← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

- وفي قوله تعالى: «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ» إشارة إلى أخفى لون في الصورة التي نبت منها الولد، ونشأ في حجر والديه، وإلفات للولد إلى هذا الخيط الواهي من الحياة التي كانت له، والتي أمسكت به الأم، نطفة ثم علقة.. ثم ما زالت تمسك بهذا الخيط في حرص وحذر، وتفرز له من عصارة حياتها ما يزيده على الأيام قوة ونماء، حتى تفتق عنه رحمها وليدا، طفلا، ثم ما زالت به تحمله بين يديها، وتضمه إلى صدرها، وترضعه من لبنها، حتى يفطم، ويرفع فمه عن هذا الينبوع الذي يمتص منه رحيق الحياة، ليستقبل بعد هذا ما يمده به والداه من طعام، حتى يشب ويكبر، ويستطيع أن يسعى سعيه في الحياة!. إنها رحلة استمرت نحو عامين، قطعها هذا الإنسان دائرا في فلك أمه، بين حمل ورضاعة. والوهن: الضعف.. ووهنا على وهن: أي ضعفا على ضعف.. وهو حال من الفاعل والمفعول معا في قوله تعالى: «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ» .. فالضعف الذي تبدأ به حياة الجنين، تتلقاه الأم، فيصيبها منه ضعف، هو ضعف معاناة الحمل.. فيجتمع ضعف الجنين، مع ضعف الأم الوارد عليها منه.. والفصال: الفطام، حيث يفصل الطفل عن جسد أمه، الذي يظل ملصقا به نحو عامين، فى بطنها، وعلى صدرها، وبين ذراعيها.. - وفي قوله تعالى: «أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ» تفسير للفعل «وَوَصَّيْنَا» .. إذ الوصاة تحمل دعوة إلى هدى وخير، ومضمون الوصاة هنا هو الشكر لله وللوالدين.. وقدم شكر الله على شكر الوالدين، لأن الله سبحانه هو الخالق وحده، وإذا كان للوالدين شىء هنا فهو لله أيضا، فما هما إلا من خلق الله،

стр. 4377

وما هما إلا أداة من الأدوات العاملة بقدرة الله وبأمره.. ومع هذا، فإن ذلك عمل من عملهما، يجزيهما الله عليه، وهو حق لله جعله الله لهما على أبنائهما، فضلا منه- سبحانه- وإحسانا. وقوله تعالى: «إِلَيَّ الْمَصِيرُ» - إشارة إلى أن الله ، له كلّ شىء في هذا الإنسان الذي ولد لهذين الأبوين، وأن هذه المشاركة التي تبدو للوالدين في إيجاد الولد، ليست إلا مشاركة ظاهرية، إن أعطت الوالدين حقّ الإحسان إليهما، والبرّ بهما، فلن تعطيهما حقّ العبادة، على نحو ما كان عليه معتقد أولئك الضالين، الذين يعبدون أصولهم من آباء وأجداد! ومن جهة أخرى، فإن قوله تعالى: «إِلَيَّ الْمَصِيرُ» تنبيه إلى هذا الحق الذي للوالدين على الولد، وأنه إذا قصّر في أدائه لهما، فإنه سيحاسب عليه يوم الحساب، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ويعرضون عليه.. لا تخفى منهم خافية. - وفي قوله تعالى: «وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» - إشارة إلى موقف آخر، مختلف عن الموقف الأول، الذي يكون فيه الابن مؤديا حق والديه، قائما ببرّهما والإحسان إليهما.. وفي هذا الموقف يكون الأبوان على غير الطريق المستقيم، على حين يكون ابنهما على طريق الهدى والإيمان.. إنهما مشركان بالله، وهو مؤمن.. وقد رأيا في إيمان ابنهما بالله خروجا على طاعتهما، واستخفافا بدينهما لذى يدينان به، وخروجا على تقاليدهما الموروثة عن الآباء والأجداد.. وهنا يقع الصدام، ويكثر الشد والجذب.. فالأيوان يؤرّقهما هذا الذي استحدثه ابنهما من دين، والابن على يقين من أمره، وعلى بصيرة من دينه، وإنه لا سبيل إلى أن يجمعه وإياهما طريق، إلا أن يؤمنا بالله، وهيهات..! والابن المؤمن هنا، بين حقين يتنازعانه.. حق الله، وهو الإيمان به، وحق

стр. 4378

الوالدين، وهو طاعتهما، والامتثال لما يدعوانه إليه من شرك وضلال. وإنه لا خيار.. فإن حق الله أولى وألزم.. إنه يجبّ كل حق، ويعلو على كل واجب.. ولكن مع هذا، فإنه يبقى- مع الاحتفاظ بحق الله، والوفاء به- اللطف، والرفق، والمحاسن.. فإن ذلك لا يجور على حق الله ولا يؤثر في الإيمان الذي عمر به القلب: «وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما.. وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» .. فهذا هو أعدل موقف يأخذه الإنسان هنا، فيحتفظ فيه بحق الله، ولا يجحد بعض ما لأبويه من حقوق. روى عن سعد بن أبى وقاص- رضى الله عنه- أنه كان يقول «كنت رجلا برّا بأمى، فلما أسلمت قالت يا سعد: وما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتدعنّ دينك هذا، أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتغيّربى، فيقال: يا قاتل أمه!! قلت لا تفعلى يا أمّه، فإنى لا أدع دينى هذا لشىء.. فمكثت يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت قد جهدت، فمكثت يوما وليلة لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها.. فلما رأيت ذلك قلت: يا أمه، تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما تركت دينى هذا لشىء.. فإن شئت فكلى، وإن شئت لا تأكلى، فلما رأت ذلك أكلت» ! - وقوله تعالى: «وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ» توكيد لما جاء في قوله تعالى: «فَلا تُطِعْهُما» ومعطوف عليه. وسبيل من أناب إلى الله، هو سبيل المؤمنين، كما يقول سبحانه: «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» (١١٥: النساء) . وقوله تعالى: «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» قطع لهذا الجدل،

стр. 4379

وذلك الخلاف حول الإيمان والشرك، فيما يدور بين الابن وأبويه، وإحالة لهذا الخلاف إلى الله ، ليحكم فيه، ويجزى كلّا بما عمل. قوله تعالى: «يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ، أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ» . المثقال: ما يوزن به.. وحبة الخردل: بذرة نبات الخردل.. عادت الآيات، لتصل ما انقطع من عظة لقمان لابنه.. وقد حذرته الآية السابقة من أعظم خطر يتهدد الإنسان، ويقضى عليه، وهو الشرك بالله. وفي هذه الآية، يكشف لقمان لابنه عن علم الله، وبسطة سلطانه، حتى يعبده عن علم به، ومعرفة بما ينبغى له من كمال وجلال. فالله سبحانه، الذي يستحق أن يعبد، وأن يفرد بالعبادة، هو المالك لهذا الوجود، العالم بكل صغيرة وكبيرة فيه. حتى الحبة من الخردل، وهى من الصغر بحيث لا تكاد تمسك بها الأصابع.. هذه الحبة، إن تكن في أي مكان فى هذا الوجود.. إن تكن في صخرة، أىّ صخرة من صخور الأرض، أو تكن في السموات التي لا حدود لها، أو تكن في الأرض، على أي عمق منها، وفي أي مكان فيها- هذه الحبة الضالة الغارقة في بحر هذا الوجود، يأتى بها الله، ويخرجها من هذه الأعماق السحيقة في أحشاء الكون.. «إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ» ينفذ نور لطفه إلى كل شىء، «خبير» متمكن من كل شىء، ويعلم كل شىء علما كاشفا.. قوله تعالى: «يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» .

стр. 4380

وبعد أن كشف لقمان لابنه عن قدرة الله، وعلمه، وحكمته، دعاه إلى عبادته، حتى إذا عبده كانت عبادته عن علم ومعرفة بمن يعبد.. وذلك مما يعطى العبادة مفهوما صحيحا، فيخشع لها القلب، وتسكن بها الجوارح، وتنتعش بها المشاعر.. أما العبادة التي لا تقوم على علم، فهى كالزرع الذي لا يقوم على سوق، أو جذور. والصلاة، هى رأس العبادات في كل شريعة، وهى عمود الدين، فى كل دين.. ولهذا كان مقامها هنا هو المقام الأول: «يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ..» .. ثم جاء بعد ذلك، ما تعطيه الصلاة من ثمر، وهو إصلاح كيان الإنسان، وتنقيته من الشوائب والأدران، فيصبح رسولا كريما من رسل الهدى والخير فى الناس، حيث ائتمر بالمعروف، وانتهى عن المنكر، وهذا ما يدعوه إلى أن يكون داعيا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، إن لم يكن بلسانه، فيعمله، وبما يجد الناس فيه، من الأسوة الطيبة والقدوة الصالحة!! فمن ائتمر بالمعروف وانتهى عن المنكر، كان أشبه بالمرآة الصقيلة يرى الناس عليها وجه الخير والإحسان، فيتمثلونه ويتخذونه قدوة لهم. وقوله تعالى: «وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ» .. إلفات إلى هذا الزاد الطيب الذي يتزود به الإنسان في الحياة، ويستعين به على الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر، وذلك الزاد، هو الصبر.. فإنه إذا قل حظ الإنسان من الصبر، فلن يجد العزم الذي يمضى به التكاليف ويقضى به الحقوق. ولهذا كانت دعوة الإسلام إلى الصبر دعوة مؤكدة، حيث يستدعى الصبر عند كل عظيمة، ويهتف به عند كل أمر ذى شأن.. ففى ميدان القتال.. لا عدّة للمؤمن أعظم ولا أقوى من الصبر.. «وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ

стр. 4381

الصَّابِرِينَ» .. (٤٦: الأنفال) .. «بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» (١٢٥: آل عمران) «وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» .. إنه لا عاصم للإنسان من الخسران، إلا أن يعتصم بالإيمان، والصبر.. والصبر، مع أنه مطلوب في كل حال، فإن الحاجة إليه أشد، والطلب له أقوى وألزم، حين يواجه المرء ما يكره من عواقب الأمور.. فهنا يكون الإنسان أمام امتحان قاس لإيمانه بربه وتوكله عليه، وتفويض أمره كله إليه.. فإن لم يجد من الصبر ما يمسك عليه إيمانه، ويقيم وجهه على الرضا والتسليم لله، استبدّ به الجزع، وقتله الهمّ، ووقعت بينه وبين ربه غيوم من التهم والظنون.. وهذه أول مزالق الشرك والكفر بالله.. - وفي قوله: «إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» - الإشارة «ذلك» إلى الصبر.. أي إن ذلك الذي تدعى إليه، وهو الصبر، هو من عزم الأمور، أي من جدّها، وصميمها، ولبابها.. وأنه مما ينبغى أن يحصّله الإنسان، ويربّى نفسه عليه، ويروضها على احتمال أعبائه.. إنه لن يرتفع الإنسان عن مستوى هذا التراب، إلا إذا حلّق بهذين الجناحين: الإيمان، والصبر.. قوله تعالى: «وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً.. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ» . الصّعر: ميل الخدّ كبرا وتعاليا.. والمرح: الخفّة عن تيه، وعجب..

стр. 4382

وإنه من كمال الإنسان أن يجمّل ظاهره، كما يجمل باطنه.. إذ كان الظاهر هو بعض ما يقرزه الباطن، وينضح به.. وليس صعر الخد، والتبختر في المشي، إلا من مشاعر التعالي، والعجب، وذلك مما يعزل الإنسان عن الناس ويعزل الناس عنه، ولا يكون من هذا إلا الجفاء، ثم العداوة والبغضاء.. - وفي قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ» - إشارة إلى أن صاحب الكبر، والتيه، كما يلقى الكراهية، والنفور من الناس، فإنه يلقى البغض من الله، والبعد عن مواقع رضاه.. لأن الكبر مفتاح كل رذيلة، وباب كل شر وضلال.. وما أوتى المشركون الذين تحدّوا رسالة الإسلام، وعموا عن مواقع الهدى منها- إلا من كبرهم، وعجبهم بأنفسهم، وبما زينت لهم أهواؤهم.. قوله تعالى: «وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ.. إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» هو من بعض ما يجىء من التيه والكبر من شر.. حيث يخرج الإنسان في مشيه عما اعتاد الناس في مشيهم، فيصرع أو يبطىء لغير داعية، إلا أن يرى الناس أنه على غير شاكلتهم.. كذلك رفع الصوت، وإطلاقه على مداه، من غير سبب، هو استخفاف بالجماعة، وخروج على مألوفها، وإلفات لهم بهذا الصوت المدوى، إلى مصدره!. والقصد في المشي، هو الأخذ بالوسط منه، فلا إسراع ولا إبطاء، ما دام الإنسان على حال لا تقتضى هذا أو ذاك، ولا تستدعيه. - وفي قوله تعالى: «وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ» إشارة إلى كسر حدة الصوت

стр. 4383

حياء من الناس أن يأتى هذا المنكر- وهو رفع الصوت- أمامهم، تماما، كما يغض الإنسان بصره عن الأمور المنكرة، حياء من الله، وحياء من الناس! - وفي قوله تعالى: «إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» تنفير من رفع الصوت والخروج به على حدود الحديث المدار بين الجماعة- ولكأن هذا الذي يطلق صوته على مداه في مجلس من المجالس، هو حمار، أطلق صوته، فقطع على الجماعة حديثها.. فليكن مثل هذا الحمار إن شاء!. الآيات: (٢٠- ٢٨) [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٠ الى ٢٨] أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)

стр. 4384

التفسير: قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ» . كانت قصة لقمان، وما آتاه الله من حكمة، عرف بها ربه، وأقام كيانه كله على حمده وشكره، ثم ما كان من وصاته لابنه، ورسم معالم الطريق إلى الخير، والهدى، له- كانت هذه القصة معرضا للمشركين يرون فيه مواقع رحمة الله في عباده، وما يسوق إليهم من نعمة العلم الذي يعرفون به ربّهم فيما جاءهم به رسول الله من آيات الله..، إن ذلك هو خير ما يصيب الإنسان فى حياته، وما يحصّل من رزق في دنياه.. وليس المال، ولا الجاه، بالذي يرفع منازل الرجال، وينزلهم منازل الرضوان عند الله، وإنما العلم- والعلم وحده- هو الذي يحقق إنسانية الإنسان، ويعلى مقامه في الناس. وها هو ذا رسول الله، يحمل الحكمة إلى هؤلاء المشركين، ويكشف لهم بها الطريق إلى الله ولكنهم مع هذا، يأبون أن يقبلوا هذا الخير المساق إليهم، وأن ينتفعوا به.. والآيات هنا تعرض صورا من مظاهر قدرة الله، فيها الحكمة، لمن يعنيه أن يكون من أهلها.. فهؤلاء المشركون، تظلّهم نعم الله، بما سخر في السماء من شمس، وقمر، ونجوم، وتغمرهم آلاؤه بما سخر لهم في الأرض من حيوان، وما أجرى فيها من ماء، وما أخرج منها من نبات- ومع هذا فإنهم لا يلتفتون إلى شىء

стр. 4385

من تلك النعم، وإن التفتوا إلى شىء منها لم يكن لهم منه عبرة وعظة.. بل هم على ما هم عليه من ضلال وعمى، لا تزيدهم الآيات إلا كفرا وعنادا، ولا يزيدهم النور إلا عمى وضلالا.. - وقوله تعالى: «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً» . الإسباغ: الإفاضة والشمول، عن سعة وكثرة.. والنعم السابغة: الكثيرة المتعددة- ودرع سابغة: أي ضافية، كاسية، ومنه قوله تعالى: «أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ» (١١: سبأ) . والنعم الظاهرة: ما يعرفها الإنسان، ويلمسها بحواسه، أو يدركها بعقله.. والنعم الباطنة، هى ما لا يعلمه الإنسان من أسرار هذا الوجود الذي يعيش فيه.. والنعم الظاهرة قليلة لا تكاد تذكر إلى جانب النعم الباطنة، التي تغمر الإنسان ولا يشعر بها، ولا يعلم من أمرها شيئا.. وما كشف عنه العلم من أسرار الحياة، لا يعدو أن يكون سطورا من مقدمة كتاب الوجود، وما فيه من أبواب وفصول ... - وفي قوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ» إشارة إلى هؤلاء المشركين، وما هم فيه من لجاج، وعناد، مع ما يتلى عليهم من آيات الله.. إنهم يجادلون ويجادلون، وكل ما معهم من أسلحة في هذا الميدان هو الجهل والعناد.. إذ ليس معهم «علم» حصّلوه بالنظر والتأمل، ولا «هدى» تلقوه من الرسول الذي جاءهم بالبينات من رب العالمين ولا «كتاب منير» تلقوه عن رسول من رسل الله، وانتفعوا بما فيه من علم وهدى.. ومع هذا فهم يجادلون في الله، وفي تصورهم لذاته وصفاته، على هذا النحو من التصور الفاسد، الذي يجعل الله على مستوى بشرى، كشيخ قبيلة،

стр. 4386

أو ملك من ملوك فارس أو الروم، أو أمير من أمراء الأمصار على تخوم مملكتى فارس والروم!. - وفي قوله تعالى: «وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ» - إشارة إلى ما بين يدى أهل الكتاب من كتب سماوية، كان من شأنها أن تكون كتبا منيرة لهم، تكشف ظلمات الجهل، وتبدو غياهب الضلال، ولكن أهلها غيّروا معالمها، وأخفوا الحق الذي فيها، وأوقعوا الناس منها في حيرة وعمى!. قوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ» . هذا موقف من مواقف الضالين في مواجهة الحق، وفي لقاء من يدعوهم إليه.. وهم في هذا الموقف إنما يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.. فإذا دعوا إلى الله، وإلى اتباع ما أنزل الله، «قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا..» .. تلك هى حجتهم، وهذا هو مستندهم.. إنهم أوفياء لآبائهم، حريصون على الاحتفاظ بتراثهم، وليس شأنهم شأن من يتنكر لقومه، ويخرج على تقاليد الآباء والأجداد، فذلك فوق أنه عقوق: هو عدوان على تلك الجامعة العصبية التي تجمع أبناء القبيلة تحت راية واحدة، سواء أكانت راية حق أو باطل.. لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... فى النائبات على ما قال برهانا إنه لا منطق ولا عقل، ولا دليل ولا برهان.. وإنما هى عصبية عمياء، كما يقول ، على لسانهم: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» (٢٣: الزخرف) .

стр. 4387

- وقوله تعالى: «أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ» - هو استفهام توبيخى لهؤلاء المشركين الذين يتلقون معتقدهم عن آبائهم، دون أن يكون لهم نظر أو رأى فيما تلقوه، ودون أن يتعرفوا إلى حقيقة هذا المعتقد، وما فيه من حق أو باطل، ومن خير أو شر، وإنما يأخذونه كما هو، عادة من العادات، وتقليدا من التقاليد.. فلو أن آباءهم هؤلاء جاءوا إليهم على صورة شياطين يدعونهم إلى جهنم ويفتحون لهم أبوابها، لاستجابوا لهم، ولاقتفوا آثارهم، دون وعى، أو التفات إلى النار التي هم مدفوعون إليها، إنه التقليد الأعمى، والمتابعة الحمقاء، التي يسلّم فيها المرء وجوده كله لغيره، دون أن يجعل لعقله حق النظر والاختيار. وإنه لعدوان أثيم على الجانب الروحي في الإنسان، وذلك بحرمانه من أن يذوق بوسائله الإدراكية، والشعورية، والوجدانية، ما يغذّى هذا الجانب ويرضيه تماما كما يفعل الإنسان فيما يتصل بغذائه الجسدى، فهو الذي يتخير طعامه، ويذوقه، ويمضغه، فإن استساغه تركه يأخذ سبيله إلى جوفه، وإن مجّه، أو استخبثه، ألقى به من فيه. وحمى جوفه من سوء ما ينحم منه. فكيف يقبل الإنسان أن يدع لغيره اختيار ما يغذّى روحه ومشاعره، ووجدانه؟ إن ذلك أشبه بالتغذية الصناعية، التي يعيش عليها الأطفال أو المرضى، لا يفيد منها الجسم إلا بالقدر الذي يمسك عليه الحياة.. هذا إذا كان الغذاء الصناعى طيبا سليما.. فكيف به إذا كان خبيثا فاسدا؟. قوله تعالى: «وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» .

стр. 4388

وإذا كان هؤلاء المشركون قد أسلموا وجههم للشيطان، وأعطوه أيديهم، فأخذوا طريقهم معه إلى جهنم، فإن المؤمنين الذين أسلموا وجوههم إلى الله، فآمنوا به ثم أتبعوا إيمانهم بالعمل الصالح، الذي يقتضيه منهم إيمانهم- هؤلاء قد أمسكوا بحبل النجاة، الذي يعصمهم من الغرق، ويسلمهم إلى شاطىء السلامة والأمن.. وفي تعدية الفعل «يسلم» بحرف الجر «إلى» بدلا من اللام، كما في قوله تعالى «فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ» - فى هذا إشارة إلى أن في هذا الإسلام معاناة، وصراعا داخليا في كيان الإنسان، حتى إن المرء ليقود نفسه ويدفعها دفعا إلى الله.. وذلك ما كان في أول الإسلام، حيث كان المسلمون تحت ظروف قاسية قاهرة.. والعروة: ما يناط به الشيء، ويعلق به، ومنه عروة القميص، وهى ما يدخل فيه لزر.. وجمعها عرى.. والوثقى: القوية، المتينة.. مؤنث الأوثق.. ومنها الثقة: وهى الشعور بالاطمئنان للشىء الموثوق به. وقوله تعالى: «وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» أي إلى الله سبحانه المرجع والمآل، لكل أمر، فما يفعله الناس، وما يتلبسون به، من إيمان أو شرك، ومن خير أو شر، فإن إلى الله مرجعه، وعند الله الجزاء عليه.. قوله تعالى: «وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» . فى هذه الآية مواساة للنبى، وعزاء له في قومه، الذين أبوا أن

стр. 4389

يستجيبوا له، وأن يمسكوا بحبل النجاة الممدود لهم.. - وفي قوله تعالى: «وَمَنْ كَفَرَ» - إشارة إلى أن هؤلاء المشركين الذي ظلوا على شركهم، بعد أن جاءتهم دعوة الحق، قد كانوا أهل فترة قبل الدعوة، أي غير واقعين تحت دينونة الحساب والجزاء، فلما بلغتهم الدعوة ولم يستجيبوا لها، لزمهم هذا الوصف، وهو الكفر، ووقعوا تحت دينونة الحساب والجزاء.. فكأنّ هذا الكفر الذي وصفوا بهم طارئ عليهم، مستحدث فيهم! ولهذا جاء الخطاب على أسلوب الشرط، الدال على الاستقبال والتجدد معا.. - وفي قوله تعالى: «إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا» تهديد لهؤلاء المشركين الكافرين، ووعيد لهم بالعذاب الأليم، الذي هو الجزاء لأهل الشرك والكفر.. - وفي قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» .. بالانتقال من الخطاب إلى الغيبة- إشارة إلى أن الله ، وإن كان عند المشركين والكافرين، غائبا عنهم، لا يشهدون جلاله، ولا يستحضرون عظمته وقدرته، فإنه عليم بما توسوس به النفوس، وما تكنّه الصدور.. قوله تعالى: «نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ» .. هو وعيد بعد وعيد لهؤلاء المشركين، وأنهم إذا تركوا وما هم فيه من أمن وسلامة، وعافية في أموالهم وأنفسهم، فذلك ظل زائل، لا يلبث أن يزول،. ثم إنهم بعد هذا ليساقون سوقا، ويؤخذون قهرا إلى المصير المشئوم الذي هم صائرون إليه، وهو العذاب الغليظ يوم القيامة..

стр. 4390

ووصف العذاب بالغلظ، كناية عن شدته، وقسوته.. قوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . أي أن هؤلاء المشركين، لو سئلوا عمن خلق السموات والأرض، لما وجدوا جوابا إلا جوابا واحدا، ولقالوا: - اضطرار أو اختيارا- خلقهن الله! فإنهم لن يستطيعوا أن يضيفوا خلق السموات والأرض إلى غير الله.. فهذه حقيقة أكبر من أن يتسع لها مراء الممترين، وافتراء المفترين.. إن المشركين ليعلمون أن لهذا الوجود خالقا، ولكن علمهم هذا قد تلبس بأوهام وظنون، واختلط بجهالات وضلالات، فلم يكشف لهم هذا العلم الطريق إلى الله، ولم يطلعهم على بعض ما لله سبحانه من كمال وجلال.. ولهذا كان الطريق بينهم وبين الله ضيقا، مظلما، معوجا، تقوم عليه، وعلى جانبه المزالق والمعاثر. - وقوله تعالى: «قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» - هو دعوة إلى النبي، وإلى كل مؤمن، بالتعقيب على هذا الجواب بحمد الله، الذي خلق السموات والأرض، فهذا الخلق- ومنه خلق الإنسان- نعمة تستوجب الحمد والشكر للخالق.. كما يقول سبحانه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» (١: الأنعام) وكما يقول سبحانه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» (١: فاطر) .. فبين يدى كل نعمة جليلة يجىء حمد الله، منبها إلى قدر هذه النعمة، ومذكّرا بما ينبغى على العباد إزاءها من حمد وشكران.. «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً» (١: الكهف) . «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (٢: الفاتحة) . - وقوله تعالى: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» - هو إضراب عن كلام سابق

стр. 4391

محذوف، دل عليه المقام، وهو لم لم يحمد المشركون الله مع إقرارهم بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، فكان الجواب: لأنهم مستكبرون، ثم أضرب عن هذا الجواب بقوله: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» وذلك ليدل على أن استكبارهم هذا كان عن جهل مطبق.. ولو كان معهم شىء من العلم لأسلمهم هذا الاعتراف إلى الإيمان بالله، والانخلاع عن عبادة غير الله، ثم لحمدوا الله مع الحامدين، وشكروا له مع الشاكرين.. وفي إطلاق نفى العلم: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» إشارة إلى أنهم لا يعلمون شيئا، أي شىء، من أي شىء.. علما نافعا، كاشفا. قوله تعالى: «لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» هو إبعاد للمشركين عن الله، وقطع للظنون التي تدور في رءوسهم، حين يدعون إلى الإيمان بالله، وإلى إفراده- سبحانه- بالعبادة، واختصاصه بالحمد، فيخيل إليهم من ظنونهم الفاسدة تلك، أن ذلك الإلحاح عليهم بالدعوة إلى الله، هو لحاجة الله إليهم، وافتقاره إلى عبادتهم.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.. فالله «سبحانه» له ما في السموات والأرض.. وإنه ليملك من هؤلاء المشركين ما لا يملكون هم من أنفسهم.. إن كل شىء فيهم، ولهم، ومعهم، هو من عند الله، وإلى الله مصيره.. فكيف يكون الخالق في حاجة إلى المخلوق؟ وكيف يكون المعطى في حاجة إلى من أعطاه؟ «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ» (٢٧: ص) . - وفي قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» توكيد لاستغناء الله عن خلقه، وأن إيمانهم أو شركهم، وحمدهم أو كفرهم، لا ينفعه ولا يضره.. فهو «الغنى»

стр. 4392

غنى مطلقا، وهو «الحميد» المستحق للحمد، حمدا مطلقا، لكل ما كان منه في خلقه، من تقدير وتدبير.. وقوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ.. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . ومما يكشف عن غنى الله الغنى المطلق، واستحقاقه الحمد، حمدا مطلقا، هو سعة ملكه الذي لا حدود له، وما لله من تصريف في هذا الملك، كيف شاءت إرادته.. لا معقب لحكمه. فلو تصور متصور أن كل ما في الأرض من شجر كان أقلاما، وأن كل مياه البحار قد أصبحت مدادا.. ثم أخذت هذه الأقلام تستملى من هذا المداد، وتكتب- من غير توقف- ما تتلقّى من كلمات الله- لما نفدت كلمات الله! وكلمات الله، هى مقدراته التي يقوم بها الوجود، وينشأ عنها كل موجود. فبالكلمة، خلق الله كل شىء.. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٨٢: يس) . - وفي قوله تعالى: «مِنْ شَجَرَةٍ» - إشارة إلى استغراق كل ما في الأرض، شجرة شجرة، من كل جنس، وكل صنف من أصناف الشجر.. ولو جاء النظم القرآنى «من شجر» بالجمع بدلا «من شجرة» بالإفراد، لما دلّ على هذا الاستغراق، الذي يشمل كل شجرة في الأرض ولكان فيه متأول يتناول بعض الشجر دون بعض، أو الشجر الذي تستعمل منه الأقلام دون غيره مثلا.. وفي التعبير بكلمات الله- وهو جمع قلّة- بدلا من «كلام» الذي هو جمع

стр. 4393

كثرة، إشارة إلى أن القليل من كلام الله، وهو الكلمات، لا ينفذ، ولو فنيت فى كتابتها الأقلام من كل شجر الأرض، وجفّت في مدّ هذه الأقلام بالمداد كلّ بحار العالم..! فكيف بالكثير من كلام الله. هذا، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (١٠٩: الكهف) . وفي هذه الصورة، لم تذكر الأقلام التي تستملى من هذا البحر، اكتفاء بما جاء هنا من ذكر الأقلام.. فالصورتان تكمل إحداهما الأخرى، وليست إحداهما تكرارا للأخرى، كما يبدو ذلك في ظاهر الأمر. ويلاحظ أن البحر هنا يمدّه من بعده سبعة أبحر، على حين أنه في سورة الكهف يمدّه بحر مثله.. وقد يبدو أن في هذا تناقضا عند من يأخذ بظاهر الأمور، ولا يتعمق النظر فيها.. إن الأمر قائم على الفرض، وكثير من مادة الفرض وقليلها سواء فى تحقيق المطلوب منه، وهو الدلالة على سعة علم الله، وبسطة سلطانه، وامتداد ملكه، الذي لا ينفد، وأن بحرا واحدا، أو جزءا من هذا البحر ليكفى عند التجربة في الكشف عن سعة هذا العلم، وبسطة ذلك السلطان، وامتداد هذا الملك.. فالبحر الذي يمده من بعده سبعة أبحر، يواجهه الحكم بقوله تعالى: «ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ» مع السكوت عن نفاد ماء البحر. والبحر الذي يمده بحر مثله، يواجهه الحكم بقوله سبحانه: «لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» .

стр. 4394

ففى كل صورة من الصورتين احتمال ترفعه الصورة الأخرى. والاحتمال في قوله تعالى في سورة الكهف: «لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» هو أنه يمكن أن تنفد كلمات الله، لو جىء بمثلى هذا البحر، مددا، أو بثلاثة أمثاله.. وقد رفع هذا الاحتمال قوله تعالى فى سورة لقمان: «وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ» . والاحتمال في قوله تعالى في سورة لقمان: «وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ» - هو أن الأبحر لم تنفد، وأن كلمات الله لم تنفد، وأنه لو نفدت الأبحر لنفدت كلمات الله، وقد رفع هذا الاحتمال قوله تعالى في سورة الكهف: «لَنَفِدَ الْبَحْرُ» .. وعد إلى الآيتين مرة أخرى: «وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ.. ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ» .. (لقمان) «قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً» (الكهف) واجعل من الآيتين آية واحدة، تجد الأبحر قد نفدت، وما نفذت كلمات الله، وتجد كلمات الله لا نفاد لها، ولو مدّ البحر، لا ببحر واحد مثله، بل بسبعة أبحر!. هذا كلام الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه.. «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» . - وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» توكيد لسلطان الله، وتمكنه تمكن العزيز الذي لا يغلب، الحكيم الذي تجرى أحكام عزّته على العدل

стр. 4395

والإحسان، لا العسف والجبروت، شأن كل عزّة لا تحكمها الحكمة. قوله تعالى: «ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» . كانت الآية السابقة معرضا فسيحا لقدرة الله، وإنه لا يحسن النظر فيه، والإفادة منه، إلا من أوتى بصرا نافذا، وبصيرة مشرقة، ثم كان معه- مع هذا- قلب مؤمن.. وفي هذه الآية، معرض محدود من معارض هذا الوجود، وهو معرض الخلق والبعث.. ثم أجمل هذا العرض في وحدة من وحدات الخلق، وهى الإنسان، فى ذات واحدة، ونفس واحدة.. فهذا الإنسان، فى خلقه، وبعثه، يكفى النظر إليه وحده، فى الاستدلال على قدرة الله، وعلى أنه هو الخالق لهذا الوجود الذي لا حدود له.. فمن نظر إلى الإنسان، وإلى أصل نشأته، وكيف تنقل في الخلق، من حال إلى حال، حتى صار هذا الكائن القوىّ، العاقل، الذي يمخر عباب البحر، ويغوص في أعماق المحيط، ويحلق في أجواء السماء، بل ويطأ القمر بقدميه- من نظر إلى هذا الإنسان الذي تخلق من نطفة، تخلقت من من أخلاط مختلفة، ثم نظر إليه في قوته وجبروته، ثم أعاد النظر إليه وقد ردّ إلى الشيخوخة والهرم- رأى كمال قدرة الله، وعلمه، وحكمته، وأنه وحده سبحانه، القادر على كل شىء، قدرة مطلقة لا يعجزها شىء.. وأن الذي خلق الإنسان، قادر على أن يخلق الناس جميعا، وأن الذي خلق الناس، قادر على أن يخلق السموات والأرض.. ففى القليل ما يدل على الكثير، وإن قطرة الماء لتحمل في كيانها خصائص ما في البحار كلها من مياه..!

стр. 4396

- وفي قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» . إشارة إلى شمول سمع الله لكل شىء، وإحاطة بصره بكل شىء، يستوى في هذا خفيض الأصوات وجهيرها، وقريب الأشياء وبعيدها.. وأقرب مثل لهذا- ولله المثل الأعلى- السمع والبصر، فى كيان الإنسان.. فالسمع السليم، يستقبل ويسمع جميع الأصوات الواقعة تحت دائرة حسه، لا فرق في ذلك بين كلام الإنسان، وأصوات الحيوان، وحفيف الأشجار، وهدير الرعد، وخرير الماء.. وكذلك البصر السليم، يرى كل المرئيات التي تقع في دائرته، سواء في ذلك الجميل والقبيح، والأبيض والأسود، والمتحرك والثابت. فإذا كان سمع الإنسان وبصره، يتّسعان لأكثر من شىء في وقت واحد، أفلا يكون في قدرة الله أن يسمع كل شىء، ويبصر كل شىء؟ وإذا كان الإنسان قد استطاع أن يتخذ من الوسائل ما يرى بوساطتها الأشياء البعيدة التي لم تكن تراها عينه، ويسمع الأصوات الخفية التي لم تكن تسمعها أذنه- أفلا يكون ذلك مما تطوله القدرة الإلهية وتعمل به؟ وإذا كان الإنسان قد استطاع أن ينقل الأصوات والمرئيات، لسمعه وبصره، من أطراف الأرض كلها في لحظة، أفلا تستطيع القدرة القادرة أن تفعل الكثير الذي لا حدود له في هذا المقام؟ وإذا كان بين العلماء الذين يملكون هذه الوسائل، وبين من يعيشون في حدود حواسهم الطبيعية- هذا المدى البعيد في مدركات السمع والبصر- أفلا يكون بين الله وبين خلقه، ما لا نهاية له من فروق؟ وإذن فما الفرق بين الخالق وما خلق؟ «أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ؟» (١٧: النحل) .

стр. 4397

الآيات: (٢٩- ٣٤) [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٩ الى ٣٤] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) التفسير: قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» . وهذا معرض آخر من المعارض الدالة على قدرة الله، وسعة علمه، ونفوذ سلطانه، إلى جانب تلك المعارض التي عرضتها الآيات السابقة.

стр. 4398

فهنا- فى هذا المعرض- نشهد تلك الحركة الدائبة التي يدور في فلكها الليل والنهار، على هذا النظام الدقيق البديع، الذي لا يتوقف لحظة، ولا ينحرف قيد أنملة. وولوج الليل في النهار، مغيبه فيه، ودخوله في كيانه، وكذلك ولوج النهار فى الليل، هو مغيبه في الليل، وتواريه في داخله.. ومن هذه الصورة نرى الظلام مستكنّا في أحشاء النور: «يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ» ثم نرى النور مطويّا في كيان الظلام: «وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ» .. فمن أحشاء النور يخرج الظلام، ومن أحشاء الظلام يولد النور.. وهذا من دلائل القدرة القادرة، التي تؤلّف بين الأضداد.. «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ.. ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟» (٩٥: الأنعام) . ومن آياته سبحانه، أنه سخر الشمس والقمر، وأجراهما على هذا النظام المحكم، فجعل الشمس ضياء والقمر نورا، فتتجلّى آية الشمس في النهار، ونتجلى آية القمر في الليل: «تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً» (٦١: الفرقان) .. ولكلّ من الشمس والقمر فلكها الذي تدور فيه، من غير أن ينحرف أىّ منها عن مداره: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (٤٠: يس) . وقوله تعالى: «إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» . الأجل المسمى، هو الزمن المحدد لدورة كلّ من الشمس والقمر، أو هو الأمد المحدد لهما الجريان فيه، ثم إذا انتهى هذا الأمد توقّفا، أو أخذا اتجاها آخر.. شأنهما في هذا شأن كل مخلوق.. فلا دوام لحال أبدا.. - وقوله تعالى: «وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» معطوف على قوله تعالى:

стр. 4399

«أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ ... » وكأنه تعقيب عليه.. وذلك أن الذي ينظر متأملا في نظام الوجود، وفي قدرة الله الممسكة به، لا بد أن يؤدّيه هذا النظر المتأمل، إلى إدراك هذه الحقيقة، وهو أن الله عليم بكل ما نعمل، فلا تخفى عليه خافية من أعمالنا، دقيقها وعظيمها، خيرها وشرّها.. إنه علم العليم الخبير، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.. قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» . الإشارة هنا، إلى ما عرضته الآيات من مظاهر قدرة لله، وسعة علمه.. والجار والمجرور في قوله تعالى: «بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» متعلق بمحذوف، يدل عليه السياق وتقديره: يقضى، أو يقطع. ونحو هذا.. أي أن ذلك الذي يراه الراءون في هذا الوجود من آيات القدرة، ومظاهر العلم- يقضى، ويقطع بأن الله هو الحق، أي الإله الحق، الذي يتفرد بالألوهة، من غير شريك، كما يقضى بأن تلك الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله، هى الباطل كله، لا شىء من حق فيه أبدا.. وذلك من شأنه أن يقضى ويقطع بأن الله هو «العلىّ» ، المنفرد بالعلوّ والسلطان، «الكبير» الذي له الكبرياء وحده، وأن مادونه دون ضئيل، لا وزن له، ولا قدر!. قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» .

стр. 4400

وهذه نظرة أخرى، بعد هذه النظرات التي دارت في هذا الوجود، ورأت ما رأت من آيات الله، وكشفت ما كشفت من جلاله، وعظمته، وقدرته. وهذه النظرة تتجه إلى تلك الفلك التي تجرى في البحر.. إن جريانها آية من آيات الله، لا يراها إلا كل «صبار» على ما يلقى من شدائد، فلا ييأس من روح الله، ولا يجحد حكمته فيه، وإحسانه إليه، وابتلاءه بالخير والشر.. فيصبر على البلاء، ويشكر على العافية.. - وفي قوله تعالى: «بِنِعْمَتِ اللَّهِ» - إشارة إلى أن الفلك تجرى مدفوعة بنعمة الله، ومسيّرة بقدرته.. فالباء هنا للاستعانة، كما تقول: استدفأت بالنار، وتطهرت بالماء.. وعلى هذا يكون الجار والمجرور متعلقا بقوله تعالى: «تَجْرِي» وتكون نعمة الله، هى الريح، التي تدفع الفلك.. ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا متعلقا بمحذوف، وتقديره، تجرى محملة بنعمة الله، أي بما تحمل من تجارات، تنقلها من مكان إلى مكان.. - وفي قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» - إشارة إلى أن آيات لله، لا يراها، ولا ينتفع بها إلا أهل الإيمان الوثيق بالله، الذين إذا أصابهم الضرّ صبروا، وإن أصابهم الخير شكروا.. وصبار: صبغة مبالغة: أي كثير الصبر، وذلك في جميع الأحوال، التي يبتلى فيها الإنسان بما يكره.. والشكور: للمبالغة أيضا.. أي كثير الشكر، الذي يستقبل كل نعمة من نعم الله بما تستأهل من حمد وشكران..

стр. 4401

قوله تعالى: «وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ» . هو تعقيب على قوله تعالى في الآية السابقة: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» .. والآية هنا تعرض حالا من أحوال الناس، وخاصة أولئك الذين لم يتصفوا بهذا الوصف الذي أشار إليه قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» .. أي إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين، يوجّهون وجوههم إليه وحده، يطلبون الخلاص والسلامة، فإذا استجاب الله لهم، ونجاهم مما هم فيه، لم يكونوا على حال واحدة، بل كانوا فريقين، فريق منهم «مقتصد» أي غير مسرف على نفسه في الكفر بنعمة الله، والجحود لفضله، وفريق آخر، كافر، جاحد، مسرف في كفره، وجحوده.. - وفي قوله تعالى: «وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ» مقابلة لقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ» .. فالصبار الشكور، هو المؤمن الذي يصبر على البلاء، ويشكر على العافية، و «الختار الكفور» هو الكافر، الذي يلجأ إلى الله في ساعة الشدة، وينكره ويكفر به في أوقات العافية.. والختّار: المخادع، الذي يمكر بآيات الله، فلا يعرف الله إلا وقت المحنة والضيق.. قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ

стр. 4402

وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً.. إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» . يجزى: أي يتحمل الجزاء عن غيره، ويستقلّ به دونه.. الغرور: ما يغرّر الإنسان، ويدفع به إلى مواطن البلاء، والشر.. من شيطان، أو مال، أو سلطان.. وبهذه الآية، والآية التي بعدها تختم السورة.. وفي هذا الختام دعوة عامة للناس جميعا إلى الله، وإلى الإيمان به، والخشية له، واتقاء عذابه يوم القيامة، حيث تجزى كل نفس بما كسبت، ولا يغنى أحد عن أحد شيئا.. فهنالك تتقطع الأنساب، ويشغل كل امرئ بنفسه، «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.» (٣٤- ٣٧: عبس) .. «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» (٨٨- ٨٩: الشعراء) . - وقوله تعالى: «إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» وعد الله هنا هو يوم القيامة، حيث وعد الناس بالبعث من بعد موتهم، ليلقوا جزاء ما عملوا.. وهذا وعد حق.. «وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ» (٦: الروم) . - وقوله تعالى: «فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» تحذير من الغفلة عن هذا اليوم، ومن عدم العمل له، والحذر مما يشغل الإنسان عنه، من متاع الحياة الدنيا وزخارفها، ومن المغربات التي تزين للإنسان الشر، وتدفعه عن مواقع الإحسان، بما يوسوس له به الشيطان، وما تزين له به النفس. قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي

стр. 4403

نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» .. مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة قد جاءت داعية إلى الإيمان بالله، وإلى خشية عقابه يوم القيامة.. وقد جاء فيها قوله تعالى: «إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ» ليؤكد وقوع هذا اليوم، وأنه آت لا ريب فيه، إذ كان وعدا من الله.. والله لا يخلف وعده.. وهنا في هذه الآية، تقرير لهذه الحقيقة، وتأكيد لوقوعها كما وعد الله.. وذلك أن أكثر ما أضل الضالين، هو إنكارهم ليوم القيامة، أو تشككهم فى وقوعه، إذ كان أمرا بعيدا عن متناول الحس، والإدراك، بعيدا عن التصور، إذا قيس بمقاييس المادة.. فجاءت هذه الآية لتؤكد هذه الحقيقة، ولترى أن هناك أمورا حاضرة يعمل فيها الإنسان، ثم هى مع هذا محجوبة عنه، إن عرف مبتداها، لم يعرف منتهاها، وإن أمسك بأولها، أفلت منه آخرها، ومن ذلك اتجاه مسيرة الإنسان في الحياة، وما يقرر له من رزق فيها.. إن أحدا لا يستطيع أن يخطّ المصير الذي هو صائر إليه، ولا يدرى ماذا ستطلع به الأيام عليه من خير أو شر.. فإذا كان ذلك كذلك، فلم يجادل الإنسان في أمر الآخرة؟ ولم يشكّ في وقوعها إذا كان علمه قاصرا محدودا، لا يستطيع أن يكشف به ما يلقاه في عده؟ - وفي قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» أسلوب قصر، مؤكد، ويراد به قصر علم الساعة على الله وحده. وعلم الساعة هو كل ما يتصل بها، من اليوم الذي تجىء فيه، وما يقع فيها من أحداث، وما يلقى كل إنسان من جزاء..

стр. 4404

- وقوله تعالى: «وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ» معطوف على خبر إنّ، وهو قوله تعالى: «عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» فهو جملة بمعنى يعلم.. أي إن الله يعلم الساعة، وينزل الغيث.. أي أنه سبحانه هو الذي ينزل الغيث بأمره وقدرته.. يسوقه إلى حيث يشاء، وينزله حيث يشاء، ومتى يشاء.. وليس يعترض على هذا بما يصطنعه العلم اليوم من مطر صناعى، فإن هذا المطر إنما يصطاده العلم اصطيادا، من بخار الماء الذي أنزله الله.. وإنه لا يعدو أن يكون أشبه بقطرات الماء التي تتكاثف على سطح إناء مملوء بماء مثلوج، أو قطرات الندى التي تتساقط من الهواء على النبات في الليل!. وإذا كان للعلم أن يقف لهذه الحقيقة، فليصطنع الهواء أولا، ثم ليصطنع الماء ثانيا، ثم ليجمع بين الماء والهواء ثالثا.. وعندئذ يقال إن العلم إنما يعمل فيما هو له.. أما أن يعمل العلم فيما هو لله، فهو لا يعدو أن يكون نفسه مادة من تلك المواد التي يعمل فيها. - وقوله تعالى: «وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ» معطوف على قوله تعالى: «وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ» .. وقد عرضنا لتفسير هذه الآية عند تفسير قوله تعالى: «اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ» (٨: الرعد) . وعلم الله تعالى لما في الأرحام، هو علم شامل يكشف عما في الأرحام كلها، فى الإنسان والحيوان، وما في كل رحم من ذكر أو أنثى، وما يكون لهذا المخلوق من حياة، وما يقدّر له من رزق!. وقد وقف أكثر المفسرين بمفهوم هذا العلم على نوعيّة الكائن في الرحم، أهو ذكر أم أنثى؟. وهذا مفهوم قاصر لا يناسب علم الله الواقع على ما في الأرحام.. إن علم الله علم كاشف لكل ما في الأرحام، ما كان منها، وما سيكون، ثم هو علم كاشف لكل مولود يولد منها، والصورة التي سيكون عليها، والمكان

стр. 4405

الذي يأخذه في الحياة، والخطّ الذي يسير عليه المولود من مولده إلى مماته.. هذا، وقد انزعج إيمان كثير من المؤمنين حين جاءتهم أنباء العلم، بأن العلماء قد استطاعوا- أو هم على وشك أن يستطيعوا- معرفة ما في رحم الأمّ.. من ذكر أو أنثى! ونقول لهؤلاء المشفقين على إيمانهم من هذا الذي دخل به العلم على الدين متحديا قدرة الله- كما يتصورون- نقول لهم: ليس الأمر على ما تتصورون.. فلا تضيقوا بالعلم ذرعا، ولا تنظروا إليه شزرا، بل دعوا العلم ينطلق إلى أبعد غاياته، وشاركوا في موكبه الفاتح المظفر.. فما هو إلا ضوء من أضواء الحق، تكشف عن بعض آيات الله، وعلمه، وقدرته.. وماذا على الدّين من أن ينظر العلم في آية من آيات الله، كهذه الأجنّة التي أودعها الخالق في الأرحام، فعرف العلم منها ماذا أودع الله فيها؟ وماذا على الدين من أن ينظر العلم إلى البعوضة بالمجهر، فيرى فيها كائنا سوىّ الخلق، ذا فم، وعين، وأجنحة، وأرجل.. ثم أعمل فيها مبضعه تحت المجهر، فرأى لها أجهزة للهضم والتنفس! وجوارح للسمع والبصر، والشم، والذوق؟ وماذا على الدين من العلم، لو نظر إلى الشمس، ووضعها تحت مقاييسه، فرأى فيها أنها ليست هذه الكرة الصغيرة المضيئة، التي نراها، بل رآها كونا عظيما، ملتهبا، يبلغ حجمه مليونا وربع مليون من مثل حجم الأرض؟ وماذا على الدين لو نظر العلم في المجرة فرأى فيها ملايين من الشموس التي تكبر شمسنا حجما وأثرا؟ ماذا على الدين من فتوحات العلم هذه؟ إن العلم هنا هو خير داعية إلى الله، وإلى الإيمان به، وملء القلوب والعيون جلالا وهيبة وإعظاما لله!

стр. 4406

إن العلم إنما يعمل هنا فيما خلق الله، لا فيما خلق العلم.. فليغرس الماديون الذين يجهلون قدر العلم، كما جهلوا قدر الله.. إن من صفات الله سبحانه أنه العليم، وأن العلم هو أجل نعم الله على عباده، وهو الذي ترجح به موازين الناس، وترتفع به منازل بعضهم على بعض: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ..» (٩: الزمر) .. وإنه ليكفى العلم قدرا وجلالا، أن يرفع الله قدر أهله، وينزلهم منازل رضوانه، بقدر ما حصّلوا من علم، وما حققوا من إيمان.. فيقول سبحانه: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» (١١: المجادلة) .. بل يكفى أن نظم الله العلماء في عداد الملائكة، فقال سبحانه: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ» (١٨: آل عمران) . - وقوله تعالى: «وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» هو من بعض علم الله في خلقه، وأنه سبحانه، هو الذي يقدّر الأرزاق، كما يقدّر الأعمار.. فلا يدرى إنسان ماذا قسم الله له من رزق، وماذا كتب الله له من عمر.. كما لا يدرى أحد على أي ميتة يموت، ولا في أي موضع يموت! «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» .. فهو سبحانه الذي يعلم كل هذا علم الخبير بما يعلم.

стр. 4407

٣٢- سورة السجدة نزولها: مكية عدد آياتها: ثلاثون.. آية عدد كلماتها: ثلاثمائة وثلاثون.. كلمة عدد حروفها: ألف وخمسمائة وتسعة وتسعون.. حرفا مناسبتها لما قبلها جاء في آخر السورة السابقة- سورة لقمان- قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» .. وقد تضمنت هذه الآية أمورا خمسة، جعلت علمهن مما استأثر الله بعلمه وليس لعلم الإنسان سبيل إليهن.. وقد جاء في هذه السورة- سورة السجدة- بيان شارح لهذه الأمور.. ومؤكد لتقريرها.. كما سنرى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الآيات: (١- ١١) [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩) وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)

стр. 4408

التفسير: قوله تعالى: «الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» . «الم» مبتدأ. وقوله تعالى: «تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» خبر محذوف، لمبتدأ آخر، دل عليه ما قبله، والجملة من المبتدأ المقدّر وخبره، خبر «الم» .. وتقدير هذا: «الم» ذلك «تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين» - أي على هذا الأسلوب نزل كتاب الله.. مجملا ومفصلا، محكما ومتشابها. فألف، لام، ميم.. حروف مفصلة، و «الم» كلمة واحدة.. وألف، لام، ميم، محكمة، إذ لكل حرف منها دلالته.. و «الم» متشابهة، إذ لا يعلم تأويلها في هذه الصورة المركبة، إلا الله، والراسخون في العلم. ومعنى «تنزيل» أي النزول الذي نزل القرآن على صفته من رب العالمين. - وقوله تعالى: «لا رَيْبَ فِيهِ» جملة حالية، من الكتاب.. وهى بمنزلة

стр. 4409

الصفة للكتاب، بمعنى أن الكتاب الذي نزل من عند الله، «لا رَيْبَ فِيهِ» . أي ليس فيه موضع لريبة أو شكّ، لأنه الحق الذي لا شبهة فيه.. ويجوز أن يكون معنى «لا ريب فيه» نفى الريب والشك عن نزوله من الله، أي لا ريب فى أنه نزل من عند الله. - وقوله تعالى: «مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» متعلق بقوله تعالى: «تَنْزِيلُ» أي أن ذلك الكتاب منزل من رب العالمين.. وكفى بإضافته إلى الله ، جلالا وشرفا لهذا الكتاب.. وفي إضافته إلى «رب العالمين» إشارة إلى ما يحمل إلى الناس جميعا من فضل ربهم وإحسانه إليهم، فهو- سبحانه- الرب، وهم المربوبون له، المنشّئون في ظل رعايته.. قوله تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ.. بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» . الضمير في «يقولون» يعود إلى المشركين، وهم وإن لم يجر لهم ذكر، مذكورون في هذا المقام، الذي لا يرى فيه غير أهل الشرك والضلال والعناد، الذين ينكرون الحق، ويمارون فيه.. - وفي قوله تعالى: «افْتَراهُ» عدول من الخطاب إلى الغيبة، وهذا على غير ما يقتضيه النظم، إذ كان قوله تعالى: «تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» خطابا للنبى، لأن القرآن كله خطاب من ربه إليه، ثم ما جاء بعد ذلك فى قوله تعالى: «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ» يقضى بأن يكون مقام النبي هنا مقام حضور، لا مقام غيبة.. والسؤال هنا: ما سر هذا الاختلاف في النظم؟ ولم خوطب النبي- صلوات الله وسلامه عليه- خطاب غيبة في قوله تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ

стр. 4410

افْتَراهُ» ؟ ولم لم يجر الخطاب على هذا النسق في قوله تعالى: «بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ..؟» والجواب على هذا- والله أعلم- هو أنه لما كان الافتراء، مما لا يليق بمقام النبوة، ولا يصح أن يطوف بحماها، فقد كان إكرام الله لنبيه الكريم، وإحسانه إليه، ورفعه لقدره، أن عزل سمعه عن أن يواجه بهذا المكروه من القول الذي يقوله المشركون فيه، وحتى أنهم وإن أرادوا النبي به، فإنما هو مصروف عنه إلى غيره، ممن يصح أن يكون منه افتراء.. وهذا- فوق أنه تكريم للنبى، وإعلاء لقدره- هو أدب سماوى، وإعجاز قرآنى، فى تصوير الوقع، وضبطه على أحكم ميزان، وأعدله، وأقومه.. أما حين يكون الأمر مما يخص النبي، ويتعلق برسالته، ويحقق صفته، فإنه يكون من مقتضى الحال أن يواجه النبي بالخطاب، وأن يتلقى ما يخاطب به فى مشهد وحضور، فذلك أرضى لنفسه، وأهنأ لقلبه.. ولهذا جاء قوله تعالى: «بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» . - وقوله تعالى: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ» هو إنكار لتلك المقولة المنكرة التي يقولها المشركون في كتاب الله.. فهم في هذه القولة، يرتكبون جنايتين: أولاهما: اتهام النبي بالكذب والافتراء.. وهم على علم بأنهم كاذبون مفترون، إذ أنهم يعرفون صدق هذا النبي، الذي لم يعرف الكذب في حياته، ولم يجربوا عليه كذبة منذ عرفوه، صببا، وشابا، وكهلا.. وثانيتهما: أنهم يفترون الكذب على هذا الكتاب، وهم يرون بأعينهم آيات الحق مشرقة في كل كلمة من كلماته، ومع كل آية من آياته! فلو أنهم اتهموا النبي لردّهم عن هذا ما رأوا من صدق الكتاب نفسه، ولو أنهم اتهموا الكتاب لصدّهم عن ذلك ما عرفوا

стр. 4411

من صدق النبي.. ولكنه العناد الذي يورد أهله موارد الضلال، ويرمى بهم فى مواطن السوء. - وقوله تعالى: «بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» .. إضراب على مقولتهم تلك، واعتبارها من لغو الكلام، وسقط القول، وإزالة هذا القول المنكر من هذا المقام، وإقامة الحق مقامه.. «بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» . - وقوله تعالى: «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» يتعلق بقوله تعالى: «تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» أي أن هذا الكتاب المنزل من ربك بالحق، إنما أنزل إليك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك.. والقوم هنا هم قوم النبي.. وفي ذكرهم هذا الذكر المنكر «قوما» بدلا من إضافتهم إلى النبي هكذا: «لتنذر قومك» .. إشارة إلى أنهم كانوا على حال من الضلال والضياع، بحيث كادت تذهب معالمهم، وتضيع إنسانيتهم، وفي هذا ما يدعوهم إلى النظر إلى أنفسهم، وإلى البحث عن وجودهم الضائع، حتى يجدوه في ضوء هذا النور المرسل إليهم. - وقوله تعالى: «ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ» .. إشارة إلى أن هؤلاء المشركين لم يأتهم نبى قبل هذا النبي يحمل كتابا من عند الله، يدعوهم به إلى دين الله.. وليس يرد على هذا ما كان من مقام إبراهيم وإسماعيل في هؤلاء القوم، وما كان لآبائهم الأولين من اتصال بهذين النبيين الكريمين، ومن الإيمان بهما، والأخذ عن شريعتهما، وذلك لأمرين: أولهما: أن إبراهيم ﵇ لم يلقهم لقاء مباشرا، ولم يكن من شأنه معهم أن يبشر فيهم بشريعته، وإنما أقام البيت الحرام، مع إسماعيل، وترك لإسماعيل مهمة القيام على هذا البيت، ودعوة من يلمّون به، إلى الإيمان بالله،

стр. 4412

والأخذ بشريعة أبيه إبراهيم.. وقد كان من هذا أن تابع إسماعيل على شريعة أبيه، كثير من العرب، وعبدوا الله حنفاء مخلصين له الدين. وثانيهما: أنه لما طال العهد بهؤلاء القوم، تفلتوا من شريعة إبراهيم شيئا فشيئا، حتى لم يبق في أيديهم منها إلا ظلال باهتة، وإلّا رسوم دارسة، وحتى لقد زحف الشرك على موطن الإيمان، وأجلاه من مواقعه، وأصبح بيت الله مجمعا لآلهة الضلال التي جلبوها إليه، من أصنام وأنداد. وعلى هذا تكون رسالة إسماعيل إلى العرب، رسالة قاصرة، محدودة الزمن، قد أدت دورها في فترة، لم تتجاوز جيلا أو جيلين، ثم غربت شمسها، إذ لم يكن وراءها كتاب، يقوم في القوم مقام الرسول بعد موته. وبهذا يكون المراد بالقوم في قوله تعالى: «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ» هم هؤلاء المخاطبون من المشركين، ويدخل معهم في هذا الخطاب آباؤهم الأقربون، إذ لو كان قد جاء إلى آبائهم الأقربين رسول، لكانوا محسوبين مع آبائهم هؤلاء، داخلين في دعوة الرسول الذي لقى آباءهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى. «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ» (٦: يس) . - وفي قوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ» . إطماع لهؤلاء المنذرين في الاهتداء إلى الله، وانتفاع بهذا الكتاب الذي يتلى عليهم، وأنه كتاب يرجى منه الهدى لكثير منهم، الأمر الذي تحقق فيما بعد، فآمن كثير منهم به، ودخلوا فى دين الله أفواجا..! قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى

стр. 4413

عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ» . هذا من بعض ما يحمل الكتاب من نذر ينذر بها الرسول قومه.. ففى هذا النذير إلفات إلى قدرة الله، وإلى سلطانه القائم على هذا الوجود، وأنه سبحانه هو الذي خلق السموات والأرض، وقام بسلطان قدرته عليها، وعلى تصريف كل شىء فيهما.. فليؤمنوا إذن بهذا الإله المتفرد بالألوهة، وليتركوا ما هم عاكفون عليه من أصنام.. فإن لم يفعلوا أخذهم الله بعذابه الذي لا يدفعه عنهم «ولىّ» أي قريب أو حليف، ولا يشفع لهم من بأس الله «شفيع» من تلك المعبودات التي يعبدونها من دونه، ليقربوهم إلى الله زلفى.. - وقوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» . قد عرضنا لتفسيره من قبل، فى غير موضع، وقلنا إنه ليس المراد بالستة الأيام هنا اشتغال الله بعملية الخلق طوال هذه المدة، كما فهم ذلك كثير من المفسرين، نقلا عن التوراة، وما جاء في أول سفر التكوين منها، من أن الله خلق المخلوقات في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع.. تقول التوراة: «فى البدء خلق الله السماوات والأرض..» ثم تقول وهى تعرض ما خلق الله في السموات والأرض: «وكان مساء وكان صباح.. يوما واحدا.. وكان مساء وكان صباح يوما ثانيا وكان مساء.. وكان صباح يوما ثالثا.. وهكذا إلى اليوم السادس، ثم تقول: «فأكملت السماوات والأرض وكل جندها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل» !! وهذا فهم خاطئ لقدرة الله، وتحديد لتلك القدرة، ومقايسة لها بقدرة

стр. 4414

المخلوقين، حتى إنه سبحانه- ليعمل في كل يوم عملا، ثم يستريح بعد أن يعمل، وحتى لكأنّ العمل قد أجهده وأتعبه.. وتعالى الله عما يقول الضالون علوا كبيرا.. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٨٢: يس) . وقد قلنا إن هذه الأيام، هى العمر الذي نضج في بوتقته خلق السموات والأرض، تماما كما يتخلّق كل مخلوق في زمن محدد.. من النطفة إلى الوليد، ومن البذرة إلى الثمرة.. فلكل جنين زمن يتم فيه تكوينه، ولكل ثمرة وقت تبلغ به تمامها ونضجها.. وهكذا كل مخلوق مما خلق الله!. أما حصر الخلق في الستة الأيام هذه، فذلك شأن من شئون الله في خلقه، لا يسأل عما يفعل.. «يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ» (٦٨: القصص) . - وفي قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» ما يسأل عنه: ألم يكن الله عرش يستوى عليه قبل أن يخلق السموات والأرض؟ ألم يكن هناك سلطان لله قبل أن يخلق ما خلق؟. ومع أن هذا التساؤل لا محل له، لأنه مما يتعلق بذات الله، ومما لا تناله العقول، ولا تدركه الأفهام.. فالسؤال شطط، والجواب عنه إمعان في هذا الشطط- مع هذا، فإننا لكى نرضى هذا التطلع والفضول منا، نقول: إن سلطان الله قائم أبدا، وجد هذا الوجود أم لم يوجد.. فالعلم، والقدرة، والحكمة، والسمع، والبصر، وغير ذلك من صفات الله، هى صفات أزلية قائمة بالذات، سواء ظهرت آثارها أو لم تظهر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» (٥٠: طه) .. فهداية

стр. 4415

الله للمخلوقات قائمة قبل الخلق، ولكنها تتجلى حين يظهر المخلوق، ويأخذ الانجاه الذي توجهه قدرة الله، وعلمه، وحكمته إليه.. ومثله قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» (٤٠: الروم) . فهذا الخلق، ثم الرزق، ثم الإماتة، ثم الإحياء، كلها واقعة في علم الله، مقدورة لقدرته، ولكنها تتجلى في كل مخلوق، حالا بعد حال، وزمنا بعد زمن، حسب علم الله وتقديره. واستواء الله على العرش، هو تجلّيه سبحانه على هذه المخلوقات التي خلقها، وإجراؤها على النظام الذي قدره لها.. قوله تعالى: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ» . تدبير الأمر، قضاؤه، والأمر بإنفاذه.. والمراد بالسماء هنا، الإشارة إلى متنزل هذا الأمر المدبر، وهو أنه من سلطان عال متمكن.. والمراد بالأرض: الإشارة إلى ما يقضى به الله في شأن الناس، وما يتصل بعالمهم الأرضى، إذ كانوا هم المخاطبين بهذا، والمدعوين إلى النظر فيه، وتلقّى العبرة منه.. وعروج الأمر إلى الله، هو الرجوع إليه، بعد أن يقع على الصورة التي أرادها، فيعلمه سبحانه على الصورة التي وقع عليها، وهذا العلم ليس
следующие страницы →