وقد يخطر بالبال هنا أن فى التزاوج بين المؤمنين والمشركين، ربما يكون من نتائجه تحول المشرك أو المشركة إلى الإيمان، وفى هذا تعويض للخسارة التي قد تنجم من تحول المؤمن أو المؤمنة إلى الشرك، وبهذا لا تكون هناك خسارة بالنسبة للمجتمع المسلم، الذي إن خسر هنا ربح ما يعوض الخسارة هناك! وهذا التقدير غير سليم، وغير عادل! أما أنه غير سليم، فإن الشرّ غالبا يغلب الخير، وتتسرب عدواه إلى الخير بالمخالطة أكثر من تسرب الخير إليه، إذ كان الشر يعمل وأهواء النفوس معه، وشهواتها مائلة إليه، جاذبة له! وأما أنه غير عادل، فإن فيه مخاطرة بنفس مؤمنة فى مقابل نفس مشركة، وشتان ما بين نفس ونفس! وقد أباح الإسلام أن يتزوج المؤمن الكتابية، ولم يبح أن يتزوج الكتابي المؤمنة، وذلك فى قوله تعالى: «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» : (٥: المائدة) .
وذلك أن الرجل أقوى من المرأة، وأقدر على التحكم فى عواطفه، وأن تأثيره على المرأة أكثر من تأثيرها عليه، وأنه أحرص على دينه من حرصها على دينها، وذلك فى الأعم الأغلب.. والحكم للعام الغالب. وعلى هذا كان تقدير الإسلام، فأباح للمؤمن أن يتزوج الكتابية، ولم يبح للمؤمنة أن تتزوح الكتابي.
ويرد على هذا خاطر أيضا، وهو أنه إذا كان الأمر على هذا التقدير، فلم
стр. 247
لا يبيح الإسلام للمؤمن أن يتزوج المشركة.. وهو الرجل، وهى المرأة، على ما عرفنا من فوارق بين الرجل والمرأة؟
والرد على هذا فيما أشرنا إليه من قبل، وهو أن ذلك من قبيل المخاطرة بنفس مؤمنة فى مقابل نفس مشركة، وأن الاحتمال وإن كان هنا قويا فى أن يشدّ الرجل المرأة إليه، إلا أنه معارض باحتمال آخر، وإن كان أضعف.
وهو أن المرأة قد تغلب الرجل الذي يضعف لها، وليس بقليل أولئك الرجال الذين يخضعون لسلطان النساء.. فكان تدبير الإسلام بالمنع المطلق، هو التدبير الحكيم، الحريص على سلامة المؤمن، وحياطة دينه من أن يتعرض لسوء، أو يحوم حول فتنة!
الآية: (٢٢٢) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٢]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)
التفسير: ممّا يسأل السائلون عنه، فيما بين الرجال والنساء هو: هل يحل مباشرة النساء وهن فى المحيض؟ وقد جاء حكم الله فيه: «هو أذى، فاعتزلوا النّساء فى المحيض» أي هو أذى تستقذره النفس وتتأذى منه.. وقد تغلب الشهوة على بعض الناس فيحتمل هذا الأذى فى سبيل إرضاء شهوته، ولكنه- مع ذلك وبعد قضاء شهوته- يظل وفى نفسه شىء من آثار هذا الأذى، قد تنضح آثاره على ما بين الزوج وزوجه من السّكن الروحي، الذي بغيره لا تطيب الحياة الزوجية ولا تدوم
стр. 248
ويلاحظ أننا لم ننظر فى قوله تعالى: «هُوَ أَذىً» إلا من جانب واحد، هو جانب الأذى النفسي، ومع أنّ التعبير القرآنى جعله أذى مطلقا، عاما شاملا، فى جانب الرجل والمرأة معا، وفى النفس والجسد جميعا- فإنه حسبنا هنا ما وقع عليه نظرنا، أما ما يقول به العلم، وما يكشفه الطب من هذا الأذى، فلا نريد أن نعرض له، إذ كان ما يقول به العلم ويكشفه الطب فى هذا الأمر مما لا يقع على حقيقته إلا أهل الذكر من العلماء! قوله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» المراد بالقرب هنا قرب المباشرة لا قرب الحياة من مؤاكلة، ومجالسة، وحديث، وغيرها..
إذ ليس الحيض مما يمسّ طهارة المرأة فى ذاتها كإنسان، كما ترى ذلك بعض الديانات التي ترى أن المرأة أيام حيضها نجسة فى ذاتها، وفى كل ما يمسّها! وذلك هو معتقد اليهود! ومن جهة أخرى فإنا نرى قوله تعالى: «فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ» وإن كان يراد به الاعتزال عن المباشرة إلا أنه يشير من بعيد إلى شىء من الإمساك عن المخالطة الدائمة، التي تكون بين الزوجين فى غير أوقات الحيض.. إذ أن المرأة فى أيام حيضها تكون فى أحوال غير طبيعية، سواء فى حالتها الجسدية، أو النفسية، والإقلال من لقائها فى تلك الحال آمن وأسلم من أن يجد منها زوجها ما لا يرضاه! قوله تعالى: «فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ» التطهر طهر وزيادة.. فالطهر هو انقطاع دم الحيض، والتطهّر الاغتسال. أي فإذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله، أي فأتوهن من حيث ينبغى أن تؤتى المرأة.. وكان بعضهم يأتى المرأة من دبرها، وهو انحراف خارج على طبيعة الحياة بين الأحياء، من حيث كان اتصال الذكر بالأنثى فى عالم الحيوان لا يعدو الموضع الذي يجىء منه النسل! فكيف لا يعفّ الإنسان عما عفّ عنه الحيوان؟
стр. 249
وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» دعوة إلى التزام الطريق القويم لمن كان قد انحرف عنه، وأتى المرأة من غير المأتى الطبيعي لها، فباب التوبة مفتوح لمن أناب إلى الله والتزم حدوده: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ» فالتوبة تغسل الحوبة.. وليس مصيبة الإنسان فى أن يخطىء ويزل، فالإنسان بحكم أنه بشر عرضة للخطأ والزلل، ولكن المصيبة ألّا يتأثّم من الإثم، ولا يتحرج من الانحراف، فيقيم على إثمه، ويصر على انحرافه.. وليس يستنقذ الإنسان من أن يحيط به ذنبه إلّا أن يرجع إلى الله من قريب، وأن يلقاه نادما تائبا.. هنالك يجد من ربه رحمة ومغفرة، ورضى ورضوانا «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» أي المتطهرين من كل أذى يمسّ أجسادهم وأرواحهم..!
الآية: (٢٢٣) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٣]
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)
التفسير: قوله تعالى: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ» أي محترث ومزدرع، تبتغون منهن ما يبتغى الحارث والزارع مما يحرثه ويزرعه، وهو الثمرة التي يجتنيها من زرعه.. وفى هذا دعوة إلى أمور، منها: رعاية المرأة، وتدبير أمرها، وإصلاح شأنها، وتوفير وسائل الحياة الطبيعية لها، شأن الزارع الذي يقوم على رعاية زرعه، وحمايته من كل ما يعرض له من سوء.. ومنها غرس ما يرجى ثمره، وما ينتفع به من ثمر، وذلك لا يكون إلا بمباشرة المرأة من حيث يؤتى بالولد الذي هو الثمرة المرجوة من هذا الغرس.
стр. 250
وقوله تعالى: «فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» إطلاق لأى قيد فى اتصال الرجل بزوجه، بعد أن يلتزم الحدود التي بينها الله، وهو ألا يباشرها إلا بعد أن تطهر من الحيض، ثم أن تكون المباشرة فيما ينفع ويثمر..
قوله سبحانه: «وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» دعوة إلى ألا يكون همّ الرجل كلّه فى مباشر المرأة هو اللذة المجرّدة من كل قصد، إلا إشباع شهوته وإرواء ظمئه..
فذلك عمل مستهلك لا يبقى للإنسان منه شىء بعد ساعته.. والأولى بالإنسان هنا أن يطلب فى مباشرته للمرأة النّسل، وأن يقوم على رعاية هذا النسل، وإعداده إعدادا صالحا للحياة، ليشارك فى بنائها وعمرانها، وبهذا يكون قد استجاب لأمر الله تعالى فى قوله: «وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» فقدم لنفسه عملا صالحا يلقاه يوم القيامة: «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (٢٠: الشورى) .
قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ» تعقيب على تلك المحظورات التي بينها الله فى هذه الآيات، وتنبيه إلى أنها من حرمات الله، وأن اتقاءها ومجانبتها هو الذي يرضى الله، ويحقق للمؤمن إيمانه، فيلقى الله آمنا يوم القيامة «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» بما أعدّ الله لهم يوم القيامة من مغفرة ورضوان.
الآية: (٢٢٤) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٤]
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)
التفسير: ذات الله ، فى جلالها وبهائها وعظمتها، ينبغى
стр. 251
أن تكون فى قلب المؤمن بمكانتها المكينة من الإجلال والتعظيم، وأن تصان من كل ما يمسّ هذه المكانة من اهتزاز أو إزعاج!.
وأسماؤه تعالى، لها ما لذاته سبحانه، من هذا الإجلال والتوقير والإعظام، فلا يتلفظ المؤمن باسم من أسمائه جلّ وعلا إلّا فى مقام العبادة والتسبيح، وإلا فى حال الضراعة والابتهال.
فليس بالذي يقدر الله حقّ قدره من يتخذ اسم الله يمينا يحلف به، ويقدّمه بين يدى كل أمر يعرض له، ويتخذ من جلال الاسم الكريم وعظمته وسيلة يتوسل بها إلى نفاذ ما يحلف عليه إلى مشاعر من يحلف له، فيحترم حرمة اليمين، ويصدقه.
فقوله تعالى: «وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ» أي لا تعرّضوا اسم الله تعالى للحلف به فى كل ما يعترضكم من أمور دنياكم، تريدون لها التوثيق والتوكيد.
وقوله سبحانه: «أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ» أي لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ولو كان الحلف من أجل أمر تلتزمون فيه قول الحق، وترعون فيه تقوى الله، وتصلحون به بين الناس.. لأن الإكثار من الحلف بالله مقام الصدق والتقوى والإصلاح بين الناس، يفتح للإنسان الطريق إلى الحلف بالله فى مجال الكذب والفجور والإفساد بين الناس!.
فالنهى عن الحلف بالله فى مقام الصدق والتقوى والإصلاح بين الناس، ليس نهيا مطلقا، وإنما هو نهى عن الإكثار واللامبالاة، حيث لا يتحرج المرء من الحلف فى هذا المقام، وهو يلتزم حدود الصدق والتقوى.. فإن هذا الإكثار فى الصدق- كما قلنا- يفتح الطريق إلى الحلف بالكذب والفجور!.
стр. 252
الآية: (٢٢٥) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٥]
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)
التفسير: من رحمة الله بعباده أن تجاوز عنهم فيما يقع منهم من أيمان يجرى بها اللسان من غير قصد، فلا يراد بها إبطال حق، ولا إحقاق باطل.. فهذه الأيمان قد تجاوز الله عنها. ولكن ما انعقد عليه القلب منها، واحتوته النية، وصحبته العزيمة هو الذي تقع المؤاخذة عليه، فمن برّ وصدق فلا إثم عليه، ومن كذب وفجر فعليه وزر ما اكتسب، «وَاللَّهُ غَفُورٌ» يتجاوز عن سيئات المسيئين إذا أنابوا إليه، ومدّوا يد الرجاء إلى أبواب رحمته، «حليم» لا يعجل بأخذ المذنب بذنبه، بل يمهله الأيام والشهور والسنين، ليراجع نفسه، ويستغفر لذنبه، ويصطلح مع ربه.
الآيتان: (٢٢٦- ٢٢٧) [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧]
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)
تبين هاتان الآيتان الكريمتان، حكما من أحكام الله فى العلاقة بين الرجل والمرأة، حين تتأزم بينهما الأمور، وتتصادم النفوس! ومما يأخذ الرجل به المرأة من أدب أن يهجرها، أي لا يتصل بها اتصال الرجل بالمرأة، وذلك ما تشير إليه الآية الكريمة فى قوله تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن
стр. 253
فعظوهن واهجروهنّ فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (٣٤: النساء) وليس لهذا الهجر زمن محدد، إذ هو مقدور بالقدر الذي يعدّ كافيا للتأديب والإصلاح! هذا، إذا لم يكن الهجر محكوما بيمين آلى بها الرجل على نفسه ألا يقرب زوجه، فإذا كان ذلك عن يمين، وهو ما يسمى «بالإيلاء» لم يكن المزوج أن يهجر زوجه أكثر من أربعة أشهر، فإن رجع خلال هذه الأشهر، وقبل انتهائها، إلى زوجه وأعاد الحياة الزوجية إلى ما كانت عليه قبل هذا الإيلاء، فزوجه حل له، وعليه كفارة يمينه: «فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» يقابل سيئاتكم بالغفران والرحمة، فليذكر الزوجان ذلك، وليلق كل منهما صاحبه بالغفران والرحمة، فذلك هو الذي يمسك الحياة الزوجية بينهما، ويقيمها على طريق السلامة والأمن.
وإن أصر الرجل على موقفه طوال هذه الأشهر الأربعة- فإن إمساك المرأة بعدها فى عصمته هو إضرار بها، والطلاق فى تلك الحال خير لها، إذ بهذا يتحدد موقفها وتتعرف إلى مكانها فى الحياة، وذلك على ما فيه من أذى، خير من إمساكها بهذا القيد الثقيل الذي يحول بينها وبين أن تتحرك إلى أي اتجاه. «وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» والدلالة على عزيمة الطلاق هنا هو عدم مراجعة الزوجة خلال أربعة الأشهر، فإن طلق الزوج عند انتهاء هذه الأشهر انتهى الأمر، وإلا طلق عليه القاضي، وأخلى سبيل المرأة من هذا المقام الذي أقامها فيه الزوج، والذي لا يراد منه غير الإضرار، لا الإصلاح، كما دلّ على ذلك هذا الزمن المتطاول.. أربعة أشهر، لم ير فيها الزوج بابا يدخل منه ليصلح ما بينه وبين زوجه.. فلم يبق إلا التفرقة بينهما: «وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» .
стр. 254
الآية: (٢٢٨) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٨]
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)
التفسير: من أحكام المطلقة المدخول بها، غير المتوفّى عنها زوجها، وغير الحامل، وغير اليائسة من الحيض- أن تعتد ثلاثة قروء.
والقرء يجىء لغة بمعنى الطهر، وبمعنى الحيض أيضا، فهو ضد.
والمراد بالعدة هنا هو استبراء الرحم، ولا يتحقق الاستبراء ويقع موقع اليقين إلا بأن ترى المرأة الدم ثلاث مرات.. أي تحيض وتطهر، ثم تحيض وتطهر، ثم تحيض وتطهر، فإذا كان ذلك فقد استبرأت رحمها، وتم انفصام العلاقة الزوجية بينها وبين زوجها، وحل لها أن تتزوج.
والطلاق الشرعي هو أن يطلق من انتهى موقفه إلى الطلاق- امرأته فى طهر لم يمسسها فيه، فإذا جاءها الحيض طلقها طلقة أولى رجعية، ثم إذا طهرت وجاءها الحيض طلقها طلقة ثانية، ثم إذا طهرت وجاءها الحيض طلقها الطلقة الثالثة.
قوله تعالى: «وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ» أي يحرم على المرأة المطلقة المعتدة بالقروء أن تكتم ما خلق الله فى رحمها من الولد، فتقر بالواقع، إذ القول هنا قولها، وما تعلمه هو أمانة حملتها، فإذا لم تؤد الأمانة على وجهها فقد أصبحت فى الخائنات الآثمات.
стр. 255
وقوله تعالى: «إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» تذكير لهن بالله وبالإيمان به، فإن من شأن من يؤمن بالله أن يتقيه وأن يستقيم على طريقه القويم، وأن يقول قولة الحق، له أو عليه.
قوله تعالى: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» ذلك إشارة إلى الوقت الذي تكون المرأة فيه حلّا لزوجها لم تحرم عليه، بأن كانت فى العدّة بعد طلاقها للمرة الثانية.. فهو أحق بها من غيره، إن أراد أن يصلح ما أفسد، ويقيم البيت الذي تهدم.
وفى قوله تعالى: «أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» إشارة إلى أن هذا الحق ليس خالصا للأزواج فى ذلك الوقت. فللمرأة هنا أن تتزوج من تشاء، وزوجها لا يعدو أن تكون واحدا ممن يتقدمون لها، وأحقيته بها ليست حقا شرعيا، وإنما هى حق أدبىّ، لسالف العشرة بينها وبين زوجها.
قوله تعالى: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» أي للنساء من الحقوق على أزواجهن مثل ما للأزواج على النساء من حقوق.. فهذا ما يقتضيه العدل، وما تقوم عليه الحياة بين شريكين، أراد الله لهما أن يكون كل منهما سكنا لصاحبه.
وليست هذه الحقوق التي للرجل على المرأة، والتي للمرأة على الرجل من قبيل الحقوق التي يقتضيها الغريم من غريمه، ويأخذها بيد السلطان والقانون إن ماطله الغريم والتوى بحقه.
وإنما هى حقوق تفيض بها النفس فى سماحة ورضى، وتنبع من عاطفة إنسانية لا يملك الإنسان دفعها، أشبه بتلك العاطفة التي بين الآباء والأبناء، بل ربما كانت أكثر من هذا.. إنها عاطفة الأليف إلى أليفه، والعاشق إلى معشوقه.
стр. 256
هذا ما ينبغى أن يكون عليه ما بين الزوجين من تواد وتعاطف، وحبّ، وتراحم، وتعاون.. طواعية واختيارا، لا قهرا ولا قسرا.. وإلا فقدت الحياة لزوجية روحها، وصارت جسدا باردا، لا يلبث أن يذيل ويموت! قوله تعالى: «وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» أي درجة فى التفاوت بينهما فى الحقوق والواجبات، بمعنى أن للرجل على المرأة حقوقا أكثر درجة مما لها عليه من حقوق، وأن عليه لها من الواجبات أكثر مما لها عليه.. وصاحب الحق أولى بالفضل ممن لزمه الواجب المقابل لهذا الحق! والتعبير بدرجة يعنى أن هذا التفاوت لا يمسّ جوهر الاعتبارات الإنسانية فيهما، فهما إنسانان متساويان فى الإنسانية، ولكن اختلافهما النوعي أدى إلى الاختلاف الوظيفى فى الحياة بينهما: فكما كانا رجلا وامرأة.. فى الجنس، كانا أولا وثانيا، فى الرتبة.. وليس هذا بالذي يدخل الضيم على أي منهما، ما دام يحيا حياته على النحو الذي يلائم طبيعته.
هذا، والدرجة التي للرجل على المرأة ليست بالتي تجىء عن طريق القهر والقسر، وإنما تستدعيها تصرفات الرجل وآثاره فى الحياة الزوجية، وفى مدّها بأسباب الحياة والنماء والاستقرار.. فهذا هو الذي يعطى الرجل- من غير أن يطلب- مكان الصدارة والقيادة، وإلا كان متخليا عن هذا المكان لمن هو أولى به منه، من زوجة أو ولد! قوله تعالى: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» إشارة إلى أن العزة التي تقوم إلى جانبها الحكمة هى العزة الرشيدة البارة بأهلها وبالناس حولها.. فالمكانة التي منحتها الحياة للرجال، فجعلت لهم على النساء درجة، وأقامت لهم سلطانا عليهن- هذه المكانة إن لم تلتزم جانب الحكمة والاعتدال كانت أداة سفه وطيش،
стр. 257
تدمر حياة صاحبها، وتفسد الحياة على من يصحبه، وسنعرض لقضية المرأة والرجل عند تفسير قوله تعالى: «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» (٣٤: النساء) إن شاء الله.
الآية: (٢٢٩) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٩]
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)
[الطّلاق وحكمته]
فى هذه الآية يبين الله الأسلوب الذي يتم به الانفصال بين الزوجين، وإنهاء الحياة الزوجية بينهما! إنه كان لا بد أن يشرّع الإسلام لهذه العلاقة التي كانت قائمة بين الزوجين، ثم طرأ عليها ما يجعل بقاءها غير ممكن، لسبب أو لأكثر من سبب! وذلك ما تسميه الشريعة الإسلامية «الطلاق» .
«والطلاق» مشتق من الإطلاق، وهو ضد الإمساك والحبس..!
وهذا يعنى أنه عمل فيه خلاص وفكاك من ضيق، ونجاة وعافية من بلاء.. وذلك حين تصبح الحياة الزوجية- لسبب أو لأكثر، من جهة الزوج أو الزوجة أو منهما معا- ثقيلة ثقل العلة القاتلة، بغيضة بغض العدو المقيم!
стр. 258
وعجيب أن ينكر بعض السفهاء على شريعة الإسلام هذا التدبير الحكيم، ويرميها- زورا بهتانا- أنها تحمل للناس هذا السلاح الذي يفصم عرى الزوجية، ويقطع أوصالها.. وذلك قطع لما أمر الله به أن يوصل! وبمفهوم هذا السفه الجهول علا صراخ بعض المتهوسين من الرجال والنساء- فى المجتمع الإسلامى- ممن يحملون- كذبا وادعاء- رايات الإصلاح، ويدّعون- زورا وبهتانا- أنهم صوت العصر، ووجه المدنية والحضارة! نعم، علا صراخ هؤلاء المتهوسين من الرجال والنساء، يتهمون الشريعة الإسلامية، بأنها تفرض على المرأة فى القرن العشرين، أسلوب الحياة البادية فى عصر الجاهلية الأولى، إذ تعطى الرجل هذا الحق الذي يتحكم به فى حياة المرأة بكلمة واحدة، يرسلها من فمه فإذا هى بالعراء، منبوذة نبذ النواة، وإذا هذا العش الذي كانت تأوى إليه، وتجد فيه السكن والاستقرار قد عصفت به عاصفة مدمرة، فذهبت به، وبددت شمله الجميع! وكذبوا وضلّوا! فما جاءت شريعة الإسلام هنا إلا بالدواء الناجع، والرحمة الراحمة لحياة مريضة، وداء عضال، لا يجد أصحابه للحياة طعما، ولا للراحة سبيلا..!
إن الشريعة الإسلامية لم تفرض الطلاق فرضا، ولم تجعله واجبا يؤديه الرجال ابتغاء المثوبة والرضوان.. بل هو فى شريعة الإسلام أمر كريه مبغّض، لا يجيئه المرء إلا مكرها، ولا يلجأ إليه إلا مضطرا.. وحسبه شناعة وضلالا أن يقول فيه النبي الكريم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» .
فالأصل فى شريعة الإسلام أن تقوم الحياة الزوجية بين الزوجين على
стр. 259
أساس الاستمرار والدوام إلى آخر العمر المقدّر لها.. ما دامت الحياة تجرى بهما فى مجراها الطبيعي، وما دام الوفاق والإلف بينهما قائما.. وليس يعقل- والأمر كذلك- أن تجىء شريعة- سماوية أو وضعية- فتدعو إلى الفرقة بين الزوجين، ولو فعلت- ولن تفعل- لما وجدت من يسمع أو يجيب! ولكن هل من طبيعة الحياة أن تلزم الأزواج- فى جميع الأحوال، وعلى امتداد الأزمان- أن يجمعهما الوفاق وألا يقع بينهما خلاف، وألا يتحول هذا الخلاف إلى عداوة، ثم لا تكون هذه العداوة جحيما يحترق به الزوج والزوجة معا؟
وإذا كانت الحياة بين الأزواج والزوجات- فى غالبيتها وعمومها- تسير فى مجرى طبيعى من مبدئها إلى نهايتها، فهل يمنع هذا من أن تكون هناك- وفى أعداد غير قليلة- علاقات زوجية مفككة الأوصال، واهية العرى، تنعقد على سمائها سحابات ممطرة دائما بشتى الآلام وصنوف العذاب؟
إن ذلك أمر واقع لا ينكره أحد، حتى أولئك الذين يصرخون فى وجه الشريعة الإسلامية، من غير المسلمين أو المحسوبين على الإسلام، وينددون بأحكام الطلاق فيها.. وإن كثيرا منهم- من رجال ونساء- عاشوا فى هذه التجربة، أو هم يعيشون فيها، ولكنهم مع هذا يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم! ونسأل: ماذا يكون الرأى والتدبير فى أمر هذا الخلاف الذي يقع بين زوجين، فيحيل حياتهما على هذا النحو الذي رأيناه؟ أيتركان هكذا يكيد كل منهما كيده لصاحبه؟ أيقطعان الحياة معا فى هذا الصراع الظاهر والخفي، حتى يقضى أحدهما على صاحبه؟ وماذا يظن بأخوين استحكم بينهما الشر
стр. 260
فالتقيا بسيفيهما، يريد كل منهما أن يقتل الآخر، وهما فى مكان مطبق عليهما وليس لهما من منفذ ينفذان منه؟ إنه لا بد أن تقع الجريمة، وتزهق روح أو روحان! وشواهد هذا كثيرة فى محيط الجماعات التي حرّمت الطلاق.. فما أكثر المآسى والفواجع، وما أكثر الويلات والمصائب التي امتدت آثارها فجاوزت الأزواج إلى المجتمع كله، وأشاعت فيه الفساد والانحلال، وأقامت الحياة الزوجية على دخل وفساد ونفاق!! وما كان لشريعة الإسلام- وقد جاءت لتسع الحياة الإنسانية كلها، فى امتداد أزمانها- ما كان لشريعة الإسلام- وتلك رسالتها- أن تغمض العين عن هذا الواقع من الحياة، وأن تدع داء كهذ الداء يأكل الناس فى غير مرحمة، ويقيم فى المجتمع صداعا حادا تتصدع به الأخلاق، وتفسد معه الضمائر، وتروج به سوق الكذب والنفاق! فكان عن تدبير الشريعة الإسلامية الحكيم أن رصدت لهذا الداء الذي يدخل على الحياة الزوجية ويفسد المشاعر التي بين الزوجين- الدواء الناجع، وهو فصم تلك الحياة بالطلاق، وإطلاق كل من الزوجين من هذا الوثاق الذي يشدّهما، والذي كان يوما ما داعية بهجة ومسرة، فأصبح سبب عذاب وبلاء! إن «الطلاق» شرّ.. ولكنه شر لا بد منه، إذ يدفع به ما هو أكثر منه شرا.. والشرّ حين يدفع به شر أعظم منه يكون رحمة، ونعمة!
وبعض السمّ ترياق لبعض ... وقد يشفى العضال من العضال
стр. 261
هكذا ينظر الإسلام إلى الطلاق.. إنه أمر مكروه، ولكنه مع كراهيته قد يركبه المرء مضطرا ليسلم، ولو بفقد عضو عزيز عليه من أعضائه! يقول نبىّ الإسلام صلوات الله وسلامه عليه: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» فهو- مع أنه رخصة- بغيض كريه، لا يقدم عليه المرء إلا مضطرا، ولا يتناوله إلا مكرها، شأنه فى هذا شأن المحرمات التي أباحتها الشريعة فى أحوال الاضطرار، كالخمر، والميتة والدم، ولحم الخنزير، وغير ذلك مما تتقذره النفس وتعافه- فإنه عند المخمصة، وتعرض الإنسان للهلاك، قد أبيح أكلها، والأخذ منها بالقدر الذي يحفظ الحياة، ويدفع التلف.. والله يقول: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ذلك هو «الطلاق» فى شريعة الإسلام، دواء مرّ، يطبّ به لداء موجع، وطعام خبيث، يدفع به جوع قاتل! وإذا كان بعض الجاهلين والحمقى، وذوى الجرأة على دين الله، قد ترخّصوا فى هذه الرخصة، واستخفوا بأمر الله فيها، فجاوزوا الحدود، واستباحوا الحرام فى غير اضطرار، فليس ذلك بالذي يحسب على الإسلام ولا بالذي يشوّه من جلال أحكامه، وينال من حكمة شريعته.. فالتشريع شىء، والمشرّع له شىء آخر إذ ليس هناك من قوة تحجز الناس عن مخالفة الشرع، ومجاوزة حدوده! «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (٢٩: الكهف) إنّ أكثر الذين ينظرون إلى «الطلاق» وتعلوا صيحاتهم فى وجهه، لا ينظرون إليه فى الشريعة التي حملته وحددت حدوده، ورسمت معالمه، وإنما ينظرون إلى من جهلوه، أو تجاهلوه، فعبثوا به، واتخذوا دينهم لهوا
стр. 262
ولعبا، فطلقوا فى غير حرج أو تأثم، وفى غير اضطرار لدفع بلاء، والتماس نجاة وعافية!.
وقد نبهت الشريعة فى أكثر من موضع إلى قداسة الحياة الزوجية وحرمتها، وعملت على تغذية المشاعر الإنسانية بين الزوجين، بآدابها وأحكامها، وجعلت من الزوجين كيانا واحدا، يغتذى من نبع واحد، هو المودة والرحمة.. فقال تعالى: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (٢١: الروم) وقال سبحانه: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» (١: النساء) .
ويتجه الإسلام إلى الأزواج الذين فى أيديهم عقدة النكاح فيدعوهم إلى الصبر والأناة، واحتمال ما يقع من مكروه فى الحياة الزوجية، رجاء أن ينجلى هذا المكروه، وتنقشع سحبه، ويعود إلى الحياة الزوجية صفاؤها، وجمالها، بل ربما كان هذا المكروه هو ضرورة لازمة لتلك الحياة، حيث تنصر فيه الآلام، وتشتد العزائم، وينكشف لكلا الزوجين معدن صاحبه، وربما تكشف عن جوهر نفيس، كان خافيا فى ظلال هذه الحياة الساكنة، فلما ماجت أمواجها بين مد وجزر، ظهر ما كان يكمن فى أطواء النفس من خير كثير.. وفى هذا يقول الله تعالى مخاطبا الأزواج فى شأن النساء:
«وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» (١٩: النساء) .
فأى عدل بعد هذا العدل؟ وأي رحمة بعد تلك الرحمة؟ فى هذا التشريع السماوي الذي لا تقوم الحياة الزوجية على دعائم سليمة إلا إذا كانت تلك
стр. 263
الشريعة شأنا من شئونها، وحالا من أحوالها، ودواء عتيدا، يستطبّ به عند الحاجة، ويؤخذ منه بالقدر المطلوب.. جرعة، جرعة، فإن ذهب هذا الدواء بالداء فى المرة الأولى، لزم التوقف والإمساك، وإلا كانت الجرعة الثانية، فإن كان فيها الشفاء، وإلا فالثالثة، ولا بعدها! فقد عظم الداء ولا أمل فى الشفاء! وقوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» بيان لإجراء عملية الطلاق.
وكلمة الطلاق: لفظ ينطق به الزوج فى مواجهة الزوجة أو بعلمها به علما متيقنا نافيا للظن، مرادا به فصم عرا الزوجية.. وكل لفظ يؤدى هذا المعنى هو طلاق.. أما إذا وقع على غير تلك الصورة فلا يعتدّ به، ولا يحمل على محمل الجدّ فى فصم علاقة أراد الله لها الاستقرار والتمكين.
ثم هو «مرّتان» أي عمليتان، أو عملية على مرحلتين.. ومن هنا كان القول بالطلاق جملة فى لفظة واحدة، قولا بعيدا عن منطوق الآية، مجانبا الصواب والحكمة اللذين هما مناط كل حكم من أحكام الشريعة.
ولفظ «مرّتان» دال دلالة صريحة فى منطوقه ومفهومه على التكرار، مرّة ثم مرة.. وإذا طلق الرجل للمرّة الأولى، فإنه يدخل فى تجربة نفسية وروحية وجسدية لأول مرة فى حياته مع المرأة التي اتخذ هذا القرار بشأنها.
وفى هذه التجربة تعرض له خواطر وصور، وربما امتد نظره فرأى طريقه موحشا مقفرا بغير هذا الرفيق الذي كان يصحبه، وهنا كان من حكمة التشريع أن أعفاه من مغبة هذه التجربة، فجعلها له، يتعرف بها على ما هو مقدم عليه، فيقدم أو يحجم، بعد اختبار وتجربة..
стр. 264
وللمرأة ما للرجل فى هذه التجربة، إذ تعرف حالها بعد هذا الموقف، وتدبر أمرها على ضوئه، وربما كان فى سلوكها وعنادها ما حمل الزوج على أن يقدم على هذا الذي أقدم عليه، فتراجع نفسها، وتصلح من أمرها، وتسترضى زوجها.. فيكون الوفاق والوئام!.
وللمرأة والرجل معا خير كثير فى هذه المهلة. ذلك أنه إذا لم يكن عندهما من الرأى والحكمة ما يجمعهما على الوفاق، كان فى نصح الناصحين لهما من الأهل والأقارب والأصدقاء، ما يبصرهما بالخير، ويكشف لهما ما غاب عنهما من رشد، وما عزب من رأى.
هذه مرحلة أولى، من مراحل الطلاق، وللرجل أن يراجع زوجه خلال فترة العدة، فإذا انتهت العدة دون مراجعة بانت منه زوجه بينونة صغرى، وصارت المرأة أجنبية عنه، لا تحلّ له إلا بعقد ومهر جديدين، برضاها أو رضى وليّها.
وسواء أعاد الرجل زوجه إليه بالمراجعة، أو بعقد ومهر جديدين، فقد حسبت عليه تطليقة.. فإذا عاد الرجل وطلق هذه الزوجة مرة أخرى.. كان له أن يراجعها ما دامت فى العدة، فإذا انتهت العدة دون مراجعة صارت المرأة أجنبية عنه، وكان له أن يعيدها إليه بعقد ومهر جديدين، وبرضاها أو رضا وليها أيضا.. وحسبت عليه تطليقة أخرى.. أي أنه يكون فى تلك الحال قد أوقع على زوجه تلك، تطليقتين! وهنا تصبح الحياة الزوجية بينهما واقعة تحت الحكم الوارد فى قوله تعالى:
«فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» .. حيث كان ما جرى بين الزوجين غاية ما يمكن أن يصلح به شأنهما، إن كان هناك سبيل للإصلاح والاستقرار! بمعنى أنه إذا طلق الزوج زوجه هذه، بعد ذلك، كان هذا الطلاق خاتمة المطاف فى تلك الدورة للحياة الزوجية بينهما، وتصبح المرأة بمجرد وقوع هذا الطلاق
стр. 265
محرّمة عليه، بائنة بينونة كبرى، فلا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره ثم يطلقها ذلك الزوج، أو يموت عنها، وتنتهى عدتها وهذا ما يقرره قوله تعالى:
«فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.. الآية» والمراد بالطلقة هنا، الطلقة الثالثة.
وقوله سبحانه: «وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» .
بعد أن بيّن الله الطريق الذي يسلكه أولئك الذين تنتهى حياتهم الزوجية بالطلاق- بيّن أسلوب العمل فى تسوية ما بين الزوجين من علاقات مادية، كانت قائمة بحكم الرابطة الزوجية بينهما.
فهناك المهر الذي قدّمه الرجل للمرأة، وهو ملك خالص للمرأة للدخول بها، ولا يحق للرجل أن يسألها شيئا منه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى «وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» ولكن قد تكون المرأة متضررة بالحياة الزوجية، كارهة لها، غير محتملة أعباءها، والرجل حريص عليها، محبّ لها.. هو يريدها وهى لا تريده.
وأما وقد أصبحت الحياة الزوجية على هذا الوضع المضطرب القلق، وأما والمرأة هى صاحبة المصلحة المحققة فى قطع هذه الحياة الزوجية، فإنه لا بأس من أن تفتدى نفسها بشىء مما فى يدها من المهر الذي قدمه الزوج لها.. وفى هذا الذي يأخذه الرجل منها، تعويض له عن بعض ما ذهب منه، على حين تنال المرأة خلاصها، وتدير وجهها على الوجه الذي تحب.. وهذا ما يشير إليه الاستثناء الوارد على الحكم فى قوله تعالى: «تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً.. إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» .
والحياة الزوجية المضطربة لا يمكن أن تظل هكذا وتقام فيها حدود الله.
стр. 266
وإنه لا جناح على كل من الرجل والمرأة أن يتصالحا على فدية تقدمها المرأة ليفصما بها علائق الزوجية وهذا ما يسمّى بالخلع.
وعلى هذا فإنه يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق، وأن تجاب إلى هذا الطلب إذا نزلت للزوج عن مهرها.
وقد طلق رسول الله ﷺ «جميلة» امرأة الصحابي الجليل «قيس بن ثابت» .. ففى الحديث أن جميلة امرأة قيس بن ثابت جاءت إلى النبىّ ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، لا أجد فى قيس بن ثابت عيبا من خلق أو إيمان، ولكنى لا أجد فى طوقى مجاراته «١» ، فسألها النبىّ ﷺ : «هل تعيدين إليه حائطه؟ «٢» » فقالت: نعم.. فأمر النبي بردّ الحائط إلى قيس بن ثابت، وتطليقها! وقوله تعالى «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» تنبيه إلى أن هذه الأحكام قائمة داخل حدود الله، وأن التزامها واجب، وأن مجاوزتها هو عدوان عليها.. «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»
آية: (٢٣٠) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٠]
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
стр. 267
بينت الآية السابقة حدود الطّلاق، وأنه مرّتان تنتهى بعدهما علاقة الزوجية بين الزوجين، ويصبح كل منهما أجنبيا عن الآخر، وقد أشارت الآية السابقة أيضا إلى ما انتهى إليه الموقف بعد هذا، فقال تعالى «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» أي رجعة بعقد ومهر جديدين، أو التطليقة الثالثة.
وفى هذه الآية يبين الله تعالى الموقف بين الزوجين بعد أن ينتهى الأمر بينهما إلى التطليقة الثالثة، حيث يقول سبحانه: «فَإِنْ طَلَّقَها» أي الطلقة الثالثة- لفظا أو حكما- «فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» أي تصبح هذه المرأة أكثر من أجنبية عنه، فليس له أن يتقدم إلى خطبتها إلا بعد أن تتزوج غيره ثم يطلقها ذلك الغير، ثم تنقضى عدتها من ذلك الغير، وعندئذ فقط يحلّ له أن يخطبها، بعقد ومهر جديدين.
وقوله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَها» أي الزوج الآخر «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا» أي يراجع كل منهما الآخر فى الزواج وإعادة الأمور بينهما إلى ما كانت عليه.. «إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ» أي إن غلب على ظنهما أنهما سيعودان إلى الحياة الزوجية السليمة، بعد أن يعزلا عنها ما كان سببا فى الخلاف الذي نجم عند الانفصال بينهما، فتقوم الحياة الزوجية بينهما على الحدود التي رسمها الله للزوجين.. «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» فيفيدهم العلم ويعملون به، ويقيمون سلوكهم عليه.
وفى قوله تعالى: «حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» فوق أنه تأديب للزوج، فيه إثارة لحميته، وبعث لغيرته أن تصبح هذه التي كانت زوجا له وحرما غير مباح من حرماته- أن تصبح ليد غيره، حمى مستباحا له، محرّما على غيره، وعلى هذا الذي كانت له من قبل.. وفى هذا ما يبعث فى الزوج رغبة فى إمساكها قبل
стр. 268
أن تخرج من يده فيراجعها قبل الطلقة الثالثة.. ولا شك أن هذا الموقف له أثر كبير فى الحرص على الحياة الزوجية، وفى حمل الأزواج على مراجعة زوجاتهن، إن لم يكن ذلك فى كل الأحوال، فهو فى كثير منها.
الآية: (٢٣١) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣١]
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)
أشار فى الآية (٢٢٩) فى قوله سبحانه: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» إلى الموقف الذي ينبغى أن يلتزمه الرجل من زوجه إن طلقها للمرة الثانية، وهو إما أن يمسكها على نية خالصة وقلب سليم، ورغبة صادقة فى أن يقيم الحياة الزوجية معها كما أمر الله، من إحسان ومودة، وإما أن يرسلها ويخلى سبيلها، لتستقبل حياتها الجديدة كما تريد.
وفى هذه الآية تحذير آخر للأزواج، وما تنعقد عليه قلوبهم تجاه الزوجات اللائي طلقن الطلقة الثانية.. إذ الزوجة فى تلك الحال صالحة لأن يراجعها زوجها، وأن يعيدها إليه بعقد ومهر جديدين، وقد تستجيب الزوجة لهذا وفى ظنها أن رجلها قد عاودته الرغبة فيها وفى السّكن إليها، وقد يكون الرجل على نية غير هذا، إذ يعيدها إليه للمضارّة بها، وليخضعها لضروب من الضرّ
стр. 269
والأذى.. وهذا مما لا يعلمه إلا الرجل وحده.. فجاء قول الله سبحانه: «وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» خطابا موجها إلى ضمائر الرجال، وما انطوت عليه، وما بيتته من خير أو شر فى إمساك زوجاتهن، فالله مطلع على السرائر، لا تخفى عليه خافية، فمن بيّت الشرّ، ورمى بالضرّ والأذى، فقد ظلم نفسه، ووضعها موضع الحساب والعقاب: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» لأنه عبث بآيات الله، واتخذ الرخصة التي جعلها الله له فى مراجعة زوجه والتي من شأنها أن تصلح ما أفسد- اتخذها وسيلة لمزيد من الإفساد.
قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ» ونعمة الله هنا هى المرأة التي جعلها الله سكنا لزوجها، ومن تمام هذه النعمة أن أتاح الله المزوج فرصة مراجعتها وإمساكها بعد أن قطع حبل الزوجية مرة ومرة، فإذا أعادها إليه فليذكر أنها نعمة فى يده، فلا يطلقها من يده مرة أخرى!!
الآية: (٢٣٢) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٢]
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
فى الآية السابقة (٢٣٠) نبه الله الأزواج الذين طلقوا للمرة الثانية وأرادوا مراجعة زوجاتهن- أن يكونوا جادّين فى مراجعتهنّ، يريدون منها الخير والإصلاح، وإلا فقد تعرضوا لغضب الله وباءوا بسخطه.
وفى هذه الآية يحذر الله سبحانه أولياء هؤلاء المطلقات من أن يكونوا
стр. 270
حجر عثرة فى طريق المراجعة بين المطلقة ومطلقها، وأن يمسكوا المطلقات عن أن يعدن إلى أزواجهن مرة ثانية بعقد جديد ومهر جديد، فإن فى هذا إضرارا بالزوجة من حيث يقدّر وليّها أنه إضرار بالزوج وحده.. فإذا تراضى الزوجان وقدرا أنهما قادران على بناء الحياة الزوجية من جديد، كان على وليّها أن يستجيب لهذه الرغبة.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» .
وقوله تعالى.. «ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» تنبيه لأولياء الزوجات إلى ما قضى الله به فى هذا الموقف. وهو قوله: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» وقوله:
«فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ» فمن آمن بالله واليوم الآخر لم يكن له أن يعطل حكما من أحكام الله، وأن يقيم لذلك المعاذير الواهية والعلل الكاذبة.
وقوله سبحانه: «ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ» إشارة إلى الوقوف عند حدود الله وأحكامه فى موقف الأولياء من المطلقات اللاتي يرغب أزواجهن فى مراجعتهن، ثم هو من جهة أخرى لفت لهؤلاء الأولياء إلى أن مراجعة الزوج لزوجه وإمساكها فى بيت الزوجية خير لها من أن تعيش من غير زوج أو أن تتزوج رجلا آخر، ففى الحالة الأولى لا تكون المرأة بمأمن من أن تزلّ وتنحرف، وفى الحالة الثانية تنكشف المرأة لرجل آخر، وهو وإن كان حلالا مباحا إلّا أن فيه شيئا ما يخدش به حياء المرأة الحرة، ويتأذى منه وليّها الرجل! وخير من هذا كلّه أن تعود المرأة إلى زوجها الذي عرفها وعرفته! «ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» أي أن الله سبحانه يعلم من عواقب الأمور ما لا تعلمون، وأن عضل المطلقة التي ترغب فى العودة إلى زوجها يخفى وراءه أضرارا ومآثم لا يعلمها إلّا علام الغيوب.
стр. 271
الآية: (٢٣٣) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٣]
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)
التفسير: بيّن الله فى الآيات السابقة أحكام الطلاق وحدوده، والأخلاقيات التي ينبغى رعايتها فيه.
وفى هذه الآية يبيّن الله أحكام الرضاع، لمن كان ثمرة الحياة الزوجية من بين وبنات.
والوالدة هى التي تتولى إرضاع ولدها، إذ هى أولى به، رعاية للمولود، وصيانة لحياته، إذ كان لبن الأم وحنانها ورعايتها فى تلك المرحلة من حياته مما لم يكن ممكنا أن يعوض من امرأة أخرى غيرها.
وقد جاء هذا الحكم: «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» فى صورة الخبر ولكنه يحمل فى طياته الأمر والإلزام، فهو خبر وأمر معا، حتى لا يكون على سبيل الواجب الذي لا فكاك للمرأة عنه من جهة، وحتى لا تتحلّل منه المرأة من غير ضرورة، من جهة أخرى.. وبين هذين الموقفين يقع الحكم.
стр. 272
ثم إنه لم يجىء الأمر على سبيل الوجوب والإلزام، لأن عاطفة الأم فى غنى عن أن يعطفها على وليدها أمر، وإنها لن تتخلّى عن هذا الواجب الطبيعي إلا إذا كانت تحت ظروف أكبر من عاطفتها، فكان من تدبير الحكيم العليم أن جعل ذلك حقّا لها فى الجانب الخبرى من الحكم، وجعله أمرا متوجها إلى الآباء فى الجانب الأمرى منه!! وقوله تعالى: «حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» بيان للمدة اللازمة لفطام الصبىّ، وليس هذا التحديد على سبيل الوجوب، بل هو محكوم بتقدير حال الرضيع وحاجته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى:
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» .. وفائدة هذا التحديد ليضمن للأم حقّا فى مدة الرضاع وهى سنتان، وقد لا تكون كلها لإرضاع الوليد، ولكن لمعالجة حاله بعد فطامه، وأخذه بالحياة المناسبة له بعد الفطام، وجعلها عادة له، حتى إذا بعد عن أمّه كان من الممكن تدبير شئون حياته.
قوله تعالى: «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ» حكم على الآباء بالنفقة الواجبة للأم المرضع، فى مدة إرضاعها، وهذه النفقة هى مما يكفل للأم الحياة المناسبة من مسكن ومطعم وملبس.. على اختلاف فى النوع والقدر، حسب يسر الوالد وإعساره.
وقوله تعالى: «لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها» رفع للحرج عن الآباء فى النفقة الواجبة للأم، فلا يتكلف لها الأب ما لا يطيق، ولا يحمل منها على ما يكره.. بل يطلب منه ما يقدر عليه، حسب يسره وإعساره، وفى هذا يقول الله تعالى: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» (٧: الطلاق)
стр. 273
وقوله سبحانه: «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» بيان لقوله سبحانه «لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها» فكما لا يجوز أن يرهق الأب من أمره عسرا فى النفقة على المولود، كذلك لا يجار على حق الأم فى النفقة المطلوبة لها من والده.. فلا يكون الولد وهو نعمة من نعم الله على الوالدين، سببا فى شقاء أحدهما وتعاسته.
وقوله تعالى: «وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» أي وعلى وارث الأب أن يتكفّل فى مال مورّثه ما يكفى حاجة الأم من مسكن وملبس وطعام، بالقدر الذي يتحمله ما ورث المولود من والده، فإن يكن المتوفى لم يترك شيئا، أو ترك ما لا يكفل حاجة الأم، كان على وارثه القيام بهذا من مالهم، حسب درجتهم فى القرابة، وحسب يسرهم وعسرهم.
وقوله تعالى: «فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما» أي إن أراد الوالدان فطام الصبىّ قبل عامين فلا جناح عليهما بعد أن يتشاورا ويتراضيا على ما فيه من مصلحة المولود.
قوله تعالى: «وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ» أي وإن أردتم أن تطيلوا مدة الرضاعة بعد العامين، وذلك لما يبدو من حال الطفل ومن حاجته إلى التغذية بيد أمه، كما كان يتغذى من ثديها.. فلا حرج فى هذا.
فكلمة استرضاع تشير إلى مدّ فترة الرضاع، وذلك بكثرة حروفها، وامتداد جرسها.. ثم إنها تفيد لونا آخر غير الرضاعة المعروفة، وإن كان من جنسها، وطبيعتها! وقوله تعالى: «إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ» أي لا جناح عليكم أيها
стр. 274
الوالدون أن تطيلوا مدة الاسترضاع إذا أديتم ما وجب عليكم من كفالة حاجة الأم، أداء لا حيف فيه، ولا مطل معه.
وقوله سبحانه: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» تذكير بالله فى هذه المقامات، لرعاية أحكامه، وتوقيرها، والوفاء بها، فإن عين الله الله لا تغفل، وعلمه لا بعزب عنه شىء!
الآية: (٢٣٤) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٤]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)
التفسير: هذا حكم المرأة المتوفى عنها زوجها فى عدتها، فتعتد أربعة أشهر وعشر ليال.. هذا إذا لم تكن حاملا وامتد حملها إلى ما بعد هذا الأجل، فعدتها حينئذ وضع حملها.
والخطاب هنا موجه للأزواج الذين يتوفون ويتركون زوجات لهم..
فكيف يخاطب الأموات؟
والسر فى هذا هو بعض إعجاز القرآن الكريم، ذلك الإعجاز الذي تحمله كل كلمة من كلماته، بل وكل حرف من حروفه.
فهذه العدة التي تعتدها المتوفّى عنها زوجها إنما هى رعاية للحياة الزوجية التي انقطعت بموت الزوج، وهى توقير لقداستها وحرمتها.. ومن حق هذه الحياة أن تظل حية فى نفس الزوجة، وأن يظل الزوج المتوفى ماثلا فى خيالها، حاضرا فى خاطرها! ثم إنها- أي العدة- من جهة أخرى مجاوبة لمشاعر أهل الزوج، ومشاركة عملية فى الأسى على فراقه.
стр. 275
من أجل هذا كان حكم العدة هنا موجها إلى المرأة فى مواجهة الزوج، وكأنه حاضر يشهد مدى رعايتها للعلاقة التي كانت بينه وبينها.
ولهذا ينبغى للمرأة خلال هذه العدة ألّا تتزين زينتها للزوج، وألا يبدو منها ما ينم عن نسيانها لهذه الذكرى، فذلك أقل ما يجب أن يكون منها! وللزوجة على الزوج مثل هذا الحق، وإن لم توجبه الشريعة حكما، فقد أشارت إليه من طرف خفى، فى هذا الحكم الذي فرضته على الزوجة فى مواجهة زوجها، إذ حين يرى الزوج أن زوجه سوف تلتزم بنوع من الأسى عليه والحزن لفراقه، يجد فى نفسه مثل هذا الشعور نحوها حين تسبقه هى إلى الدار الآخرة.
والأمر فى ذاته ليس فى حاجة إلى تشريع، ولكن لما كان بعض المتوفّى عنهن أزواجهن يذهب بهن النزق والطيش إلى قطع علائق الزوجية وآثارها من أول يوم يغيب فيه الزوج عن شخصها، وفى ذلك ما فيه من اعتداء على حرمة تلك الرابطة المقدسة، واستخفاف بشأنها، الأمر الذي إن ترك هكذا سرت عدواه فى المجتمع، وصار تقليدا سيئا، يدخل الضيم على العلاقات الزوجية، ويذهب بجلالها! فكان لا بد من وضع حد لهذا الاستهتار، حماية الحياة الزوجية منه، حتى بعد انقطاعها.
وقوله تعالى: «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» بيان للجانب الآخر من جانبى المرأة وموقفها من الرجل بعد موته- فإنه كما تكون هناك بعض الزوجات غير آبهات إلى فقد الزوج، ضائقات بهذه العدّة التي فرضتها الشريعة عليهن، فإن بعضهن لأخريات قد يذهب بهن الأسى والوحشة، إلى زمن أبعد من هذا الزمن، الذي حددته العدة لهن، فتظل
стр. 276
عاما أو أعواما تحيا فى ذكرى زوجها الذي ذهب، وإنه لا حرج عليها فى هذا إذا هى وقفت فى ذلك الحزن والأسى عند الحد الذي لا يخرج عن المعروف المعقول.
وفى قوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» قد يكون الخطاب للأزواج الغائبين ليذكر الزوجات اللاتي يخرجن بهن الأسى والحزن عن حد الاعتدال أنّ فى هذا أذى للزوج، تتأذى به روحه التي تدرك الزوجة أنها قريبة منها، وقد يكون خطابا لأولياء الزوجات على نحو ما هو خطاب للأزواج المتوفّين! وفى قوله تعالى «بِالْمَعْرُوفِ» ضبط لمشاعر المرأة التي قد يستبد بها الحزن على زوجها إلى حد التلف.. وهذا شعور غير محمود، بل الشعور المحمود هو القائم على حدود المعروف من الطبائع البشرية فى مثل تلك الحال!
الآية: (٢٣٥) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٥]
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)
التفسير: أباح الله للرجال الذين يرغبون فى زواج النساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن وهنّ فى العدة- إن يعرّضن بخطبتهن تعريضا لا تصريحا، وهذا من الرحمة واللطف بالمرأة، فهى وإن كانت فى فترة العدة إلا أنها مطلقة إطلاقا تاما من عقدة النكاح، ليس لزوجها المتوفى عنها
стр. 277
متعلّق بها، إلا هذه العدة التي تعتدها رعاية للرابطة الزوجية التي بينها وبينه، واستبراء لرحمها منه.. وهذا لا يمنع من أن تكون موضع نظر من يريد الزواج منها.. فقد يكون من العزاء لها أن تجد فى فترة الحزن والوحشة أملا يجىء إليها فى صورة زوج منتظر، بعد انقضاء عدتها! وإنه لكى لا يدخل على هذه العدة ما يجرحها ويذهب بحكمتها، فقد أبيح للرجل أن يعرّض بخطبة المعتدة لوفاة ولا يصرح بهذه الخطبة، فهذا التصريح يقضى على كل أثر لهذه العدة.
وإنه لخير من هذا أن يضمر الرجل فى نفسه خطبة المعتدة لوفاة.. فذلك ما لا حرج فيه، ولا إثم فيه! وقوله تعالى: «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» أي علم الله أنكم لا تقدرون على كتمان ما فى أنفسكم، وسيجرى ذكرهن على ألسنتكم، وقد تجاوز لكم عن ذلك، ولم يبح لكم لقاءهن والتحدث إليهن فى تكتم وخفاء، فذلك مما يثير الشكوك والريب، ويجعل لألسنة السوء مقالا، فإذا كان لكم معهن حديث فليكن حديثا مشهودا ممن يؤتمن عليه، فيعرف ما يقال، ولا يدع سبيلا إلى قالة سوء.
وقوله تعالى: «وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» المراد بالكتاب هنا ما كتب على المرأة من عدّة، وأجل الكتاب عمره ومدته.. والآية تنهى عن المعالنة الصريحة، واتخاذ ما يدل على القطع بالرابطة الزوجية التي ستكون بين المعتدة المتوفى عنها زوجها وبين من يرغب فى الزواج منها، فذلك من شأنه- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- أن يفسد الحكمة من هذه العدة، ويقضى على مظهر الرعاية لحرمة المتوفّى ولمشاعر أهله!
стр. 278
وقوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» رصد لما فى النفوس من وساوس وخواطر، ونيات منعقدة على الخير أو الشر، ومبيتة للإخلاص أو الخداع.. فالله مطلع على كل شىء، مجاز على كل شىء.. فليحذره أولئك الذين يدبرون السوء، وينوون الغدر..
وفى قوله سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» دعوة إلى التسامح والمغفرة فى تلك الهنات التي تبدو من الزوجة، ووصاة بحمل هذه الهنات على محمل حسن، وألا يبادر المطلعون على هذه الهنات بإصدار أحكام الاتهام..
ولينظروا إلى مغفرة الله التي وسعت ذنوبهم. وإلى حلمه الذي أمهلهم فلم يمجل بأخذهم بها!
الآية: (٢٣٦) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٦]
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)
التفسير: تبين الآية الكريمة هنا حكم المرأة غير المدخول بها، وغير المسمى لها مهر، إذا أريد طلاقها. وأن شأنها فى الطلاق شأن المرأة المدخول بها والمسمى لها مهرا، فللزوج أن يطلّق إذا لم يكن له بد من الطلاق! وللمرأة المطلقة هنا نصف مهر مثلها، منظورا فيه إلى يسار الرجل وإعساره، فذلك مما يخفف عن المرأة من تلك الصدمة، ويضمد جراحها.
وفى قوله تعالى: «مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ» ما يشير إلى تلك
стр. 279
المواساة، التي ينبغى أن يسمح بها الرجل فى كرم ورضى، وأن يستدعى لها مروءته، ورجولته، ودينه، فلا يطعن المرأة هذه الطعنة، ثم لا يمد لها يد الرحمة والمواساة! إذ ليس ذلك من الإحسان فى شىء، والنبىّ الكريم يقول فى قتل الحيوان المؤذى: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» ! فكيف بإنسان؟
الآية: (٢٣٧) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٧]
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)
التفسير: إنّها المتعة المفروضة للمرأة المطلقة قبل الدّخول بها ولكن قد سمّى لها مهر! فلها نصف المهر المسمّى، للاعتبارات التي أشرنا إليها فى الآية السابقة.
وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» إشارة إلى أن هذا الحكم لا يمنع التراضي بين الزوجين، فإنه- مع هذا- يجوز للمرأة أن تنزل عن حقّها فى نصف المهر، فقد تكون فى سعة، ويكون الزوج فى حال يضيره فيه المهر الذي قدمه، فتعيده إليه، واضعة فى اعتبارها- إلى هذا الاعتبار- أن الزوج لم ينل شيئا منها، وأنه ربما اضطر إلى الطلاق لظروف خارجة عن إرادته.. فكان هذا الفضل منها داعية إلى الحفاظ على الروابط الإنسانية بينه وبينها، وبين أهله وأهلها، وربما كان ذلك داعيا إلى حسن الأحدوثة عنها والرغبة فيها من زوج آخر.. ولولىّ المرأة مثل هذا الحق الذي لها فى التنازل
стр. 280
عن نصف المهر المسمّى. «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» .
وقوله تعالى: «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» خطاب للأزواج، وتحريض لهم على التنازل عن نصف المهر من جهتهم، فتذهب المرأة بالمهر كلّه، وذلك على سبيل التسامح والتفضل.
وبين التسامح من جهة الزوجة أو وليها، والتسامح من جهة الزوج، يلتقى الطرفان على طريق سواء، لا مشاحّة فيه، ولا كيد، ولا عداوة، فيفترقان من غير أن تتصدع روابط الإنسانية فى مجتمعهما الأسرىّ، الذي هو أساس البناء للمجتمع كله.
وقوله تعالى: «وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» دعوة للطرفين معا أن ييسّرا ولا يعسّرا، وأن يحسنا ولا يسيئا، فذلك هو الأقرب إلى التقوى، والأليق بالمتقين: «إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» فيجازى الفضل بالفضل والإحسان بالإحسان، أضعافا مضاعفة: «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» .
الآية: (٢٣٨) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٨]
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨)
التفسير: الدعوة إلى الصّلاة فى هذا المقام استحضار للدعوة الإسلامية كلها، وتذكير بالله، وبجلاله وعظمته ورحمته، وبما يبعث هذا التذكير فى نفس المؤمن من استجابة لأوامره، وامتثال لأحكامه، إذ كانت الصلاة عماد الدين، وأكثر العبادات أثرا فى تثبيت مغارس الإيمان، وفى النهى عن الفحشاء والمنكر، كما يقول سبحانه: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (٤٥ العنكبوت)
стр. 281
وقد اختلف فى الصلاة الوسطى على وجوه شملت الصلوات الخمس لمفروضة كلها، حيث لم تحددها الآية.. فالصلوات المفروضة خمس، وأي صلاة منها هى وسط بين اثنتين واثنتين! وقالوا فى تعليل إشاعة الصلاة الوسطى بين الصلوات الخمس: إن ذلك من جل أن يحرص المصلّى على الصلوات جميعها، وأن يؤدى كل صلاة منها على نها الصلاة الوسطى، فيحرص على أدائها جميعها فى وقتها، ويستحضر لها مشاعره كلها.
وأقول- والله أعلم- إن الصلاة الوسطى هى الصلوات الخمس جميعها، وهى صلاة المسلمين، التي هى وسط بين الصلوات المفروضة على أهل الكتاب، كما أن الشريعة الاسلامية هى الشريعة الوسطى بين الشرائع السماوية، والأمة الإسلامية هى الأمة الوسط بين الأمم.
والعطف على الصلوات بقوله تعالى «وَالصَّلاةِ الْوُسْطى» هو عطف بيان، والتقدير حافظوا على الصّلوات وهى الصلاة الوسطى، أي الصلاة المحمودة التي رضيها الله لكم على الوجه المفروض عليكم من عدد الركعات، والركوع والسجود.
قوله تعالى: «وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ» أي استحضروا وجودكم كله عند الصلاة، وأدوها قياما فى خشوع، وخضوع، وسكون!
الآية (٢٣٩) [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٩]
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)
стр. 282
التفسير: هذا بيان لصلاة الخوف، أو الصلاة فى غير حال السكن والاستقرار، كأن يصلى الإنسان فى طائرة، أو على ظهر دابة، أو فى مواجهة عدو..
والرّجال: هم المشاة، والركبان: هم الراكبون..
فليصلّ المصلّى فى مثل هذه الأحوال ماشيا أو راكبا.. وذلك حتى لا تفوته الصلاة على أي حال كان عليها! وفى هذا ما فيه من تعظيم شأن الصلاة، والحرص على أدائها فى أي ظرف، وفى أي حال.. حيث لا رخصة تدخل عليها بالإسقاط أبدا، إلا فى حال المرأة مدة الحيض.
الآيات: (٢٤٠- ٢٤١- ٢٤٢) [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٠ الى ٢٤٢]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
التفسير: جاء فى الآية الكريمة (٢٣٤) قول الله تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» وقد قلنا إن توجيه الخطاب هنا للأزواج المتوفين يحمل دلالة على وثاقة الرابطة بين الزوجين، وقداستها، وأنها لا تنقطع بموت أحدهما.
وفى هذه الآية (٢٤٠) يجىء الخطاب أيضا إلى الأزواج المتوفّين، ليقيم
стр. 283
بينهم وبين زوجاتهن صلة ممتدة إلى ما بعد الموت أيضا، ولكنها فى هذه المرة محمولة على الرجال، كما حمل الحكم فى الآية السابقة (٢٣٤) على النساء، وهو أن يتربصن أربعة أشهر وعشرة أيام، حدادا على أزواجهن.
والحكم المحمول على الرجال هنا هو أن يكون للمرأة المقام فى بيت الزوجية مكفولة النفقة عاما كاملا بعد وفاة الزوج، لا يعرض لها أحد بإزعاج من بيت الزوجية، مادامت راغبة فى السكن إليه.
وفى قوله تعالى: «وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ» إشارة إلى أن هذه الوصية مفروضة بأمر الله، سواء أوصى بها الزوج قبل وفاته أم لم يوص، وعلى هذا نصب لفظ الوصية بهذا الأمر، على تقدير: فرضنا «وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ، مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ، غَيْرَ إِخْراجٍ» «ومتاعا» بدل من «وصية» و «غير إخراج» صفة لمتاع.
النفقة للمتوفّى عنها، زوجها
وللمفسرين رأى فى هذه الآية، وأنها منسوخة بآية المواريث، وما فرض للزوجة فيها من فريضة الربع أو الثمن.
ونقول- والله أعلم-: إنه لا نسخ فى هذه الآية الكريمة، ولا تعطيل لحكمها، وحكمتها! ونسأل: لماذا هذا النسخ وما حكمته؟ ولماذا يحمل القرآن الكريم آية كريمة، متلوة، متعبدا بها، وتحمل حكما صريحا مؤكدا موثقا. ثم تجىء آية أخرى بحكم آخر يعطل هذا الحكم، ويبقيه هكذا، يعلن فى وجه المرأة سلب حكم كان فيه خيرا لها وبرّا بها؟ أهذا مما تقتضيه حكمة الحكيم العليم، فى حال كحال تلك المرأة التي ذهب عنها زوجها، وتركها تعانى الوحدة والوحشة، وربما الفاقة،
стр. 284
من بعده؟ وإذا كان من تقدير الله ألا يكون للمرأة مثل هذا الحق، أفكان من التدبير الحكيم أن يلوّح لها بهذا البر وتلك المواساة فى آية كريمة، ثم تحرمه وتذاد عنه بآية أخرى من آيات الكتاب الكريم؟
وإذا أقمنا الآية الكريمة على تلك الموازين التي يزن بها علماء التفسير ضوابط الناسخ والمنسوخ، نجد أن أهمّ الاعتبارات التي جاء من أجلها النسخ عندهم هى:
١- التدرج فى الأحكام، رحمة بالناس، وتخفيفا عليهم، وذلك حين يكون الحكم متعلقا بعادة متأصله فى النفوس، ثم تقضى الشريعة بتحريمه، فإنها حينئذ لا نفجأ الناس بهذا الحكم مرة واحدة، بل تدخل عليهم به على عدة مراحل، فى رفق وأناة، وفى تدرج.. من الخفيف، إلى الثقيل، إلى ما هو أثقل منه، كما حدث ذلك فى تحريم الخمر والربا، على ما يقولون فى الآيات الناسخة والمنسوخة فيها، وهو ما لا نقول به، كما عرضنا له من قبل.
٢- التخفيف على الناس، مراعاة لتغير الظروف.. كما كان الأمر فى قتال المسلم عشرة من المشركين، وذلك فى أول الإسلام، فلما كثرت أعداد المسلمين، خفف الله عنهم، هذا فكان على المسلم قتال مشركين اثنين بدلا من عشرة.
٣- تغليظ الحكم لا تخفيفه، وذلك لتغير الظروف أيضا.. فلم يكن على المسلمين قتال فى أول الدعوة الإسلامية، ثم لما دخل فى الإسلام الأنصار واجتمع إليهم المهاجرون أذن الله لهم فى قتال من قاتلهم.. ثم لما قويت شوكة الإسلام ودخل الناس فى دين الله أفواجا جاء الأمر بقتال المشركين متى طالتهم يد المسلمين.
تلك هى أهم الضوابط التي رآها علماء التفسير داعية إلى نسخ ما نسخ من آيات الكتاب الكريم.
стр. 285
وإذا أقمنا الآية الكريمة- كما قلنا- على تلك الضوابط لم نجدها تستقيم عليها، أو تستجيب لها..
فما جاءت الشريعة السمحاء فى كتابها الكريم ولا فى السنّة المطهرة، بمباح ثم حظرته، ولا حملت إلى الناس خيرا ثم عادت فسلبته، ولا بسطت يدها الكريمة بإحسان ثم قبضتها.. بل العكس هو الصحيح، وهو الواقع..
ولا نسوق الشواهد لهذا.. فأمر الشريعة كله قائم على اليسر والخير والرحمة.. فما كان على غير هذه السبيل فهو مدخول على الشريعة، مفترى عليها.
وننظر فى الآية الكريمة: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ» فنرى المرأة الموصى لها- بأمر الله- بهذه الوصية، قد كانت فى ظل زوج كفل لها الاستقرار والسّكن، وأنها قد اطمأنت إلى تلك الحياة، وأنست بها، وقرت فيها.. ثم إذا هى تمسى أو تصبح فتجد الرجل الذي كان يظللها بجناحيه قد طواه الموت، وذهب به بعيدا عنها إلى غير رجعة!! فانظر ماذا يكون حالها وهى تستقبل هذا الوجه الجديد من الحياة؟ ثم ضع فى تقديرك أنها ربما تكون قد استهلكت شبابها، وصحتها، وقواها، فى هذا البيت الذي دخلته فتاة ملء إهابها الشباب والصحة والقوة.. ثم ضع فى تقديرك أيضا أن هذه المرأة- مع ذهاب شبابها واستهلاك صحتها- قد لا تكون أمّا لولد يؤنس وحشتها، ويحمى حماها، ويرعى شيخوختها.
انظر ماذا يكون من شأن هذه المرأة وقد جاءها من ورثة زوجها، عشيّة موته أو ضحاها- جاءها من يمسك بيدها لينتزعها من عشّها الذي عاشت فيه، ويقودها إلى ما بعد الباب، ثم يقول لها: «مع السلامة» ! إن رفق وتلطف،