والسؤال هنا: هل الروح والنفس حقيقة واحدة، أم هما حقيقتان؟ وإذا كانتا حقيقتين، فهل هما من طبيعة واحدة أم من طبيعتين مختلفتين كالاختلاف الذي بينهما وبين الجسد؟
إن القرآن الكريم يحدثنا عن الروح، وعن النفس..
وفى حديث القرآن عن الروح. نجد أنها نفحة الحياة فى الإنسان، وأنها من روح الله، فيقول سبحانه فى خلق آدم: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» (٢٩ الحجر) ويقول سبحانه: «ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» (٩: السجدة) ويقول سبحانه فى خلق عيسى ﵇: «وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» (١٢: التحريم) .
فالرّوح هى مبعث الحياة فى الإنسان، وهى التي تخرج هذا الجسد الهامد إلى عالم الحياة والحركة..
والإنسان فى هذه الحدود، لا يخرج عن كونه حيوانا، ذا جسد حىّ، يتنفس، ويتحرك ويطلب الغذاء الذي يحفظ حياته..
فهل للحيوان روح كهذه الروح التي تلبس الإنسان، وتكسوه حياة وحركة؟
إننا إذا رجعنا إلى قوله تعالى عن الروح: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» - تجد أن الروح التي تلبس الكائن الحي- من إنسان أو حيوان- هى روح، وهى من أمر الله! ولكننا إذ ننظر فى قوله تعالى فى خلق آدم: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» وقوله سبحانه: «ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» - نجد مزيدا من؟؟؟ الإحسان والتكريم للإنسان، بإضافة روحه إلى الله ..
стр. 4972
وهذه الإضافة تضفى على روح الإنسان صفاء إلى صفاء، وقوة إلى قوة..
وإنه إذا كان لا حديث للعلم فى هذا الأمر الغيبىّ، فإن المشاهدة تدعونا إلى القول بأن الأرواح التي تلبس الكائنات الحية- بما فيها الإنسان- ليست على درجة واحدة من القوة التي تنبعث منها فى الكائن الحي، وفى الآثار التي تحدثها فيه..
ففى عالم الحيوان مثلا.. نجد من الحيوانات مالا تكاد تحسّ فيه الحياة، كالديدان مثلا، كما نجد حيوانات تكاد تعقل، كالقردة.. وبين هذه وتلك أنماط كثيرة من الحيوات التي تلبس عالم الحيوان..
وهذا يعنى أن اختلافا ما بين روح وروح إن لم يكن فى النوع ففى القدر، وفى الدرجة.
ومن جهة أخرى، فإننا نجد فى عالم البشر أناسا لا يبتعدون كثيرا عن عالم الحيوان، بينما نجد الذكاء والألمعية والعبقرية فى أناس آخرين.
وهؤلاء وأولئك جميعا يلبسون أرواحا من مورد واحد، هى نفخة الله فى الإنسان.. وهذا يعنى أن الاختلاف فى الأرواح البشرية ليس فى النوع، وإنما فى القدر والدرجة.. أيضا.. بمعنى أن الاختلاف بين إنسان وإنسان فى العقل، والذكاء، والبصيرة، هو اختلاف فى القدر الذي كان للجسد من عالم الروح، وفى الكمية- إن صح هذا التعبير- التي فاضت عليه من هذا العالم!! وهذا أيضا ما يشير إليه الفلاسفة فى حديثهم عن الروح، وأن كل جسد إنما تلبسه روح خاصة به، مقدرة بحسب استعداده الفطري، وقدرته على احتمال ما يفاض عليه منها..
стр. 4973
وإذن فهذا الاختلاف بين الكائنات الحية ومنها الإنسان- هو أثر من آثار الروح التي لبسته، وأنه بقدر حظه من الروح- قدرا لا نوعا- يكون حظه من الترقي فى سلم الحياة.
وإذا كان لنا أن نشبه عالم الروح بمولد كهربائى عظيم، وكان لنا أن نشبه الأجسام بلمبات الكهرباء، على اختلاف قوتها، مما هو دون الشمعة، إلى آلاف الشمعات- كان لنا أن نتمثل الأجسام، أو اللمبات الكهربائية، وقد اتصلت بالمولد الكهربائى العظيم، فأخذ كل جسم أو كل لمبة بقدر قوته من النور الكهربى، أو من عالم الروح! ..
وعلى هذا نرى أن الكائن الحي، جسد وروح، وأن الإنسان كذلك جسد وروح، وإن كان حظه من عالم الروح- قدرا لا نوعا- أكبر من أي كائن حى آخر فى غير عالم الإنسان.
إذن فما النفس؟
أهي الروح الإنسانية، سميت بهذا الاسم، للتفرقة بين روح الإنسان، وروح الحيوان.. إذ كان للإنسان النصيب الأوفى من هذا النور العلوي المفاض على الأحياء؟ أم هى شىء مضاف إلى خلق الإنسان، به صار الإنسان إنسانا، بعد أن أصبح بالروح حيوانا؟
يحدث القرآن الكريم عن النفس، على أنها كائن له وجود ذاتى مستقل، وبمعنى آخر، إن القرآن يخاطب الإنسان فى ذات نفسه، باعتبار أن النفس هى القوة العاقلة المدركة فيه، فيقول سبحانه: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» .. ويقول جل شأنه: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي» (٢٧- ٣٠ الفجر) ويقول
стр. 4974
سبحانه: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (٥٣ يوسف) ويقول:
«بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» (١٨: يوسف) ويقول سبحانه: «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (١: الطلاق) ويقول سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً» (٦: التحريم) .
فالنفس هنا، وفى مواضع أخرى كثيرة من القرآن، هى الإنسان العاقل، المكلف، وهى الإنسان الذي يتوقع منه الخير أو الشر، والهدى أو الضلال..
ثم هى الإنسان بجميع مشخصاته، جسدا وروحا! ..
ومرة أخرى.. ما هى النفس؟
والجواب الذي نعطيه عن هذا السؤال هو مستمد من القرآن الكريم، بعيدا عن مقولات الفلاسفة، وغير الفلاسفة ممن لهم حديث عن النفس «١» .
وعلى هذا نقول:
يشخّص القرآن الكريم النفس، ويجعلها الكائن الذي يمثل الإنسان أمام الله، بل وأمام المجتمع أيضا..
فالقتل الذي يصيب الإنسان هو قتل للنفس، كما يقول سبحانه: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (٢٩: النساء) ويقول جل شأنه: «مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً» (٣٢: المائدة) .
وفى مقام القصاص تحسب «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ» (٤٥: المائدة) .
стр. 4975
وفى مقام التنويه بالإنسان، ودعوته ليلقى الجزاء الحسن، تخاطب النفس، وتدعى، فيقول سبحانه: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي» (٢٧- ٣٠: الفجر) .
والنفس فى القرآن هى الإنسان المسئول المحاسب: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» (٧- ١٠:
الشمس) «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ»
(١٤- ١٥: القيامة) وإن بالفهم الذي يستريح إليه العقل فى شأن النفس، هو أنها شىء غير الروح، وغير العقل.. وأنها هى الذات الإنسانية أو الإنسان المعنوي، إن صح هذا التعبير.. إنها تتخلق من التقاء الروح بالجسد، إنها التركيبة التي تخلق فى الإنسان ذاتية يعرف بها أنه ذلك الإنسان بأحاسيسه ووجدانه ومدركاته..
النفس هى ذات الإنسان، أو هى مشخصات الإنسان التي تنبىء عن ذاته..
ولا نريد أن نذهب إلى أكثر من هذا.. وحسبنا أن نؤمن بأن الروح من أمر الله، فلا سبيل إلى الكشف عنها كما يقول سبحانه: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» وأن النفس، جهاز خفى عامل فى الإنسان.. هى الإنسان المعنوي- كما قلنا- ولهذا كانت موضع الخطاب من الله تعالى، كما أنها كانت موضع الحساب والثواب والعقاب..
قوله تعالى:
«أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ» ؟.
هو بيان لضلالة من ضلالات المشركين، بعد إقرارهم بأن الله- هو الذي خلق السموات والأرض- فهم مع إقرارهم هذا- يتخذون من
стр. 4976
الأصنام وسائل يتوسلون بها إلى مرضاة الله، ويرجون بها الشفاعة عنده، ويقولون لمن يحاجّهم فيها: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» (٣: الزمر) فهم- مع اعترافهم بأن هذه الأصنام ليست الإله الخالق الرازق، المالك لما فى السموات والأرض- مع اعترافهم هذا- لا يوجهون وجوههم إلى الله مباشرة، بل يجعلون بينهم وبين الله من يتولى الاتصال بالله عنهم، والشفاعة لهم فيما يريدون من الله، من جلب خير، أو دفع ضرّ.. وهذا ضلال من وجوه:
فأولا: أن الإنسان- من حيث هو إنسان- مخلوق كريم عزيز بين مخلوقات الله.. قد أحسن الله خلقه، وأمر الملائكة بالسجود له، وأقامه خليفة له فى الأرض..
وهذه منزلة عالية، ودرجة رفيعة، جدير بالإنسان أن يقيم وجوده فيها، ويطلب من الله الاستزادة منها.. وذلك بدوام الاتصال بالله، وطلب القرب منه، بالولاء المطلق لله، والإخلاص فى عبادته، والاجتهاد فى طاعته..
وفى تخلّى الإنسان عن هذا المقام، وإسلام زمامه لغيره، من دمى وأشباه دمىّ، لتقوده إلى الله- فى هذا نزول بالإنسان عن منزلته، واعتراف منه بأنه ليس أهلا لها..
وثانيا: أن الله- سبحانه- الذي كرم الإنسان، جعل طريقه إليه مفتوحا ليس عليه خزنة أو حجاب وذلك حتى يتحرر الإنسان من التبعية لأى مخلوق، تلك التبعية التي يسلم فيها وجوده العقلي والروحي لغيره، فيفقد بذلك ذاتيته، ويصبح كائنا مسلوب الإرادة، يتحرك بإرادة غيره، فيقاد، كما يقاد الحيوان.
стр. 4977
وقد حرّرت الشريعة الإسلامية الإنسان تحريرا كاملا، وأطلقت كل قواه وملكاته من كل قيد ومن كل تبعية، حتى أن الولاء الذي يعطيه المؤمن للنبىّ ليس ولاء أعمى، بل المطلوب منه شرعا أن يكون ولاء مستندا إلى العقل، وإلى الاقتناع.. حتى ينبع هذا الولاء عن نفس راضية وقلب مطمئن.. ولهذا كانت دعوة الإسلام دعوة قائمة على مجرد البلاغ، والعرض لما بين يديها من هدى.. ثم إن للناس أن يعرضوا هذا المعروض عليهم، على عقولهم.. ثم إن لهم مع هذا إرادتهم المطلقة، فى قبول ما عرض عليهم، أو رفضه..
وفى هذا يقول الله تعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.. فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (٢٩: الكهف) ويقول سبحانه لنبيه الكريم: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (٩٩: يونس) ويقول جلّ شأنه: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (٢٥٦ البقرة) وثالثا: هؤلاء المشركون، الذي يتعاملون مع تلك الأصنام، قد ضلوا ضلالا بعد ضلال.. فهم ضلوا أولا، لأنهم لم يوجهوا وجوههم إلى الله مباشرة، بل جعلوا بينهم وبين الله من يقودهم إليه، وضلوا ثانيا لأنهم أسلموا زمامهم لتلك الدّمى التي لا تعقل، ولا تسمع ولا تبصر!! فكيف يكون لهذا الدّمى أن تتجه بهم إلى متجه، وهى تابعة فى أماكنها لا تملك تحولا من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ» ؟ أي أيتعاملون مع هذه المعبودات ويسلمون أمرهم إليها، ولو كانت لا تملك شيئا ولا تعقل أمرا؟ فإذا كان الإنسان على ضلال إذا أسلم نفسه لإنسان عاقل مثله، أو لمن هو أعقل منه، فإنه يكون على ضلال مبين، وسفه غليظ، إذا هو أسلم نفسه لحيوان أو حجر!!
стр. 4978
قوله تعالى:
«قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» هو تقرير لتلك الحقيقة المطلقة التي غفل عنها المشركون، وعمى عنها الضالون، وهى أن الشفاعة جميعها لله وحده، لا يملك أحد مع الله شيئا منها..
فهو سبحانه مالك السموات والأرض، وإليه يردّ كل ما يجرى فيهما، وما يقع للمخلوقات من نفع أو ضر..
وقوله تعالى: «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» هو دعوة إلى الناس أن يرجعوا إلى الله، وأن يسلموا أمرهم إليه وحده يوم الحساب والجزاء.. فهو- سبحانه- الذي يتولى حساب الناس وجزاءهم.. فمن السفه والجهل معا أن يكون هناك عمل يتجه به إلى غيره.. إنه عمل ضائع، لا يقام له وزن! بل هو وزر يحمله الإنسان معه، لأنه حجه عن الله، وقصّر به دون العمل لمرضاته..
والشفاعة هنا: هى ما يجلب به الخير، ويدفع به الضر.. أي أن كل ما هو مطلوب للإنسان من جلب خير أو دفع ضر، هو بين يدى الله، وهو سبحانه المتصرف فيه وحده.. فمن طلب فليطلب من الله وحده.. ومن طلب من غيره شيئا، فقد ضل سعيه وخاب رجاؤه..
قوله تعالى: «وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» هو فضح لحال من أحوال المشركين، وكشف لضلالة من ضلالاتهم..
فهم إذا ذكر الله وحده، من غير أن تذكر معه آلهتهم- اشمأزت قلوبهم،
стр. 4979
أي نفرت، وجزعت، وهلعت.. وإذا ذكرت آلهتهم، وما لها من شفاعة عند الله، فرحوا واستبشروا..
وفى قوله تعالى: «الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» - إشارة إلى أن الإيمان بالآخرة، لا يكون إلا بعد الإيمان بالله.. فالإيمان بالآخرة، إيمان بها وبالله.. وقد يكون إيمان بالله وكفر بالآخرة، كما كان عليه إيمان المشركين..
فهم يعرفون الله، ويؤمنون بأن على هذا الوجود إلها واحدا.. ولكنهم يتخذون معه آلهة أخرى، هى- عندهم- دون الله جلالا وقدرا.. إنها قربان يتقربون بها إلى الله.. ثم هم لا يؤمنون بالآخرة، إذ يستبعدون أن يحيى الله الناس بعد أن يصيروا ترابا.. وهذا قصور فى فهمهم، لجلال الله وقدرته..
قوله تعالى:
«قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ» .
هو دعوة للنبى- صلوات الله وسلامه عليه- أن يعلن الناس بهذه الحقيقة، وهى أن الله سبحانه، هو فاطر السموات والأرض، أي خالقهما ابتداء على غير مثال سبق..
وأنه سبحانه عالم الغيب والشهادة، أي ما غاب عنّا، وما ظهر لنا..
وهو سبحانه الذي يحكم بين عباده فيما اختلفوا فيه من الحق، فيحقّ- سبحانه- الحق ويبطل الباطل.. «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» ..
стр. 4980
وقد جاء هذا الخبر فى صورة النداء والدعاء، لبيان أن النبي- صلوات الله وسلامه عليه- قد بلّغ رسالة ربه، كما أمره ربه، وأنه أفرغ جهده كلّه فى الدعوة إلى الله.. ولم يبق بعد هذا إلا الحساب والجزاء.
الآيات: (٤٧- ٥٤) [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٤٧ الى ٥٢]
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» .
стр. 4981
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة عليها قد كانت دعاء من الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- إلى ربه أن يفصل بينه وبين قومه، فيما اختلفوا فيه عليه، وفى تكذيبهم إياه- فجاءت هذه الآية، وكأنها استجابة لدعوة الرسول.. فها هو ذا يوم الفصل، وها هم أولاء الذين ظلموا يساقون إلى جهنم، ويطلبون الشفعاء فلا يجدون شفيعا، ويستصرخون ولا صريخ لهم إلا زبانية جهنم، يدعّونهم إلى النار دعّا..
فلو أنه كان بين يدى أحدهم ما فى الأرض جميعا، ومثل ما فى الأرض مضافا إليه، لافتدى به نفسه من عذاب هذا اليوم، ولوجد ذلك صفقة رابحة له.. وهذا مثل قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ» (٩١: آل عمران) ..
وقوله تعالى: «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» - إشارة إلى ما ينكشف للمشركين والضالين فى هذا اليوم، مما لم يكن يقع فى حسبانهم..
ففي هذا اليوم يرون أن ما كانوا يعبدون من دون الله، هو ضلال فى ضلال، ويرون أعمالهم التي زينها لهم الشيطان، وجوها منكرة، تطلع عليهم بالويلات والحسرات.. وأكثر من هذا، فإنهم يرون هذا الهول الذي يلقاهم من جهنم، مما لم يقع فى خيال، أو يخطر على بال..
كما يرون أناسا كانوا يسخرون منهم ويستهزئون بهم قد لبسوا حلل النعيم، ونزلوا منازل الرحمة والرضوان، على حين يشهدون سادتهم وكبراءهم ممن كانوا ينزلونهم منازل الآلهة، وقد قطّعت لهم ثياب من نار، يصبّ من فوق رءوسهم الحميم.. يصهر به ما فى بطونهم والجلود.. ولهم مقاطع من جديد.. كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها ...
стр. 4982
إن معارف الناس، وتصوراتهم وأخيلتهم فى هذه الدنيا، لا تكاد تلتقى مع شىء من أمور الآخرة، وإن كان المؤمنون بالله أكثر تصورا لها، وأقرب إدراكا لمجملها..
روى أن بعض الصالحين حين حضره الموت، فزع واضطرب، فسئل فى هذا، فقال: ذكرت قول الله تعالى: «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» فما أدرى ماذا يبدو لى من الله وأنا مقدم عليه!.
قوله تعالى:
«وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» .
هو معطوف على قوله تعالى: «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» - من عطف الخاص على العام.. فمما يبدو للظالمين- مما لم يكونوا يحتسبونه- هو سيئات ما كسبوا، حيث يبدو كسبهم الذي كسبوه، وعملهم الذي عملوه فى الدنيا، ضلالا فى ضلال، وسوءا إلى سوء. وخسرانا إلى خسران، مع أنهم كانوا يحسبون أن هذا الذي يعملون، هو الحق، وهو الخير.. والله يقول: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» .. (١٠٣- ١٠٤: الكهف) وقوله تعالى: «وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» ..
حاق بهم: أي نزل بهم، واشتمل عليهم.. وأصله من الحقّ..
ومعنى هذا، أن الحق الذي كانوا يستهزئون به قد جاء ليحاكمهم، وليقتصّ منهم لجنايتهم التي جنوها عليه، بالانتصار للباطل، ومحاربة أولياء الحق..
стр. 4983
قوله تعالى:
«فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ.. بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ.. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ..
خولناه نعمة: أي آتيناه نعمة، صار بها من أصحاب الوجاهة والرياسة..
وأصلها من الخيلاء والعجب.. ومنها «الخال» وهو الشامة السوداء التي تزين الوجه الحسن، وتزيده حسنا..
والفاء فى قوله تعالى: «فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا» - هى فاء العطف، للتفريع على قوله تعالى: «وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» ، أي فكان من استهزائهم بالحق أن الإنسان منهم إذا أصابه ضر دعا ربه.. ثم إذا كشف الله الضرّ عنه، وخوله نعمة من نعمه، تنكر لله، ولم يذكر أن هذه النعمة من عند الله، بل قال إنما أوتيت ما أوتيت عن علم منّى..
إن ذلك كان بحولي وحيلتى.. وهذا من ضلال العقل، وخداع النفس.. فلو أن هذا الجهول كان يملك أن يجلب لنفسه نفعا، لكان يملك أن يدفع عن نفسه كل ضر ينزل به، ولما كان له أن يدعو الله عند كل ضر يقع له.. فهل يظن هذا الجهول أن الله يملك الضر ولا يملك النفع؟ ولكنها سكرة النعمة تلبس الأحمق الجهول، فإذا هو فيها مارد جبار يخيل إليه أنه يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا! ثم إن هذا الجبار، يشاك بشوكة أو يحتبس له بول، ليوم أو بعض يوم، فإذا هو ذليل مهين، يصرخ صراخ الأطفال، ويئنّ أنين الثّكلى! وقوله تعالى: «إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ» .. الضمير فى أوتيته، يعود إلى المال الذي جمعه، فهو لا يرى النعمة إلا مالا، أما غير المال من نعم الله، فلا يلتفت إليه..
стр. 4984
وقوله تعالى: «بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ» أي هذه النعمة، هى فتنة وابتلاء، فكما يبتلى الله بالشر، يبتلى كذلك بالخير، كما يقول سبحانه: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» (٣٥: الأنبياء) .
قوله تعالى:
«قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» .
أي قد قال مثل هذه القولة الضالة الآثمة أقوام كثيرون قبل هؤلاء المشركين.. قد قالها قارون، إذ قال: «إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي» بل وقال أشنع منها، ذلك الذي حاجّ إبراهيم فى ربه: «إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.. قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ» ! (٢٥٨: البقرة) فماذا كان وراء هذا الضلال فى الرأى؟ لم يكن إلا الخيبة والخسران، فقد أهلك الله الضالين، وأخذهم البلاء من حيث لا يشعرون.. فما كان لهم من هذا الذي بين أيديهم ولىّ ولا نصير.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا.. وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ» .
وفى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا» تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين الظالمين من قريش، وأنهم سيقع بهم ما وقع بالظالمين قبلهم «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (٦٢: الأحزاب) .
فالله سبحانه لا يبدل سنته مع هؤلاء الظالمين «وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ» أي لن يعجزوا الله، ولن يفلتوا من عقابه، وهو القوىّ العزيز.
стр. 4985
وفى الإشارة إلى مجتمع الجاهليين جميعا، وفيهم المؤمنون والمشركون- فى الإشارة إليهم بهؤلاء، بدلا من أن يقال من قومك، أو من المشركين أو نحو هذا- ما يدل على أن الظالمين معروفون لكل من ينظر إليهم، وأنهم بحيث يشار إليهم باليد، واحدا واحدا..
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .
أي ألم يكن لهؤلاء الضالين نظر فى تصريف الله وتدبيره؟ إنهم لو نظروا نظرا عاقلا مستهديا، لعلموا أن الله سبحانه «يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ» أي يوسعه ويكثره لمن يشاء، «ويقدر» أي يقبضه ويقلله لمن يشاء، بحكمة الحكيم، وتدبير العليم..!
وهذا الاختلاف فى حظوظ الناس من الرزق، هو الذي يضبط ميزان الناس فى الحياة، ويجعل لحياتهم هذه الطعوم المختلفة، وتلك الألوان المتباينة، التي بغيرها لا تكون الحياة حياة، ولا الناس ناسا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ.. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ.. وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» (١١٨- ١١٩ هود) .
فهذا الاختلاف بين الناس فى الرزق، هو الذي يدفع موكب الحياة، ويبعث الناس إلى الجدّ والتحصيل.. ولو كانوا على درجة واحدة، لماتت نوازع التنافس بينهم، ولخمدت روح الابتكار والتجديد، ولركدت الحياة الإنسانية كما تركد المياه فى المستنقعات! وقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» - أي فى هذا التفاوت
فى وسط هذا الظلام المتراكم من الكفر، ومن خلال هذا الدخان المتصاعد من معاقل الضلال، ومواقع الشرك- تشرق الأرض بنور ربها، وفى سنا هذا النور القدسي يؤذّن مؤذّن الحق، بين ظلام هذا الكفر المتراكم، ودخان هذا الضلال المتصاعد، داعيا هؤلاء الغرقى فى بحار الكفر والضلال:
«يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .
إن الغرقى إذ يسمعون هذا النداء الكريم ليرون بأعينهم رأى العين، مراكب النجاة تخفّ إليهم من كل جهة، وليس عليهم إلا أن يتعلقوا بها، ويشدوا أيديهم عليها، لتحملهم إلى شاطىء النجاة والسلامة..
ولكن ما أكثر الذين يرون الخير ولا يتجهون إليه، ويشهدون النور ولا يفتحون أعينهم عليه.. وفى ابن نوح مثل يشهد لهذا، فقد كان يرى بعينيه الطوفان يهجم عليه، ويكاد يبتلعه فيمن ابتلع من الضالين والغاوين، وأبوه يناديه: يا بنىّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين.. فيأبى إلا أن يركب رأسه، ويلقى بيده إلى التهلكة! وهؤلاء هم أبناء نوح، يناديهم ربّ العزّة هذا النداء الرحيم: «يا عبادى» .
ويضيفهم إليه إضافة رحمة ورعاية، وإحسان، تعلو على إضافة الأبناء إلى الآباء، حنانا ورحمة وإحسانا..
وهؤلاء الذين ينادون من ربهم هذا النداء الرحيم الكريم، ويضافون إلى عزته وجلاله إضافة الرحمة والإكرام- هم العصاة، الخارجون على حدود الله، المعتدون على حرماته، الجاحدون لنعمه..
стр. 4988
إنهم الذين أسرفوا على أنفسهم، وجاروا عليها بهذه الأوزار التي حمّلوها إياها.. فيالطف الله، ويا لسعة كرمه.. وعظيم مننه، وجليل إحسانه!! وقوله تعالى: «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» هو اليد البرة الرحيمة الحانية التي يربت الله بها على هؤلاء المذنبين العصاة، بمجرد أن يلتفتوا إلى هذا النداء الرحيم اللطيف: «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» .. إنها قريبة منكم، دانية لأيديكم.. فهيا أقبلوا عليها، واستظلوا بظلها، واقطفوا ما تشاءون من ثمرها..
وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» .. شحنة من النور تضىء ظلام هذه النفوس التي تنظر إلى الله من خلال هذا الضباب المنعقد من اليأس حولها، وهى تذكر بشاعة جرائمها، وشناعة آثامها، وتحسب- جهلا وضلالا- أن ذنوبها أكثر من أن تغفر، وأن جرائمها أكبر من أن يتجاوز لها عنها.. وكلّا.. فإن ذلك ظن سيىء بالله:
«إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» مهما تكن بشاعتها وشناعتها.. «إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» فما أعظم مغفرته، وما أوسع رحمته.. والله يقول: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» (١٥٦: الأعراف) !! فأى عذر لمذنب بعد هذا البلاغ المبين، إذا هو لم يسع إلى الله، ويغتسل فى بحر رحمته، من أدرانه، ويتطهر من ذنوبه؟
وأي عذر لمجرم بعد هذا النداء الكريم الرحيم، إذا هو لم يمدّ يده إلى ربّه، ليقيل عثرته، ويحمل عنه وزره؟
«يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ..
стр. 4989
«لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.. «إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» .. «إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ..»
إنها ضيافة كريمة فى ساحة رب كريم..
وإنها نزل مهيأة، بكل أسباب الهناءة والرضوان، يستقبل فيها على طريق الحياة، أولئك الذين أضناهم السفر الطويل، وأكلت وجوههم لوافح الهجير..
فيجدون حيث ينزلون ظلا ظليلا، وطعاما هنيئا، وشرابا باردا.
فقل لمن يرى هذا المنزل الكريم ويعدل عنه: ألا ما أعظم غباءك، وما أشأم حظك، وما أولاك بالذئاب تفترسك، وبالحيات تنهشك، فلا يرحمك راحم، ولا يبكيك باك.. من قريب أو صديق! قوله تعالى:
«وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ.. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ» ..
إنه دعوة إلى رحاب الله، بعد أن فتحت الأبواب، ومدت موائد رحمته..
فلم يتبق إلا أن يمد المدعوون أيديهم إلى هذه الموائد، وأن ينالوا منها ما يشتهون..
ومن عظيم لطف لله بعباده، وسابغ برّه بهم، وسعة رحمته لهم، أن لقيهم، وهم على طريق الضلال، وبين مراعى الإثم والمعصية، وأراهم منه- سبحانه- ما بين يديه من رحمة ومغفرة، وأنهم مع ما هم فيه من محاربة له، وعصيان لأمره، واعتداء على حرماته- لا يزالون من عباده، الذين لا تغلق دونهم أبوابه، ولا تحجب عنهم رحمته- ذلك كله قبل أن يطلب- إليهم أن يرجعوا إليه، وأن يلقوا الأسلحة التي يحاربونها بها.. إنهم
стр. 4990
على ما هم عليه عباده، وأبوابه لن تغلق دونهم، ورحمته لن تحجب عنهم، ماداموا فى هذه الدنيا..
ألا خسىء من لا يستحى من ربه، فيظل قائما على حربه، على حين يبسط إليه ربه يده، ويظلله بربوبيته، ويمده بنعمه وفضله! فقوله تعالى: «وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ» - هو رحمة من رحمة الله، وإفساح لطريق النجاة، بالعودة إلى الله والمصالحة معه، فى أية لحظة من لحظات الحياة، قبل أن تدنو ساعة الموت، وينقطع العمل، وينتقل الإنسان إلى الدار الآخرة بما مات عليه فى الدنيا..
وعندئذ ينزل الإنسان منزله فى الآخرة، بآخر منزل كان عليه فى الدنيا..
«فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ. وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ» (٨٨- الواقعة) .
قوله تعالى:
«وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ» .
أحسن ما أنزل إلى العباد من الله، هو كلمات الله، وهى القرآن الكريم.. فقد أنزل إلى العباد من الله نعم كثيرة، وخيرات موفورة، وأرزاق لا تحصى، ولكن أحسن ما أنزل إليهم من هذه النعم وتلك الخيرات، وهذه الأرزاق، هو هذا الكتاب، الذي به يعرف الإنسان قدر هذه النعم، وطعم هذه الخيرات.. فهو الميزان العدل الذي يقيم هذه النعم وتلك الخيرات على طريق الحق والإحسان، وبغير هذا الميزان تتحول هذه
стр. 4991
النعم إلى نقم فى يد أصحابها، تفسد عليهم وجودهم، وتحرمهم الثمرة الطيبة المرجوّة منها.
وفى قوله تعالى: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ» ..
إشارة إلى المبادرة بالرّجوع إلى الله، والتخلّي الفوري عن مشاعر الإمهال والتسويف، من يوم إلى يوم، إذ لا يدرى المرء متى يحين حينه، ويأتيه أجله.. فقد يؤخّر المرء التوبة إلى غد، ثم لا يأتى الغد إلّا وهو فى عالم الموتى. وقد يؤخر التوبة من صبح يومه إلى مسائه، فلا يكون فى المساء بين الأحياء. فالمراد بإتيان العذاب هنا، هو وقوع الموت بالعصاة والمذنبين قبل التوبة.. فإتيان الموت لهم وهم على تلك الحال، إتيان بالعذاب الذي يبدأ دخولهم فيه منذ لحظة الموت.. وهنا تكون الحسرة والندامة، حيث لا تنفع حسرة، ولا نجدى ندامة! .. وهذا ما يشير إليه- قوله تعالى:
«أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» .
فهذه مقولات ثلاث، للذين أدركهم الموت وهم على كفرهم وضلالهم..
وهى بدل من قوله تعالى: «أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ» .. أي واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تقولوا فى حسرة وندم هذه المقولات..
وكل مقولة من هذه المقولات الثلاث، يقولها الكافر الضال، فى مرحلة من مراحل الآخرة.. من الموت.. إلى البعث.. إلى الحساب والجزاء..
стр. 4992
فعند الموت، يرى أهل الضلال مصيرهم المشئوم الذين هم صائرون إليه، فيعرف الضالّ منهم أنه كان من أمره على ضلال، فيقول: «يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ» .
والتفريط، معناه: التقصير، وجنب الله: هو ما لله، وما ينبغى له من طاعة وولاء من عباده.. و «إن» هى المخففة من إنّ الثقيلة المؤكدة..
أي وإنى كنت لمن الخاسرين، إذ بصّرت فلم أبصر، وجاءنى الهدى، فلم هتد، وقد اهتدى الناس وضللت، وربح المؤمنون وخسرت..
والمقولة الثانية، وهى قوله: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» يقولها عند ما يبعث من قبره، ويساق إلى المحشر.. حيث يأخذ مكانا ضيقا بين المجرمين، على حين يرى أهل الإيمان والإحسان فى سعة، فى موكب كريم، تحفّ به البشريات من كل جانب..
والمقولة الثالثة.. يقولها حين يرى العذاب، ويساق إليه، فيقول:
«لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً ٩ فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» ..؟
و «لو» هنا للتمنّى: حيث يفزع أهل النار إلى هذه الأمانىّ الباطلة، قائلين: «رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» (٣٧: فاطر) .
قوله تعالى:
«بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ» هو جواب على سؤال، مقدّر، هو والسؤال ردّ على هذا الذي يتمناه الضالّ يوم القيامة، من العودة إلى الحياة الدنيا، ليؤمن بالله، ويكون من المهتدين..
والسؤال المقدّر هو: «ألم يأتك رسولى؟ ألم يسمعك الرسول كلامى؟
стр. 4993
ألم يتل عليك آياتي؟ «بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي.. فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ، وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ» .. فما لك تطلب العودة إلى الدنيا مرة أخرى؟ وهل تكون فى هذه المرة على حال غير حالك الأولى؟ إنك لن تكون من المهتدين أبدا.. إنك من أصحاب النار.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» (٢٨: الأنعام) .
قوله تعالى:
«وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ.. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ» .
ما أشأم هذا الإنسان الذي يدعى من ربّه بهذا النداء الكريم:
«يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.. إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .. ثم لا يستجيب لهذا النداء، ولا يحثّ الخطا إلى ربّه، ثم يظلّ جامدا فى مكانه، مسرفا على نفسه فى مواقع الضلال، حتى تطوى صفحته من هذه الدنيا، ثم إذا هو يساق إلى جهنّم، لتكون له مأوى، يذوق فيه العذاب طعوما وألوانا! وقوله تعالى: «ترى» بمعنى تبصر، فالرؤية رؤية بصرية، لا علمية وقوله تعالى: «وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ» جملة من مبتدأ وخبر، وقعت حالا من الاسم الموصول «الذين» أي تبصرهم يوم القيامة، وهم على تلك الحال:
«وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ» .
واسوداد الوجوه، كناية عن الكرب العظيم الذي أحاط بهؤلاء الكافرين، إذ كانت الوجوه هى الصفحة التي يبدو عليها ما يجرى فى كيان الإنسان، من مشاعر وعواطف وأحاسيس، سواء أكان فى حال نعيم، ومسرة،
стр. 4994
ورضوان، أم كان فى حال بلاء، ونكد، وشقاء! وقوله تعالى: «أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ» .. استفهام يراد به الخبر على جهة التقرير والتوكيد.. أي إن فى جهنم مأوى ومنزلا لكل متكّبر كافر بالله..
قوله تعالى:
«وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» المفازة: الطريق المخوف، الذي يجتازه المنتقل من مكان إلى مكان، وسمّى مفازة على سبيل التفاؤل، كما يقال للملدوغ. السليم.
ويذهب المفسّرون إلى أن «بمفازتهم» جار ومجرور متعلق بالفعل «ينجّى» على تقدير أن المفازة بمعنى الفوز، والباء للسببية.. أي بسبب فوزهم..
ويكون المعنى: وينجى الله الذين اتقوا بهذا الفوز الذي حصلوا عليه فى الآخرة..
والرأى عندنا- والله أعلم- أن متعلق الجار والمجرور هو قوله تعالى:
«وينجى» ولكن وتبقى المفازة على معناها الذي صار حقيقة لغوية عليها، والباء للملابسة.. ويكون المعنى: وينجى الله الذين اتقوا وهم ملتبسون بهذه المفازة، سائرون فى هذا الطريق المحفوف بالمخاطر «لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ» حيث تحرسهم عناية الله، وتحفّ بهم ألطافه.. «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» على فائت فاتهم من أمر الدنيا..
ويجوز كذلك- والله أعلم- أن يتعلق الجار والمجرور بقوله تعالى:
«لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ» ويكون المعنى: وينجى الله الذين اتقوا، لا يمسهم السوء وهم بمفازتهم التي يجتازونها إلى موقف الحساب والجزاء، ولا هم يحزنون
стр. 4995
على فائت، إذا هم رأوا ما أعدّ الله لهم من نعيم ورضوان، فى جنة عرضها السموات والأرض، أعدت للمتقين..
الآيات: (٦٢- ٦٦) [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٦٢ الى ٦٧]
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)
التفسير:
قوله تعالى:
«اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» .
مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنّها تذكّر بالله، وتكشف عمّا له من كمال وجلال، ومن ملك وسلطان، وذلك بعد أن كانت الآية السابقة دعوة إلى الله، وتحذيرا للكافرين والضالين من عذاب الله، وما تكون عليه حالهم فى الآخرة، من الندم والحسرة، وسوء المصير..
ألا فليذكر هؤلاء الكافرون بالله، الذين لم يفتحوا آذانهم وعقولهم إلى ندائه الكريم الرحيم: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
стр. 4996
رَحْمَةِ اللَّهِ»
- ألا فليذكروا أن الله هو خالق كل شىء، وقائم على كل نفس بما كسبت، لا يملك أحد معه من الأمر شيئا.. فمن ولّى وجهه إلى غير الله، فقد خاب وخسر، وأورد نفسه موارد الهلاك.. وهذا ما يشير إليه:
قوله تعالى:
«لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» .
ومقاليد السموات والأرض: أزمّتها التي تقاد منها، كما يقاد الحيوان من عنقه، وهو موضع القلادة.. وهذا تشبيه وتمثيل، يراد به خضوع السموات والأرض لله، وانقيادهما لقدرته..
قوله تعالى:
«قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» .
هو تعقيب على هذا العرض الذي كشفت فيه الآيتان السابقتان عن بعض ما لله سبحانه من سلطان مطلق فى هذا الوجود، لا يملك أحد معه مثقال ذرّة منه..
وهذا التعقيب هو وإن كان تلقينا من الله لنبيه- صلوات الله وسلامه عليه- إلا أنه دعوة العقل، تلتقى مع أمر الله!.
فالعقل بمنطقه، لا يجد أمام هذا العرض لقدرة الله، وبين يدى تلك الدلائل الدالة على وحدانيته- لا يجد إلا الإذعان لله، والولاء له، وإخلاص العبادة له وحده، غير ملتفت إلى ما يدعو إليه أهل الجهالة والضلالة، من عبادة ما يعبدون من ضلالات..
стр. 4997
والاستفهام إنكارى.. والأمر ليس أمرا على حقيقته، وإنما هو دعوة من دعوات الضالين للنبى بعبادة غير الله، وذلك بإنكارهم عليه أن يعبد الله.. ومفهوم المخالفة لهذا الإنكار، هو أن يعبد غير الله..
وفى قوله تعالى: «أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» توبيخ لهؤلاء الداعين إلى عبادة غير الله، وفضح للداء الذي أوقعهم فيما هم فيه من ضلال، وهو الجهل..
فلو أنهم كانوا على شىء من العلم، لما ركبوا هذا الطريق المظلم، وبين يديهم طريق مستقيم مضىء.
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» هو تشنيع على الشرك، وعلى ما يحيق بالمشركين من غضب الله ونقمته، وأنه أمر إن وقع فيه أحد، فلا شفاعة له عند الله- حتى ولو فرض- وهو مستحيل- إن كان الذي يشرك بالله، من أقرب المقربين إلى الله، وهم أنبياء الله، أو كان من أكرم خلق الله على الله، وهو رسول الله! قوله تعالى:
«بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» ..
هو تأمين على ما قررته الآية السابقة، وتوكيد لما حملت من إنكار على الكافرين دعوتهم النبىّ إلى عبادة غير الله.. فهم يدعون النبي إلى عبادة غير الله، والله يدعوه إلى عبادته.. وفى هذا إبطال لدعوة المشركين، وإهدار لها..
وفى الجمع بين العبادة والشكر، إشارة إلى أن هذه العبادة ليست عبادة قهر وقسر، بل هى عبادة حمد وشكر، وولاء، وحبّ لله ، الذي خلق فسوّى، والذي قدّر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى..
стр. 4998
قوله تعالى:
«وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.. وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» ..
أي أن هؤلاء الذين كفروا بالله، إنما كفروا به لأنهم لم يتعرفوا إليه، ولم يعرفوا بعض كمالاته، وصفاته..!
وقوله تعالى: «وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» - جملة حالية، من لفظ الجلالة، أي أن هؤلاء الكافرين لم يقدروا الله حق قدره، والحال أن الأرض تكون فى قبضته يوم القيامة، فأنّى لهم المهرب من حسابه وعقابه؟.
وقوله تعالى: «وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ» حال أخرى معطوف على قوله تعالى: «وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» .. وطىّ السماء بيمين الله ، هو استجابتها لقدرته، وخضوعها لسلطانه، يطويها وينشرها، كما شاء سبحانه.. ومثل هذا قوله تعالى: «يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ» (١٠٤: الأنبياء) .
وقوله تعالى: «سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ» .. هو ردّ المؤمنين على الكافرين، والضالين، الذين لم يقدروا الله حق قدره، فأشركوا به، وجعلوا ولاءهم لغيره.. والمؤمنون- وقد قدروا الله حق قدره- ينزّهون الله عن أن يكون له شركاء، وينكرون على المشركين ما هم فيه من ضلال، وكفر بالله.
الآيات: (٦٨- ٧٥) [سورة الزمر (٣٩) : الآيات ٦٨ الى ٧٥]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)
стр. 4999
التفسير:
قوله تعالى:
«وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» .
تحدّث هذه الآية والآيات التي بعدها إلى آخر السورة، عن مشاهد القيامة، وإرهاصاتها، وما يلقى الكافرون من بلاء وعذاب، وما يستقبل به المؤمنون من حفاوة وتكريم وترحيب، فى جنات النعيم..
стр. 5000
والصور: هو البوق الذي ينفخ فيه، كنذير بإعلان حرب، أو وقوع غارة، ونحو هذا.. وأصله من الصّوار، وهو قرن الحيوان، وقد كان البوق يتخذ عادة من قرن ثور، أو وعل أو نحوهما.. والصوار أعلى الشيء، وجمعه صوار، ومؤنثه صارية..
والنفخ فى الصور من قبل الله ، هو الأمر الذي يصدر منه سبحانه، إلى ما يشاء من عالم الخلق، فيستجيب له من وقع عليه الأمر، بلا تردد أو مهل.. ولهذا شبه الأمر بالنفخ فى الصور، حيث يفزع كل من سمع النفخة، فيخفّ مسرعا، متخليا عن كل شىء، ليتوقى هذا الخطر الداهم..
والصعق: حال من الفزع تعترى الكائن الحي، فتشلّ حركته، وتهدّ كيانه، أشبه بما يكون من صعقة الصاعقة، ومسة الكهرباء..
وقوله تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» هو إشارة إلى النفخة الأولى، وهى نفخة الموت.. ففى هذه النفخة يصعق، أي يموت، من فى السموات والأرض من عالم الأحياء..
وقوله تعالى: «إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» - هو استثناء لمن لا تقع عليهم هذه الصعقة، أي الذين لا يقضى بموتهم فيها، أو الذين لا تمسهم زلزلة منها..
والسؤال هنا هو: هل العالم العلوي مشترك مع العالم الإنسانى فى هذا الذي يجرى على الناس، من موت، وبعث، وحساب وجزاء؟.
وإذا لم يكن مشتركا مع العالم البشرى، فكيف يصعق من فى السموات؟
وما تأويل قوله تعالى: «فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ؟» .
стр. 5001
والجواب على هذا- والله أعلم- أن القيامة وأهوالها، وما فيها من حساب وجنة، ونار، هى مما يقع على أبناء آدم وحدهم، على تلك الصورة التي جاءت بها الكتب السماوية، وأنذر بها رسل الله أقوامهم، الذين أرسلوا إليهم..
وقد تكون هناك أحوال للعوالم الأخرى، ولكن ليس من شأننا أن نبحث عنها، أو نشغل بها، إذ كان لا يعنينا من أمرها شىء، سواء أوقعت أو لم تقع، وسواء أوقعت على تلك الصورة، أو غيرها..
وإذن، فإن كل ما تحدث به القرآن الكريم مما يتصل بالموت، والبعث، والحساب، والجزاء، هو مما يتصل بعالمنا نحن، لا يتجاوزه إلى العوالم الأخرى..
وعلى هذا يكون قوله تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» - هو مقصور على أبناء آدم، وما يتصل بهم فى عالمهم الأرضىّ..
وقد تحدث القرآن الكريم عن أن لأبناء آدم صلة بالسماء، وأن النفس الإنسانية هى من العالم العلوي، وأنها حين تفارق الجسد لا تموت بموته، بل تلحق بعالمها العلوي، وتأخذ مكانها فيه..
فالموتى من بنى آدم، إذ تكون أجسامهم فى عالم التراب، تكون نفوسهم فى السماء، أو العالم العلوي.. وإنه حين ينفخ فى الصور نفخة الموت العام لأبناء آدم، يفزع ويصعق من فى السموات ومن فى الأرض.. أما من فى السموات، فهم الناس فى أرواحهم ونفوسهم تلك التي سبقت إلى العالم العلوي، وأما من فى الأرض، فهم الذين كانوا لا يزالون فى عالم الأحياء لم يموتوا بعد، فتدركهم النفخة، فيصعقون ويموتون.. وأما الصعقة التي تقع على الأرواح والنفوس، فهى صعقة فزع، وخوف من لقاء هذا الوعد، يوم الحساب والجزاء الذي كانت هذه الصعقة إرهاصا بقرب موعده..
стр. 5002
ويكون قوله تعالى: «إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» استثناء واقعا على نفوس الأخيار المصطفين من عباد الله، وأوّلهم رسله، وأنبياؤه وأولياؤه، حيث لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون..
وقوله تعالى: «ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» - هو إشارة إلى نفخة البعث، بعد نفخة الموت..
وقوله تعالى: «فإذا» - للمفاجأة.. أي أن هذا البعث يجىء على فجاءة، دون أن يعلم أحد موعده..
وقوله تعالى: «فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» - إشارة إلى أن البعث يقع للناس جميعا فى لحظة واحدة، حيث يولدون جميعا ميلادا كاملا، على صورة كاملة..
يجد فيها كل إنسان حواسّه ومدركاته، ووجوده كله.
قوله تعالى:
«وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» وإشراق الأرض بنور ربها، هو تجلّى الله عليها في هذا اليوم، يوم القيامة، حيث يعرض الناس على ربهم للحساب والجزاء..
وقوله تعالى: «وَوُضِعَ الْكِتابُ» أي الكتاب الذي سجلت فيه أعمال الناس، حيث يرى الناس أعمالهم، ويأخذ كل إنسان كتابه من هذا الكتاب..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (٢٩: الجاثية) وقوله تعالى:
«وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً» (١٣: الإسراء) وقوله تعالى: «وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ» .. أي دعى النبيون ليحضروا
стр. 5003
محاسبة أقوامهم، وليشهدوا على ما كان منهم، من إيمان أو كفر..
وفى هذا يقول الله تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ» (١: ٧ الإسراء) .
ويقول سبحانه: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» (٤١: النساء) .
والشهداء: هم الذين يشهدون على الناس، من أنبياء وملائكة، وعلماء وهداة، ودعاة إلى الله، وكذلك ما فى كيان كل إنسان من أعضاء، تشهد عليه، كما يقول الله تعالى: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» (٢٤: النور) وكما يقول سبحانه: «وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ» (٢١ ق) .
والصورة تمثل محكمة عليا تقضى بين الناس، وتحدد لكل إنسان مصيره الذي هو صائر إليه.. والقائم على هذه المحكمة، هو أحكم الحاكمين رب العالمين..
والكتاب هو صحيفة الدعوى، والأنبياء والشهداء هم الشهود.. والمحامون، هم المحاكمون، والمحاسبون، كما يقول الله سبحانه: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها» (١١١: النحل) .
ثم بعد هذا تصدر الأحكام من رب الأرباب: «وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» .
قوله تعالى:
«وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ» .
هو تعقيب على هذه المحاكمة، وأن كل نفس قد قضى لها أو عليها بالحق والعدل، وفّيت جزاء ما عملت من خير أو شر.
стр. 5004
وقوله تعالى: «وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ» - احتراس من أن يقع فى الوهم أن هذه المحاكمة التي أحضر فيها الكتاب، واستدعى لها الشهود، قد جاءت على هذه الصورة لتكشف عن أعمال الناس، وكلّا، فإن الله عالم بكل ما يعملون، لا تخفى على الله منهم خافية.. ولكن ذلك ليرى الناس بأعينهم ما كان منهم، وليحاكموا أنفسهم، وليشهدوا عدل الله المطلق فيما أجرى عليهم من أحكام! قوله تعالى:
«وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً.. حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا.. قالُوا بَلى.. وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ» .
وإذا قضى بين الناس بالحق، وعرف كل إنسان ما قضى به الله فيه، وامتاز أصحاب النار من أصحاب الجنة- عندئذ يساق الكافرون إلى جهنم زمرا، أي جماعات.. كل جماعة تنزل منزلها المعدّ لهم فى جهنم..
وكلما وصل فوج إلى جهنم فتحت أبوابها، فيلقاهم خزنتها سائلين فى لوم وتوبيخ: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟» فلا يجد الكافرون إلا أن يقولوا فى حسرة، وندم، وذلة:
«بَلى.. وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ» أي بلى قد جاءت رسل ربّنا، وتلوا علينا آياته، ولكن حقّ علينا قضاء الله فينا أن نكون من أصحاب النار.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسانهم: «فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ» (٣١: الصافات) .
وفى قوله تعالى: «حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها» .. إشارة إلى
стр. 5005
أن هذه الأبواب مغلقة على من فيها، وأنها لا تفتح إلا عند ورود فوج من الأفواج المساقين إليها، وكلما دخل فوج أغلقت عليه أبوابها، فإذا جاء فوج جديد فتحت له، ثم أغلقت عليه.. وهكذا.. إنها سجن مطبق على من بداخله، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» (٨- ٩ الهمزة) وفى إقامة الظاهر، مقام المضمر فى قولهم، «وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ» بدلا من أن يقولوا: ولكن حقت كلمة العذاب علينا- فى هذا إشارة إلى أنّهم قد شهدوا على أنفسهم بالكفر، بعد أن رأوا بأعينهم صحائف أعمالهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: َ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ»
(١٣٠: الأنعام) .
قوله تعالى:
«قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» .
هو تعقيب على جواب الكافرين عن سؤال خزنة جهنم لهم، حين سألوهم هذا السؤال:
«أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا» فكان جوابهم: بلى! وكان التعقيب على هذا الجواب:
«ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» ..
وفى قوله تعالى: «ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ» بدلا من أن يقال: ادخلوا جهنم كما هو الواقع فعلا- فى هذا إشارة إلى أن لأبواب قطعة من جهنم، وأن الذي يدخلها، إنما هو فى جهنم فعلا.
وقوله تعالى: «فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» بيان للداء الذي كان منه
стр. 5006
كفرهم، وهو الاستكبار، والاستعلاء، عن أن ينقادوا للحق، وأن يذعنوا للآيات البينات منه.
والمثوى: المنزل، والمقرّ الذي يستقر فيه الإنسان..
قوله تعالى:
«وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ» .
عبّر عن السّير بالمتقين إلى الجنة، بالسّوق، كما عبّر به عن دفع الكافرين إلى جهنم، وذلك للمشاكلة بينهم فى الحال التي كانوا عليها فى موضع الحساب، وأنه لم يكن يدرى أحد منهم ما الله صانع به، حتى إذا حوسبوا جميعا، ولم يبرحوا الموقف بعد، انقسموا إلى فريقين، كل فريق يأخذ اتجاها لا يدرى ما هو.. فهذا يساق، وذاك يساق.. ولا يعلم أحد إلى أين المساق..
ثم ينكشف الحال، فإذا الكافرون إلى جهنم، وبين يدى أبوابها، وإذا المؤمنون المتقون إلى الجنّة، وعلى مشارف ظلالها.. وفى هذا مضاعفة للسرور الذي يلقاهم بهذا الفوز العظيم بعد أن ذهبت بهم الظنون.. كل مذهب.
وفى قوله تعالى: «وَفُتِحَتْ أَبْوابُها» الواو هنا واو الحال، والجملة حال من فاعل جاءوها، على تقدير الحرف «قد» أي حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها، وهذا يعنى أنهم يجدون أبوابها مفتحة لهم، كما يقول : «جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ» (٥٠: ص) .
فهم لا يقفون عند أبواب الجنة، بل يمضون إلى حيث أراد الله لهم من نعيمه ورضوانه.. ويلقاهم عند هذه الأبواب خزنة الجنة وحرّاسها، وحجابها، رسلا من الله، لاستقبال ضيوفه، والترحيب بهم، قائلين لهم:
стр. 5007
«سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ.. فَادْخُلُوها خالِدِينَ» أي لكم سلام من الله.. طبتم وطهرتم من كل دنس، فاهنئوا بهذا المقام الطيب، الذي لا يحلّ به إلا كل طيب.
وجواب إذا محذوف، دل عليه السياق، وتقديره: حتى إذا جاءوها وقد فتحت لهم أبوابها وتلقوا هذه التحية الطيبة من ملائكة الرحمن، ودخلوا الجنة- وجدوا ما لا يستطيع وصفه الواصفون من نعيم ورضوان..
قوله تعالى:
«وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» .
هو معطوف على جواب «إذا» المحذوف، أي حتى إذا دخلوا الجنة، بهرهم هذا النعيم الذي لم يكن يخطر لهم على بال، وقالوا بلسان الحمد والشكران: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء.
والوعد الذي صدقهم الله إياه، هو ما وعدهم على لسان رسله، كما يقول الله : «رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ» .. وهذا الوعد هو ما وعد الله به المؤمنين من جنات ونعيم فى الآخرة كما يقول سبحانه:
«وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (٧٢: التوبة) وقوله تعالى: «وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ» .. الأرض هنا هى أرض الحياة الدنيا، وميراثها هو التمكين منها والانتفاع بها.. والمؤمنون أيّا كان حظهم من هذه الدنيا- هم الوارثون لهذه الدنيا، لأنهم هم الذين قطفوا أطيب ثمراتها، وهو الإيمان بالله، والعمل الصالح.. أما ما أخذه غيرهم من
стр. 5008
أهل الكفر والضلال، فهو- وإن كثر- لا وزن له، ولا نفع لهم منه..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ» (٥٥: النور) وقوله سبحانه: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» (١٠٥ الأنبياء) .. فالمؤمنون بالله، هم ورثة هذه الأرض، وهم خلفاء الله عليها.. أما غيرهم فهمل لا حساب له..
وقوله تعالى: «نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ» أي ننزل من الجنة حيث نشاء، غير مضيّق علينا بحدود أو قيود فيها.. والجملة معطوفة على محذوف، أي الحمد لله الذي أورثنا الأرض فى الدنيا، وأورثنا الجنة فى الآخرة نقبوا منها حيث نشاء..
وقوله تعالى: «فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» .. هو تعقيب على ما لهج به أصحاب الجنة من حمد الله، ومن التحدث بما أفاض عليهم من نعم فى الدنيا والآخرة..
وهذا التعقيب، قد يكون من الملائكة، الذي شهدوا حمدهم وتسبيحهم، وقد يكون بلسان الحال، فهو منطق كل من يرى هذا النعيم، وما يساق إلى أهله منه، مما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين..
قوله تعالى:
«وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» .
الخطاب هنا للنبى صلوات الله وسلامه عليه- وهو بعد هذا خطاب لكل من يشهد موقف القيامة.. ففى هذا اليوم يرى الناس الملائكة، وقد حفّوا بعرش الرحمن، يسبحون بحمد ربّهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
стр. 5009
«وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» (١٧: الحاقة) وقوله تعالى: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (٢٢: الفجر) وهذه حال لا يمكن أن نتصورها فى عالمنا الحسّى، وعلينا أن نصدّق بوقوعها، على أية صورة تقع، دون أن نطلب الصورة التي تقع عليها، فهذا ما لا يمكن أن تبلغه مدركاتنا، أو تتمثله خواطرنا.
وقوله تعالى: «وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ» .. أي وقضى بين الناس بالحق، فى هذا اليوم، فلم تظلم نفس مثقال ذرّة.
وقوله تعالى: «وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» .. هو قول الوجود كلّه، ومعهم أهل المحشر من أصحاب الجنة، وأصحاب النار، فقد كان القضاء قضاء عادلا عدلا مطلقا، فلم يؤخذ أحد بجريرة لم يقترفها، ولم يدن أحد بشهادة زور..
стр. 5010
٤٠- سورة غافر
وتسمّى سورة المؤمن نزولها: مكية.
عدد آياتها: خمس وثمانون آية.
عدد كلماتها: ألف ومائة وتسع وتسعون كلمة.
عدد حروفها: أربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
كان فيما اشتملت عليه سورة «الزمر» قوله تعالى: «قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ. أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .. ثم كان ختامها القضاء والفصل بين الناس، وإنزال الكافرين منازلهم من النار، وإنزال المؤمنين منازلهم من الجنة..
وبدء هذه السورة- غافر- يلقى الناس جميعا، بعد أن شهدوا الحساب والجزاء، ورأوا جزاء المحسنين، والمسيئين- يلقاهم بكتاب الله، الذي هو هداية كل ضال، ومنارة كل سالك إلى طريق النجاة، ثم يلقاهم مع كتاب الله بغفران الله ورحمته، وقبول توبة التائبين المنيبين إليه، وشدّة عقاب المحادّين له، المكذبين برسله.