﵇، وتحدّث بأنه كان قميصا جاء به جبريل من الجنة وألبسه إبراهيم حين ألقى به فى النار، فلم تمسّه بسوء، وكانت بردا وسلاما عليه.. فجعل إبراهيم هذا القميص ميراثا فى ذريته.. أعطاه إسحق، ثم أعطاه إسحق يعقوب، ثم ألبسه يعقوب يوسف، ثم ها هو ذا يدفع به يوسف إلى إخوته ليلقوه على وجه أبيه، فتتشكل منه معجزة تعيد إليه البصر المفقود! ويمكن أن يكون هذا، إذا كان مستنده كتاب الله، أو حديث رسول الله. وأما وليس فى القرآن الكريم، ولا حديث رسول الله الأمين، شاهد لهذا، فإنه من الخير أن يتخفف العقل من هذه الغيبيات القائمة على الرجم بالغيب، وأن يأخذ الأمور على ظاهرها المكشوفة له.. ومن جهة أخرى، فإن القرآن الكريم يحدّث عن القميص الذي كان يلبسه يوسف، حين خرج به إخوته ثم ألقوه فى غيابة الجبّ- هذا القميص قد انتزعه منه إخوته، وجاءوا به إلى أبيهم عشاء يبكون، وقد لطخوه بالدم مدّعين أن الذئب قد أكله، فكيف يكون مع يوسف القميص الذي يردّ فى أصله إلى إبراهيم ﵇؟

стр. 2482

فليكن القميص إذن واحدا من الأقمصة التي كان يلبسها يوسف، والتي علق بها بعض عرقه، فكان فيها ريحه.. أمّا كيف يجد يعقوب ريح يوسف فى هذا القميص، على هذا المدى البعيد، الذي أحد طرفيه مصر، والطرف الآخر فى الشام؟. فهذا السؤال يرد على أي قميص.. سواء أكان القميص الذي يقال إنه قميص إبراهيم أم أي قميص آخر غيره!. والذي علينا أن نصدّقه هو أن يعقوب وجد ريح يوسف، وهو فى مصر، ويعقوب فى الشام!. أما هذه الريح التي وجدها يعقوب، فهى إما أن تكون ريحا شمّها بأنفه على الحقيقة، كما تشمّ أرواح الأشياء، ذات الريح.. وإما أن تكون الريح هذه مشاعر وخواطر، مثّلت له يوسف قريبا منه، مقبلا إليه، أشبه بالطيف الزائر فى المنام، أو الخاطر المسعد فى أحلام اليقظة.. وذلك كلّه من ألطاف الله بيعقوب، ومن إشراقات النفس الصافية، وانطلاقات الروح من كثافة المادة، وقيود الجسد!. ونحن فى حياتنا اليومية كثيرا ما يقع لنا فى أحلام اليقظة شىء مثل هذا أو قريب منه، فنتمثل شخصا لم نره منذ زمن بعيد، فإذا بنا بعد قليل نلتقى به! أو يرد على خاطرنا فيقع كما ورد! .. فكيف بنبىّ كريم من أنبياء الله فى إشراق روحه، وصفاء نفسه؟ وأما كيف كان لهذا القميص أن يعيد إلى يعقوب بصره بمجرد أن ألقى عليه.. فلهذا أكثر من قول يقال هنا.. فلك أن تقول إنه آية من آيات الله، أجراها الله بين يدى نبيّين كريمين.. يعقوب ويوسف! أو قل هى معجزة جعلها الله سبحانه

стр. 2483

ليوسف- ﵇ وآذنه بها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان يوسف: «اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً» .. فهو يعلم من الله، ما يحمل هذا القميص فى طياته من أسرار أودعها الله فيه! ولك أن تقول: إن ذلك لم يكن أمرا معجزا، وإنه جاء جاريا على سنن الطبيعة ومألوف الحياة.. وأن الذي ذهب ببصر يعقوب هو شدة الحزن، وأن الذي أعاد إليه بصره الذاهب هو شدة الفرح..! وأن قول يوسف الذي أنبأ به عن ارتداد بصر أبيه إليه بعد أن يلقى القميص على وجهه- هذا القول هو لمحة كاشفة من لمحاته المشرقة، عرف بها تأويل هذا الأمر.. تماما كموقفه من تأويل الأحاديث والأحلام! «وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ» فصلت العير: أي بدأت رحلتها، بعد أن شدّت رحالها، وأصل الفعل يدل على الانفصال عن الشيء.. ومنه الفصيل، وهو ابن الناقة، يفصل عنها بعد أن يستغنى عن لبنها.. ومن ذلك قوله تعالى: «وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» أي حمله وفطامه.. والعير: الحمير.. وهى جمع، واحدها عير، مثل: سقف وسقف، وأصل العير، عير على وزن فعل، مثل: سقف.. استثقلت الضمة على الياء فحذفت، فسكنت الياء، وسبقها ضمة، فقلبت الضمة كسرة، لتناسب الياء، فصارت العير، على وزن فعل، مثل حلم. تفنّدون. أي تهزءون وتسخرون بي، وتنسبوننى إلى الخرف، والأفن وضعف الرأى. «قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ» لقد وقع ما كان يحذره، ولم يسلم من تفنيد المفنّدين، ولوم اللائمين، ممن

стр. 2484

سمعوا منه هذا القول، من أهله وجيرانه.. ولم يكن فيهم بنوه، الذين كانوا يومئذ ما زالوا فى طريقهم إليه من مصر.. والمراد بالضلال القديم هنا، ما عرف منه من حبّ شديد ليوسف، وتعلق بالغ به، حتى لقد حسب هذا ضلالا عن طريق القصد والاعتدال فى الحبّ.. وفى هذا يقول الله تعالى على لسان أبناء يعقوب: «إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. فإلى هذا الضلال يشير أولئك الذين قالوا له: «إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ» «فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» ولقد صدّق الله- سبحانه- ظنون يعقوب، فوقع ما توقعه، وجاء البشير بريح يوسف محمّلة فى قميصه، فلما ألقى القميص على وجهه ارتدّ بصيرا، كما تنبأ بذلك يوسف. وفى غمرة هذا الفرح الكبير، لم ينس يعقوب أن يردّ اعتباره عند هؤلاء الذين فنّدوه ورموه بالضلال.. فقال لائما مؤنبا: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» ! أي إنّى كنت على رجاء من رحمة ربّى، وعلى طمع فى فضله.. ولهذا لم أيأس من روحه، ولم ينقطع رجائى فى فضله، وأن ألتقى بيوسف الذي حجبته الأقدار عنّى خلال هذا الزمن الطويل؟ - وفى قوله: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» إشارة إلى ما سبق أن قاله لهم حين قالوا له: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ» فكان ردّه عليهم: ِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» ..

стр. 2485

«قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» هو نفس الموقف الذي وقفوه بين يدى يوسف، حين قالوا له: «تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ» .. إنه الاعتراف بالذنب، وطلب الصفح والمغفرة.. ولقد لقيهم يوسف بالصفح والمغفرة، من غير مهل ولا إبطاء، فقال: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ.. يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» أما أبوهم يعقوب، فإنه لم يلقهم بهذا الصفح وتلك المغفرة من فوره، بل جعل ذلك وعدا مستقبلا، يجىء على تراخ من الزمن.. «قالَ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» .. ولم يقل سأستغفر لكم ربى! وقد أخذ بعض العلماء من هذا الاختلاف بين موقف يوسف من إخوته، وموقف أبيه يعقوب منهم- أخذ من هذا شاهدا على أن الشباب أسمح نفسا بما فى أيديهم، من الشيوخ الذين يغلب عليهم الحرص على كل ما عندهم، ليكون لهم من ذلك قوة تمسك عليهم البقية الباقية من قواهم الواهية.. والذي نذهب إليه لتعليل هذا الاختلاف فى الموقفين، أن يعقوب، فى هذا الموقف أب، وهو بهذا يملك من أبنائه ما لا يملكه الأخ من إخوته.. إنه يملك التأنيب، والتأديب.. أما الأخ فلا يملك من إخوته هذا الذي يملكه منهم أبوهم.. ومن أجل هذا فقد استعمل يعقوب حقّه فى تأنيب بنيه وتأديبهم، فأمسك عنهم صفحه ومغفرته، إلى حين، ولم ير من الحكمة أن يجيبهم إلى طلبهم فى الحال. وأن يخلى مشاعرهم من القلق والهمّ. بل رأى أن يريهم أن

стр. 2486

هذا الطلب موضع نظره، وأنه سوف يحققه لهم فى الوقت المناسب! وفى هذا ما فيه من درس بالغ فى التربية والتأديب. فقسا ليزدجروا، ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم أما يوسف، فهو فى مواجهة إخوة له، وهم أكبر منه سنّا.. فلم يكن بدّ من أن يبادرهم بالصفح والمغفرة، بعد أن أخذ بحقّه منهم، وأجراهم هذا الشوط الطويل، حتى كادت تنقطع منهم الأنفاس، فى غدوهم ورواحهم إلى مصر، وإتيانهم بأخيهم من أبيهم، ثم فى هذا التدبير الذي جعل منه يوسف مدخلا لاتهام أخيه بالسرقة، وأخذه بما سرق، ووضع إخوته فى هذا الموقف الحرج! الآيات: (٩٩- ١٠١) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠١] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) التفسير: آوى إليه أبويه: ضمهما إليه، وكان مأوى لهما..

стр. 2487

نزغ الشيطان: أي أفسد الشيطان، والنزغ، والزيغ، بمعنى.. «فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ» .. هناك أحداث كثيرة طويت، ولم يجر لها ذكر هنا، إذ لم يكن لها أثر ظاهر فى مضمون القصة.. وها نحن أولاء نرى يعقوب وبنيه فى مصر، بعد أن كانوا منذ لحظة فى أرض كنعان، نراهم فى موقف استغفار واسترضاء من جهة، وموقف تأنيب وتأديب من جهة أخرى.. وها هو ذا يوسف يلقى أبويه وإخوته، ويضمهم إليه، ويفتح لهم الطريق إلى مصر وينزلهم فيها منزل الأمن والسلامة.. «ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ» .. ثم يرفع أبويه على العرش، ويدعوهم جميعا إلى مشاركته مجلس السلطان والحكم، فيدخلون عليه، ويؤدون له تحية الملك والسلطان، وينزلون على حكم العرف السائد فى مصر، عند لقاء الملوك، فيخرّون له ساجدين.. وإذ يشهد يوسف هذا الموقف، تتمثل له فى الحال رؤياه التي رآها فى صغره، والتي عرضها على أبيه قائلا: «يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .. وهنا يقول يوسف لأبيه: «يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ.. قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا» أي قد تحققت كما رأيتها فى المنام.. أمي، وأبى، وإخوتى الأحد عشر.. «أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» .. «وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ» .. فمن إحسان الله إلى يوسف أن حقق له هذه الرؤيا، وأن أخرجه من السجن، وأن جمع بينه وبين أهله، فجاء بهم من البدو، وأنزلهم الحضر. - وفى قوله: «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ» إشارة إلى أن الله إذا أراد شيئا أحكم تدبير الأسباب الموصلة إليه، فجاء بها على غير ما يقدر العباد، ثم أراهم من عواقبها غير ما يتوقعون..

стр. 2488

فمن كان يقع فى تقديره أن تلك الأحداث التي بدأت بها قصة يوسف من إلقائه فى الجب، إلى وقوعه فى يد جماعة من التجار، إلى بيعه لرجل من مصر، إلى كيد امرأة العزيز له، وتآمرها مع جماعة النسوة عليه، إلى إلقائه فى السجن بضع سنين- من كان يقع فى تقديره أن هذه الأحداث ينسج من خيوطها عرش، ويصاغ من حصاها تاج، ويولد من تصارعها ملك يجلس على هذا العرش، ويتوّج بهذا التاج؟ إن ذلك لا يكون إلا من تدبير حكيم خبير، يمسك الأسباب بلطفه، فإذا هى طوع مشيئته، ورهن إرادته، فيخرج الحىّ من الميت، ويخرج الميت من الحىّ، ويجعل من المكروه محبوبا، ومن المحبوب مكروها: «وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ.. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (٢١٦: البقرة) : «فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» (١٩: النساء) - وفى قوله: «إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» إشارة إلى أن لطف الله ، وتدبيره المحكم لما يريد، إنما هو عن علم العليم، وحكمة الحكيم، لا يشاركه أحد فى علمه وحكمته، فبعلمه المحيط بكل شىء، تتولد الأسباب والمسببات، وبحكمته البالغة، تقدّر الأمور، وتحكم فى أسبابها.. وذلك هو اللطف فى كماله وتمامه، فلا يقع شىء فى ملك الله إلا كان اللطف سداه ولحمته!. «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ.. فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» .. بهذه الابتهالات وتلك التسابيح، يستقبل يوسف هذه النعم التي أنعم الله

стр. 2489

بها عليه.. فيحدّث بنعمة ربّه، ويسبّحه بها، ويحمده عليها، ويستزيده من فضله، بأن يتم تلك النعمة عليه، وأن يتوفاه على دين الإسلام، وأن يلحقه بالصالحين من عباده.. فذلك هو الذي يجعل لتلك النعم مساغا فى فمه، وطعما هنيئا فى حياته!. وإلى هنا تنتهى قصة «يوسف» التي كانت السورة كلها تقريبا معرضا لها، وحديثا عنها.. ويلاحظ أنّ قصّة «يوسف» - على خلاف القصص القرآنى كلّه- جاءت فى معرض واحد، لم يذكر معها غيرها من قصص الأنبياء، ولم تذكر هى فى معرض آخر، ولم يجر عن يوسف حديث فى غير هذه السورة، اللهم إلا أن يذكر اسمه مع جماعة الأنبياء، ذكرا لا يراد منه إلا تعداد أسمائهم، أو مجرد الإشارة إلى قصته، للعبرة والعظة!. ولعلّ الحكمة فى هذا هى أن هذه القصة تعتبر حدثا واحدا، هو رحلة عبر الزمن، للإنسان من مولده إلى مماته، وعلى طريق هذه الرحلة تقوم سدود، وتهبّ أعاصير، ولكن يد اللطف والقدرة تبلغ بهذا الإنسان مأمنه، وتخرجه من تلك التجربة التي عانى فيها الشدائد والأهوال- جوهرا صافيا، وإنسانا عظيما يمسك بكلتا يديه خير الدنيا والآخرة جميعا.. ولو أن هذه القصّة صنع بها ما فى القصص القرآنى، فعرضت فى أكثر من معرض لتمزقت وحدة الشخصية التي هى العمود الفقرى للقصة. ومن جهة أخرى، فإن القصة وقد اصطبغت من أولها بلون الدم ثم كان ختامها الأمن والسلامة- فقد كان مما يتفق وتطلعات النفوس أن تجىء القصّة هكذا كيانا واحدا، يجمع بين بدئها وختامها. ومع هذا، فلو جاء بها القرآن على نسق القصص القرآنية الأخرى،

стр. 2490

فعرضها فى أكثر من معرض لما أخلّ ذلك بشىء من مقوماتها.. ولكن هكذا جاء بها القرآن، فكان ذلك شاهدا من شهوده الكثيرة على امتلاكه ناصية البيان، وتمكنه غاية التمكن من فنون القول! فيجىء بالقصة فى معارض مختلفة، فإذا هى كيان واحد، وخلق سوىّ، ينبض بالحياة، ويفيض بالجمال والجلال.. ثم يجىء بالقصة فى معرض واحد، فإذا هى مائدة تجمع شهى الطعام، وتؤلف بين مختلف الطعوم، فإذا الوارد عليها، والطاعم منها آخذ بحظه من كل طعام، متذوق من كل لون.. حتى إذا قارب حدّ الشبع وجد على لسانه حلاوة هذا الختام الذي انتهت به أحداث القصة.. فسبحان من هذا كلامه، و «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً.. قَيِّماً..» الآيات: (١٠٢- ١٠٧) [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٧] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧)
следующие страницы →