Полный текст (6 903 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
فلولا، حرف تحضيض، بمعنى هلّا..
والآية وما بعدها، استدعاء لهؤلاء المنكرين للبعث، المداهنين فى هذا الحديث الذي استمعوا إليه ما استمعوا من أمره- استدعاء لهم أن يمتحنوا قواهم كلها، وأن يجيئوا بكل ما يملكون من حول وحيلة، وهم بين عزيز كريم لديهم ممن قد حضره الموت، وحشرجت روحه حتى بلغت الحلقوم، وهم ينظرون إليه فى حزن قاتل، وحسرة محرقة- فهل يستطيعون رد هذه الروح إلى مكانها من الجسد؟ فليجربوا هذا وليحاولوه، إن كان الأمر يتسع لتجربة، أو يقبل حيلة! إن الله سبحانه هو أقرب إلى هذا المحتضر منهم، ولكنهم لجهلهم وكفرهم، لا يدركون هذه الحقيقة، ولا يتصورونها..
قوله تعالى:
«فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .
«فلولا» هنا توكيد لما قبلها فى قوله تعالى: «فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ..»
وقوله تعالى: «تَرْجِعُونَها» هو جواب «فلولا» الأولى.. أي فهلا إذا بلغت الروح الحلقوم ترجعونها؟
و «ترجعونها» أي تردونها إلى مكانها الذي خرجت منه..
يقال رجع الشيء، يرجعه، وأرجع الشيء يرجعه، أي أعاده..
فالفعل يتعدّى بنفسه، ويتعدى بالهمزة..
ومن تعدى الفعل بنفسه قوله تعالى: «فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ
стр. 5882
مِنْهُمْ»
(٨٣: التوبة) .. ويأتى لازما مثل قوله تعالى: «يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ» (٨: المنافقون) .
وقوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ» جملة اعتراضية، تكشف عن حال هؤلاء الذين شهدوا محضر هذا المحتضر، وهو يجود بنفسه، والمدين، هو العاجز المقهور، ومنه المدين: المثقل بالدين..
وقوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» - هو تكذيب لتكذيبهم بآيات الله، وبالحديث الذي حدثتهم به.. فقد كان رزقهم من هذا الحديث هو التكذيب به.. فهل هم بعد هذا الامتحان متمسكون بهذا التكذيب، مصدقون به؟
قوله تعالى:
«فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ» .
وهذا المحتضر، قد نفذ فيه قضاء الله، وأصبح فى عالم الموتى..
ولكنه لا يترك كهذا ليد الفناء- كما يظنون-، بل إنه سينقل إلى العالم الآخر، وتلبسه الحياة هناك مرة أخرى، ويأخذ منزله فى هذا العالم، حسب عمله فى الدنيا..
فإن كان من المقربين إلى الله، ومن أولياء الله فى الدنيا، فالله سبحانه هو وليّه فى الآخرة، يلقاه لقاء الأولياء الأحباب بالروح والريحان وجنة النعيم..
والروح: ما تستروحه النفوس، وتطيب به، وتسعد فيه.. وقرىء:
«فروح» أي حياة جديدة تلبسه..
стр. 5883
قوله تعالى:
«وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ» وأصحاب اليمين، هم ممن أرادهم الله «سبحانه» ليكونوا من أصحاب الجنة، فيسّر لهم العمل بعمل أهل الجنة..
وقوله تعالى: «فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ» ، أي أنهم فى سلام وأنهم يتهادون التحية والسلام فيما بينهم، ويبعثون بتحاياهم إلى إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم ممن لا يزالون فى هذه الدنيا..
فالضمير فى «لك» يراد به كل مؤمن بالله، طامع فى أن يكون من أصحاب اليمين! .. وهى تحية من أهل اليمين فى العالم الآخر، ينقلها الله ، إلى المؤمنين فى الدنيا، حتى يلقوا إخوانهم فى العالم الآخر، ويردوا هذه التحية الطيبة بأحسن منها أو مثلها.
قوله تعالى:
«وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ» أي وأما إن كان هذا الميت من هؤلاء المدهنين المكذبين، فمنزله الحميم، الذي تختنق النفوس بسمومه، وداره الجحيم التي يشوى على جمرها..
وهكذا الناس بعد الموت، حيث ينقلون إلى الدار الآخرة، فيكونون أزواجا ثلاثة..
السابقون، وهم المقربون..
وأصحاب اليمين..
وأصحاب الشمال..
ولكلّ منزله الذي ينزله فى هذه الدار، وجزاؤه الذي يجزاه فيها..
قوله تعالى:
стр. 5884
«إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» .
بهذا الحكم تختم السورة الكريمة، وبهذا التنزيه لله سبحانه، والحمد لله، يعقّب على هذا الحكم، ويلفت إلى ما ينبغى أن يستقبل به من النبي، ومن المؤمنين..
وحق اليقين، أي الحق المطلق، الذي لا يعلق به شىء من دخان الباطل وسحبه..
فهو الحق الذي ينبغى أن ينزل من القلوب والعقول منزلة اليقين، فتطمئن به القلوب، وتسكن إليه العقول..
واليقين المشار إليه، هو اليقين الوارد من تلك الآيات، التي تحدث عن قدرة الله، وعن البعث، والحساب، والجزاء.. فهذا الحديث هو حديث حق مستيقن، لا شك فيه..
وفى إضافة الحق إلى اليقين، إشارة إلى أن هذا الحق، هو الحق الذي يقيم اليقين فى النفوس، لأنه حق خالص من كل شائبة.. أما غيره فقد يكون حقّا، ولكنه قد يتلبس به ما يحجبه عن الأبصار، فيثير حوله سحبا من ضباب الشك والارتياب.. أما هذا الحق، فهو حق صراح، ونور مبين..
لا يحجبه شىء.
وقوله تعالى «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» - هو كما قلنا- تعقيب على هذه الحكم، واستقبال لهذا الحق المشرق، الذي يملأ القلوب طمأنينة وأمنا- استقبال له، بتنزيه الله سبحانه والتسبيح بحمده، شكرا له على هذا الهدى الذي يهدى به من يشاء من عباده..
والمراد بالتسبيح باسم الله، تسبيح لذات الله، وحمد لذات الله، ولهذا إذا
стр. 5885
سبّح المؤمن ربه قال: سبحان ربى العظيم، سبحان ربى الأعلى.. ولم يقل سبحان اسم ربى العظيم، أو سبحان اسم ربى الأعلى..
يقول ابن تيمية فى معنى: «فسبح باسم ربك العظيم» أي سبح ناطقا باسم ربك، متكلما به.
ويعلق ابن القيم على هذا الذي يقول به شيخه ابن تيمية: هذه فائدة تساوى «رحلة» !!.
وهذا هو قدر العلم، وتقدير العلماء له.. فرضى الله عن الأستاذ وعن التلميذ.
إنه من أجل هذه الكلمة التي تفيد علما، وتشع هدى، ليس بالقليل عليها أن تشد لها الرحال، وتقطع فى سبيل الوصول إليها الفيافي والقفار! ولكم احتمل سلفنا الصالح، رضوان الله عليهم، من أعباء الجهاد فى طلب العلم، فكان الواحد منهم يقطع ما بين الشرق والغرب- على قلة الزاد، وخشونة المركب، حيوانا، أو قدما- فى سبيل أن يلقى رجلا من أهل العلم بلغه عنه أنه يحفظ حديثا لرسول الله، أو قراءة لآية من آيات الله..
إنهم قدروا العلم قدره، وبذلوا له المهر الذي يستحقه..
وإنه على قدر المشقة كان الثواب والجزاء من الله سبحانه، فوقع هذا العلم من قلوبهم موقع الغيث من الأرض الطيبة، فأزهر، وأثمر، وأخرج من كل زوج بهيج..
стр. 5886
٥٧- سورة الحديد
نزولها: مدنية..
عدد آياتها: تسع وعشرون آية..
عدد كلماتها: خمسمائة وأربع وأربعون.. كلمة..
عدد حروفها: ألفان وأربعمائة وستة وسبعون، حرفا..
مناسبتها لما قبلها
سورة «الواقعة» مكية وسورة «الحديد» هذه مدنية، ومع هذا فقد انتظمت السورتان فى سلك واحد، فكان ختام سورة «الواقعة» مصافحا لبدء سورة «الحديد» وكان بدء «الحديد» جوابا وتلبية لهذا الأمر الذي كان ختام سورة «الرحمن» .
وتقرأ خاتمة «الواقعة» : «فسبح باسم ربك العظيم» ومفتتح «الحديد» «سبّح لله ما فى السموات والأرض وهو العزيز الحكيم» فترى الوجود كله فى سمواته وفى أرضه، فى محراب التسبيح لله، وفى موقف الولاء له، والقنوت لعزته وجلاله وحكمته..
وهذا التجاوب بين السورتين، شاهد من الشواهد الكثيرة، التي تشهد بأن ترتيب السور كما هى عليه فى المصحف، هو ترتيب توفيقى، كترتيب الآيات فى سورها، وأن ترتيب الآيات فى سورها كترتيب الكلمات فى آياتها، وأن ترتيب الكلمات فى آياتها كترتيب الحروف فى كلماتها.. ولا يكون القرآن قرآنا إلا بهذا الترتيب الآيات الذي هو عليه فى اللوح المحفوظ: «إنه لقرآن كريم..
فى كتاب مكنون.. لا يمسه إلا المطهرون.. تنزيل من رب العالمين..»
стр. 5887
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ٦) [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
التفسير:
قوله تعالى.
«سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..
هو- كما قلنا- خبر يحدّث عن أثر هذا الأمر الذي ختمت به سورة «الواقعة» فى قوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ» .. وكأن هذا الخبر جواب يجاب به عن سؤال يرد على هذا الأمر بالتسبيح، وهو: ما وقع هذا الأمر على الوجود؟ فكان الجواب: «سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..
فهذا التسبيح والولاء لله، إنما هو شأن الوجود كله، فهو قائم على التسبيح
стр. 5888
والولاء لله، فى كل لحظة، وفى كل آن، لأنه فى قبضة عزيز ذى سلطان متمكن، ومع هذه العزة المتمكنة لله، فهو حكيم فى تدبيره، وتقديره، لا يعتسف الأمور اعتسافا، ولا يقضى فيما يقضى به عن هوّى وتسلط.. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا..
ويجوز أن يكون هذا الخبر بالتسبيح إغراء بهذا الأمر الذي أمر الله به الإنسان أن يسبح باسم ربه العظيم.. وكان النظم هكذا: فسبح باسم ربك العظيم، الذي سبح له ما فى السموات وما فى الأرض وهو العزيز الحكيم» ..
فهيا أيها الإنسان لتأخذ مكانك بين موكب الوجود المتجه إلى الله، المسبح بحمده «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (٤٤: الإسراء) قوله تعالى:
«لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .
هو بيان لقدرة الله، وعرض لسلطانه المطلق فى هذا الوجود.. فهو سبحانه، المالك لما فى السموات والأرض جميعا، وهو سبحانه، الذي يحيى ويميت، وهو سبحانه، القادر على كل شىء.. لا يعجزه شىء مما يظن أولئك المشركون أنه فى قائمة المستحيلات..
قوله تعالى:
«هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» ..
ومن صفاته سبحانه أنه الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء.. فلا أول قبله، ولا آخر بعده.. وإذا كان الأول، فكل ما سواه صنعة يده، وإذا كان الآخر، فكل شىء هالك إلا وجهه..
وهو سبحانه «الظاهر» فى آياته وفى كل ما بثّ فى هذا الوجود من
стр. 5889
موجودات، حيث تتجلى فى هذا الوجود آيات قدرته، وعلمه، وحكمته..
وهو سبحانه «الباطن» الذي «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (١٠٣: الأنعام) ..
وهو سبحانه «بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» .. لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض.. «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (١٤: الملك) ..
قوله تعالى:
«هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» .
ومن صفاته سبحانه، أنه هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه أقام سلطانه عليهما..
وأنه «يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ» أي ما يغوص فى باطنها، من حبّ وماء، ومعادن، وغيرها.. ويعلم: «ما يَخْرُجُ مِنْها» من نبات، وما يتفجر من عيون، وما يستخرج منها من معادن..
ويعلم سبحانه: «ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ» من ماء، ومن ملائكة، ومن وحي يوحى به إلى عباده، ويعلم «ما يَعْرُجُ فِيها» أي ما يصعد إلى السماء من ملائكة، ودعوات، وصلوات، يرفعها عباده المؤمنون إليه.
وفى التعبير عن الصعود إلى السماء «بالعروج» إشارة إلى صورة الفلك، وأنه دائرى، وأن العروج إليه، والنفوذ من أقطاره لا يكون إلا فى خطوط متعرجة منحنية.
وقوله تعالى: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ» - إشارة إلى أنه سبحانه- مع سعة هذا الملك- هو موجود بعلمه وقدرته وتدبيره، فى كل مكان منه، وفى كل ذرة فيه..
стр. 5890
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» - إشارة أخرى إلى نفوذ علم الله إلى كل ما يجرى فى ملكه.. وأن هؤلاء الذين يستبعدون أن يكون الله سبحانه أقرب إليهم من حبل الوريد، لا ينبغى لهم أن يستبعدوا أنه يراهم، ويرى كلّ ما يعملون.. فمن كان يظن أن الله ليس معه، فهو يراه! قوله تعالى:
«لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» هو توكيد لما قررته الآيات السابقة، من بسطة سلطان الله، وشهوده لكل شىء فى هذا الوجود، فهو سبحانه له ملك السموات والأرض، وأنه لا يملك الشيء ملكا متمكنا إلا إذا كان هذا الشيء طوع أمره، وتحت سمعه وبصره..
وقوله تعالى: «وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» أي إليه يرجع كل أمر، فلا يقع فى ملكه شىء إلا بأمره وتقديره..
قوله تعالى:
«يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» أي ومن قدرة الله سبحانه أنه «يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ» أي يدخل النهار فى الليل، فيختفى الليل، ويظهر النهار، «وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ» أي يدخل الليل فى النهار، فيختفى النهار، ويظهر الليل.. ففى الليل نهار مطوىّ، وفى النهار ليل مخفىّ.. «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ» (٣٧: يس) ..
فهذا ظلام يخرج من أحشاء النور.. «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً» (١٢: الإسراء) وهذا نور يتفجر من
стр. 5891
باطن الظلام.. وهذا من بعض مظاهر القدرة القادرة التي تلبس المتناقضين ثوبا واحدا.. «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ» (٩٥: الأنعام) وقوله تعالى: «وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» تقرير لهذه الحقيقة التي تحدث عن نفوذ علم الله، إلى ما فى الصدور، من وساوس وخواطر.. وهذه شواهد قدرته سبحانه، فيما بين الليل والنهار من امتزاج وافتراق فى وقت معا..
الآيات: (٧- ١١) [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٧ الى ١١]
آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)
التفسير:
قوله تعالى:
«آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ»
стр. 5892
بعد هذا البيان المبين الذي عرضت فيه الآيات السابقة بعض ما لله من قدرة، وتصريف فى هذا الوجود، وماله من علم يحيط بكل شىء، وينفذ إلى خفايا الصدور، وخوالج النفوس- بعد هذا جاءت دعوة الله إلى عباده أن يستجيبوا لله، وأن يؤمنوا به وبرسوله، وأن ينفقوا مما أعطاهم من فضله، وجعلهم خلفاءه فيه ووكلاءه عليه.. وأنه ليس للخليفة، أو الوكيل أن يخالف أمر من استخلفه أو وكله..
فالإيمان بالله، والولاء له، والتصديق برسوله، هو حق الخالق على المخلوق..
والإنفاق من عطاء الله فى سبيل الله، هو حق هذا العطاء، ومطلوب الشكر عليه..
ومع أن الإيمان بالله، والإنفاق من مال الله فى سبيل الله، هو حق مطلوب أداؤه، وأداء الحقوق، هو إبراء الذمة، لا يستوجب جزاء.. ومع هذا، فقد أوجب الله سبحانه على نفسه- فضلا وإحسانا- أن يجزى على أداء تلك الحقوق جزاء كريما، وأجرا كبيرا.. «فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ» قوله تعالى «وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» بعد أن جاءت تلك الدعوة الآمرة الهاتفة بالإيمان بالله والإنفاق فى سبيله فى قوله تعالى: «آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ» ، وبعد أن أعقب هذه الدعوة هذا الوعد الكريم من الله بالجزاء العظيم، والأجر الكبير لمن يستجيب لها- جاءت الآيات بعدها لتناقش هذه الدعوة، ولتلقى أولئك المترددين فى قبولها، لقاء المنكر عليهم موقفهم هذا، المطالب لهم ببيان العلة أو العلل التي تحول بينهم وبين إجابة داعى الله الذي
стр. 5893
دعاهم.. «وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ؟» أي أىّ شىء يحول بينكم وبين الإيمان بالله.. وهذا رسول الله إليكم، يدعوكم لتؤمنوا بربكم؟ لماذا لا تجيبون دعوة الله وتؤمنون به؟
إن دعوتكم إلى الإيمان بالله، وبعث رسول من عند الله إليكم بها، هو فضل من فضل الله عليكم، وإحسان من إحسانه إليكم، إذ كان من شأنكم أن تكونوا مؤمنين، من غير دعوة مجدّدة إليكم.. فلقد دعاكم الله إلى الإيمان من قبل، وأخذ ميثاقكم وأنتم فى ظهور آبائكم، فأجبتم ولبيتم.. فما لكم لا تذكرون هذا الميثاق، ولا توفّون به؟ ثم مالكم إذ قد نقضتم الميثاق، أن تجددوه على يد الرسول الذي بعثه الله إليكم ليذكر كم به، ويقيمكم عليه؟.
وقوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» . أي إن كنتم ما زلتم على إيمانكم بالله الذي وثّقه معكم وأنتم فى ظهور آبائكم- فما لكم لا تؤمنون بما يدعوكم إليه الرسول من إيمان، وهو إنما يدعوكم إلى هذا الإيمان الذي آمنتم به من قبل؟ وعلى هذا يكون مفهوم نظم الآية هكذا: «وما لكم لا تؤمنون بالله إن كنتم مؤمنين» وأما قوله تعالى: «وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ» فهما جملتان حاليتان تكشفان عن حال المخاطبين وهم يدعون إلى الإيمان ولا يجيبون دعوة الداعي..
وهذا يعنى أن دعوة الإسلام، هى دعوة تلتقى مع الفطرة التي فطر الناس عليها، وأن من يرفض هذه الدعوة أو ينكرها، فهو منحرف عن الفطرة، حائد عن طريقها..
стр. 5894
والميثاق الذي أخذه الله سبحانه على الناس، هو فطرتهم التي أودعها فيهم، والتي يولد عليها كل مولود، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى!» (١٧٢: الأعراف) ..
فكل مولود يولد سليما معافى من داء الشرك والضلال، أشبه باللبن يخرج من الضرع.. وقد يتعرض هذا اللبن للعطب والفساد بما يعلق به من أفذار، وما يتخلّق من هذه الأقذار من جراثيم..
وفى الحديث الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ..
ودعوة الإسلام، هى دعوة إلى الفطرة، وإلى تطهيرها مما يكون قد علق بها من آفات.. «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها.. لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ.. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ.. وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» (٣٠: الروم) ..
قوله تعالى:
«هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» ..
هو بيان لفضل الله على عباده، إذ يجدّد دعوته إليهم، ويدعوهم إلى توثيق الميثاق الذي نقضوه، بما ينزل على عبده محمد صلوات الله وسلامه عليه، من آيات بينات، ليخرجهم بها من الظلمات إلى النور، وليعيد إليهم فطرتهم التي أفسدوها.. وهذا من رأفة الله سبحانه بعباده، ورحمته
стр. 5895
بهم.. «وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» .. فسبحانه، سبحانه، من رب كريم، برّ رحيم!! وألا خسر وخاب من أعرض عن ربه، وأسلم زمامه ليد شيطانه!.
وفى قوله تعالى: «ينزل» إشارة إلى أن القرآن لم يكن قد تمّ نزوله بعد، وأنه مازال يتنزل حالا بعد حال..
وفى قوله تعالى: «عَلى عَبْدِهِ» دون أن يذكر اسم هذا العبد- إشارة إلى أنه هو عبد الله، الذي تتحقق فيه صفة العبودية الكاملة لله، حتى أنه إذا أضيف إليه هذا العبد من غير ذكر اسمه، لم يكن المقصود إلا هو، وهو محمد صلوات الله وسلامه عليه.. وهذا مقام جليل لا يبلغه أحد من عباد الله.. فصلى الله عليك يا رسول الله، وعلى آلك، والمهتدين بهداك، وسلم تسليما كثيرا كثيرا..
قوله تعالى:
«وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ.. أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا.. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى.. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.» ..
والشقّ الآخر من شقّى الدعوة التي يدعو الله سبحانه عباده إليها، بعد الإيمان به، هو الإنفاق فى سبيله..
فإذا استجاب العبد لدعوة الله، وآمن به، فلم لا ينفق فى سبيله؟
ولم يمسك هذا المال الذي آتاه الله؟ ولم يضنّ به على الإنفاق فيما يدعوه.
стр. 5896
إليه؟ أله شىء من هذا المال؟ أليس هذا المال من مال الله؟ وهل يملك أحد شيئا، مع الله سبحانه الذي له ملك السموات والأرض؟ وهل يبقى هذا المال فى يد ممسكيه إلى الأبد؟ وكيف.. ولله ميراث السموات والأرض؟ فمن أمسك هذا المال الذي فى يده، فهو صائر يوما إلى غيره..
ثم هو صائر آخر الأمر إلى الله : «إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ» (٤٠: مريم) ..
وقوله تعالى: «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا» - هو خطاب للمنفقين فى سبيل الله، وأنهم ليسوا على درجة واحدة فى الثواب والجزاء على ما أنفقوا..
فالذين أنفقوا- ولو قليلا- فى ساعة العسرة، وفى حال كان الإسلام فيها فى دور الامتحان والابتلاء، لم تثبت قدمه بعد، ولم يتمكن سلطانه- الذين أنفقوا فى هذه الحال، وقاتلوا، هم أعظم درجة من الذين أنفقوا وقاتلوا بعد الفتح، وبعد أن علت راية الإسلام، وانجحر الشرك، ودالت دولة المشركين..
فالذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح- وهو فتح مكة، أو صلح الحديبية- إنما كانوا ينفقون ويقاتلون ابتغاء وجه الله، من غير أن ينظروا إلى مغانم تقع لأيديهم، ومن غير أن يكون لسلطان الإسلام قوة قاهرة تدعوهم إليه، أو سلطان ظاهر يغريهم به، وإنما أنفقوا ما أنفقوا من أموال ونفوس، لما وقع فى نفوسهم من إيمان بالله، وطمع فى رضوانه..
وهؤلاء هم الذين أشار إليهم بقوله:
стр. 5897
«وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ» (١٠- ١١ الواقعة) ..
كما أشار إليهم سبحانه بقوله: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» (١٠٠: التوبة) ..
أما الذين أنفقوا بعد الفتح، وقاتلوا فى سبيل الله، فإنما ينفقون ويقاتلون، وقد أنفق الناس جميعا وقاتلوا، سواء منهم من نظر إلى سلطان الإسلام، أو لم ينظر.. وشتان بين منفق ومنفق، ومقاتل ومقاتل..
فتلك حال وهذه حال، ولكلّ من الحالين حساب وتقدير..!
وقوله تعالى: «وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» أي أن كلا من الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا- هؤلاء وهؤلاء قد وعدهم الله الحسنى، أي المنزلة الحسنى، أو العاقبة الحسنى..
فهم جميعا فى رضوان الله.. وإن اختلفت حظوظهم ومنازلهم من هذا الرضوان..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» - إشارة إلى ما يصحب هذه الأعمال من نيّات.. فقد يتلبس العمل السابق بنية تحبطه، لأنه لم يكن خالصا لوجه الله.. وقد يجىء العمل المتأخر مصحوبا بنية خالصة لوجه الله، فيسبق المتأخر المتقدم.. «وإنما لكل امرئ ما نوى» ..
وهذا مما يعلمه الله من عباده، وما انعقدت عليه نياتهم..
وفى قوله تعالى: «أَنْفَقَ وقاتَلَ» وفى الجمع بين الانفاق والقتال فى
стр. 5898
سبيل الله- فى هذا إشارة إلى أن الإنفاق ليس مقصورا على المال وحده، وإنما هو إنفاق من النفوس، وبذلها فى سبيل الله.. فمن لم يكن ذا مال لم يحرم اللّحاق بالمنفقين من أموالهم، وذلك بالإنفاق من ذات نفسه، ومن كان ذا مال لم يمنعه الإنفاق من ماله أن ينفق من ذات نفسه، فيجمع إحسانا إلى إحسان، وقد يكون الإنفاق إلى جانب النفس والمال، إنفاقا من حصافة الرأى، وحسن التدبير، والنّصح للمؤمنين..
قوله تعالى:
«مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ» هو دعوة كريمة من رب كريم، إلى أن يقرضه المؤمنون مما أعطاهم، فيضاعف لهم هذا القرض، ويجزيهم عليه الجزاء الأوفى..
وإنه ليس بعد هذا عذر لمعتذر ممن يؤمنون بالله واليوم الآخر فى ألّا يجيبوا دعوة الله ، وألّا ينفقوا مما خولهم إياه، وجعله ملكا خالصا لهم، فيأخذ منهم ما أنفقوا أخذ المقترض، الذي يشكر لمقرضه، ويحمد صنيعه معه.. فسبحانه سبحانه من رب بر رحيم!!! والقرض الحسن، هو أن يكون من مال مكتسب من حلال، وأن يكون من أكرم مال المنفق وآثره عنده، وأن يخرجه من يده عن طيب خاطر، ورضا نفس، وأن يكون الإنفاق والنفس راغبة فى الحياة، مقبلة عليها، لا بعد أن يهرم المرء ويذهب شبابه، وتنطفىء حدة رغباته، وشهواته..
الآيات: (١٢- ١٥) [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٢ الى ١٥]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)
стр. 5899
التفسير قوله تعالى:
«يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» .
الظرف هنا متعلق بقوله تعالى فى الآية السابقة: «فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ» أي أن الذي يقرض الله قرضا، فيضاعفه الله له، ويعطيه الأجر الكبير عليه- إنما يجد ذلك يوم القيامة، يوم ترى- أيها الرائي فى ذلك اليوم- المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم..
والمراد بالنور- والله أعلم- هو الإيمان، وما يتبعه من الأعمال الصالحة، حيث يكون هذا الإيمان نورا هاديا لأصحابه إلى الجنة.. كما يقول سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» . (٩: يونس)
стр. 5900
والنور الذي فى أيمان المؤمنين والمؤمنات يومئذ، هو صحف أعمالهم التي يتناولونها بأيمانهم. فتكون أمارة من أمارات السلامة والنجاة، كما تكون نورا هاديا يتجه بهم إلى طريق الجنة.
وقوله تعالى: «بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» . هو النداء الذي ينادى به المؤمنون والمؤمنات من الملائكة يوم القيامة، حيث يلقونهم مرحبين بهم، مسرعين إليهم بزفّ هذه البشرى المسعدة، مهنئين لهم بما ظفروا به من رحمة الله ورضوانه فى هذا اليوم العظيم..
وقوله تعالى:
«يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ.. قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» .
هو وصف لموقف من تلك المواقف التي تجرى يوم القيامة بين أهل المحشر، من خصام، وملاحاة، وترام بالتّهم، وقذف بالشناعات..
وهنا موقف بين المنافقين والمنافقات، وبين المؤمنين والمؤمنات..
ذلك أنه حين يرى المنافقون والمنافقات أن المؤمنين والمؤمنات قد زايلوا موقف الحشر، وساحة القضاء، إلى دار الخلد والنعيم، يسعى بهم نورهم إلى دارهم تلك- حين يرى المنافقون والمنافقات ذلك، يركبهم الكرب، ويستبدّ بهم الفزع، بعد أن انطلق المؤمنون والمؤمنات من بينهم، وأخذوا طريقهم إلى الجنة.. وهنا يحاول المنافقون والمنافقات أن يتعلقوا بأذيالهم، وأن يلحقوا بهم. فينادونهم: «انظرونا» أي انتظرونا وأمهلونا قليلا
стр. 5901
«نقتبس من نوركم» أي نمشى على نوركم، ونتعرف على طريق السلامة بالجري على آثاركم.
وقوله تعالى: «قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً» هو الجواب الذي يجاب به على ما سأل المنافقون والمنافقات بقولهم: «انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ» ..
وقد يكون هذا الجواب من المؤمنين والمؤمنات، وقد يكون من الملائكة.. ولهذا بنى الفعل للمجهول، ذلك لأن هذا الجواب هو الجواب الذي لا جواب غيره، وإن لم ينطق به أحد.. فهو جواب الحال، قبل أن يكون جواب المقال.. وهو ردع للمنافقين والمنافقات، وحبس لهم فى أماكنهم التي هم فيها لا يبرحونها، حتى يقضى الحق فيهم قضاءه.
وقوله تعالى: «فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ، باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» .
ضرب بينهم: أي أقيم، ورفع بين المنافقين والمنافقات، والمؤمنين والمؤمنات، هذا الحجاز، وهو «سور» أي حائط، له باب، هو الباب الذي دخل منه المؤمنون والمؤمنات إلى ساحة الرحمة والمغفرة، وقد أغلق بعد أن دخل المؤمنون والمؤمنات إلى رضوان الله، وبقي فى الخارج المنافقون والمنافقات ينتظرون قضاء الله فيهم، وإنه لقضاء عدل، حيث ينال المنافقون والمنافقات جزاء ما كانوا يعملون..
ويلاحظ هنا فى هذا الموقف، أن المؤمنين والمؤمنات، والمنافقين والمنافقات، كانوا فى موقف الحساب والمساءلة، وأن المؤمنين والمؤمنات
стр. 5902
قد فصل فى أمرهم، وبرئت ساحتهم، وسيقوا إلى الجنة زمرا، وأن المنافقين والمنافقات قد همّوا ليلحقوا بهم، فضرب بينهم بهذا السد، وهو سد يحول بين المنافقين والمنافقات وبين الخروج من مكانهم الذي هم فيه.. وفى التعبير عن إقامة هذا الحاجز أو هذا السور بين أهل الجنة وأهل النار- فى الإشارة إلى هذا بالضرب، ما يدل على أن هذا السور قد أقيم مرة واحدة، فى لحظة خاطفة، ولم بين لبنة لبنة، وجزءا جزءا.. وشبيه بهذا ما يقام من خيام، فإنه يسمّى فى حال إقامته بالضرب.. كما يقول الشاعر:
إن السماحة والمروءة والندى ... فى قبّة ضربت على ابن الحشرج
كما أن الضرب للشىء يستعمل لما يلزم ويدوم منه، كما فى قوله تعالى «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ» (٦١: البقرة) أي لزمتهم الذلة والمسكنة لزوما دائما لا يزول.
أما الباب الذي لهذا السور، فهو معدّ لمن بقي من أهل السلامة فى الموقف، ولم يدخل الجنة بعد، ولم يلحق بالذين سبقوا من المؤمنين، حيث أبطأ به عمله.. ولكنه مع هذا سائر على طريق النجاة.. فإذا بلغ أول هذا الطريق، دخل من هذا الباب، فوجد أرواح الرحمة، والرضوان..
وقوله تعالى: «باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ» - إشارة إلى أن الذين يجوزون هذا السور من المؤمنين والمؤمنات، يجدون ريح الجنة، وراء هذا الباب القائم على السور، أما الذين ظلوا فى موقف الحشر، خارج هذا السور، فإنه لا يطلع عليهم فى موقفهم هذا إلا نذر الشر، والعذاب..
стр. 5903
قوله تعالى:
«يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟. قالُوا بَلى! وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» .
أي أن المنافقين والمنافقات، وقد وجدوا المؤمنين والمؤمنات، أخذوا طريقهم إلى الجنة، ولم يستجيبوا لندائهم أن: «انظرونا نقتبس من نوركم» - حين رأوا ذلك عجبوا لهم، وجعلوا يسائلونهم: «ألم نكن معكم؟» ..
أي: ألم نكن نحسب من المؤمنين، بينكم؟ ألم تعاملونا معاملة أهل الإيمان؟
فلماذا تتبرءون منا الآن، وتأخذون طريقا وحدكم، لا حساب لنا فيه معكم؟
ويأتيهم الجواب من المؤمنين: «بلى!!» أي لقد كنتم حقّا معنا، ولكن بألسنتكم- أيها المنافقون والمنافقات، لا بقلوبكم- كان إيمانكم، وبهذا دخلتم مدخل المؤمنين فى الدنيا، بهذه الثياب الزائفة من النفاق، التي اتخذتموها زيّا لكم، لتدخلوا به فى زمرة المؤمنين.. أما قلوبكم فهى على ما هى عليه من ضلال، وشرك، وكفر.. وأنتم هنا فى هذا الموقف- موقف القيامة- إنما تحاسبون على ما فى قلوبكم، وقد كشف الله ما بها من نفاق!! لقد كنتم معنا، وكنتم فى حساب المؤمنين، لأننا لا نعلم ما فى قلوبكم من نفاق وخداع.. ولكنكم كنتم فى حقيقة الأمر، على غير سبيل المؤمنين.. فلقد «فتنتم أنفسكم» ، وأوردتموها موارد الضلال، «وتربصتم» أي كنتم تتربصون بالمؤمنين، وتنتظرون ما يحلّ بهم من هزيمة وخذلان، فتنفضون أيديكم منهم، وتجدون لكم طريقا إلى عدوهم..
«وارتبتم» أي كنتم فى ريبة وشك من دين الله، فلم تؤمنوا به عن صدق ويقين، «وغرتكم الأمانى» أي وظللتم فى خداع أنفسكم بتلك الأمانى
стр. 5904
الباطلة، التي كنتم تمنونها بها «حتى جاء أمر الله» .. أي حتى جاءكم الموت، وأنتم فى هذا الموقف من التربص والريبة والغرور.. «وغركم بالله الغرور» أي أنكم كنتم فى هذا كلّه منقادين للشيطان الذي دعاكم إليه، وزين لكم طريق الضلال، فاستجبتم له، وغررتم بخداعه وضلاله.
والغرور، هو الشيطان، لأن التغرير بالناس، هو وظيفته التي خلق لها..
قوله تعالى:
«فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا.. مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ..
هو مما يردّ به على المنافقين والمنافقات، يوم القيامة، بعد أن سمعوا ما يسوؤهم، جوابا على قولهم للمؤمنين: «ألم نكن معكم؟» .. إنهم لم يكونوا من المؤمنين، بل كانوا على نفاق خفىّ انكشف أمره يوم القيامة، ولهذا فهم يساقون إلى النار، مع الكافرين، لأنهم فى الحقيقة كانوا كافرين، وإن حسبوا فى ظاهر أمرهم من المؤمنين..
وإنه لن يقبل منهم فدية يفتدون بها أنفسهم من هذا العذاب.. تماما كما لا يقبل من الكافرين فدية.. إنهم على سواء فى الكفر والضلال.
وقوله تعالى: «مَأْواكُمُ النَّارُ» تأكيد لقوله تعالى: «لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ» .. فالفدية إنما هى فدية من النار، وإذا لم تقبل الفدية فليس إلا النار..
وقوله تعالى: «هِيَ مَوْلاكُمْ» .. هى الولىّ الذي يضمكم إليه،
стр. 5905
وتقوم بينكم وبينه المودّة والتآخى.. إنه لا بد لكم من ولىّ، وقد انقطعت بينكم وبين المؤمنين والمؤمنات حبال الولاء، وليس بعد ولاية المؤمنين إلا ولاية الكافرين.. والكافرين فى النار، فخذوا مكانكم معهم فيها..
الآيات: (١٦- ٢٠) [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٦ الى ٢٠]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)
стр. 5906
التفسير:
قوله تعالى:
«أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» ..
فهم جمهور المفسرين هذه الآية على أنها خطاب للمؤمنين جميعا، وأن الله وجه هذا العتاب التهديدى للمؤمنين، ولمّا يمض عليهم زمن وهم فى صحبة هذا الدين الذي دانوا به، وبين يدى الرسول الكريم، وفى مشهد من آيات الله التي تتنزل عليه!! وهذا الاستفهام، فيه إنكار وتهديد، أكثر مما يحمل من إغراء وتحضيض!! والذي ينظر فى الآية الكريمة، وفى سياقها مع ما سبقها من آيات، يجد أنها خطاب تهديدىّ لهؤلاء المنافقين الذين كانو يعيشون فى مجتمع المؤمنين ويحسبون منهم.. وقد جاء هذا الخطاب التهديدى إليهم، بعد أن رأوا مصيرهم فى الآخرة، وما انكشف من شركهم وكفرهم، وأنهم حين أرادوا أن يكونوا فى زمرة المؤمنين، وبين جماعاتهم كما كانوا فى الدنيا، وحين هتفوا بالمؤمنين «ألم نكن معكم؟» - حين فعلوا ذلك، تحت ثوب النفاق الذي لبسوه فى الدنيا، قيل لهم: «بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ» ..
وإنه إذ يلقاهم هذا الخطاب التهديدى، بعد أن رأوا- وهم فى الدنيا-
стр. 5907
أن نفاقهم سينكشف يوم القيامة، وأنهم سيحشرون مع الكافرين- إذ يلقاهم هذا التهديد، فإنه إنما يوقظهم من غفلتهم تلك عن أنفسهم، وعن خداعهم لها، وأنه قد آن لهم أن يكونوا فى المؤمنين ظاهرا وباطنا، وإلّا فقد عرفوا أين يكون مكانهم يوم القيامة، إذا هم ظلوا قائمين فى هذا الموقف الذي هم فيه، وأنه ليس لهم مأوى إلا النار..
فقوله تعالى: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟» ..
هو دعوة مجدّدة إلى أولئك المؤمنين الذين فى قلوبهم مرض، من المنافقين وأشباه المنافقين، الذين يعيشون بين المؤمنين، ويحسبون فى جماعتهم، ويشهدون مشاهدهم فى الحرب والسلم، كعبد الله بن أبىّ بن سلول، وغيره من الذين لم تطمئن بالإيمان قلوبهم، ولم تخشع لذكر الله وما نزل من آياته..
«أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ؟» ..
أي: ألم يحن الوقت الذي تخشع فيه لذكر الله، ولما نزل من الحق- قلوب هؤلاء المؤمنين الشاكّين المترددين؟ وماذا ينتظرون بعد هذا وقد عاشوا فى الإسلام وقتا كافيا، اطّلعوا فيه على سيرة الرسول فيهم، واستمعوا إلى آيات الله التي يتلوها عليهم؟.
وفى تسميتهم مؤمنين، إغراء لهم بتصحيح إيمانهم، وبإخلاء قلوبهم من النفاق، وإخلاص نياتهم لهذا الدين الذي لبسوه ظاهرا، بأن يلبسوه باطنا..
إنه أسلوب من التربية الحكيمة العالية، التي ليس من همّها قتل المرضى، بل همّها الأول هو الطّبّ لدائهم، وتقديم الدواء الناجع لعللهم..
стр. 5908
وقوله تعالى: «وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» .
هو معطوف على قوله تعالى: «أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ» - أي ألم يجىء الوقت الذي تخشع فيه قلوب هؤلاء المؤمنين المنحرفين، لذكر الله، وما نزل من الحق، وألا يكونوا كهؤلاء الذين أوتوا الكتاب من اليهود، الذين قست قلوبهم، فجفوا دينهم، وعبثوا بشريعتهم، وخرج كثير منهم جملة عن دينه وأحكام شريعته؟
وفى تشبيه هؤلاء المؤمنين المرتابين فى دينهم بأهل الكتاب من اليهود- إشارة إلى ما كان بين هؤلاء المؤمنين المنافقين، وبين هؤلاء اليهود من اجتماع على الكيد للإسلام، والتربص بالمسلمين.. وفى هذا ما يكشف هؤلاء المرضى من المؤمنين، وأنّ من ينضوى منهم إلى هؤلاء اليهود، أو يلقاهم بالمودة، وهم على هذا الكيد للمؤمنين، فهو من المنافقين، وإلا كان عليه أن يعتزل مجالس هؤلاء اليهود، وأن يقطع حبال الود التي بينه وبينهم، والله يقول: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً» (١١: الحشر) فهذا وجه بارز من وجوه النفاق، لا يجتمع مع الإيمان فى قلب مؤمن أبدا..
وليس القيد الوارد على حال أهل الكتاب فى قوله تعالى: «فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ» - ليس قيدا مشتركا بينهم وبين المنافقين وأشباه المنافقين من المؤمنين المخاطبين بهذه الآية، وإنما هو قيد خاص بأهل الكتاب الذين صاروا إلى تلك الحال من قسوة القلوب والفسوق عن دينهم، بعد أن تراخى الزمن بينهم
стр. 5909
وبين نبيهم الذي جاءهم بالشريعة التي يدينون بها، وبعد أن توارثوا هذا الداء، فقست قلوبهم، ولم تعد تقبل خيرا..
وقد جعل المفسرون هذا القيد: «فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ» - قيدا جامعا للمؤمنين وأهل الكتاب.. وهذا هو الذي جعلهم يجعلون قوله تعالى:
«أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ» - خطابا عامّا للمسلمين جميعا، يدخل فيه صحابة رسول الله، كما يدخل فيه من فى قلوبهم مرض من المؤمنين، وهذا لا يتفق أبدا مع الحال التي كان عليها صحابة رسول الله، الذين أعطوا كل وجودهم لله، ولرسول الله، ولدين لله، وإنه ليس وراء ما أعطوا بقية من مشاعر الخشوع والولاء تعطى فى هذا المقام! قوله تعالى:
«اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» .
هو خطاب لهؤلاء المؤمنين المنافقين الذين لم يملأ الإيمان قلوبهم خشية وجلالا وولاء لله، ولرسوله، وللمؤمنين.. فهؤلاء إنما هم فى شك من البعث وأن هذا الشك هو الذي أقامهم من الدين هذا المقام المنحرف، ولهذا كان من تمام دعوتهم إلى تصحيح إيمانهم، أن يكون إيمانهم بالبعث واقعا موقع اليقين من قلوبهم وعقولهم، وأنهم إذا كانوا فى شك من هذا، فليعلموا أن أمر البعث لا يختلف عما يرونه بأعينهم من إلباس الأرض الميتة ثوب الحياة.. فالله سبحانه الذي يحيى الأرض بعد موتها، لا يعجزه أن يحيى الأجسام بعد موتها، فهذا من ذاك.. سواء بسواء.
стр. 5910
وقوله تعالى «قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» استدعاء لهؤلاء المخاطبين، المنحرفين، أن يستدعوا عقولهم- إن كانت لهم عقول- وليتدبروا موقفهم من البعث، بالنظر إلى ما تفعله قدرة الله سبحانه بالأرض الميتة! قوله تعالى:
«إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ» .
هو دعوة مجدّدة أيضا إلى هؤلاء المؤمنين المنحرفين، أن ينفقوا فى سبيل الله، بعد أن يصححوا إيمانهم، وأن يدخلوا دخولا كاملا فى دين الله، وأن يصبحوا من المؤمنين الذين خاطبهم الله سبحانه فى الآيات السابقة بقوله:
«مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ» .. فليلحقوا بهؤلاء المؤمنين، الذين دعوا إلى الإنفاق فى سبيل الله واستجابوا لما دعوا إليه..
إنهم إن فعلوا كان لهم ما لإخوانهم الذين سبقوهم من مضاعفة الجزاء، ومن الأجر الكريم، الذي أعدّ لهم.. وهذا هو السر- والله أعلم- فى هذا التشابه الذي جاء عليه نظم الآيتين:
«مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ» .
«إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ» .
والمصّدّق: أصله المتصدق، قلبت التاء صادا، وأدغمت الصاد فى الصاد.
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» .
стр. 5911
هو معطوف على قوله تعالى: «إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ» .
أي أنه إذا كان الإنفاق فى سبيل الله مما يردّ إلى المنفق مضاعف القدر، كريم الأجر- إذا كان ذلك كذلك، فإن هذا الإنفاق لا يزكو، ولا يطيب، ولا يعطى هذا الأجر الكريم- إلا إذا كان عن إيمان وثيق بالله، وبرسوله..
فالإيمان بالله رسوله، إيمانا خالصا من كل شائبة، هو الذي يزكّى كل عمل يعمله المؤمن، قلّ هذا العمل أو كثر، وهو الذي يرفع العبد عند ربه إلى درجه الصديقين والشهداء..
والصدّيق، هو كثير الصدق، أي من كان مصدقا بكل ما نزل من آيات الله، وبكل ما سمع من رسول الله، لا يرتاب فى شىء، ولا يتوقف عند شىء.. سواء عقله أو لم يعقله، وسواء وافق هواه أو خالفه.. فهذا هو الإيمان فى صميمه.. إنه ولاء، وطاعة، وإسلام، واستسلام.. ومن هنا كان «أبو بكر» رضى الله عنه «الصدّيق» الأول، و «الصديق» الأكبر، لأنه بعد أن آمن بالله وبرسوله، جعل عقله وراء كل ما يعرض له من أمر الله ورسوله.. وفى حادث صلح الحديبية، شاهد لهذا، فقد كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه، قد سار بالمسلمين عام الحديبية، على أن يدخل هو والمسلمون المسجد الحرام، وذلك لرؤيا رآها النبي الكريم، وأعلم المسلمين بها.. فلما وقفت قريش فى وجه الرسول وأصحابه، وهم على مشارف مكة، وانتهى الأمر بينه وبين قريش إلى أن يعود النبي بأصحابه هذا العام، وألا يدخلوا على قريش مكة فى عامهم هذا، على أن يعودوا حاجّين فى العام القادم، بعد أن تخلى قريش مكة لهم- وإنه لما انتهى الأمر إلى هذا الموقف، اضطرب المسلمون، وكثرت تساؤلاتهم عن هذا الوعد الذي وعدهم النبي إياه من دخول المسجد الحرام- كان أبو بكر رضى الله عنه، هو الذي لم يقع فى قلبه شىء من
стр. 5912
هذا الذي وقع فى نفوس المسلمين، حتى إنه جاءه عمر متسائلا، قال له تلك القولة القاطعة الحازمة: «الزم غرزه» أي قف عند حدّك، ولا تراجع فى أمر فعله النبي! وهذا ما جاء به قوله تعالى بعد ذلك، فى القرآن المدنىّ: «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» (٣٦: الأحزاب) .
فمن آمن مثل هذا الإيمان أو قريبا منه، فهو من الصديقين.. فصحابة رسول الله، أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف، وكثير من وجوه الصحابة هم من الصديقين، وإن اختلفت منازلهم، فى مقام الصدّيقيّة والشهداء: جمع شهيد وشاهد، وهم الذين آمنوا بالله ورسله، فهم صديقون وهم شهداء عند ربهم، وتلك صفة أمة محمد صلوات الله وسلامه عليه، التي يشير إليها بقوله: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» (١٤٣: البقرة) كما يصحّ أن يكون معنى الشهداء، هم الذين شهدوا بصدق الرسول، وأسلموا له، حين دعاهم إلى الله، وتلا عليهم آيات الله..
وهذا التأويل للشهداء، هو أولى عندنا من القول بأنهم هم الذين يقتلون فى سبيل الله.. وذلك أن القرآن الكريم لم يغلّب إطلاق لفظ «شهيد» أو شهداء على الذين يقتلون فى سبيل الله، بل غلّب على ذلك لفظ القتل. كما فى قوله تعالى:
«وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» (٧٤: النساء) وكما فى قوله سبحانه: «وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» (١٥٧ آل عمران) .. وفى استعمال لفظ القتل فى مقام الجهاد فى سبيل الله، ما يكشف للمجاهد عن الموقف الذي يدعى إليه، وأن مما قد يكون
стр. 5913
فى هذا الموقف، القتل، فليوطن نفسه على هذا، فإذا خرج على تلك النّية، كان قوة عاملة من قوى الحق، فلا يحجم عن الإقدام، ولا يفرّ عند اشتداد البأس، ولا يهاب القتل الذي أعدّ نفسه له.. وهذا خير مما لو صور له الموت فى موقف القتال فى صورة مجازيّة، يبدو فيها الموت فى صورة غير صورته التي يلقاه الناس عليها، ثم إذا استقبله المجاهد فى موقف القتال على حقيقته، أنكر ما عرف منه فى تلك الصورة المجازية، والتمس لنفسه السبيل أو السبل التي تباعد بينه وبينه!! ومن جهة أخرى، فإن الذين يقتلون فى سبيل الله، قد كان لهم فى القرآن الكريم ذكر خاص بهم، يشير إلى مقامهم عند الله، وما أعد الله لهم من حياة طيبة فى الدار الآخرة.. وفى هذا يقول سبحانه: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (١٧٠: آل عمران) .. وعن هذا المعنى جاء الوصف لمن يقتلون فى سبيل الله بأنهم شهداء.. إذ كان موتهم لم يقطع الحياة عنهم، فهم أحياء يرزقون عند ربهم، وهم فى مقام عال يشهدون منه ما يجرى فى العالم الدنيوي..!
وعلى هذا يكون قوله تعالى: «وَالشُّهَداءُ» معطوفا على الصديقين، أي:
«وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» أولئك هم الصديقون، وهم الشهداء عند ربهم وقوله تعالى: «عِنْدَ رَبِّهِمْ» متعلق بالصديقين والشهداء، وقع موقع الحال..
وقوله تعالى: «لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ» - خيرثان عن الذين آمنوا بالله ورسله.
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ»
стр. 5914
هو وعيد لهؤلاء المنافقين المكذبين بآيات الله، فهم فى زمرة الكافرين، وليس للكافرين من مصير إلا عذاب الجحيم..
[الحياة الدنيا.. ما نأخذ منها وما ندع] قوله تعالى:
«اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً، وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.»
هو خطاب عام للناس جميعا، مؤمنهم، ومنافقهم، وكافرهم.. وفى هذا الخطاب كشف مبين عن حقيقة الحياة الدنيا، حتى يراها الناس فى وضعها الصحيح، فلا يغتروا بظاهرها، ولا يفتنوا بما تبدى لهم من صور الفتنة والإغراء..
فإن أكثر ما يضل الناس عن طريق الحق، ويعمّى عليهم سبل الخير، هو افتتانهم بزخارف الدنيا، وانخداعهم بهذا السراب الذي تلوّح لهم به، فى معرض الأمانىّ الخادعة، والآمال الكاذبة..
فالحياة الدنيا- فى حقيقتها- «لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ» إن كل ما فى هذه الحياة الدنيا، هو تافه قليل الغناء، إذا ووزن بما فى الآخرة..
من نعيم، وعذاب.. فما ينعم به الذين يحسبون أو يحسبه غيرهم- أنه نعيم فى الدنيا، هو لمعة من سراب، أو قطرة من محيط مما أعد الله سبحانه لعباده المكرمين، من نعيم خالد لا يزول، كامل، لا ينقص منه شىء.. وما يشقى به
стр. 5915
الذين يحسبون أو يحسبهم الناس أنهم أشقياء فى الدنيا، هو نعيم، بالنسبة لعذاب الآخرة وأهوالها..
فكل ما فى هذه الحياة الدنيا، من نعيم أو شقاء، هو بالنسبة لنعيم الآخرة وشقائها، لعب ولهو.. وإذ كان ذلك هو كل ما فى الدنيا، فإن من شأن الراشدين العقلاء ألّا يقفوا طويلا عند هذا اللهو واللعب، بل إن عليهم أن يتجاوزوا هذا إلى ما وراء هذه الحياة، وأن يجعلوا من الدنيا معبرا إلى الحياة الآخرة، وأن يكون حظهم من دنياهم هو التزود ليوم القيامة، بالأعمال الطيبة بعد الإيمان بالله واليوم الآخر وملائكته، وكتبه، ورسله..
وقوله تعالى: «وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ» ..
هو معطوف على قوله تعالى: «لَعِبٌ وَلَهْوٌ» : أي أن الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بين الناس وتكاثر فى الأموال والأولاد..
وفى قوله تعالى: «زِينَةٌ» إشارة إلى أن الحياة الدنيا، وإن كانت العب واللهو، فإنها كذلك معرض من معارض الزينة، حيث يجد فيها الإنسان ما يتحلّى به ظاهرا وباطنا.. فيتحلى ظاهرا بالثياب الجميلة النظيفة، التي تبدو فيها صورته جميلة مقبولة، ويتحلى باطنا، بحلية الإيمان بالله، وبما يدعو إليه هذا الإيمان من مكارم الأخلاق.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» (٢٦: الأعراف) فهذه هى الزينة التي تحمّل الإنسان ظاهرا وباطنا..
زينة الجسد، وزينة القلب والروح..
وفى قوله تعالى: «وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ» - إشارة إلى ما يجرى بين الناس من تنافس فى الاستكثار من متاع الحياة الدنيا،
стр. 5916
وزينتها من أموال وأولاد، لا لسدّ الحاجة، وإنما لإشباع رغبة التعالي والتفاخر، تلك الرغبة التي كلما ألقى إليها ما تشتهيه، اشتد جوعها، وازداد نهمها، فلا تشبع أبدا..
هذا، ويلاحظ أن الآية الكريمة جمعت بين خمسة أمور، من أمور الدنيا، هى موطن الفتنة بها، ومصدر الداء لكل من كان من صرعاها..
وهى اللعب، واللهو، والتزين، والتفاخر، والتكاثر فى الأموال والأولاد..
ويلاحظ كذلك، أن هذه الأمور ليست على سواء فيما يصيب الناس منها من ضرر..
فاللعب، وهو شغل الجسد، والعقل، بما يلعب به اللاعبون- هو أكبر هذه الأمور ضررا، وأشدها بلاء على الإنسان، حيث يستهلك وجوده كله، حسّا، ومعنى، فيما لا طائل تحته.. إنه لعب كلعب الأطفال..
واللهو، وإن كان ضربا من اللعب، إلا أنه قد يكون فى جانب من جانبى الإنسان، ظاهره، أو باطنه.. فهو بهذا فى المرتبة الثانية من السوء والبلاء..
ثم تجىء الزينة، لتأخذ مكانا وسطا بين اللعب واللهو، وبين التفاخر والتكاثر..
فلو وقف المرء بالزينة عند الحد الذي لا يجاوز به المطلوب، من التجمل، إلى طلب التفاخر والتكاثر- لكان ذلك محمودا غير مذموم..
ومن هذا ندرك أن الدنيا ليست شيئا بغيضا ينفر منه الإنسان، ويفر من
стр. 5917
وجهه، إذا هو أراد النجاة والسلامة، وإنما هى مراد فسيح، ومجال متسع للسعى والعمل، ولابتغاء كثير من وجوه الخير والنفع منها، إذا عرف المرء كيف يسوس حياته فيها، ويقيمها على طلب الطيّب النافع منها، على أن يكون ذلك فى قصد واعتدال، وبمعزل عن طلب التفاخر والتعالي، فإن من شأن التعالي والتفاخر أن يجور على حياة الإنسان نفسه، كما أن من شأن هذا أن يحمله على الجور على حقوق الناس، ابتغاء الوصول إلى الغاية التي يبلغ فيها حدّ التعالي الذي يملؤه فخرا وتيها..
فعرض الدنيا فى هذا المعرض الذي جاءت به الآية الكريمة، ليس دعوة إلى الزهد فى الدنيا، زهدا يقيم الإنسان فيها مقام الضائع المستكين، الذي لا يمسك فى يده بشىء منها- كما فهم ذلك بعض الذين لا يعرفون حقيقة هذا الدين، ولا يدركون مراميه البعيدة، فانسحبوا من معركة الحياة، وأخلوا مكانهم من ميادينها العاملة، فكانوا أشبه بالمنافقين الذين اندسوا فى جيش المجاهدين، فلما التحم القتال، أعطوا العدوّ ظهورهم، وولوا مدبرين..
إن الإسلام. إذ يعرض الدنيا فى هذا العرض الذي يهوّن منها، ويخفف من موازينها، إنما يواجه بهذا العرض النفس البشرية، التي من طبيعتها الإقبال على الدنيا، والتكالب على شهواتها.. وتلك حال تحتاج إلى دعوة تكسر من حدة هذا التكالب وتقيمه على صراط مستقيم..
فالناس- كل الناس- ليسوا فى حاجة أبدا إلى من يدعوهم إلى الإقبال على الدنيا، وإلى أخذ حظوظهم منها، إذ هم مقبلون بطبعهم عليها، مدعوون بحكم غريزتهم إلى الاندفاع فى هذا الإقبال إلى مالا نهاية له..
стр. 5918
وإنما الناس- كل الناس- محتاجون إلى من يمسك زمامهم ويروّض غرائزهم، فى تعاملهم مع الدنيا، وفى تنافسهم المهلك على ما فيها من مال ومتاع..
فكل معرض يعرض فيه القرآن الكريم، الحياة الدنيا، مستخفّا بها، مهونا من شأنها، إنما هو دواء ملطف لهذا السّعار الذي يدفع الناس دفعا فى غير وعى، إلى أن يلقوا بأنفسهم إلى مواطن التهلكة، دون أن يأخذوا حذرهم مما يلقاهم على هذا الطريق المحفوف بالمخاطر..
وقوله تعالى: «كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً» - هو تشبيه لحال الدنيا، وما يبدو للناس منها من مفاتن ومغريات، ينخدع بها من يلهيهم ظاهر الأمور عن حقائقها..
فالحياة الدنيا- فى ظاهرها- أشبه بغيث وقع على الأرض، فبعث الحياة فى مواتها، وأخرج منها زروعا ناضرة، وحدائق ذات بهجة، ثم لا تلبث هذه الزروع وتلك الجنات أن تهيج، وتبلغ غايتها، ثم لا تلبث كذلك أن تأخذ فى الذبول والضمور، ثم نجفّ، وتصبح هشيما تذروه الرياح..
هذه هى الدنيا زرع، يملأ الأرض بهجة وجمالا، ثم إذا هذا الزرع النضر البهيج، قد زال عن وجه الأرض، وصار حطاما، وصارت الأرض خواء خلاء..
فمن أقام وجوده فى هذه الدنيا على أنها زرع لا يذبل، ولا يجفّ، ولا يتحول عن حاله، فهو مخطئ، ومن أقام وجوده فيها، على أنها جدب وقفر، فهو مخطئ كذلك.. وإنما هى زرع وحصاد، وخصب وجدب، وحياة وموت! ..
стр. 5919
وفى قوله تعالى: «كَمَثَلِ غَيْثٍ» - إشارة إلى أن الناس هم غيث هذه الأرض، وأنهم هم الذين يعمرونها، ويلبسونها حللا من العمران.. ولكن هذا العمران مهما امتد وعظم فهو إلى خراب، وزوال!.
وقوله تعالى: «أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ» - الكفار، جمع كافر، والكافر يطلق على الزارع، لأنه يكفر البذر فى الأرض أي يغطيه، والكفر ستر الشيء، ووصف الليل بأنه كافر لأنه يخفى الأشياء بظلامه، وكفر النعمة، وكفرانها، سترها بترك أداه شكرها.. والكافر على إطلاقه: هو من يجحد الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة.
والمعنى يمكن أن يكون على أن المراد بالكفار الزراع، كما يمكن أن يكون على أن المراد به الذين لا يؤمنون بالله، فهم الذين يعجبون بزهرة الحياة الدنيا، ويفتنون بها..
وقوله تعالى: «وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» ..
هو تعقيب على تلك الأوصاف التي وصفت بها الدنيا، من أنها لعب ولهو، وذلك بعرض ما يقابلها، وهو الآخرة، التي لا لعب فيها ولا لهو، بل كل أمرها جدّ فى جدّ.. ففيها عذاب شديد، وفيها مغفرة من الله ورضوان..
وقدّم العذاب على المغفرة، لأن الآية فى مواجهة الذين خدعوا بالحياة الدنيا وأذهبوا طيباتهم فيها.. ولهذا جاءت فاصلة الآية مؤكدة لما بدئت به: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» ..
стр. 5920
الآيات: (٢١- ٢٤) [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)
التفسير:
قوله تعالى:
«سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» ..
بعد أن كشفت الآيات السابقة عن الوجه الصحيح للدنيا، وأنها لعب ولهو وزينة وتفاخر، وتكاثر فى الأموال والأولاد، وأنها فى حقيقتها أشبه بالزرع يبدو ناضرا جميلا معجبا، ثم لا يلبث أن يذبل ويصير حطاما- كان من تمام الحكمة أن يلفت الناس إلى الوجه الذي يتجهون إليه، إذا هم عرفوا من أمر الدنيا ما كشفت لهم عنه آيات الله- فكان قوله تعالى: «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» -
следующие страницы →