Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.
стр. 4236
فالمؤمن بالله إيمانا حقّا، فى هجرة إلى الله دائما، ما دام قائما على طريق الحق، والخير.. يهجر كل منكر، ويجتنب كل فاحشة، وفي الحديث:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه..»
وقد كانت هجرة «لوط» إلى ربه هجرة مباركة، إذ التقى على طريقه إلى الله، بالنبوّة، فكان من المصطفين الأخيار من عباد الله المكرمين.
قوله تعالى:
«وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» .
هو معطوف على قوله تعالى: «فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ» .. وهو تتمة لقصة إبراهيم، وفي عطف هبة الله سبحانه تعالى لإبراهيم إسحق ويعقوب- على إيمان لوط له- إشارة إلى أن إيمان لوط لإبراهيم واستجابته له، هو من كسب إبراهيم، ومن النعم الجليلة التي أنعم الله بها عليه. كما أنعم عليه بالولد بعد الكبر..
وفي تأخير الإنعام بالولد، على إيمان «لوط» مراعاة للترتيب الزمنى من جهة، إذ كان إيمان لوط واستجابته لإبراهيم أسبق زمنا من البشرى بإسحاق..
ثم هو من جهة أخرى جزاء حسن، على هذا الفعل الحسن الذي كان من نتاجه ميلاد لوط في الإسلام، بدعوة إبراهيم.. فقد ولد إبراهيم لله ولدا، هو «لوط» .. فأخرج الله من صلب إبراهيم ولدا في الإسلام! وهذا ما يشير إليه- قوله تعالى: «وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا» .. فهذا الولد هو بعض أجره في الدنيا.
- وفي قوله تعالى: «وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ» - إشارة إلى حصر النبوّة في ذرّية إبراهيم، من بعده، بمعنى أن الأنبياء الذي استقبلتهم الحياة من بعد إبراهيم كانوا جميعا من ذريته.. أما الأنبياء الذين سبقوه فكانوا من ذرية نوح، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ
стр. 4237
وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ»
(٢٦: الحديد) .. فمن ذرية هذين النبيين الكريمين كان أنبياء الله جميعا..
وأما «الكتاب» - فهو الرسالة السماوية التي يتلقّاها النبيّ من ربّه، وبهذا يكون نبيّا ورسولا..
وهذا يعنى أن الأنبياء والرسل من بعد إبراهيم كانوا من ذرّية هذا النبيّ الكريم..
قوله تعالى:
«وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» .
الفهم الذي أستريح إليه في قوله تعالى: «وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ» .. أنه معطوف على قوله تعالى: «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ» .. وفي هذا ما يشير إلى أن لوطا هو من بعض الهبات الجليلة التي وهبها الله إبراهيم ﵇، على ما أشرنا إليه من قبل.
وعلى هذا، يكون الظرف في قوله تعالى: «إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ» متعلّقا بالفعل «ووهبنا» وهذا يعنى أن هذه الهبة لم تظهر على وجهها الصحيح إلا بعد أن تلقّى «لوط» النبوّة من ربّه، وحمل الرسالة إلى قومه..! ولعل فى هذا ما يكشف عن السرّ في عروج الملائكة المرسلين من عند الله إلى لوط- على إبراهيم، وإخبارهم إياه بما أرسلوا به إلى قوم لوط من مهلكات، وما كان من تلهف إبراهيم على لوط، وخوفه أن يناله من سوء إذا دمّرت القرية التي هو فيها، فيقول إبراهيم في لهفة: «إِنَّ فِيها لُوطاً!!» .. فكان جواب الملائكة: «نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها.. لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» .
стр. 4238
وقوله تعالى: «وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ» هو من قبيل قوله تعالى: «وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» (٢٧: البقرة) .
وقد قلنا في تفسير قوله تعالى: «وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» .
إن الذي أمر الله به أن يوصل، هو إيمان الفطرة، مع إيمان الدعوة، وأن الكافرين بكفرهم وتأبّيهم على الاستجابة لدعوة الرسول، قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وهو الإيمان المركوز في الفطرة، بالإيمان الذي يدعو إليه الرسول..
وهنا في قوله تعالى: «وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ» . إشارة إلى ما يرتكبه قوم لوط من قطع سبيل الفطرة السليمة، التي تدعو إلى اتصال الذكر بالأنثى، والرجل بالمرأة، وذلك باعتزالهم النساء، وإتيانهم الذكران.. وذلك قطع منهم للسبيل المستقيم، الذي تسير عليه الكائنات جميعا، حيث يأخذون هم سبيلا غير هذه السبيل! - وقوله تعالى: «وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ» . إشارة إلى أن القوم كانوا من الفجور وجفاف ماء الحياء من وجوههم، بحيث لا يجدون حرجا في أن يأتوا هذا المنكر علانية، وهم في مجتمعهم الذي يجتمعون فيه.. وهذا غاية ما يتردّى فيه الإنسان، فى طريق الانحدار إلى عالم الحيوان..
هذا وقد عرضنا من قبل لتفسير قصة لوط مع قومه في أكثر من موضع، فلا داعى لإعادة ذلك هنا..
الآيات: (٣٦- ٤٠) [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)
стр. 4239
التفسير:
فى هذه الآيات عرض موجز معجز، لقصص بعض الأنبياء، الذين كذّبوا من أقوامهم، وما أخذ الله به هؤلاء المكذبين من نكال وعذاب.. وفي هذا العرض الموجز ترتسم الأحداث في أعين المشركين، وتتجسد في خواطرهم، بحيث تبدو كأنها حدث واحد، يعرض عرضا كاشفا لجميع وجوهه.
قوله تعالى:
«وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» .
إنه في نظرة واحدة نطوى صفحة مجتمع فاسد.. ففى هذا العرض يختصر الزمان، وتجتمع أطرافه كلها في البؤرة التي كانت تدور حولها الأحداث سنين طويلة.
فهذا شعيب، يلقى كلمته الأخيرة إلى قومه.. وهؤلاء القوم قد أعطوه جوابهم الأخير أيضا.. وهذا هو حكم الله فيما بين الطرفين.. «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ»
стр. 4240
قوله تعالى:
«وَعاداً وَثَمُودَ.. وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ.. وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ» .
وهذان مجتمعان كبيران، من مجتمعات الضلال.. بينا تراهم العين في دورهم العامرة، ودنياهم المزهرة، ثم يرتد الطرف إليهم، فلا يجد إلا خرابا شاملا، وإلا قفرا موحشا..
إنه لم يذكر عن عاد وثمود ما كان من دعوة الرسولين الكريمين إليهما، وما كان من القوم من رد فاجر آثم على هذه الدعوة.. كما أنه لم يذكر ما حل بهما من نقم الله.. إذ كان الأمر ماثلا للعيان..
فهذه هي مساكن القوم، يراها المشركون، وقد صارت أثرا بعد عين «وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ» .. أي انظروا ماذا بقي من دنيا القوم الظالمين.. ثم احكموا.. «وما راء كمن سمعا» !.
- قوله تعالى:
«وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ» .
الفهم الذي أستريح إليه في هذا المقطع من الآية الكريمة، أنه تعقيب على هذا الخطاب الموجه إلى المخاطبين بهذه الآية، فى قوله: «وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ» .
وفي هذا التعقيب، اتهام للمشركين بما بينهم وبين الشيطان من تفاهم، وتوافق، وأنهم أتباع مخلصون له، مطيعون ما يشير به.. فهم مع ما تبين لهم من هذا البلاء الذي رمى به الله عادا وثمود، وما ترك هذا البلاء وراءهم من خراب ودمار- هم مع هذا لا يعدلون عن طريقهم الضال الذي ركبوه، ولا يلقون السمع إلى ما يتلو عليهم الرسول من آيات..
стр. 4241
وفي عطف «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ» على قوله تعالى: «وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ» - أمران:
أولهما: الإشارة إلى التقاء الهدى والضلال في نفوس المشركين، لقاء موافقة وائتلاف، إذ لا فرق بين الهدى والضلال عندهم، وأن النور الذي يساق إليهم من الآيات سرعان ما يشتمل عليه الظلام، ويمتزج به.. فما تبين للقوم من مساكن القوم، وما في ذلك من دلائل تدعو إلى الإيمان واتباع سبيل المؤمنين- قد اختلط بما وسوس لهم به الشيطان، ثم سرعان ما اختفى هذا البيان، الذي استبان لهم، واستولى الشيطان عليهم، فصدهم عن سبيل الله..
وثانيهما: العدول عن الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ» .. هو لعزلهم عن مقام الخطاب، وما فيه من تشريف، ووضعهم بالمكان الذي يشار إليهم منه، حيث يسمع المؤمنون حكم الله، تعالى فيهم بقوله: «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ» ..
فالخطاب كان عاما للمؤمنين والمشركين، فى قوله تعالى: «وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ» .. ثم كان خطابا خاصا بعد ذلك للمشركين «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ» فلم ينتفعوا بما رأوا من آثار القوم الهالكين، فصدهم عن سبيل الله، فى حال استبصارهم، ووضعهم أمام تلك الآيات المبصرة. كما يقول سبحانه: «هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (٢٠: الجاثية) .
ولو أنه قد جاء النظم على أسلوب الخطاب، لكان المؤمنون داخلين في- قوله تعالى: «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ» إذ لو جاء النظم هكذا. «وزين لكم الشيطان أعمالكم» لكان الحكم عاما، يشمل المؤمنين وغير المؤمنين..
стр. 4242
كما في قوله تعالى: «وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ» حيث كان هذا البيان واقعا للمؤمنين وغير لمؤمنين.. أما لمؤمنون فقد انتفعوا به وكان لهم منه عبرة وعظة.. وأما المشركون، فقد أفسد عليهم الشيطان أمرهم، وأطفأ بنفثاته في صدورهم، ما قبسوا من عبرة وعظة، وجدوها في هذه الدور الخاوية على عروشها..
قوله تعالى:
«وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ» ..
فى الآية دليل، على أن قرون قد هلك قبل هلاك فرعون، وهذا يعنى أنه هلك وموسى وبنو إسرائيل لم يخرجوا من مصر بعد- وهذا ما أشرنا إليه في سورة القصص في شرح قوله تعالى: «إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى، فَبَغى عَلَيْهِمْ» - وقوله تعالى: «وَما كانُوا سابِقِينَ» أي أنهم بما كان لهم من قوة وسلطان، لم؟؟؟ لتوا من عقاب الله الراصد لهم. ولم يجدوا وجها للفرار من العذاب الذي أرسله الله عليهم.
قوله تعالى:
«فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا» .
هذا بيان لصور العذاب، وألوانه التي حلت بالقوم الظالمين.. فهم وإن وقع بهم العذاب جميعا، إلا أن كل قوم قد شربوا من هذا العذاب، بكأس غير الكأس التي شرب بها غيرهم..
стр. 4243
والحاصب، وهو ما يحصب به، أي يرمى به من حصى وغيره.. ومنه الحصباء، وهو صغار الحصى. ومنه قوله تعالى: «حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ» «٩٨: الأنبياء» أي أنهم يلقون فيها كما يلقى الحصى!.
وهذا الضرب من العذاب، هو ما أخذ به قوم لوط، إذ رماهم الله بحجارة من سجيل، وهو الذي أخذ به من قبل، قوم صالح، إذ أهلكوا بريح صرصر عاتية، فكانت كأنها رجوم.
والصيحة، وهي الرجفة، هى العذاب الذي أهلك به قوم عاد، إذ صلح فيهم صائح، فزلزل بهم الأرض، وهدم عليهم دورهم.
والخسف، هو ما حل بقارون.. والغرق، هو ما هلك به فرعون وهامان..
الآيات: (٤١- ٤٥) [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٥]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» .
(م ٢٨ التفسير القرآنى ج ٢٠)
стр. 4244
مناسبة هذا المثل هنا، هو أنه لما ذكر الله بعضا من تلك الأقوام الضالة، التي كذبت برسل الله، واستمسكت بما كانت عليه من شرك- كان هذا المثل مرآة يرى عليها الناس- وخاصة أولئك الذين غلظت طباعهم، وتبلدت مشاعرهم- صورة مجسدة لهؤلاء المشركين وما عبدوا من دون الله..
إن هؤلاء المشركين، كالعنكبوت.. فى ضعفها وصغر شأنها..
فهؤلاء المشركون، هم في يد القدرة القادرة، وإزاء سلطان الله الغالب القاهر- أقل من العنكبوت شأنا، وأضعف منها حيلة وحولا..
ثم إن هؤلاء المشركين في ضعفهم وصغر شأنهم، قد اتخذوا من الأصنام، وغير الأصنام، آلهة يعبدونها من دون الله، ليكون لهم منها قوة وسندا- كما يقول سبحانه: «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» (٨١: مريم) فكان مثلهم في ذلك مثل العنكبوت، حين تتخذ لها بيتا، تقيمه حولها، وتسكن إليه، وتحتمى به.. إنه لا يثبت لأية لمسة من ربح عابرة، أو حشرة طائرة.. وإن هذه الآلهة التي دخل القوم في حماها، لهى أو هي من بيت العنكبوت، لا تدفع عن الداخلين في حماها أذى، ولا ترد شرا..
- وفي قوله تعالى: «لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وصف للقوم بالصفة الغالبة عليهم، وهي الجهل، لأنهم لو كانوا على أي قدر من العلم، لما ارتضوا أن ينسجوا من هذا الضلال دروعا يحتمون بها من رميات القدر..
وفي تشبيه آلهة القوم بنسيج العنكبوت، إعجاز من إعجاز القرآن، إذ أن العنكبوت إنما تتخذ بيتها من خيوط رفيعة هي لعابها الذي إذا لامس الهواء تماسك في صورة خيوط دقيقة واهية.. وهؤلاء المشركون إنما
стр. 4245
أقاموا معتقدهم الفاسد الذي يعتقدونه، ويلتمسون الطمأنينة والأمن في ظله- إنما أقاموا من تلك الأبخرة العفنة التي تتصاعد من مشاعرهم، فتتشكل منها تلك الأوهام الخادعة، ويقوم عليها هذا البناء المتداعى!! قوله تعالى:
«إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .. هو بيان لعلم الله بهم وبما يعبدون من أباطيل، لا وزن لها، مع عزة الله، ولا تدبير لها، مع تدبيره المحكم.
ويمكن أن يكون للآية مفهوم آخر، وهو أن تكون «ما» نافية..
ويكون مفعول العلم مطلقا، بمعنى أن الله يعلم كل شىء.. وقوله تعالى:
«ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ» نفى لوجود هذه المعبودات، أي أنها لضالتها، وعدم جداوها لهم، لا تعدّ شيئا.. أما الله سبحانه، الذي أعرضوا عنه، فهو العزيز الحكيم..
قوله تعالى:
«وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» الإشارة هنا، هى إلى هذا المثل المضروب، وإلى تلك الأمثال التي يضربها الله للناس، ليروا فيها مواقع العبرة والعظة، وليكون لهم منها طريق إلى الحق والهدى.. ولكن هذه الأمثال لا يعقلها، ولا ينتفع بما يعقل منها إلا أهل العلم.. «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا» (٢٦: البقرة) قوله تعالى:
«خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ» - هو
стр. 4246
بيان لما أبدع الله «الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» وما أقام في هذا الوجود من عوالم، وما بث فى هذه العوالم من مخلوقات.. وفي هذا الوجود، وعوالمه ومخلوقاته، صحف يتلو فيها المؤمنون آيات الله، ويسبحون بحمده، فى كل نظرة ينظرون بها، وفي كل نفس يتنفسونه، وفي كل خاطر يخطر لهم: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا.. سُبْحانَكَ.. فَقِنا عَذابَ النَّارِ»
(١٩٠: ١٩١: آل عمران) قوله تعالى:
«اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ» ومن آيات الله، تلك الآيات المتلوة، التي هي كلماته، التي أوحاها سبحانه إلى نبيه الكريم.. إنها تناظر تلك الآيات المبثوثة في السموات والأرض.. فى كل منها شاهد يشهد لجلال الله وقدرته، وعلمه وحكمته..
وفي أمر النبي بتلاوة ما أوحى إليه من الكتاب- إلفات للعقول إلى هذه الآيات القرآنية، بعد إلفات الأبصار إلى الآيات الكونية، فيكون من هذه وتلك لقاء بين المحسوس والمعقول، وبهذا تكتمل المعرفة، وتثبت قضايا العلم فيقع للإنسان من ذلك علم يقينى، يقوم عليه إيمانه بالله رب العالمين..
- وفي قوله تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ» إشارة إلى ما للصلاة من شأن في وصل العبد بربه، وفي قيادته نحو الطريق القاصد إلى الله.. إذ كانت تسبيحا بحمده، وتمجيدا لجلاله..
- وفي قوله تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» - إشارة إلى
стр. 4247
الأثر الذي تتركه الصلاة في المصلين: من إيقاظ المشاعر الطيبة في الإنسان، تلك المشاعر التي تعاف الفحشاء، وتنفر من المنكر..
- وقوله تعالى: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» . المراد بالذكر هنا، استحضار عظمة الله، وجلاله في الصلاة، حيث يكون الإنسان في صلاته في حال من الخشوع، والتخاضع بين يدى الله، لما يملأ قلبه من جلال الله وعظمته، وهذا هو الذي يجعل للصلاة ثمرا طيبا مباركا، يذوق الإنسان منه حلاوة الإيمان، ويستروح منه أنسام التقوى، وبذلك يدخل في عباد الله المفلحين المكرمين.. كما يقول سبحانه: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ» (١: المؤمنون) فالصلاة التي لا يحضرها ذكر الله، ولا يغشاها الخشوع والرهب، ولا تظللها سكينة النفس، وطمأنينة القلب- هى صلاة قليلة الثمر، ضثيلة الأثر.. يقول الله سبحانه لموسى ﵇: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» «١٤: طه» أي لتذكرنى بها..
وإذا كان ذكر الله مطلوبا في كل حال، فى الصلاة وفي غير الصلاة، فإن ذكره سبحانه في الصلاة، أولى وأوجب.. إذ كانت الصلاة في ذاتها ذكر الله.. فالذكر في مقام الذكر أولى، وأوجب، وأنفع.
هذا، وقد يصغر شأن الصلاة عند من ينظرون إلى كثير من المصلين، فلا يجدون للصلاة أثرا عليهم في سلوكهم، حيث لم تنههم صلاتهم عن فحشاء أو منكر.. ففى المصلين من يكذب، وفي المصلين من يشهد الزور، وفي المصلين من يبخس الكيل والميزان، وفي المصلين من يشرب الخمر، وفي المصلين من يزنى، ومن يسرق ... ومن، ومن..
ونعم، فى المصلين، من هم على هذا الوصف الذميم.. وليس ذلك لعلة فى الصلاة، وإنما العلة كامنة في المصلّى نفسه، لأنه يصلى بجسمه، ولا يصلى بعقله،
стр. 4248
وقلبه، وروحه، فلا يذكر الله في صلاته ذكرا يملأ كيانه خشوعا، وجلالا..
ومع هذا، فإن مداومة الصلاة، والحرص على أدائها في أوقاتها، ستصل بالمصلّي يوما وإن طال به الطريق، إلى الثمرة الطبية التي وعد الله المصلين بها، وهي الانتهاء عن الفحشاء والمنكر..
وفي هذا يقول الرسول الكريم فيمن بلغه عنه أنه يصلى، ولا ينتهى عن الفحشاء والمنكر- يقول صلوات الله وسلامه عليه.. «دعوه.. فإن صلاته ستنهاه يوما ما» والله يقول الحق، وهو يهدى السبيل
стр. 4249
فهرس الموضوعات
الموضوع الصفحة. الماء والماء ... والناس للناس ٤٣. التكرار ... والقصص القرآنى ٩٦. كلمات الله ... وكيف تلقاها النبي ١٥٦. الشعر ... ونظرة الإسلام إليه ١٩٥. سليمان ... والنملة ... والهدهد ٢٢٤. الدابة التي تكلم الناس ... ما هى؟ ٢٨٨. موسى ... والقتيل الذي قتله ٣٢٧
стр. 4250
[الجزء الحادي عشر]
[تتمة سورة العنكبوت]
الآيات: (٤٦- ٥١) [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٦ الى ٥١]
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها هى أن الآية السابقة عليها، جاءت داعية النبىّ الكريم أن يتلو ما يوحى إليه من ربه، وأن يقيم الصلاة قياما يحدث فى القلب ذكرا لله، وبهذا يكون للصلاة ثمرتها في نهى المصلى عن الفحشاء
стр. 4251
والمنكر، إذ كان ذكر الله حاضرا فى قلبه مستوليا على مشاعره، يملأ كيانه خشية، وخوفا، من العدوان على حدود رب العالمين.
وهذا الأمر الذي حملته الآية: «اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ» - وإن كان دعوة للنبى الكريم، فهو أمر للمؤمنين بالله، الذين اتبعوا النبي، ودانوا بالشريعة التي جاءهم بها من ربه.
ومن محامل هذه الدعوة تلاوة ما أوحى إلى النبي من آيات الله، على أهل الكتاب، وتبليغهم رسالة الإسلام، إذ ليس المراد من التلاوة، مجرد التلاوة، وإنما المراد هنا، إعلان الناس بها، وإسماعهم آيات الله وكلماته ...
وأهل الكتاب حين يسمعون كلمات الله التي يتلوها النبي والمؤمنون، لا يلقونها على وجه واحد.. فكثير منهم يلقونها بالبهت والتكذيب، وقليل منهم أولئك الذين يلقونها بالقبول والتسليم..
وإذ كانت الدعوة الإسلامية قائمة على الحجة والإقناع، وبين يديها الحجة القاطعة والبرهان المبين- فإن أي عقل سلم من آفات الهوى، وخلص من أسر الضلال، لا يجد سبيلا إلى المماحكة والمجادلة في آيات الله، بل يستجيب لها، ويسلم زمامه إليها ... أما من كان فى عقله سقم، وفى قلبه مرض فلن يذعن للحق، ولن يأخذ طريقه أبدا ... شأنه في هذا شأن أصحاب العلل والآفات، التي تصيب العيون بالعمى، والآذان بالصمم، والأنوف بالزكام، والأفواه بالبخر ... !
ومن هنا كان الذين يجادلون في آيات الله من أهل الكتاب، إنما
стр. 4252
يجادلون في حق يعرفونه، ويمارون في آيات يعلمون صدقها.. ومن كان هذا شأنه فخير موقف يتخذ معه، هو الإعراض عنه، وترك الجدل معه، لأن الجدل في هذا المقام، عقبم، وإن ولد شيئا، فإنما يلد دخانا ينعقد في سماء الحق، ويشغل القائمين على رسالته عما هو أنفع وأجدى ... ولهذا كان من دعوة السماء إلى النبي الكريم قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» (١٩٩: الأعراف) .
- فقوله تعالى: «وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» - هو بيان للموقف الذي يأخذه المؤمنون من أهل الكتاب فيما يكون بينهم من مواقف، تثار فيها بينهم قضايا، تتصل بالدين، عقيدة أو شريعة ...
وهو أن يعرض المسلمون حقائق الإسلام كما حملتها آيات الله، بمنطق الناصح المرشد، لا المملى ولا المسيطر ... «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» .. إنه خير يدعى إليه الناس، ولا يحملون عليه حملا ...
ومتى كان المحسن يأخذ المحتاج إلى إحسانه، بالقهر والقسر؟ وحسبه أن يمد إليه يده بما تحمل من إحسان، فإن تجاوز ذلك إلى ما يثير عداوة وبغضاء، انقلب الإحسان إساءة، والخير شرا ...
والجدل، والمجادلة تكون باللسان، ومقارعة الحجة بالحجة، والأصل فيها القوة، يقال حبل مجدول، إذا كان مفتولا من حبلين، ولهذا سمى الصقر أجدل، لقوته وشدته ...
- وقوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» - هذا استثناء من الحكم العام، فى الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك الاستثناء في شأن الذين يلقون تلك الدعوة بالشغب عليها، والتطاول على أهلها، والكيد لها ولهم ...
стр. 4253
إن الأمر حينئذ يخرج عن هذا المجال، إلى رد عدوان، ودفع ظلم، وردع بغى ... والله يقول:
«ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ» (١٢٥- ١٢٦: النحل) .
والذين ظلموا من أهل الكتاب، هم أولئك الذين امتلأت قلوبهم ضغينة على الإسلام، وحقدا عليه، فكانوا حربا على المسلمين والإسلام، بالكيد والفتنة، وإشعال نار الحرب الظاهرة والخفية على رسول الله وعلى المؤمنين ... ولهذا كان وصفهم بالظلم، كاشفا عن عدوانهم وبغيهم، إنهم معتدون لا معتدى عليهم، وظالمون غير مظلومين، فإذا أخذوا بعدوانهم، وبظلمهم، فذلك بما جنته أيديهم: «فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» (١٩٣: البقرة) .
أما الأسلوب الذي تجرى عليه معاملة هؤلاء الظالمين، فهو على حسب ما كان منهم من ظلم، بلا بغى أو عدوان..
وفي الآية الكريمة- وهى مكية- إشارة إلى مستقبل الإسلام، وإلى ما سيكون بينه وبين أهل الكتاب من تلاحم، بالقول، وبالفعل ...
بالجدل بالتي هى أحسن أولا، فإن كان عدوان فبالعدوان: «وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ» (٤١: الشورى) .
- قوله تعالى: «وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» - هو بيان لمقولة المسلمين، في مقام الجدل بالتي هى أحسن مع أهل الكتاب، وفي مواجهة غير الظالمين المعتدين منهم.
стр. 4254
فالمسلمون يؤمنون بالكتب السماوية إيمانا مجملا، باعتبار أنها من عند الله، وأنه إذا كان أهل الكتاب قد غيّروا وبدلوا فيما بين أيديهم من كتب الله، من التوراة والإنجيل، فإن هذه الكتب في أصلها حق من عند الله، فما كان منها متفقا مع كتاب الله آمن المسلمون بأنه من عند الله، وما خالف كتاب الله، فما على المسلمين شىء منه، وإنما إثمه على الذين بدلوا وحرفوا ...
على أنه مهما كان من اختلاف بين أهل الكتاب وبين المسلمين، فإن هناك قضية لا يجوز الاختلاف فيها، وهى الإيمان بإله واحد، هو القائم على هذا الوجود، وهو الذي أرسل الرسل، وأنزل الكتب ... فإذا كان من أهل الكتاب من يختلف في هذه القضية، فقد ناقض دعواه بأنه من أهل الكتاب، وقطع السبب الذي يصله بالله، وبرسول الله الذي حمل هذا الكتاب ... «فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ» (١٣٧: البقرة) .
قوله تعالى:
«وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ» .
الخطاب للنبى الكريم، من الله ، وأنه سبحانه قد أنزل عليه الكتاب، كما أنزله على المرسلين من قبله ... فهو- صلوات الله وسلامه عليه- كما يدعى إلى الإيمان بما أنزل على رسل الله، فقد دعى المرسلون قبله إلى الإيمان بالكتاب الذي أنزل عليه ... وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» ... فالذين آتاهم الله الكتاب، هم الرسل من أصحاب الكتب المنزلة، وفي هذا يقول الله تعالى:
стр. 4255
«وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا.. قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» (٨١: آل عمران) ..
والضمير في قوله تعالى: «يُؤْمِنُونَ بِهِ» يعود إلى القرآن، وهو «الكتاب» فى قوله تعالى «وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ» .
والمشار إليه في قوله تعالى «وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ» هم أهل الكتاب المعاصرون للدعوة الإسلامية، و «من» للتبعيض ... أي ومن بعض هؤلاء من اليهود والنصارى، من يؤمن بالكتاب، وهو القرآن كما آمن به موسى، وعيسى، والنبيون من قبل ...
أما القول، بأن المراد من قوله تعالى: «فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» هم اليهود والنصارى المعاصرون للدعوة الإسلامية، وأن قوله تعالى: «وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ» مراد به المشركون من قريش، كما يذهب إلى ذلك المفسرون، قديما، وحديثا، فهذا ما لا نراه، ولا نأخذ به ...
فالموقف هنا، فى مواجهة أهل الكتاب، ودعوتهم إلى الإيمان بالله، وبالكتب المنزلة من عند الله، كما آمن النبي والمؤمنون، بالله، ورسله، وكتبه.
هذا، من جهة، ومن جهة أخرى، فإن إيمان النبيين الكريمين موسى وعيسى بالقرآن، هو حجة على أهل الكتاب، وإلزام لهم بمتابعة الرسول الذي حمل إليهم الكتاب الذي يؤمنون به ... من التوراة أو الإنجيل، وإلا فهم حارجون على رسولهم، وعلى الكتاب الذي بين أيديهم..
стр. 4256
ومن جهة ثالثة، فإن الإشارة إلى مشركى العرب بأنهم آمنوا بالقرآن- لا محصل له في هذا المقام، ولا حجة منه على أهل الكتاب، وحسب القائل منهم أن يدفع هذا بقوله: بأن هؤلاء المشركين أمّيّون، فكيف يكون إيمانهم حجة عليهم.؟ فإن لم يقل قائلهم هذا القول، كان له أن يقول:
إن محمدا هو- إن صح أنه رسول- فهو رسول إلى قومه هؤلاء، وهو حجة عليهم لا علينا!! وهذا قول- وإن كان باطلا- فإن الجدل يتسع له، وخاصة في أول الدعوة الإسلامية، التي كانت دعوتها متجهة أول الأمر إلى العرب، كما يقول : «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (٢: الجمعة) .
ومن جهة رابعة، فإن قوله تعالى: «فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ» إذا فهم على ما قرره المفسرون من أنه مراد به أهل الكتاب المعاصرون للدعوة، فإنه يصادم الواقع، إذ أن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالقرآن، لا في عصر النبوة، ولا بعده، وإن الذي آمن منهم به نفر قليل بالإضافة إلى الكثرة الكثيرة التي ظلّت على ما وجدها القرآن عليه ...
وليس يشفع لهذا القول، ويدفع عنه هذا التناقض، ما سيق له من تخريجات، كما قيل بأن المراد بقوله تعالى «يُؤْمِنُونَ بِهِ» هو أن من شأنهم أن يؤمنوا، لو أنهم أخلوا أنفسهم من الحسد، والغيرة، لما يلقاهم به القرآن من آيات بينات، تنكشف في أضوائها معالم الطريق إلى الحق، لكل ناظر فيها، ملتمس الهدى منها ... وكما قيل أيضا، من أن المراد بالذين يؤمنون به من أهل الكتاب، هم الذين آمنوا فعلا، وهؤلاء وإن كانوا
стр. 4257
قلة، فإنهم هم كل أهل الكتاب، الذين انتفعوا بالكتاب الذي في أيديهم..
أما غيرهم من أهل الكتاب، فلا حساب لهم..؟!
وهذه لا شك مما حكات، متهافتة، ودعاوى واهية، تتداعى لأية لمسة من نظرة عقل، أو لمحة منطق.
ثم من جهة خامسة، أن قوله تعالى: «وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ» لا يصدق على العرب إلا في مرحلة من مراحل الدعوة، وفي بدئها، أما بعد ذلك فقد دخل العرب جميعا في دين الله، وآمنوا جميعا بالله، لا أفرادا معدودين منهم، كما هو منطوق النظم القرآنى: «وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ» ! هذا- والله أعلم- هو الرأى الذي يستقيم على طريق الآية الكريمة، ويسير في أضواء نظمها المشرق المعجز.
وسنرى، فى الآيات التالية ما يزيد هذا الرأى وضوحا وتمكينا.
قوله تعالى: «وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ» .
هذا الخطاب للنبى الكريم من ربه ، يكشف لأهل الكتاب، الذين كانوا في هذه البيئة الأمية جامعة العلم، وأساتذة طالبيه- هذا الخطاب يكشف لهم عن حقيقة جهلوها وتجاهلوها، وهى أن هذا الأمىّ فى الأمة الأمية، لم يكن ممن ألمّوا بشىء من القراءة والكتابة، حتى على هذا المستوي المتواضع الذي كان لبعض نفر قليل من قومه، ممن عرفوا القراءة والكتابة، ومع هذا فهو يحمل في صدره، وعلى لسانه، وبين يديه، كتابا عجبا، يعلو بسلطانه على كل كتاب، ويستولى بعلمه على كل علم، ويقطع بحجته كل حجة، ويقهر بمنطقه كل منطق، ويفحم ببيانه كل بيان!!
стр. 4258
فمن أين لهذا الأمى بهذا كله؟.
وإذا كان للأميين المشركين أن يقولوا- جهلا- «إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ» وإذا كان لهم أن يقولوا- استبعادا أو استعظاما- إنه أخذ هذا العلم عن بعض العلماء من أهل الكتاب- فماذا يقول أهل الكتاب في هذا الكتاب؟ وإلى أي نسب ينسبونه، وإلى أي عالم منهم يسندونه؟.
إنه لم يجرؤ أحد من أهل الكتاب أن يقول كلمة واحدة في نسب هذا الكتاب إلى علمهم، أو إضافته إلى أحد من علمائهم.. وقد كان لهم- وهم أصحاب العلم- أن يقولوا شيئا من هذا الذي كان يقوله الأميون، لو أنهم وجدوا لهذا القول مكانا- أىّ مكان- ولو من قبيل التلبيس والتشكيك ...
فلقد كان المدى بعيدا بين هذه الشمس المتألقة في كبد السماء، وبين الأيدى التي تحاول الإمساك بها، وعقد سحب من الظلام في وجه أضوائها المتدفقة!.
ومن هنا، فإنه لا سبيل لأهل الكتاب أن يرتابوا في نسبة هذا الكتاب إلى الله، وأن يقولوا بأن إنسانا أمّيّا، فى أمة أمية، يمكن أن يكون هذا الكتاب، أو شىء منه، من عمله ... وأنه إذا كان يمكن أن يرد عليهم شىء من الشك في أن إنسانا، قارئا، كاتبا، دارسا، يمكن أن يأتى بمثل هذا الكتاب، فإن مثل هذا الشك يكون مستحيلا، إذا جاء الكتاب على يد أمي، ما عرف القراءة والكتابة، ولا حضر مجالس الدرس والتحصيل.
وقد أثار المفسرون جدلا طويلا حول ما إذا كان الرسول قد عرف القراءة والكتابة بعد البعثة أم لا ... وقال كثير منهم إنه- صلوات الله وسلامه عليه- قد عرف القراءة والكتابة بعد بعثته.. وهذا أمر ما كان
стр. 4259
يصحّ أن يكون موضع بحث أو خلاف، فقد جاء القرآن ناطقا صريحا بأمية النبىّ، وجعل هذه الأمية صفة دالة عليه، يجده عليها أهل الكتاب في كل حال يلقونه عليها. وفي كل زمن يوجهون وجوههم إليه.. فالله يقول: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ، الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ... يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» (١٥٧: الأعراف) .. والأميّة هنا لا شك هى أمية القراءة والكتابة، أما أمية العلم، فقد كان صلوات الله وسلامه عليه- بما علّمه ربّه- عالم العلماء، وحكيم الحكماء، كما يقول مخاطبا له: «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً»
(١١٣: النساء) .
فكيف إذن يكون النبىّ قد خرج عن صفة الأمية بعد البعثة، وعرف القراءة والكتابة، ثم يكون بهذا حجة على أهل الكتاب الذي يجدون وصفه فى التوراة والإنجيل، نبيّا أمّيّا فى الأميين؟ ثم ما حاجة النبىّ إلى أن يعرف القراءة والكتابة بعد النبوة؟ أكان ينقل الكتاب الذي بين يديه عن كتب أخرى حتّى يضطره ذلك إلى معرفة القراءة والكتابة؟ أم ماذا؟
لا نجد جوابا!! قوله تعالى:
«بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ» .
الضمير «هو» يعود إلى الكتاب. فى قوله تعالى: «وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ» . والذين أوتوا العلم، هم العلماء من أهل الكتاب ...
أي أن هذا الكتاب يقع في صدور العلماء من أهل الكتاب موقع
стр. 4260
المعجزات البينات، حيث تنطق آياته بالحقّ المبين، يتلقاه منها كلّ من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ... وفي هذا يقول الله تعالى كاشفا للمشركين عن عنادهم وضلالهم: «أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ» (١٩٧: الشعراء) .
أي أنه إذا لم يكن عند المشركين علم يعلمون يعرفون به قدر هذا الكتاب، ويفرّقون به بين ما هو سماوى وما هو أرضى ... أفلا كان لهم في علم العلماء من أهل الكتاب، بهذا الكتاب، وإيمانهم به، عبرة يعتبرون بها، ومعلّم من معالم الهدى، يهتدون به إلى هذا الكتاب؟.
وقوله تعالى: «وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ» ... إشارة إلى علماء أهل الكتاب، الذين يعرفون الحق في كتاب ثم ينكرونه، من بعد ما عرفوه.
وفي هذا يقول الله تعالى: «فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» (٨٩: البقرة) ووصفهم بالظلم، هو الوصف الحق لهم، إذ كتموا شهادة الحق الذي عرفوه ... والله يقول: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ» (١٤٠: البقرة) .
قوله تعالى:
«وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» .
بعد هذه اللفتة العارضة إلى أهل الكتاب، وأسلوب مجادلة المؤمنين لهم، وما عند علمائهم من علم بهذا القرآن- بعد هذا عادت الآيات لتصل الحديث مع المشركين، وتكشف عن مقولة من مقولاتهم الفاسدة الحمقاء في مواجهة الدعوة الإسلامية، ومدعياتهم عليها، وعلى المرسل إليهم بها ... فهم
стр. 4261
يرتابون في أن يكون «محمد» على صلة بالسماء، وأن يكون هذا الكتاب الذي بين يديه من عند الله، وقد أقاموا منطقهم هذا على أنه لو كان هذا شأن محمد، لجاءهم بآية محسوسة، كما جاء الرسل قبله إلى أقوامهم بآيات محسوسة، وفي هذا يقول الله على لسانهم: «فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ» (٥: الأنبياء) وقد ردّ الله عليهم بقوله: «قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» أي أننى بشر مثلكم، لا أملك من أمر الله شيئا، وإنما أنا نذير مبين أبلغكم ما أرسلت به إليكم ...
وقوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ ... إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .
هو ردّ آخر، على ما يقترحه المشركون على النبىّ من آيات، وفي هذا الردّ إنكار عليهم أن يطلبوا آيات مع هذه الآيات التي تتلى عليهم..
إنها آيات لا تغرب شمسها، ولا يخبو ضوءها أبد الدهر ...
- وفي قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً» إشارة إلى أن هذه الآيات لا تحمل معها نذر الهلاك الذي تحمله الآيات التي يقترحونها، فإنه لو جاءتهم آية من تلك الآيات لكفروا بها، ثم كان مصيرهم مصير الكافرين المكذبين، كعاد، وثمود، وفرعون! فهذه الآيات القرآنية رحمة من رحمة الله بهم.
- وفي قوله تعالى: «وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» إشارة أخرى إلى أن آيات الكتاب في معرض البحث والنظر، وفي مجال التعقل والتأمل، يعيش معها الإنسان ما يشاء، ناظرا فيها، متأملا مواقع الإعجاز منها، فيجد بهذا طريقه إلى الحق والهدى، إذا كان صالحا لقبول الخير، مستعدا للتجاوب مع الحق!
стр. 4262
الآيات: (٥٢- ٥٥) [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٢ الى ٥٥]
قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» .
هذا هو نهاية الموقف الذي يقفه النبي من المشركين ... إنه يشهد الله عليهم، أنه بلّغهم رسالة ربّه، وأنهم في عناد وتكذيب ... والله يعلم ما في السموات والأرض، ويعلم ما يسرّ هؤلاء المشركون وما يعلنون ... وعند الله سبحانه عذاب شديد للضالين المكذبين، الذين يؤمنون بالباطل، ويقيمون في رحابه آلهة يعبدونها من دون الله.. إنهم هم الخاسرون.. «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» .
قوله تعالى:
«وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .
стр. 4263
هو ردّ على هؤلاء المشركين الذين يتحدّون النبىّ باستعجال العذاب الذي ينذرهم به، إذا هم لم يؤمنوا بالله، ولم يصدّقوا رسوله، وفي هذا يقول عنهم: «وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (٣٢: الأنفال) .
- وقوله تعالى: «وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ» ... والأجل المسمّى هو ما قدّره الله تعالى في علمه، ووقّت له وقته الذي يقع فيه، بما قضى به في عباده ... وإن أي أمر لا يقع إلا في وقته الموقوت له.. وإنه لولا هذا الأجل الموقوت للعذاب المرصود لهؤلاء المشركين، لوقع بهم عند طلبهم له ... فلم يستعجلون هذا البلاء؟ إنه لواقع بهم لا محالة، ولكنه سيأتيهم من حيث «لا يشعرون ... لأنهم لا يتوقعونه، ولا يعملون على توقّيه بالإيمان والعمل الصالح، فإذا وقع بهم دهشوا له، وبغتوا به! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» ... والعذاب هنا، هو العذاب الأخروى، كما يفهم من الآية التالية ... والبغتة: المباغت المفاجئ.
قوله تعالى:
«يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» .
هنا استفهام إنكارى، أي أيستعجلونك بالعذاب؟ وكيف يستعجلون به، وهو واقع بهم فعلا؟ إنهم سائرون على الطريق الذي يهوى بهم في جهنم ... فهم بما هم عليه من كفر وضلال، واقعون في دائرة العذاب، ولن يخلصوا من العذاب إلا إذا تخلصوا من كفرهم، وتطهروا من شركهم، ودخلوا في حظيرة الإيمان ...
قوله تعالى:
«يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .
стр. 4264
وإذا لم يكن هؤلاء الضالون يستشعرون الخطر الذي هم فيه، ولا يرون جهنم المحيطة بهم في الدنيا، فإنهم سيرون ذلك عيانا، ويذوقونه نكالا وبلاء، يوم القيامة، يوم يأخذهم العذاب، ويشتمل عليهم، من رءوسهم إلى أقدامهم، ويوم يقول لهم الحق : «ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .. فهذا هو عملكم الذي كنتم تعملونه في الدنيا ... لقد عملتم شرا فطعموا من هذا الشر!.
الآيات: (٥٦- ٦٠) [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٦ الى ٦٠]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)
التفسير:
قوله تعالى:
«يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ» .
مناسبة هذه الآية والآيات التي بعدها للآيات السابقة، أن الآيات السابقة كانت حديثا إلى المشركين من قريش، وما يتحدون به رسول الله من إنزال آية مادية عليهم، ومن استعجال العذاب الذي يتهددهم به- فجاءت
стр. 4265
الآيات بعد هذا حديثا إلى المسلمين الذين كانوا قلة مستضعفة في مكة، يلقاهم المشركون بالضر والأذى، ويأخذون عليهم كل سبيل إلى الاجتماع بالرسول، أو الصلاة في المسجد الحرام، أو الجهر بتلاوة القرآن ... إلى غير ذلك مما كانت تضيق به صدور المسلمين، وتختنق به مشاعر الإيمان في كيانهم، وتختفى به مظاهره على ألسنتهم وجوارحهم- جاءت هذه الآيات لتفتح للمسلمين طريقا رحبا إلى النجاة من هذا الضيق، والخلاص من هذا البلاء..
إن أرض الله واسعة، وإذا ضاقت أرض بإنسان فإن من الخير له أن يتحول عنها إلى غيرها، حيث يجد في الأرض مراغما كثيرة وسعة..
- وفي قوله تعالى: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا»
وفي إضافة الذين آمنوا إلى الله ، وندائهم إليه من ذاته جل وعلا- فى هذا احتفاء بهم، واستضافة لهم في رحاب رحمة الله وفضله وإحسانه.. وذلك لأنهم مدعوون إلى الهجرة من ديارهم، والانفصال عن أهلهم وإخوانهم، وذلك أمر شاق على النفس، ثقيل الوطأة على المشاعر، التي ارتبطت بالموطن ارتباط العضو بالجسد..
فكان من لطف الله سبحانه بعباده هؤلاء المؤمنين، الذين دعاهم إلى الهجرة من ديارهم- أن استضافهم في رحابه، وأنزلهم منازل رحمته وإحسانه، بهذا الدعاء الرحيم، الذي دعاهم به سبحانه، إليه ... «يا عبادى» .. فمن استجاب منهم لهذا النداء، وأقبل على الله مهاجرا إليه بدينه، تلقّاه الله سبحانه بالفضل والإحسان، وأنزله منزلا خيرا من منزله، وبدّله أهلا خيرا من أهله!.
وقد استجاب المسلمون لهذا النداء، فخرجوا مهاجرين إلى الله، أفرادا وجماعات، وكانت الحبشة أول متجه اتجه إليه المسلمون المهاجرون، فأنزلهم
стр. 4266
الله أكرم منزل، هناك.. ثم كانت الهجرة إلى المدينة، التي أصبحت مهاجر المسلمين من كل مكان، بعد أن هاجر الرسول الكريم إليها..
وهناك وجد المهاجرون إخوانا، شاطروهم دورهم وأموالهم، وآثروهم على أنفسهم بالطيب من كل شىء.
وأكثر من هذا، فإن مجتمع المهاجرين هؤلاء الذين ضمتهم مدينة الرسول، كانوا الوجه الذي تجلى فيه دين الله، وعزت به شريعته.. ومن هؤلاء المهاجرين، كان صحابة رسول الله، وخلفاء رسول الله..
وأكثر من هذا أيضا، فإن القرآن الكريم، قد أجرى ذكرا خالدا لهؤلاء المهاجرين، وأشار إلى منزلتهم العليا عند الله، وما أعد لهم من أجر عظيم، وثواب كريم، لم يشاركهم في هذا أحد من المسلمين، إلا الأنصار، الذين نزل المهاجرون ديارهم، ووجدوا ما وجدوا من برهم وإحسانهم ...
وهكذا، استظل المهاجرون بظل هذا النداء الكريم ... «يا عبادى» فكانوا منه في نعمة سابغة، وفضل عظيم، فى الدنيا والآخرة جميعا.
وفي قوله تعالى: «إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ»
.. توجيه لأنظار المسلمين إلى سعة ملك الله ، وإلى أن يمدوا أبصارهم إلى أبعد من هذا الأفق الضيق المحدود، الذي يعيشون فيه، والذي يحسب كثير منهم أن الأرض كلها محصورة في هذه الرقعة التي يتحركون عليها، ويضطربون فيها.. وكلا فإن أرض الله واسعة، أكثر مما يتصورون ... فليخرجوا من محبسهم هذا، ولينطلقوا في فجاج الأرض، الطويلة العريضة، وسيجدون في منطلقهم هذا، سعة من ضيق، وعافية من بلاء.. والله يقول: «وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً» (١٠٠: النساء) .
стр. 4267
- وقوله تعالى: «فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ»
... أي فاجعلوا عبادتكم لى وحدي، لا تشركون بعبادتي أحدا ...
والفاء في قوله تعالى: «فَإِيَّايَ»
تفيد السببية.. حيث كشف قوله تعالى: «إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ»
عن إضافة هذه الأرض إلى الله سبحانه، كما كشف عن سعة هذه الأرض، وأن أي مكان ينزل منها الإنسان فيه، هو في ملك الله ... وإذ كان ذلك كذلك، وجب أن يفرد وحده سبحانه بالعبادة، كما أفرد جل شأنه بالملك ...
هذا، والآية الكريمة دعوة سماوية إلى تحرير الإنسان، جسدا، وعقلا، وقلبا، وروحا، من كل قيد مادى، أو معنوى، يعطل حركته، أو يعوق انطلاقه، أو يكبت مشاعره، أو يصدم مشيئته، أو يقهر إرادته ...
ففى أي موقع من مواقع الحياة، وعلى أي حال من أحوالها، لا يجد فيه الإنسان وجوده كاملا محررا من أي قيد، ثم لا يعمل جاهدا على امتلاك جريته كاملة- يكون ظالما لنفسه، معتديا على وجوده ...
وإذا كانت دعوة الإسلام قد جاءت لتحرير الإنسانية من ضلالها، وفرضت على المؤمنين أن يجاهدوا الضلال والضالين، وأن يبذلوا في سبيل ذلك دماءهم وأموالهم، فإن الجهاد الحق في أكرم منازله، وأعلى درجاته، هو الجهاد في تحرير المؤمن نفسه أولا، وفي تخليصها من كل قيد يمسك بها على مربط الذل والهوان، ويحملها على أن تطعم من مطاعم الذلة والمهانة، وفي هذا يقول الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ!! قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً» (٩٧: النساء) ..
стр. 4268
فلقد توعدهم الله بالعذاب الأليم في الآخرة، لأنهم باستخزائهم وضعفهم، قد باعوا دينهم، واسترخصوا مروءتهم، فكانوا سلعة فى يد الأقوياء، لا يملكون معهم كلمة حق يقولونها، ولا يجدون من أنفسهم القدرة على دعوة خير يدعون بها ... وإنه هيهات أن يسلم لإنسان دين أو خلق، إلا إذا تحرر من كل ضعف واستعلى على كل خوف..
ومن هنا كانت دعوة الإسلام متجهة كلها إلى تحرير الإنسان، عقلا وقلبا وروحا، كما كانت دعوته إلى تحرير الإنسان وجودا وجسدا..
وقد يكون الإنسان حرا طليقا في المجتمع الذي يعيش فيه، لا يرد عليه من الجماعة وارد من ضيم أو ظلم، ومع هذا فهو أسير شهواته، وعبد نزواته، وتبيع هواه ... لا يملك من أمر وجوده شيئا ... ومن هنا كان أول ما يجاهد الإنسان هو جهاد النفس، والأهواء المتسلطة عليه منها، وهذا ما قصد إليه الرسول الكريم من قوله، وقد عاد من إحدى غزواته: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» قالوا يا رسول الله: وما الجهاد الأكبر؟ قال:
جهاد النفس» .
قوله تعالى:
«كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ» .
هو تهوين من شأن الدنيا في عين المؤمنين الذين يتهيّئون للهجرة.. فقد يحضر كثيرا منهم- وهو يأخذ عدته للهجرة- وارد من واردات الإشفاق على الأهل والولد، وما يلقى من لهفة وحنين لفراقهم، وما يجدون هم من أسى وحسرة لبعده عنهم.. إلى غير ذلك مما يقع للمرء من تصورات وخواطر فى مثل هذا الموقف- فجاء قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» مهوّنا من شأن هذه الحياة الدنيا، فإن نهاية كل حىّ فيها هو الموت.. وإذ كان ذلك
стр. 4269
هو شأنها، فإنّ التعلق بها وبأهلها، وبأشيائها، هو متاع إلى حين، ثم ينصرم الحبل بين الإنسان وبين كل ما يمسك به من هذه الدنيا، طال الزمن أو قصر- فإذا كان ما يمسك الإنسان من هذه الدنيا شىء يحول بينه وبين الطريق إلى الله، وإلى ما عند الله من ثواب عظيم وأجر كريم- فإن هذا الشيء مهما غلا، هو عرض زائل، وظل حائل، لا حساب له إلى جانب الباقيات الصالحات، وما وعد الله سبحانه عليها، من رضوان وجنّات فيها نعيم مقيم.
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .
فهذه هى الحياة الباقية، التي ينبغى للإنسان أن يعمل لها، ويحرص الحرص كلّه على ألّا يعوّقه شىء- أيّا كان- عن السعى في تحصيل كل ما هو مطلوب لها ... فالذين آمنوا بالله، وعملوا الصالحات، موعودون من الله أن ينزلهم من الجنة أكرم منازلها، وأن يحلّهم منها في غرفات يجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، لا يتحولون عنها ... وذلك هو جزاء العاملين، وإنه لنعم الجزاء.
وإن أبرز صفات العالمين، الذين يداومون على العمل ويحسنونه، هو الصبر، والتوكل على الله، فبالصبر يقهر الإنسان كل دواعى الضعف والتخاذل، وبالتوكل على الله والتسليم له، وتفويض الأمور إليه، يحلو المرّ، ويستساغ الضرّ ... وبهذا يظل العامل آخذا مكانه في موقع العمل، فيما يرضى الله، لا يتحول عنه أبدا.
وفي قوله تعالى: «لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً» وعد مؤكد، بالقسم،
стр. 4270
ونون التوكيد ... وليس وعده سبحانه في حاجة إلى توكيد، فهو محقق لا شك فيه ... ولكن لتطمئن قلوب المؤمنين، ولتثبت أقدامهم على الطريق الشاق الذين يأخذونه إلى الهجرة، وما يعترضهم عليه من دواعى الإشفاق من فراق الأهل والولد.
قوله تعالى:
«وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .
هو تطمين لقلوب المسلمين المدعوين إلى الهجرة، والذين استجابوا لها، وأعدّوا العدة لإمضائها، أو للذين هم قد هاجروا فعلا، وانقطعت موارد رزقهم التي كانت في أيديهم، بين أهلهم وفي ديارهم ... وإنه لن يأسى المسلمون على ما تركوا وراءهم من مال ومتاع، ولن يهتمّوا كثيرا لأمر المعاش، ولن يشغلوا به ... فالله سبحانه الذي يرزق الدواب في القفار، والطيور في السماء، هو الذي يتكفل بأرزاق الناس، وأن سعيهم في وجوه الأرض، وما يبذلون من حول وحيلة، إنما هو أسباب موصلة إلى ما قدّر الله لهم من رزق ... ولن ينال أحد مهما جدّ وسعى غير ما هو مقدور له.
وقوله تعالى: «وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا» إشارة إلى أن كثيرا من الدواب لا تستطيع أن تحمل رزقها، أي تحصّله بنفسها، وتصل إليه بسعيها.. وأقرب مثل لهذا مواليد الحيوان، حيث سخّر الله لها الأمهات والآباء لتعمل على إطعامها، بل وتزقّه في فمها، وتلقيه في جوفها.. وإذا بدا لنا أن بعض الدواب كالأسود والذئاب ونحوها قادرة على انتزاع غذائها من الحياة، فإن ذلك لا يعدو في حقيقته أن يكون رضاعة من ثدي الطبيعة التي خلقها الله على هذا النظام البديع المعجز، الذي يجد فيه كل كائن رزقه
стр. 4271
الذي يحفظ عليه وجوده.. وكذلك الناس بين أقوياء وضعفاء، وبين ذوى حيلة ومن لا حيلة لهم ... كلهم جميعا يرزقون من فضل الله، ويحصلون على ما قدّر لكل منهم من رزق ... وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ» .. أي فكما ترزق هذه الدوابّ التي لا حيلة لها في تحصيل قوتها، كذلك ترزقون أنتم أيها المهاجرون، وقد بدا لكم أنه قد انقطعت عنكم أسباب معيشتكم.. والله يقول: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (٦: هود) .
وقوله تعالى: «وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» أي سميع لما تدعون به من حاجاتكم، عليم، بما تحتاجون إليه، وإن لم تسألوا شيئا.
الآيات: (٦١- ٦٩) [سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦١ الى ٦٩]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
стр. 4272
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ» .
بعد هذه الوقفة مع هؤلاء المؤمنين الذين حملهم المشركون على الهجرة من أوطانهم، بما أخذوهم به من بأساء وضراء- عادت الآيات لتلقى المشركين بقدائفها المدمّرة، التي تدكّ بها حصون الشرك، وتهدم قلاعه، بحجتها الدامغة، وبيانها المبين ...
فالمشركون هنا، في مواجهة سؤال، هو: «مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ» ؟
وإنه لا يجرؤ أحد منهم أن يجيب بأن آلتهم تلك الجاثمة على الأرض، هى التي حلقت السموات والأرض، وأنها هى التي سخرت الشمس والقمر ...
فمن إذن الذي خلق؟ ومن الذي سخّر؟ جواب واحد، هو الله الذي خلق السموات والأرض وسخّر الشمس والقمر ... إنهم لا ينكرون هذا، ولا سبيل لهم إلى إنكاره.. وإذن فكيف يصرفون وجوههم عن الله، ويقبلون على هده الدّمى يعبدونها من دونه؟ أليس هذا سفها وضلالا؟ وبلى إنه السّفه والضلال والضّياع أيضا.
وقوله تعالى: «فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ» هو تعقيب على هذا السؤال، وعلى
стр. 4273
الجواب الذي أجابوا به نطقا، أو إلجاء، وإلزاما، إذ لا جواب لهم غيره! «لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» .
وأنّى، بمعنى كيف، ويؤفكون، من الإفك، وهو الانصراف عن وجه الحق إلى الضلال ...
قوله تعالى:
«اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» .
«هذه الآية تعقيب على ما تقرر في الآية السابقة من استسلام المشركين لما ألزمتهم به من حجة، لم يجدوا معها سبيلا إلا الإذعان والإقرار، بأن الله سبحانه هو الذي خلق السموات والأرض وسخّر الشمس والقمر..
وإذا كان ذلك كذلك على ما أقروا به، فليعلموا إذن أن الله هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، ويقدر له، فيوسع الرزق لمن يشاء، ويقدره أي يضيقه على من يشاء، حسب علمه، وحكمته.. «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» فلا يفعل ما يفعل إلا عن علم، وما كان فعلا عن علم، فهو أصلح الأفعال، وأنسبها، وأعدلها، وأحكمها..
قوله تعالى:
«وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» .
وهذا سؤال آخر يسأله المشركون: «مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها؟» فما جوابهم على هذا؟.
لقد أقروا- طوعا أو كرها- أن الله هو الذي خلق السموات والأرض وسخّر الشمس والقمر.. إذ كان ذلك أمرا لا يمكن المجادلة فيه، ولا يجد معه أي عقل- مهما لج في الضلال والعناد- سبيلا إلى المماراة، والتمحك..
стр. 4274
وعلى هذا، فإنه وقد سلّم بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض وسخّر الشمس والقمر، لا بد أن يسلّم بأنه سبحانه هو الذي يملك كل ما فى السموات وما فى الأرض، وأنه هو سبحانه الذي يصرّف كل شىء فيهما..
فما ينزل من السماء من ماء، فهو من أمر الله، ومن قدرته، وتدبيره.. وما يحدث هذا الماء من آثار فى الأرض، فهو من أمر الله، ومن قدرته، وتدبيره..
وإذن، فلا جواب لهؤلاء المشركين إلا الإقرار، بأن الله هو الذي نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها.. فهذا من ذاك، أو من بعض ذاك..
- وقوله تعالى: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» هو تعقيب على هذا الإقرار، الذي ألجأ المشركين إليه، ما طلع عليهم من آيات الله، فأنوا إليه مذعنين..
وهذا مما يجدد للمؤمن نظرا إلى نعم الله، حيث قهر جلالها المشركين الضالين، فاعترفوا برب هذه النعم، وأضافوها إليه.. وإن الحمد والولاء لله، هو ما ينبغى أن يسبّح به المؤمن فى هذا المقام، مقام تلك النعمة الجليلة، وهى نزول الماء من السماء، وما لهذا الماء من آثار فى بعث الحياة فى الحياة!.
والأمر هنا فى قوله تعالى: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» هو للنبى ﷺ ، ولكل مؤمن، يتلقى هذا الجواب، على هذا السؤال: من نزل من السماء ماء فأحيا به على الأرض من بعد موتها؟ سواء أكان الجواب على هذا السؤال واردا عليه من ذات نفسه، وهو يدير نظره فى هذا الوجود، أو تلقاه من غيره، جوابا على سؤال! وفى قوله تعالى: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» إشارة إلى ما ركب كثيرا من هؤلاء المشركين من جهل، وما تغشّاهم من ضلال ... وأنهم لا يرون
стр. 4275
الحق الذي تلوح أماراته لأعينهم، ثم إنهم إذا بصّروا به، وأبصروه، لم يتقبلوه، واتهموا أنفسهم، وارتابوا فى معطيات أبصارهم، وقالوا كما ذكر القرآن: «إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ» (١٥: الحجر) .
فهذا الحمد الذي ينطق به الوجود كله، تسبيحا، وولاء لله، لا يدرك المشركون دلالته، لأنهم لا يعقلون ما ينبغى لله من تنزيه عن الشريك والولد.
قوله تعالى:
«وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» .
إن الذي يغطّى على أبصار هؤلاء المشركين، ويعمّى عليهم الطريق إلى الحق، هو اشتغالهم بهذه الدنيا، وتنافسهم على متاعها، واستهلاك أنفسهم فى الجري اللاهث وراء لذاذاتها وشهواتها. ولو أنهم تخففوا قليلا من تعلقهم بالحياة، ونظروا إليها على أنها طريق إلى حياة أخرى، أخلد وأبقى- لو أنهم فعلوا هذا لكان شأنهم مع آيات الله وكلماته، غير شأنهم هذا، ولوجدوا لدعوة لرسول آذانا تسمع، وعقولا تعقل، وقلوبا تتقبل ما تعقله العقول..
ولهذا جاء قوله تعالى: فى هذه الآية، كاشفا عن حقيقة دنيا المشركين هذه، التي فتنوا بها، وسكروا من خمرها. فما هى فى حقيقتها إلا لهو ولعب، لا يشغل نفسه بها إلا لاعب لاه، شأنه فى هذا شأن الصغار، الذين يعيشون لساعتهم، فى مرح معربد، ولهو صاحب، غير ملتفتين إلى أي شىء وراء هذا.
وقوله تعالى: «وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ» - هو عرض للجانب الآخر من حياة الإنسان، وهو الجانب الحق، الجدير بأن يلتفت الإنسان
следующие страницы →