← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

التعرف على الله، والإيمان به، وليس سبيل العقل إلى العلم والمعرفة، هو القهر والقسر، وإنما سبيله النّظر والاقتناع، فى جوّ من الحرّية المطلقة، البعيدة عن الضغوط المادية، أو المعنوية.. فالإيمان الذي يكون تحت أىّ مؤثر خارجى، يختل العقل، أو يقهره، هو إيمان مدخول، لا يطمئن إليه القلب، ولا تتأثر به المشاعر، ولا يجنى منه صاحبه ما يجنى المؤمنون من إيمانهم من ثمرات طيبة مباركة.. ولهذا كان أمر الله إلى نبيه الكريم بأن تكون دعوته قائمة على هذا المنهج الذي يمثّل الكمال كلّه فى غرس المعارف، وتربية النفوس: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» .. ومن الدعوة بالحكمة مراعاة مقتضى الحال، ومخاطبة كل قوم بما يعرفون، وأخذهم بالرفق والتلطّف، واختيار الوقت المناسب للموعظة التي يراد وعظهم بها، حتى تتقبلها النفوس، وتنتفع بما فيها من خير.. إن الرسول طبيب يحمل الدواء إلى العقول، والقلوب، والأرواح.. ومن هنا كانت مهمته عسيرة شاقة، يحتاج معها إلى بصيرة نافذة، تتدسس إلى خفايا النفس الإنسانية، وتضع يدها على موطن الداء. ثم تختار من الدواء ما يشفى العلة، ويذهب بالداء.. وقوله تعالى: «وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» هو بيان لمرحلة من مراحل الدعوة، وهى المرحلة التالية، للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.. فالرسول مطالب بأن يعرض دعوته فى أسلوب من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا تقبّل المدعوّون دعوة الرسول فى هذا الأسلوب، من غير عناد أو جدال، فذاك، وإن كان من المدعوين عناد وجدال، فلا يلقى النبىّ المعاندين المجادلين، معاندا

стр. 2837

مجادلا، فذلك من شأنه أن يعمّى على الحق، وأن يسدّ المنافذ الموصلة إليه، وإنما على الرسول أن يلقى جدال المجادلين بالحسنى، وأن يصرفهم عن هذا الجدل العقيم، إلى ما هو أجدى وأنفع لهم.. وقد أرى الله النبىّ المثل الأمثل فيما يلقى به المجادلين، حين أجاب عن سؤال إلى المشركين عن الأهلة، فقال تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ.. قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ» (١٨٩: البقرة) ففى هذا الجواب الحكيم، دعوة للمشركين أن ينصرفوا عن هذا الجدل العقيم حول الأهلة، وكيف تبدو صغيرة، ثم تكبر، ثم تعود صغيرة- إلى ما فى هذه الأهلة، ودورتها، من آثار يتعرفون بها المواقيت لأمور الدين والدنيا جميعا.. ذلك هو الجدل بالتي هى أحسن وأقوم.. وعلى هذا المنهج ينبغى أن يكون جدل النبىّ، فى كل موقف يكون بينه وبين المشركين أو الكافرين، جدال.. وقوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» - هو تهديد لأولئك الذين يجادلون بغير علم، ولغير غاية، إلا المراء والإعنات.. فالله أعلم بهؤلاء الضالين عن سبيله، لا يجتمعون مع المهتدين، ولا ينزلون منازلهم، بل يعزلون عنهم، ويلقى بهم فى عذاب السعير. قوله تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» .. قيل إن هذه الآية والآيتين اللتين بعدها نزلت بالمدينة، بعد غزوة أحد، ولهذا حسبت الآيات الثلاث من القرآن المدني، على حين أن السورة كلها- فيما عدا هذه الآيات الثلاث- مكية..

стр. 2838

والمستند الذي يقوم عليه القول بنزول هذه الآيات بعد غزوة أحد- هو ما يروى من أن المشركين حين ظفروا بالمسلمين فى غزوة أحد مثّلوا بالشهداء تمثيلا لم تعرفه العرب، فبقروا بطونهم، وصلموا آذانهم، وجدعوا أنوفهم، إلى غير ذلك مما يقال من أن المشركين ونساءهم فعلوه بالشهداء، تشفيّا لما أصابهم فى يوم بدر، حتى ليقال إن هند بنت عتبة، زوج أبى سفيان، بقرت بطن حمزة- رضى الله عنه- وأخذت كبده، وأكلت شيئا منها! ثم تمضى الرواية فنقول: إن النبىّ ﷺ ، حين رأى ما فعل المشركون بحمزة، وغيره من الشهداء حزن لذلك حزنا شديدا، وحلف لئن أظفره الله بالمشركين أن يمثّل بسبعين منهم.. وكذلك فعل كثير من المسلمين. فنزل قوله تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ..» .. فأخذ النبىّ بما هو خير، ولم يعاقب المشركين بمثل ما عوقب به، وكفّر عن يمينه.. واقتدى المسلمون به. ومما يؤيد القول بأن هذه الآيات مدنية، ما تضمنته من دعوة المسلمين إلى أن يعاقبوا بمثل ما عوقبوا به، أو يصبروا على ما أصابهم، فذلك خير لهم، وأولى بهم.. وتلك حال لم تكن للمسلمين فى مكة، إذ كانوا ولا قدرة لهم على ردّ العدوان بالعدوان، وإنما كان الصبر على المكروه، هو كل عدّتهم فى هذا الدور من الصراع الذي كان بينهم وبين المشركين.. قوله تعالى: «وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» - هو دعوة النبىّ الكريم إلى الأخذ بما هو خير له من الأمرين اللذين خيّره الله بالأخذ بأيّ منهما، فى قوله تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» ..

стр. 2839

فإذا كانت الدعوة إلى الأخذ بالصبر على سبيل التخيير فى جانب المسلمين عامة فإنها فى جانب النبي- صلوات الله وسلامه عليه- أمر وإلزام. وقد اختص النبىّ الكريم بالدعوة إلى الأخذ بالصبر وحده، دون أن يعاقب بمثل ما عوقب به- لأن ذلك مقام لا يحتمله إلا قلة قليلة من الناس، على رأسهم أنبياء الله ورسله.. ولهذا جاء أمر الله خاصة إلى النبىّ الكريم: «وَاصْبِرْ» .. ولم يجىء هكذا: «واصبروا» وإن كان هذا لا يمنع من أن يتأسّى المسلمون بالنبيّ فى هذا.. فهو قدوة المسلمين فى كل ما هو كمال، وخير، وإحسان.. - وفى قوله تعالى: «وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ» .. هو تطمين للنبىّ الكريم، وتثبيت لفؤاده على التزام الصبر، وإيناس له من وحشة هذا العبء الثقيل الملقى عليه، إذ أنه سيتلقى المدد والعون من الله، وأن هذا الصبر الذي يدعى إليه، إنما هو صبر عظيم، لا تحتمله النفوس إلا بالاستعانة عليه بالله.. والله معينه وممدّه بألطافه. وفى إضافة الصبر إلى النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه-: «وما صبرك إلا بالله» - إشارة إلى أنه صبر من طبقة عالية، لا ينالها إلا النبىّ الكريم، المؤيد من الله، والمزوّد منه سبحانه بالقوة والعزم على احتمال هذا النموذج الفريد من الصبر.. فهو صبر ذو صفة خاصة.. هو صبر النبىّ صلوات الله وسلامه عليه.. وقوله تعالى: «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ» - هو عزء للنبىّ الكريم، فيما كان يجد فى نفسه من حزن وأسّى على قومه الذين غلبت عليهم شقوتهم فماتوا على الكفر، حتف أنوفهم، أو فى ميدان القتال بأيدى المسلمين.. - وقوله تعالى: «وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» .. هو مواساة للنبىّ، وتخفيف لما يقع فى نفسه من ألم، إذ يرميه قومه بالضرّ والأذى، ويبيّتون له

стр. 2840

الكيد، ويدبرون له السوء.. كما يقول الله : «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» (٣٠: الأنفال) .. فالله هو الذي يتولى عنه دفع هذا الكيد، وإبطال هذا المكر.. قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» .. هو حكم عام لله فى عباده، وهو أنه ، يتولّى المتقين المحسنين منهم، ويحوطهم برعايته، ويمدهم بأمداد عونه ونصره.. وفى هذا الحكم يرى النبىّ الكريم أن هذه الأمداد التي يمدّه بها ربّه، إنما هى مما قضى الله به فى حلقه، وأن هذا العطاء الكريم هو من نصيب المحسنين المتقين، وأنه بقدر ما يبلغ الإنسان من إحسان وتقوى، يكون قربه أو بعده من معيّة الله.. والنبىّ الكريم- لا شك- أوفر عباد الله حظّا من التقوى والإحسان، فهو لهذا أكثر عباد الله قربا من ربّه.. والمعيّة فى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» هى معيّة القرب من ألطاف الله، والتعرض لنفحات رحمته وإحسانه.. كما يقول : «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (٥٦: الأعراف) . والتقوى: أساسها الإيمان بالله.. لا تنبت مغارسها، ولا يثمر زرعها، إلا إذا غرس فى تربته، وارتوى من مائه.. وملاك أمر التقوى، هو امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، أو كما يقول بعض العارفين: «هى ألّا يراك الله حيث نهاك، وألا يفتقدك حيث أمرك» . أما الإحسان.. فهو التقوى فى كمالها وتمامها.. حيث يستقيم المؤمن على شريعة الله، ويلتزم حدوده، فيصطبغ بصبغة التقوى، التي يصبح بها من عباد

стр. 2841

الله المحسنين المقربين.. وقد أجاب النبىّ ﷺ عن الإحسان، حين سئل عنه، فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . وقد كشف الله سبحانه عن حقيقة الإحسان فى قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (٩٣: المائدة) .. ففى هذه الآية ما يكشف عن قيمة الإحسان، ومكانة المحسنين. إذ هو الغاية التي يبلغها المؤمنون بإيمانهم، وينالها المتقون بتقواهم.. وعلى هذا، يكون المتقون، والمحسنون، فى منزلتين من منازل الإيمان.. وأن كلّا من المتقين والمحسنين له شرف «المعيّة» مع الله.. وإن كان المحسنون أقرب قربا، وأكثر عطاء ورفدا.. جعلنا الله من عباده الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأنزلنا منازلهم، وحشرنا فى زمرتهم، ونفعنا بهم فى الدنيا والآخرة.. إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين. تم بعون الله الجزء الرابع عشر ويليه الجزء الخامس عشر إذا شاء الله.

стр. 2842

[الجزء الثامن] ١٧- سورة الإسراء نزولها: نزلت قبل الهجرة بنحو عام، فهى مكية.. وقيل إن فيها بضع آيات نزلت بالمدينة، منها قوله تعالى: «وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ» .. إلى قوله تعالى: «وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ» .. ومنها آية: «أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» .. وآية: «وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ» ويقول «الفيروزآبادي» فى كتابه «بصائر ذوى التمييز» : إن السورة مكية باتفاق!! عدد آياتها: مائة وإحدى عشرة آية.. عدد كلماتها: ألف وخمسمائة وثلاث وستون كلمة.. عدد حروفها: ستة آلاف وأربعمائة وستون حرفا.. [ما يقال فى تسمية السورة] الرأى على أنها سميت الإسراء.. لأنها بدأت بالإسراء، ولأن الإسراء أعظم حدث فى حياة النبىّ، بل وفى حياة البشرية كلها.. فلم يقع هذا الحدث فى الحياة البشرية، إلا تلك المرّة.. فكان بذلك أعظم معلم من معالم تلك السورة، وحقّ له أن يكون وحده دون غيره، عنوانا لها. هذا، و «البيضاوي» فى تفسيره، يسمّى هذه السورة سورة: «أسرى» جاعلا فعل الإسراء «أسرى» ، هو العنوان للسورة، دون تغيير فيه.. ومن أعجب الأعاجيب هنا، أن نجد لهذه السورة اسما، يجعله المفسّرون من بعض أسمائها، على ما جرت به عادتهم من تكثير الآراء وحشدها،

стр. 2843

للأمر الواحد.. فجعلوا من أسماء هذه السورة، اسم: «بنى إسرائيل» .. وواضح أن هذا الاسم دخيل منتحل، تسلّل إلى المفسّرين وأصحاب السّير، فيما تسلّل من الإسرائيليات، التي دسّها اليهود على هؤلاء العلماء، فقبلوها منهم بحسن نيّة.. ولو كان لبنى إسرائيل أن تكون لهم سورة باسمهم فى القرآن الكريم، لكانت سورة البقرة- مثلا- أولى من الإسراء فى هذا المقام، إذ كانت البقرة تحوى من أخبار بنى إسرائيل، أكثر مما تحويه سورة الإسراء، ومع هذا فقد أخذت السورة اسم البقرة، وهى بقرة بنى إسرائيل، ولم تأخذ اسمهم! الأمر الذي يحمل على القول بأنه مستبعد أصلا أن يكون لبنى إسرائيل سورة باسمهم فى كتاب الله، وإن كان لأبى لهب سورة باسمه! ومن جهة أخرى، فإنا نرى سورا فى القرآن، فيها حديث مستفيض عن بنى إسرائيل، كسورة الأعراف، وسورة طه، مثلا، ومع هذا فلم تسمّ أىّ منهما سورة بنى إسرائيل!! فلماذا كانت سورة «الإسراء» بالذات، هى التي يدخل عليها هذا الاسم، وينازعها شرف هذه التسمية التي سميت بها تلك السورة؟ إننا نشمّ هنا ريح «اليهود» ونجد بصمات أصابعهم المتلصصة، التي تريد أن يكون حديث «الإسراء» حديثا خافتا، لا بذكر إلا عند تلاوة الآية، دون أن يجرى له ذكر عند الحديث عن سور القرآن الكريم، كلما ذكرت آية من آيات هذه السورة، ونسبت إليها الآية.. وذكر السورة فى القرآن الكريم يحرى عادة أكثر من ذكر أي آية من آياتها. هذه واحدة، من فعلات اليهود فى حديث الإسراء!

стр. 2844

وأكثر من هذا كيدا، ومكرا، ما أدخلوه على حديث الإسراء ذاته من زور الأحاديث، التي أخذها عنهم بعض العلماء، عن غفلة، ونيّة حسنة، باعتبار أن هذه الأحاديث المبالغ فيها تعالى من قدر النبىّ، وترفع من شأنه.. وما دروا أن تلك المفتريات إذ تجتمع مع الحقّ، تبعث حوله الشك والاتهام، الأمر الذي يذهب بجلال الحقيقة وروعتها، وإنما مردّ ذلك الجلال، وتلك الروعة، إلى قربها من الطبيعة البشرية، ومداناتها للواقع المألوف.. وحسبنا شاهدا لهذا، القرآن الكريم، فى إعجازه الذي قصرت عن مداناته أيدى الإنس والجن، ومع هذا، فهو من كلام لم يخرج عن مألوف اللسان العربىّ، ولم يجاوز حدود اللغة العربية! وسنرى فى حديث الإسراء، ما دخل على هذا الحديث من دسّ اليهود وكيدهم، الأمر الذي ألقى شبها كثيرة عند من يستمعون إلى هذا الحديث وما اختلط به، فلا يدرى المؤمن ماذا يأخذ من هذه الأحاديث وماذا يدع، فلو أنه أخذها جملة لما اطمأن إليها قلبه، ولما سكن إليها عقله، ولو أخذ بعضا وترك بعضا، لفقد الثقة فيما أخذ أو ترك.. جميعا!! [مناسبتها للسورة التي قبلها] ختمت سورة النحل، التي قبل هذه السورة بقوله تعالى: «وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» . وهذا الختام يحدّث عما كان يعانيه الرسول الكريم من ضيق، وما يجده فى نفسه من مشاعر الحزن والألم، لما يلقى من قومه وأهله من كيد، وما يرى فيهم من عناد وإصرار على الكفر والضلال.. فناسب ذلك أن يذكر معه، ما كان من فضل الله على النبي الكريم، بهذه الرحلة المباركة التي رأى فيها النبىّ

стр. 2845

الكريم ما رأى من آيات ربّه، فوجد فى هذا، الروح لنفسه، والانشراح لصدره، والعزاء الجميل من مصابه فى أهله.. ولعلّ فيما حدّث به ختام سورة النّحل ما يكشف عن بعض حكمة الإسراء، وأنه- كما سنرى- كان استضافة للنبىّ الكريم فى رحاب الملأ الأعلى، ليستشفى مما نزل به من ضيق، وما ألمّ به من ألم، فى هذا الصراع الذي كان محتدما بينه وبين قومه، حتى لقد كانت تتنزّل عليه آيات الله تدعوه إلى أن يرفق بنفسه، وأن يتخفف من مشاعر الحزن على أهله، ألا يكونوا مؤمنين. وفى هذا يقول سبحانه «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ» (٨: فاطر) ويقول جلّ شأنه: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (٩٩: يونس) ويقول سبحانه: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» (٥٦: القصص) .. ويجتمع هذا كله فى قوله تعالى فى آخر سورة النحل: «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» .. فناسب هذا الختام للسورة أن تجىء بعدها سورة الإسراء، وما كشف الله لنبيه فى هذه الرحلة المباركة من جلال ملكوته، وما أراه من أسرار علمه وحكمته! بسم الله الرّحمن الرّحيم الآية: (١) [سورة الإسراء (١٧) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)

стр. 2846

التفسير: سبحان: مصدر، منصوب، بفعل محذوف تقديره سبّح الله تسبيحا، أو سبّحه سبحانا.. أسرى: أسرى بكذا، أي سار به ليلا.. وأصل الفعل من السرّ، وهو ما خفى عن غير صاحبه من الأمور.. ولأن الليل يستر الناس، ويخفى شخوصهم وأفعالهم عن الناس، فقد سمّى السير فيه سرى.. وسمّى تحرك الليل نفسه، سرى، وذلك لأنه يقطع رحلته فى دورة الفلك من أول الليل إلى آخره دون أن يدلّ دليل على حركته، إلا شواهد باهتة خفية لا يراها إلا من يتربص له، ويرصد مسيرته.. فأول الليل وآخره سواء، فى مرأى العين.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ» .. فالليل نفسه يسرى، أي يسير متخفّيا فى ظلام، مستترا به، لا ننكشف حركته للناس..! وعلى هذا، فكل حركة، أو عمل، يكون فى خفاء يمكن أن يطلق عليه لفظ «سرى» ، فيقال: أسريت بهذا الأمر أي فعلته سرّا، دون أن يطلع عليه أحد.. وقيد السّرى باللّيل هنا، يراد به تحقيق أمرين: أولهما: اتخاذ الليل ستارا للسير، وظرفا حاويا له، حتى لا تنفذ إليه الأبصار.. وثانيا: التحرك فى حذر، وحيطة، وفى خفاء، دون جلبة أو ضوضاء.. الأمر الذي يعين على إنفاذ الأمر دون أن يفضح.. فإن الليل وإن كان سترا

стр. 2847

يحجب الأبصار، فإن مع الأبصار التي حجبها الليل أسماعا، لا يعطّل وظيفتها ظلام الليل، بل سكونه يزيد من قدرتها على التقاط الأصوات، والإمساك بها.. ولعلّ هذا هو ما نلمحه فى قوله تعالى للوط ﵇: «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ» (٨١: هود) وقوله تعالى لموسى ﵇: «فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ» (٢٣: الدخان) .. فقد جاء الأمر إلى النّبيّين الكريمين بالسّرى ليلا، ليكون اللّيل ستارا لهذا السير، إلى جانب ما يكون من حذر وحيطة واحتراس، فى إخفاء كل حركة، وكل صوت، ينبىء عن هذا السير، أو السّرى..! ومن هنا سمّى النّبع الجاري فى سلاسة، ورفق- سمّى «سريّا» كما يقول لمريم: «فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا» (٢٤: مريم) . وقد توسعنا فى شرح كلمة «أسرى» وفى قيدها بظرف الليل، لندرك السرّ فى قوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا» وأن قيد السّرى هنا بالليل، وجعله وعاء حاويا له، لم يكن توكيدا للخبر بأن الإسراء كان بالليل، كما يقول بذلك المفسّرون، فهذا الظرف- فى رأيهم على هذا القول- ليس له أثر فى معنى لفظ «الإسراء» .. إذ الإسراء أو السّرى- عندهم- لا يكون إلا ليلا.. فكلمة «ليلا» عندهم لمجرد التوكيد، بالتكرار!! وقد رأيت أن معنى الإسراء، أو السّرى، هو الخفاء، وأنه مشتق من السّرّ، وأنه وإن غلب السّرى على اللّيل، فإن ذلك لا يمنع من أن يكون بالنّهار إذا وقع الأمر فى ستر من الخفاء، غير هذا الستر الطبيعي الذي يتّخذ من الليل..

стр. 2848

فقوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا» يشير إلى أمرين: أولهما: أن ظرف الإسراء كان ليلا، وثانيهما: أنه كان بحيث لم يشعر به أحد، بل وقع فى ستر، بحيث لم يلحظه أحد من المتصلين بالنّبيّ، القريبين منه، الذين كانوا يشاركونه الحياة فى بيته، وفى الحجرة التي كان ينام فيها. ونستظهر من هذا أمرين أيضا: أولهما: أن الإسراء بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، كان بجسده، ولم يكن بروحه الشريف وحده.. وأنه لو كان بروحه لما جاء التعبير القرآنى عنه بلفظ «أسرى» الذي يدلّ فى ذاته على الستر والخفاء، ولما جعل هذا السّتر فى مضمون ستر آخر هو الليل، كما يقول سبحانه: «ليلا» .. وثانيهما: أن هذا الإسراء بالنبيّ الكريم، لم يكن معجزة متحدّية، وإنما هو رحلة روحيّة، واستضافة من الله الرحمن الرحيم، للنبىّ، فى رحاب ملكوته، حيث يشهد من ملكوت الله، ويتزود من ألطاف الله، ما لم يشهده بشر، وما لم يتزود به إنسان! هذا، وقد كان للإسراء حديث طويل متصل، امتلأت به كتب التفسير، والسّير، وقد دخل على هذا الحدث كثير من الخيال، وكثير من الكذب والدسّ، حتى كاد يختنق الشعاع المنبعث منه، وتغيب عن نظر الناظر فيه، مواقع العبرة والعظة منه.. ولهذا رأينا أن نقف من هذا الحدث وقفة، ندفع بها ما نستطيع دفعه من هذا الضباب المتكاثف حول «الإسراء» ، حتى يستطيع المسلم أن يرى وجه هذه الآية الوضيئة التي اختص الله بها خاتم النبيين، وإمام المرسلين..

стр. 2849

[وقفة مع الإسراء.. والمعراج] قد رأينا فى مفتتح هذه السورة أنها تبدأ بقوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» . فهذه الآية، هى كلّ ما ذكر القرآن ذكرا صريحا عن الإسراء.. وكان من أجل هذا أن سمّيت السورة سورة «الإسراء» ، باعتبار أن «الإسراء» هو أبرز حدث فيها، وأظهر وجه من وجوه الأحداث التي عرضت لها هذه السورة. وإذن، فالحديث الحقّ عن الإسراء، ينبغى ألا يخرج عن مضمون هذه الآية، وألا يجاوز حدودها.. والإسراء- كما يفهم من هذه الآية- هو رحلة سماوية، أرادها الله سبحانه لنبيّه الكريم، ليريه من آياته، ما لا تراه العيون، ولا تتظنّاه الظنون! وحدود هذه الرحلة- كما يذكر القرآن- هى: من المسجد الحرام بمكة، إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس. وزمانها، لحظة من لحظات الليل.. كما يقول سبحانه: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا..» فالآية صريحة فى «الإسراء» وفى أنه كان فعلا للنبى الكريم، وأنه واقعة حقيقية، وليس رؤيا مناميّة، وإلّا لما كان له ذكر خاص فى سورة خاصة. والذي يقف بالإسراء عند هذا الحدّ الذي قطعت به هذه الآية الكريمة، يجد أن تلك الإضافات الكثيرة، وتلك الذّيول الطويلة التي علقت بحديث

стр. 2850

الإسراء، ليس من معطيات الآية الكريمة، من جهة، ولا تستدعيه غاية الإسراء، ولا يحتاج إليها الكمال الذي يجب أن يكون عليه- من جهة أخرى.. فالإسراء، على ما تشهد به الآية- لم يكن- كما أشرنا من قبل- معجزة متحدية، وإنما هو- كما قلنا- رحلة روحية إلى بيت المقدس، مجمع الأنبياء، وأول قبلة للإسلام!! دواعى هذه الرحلة: كان الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- قبيل الإسراء، فى وجه خصومة عنيفة ظالمة، من قومه.. يدعوهم إلى الرشاد والخير، فيلقونه بالتكذيب والبهت، وبرمونه بالسّوء والأذى.. وهو رحيم بهم، حريص على هدايتهم، تكاد تذهب نفسه حسرة عليهم، إذ يراهم يتمزقون شعبا، ويتقطعون أوصالا، بين يدى دعوته التي يدعوهم إليها.. وليس حال أدعى من هذه الحال، للخروج من هذا الجوّ الثقيل الخانق، إلى جوّ آخر، فيه راحة للصدر واسترواح للنفس! ولكن: إلى أين المذهب والنبىّ قائم على دعوة السماء، موجه برسالتها؟ إنه لا مفرّ للنبىّ- إن أراد أن يظل فى سجل الأنبياء- من أن يثبت فى موقفه، لا يزايله، ولا يتحول عنه أبدا، وإن هلك! وقد قالها رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- لعمّه أبى طالب، حين دعاه عمّه إلى أن يترك ما هو فيه، ويلقى قومه بالموادعة، حتى لا تتمزّق وحدة قريش، ويقتل بعضها بعضا، فقال قولته الخالدة: «والله يا عمّ لو وضعوا الشّمس فى يمينى ولقمر فى بسارى على أن أترك هذا الأمر ما تركته، أو أهلك دونه» !

стр. 2851

ولكن.. ها هى ذى الأحداث تزداد شدة، والشر يشتد اشتعالا، فتأتمر قريش فيما بينها على أن تكون جبهة واحدة فى وجه النبي، ومن يقف إلى جواره من قومه.. وقد أبت العصبية العربية على بنى هاشم، وبنى عبد المطلب- رهط النبي الأدنين- أبت عليهم العصبية العربية، أن يتخلوا عن النبي، وأن يسلموه لقريش، تنال منه، وتستبد به! وكان من هذا أن عمدت قريش إلى مقاطعة بنى هاشم، وبنى عبد المطلب، وعقدت فيما بين بطونها وأفخاذها عهدا، على ألا يتعاملوا مع بنى هاشم، وبنى عبد المطلب، فلا يزوّجوهم، ولا يتزوجوا منهم. ولا يأخذوا منهم أو يعطوهم. بل إنها القطيعة التامة فى كل شىء بتواصل الناس به. وقد واجه بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، هذه الحرب الاجتماعية والاقتصادية، بشجاعة وصبر، وإباء، وأبوا أن يعطوا الدنيّة فى هذا الامتحان، الذي تعرف فيه معادن الرجال.. فجمع أبو طالب- عميد بنى هاشم- أهله، وانحاز بهم إلى شعب أبى طالب «١» .. واستمر هذا الحصار، نحو ثلاث سنين، بلغ بهم الجهد فيها غايته، حتى سمع أصوات صبيانهم يتضاغون جوعا من وراء الشّعب! وطبيعى أن النبي الكريم، كان خلال هذه المحنة يحمل فى نفسه كل ما لقى آل عبد المطلب، وآل هاشم، من جهد ومشقة.. فكل ما كان يقع من آلام فى محيط أفرادهم، فردا فردا، وفى جماعاتهم، أسرة أسرة، كان يقع على مشاعر

стр. 2852

النبي، ويهيج خواطر الألم والإزعاج فى نفسه. قبل أن يصل إليهم.. أضعاف ما كانوا يجدون من ألم وإزعاج! ذلك أنه- وهو النبي- يألم لآلام الناس جميعا، ويود لو حملها عنهم، أو رمى بها فى مكان سحيق.. فكيف بما يقع فى نفسه من هذا، للآلام التي يراها فى أهله وذوى قرابته القائمين على نصرته؟ ثم هو من جهة أخرى، يرى أن ما نزل بأهله من آلام وشدائد، خلال تلك المحنة، إنما كان بسببه هو، وأن ذلك الذي احتملوه من أجله، لم يكن بسبب العقيدة والدّين، وإنما كان من أجل القرابة والدم. ولو كان من أجل العقيدة والدين، لهان الأمر، ولكان على أصحاب العقيدة أن يؤدّوا ضريبة الدفاع عن عقيدتهم، لقاء الثواب العظيم الذي ينتظرهم من رب العالمين! إن الآلام النفسية والروحية، بل والجسدية، التي احتملها النبي حلال تلك المحنة التي عاش فيها أهله.. كانت من أقسى ما لقى النبي فى طريق دعوته من آلام.. إنه حمل آلام أهله كلها، وإن ذهب كل منهم بنصيبه منها.. فمن أجل النبىّ احتملوا هذه التجربة القاسية، وفى سبيل حمايته، والدفاع عنه، واجهوا هذه القطيعة المرة، واحتملوا عبء هذا الحصار المحكم الظالم. ثلاث سنين! رحلة فى العالم الأرضى: وحين بلغ الأمر من الشدة والضيق مداه فى نفس النبي، وأصبح جو مكة ثقيلا خانقا.. أراد- صلوات الله وسلامه عليه- أن يلتمس له متنفسا خارج مكة، لعله يجد أعوانا على الحق، وأنصارا للخير، يستمعون له، ويستجيبون لدعوته. كان لا بد أن يلتمس النبي لنفسه ولدعوته مجالا آخر خارج مكة، بعد أن

стр. 2853

لقى هو وأهله الأدنون ما لقوا من هذا البلاء الشديد، أثناء الحصار الذي ضربته عليهم قريش نحو ثلاث سنين.. ومما ضاعف من وقع الآلام فى نفس الرسول، أن سقط فى ذلك الحين الجناحان اللذان كانا يرفّان عليه رحمة وحنانا.. ذلك أنه ما كادت تنتهى محنة الحصار، ويفسد تدبير قريش، وتنقض صحيفتها التي أبرم فيها هذا العقد الذي عقدته بينها لمقاطعة بنى هاشم، بعد أن سلّط الله عليها الأرضة فأكلتها جميعا، إلا ما ورد فيها من ذكر اسم الله ما كادت تنتهى هذه المحنة. حتى مات عمه أبو طالب، بعد خروجه بقومه من الشّعب بستة أشهر.. ثم لحقت به الزوجة البرّة الرحيمة السيدة خديجة، بعد موته بثلاثة أيام!! فانظر كيف ابتلى النبي الكريم هذا الابتلاء فى عمه وفى زوجه، وكيف تفرغ يده من كلّ قوة مادية على هذه الأرض كانت تقف إلى جانبه، وتشد أزره؟ ومتى كان ذلك؟ إنه كان فى أحرج مواقف الدعوة، وحين بلغ الأمر من الشدة والشقاق مداه، بين قريش، وبين النبي. إن ذلك كله من ألوان الشدائد والمحن التي مرت بالرسول خلال تلك السنوات العشر التي قضاها النبي الكريم بين قومه، يغادبهم، ويراوحهم بآيات الله وكلماته، فلا يسمع منهم إلا ما يسوء، ولا يلقى منهم إلا ما يكره- نقول إن ذلك كله كان تربية وإعدادا للجولة التالية من الدعوة، واستعدادا لاستقبال الطور الجديد من أطوارها- حيث ستشهد الأيام التالية أحداثا جساما، وتطورات خطيرة فى حياة هذا الدين الجديد. فسيلتقى النبي بوجوه كثيرة من قبائل مختلفة، وسيسمع أحاديث متباينة، وسيتلقّى أجوبة مختلفة لما يلقى على الأسماع من آيات الله، وسيهجر النبي موطنه، ويهاجر إلى موطن

стр. 2854

آخر، وأقوام آخرين غير قومه.. وستدور معارك، وتسيل دماء، ويبتلى النبي فى نفر كريم عزيز من أصحابه، يسقطون فى هذه المعارك، وسيقوم النبي على توجيه مجتمع إسلامى ضخم، بعد أن يجيئه نصر الله، ويفتح مكة، ويدخل الناس فى دين الله أفواجا! إن هذا البلاء العظيم الذي ابتلى به الرسول، هو- كما قلنا- إعداد لما سيستقبل من تلك الأحداث الكبرى، وإن هذا البلاء أشبه بعمل المحاريث والفئوس، فى شقّ الأرض، وتقليب تربتها قبل أن يلقى فيها الحبّ.. فذلك هو الذي يتيح لها الجو الصالح، لأن تعطى خير ما فيها من عناصر الإنبات، لما يلقى فيها من حبّ! نقول إنه فى هذا الجو الثقيل الخانق، الذي كان يضيق به صدر الرسول فى مكة- خرج إلى الطائف، يعرض نفسه، ويقدّم دعوته إلى «ثقيف» يلتمس منهم الاستجابة له، والنصرة لدعوته، والمنعة بهم من قومه.. وكان معه فى رحلته تلك، مولاه زيد بن حارثة! ولما انتهى الرسول الكريم إلى الطائف، عمد إلى سادة ثقيف وأشرافهم، فدعاهم إلى الله، فلم ير منهم إلا إعراضا، وسفها، وتكذيبا، واستهزاء.. وكان فيما قال له صاحب كلمتهم: «والله لا أكلمك أبدا! لئن كنت رسولا- كما تقول- لأنت أعظم خطرا من أن أردّ عليك السلام! ولئن كنت تكذب على الله. ما ينبغى لى أن أكلمك!!» إنها سفسطة أحمق، وضلالة ظلوم جهول! فقام رسول الله من عندهم، وقد يئس من خيرهم، إن كان فيهم خير، وقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: «أما إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عنى..» إذ كره رسول الله، أن يبلغ ذلك قومه عنه، فيغربهم ذلك به، ويدفعهم إلى

стр. 2855

الانتقام منه، ومضاعفة الكيد له.. ولكن القوم لم يفعلوا، وبعثوا إلى قريش من يخبرها بما كان من أمر محمد معهم، ثم أغروا به سفهاءهم وعبيدهم، فوقفوا له سماطين (أي صفين) وجعلوا يسفهون عليه، ويرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى أصابه شجاج فى رأسه! وترك الرسول الكريم- بأبى هو وأمي- الطائف على تلك الحال، وقد امتلأت نفسه أسى وحسرة، وفاض صدره، ضيقا وحزنا! ولكن إلى أين المسير؟ وهل هناك غير مكة؟ إنه على أي حال، لا يزال يمسك منها على شىء من الأمل والرجاء، ولا يزال يطمع فى خير من أهل أو صديق فيها! وقبل أن يتخذ الرسول وجهته إلى مكة، أسند ظهره إلى شجرة نائية هناك، حتى تجتمع نفسه، وتسكن خلجاته ويخف عنه بعض ما حمل من أهل ثقيف من آلام! وفى ظل هذه الشجرة، وجّه الرسول وجهه إلى ربّه، يناجيه، ويطلب العون والمدد من رحمته، فخلق قلبه بهذا النداء الدافئ العميق، وتحركت شفتاه بهذا الدعاء الندىّ العطر، المعقود بأنفاس الأمل والرجاء فى مالك الملك، ومن بيده ملكوت السماوات والأرض.. فيقول صلوات الله وسلامه عليه: «اللهمّ.. أشكو إليك ضعف قوّتى، وقلّة حيلتى، وهو انى على الناس! «يا أرحم الراحمين. أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربى ... «إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهّمنى «١» ؟ أم إلى عدوّ ملّكته أمرى؟ «إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالى..

стр. 2856

«غير أن عافيتك أوسع لى.. «أعوذ بنور وجهك، الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحلّ علىّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك. «لك العتبى حتى ترضى «١» «ولا حول ولا قوّة إلا بك.. بهذه الكلمات المشحونة بالإيمان الوثيق بالله، المخلّقة بأنفاس النبوّة الطاهرة، اتجه الرسول إلى ربّه.. متضرعا، متوجعا، طالبا رضا ربّه ورحمته، فى صبر وحمد، على السّرّاء والضرّاء! مدد غير منتظر: وفى طريق الرسول الكريم من الطائف إلى مكة، نزل منزلا بمكان يسمّى «نخلة» وقضى فيه ليلته، ثم قام فى جوف الليل يصلّى، ويتهجّد بكلمات ربّه، فصرف إليه نفر من الجنّ، فاستمعوا له، وباتوا الليل معه، دون أن يشعر بهم! .. وفى الصّباح، وقبل أن يزابل النبىّ مكانه الذي بات فيه، تلقّى خبر السّماء فى قوله تعالى: «وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ..» .. (الآيات: ٢٩- ٣٢) من سورة الأحقاف. فكان هذا عزء كريما للرسول الكريم، ومواساة رقيقة مسّت مشاعر النبىّ، وذهبت بكثير مما خالطها من الألم والحزن، فشاع فى كيانه الرّضا والاطمئنان.. إنه ليس وحده، وإن صوت السماء متصل به، وإن جندا

стр. 2857

من جنود الله- لا يراهم- يحفّون به، ويستمعون إليه، ويؤمنون به، وبالكتاب الذي أنزل عليه. ومن هذا الذي يستمع إلى كلام الله، ويستجيب لرسوله؟ إنهم جماعة من «الجنّ» .. الجنّ الذي يضرب به المثل فى الخروج على كل نظام، والتأبّى على كل نداء!. فكيف لا يكون لهذا القرآن مثل هذا الأثر فى نفوس الناس، وفى أضلّهم ضلالا، وأعتاهم عتوّا؟ ولا شك أن فى هذا قدرا كبيرا من التنفيس عن رسول الله، والتطييب لخاطره، بعد تلك التجربة القاسية التي مرّت به فى الطائف.. وإنها لزاد يتزوّد به الرسول، ويجد منه القوة على مواصلة السّير فى طريقه إلى قومه، وفى مواجهة تحدّيهم له، وعنادهم وتأبّيهم عليه!. وعلى هذا العزم، ومع تلك القوة، مضى الرسول إلى مكة!. ولا يجد الرسول قومه، على غير ما عرف منهم.. إنهم على هذا الضلال المبين، وعلى تلك العداوة له، والخلاف عليه.. وأنه إذا كان قد وجد من استماع الجنّ إليه، ما يشدّ عزمه، ويدفع به إلى مواجهة قومه فى مكة- فإنه ما زال فى حاجة إلى أمداد أخرى، تثبّت قدمه، وتشدّ عزمه، وتلقى أضواء على هذا الظلام الكثيف المنعقد فى سماء مكة، بينه وبين قومه. لقد أبلى الرسول الكريم بلاءه، فى الأرض، واستنفد كل ما يعطى ويأخذ منها ومن أهلها، فكان لا بد من عالم آخر، يتزود منه بزاد روحى، يشيع فى كيانه قوى مجدّدة، لا تنفد على كثرة ما ينفق منها فى هذا النضال المتصل بينه وبين قومه، حتى يحكم الله بينه وبينهم بالحق، وهو خير الحاكمين.. فكانت رحلة الإسراء!

стр. 2858

رحلة فى العالم العلوي: وفى الإسراء إلى العالم العلوي.. يجد الرسول من آيات ربّه، ومن دلائل قدرته، وعجائب ملكوته، ما تذوب فى عباب محيطاته كل شرور العالم الأرضى وآلامه.. فلم يكن الإسراء فى صميمه، إلا رحلة روحية لرسول الله، فى عالم النور، وإلّا استدناء له إلى مواطن الرحمة واللطف.. وإن ذلك لهو الجزاء الحسن للرسول على جهاده الصّادق، فى سبيل الله، وفى قيامه على أداء الرسالة التي أرسل إليها، واحتمل ما احتمل من أجلها.. وماذا يكون للرسول من جزاء فى هذه الدنيا، على مالقى فى سبيل الدعوة من عنت وإرهاق، وما أصابه من ضرّ وأذى فى نفسه، وأهله، وصحبه؟ إن كلّ ما فى الأرض لا يقوم ببعض هذا الجزاء.. وإن الرسول الزاهد فى كل ما فى هذه الأرض، وما عليها من مال ومتاع.. فلم يكن إلا ما فى السماء، هو الذي يناسب حال الرسول، ويليق به! وقد ذكر القرآن الكريم حادثة الإسراء فى، أول سورة الإسراء.. والذي ذكره من أمر الإسراء، أنه وقع ليلا، وأن حدوده كانت من المسجد الحرام بمكة، إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس، وقد وصف بالأقصى لبعده عن المسجد الحرام، فهو فى مكان قصىّ بالإضافة إلى المسجد الحرام. يقول ابن إسحق فى سيرته: «وكان مسراه- ﷺ وما ذكر منه، بلاء وتمحيصا، وأمرا من أمر الله، فى قدرته وسلطانه.. فيه عبرة لأولى الألباب، وهدى ورحمة، وثبات لمن آمن به وصدّق، وكان من أمر الله على يقين.. فأسرى به كيف شاء، ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين

стр. 2859

من أمره وسلطانه العظيم، وقدرته التي يصنع بها ما يريد» «١» . وقد طلع النبىّ على قريش بهذا الخبر، وأنه أسرى به فى ليلته تلك من مكة إلى بيت المقدس، فبهتوه، وكذّبوه، وأطلقوا ألسنتهم بالقول السيّء فيه.. وقال قائلهم: «هذا والله الإمر «٢» ، والله إن العير لتطّرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة.. أفيذهب محمد فى ليلة واحدة ويعود إلى مكة» ؟ ولم يقف الأمر عند كفّار قريش، بل تجاوزهم إلى ضعاف الإيمان، ممن أسلموا، فارتدّوا عن الإسلام، وارتابوا.. وتحدّث الروايات أن الكفار ذهبوا إلى أبى بكر- رضى الله عنه- لعلهم يجدون عنده ما وجدوا عند ضعاف الإيمان، فقالوا له: «هل لك يا أبا بكر فى صاحبك؟ يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلّى فيه، ورجع إلى مكة؟ فقال لهم أبو بكر: أنتم تكذبون عليه؟ فقالوا: ها هو ذا فى المسجد يحدّث به الناس! فقال أبو بكر: «لئن كان قاله لقد صدق! فما يعجبكم من ذلك؟ فو الله إنه ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار، فأصدقه.. فهذا أبعد مما تعجبون منه «٣» » . ونحن نشكّ فى هذه الرواية.. فما كان أبو بكر بالذي يخفى عليه شىء من أمر النبىّ، حتى يعلمه كفار قريش قبل أن يعلمه، وما كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يحدث بهذا الخبر العجيب قبل أن يلقى به أبا بكر، وهو الذي كان أشبه بظلّ رسول الله، لا يفارقه أبدا!

стр. 2860

ونعود إلى «الإسراء» فنقول- كما قلنا من قبل- إنه كان شأنا خاصّا بالنبيّ، ورحلة روحيّة فى الملأ الأعلى، أرادها الله له، ليشرح بها صدره، وينعش بها روحه، ويذهب بها ما ألمّ به من ضيق وحزن، بموت عمّه، وزوجه، وبتألّب قريش عليه، وعلى آله، وبما لقى من أهل الطائف من لقاء بارد ثقيل، وردّ سمج قبيح. وفى حدود هذا المعنى ينبغى أن نقيم نظرتنا إلى الإسراء.. فهو بهذا المعنى، ليس معجزة للتحدّى، تقف من الناس موقف التعجيز لهم، والتحدّى بالإتيان بمثلها، وإنما هى إخبار بأمر شهده الرسول وحده.. فإذا حدّث به كان حديثه الصدق كلّه، لا ينبغى لمن آمن بأنه نبىّ أن يكذّبه، أو يشك فى شىء مما يقول.. إنه أمين السّماء.. لا يكذب أبدا.. هذا مبدأ يجب أن يسلم به كل من يدخل فى هذا الدين، ويؤمن بالله ورسوله.. والله يقول: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (٧: الحشر) . إن حديث الإسراء اختبار عملىّ لإيمان المؤمنين.. فمن آمن بالله، لا يكون إيمانه إيمانا حقّا، حتى يؤمن برسوله، ولا يكون مؤمنا برسوله حتى يصدّق كل قول يقوله، ويسلّم به، قبل أن ينظر فيه، أو يعرضه على عقله.. وإن كان ذلك لا يمنعه من أن ينظر بعد هذا فى قول الرسول، وأن يعرضه على عقله فذاك نظر غايته الفهم والإدراك لمرامى قول الرسول والعمل به.. فهذه آيات الله التي كانت تنزل على الرسول الكريم، إنها لم يقم عليها شاهد بأنها كلام الله، إلّا إيمان المؤمنين به، بأنه رسول من عند الله، وإن كان فى آيات الله ذاتها ما يحدث عن إعجازها، وأنها ليست من قول بشر.. ولكن هذا لا يعرف إلا بعد نظر فى وجه آيات القرآن، واستعراض ما فيها من قوى الحق، وشواهد الإعجاز!

стр. 2861

هذا ما ينبغى أن نقف عنده من حديث الإسراء، فإذا كان لنا أن نمدّ النظر إلى ماوراء هذا، فهو ما جاء من ذكر المسجد الأقصى، وجعله معلما من معالم الإسلام، يناظر المسجد الحرام.. وفى هذا، ما يصل مشاعر المسلمين بهذين المسجدين، ويجعلهما معا آيتين من آيات الله فى الأرض، يستظلّ المسلمون بظلهما، ويقومون على عمارتهما وتأمين السّبل إليهما.. وهذا لا يكون إلا إذا كان هذان المسجدان داخل دار الإسلام، وتحت يد المسلمين، الأمر الذي يكشف عن وجه من وجوه إعجاز القرآن، فى إخباره بالغيب، الذي لم يكن يقع لنظر أحد من المسلمين يومذاك، أو يدور فى خواطرهم.. وقد مكّن الله للمسلمين من المسجد الأقصى، ودخل هو وما حوله فى دار الإسلام، منذ خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى اليوم، وإلى ما بعد اليوم، وإلى يوم الدين.. وإنه على رغم ما بذل أعداء الإسلام من جهود فى إخراج هذا البيت من يد المسلمين- فإنه لا يلبث أن يعود إليهم، كما يعود إليهم، كما يعود المسافر إلى أهله، بعد رحلة، قد تطول وقد تقصر! ونحن نكتب هذا، فى سنة ألف وثلاثمائة وتسع وثمانين من الهجرة (١٩٦٩ من الميلاد) وبيت المقدس فى يد اليهود، منذ عامين تقريبا، اليهود الذين عملوا لذلك من قبل ظهور الإسلام يوم كانوا خاضعين لحكم الرومان، ثم عملوا له بعد الإسلام، فأشعلوا الفتن، وأقاموا الحروب، وأغروا النصارى بالمسلمين، حتى وقع الشر بينهم فى تلك الحروب التي اتصلت نحو قرنين، والتي عرفت بالحروب الصليبية.. - كل هذا ليجد اليهود فرصتهم إلى هذا البيت الحرام، وها هم أولاء قد وجدوها اليوم، مستعينين بأموالهم، وسلطانهم على أمريكا، التي ساندتهم، ووقفت وراءهم، وأمدتهم بالعتاد والرجال والأموال.. ولا ندرى السبيل الذي نستردّ به هذا البيت.. أهو بالحرب أم بالسلم،

стр. 2862

ولكن الذي ندريه ونستيقنه، هو أن هذا البيت لا بد أن يعود للمسلمين، وأن يدخل فى دولة الإسلام، وأن غربته فى يد اليهود ستنتهى حتما، ويعود الغريب إلى أهله.. إن شاء الله.. هذا عن الإسراء.. أما المعراج، فإن حديثه يطول.. ولكنّا سنكتفى بلمحات نشير بها إليه، لنكشف عن تلك المقولات التي قيلت فيه.. بلا حساب، ولا تقدير، حتى اشتبه فيه الحق بالباطل، وغلب فيه الخيال على الواقع. قصّة المعراج: والمراد بالمعراج، هو عروج النبي- صلوات الله وسلامه عليه- أي صعوده إلى السماء، من بيت المقدس بعد أن أسرى به إليه.. والآيات التي يستند إليها الذين يصورون حديث المعراج هى ما جاء فى أول سورة النجم فى قوله تعالى: «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» . وهذه الآيات محتملة لكثير من التأويلات، بحيث لا يرى فيها المعراج إلّا بعد جهد، وطول نظر، ومن خلال ثقب ضيق جدّا.. وذلك ليكون

стр. 2863

المعراج فى حدود هذا الإطار، الذي يومأ فيه إليه إيماء، ولا يتحدّث عما احتواه من أسرار وعجائب، لم يطلع عليها إلا الرسول وحده، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر..! وقد رويت عن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- أحاديث عن المعراج، تحدّث بها إلى بعض أصحابه، فى بعض ما رأى من آيات ربّه، ولم تكن هذه الأحاديث إلا إشارات أشار بها الرسول الكريم إلى بعض ما رأى من ملكوت الله، مما تنشرح به صدور المؤمنين، ويزداد به إيمانهم نورا ويقينا! وليس فى هذه الأحاديث- إن صحت- ما يتصل بالعقيدة، أو يضاف إلى الشريعة. ولكن الذي يقرأ القصص التي صورت فيها رحلة المعراج، يجد فيها كثيرا من الدّسّ، والكذب، والتلفيق! ولليهود هنا، فى هذه القصة، دور كبير فى دسّ الأخبار، وتلفيق الأحاديث، حيث المجال فسيح، يتسع لكل قول يقال فى هذا العالم العلوى، وفى المشاهد التي يمكن أن يشهدها من يصل إلى هذا العالم ويطوّف به.. وأبرز ما نراه من دسّ اليهود هنا، هو ما يروى فى حديث المعراج، من اللقاء الذي كان بين النبي وبين موسى- عليهما الصلاة والسلام- وأن موسى سأل النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- عما افترض الله على أمّته من الصلاة، فلما قال النبىّ لموسى: إنها خمسون صلاة افترضها الله سبحانة وتعالى على المسلمين فى اليوم والليلة، قال له موسى: ارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك» .. ثم تقول الرواية: إن رسول الله ﷺ ، رجع إلى المولى ، وسأله التخفيف فاستجاب له ربّه فجعلها أربعين، فلما عاد النبىّ إلى موسى وأخبره بما خفف الله من

стр. 2864

الخمسين إلى الأربعين- قال موسى: ارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك.. ثم تمضى الرواية فنقول: إن النبىّ ما زال يراجع ربه، فيخفف عنه، ثم يعود إلى موسى فيطلب منه أن يسأل زيادة فى التخفيف.. فكانت ثلاثين، ثم عشرين، ثم عشرة.. ثم خمسة.. وعندها قال النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- لموسى: «لقد استحيت من ربى» ..!! وبهذا أصبحت فريضة الصلاة خمسا فى العمل وخمسين فى الأجر!!. هذه الرواية تشير إلى أمور.. منها: أولا: أن تجعل لموسى ﵇، ما يشبه الوصاية على النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- وهذا من شأنه أن يجعل لليهود منزلة على المسلمين أشبه بهذه المنزلة.. هذا، إذا جعلنا فى اعتبارنا أن هذا الخبر المدسوس، إنما يحدّث به المسلمون، دون أن يرى أحد أن لليهود شأنا فيه، إذ كانوا ينكرون نبوّة النبىّ أصلا، فكيف يعترفون بعروجه إلى السماء! وهذا ما يجعل لهذا الحديث، هذا الأثر الذي أشرنا إليه! وثانيا: ما وجه الحكمة فى أن يكون من تدبير الله أن تجىء فريضة الصلاة على هذا الأسلوب الذي يشبه أسلوب المناقصات!! والذي يبدأ بخمسين صلاة، ثم ينتهى بخمس صلوات؟ وما الحكمة فى أن يغدو النبىّ الكريم، ويروح بين موسى وربّه كل هذه الغدوات والروحات؟ ألا غدوة وروحة واحدة تكفى إن كان لا بد من هذا؟. إن ذكاء واضع هذه الرواية قد أبى عليه إلّا أن يجيب عن هذه التساؤلات، وأن يكشف عن وجه الحكمة فى هذا، فيجعل من تمام الرواية: «أنها خمس فى العمل وخمسون فى الأجر» !!

стр. 2865

وهذا الذي جعله واضع الرواية وجها داعيا إلى قبولها، هو فى الواقع الوجه الذي يكشف عن ردّها.. إذ ليست الصلاة وحدها هى التي تختص بهذه المزية فى اعتبار الصلاة بعشر صلوات، بل إن كل الأعمال الطيبة توزن عند الله بهذا الميزان، كما يقول : «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها» . هذا، وقد فصّل القاضي «عياض» فى كتابه «الشفا» ، مذاهب القول فى الإسراء والمعراج.. وهل كان مع الإسراء معراج؟ وهل كان الإسراء بالروح وحده؟ أو بالروح والجسد معا؟ يقول القاضي عياض: «اختلف السلف والعلماء: هل كان إسراؤه- ﵊ بروحه أو جسده.. على ثلاث مقالات: ١- فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام، مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء حق، ووحي.. وإلى هذا ذهب معاوية، وحكى عن الحسن (البصري) - والمشهور عنه خلافه- وإليه أشار محمد بن إسحاق.. وحجتهم قوله تعالى: «وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ» وما حكوه عن عائشة رضى الله عنها من قولها: «ما فقد جسد رسول الله ﷺ » . ٢- «وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد، وفى اليقظة.. وهذا هو الحق. وهو قول ابن عباس، وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبى هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبى حية البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج.. وهو قول الطبري،

стр. 2866

وابن حنبل، وجماعة عظيمة من المسلمين.. وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدّثين، والمتكلمين، والمفسرين. ٣- وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة، إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء، الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة، والتمدح بتشريف النبي ﷺ به، وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه.. قال هؤلاء: «ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد عن المسجد الأقصى، لذكره، فيكون أبلغ فى المدح.» وبعد أن انتهى القاضي عياض من عرض هذه الآراء، عرض رأيه هو، فرجح جانب القول بأن الإسراء كان بالروح والجسد معا.. فقال: «والحق من هذا، والصحيح إن شاء الله، أنه إسراء بالروح والجسد فى القصة كلها- أي الإسراء والمعراج- وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار ... ثم يقول: «وليس فى الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة، إذ لو كان مناما لقال: «بروح عبده» ولم يقل «بعبده» وقوله تعالى: «ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى» .. ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولا استبعده الكفار، ولا كذبوه فيه، ولا ارتدّ به ضعفاء من أسلم، وافتتنوا به.. إذ مثل هذه المنامات لا ينكر.. بل لم يكن ذلك الإنكار منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه، وحال يقظته.» وممن قال بأن الإسراء كان بالجسد والروح معا.. البيضاوي فى تفسيره، وقد أراد أن يخرج هذا الرأى على أسلوب البحث العلمي، وأنه من الممكنات التي لا ينكرها العلم.. يقول البيضاوي: «والأكثر- أي من آراء العلماء-

стр. 2867

أنه أسرى بجسده إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السموات، حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ولذلك تعجّب قريش واستحالوه.» ثم يقول: «والاستحالة مدفوعة بما ثبت فى الهندسة أن ما بين طرفى قرص الشمس ضعف ما بين طرفى كرة الأرض مائة ونيفا وستين مرة، ثم إن طرفها- الشمس- الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى فى أقل من ثانية!! وقد برهن فى الكلام أن الأجسام متساوية فى قبول الأعراض، وأن الله سبحانه قادر على كل الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة فى بدن النبي ﷺ ، أو فيما يحمله، والتعجب من لوازم المعجزات.» والذي نقف عنده من كلام البيضاوي هنا قوله: «وقد برهن فى الكلام أن الأجسام متساوية فى قبول الأعراض» .. وهذا يعنى أن الأجسام جميعها ترجع إلى أصل واحد، وأن هذا الأصل قابل لجميع الأعراض التي تقبلها الأجسام، بمعنى أن المادة التي شكل منها كائن ما، قابلة لأن يشكل منها كائن آخر مخالف له، مع اختلاف فى نسب الأجزاء التي يتكون منها الكائن وفى أوضاع هذه الأجزاء، بل إن ذلك نفسه واقع فى أجزاء الكائن الواحد.. فالعين مثلا هى من نفس المادة التي تخلّق منها الأنف، أو الكبد أو القلب، أو الشعر.. فكلها جميعا ترجع إلى ما عرف اليوم باسم «الذرّة» أو ما كان يعرف قديما بالجوهر الفرد.. فمن كتل الذرات تتكون الأجسام، ومن الاختلاف فى بناء الذرات، وترتيب أوضاعها، تظهر الأجسام فى صورها وأشكالها.. وهذا ما فهمه البيضاوي وقرّره فى قوله: «إن الأجسام متساوية فى قبول الأعراض» يعنى أنه من الممكن أن يتحلل جسم الإنسان- مثلا- إلى ذرات فيصبح كائنا لطيفا غير مرئى، ثم يعاد تركيبه إلى وضعه الأصلى، فيكون جسدا

стр. 2868

كثيفا كما كان.. كل ذلك فى لحظة خاطفة كلمح البصر أو هو أقرب، دون أن يخرج الجسد عن سلطان «الروح» فى حالى تحليله أو تركيبه..! وذلك هو الإعجاز أو المعجزة التي تظهر من انتقال النبي الكريم بجسده الشريف إلى المسجد الأقصى، أو العروج به إلى السماء فى طرفة عين! ونعود بعد هذا، فنقول: إن الخلاف فى أن الإسراء والمعراج، كان بالجسد، وبالروح، خلاف لا يؤثر فى حقيقة الإسراء، وما نال الرسول الكريم فيه من ألطاف ربه، وما رأى من آياته.. وإن قدرة الله لا تتقيد بتلك القيود التي تحكمها الضرورات البشرية، وخير من هذا الخلاف الذي يذهب بجلال الإسراء، ويعبث بالستر الخفىّ الملقى عليه من عالم الروح- خير من هذا أن ننظر إلى الرسول الكريم فى موكب جلاله وعظمته، تحفّ به ألطاف ربه، وتحدوه رعايته، إلى حيث يسبح فى عالم الحق، ويطعم بروحه من طيبات الملأ الأعلى.. أما أن نجسّد العالم العلوىّ، ونحيله إلى أشياء من عالم التراب الذي نعيش فيه، فذلك مما يهوّن من خطر الإسراء والمعراج، ويزرى بقدرهما، ويبخس من قيمتهما.. إن الذي يطالع قصة الإسراء والمعراج، على تلك الصورة أو الصور المجسدة التي تعرضها كتب السيرة، والتفسير، ليموت فى نفسه كثير من تلك المشاعر الروحية، التي كان خليقا أن يثيرها فيه حديث الإسراء والمعراج، لو أزيح من طريقه هذا الركام الكثير من العوائق والسدود.. ولا تنخدع لتلك الأصباغ الساذجة التي يلطخ بها القصاص وجه الحقائق المادية، ليحعلوا لها بتلك الأصباغ وجها تدخل به إلى العالم العلوىّ.. فإن هذا «المكياج»

стр. 2869

المصطنع يجعل منها مسخا أكثر منها حقيقة.. فالبراق مثلا.. الذي يأخذ فى حديث «الإسراء» لونا بارزا صارخا- والذي يهيأ للرسول ليتخذ منه مطية إلى العالم العلوي- هذا البراق ليس إلا «أتانا» ركب عليه جناحان من ريش، فصار أشبه بلعبة من لعب الأطفال التي يؤلفونها من حطام بعض لعبهم التي انتهى دورها معهم..! ثم هذا الحجر الذي يشدّ إليه الأنبياء دوابهم عند المسجد الأقصى، وتلك الحلقات المغروسة فى هذا الحجر لتمسك المقاود واللّجم- إنها جميعها لتمسك بالمعاني الكريمة العالية التي كان يجدها المرء فى نفسه لو أزاح هذا الحجر من طريقها، وانزاحت معه اللّجم والمقاود والسروج وغيرها، مما يكون فى مرابط الحيوان! وعلى أىّ فإن الإسراء، على أية صورة وقع، لم يكن فيه ما يخرج النبىّ الكريم عن بشريّته، ويباعد ما بينه وبين الإنسان الذي هو «محمد» .. فقد عاد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بعد الإسراء، ولقى قومه مؤمنين، وكافرين، فلم ينكر أحد من أمره شيئا مما كان يعهد فيه.. حتى إن أعداءه أنفسهم لم يجدوا عليه أمارة من أمارات هذه الرحلة المباركة.. فإن خيرها كلّه كان مخبوءا فى كيانه، منطويا فى صدره، ساريا فى روحه.. إنه شأن من شأن الله مع نبيّه، وزاد روحىّ زوّده به ربّه، تكريما له، وترويحا عن كيانه المجهد المكدود. وحديث المسلمين عن الإسراء، ينبغى أن يكون حمدا لله، وتنزيها له، وثناء عليه، أن أنزل نبيّهم هذا المنزل الكريم، ورفعه إلى هذا المقام العظيم،

стр. 2870

وأفاض عليه ما أفاض من ألطافه ومننه.. وهذا ما يدعونا إليه الله فى قوله جل شأنه: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» أي فسبّحوا الله واحمدوا له، أن أسرى بعبده محمدا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأن أراه من آياته وأسبغ عليه من آلائه، ما هو أهل له عند ربّه «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» . الآيتان: (٢- ٣) [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢ الى ٣] وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) التفسير: مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما، هى أنه لما كانت الآية السابقة التي افتتحت بها السورة، قد ذكرت تلك النعمة العظمى التي أنعم الله بها على النبىّ، إذ أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فى تلك الرحلة العجيبة، التي رأى فيها ما رأى من آيات ربّه- فناسب ذلك أن يجىء ذكر النعم التي أنعم الله بها على عباده.. ولما كان أجلّ تلك النعم وأعظمها إرسال الرسل إلى الناس، يحملون إليهم هدى الله، ويدعونهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، ولما كانت التوراة التي نزلت على موسى، هى الشريعة القائمة عند أهل الكتاب المعاصرين للنبوّة- من يهود ونصارى-

стр. 2871

فقد كان ذكر موسى.. والكتاب الذي أنزل عليه، أقرب وأولى ما يذكر فى هذا المقام.. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا» . فهذه الآية معطوفة على ما قبلها. والتقدير: سبّحوا- أيها الناس- ربّكم الذي أسرى بعبده محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والذي آبى موسى الكتاب وجعله هدى لبنى إسرائيل، فوجب عليهم أن يشكروا الله، وأن يأخذوا حظهم من هذا الهدى الذي جاءهم به رسول الله، وألا يتخذوا من دون الله وكيلا يتعاملون معه، ويسندون إليه أمورهم، ويجعلون عليه معتمدهم! .. [الحقيقة المحمّدية.. وما يقال فيها] ونلمح فى هذا العطف سرّا لطيفا، تشّع منه دلالات تشير إلى مقام النبي الكريم، ومنزلته عند ربّه، وأنه ﷺ ، هو هدى فى ذاته وشخصه، يقابل الهدى الذي حملته التوراة إلى بنى إسرائيل! فالرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بما رأى من آيات ربّه الكبرى فى إسرائه ومعراجه، وما حمل فى كيانه من معالم الحق فى هذه الليلة المباركة- قد أصبح هو فى ذاته كتابا من كتب الله، ورسالة من رسالاته، يجد فيها أولوا البصائر للشرقة، وأصحاب القلوب السليمة، ما يجد المؤمنون بالله، فى آياته وكلماته من هدى ونور.. وهذا ما يحدّث به الحديث الشريف: «أنا رحمة مهداة» .. فالنبىّ الكريم فى ذاته، هو رحمة، بما نطق به من كلماته، وبما استملى الناس من سيرته، وبما اقتبسوا من أدبه وعلمه وحكمته..

стр. 2872

وإنّا لنجد مصداق هذا، فى هذا المجتمع الإسلامى الأول الذي أقامه الرسول الكريم، واستنبته من جدب الصحراء وقفرها، وأطلعه من غياهب ظلامها، وضلالها.. وذلك بما حمل إلى الناس من كلمات الله، وبما أراهم من آثار كلمات الله فيه، وتربيته له على منهجها، فكان إنسانا يقرأ الناس فى سيرته- قولا وعملا- منطوق كلمات الله ومفهومها، كما تحدّث السيدة عائشة رضى الله عنها، فتصف خلقه ﵊ بقولها: «كان خلقه القرآن» . فما أعظمه من إنسان! وما أكرمه من رسول! وما أعلى مقامه فى العالمين! وأحبّ هنا أن أقف وقفة قصيرة مع تلك المقولة التي تقال وتذاع بين المسلمين، فيما يعرف عند أصحابها «بالحقيقة المحمدية» . فالذين يستمعون من المسلمين إلى هذا العنوان: «الحقيقة المحمدية» وما يجىء وراء هذا العنوان من حديث عن هذه الحقيقة، قد يجدون فى صدورهم حرجا من أن يدفعوا عن هذه الحقيقة تلك الدعاوى التي يدّعيها عليها القائلون بها، والتي يصوّرون فيها النبىّ الكريم هذا التصوير العجيب، الذي يقطعه عن العالم البشرى، بما يضيفون إليه من صفات وأعمال، لا تقتضيها طبيعة البشر، ولا تثقل بها موازينه فى المصطفين من عباد الله.! إنها مقولات كثيرة مغرقة فى الخيال، تضفى على ذات النبىّ أثوابا فضفاضة- بل مهلهلة- من نسيج الوهم، ومن واردات الخرافة، يحسب بها أصحابها- عن إيمان، أو عن كيد- أنّهم إنما يمجّدون النبىّ، ويفردونه وحده بتلك المنزلة التي تتقطع دونها الأوهام والظنون! ومن هنا، كان خطر هذه المقولات وأثرها داهما مزلزلا، فى المجتمع الإسلامى،

стр. 2873

إذ هى مقولات- كما قلنا- يجد كثير من المسلمين حرجا فى دفعها، والوقوف لها.. لأنها كلّها- كما تبدو فى ظاهرها- تمجيد فى مقام النبىّ، وإعلاء لقدره، وإنه لأحبّ شىء عند المؤمن أن يمجّد مقام النبىّ، وأن يعلى قدره! وإنه لا حرج فى هذا المقام من المبالغة والغلوّ.. فذلك خير، والمبالغة فى الخير خير!! هكذا يلقى كثير من المسلمين تلك المقولات التي تقال فى «الحقيقة المحمدية» .. حيث يستقبلها المسلم بمشاعره، فيجد فيها ريحا طيبة، تحدّث عن مقام النبوة، وكمالها، فتتخدّر لذلك مشاعره، وتغيب مدركاته، وإذا هو مهيأ لقبول كل ما يقال فى هذا المقام.. فإذا صحا بعد هذا، وجد كلمات كثيرة قد علقت بصدره، ودارت فى كيانه، تحدّث عن النبىّ بأنه النّور الذي خلق منه هذا الوجود، وأنه الرّوح العظمى التي سرت فى هذه الكائنات.. وأنه لولاه- ﷺ ما خلق الله هذا الوجود، ولما كانت أرض ولا سماء، ولا شمس ولا قمر، ولا كواكب ولا نجوم، ولا ملائكة ولا لوح ولا قلم! إلى غير ذلك من المقولات التي تقال فى «الحقيقة المحمدية» ! مما لا مستند له من كتاب، أو سنّة، أو عقل.. فالقرآن الكريم، يقرر فى مواضع كثيرة منه أن «محمدا» بشر من رأسه إلى أخمص قدمه.. فيقول ، آمرا نبيّه الكريم أن يعلن الناس به: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» (١١٠: الكهف) ويقول سبحانه: «قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ» (٩: الأحقاف) . فهو- صلوات الله وسلامه عليه- فى الناس، واحد من النّاس.. وهو-

стр. 2874

صلوات الله وسلامه عليه- فى الرسل، واحد من الرسل، ليس بدعا من بينهم! فماذا يقول القرآن أصرح من هذا القول، فى تحديد صفة النبىّ، وأنه بشر لم تتخلّ عنه بشريته، ولم يخرج هو عن بشريته بحال أبدا؟ ثم ماذا يقول النبىّ عن نفسه أكثر وأوضح من هذا القول الذي أمره به ربّه أن يقوله، حتى يدفع عن نفسه ما ليس له، مما يقوله عليه من يقولون من المغالين فيه، هذا الغلوّ، الذي هو وقول المتطاولين على مقامه- سفاهة وجهلا- والمتنقّصين لقدره- افتراء وكذبا على سواء؟ بل وماذا يقول النبىّ أكثر وأصرح من قوله: «أنا عبد آكل كما يأكل العبد» - حتى يمسك هؤلاء المغالون فيه على طريق قاصد مستقيم فى شأنه؟ يتكىء القائلون بالحقيقة المحمدية، وبالصفات التي يوردونها عليها- يتكئون على حديث يروى عن النبىّ ﷺ ، هو قوله: «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين، وكنت نبيّا ولا آدم ولا الطين» .. ويتخذون من هذا منطلقا ينطلقون به إلى اصطياد كل واردة وشاردة.. فلقد فتح عليهم هذا القول الذي يفهم منه أن النبىّ ﷺ كان نبيّا قبل أن يخلق آدم- نقول فتح عليهم هذا القول بابا بل أبوابا يلجون منها إلى اصطياد المقولات التي تتخذ من هذا المفهوم منطلقا إلى كل قريب وبعيد، وإلى كل معقول وغير معقول، حتى لقد اجتمع للقوم من هذا، ما تسمع من تلك المقولات التي لا تنتهى، ولا ينتهى حديث أصحابها عنها! ولا نعرض لصحة هذا الحديث، ولا لمكانه من القوة أو الضعف.. بل نأخذه مسلّمين به، قائلين بصحته.. سندا، ومتنا!

стр. 2875

فماذا فى هذا الحديث؟ بل ماذا وراءه مما يسر أو يعلن من الحقيقة المحمدية؟ ولكن قبل أن نجيب على هذا، نسأل القائلين بالحقيقة المحمدية عن معنى منطوق الحديث: «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين.. وكنت نبيا ولا آدم ولا الطين! ..» أين كان «محمد» صلوات الله وسلامه عليه قبل آدم؟ يقولون فيما يقولون: إنه كان درة أو ياقوتة فى العرش! ونقول لهم بما يقوله الله فى المشركين الذين جعلوا الملائكة إناثا: «أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ؟ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ.. وَيُسْئَلُونَ» (١٩: الزخرف) أفشهد هؤلاء القائلون بتلك المقولة- أشهدوا خلق محمد؟ ثم نسأل، هؤلاء القائلين بالحقيقة المحمدية: أين كان «محمد» قبل أن يولد لأبويه: عبد الله بن عبد المطلب، وآمنة بنت وهب؟» يقولون إنه ما زال منذ آدم يتنقل من الأصلاب الزاكية إلى الأرحام الطاهرة إلى أن ولد! ونقول: إنّ كل إنسان تنقّل منذ آدم من الأصلاب، إلى الأرحام، حتى انتقل من صلب أبيه إلى رحم أمّه.. فماذا فى هذا؟ والحديث الذي يقول: «كنت نبيّا وآدم بين الماء والطين ... » إن صحّ- فإنه لا يخرج عن هذا المعنى، الذي فهمناه عليه. إذ تنقّل ويتنقل الناس جميعا فى أصلاب الآباء، وأرحام الأمهات! فالحديث- إن صحّ- يشير بهذا إلى تلك الحقيقة التي يؤمن بها المؤمنون بالله، وهى أن علم الله ، قد وسع كل شىء، وأن هذه الموجودات كلها، فى ملكوت السموات والأرض، هى فى علم الله ، وأنها فى كتاب مكنون، كما يقول سبحانه جلّ شأنه: «وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
следующие страницы →