(٨٠) سورة عبس
نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة النجم.
عدد آياتها: اثنتان وأربعون آية.
عدد كلماتها: مائتان وثلاث وثلاثون.. كلمة.
عدد حروفها: خمسمائة وثلاثة وثلاثون.. حرفا.
مناسبتها لما قبلها
كان مما ختمت به سورة «النازعات» قوله تعالى: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها» وكان فى ذلك ما يشير إلى المقام الذي يأخذه النبي من قومه، الذين لج بهم الضلال والعناد، وجعلوا همهم المماحكة والمجادلة، ولقاء النبي بالأسئلة التي لا محصّل لها ولا ثمرة منها.. إنهم لم يؤمنوا بوقوع هذا اليوم- يوم القيامة- وسؤالهم عن موعد شىء لا يؤمنون به ولا يصدقون بوجوده، إنما هو ضلال من ضلالهم.
وجاءت سورة «عبس» مفتتحة بهذا الموقف، الذي كان بين النبي وبين جماعة من المعاندين الضالين، الذين طمع النبي فى هدايتهم، فصرف إليهم وجهه كله، دون أن يلتفت إلى ذلك الأعمى، الذي آمن بالله، والذي جاءه يطلب مزيدا من النور والهدى..
وكلّا، فإنه ليس ذلك من محامل دعوة النبي، التي رسم الله له طريقها فى قوله: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها» .. وهؤلاء الضالون المعاندون لا يخشون الله، ولا يؤمنون باليوم الآخر، ولن يؤمنوا أبدا مهما طال وقوفك معهم..
وكلا: «إِنَّها تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ»
стр. 6582
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٦) [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩)
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦)
التفسير:
قوله تعالى:
«عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى» .
فاعل عبس ضمير غيبة، يراد به النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه.
والأعمى الذي جاء إلى النبي، فلم يهشّ له، هو عبد الله بن أم مكتوم الأعمى.. وهو صحابى جليل، من المهاجرين الأولين.
وفى توجيه الحديث إلى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- بضمير الغائب، تكريم له من الله ، وحماية لذاته الشريفة، من أن يواجه بالعتب واللوم، وأن تلتفت إليه الأنظار وهو فى تلك الحال التي يكون فيها بموضع اللائمة والعتاب.. فالذى عبس غائب هنا عن محضر هذه المواجهة والعتاب.
стр. 6583
ويذكر النبي الكريم من هذا العتاب الرفيق من ربه، أنه كان فى مواجهه جماعة من عتاة المشركين، ومن قادة الحملة المسعورة عليه، وعلى دعوته، وقد انتهزها النبي فرصة، لإسماعهم كلمات الله، لعل شعاعات من نورها، تصافح قلوبهم المظلمة، فتستضىء بنور الحق، وتفيء إلى أمر الله، وتتقبل الهدى المهدى إليها.. فإن ذلك لو حدث لانفتح هذا السد الذي يقف حائلا بين الناس، وبين الإيمان بالله، ولدخل الناس فى دين الله أفواجا..
ويذكر النبي أيضا، من هذا العتاب الرقيق من ربه، أنه وهو فى مجلسه هذا مع عتاة قومه، أن هذا الأعمى، قد ورد عليه، ولم يكن يعلم من أمر النبىّ ما هو مشغول به، فجعل يسأل النبي أن يقرئه شيئا من آيات الله، فلم يلتفت إليه النبي، وهو يسأل، ويسأل، حتى ضاق به الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وظهر ذلك على وجهه الشريف..
«عَبَسَ وَتَوَلَّى» ..
والعبوس: تقطيب الوجه، ضيقا، وضجرا، والتولّي: الإعراض عن الشيء، تكرّها له..
وإذ يذكر النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- موقفه هذا، بعد أن تلقى تلك اللفتة الكريمة الرحيمة من ربه، ويراجع نفسه عليها، يلقاه قوله تعالى:
«وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى» .
وهنا ينتقل النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من حال الغيبة إلى حال الحضور، فبعد أن كان ينظر إلى ذاته من داخل، وكأنه مع ذات غير ذاته، إذا هو يرى ذاته ماثلة بين يديه، وكأنه هو الذي يحاسبها ويراجعها، وكأنه هو الذي يخاطب نفسه، ويقول لذاته: «وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى» ! وتبدو الصورة هكذا:
стр. 6584
الذي عبس وتولى غائب، ليس هنا فى مجلس النبىّ.. إنه هناك.. بعيد بعيد.!
ثم إن هذا الغائب، إذ يبسم بعد عبوس، وإذ يقبل بعد إعراض، وإذ يكون على الحال التي تتناسب ومقام الخطاب من ربه.. هنا يقبل عليه ربه- مخاطبا معلّما، ومرشدا..
فتوجيه الخطاب من الله سبحانه، إلى النبي أولا، بضمير الغائب، فيه عتب، وفيه إعراض، وخطابه سبحانه إلى النبىّ ثانيا، بضمير الحاضر، فيه الرضا بعد العتب، والإقبال بعد الإعراض..
وفى قوله تعالى: «وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى» - إشارة إلى ما كان يبغى هذا الأعمى من حضوره مجلس النبي، والإلحاح بسؤاله.. إنه يسأل سؤال من يريد مزيدا من العلم، ومزيدا من الهدى.
والاستفهام هنا يراد به النفي، أي ومن أين لك أنت أن تعلم أن هذا الأعمى لا ينتفع بما يسألك عنه، حتى تعرض عنه؟ أنت لا تعلم، وقد كان ينبغى فى تلك الحال أن تجيبه إلى ما سأل، لعله ينتفع بما يتعلمه، ولعله يتزكى، أي يتطهر بما يفاض عليه من علم، أو لعله يتلقى من حديثك إليه ما يقيم له عظة تنفعه، وتزيد فى إيمانه..
قوله تعالى:
«أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى» .
هنا تفصيل لمجمل هذا الحدث، الذي جاء من أجله هذا العتاب.. أي كان موقفك هنا أيها النبي معدولا به عن الطريق الذي ينبغى أن يكون عليه..
وإليك بيان هذا الموقف:
стр. 6585
أما من استغنى عنك، وزهد فيما فى يديك من علم وهدى، «فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى» أي تتعرض له، وتمسك به، وتشده إليك! وإنك لتعلم أنه ما عليك إلا البلاغ، وأنه ليس من همك أن تحمل الناس حملا على الإيمان، فإنه لا عليك من لوم، إذا لم يؤمن، ولم يتطهر بالإيمان، من إذا دعوته، وبلغته رسالة ربك- فلم يستجب إليك.. هذه حال دعاك الحرص فيها على هداية الناس، إلى أن جاوزت حدود الخط المرسوم لدعوتك..
هذا من جهة.. ومن جهة أخرى، فإنك وقفت موقفا مخالفا لموقفك الأول، فبينما أنت تقبل على من أعرض عنك، وزهد فيما معك، إذا أنت تعرض عمن أقبل عليك، ورغب فيما بين يديك من نور الله!! «أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى. وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى. وَهُوَ يَخْشى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى» .
أليس ذلك كذلك؟ ألم يكن هذا موقفك؟
وكلّا.. إن الأمر ليس على هذا الوجه.. كما سنبين لك.
وفى قوله تعالى: «جاءك يسعى» إشارة إلى الرغبة المنبعثة من صدر هذا الأعمى، والتي تدفعه دفعا إلى أن يحثّ الخطا، وأن يسعى إلى النبي فى انطلاق وشوق، مع أنه قى قيد العمى والعجز.
وقوله تعالى: «وهو يخشى» حال أخرى، من فاعل: «جاءك» أي تلك حال هذا الأعمى، إنه جاءك ساعيا إليك، خاشيا لله..
وقوله تعالى: «فأنت عنه تلهى» .. إشارة إلى أن ما كان فيه النبي- صلوات الله وسلامه عليه- من حديث مع هؤلاء المشركين المعاندين من قومه، وأنه حديث لا محصّل له، ولا ثمرة من ورائه، إذ كان القوم معرضين عنه،
стр. 6586
متكرهين له.. فكأنه إنما يتلهى بهذا الحديث، الذي لا يجىء بثمر.. وإن كان- صلوات الله وسلامه عليه- جادّا فى هذا الحديث كل الجد، مقبلا عليه كل الإقبال، ولكنه إنما يضرب فى حديد بارد، أشبه بمن يريد أن بستنبت الزرع فى الصخر الصلد.. فمن رآه على تلك الحال لم يقع فى نفسه إلا أنه يتلهى بما يعمل..
قوله تعالى:
«كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ» ..
أي ليس الأمر كما تصورته أنت أيها النبىّ، ولا على الموقف الذي وقفته هنا..
«إِنَّها تَذْكِرَةٌ» أي إن دعوتك، هى تذكرة للناس، وتنبيه للغافل، وحسب..
وليس لك أن تذهب إلى أبعد من هذا.. فمع كل إنسان عقله الذي يهديه، ومع كل إنسان فطرته التي من شأنها أن تدعوه إلى الحق والخير، وتصرفه عن الضلال والشر..
إن رسالة الرسل ليست إلا إيقاظا لهذا العقل إذا غفل، وإلا تذكيرا لهذه الفطرة إذا نسيت.. وإنه ليكفى لهذا أن يؤذّن مؤذّن الحقّ فى الناس، فمن شاء أجاب، ومن شاء أعرض!.
والضمير فى «ذكره» وهو الهاء، يعود إلى الله ، فمن شاء ذكر ربه بهذه التذكرة التي جاءته من آيات الله، التي يتلوها عليه رسول الله..
قوله تعالى:
«فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرامٍ بَرَرَةٍ» ..
стр. 6587
أي هذه التذكرة- وهى آيات الله- هى فى صحف مكرمة عند الله، وهى صحف مطهرة فى مقام عال لا يرقى إليها فيه دنس.. والصحف المكرمة المطهرة، صحف اللوح المحفوظ..
قوله تعالى: «مرفوعة» أي عالية القدر، مطهرة من كل نقص أو عيب..
وقوله تعالى: «بأيدى سفرة» أي أنها محمولة من اللوح المحفوظ إلى رسل الله بأيدى ملائكة، يسفرون بها بين الله ، وبين رسله، فهم سفراء الله إلى الرسل..
والبررة، جمع بارّ، وهو التقىّ النقي، المبرأ من الدنس والرجس..
هذا، وفى هذه الآيات التي ووجه فيها النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- بهذا العتاب الرحيم الرفيق من ربه- ما نود أن نقف عنده:
فأولا: أن قدر الإنسان ومنزلته، هى فيما فى عقله من بصيرة، وما فى قلبه من استعداد لتقّبل الخير والإقبال عليه.. وأن رجلا فقيرا أعمى يحمل مثل هذا العقل وذلك القلب، ليرجح ميزانه المئات والألوف من الذين عميت بصائرهم، وزاغت قلوبهم، ولو كانوا فى الناس سادة، وقادة، بمالهم، وجاههم وسلطانهم..
روى أن رسول الله ﷺ حين تألف من تألف من قادة قريش وزعمائها مما أفاء الله عليه من أموال هوازن، مثل عيينة بن حصن، وأبى سفيان، ومعاوية، والأقرع بن حابس وغيرهم- سأله بعض أصحابه فى شأن جعيل بن سراقة، وأنه من فقراء المسلمين، ومن أهل البلاء فيهم..
فقال صلوات الله وسلامه عليه:
стр. 6588
«أما والذي نفسى بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع «١» الأرض مثل عيينة والأقرع، ولكن تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» ..
وثانيا: أن هؤلاء المشركين من قريش، لا يرى فيهم الإسلام شيئا يحرص عليه، ويشتدّ طلبه له، وأن أي مسلم من الجماعة التي دخلت فى دين الله، وآمنت به، وصدق إيمانها، هو- فى ميزان الإسلام شىء- عظيم، وأن بشاشة النبىّ فى وجهه لا يحرمه منها طمع فى إسلام هؤلاء المشركين الذين ما زالوا فى قبضة الشرك.. فالأمر هنا موازنة بين مؤمن، تحقّق إيمانه، وبين مشركين مطموع فى إيمانهم.. ومع هذا فإن سبقه إلى الإيمان- وبصرف النظر عن تقبّل هؤلاء المشركين للإيمان أو إعراضهم عنه- يجعل كفّته راجحة عليهم أبدا، ولن يلحقوا به حتى ولو وقع الإيمان فى قلوبهم مثل ما وقع فى قلبه، ففضل السبق إلى الإيمان، منزلة لا يبلغها إلا أهل السبق..
الآيات: (١٧- ٣٢) [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١٧ الى ٣٢]
قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١)
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)
فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)
стр. 6589
التفسير:
تعود هذه الآيات إلى الكشف عن نفوس أهل الكفر والضلال، وأنها نفوس منطوية على فساد قاتل لكل معنّى من معانى الحق والخير فيها..
وقوله تعالى: «قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ» !! هو تعجب من أمر هذا الإنسان الذي يحمل فى كيانه الكفر والضلال.. والدعاء عليه بالقتل هنا هو جار على مألوف عادة العرب من دعائهم على من يكون على بدع من الأمر، وذلك فى الاستهجان، أو الاستحسان على السواء..
وقوله تعالى «ما أكفره» أي ما أشد كفره، وضلاله.. ويجوز أن تكون «ما» للاستفهام.. أي قتل الإنسان ماذا دعاه إلى الكفر؟
والمراد بالإنسان هنا، هو جنس هذا الإنسان الضال العنيد، لا كل الإنسان على إطلاقه..
قوله تعالى:
«مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؟» هو كشف عن شناعة ضلال هذا الضال، وكفره بربه.. إنه من ضلاله البعيد، ينسى أن له خالقا خلقه من عدم أو ما يشبه العدم.
قوله تعالى:
«مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ» هو جواب على هذا السؤال، الذي كان من شأن الإنسان أن يجيب عليه، ولو أنه أجاب على هذا السؤال الجواب الصحيح لآمن بربه، وشكر له.. ولكنه لم يسأل نفسه، هذا السؤال، ولم يجب أو لم يحسن الإجابة على هذا السؤال إذا
стр. 6590
سئل.. وألا فليسمع الجواب الصحيح، إن كانت له أذنان يسمع بهما ...
«مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ، فَقَدَّرَهُ» .. فهذا هو الجواب وقوله تعالى: «فقدره» أي فقدر خلقه، وحدد صورته، وشكّل ذاته من تلك النطفة على الوجه الذي اقتضته إرادة الخالق جل وعلا فيه.. فكان ذكرا أو أنثى، جميلا أو قبيحا، ذكيّا أو غبيّا، غنيّا أو فقيرا.. إلى غير ذلك مما يتصل بالإنسان، ذاتا، وحياة..
قوله تعالى:
«ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ» أي ثم بعد أن تمّ تكوينه وخلقه، يسّره الله إلى الطريق الذي يسلكه فى الحياة، من استقامة وعوج، ومن هدى وضلال، ومن إيمان وكفر، كما يقول سبحانه: «وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» (١٠: البلد) قوله تعالى:
«ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ» ثم أمات الله هذا الإنسان بعد أن انتهى أجله المقدور له فى الحياة الدنيا، وجعل له بعد الموت قبرا يدفن ويوارى جسده فى ترابه، فلا تظهر الأحوال التي تعرض له بعد الموت، من تعفن، وتفسخ وتحلل، والتي من شأنها أن تثير الاشمئزاز والهوان للكائن الإنسانى كله.. فكان هذا الدفن فى القبر مواراة لهذه السوءات، ولهذا قيل: «من تكريم الميت التعجل بدفنه» .
قوله تعالى:
«ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ» .
стр. 6591
أي أنه حين يشاء الله نشر هذا الميت، وبعثه من قبره- نشره بقدرته التي لا يعجزها شىء والنشر لا يكون إلا بعد طىّ، وقد كان الإنسان حيّا، ثم طويت حياته بالموت، ثم ها هو ذا ينشر بعد طىّ، بالبعث والحياة بعد الموت.
قوله تعالى:
«كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ» وهذا النفي فى قوله تعالى: «كلا» هو جواب على سؤال يرد عند عرض هذه الآيات التي تتحدث عن قدرة الله ، وعن آثارها فى هذا الإنسان الذي كفر بربه، بعد أن خلقه من نطفة، ثم سوّاه رجلا..
والسؤال هو: هل آمن هذا الكافر الذي تتمثل فيه وجوه هؤلاء المشركين جميعا، بعد أن عرضت عليه هذه الآيات؟
فكان الجواب: كلا.. لمّا يقض ما أمره الله به، ودعاه إليه، من الإيمان والعمل الصالح.. وفى نفى هذا الخبر عن الإنسان بحرف النفي «لما» التي تفيد امتداد النفي إلى الوقت الحاضر، ولا تتجاوزه إلى المستقبل، الذي لم يحكم عليه إلى الآن بالنفي أو الإيجاب- فى هذا ما يشير إلى أن هؤلاء المخاطبين من المشركين فى شخص هذا الإنسان، وإن كانوا لم يؤمنوا بالله بعد، فهم ما زالوا فى معرض الإيمان، لم ينقطع بهم الطريق إليه، وأنه يرجى منهم أن يؤمنوا، أو أن يؤمن معظمهم.. وقد كان.. فهؤلاء المشركون، قد آمنوا بالله بعد هذا، ودخلوا فى دين الله أفواجا، ولم يبق منهم بعد الفتح مشرك.
والمراد بالأمر فى قوله تعالى: «ما أمره» - هو الأمر التكليفي،
стр. 6592
لا الأمر الخلقي التقديري.. إذ لو كان أمرا تقديريّا لكان نافذا لا يرد، ولما كان للمأمور أن يخرج عن هذا الأمر..
قوله تعالى:
«فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ. أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا. ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا. وَعِنَباً وَقَضْباً. وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا. وَحَدائِقَ غُلْباً. وَفاكِهَةً وَأَبًّا» وفى هذه الآيات لقاء مع الإنسان أمام معرض آخر من معارض قدرة الله، بعد أن عرضت عليه ذاته الإنسانية، وما لله فيها من عجيب الخلق وبديع الصنع، فلم يحدث له ذلك ذكرا، ولم يفتح له طريقا إلى الإيمان بالله.
وفى هذا المعرض، يرى الإنسان دلائل قدرة الله، فبما هو خارج عن ذاته الإنسانية، إذ قد يرى الإنسان ما هو خارج عن ذاته، دون أن يرى هذه الذات ولا ما بداخلها..
فهذا الطعام الذي يأكله الإنسان.. من أين جاء؟ ومن جاء به؟
فلينظر الإنسان إلى هذا الطعام، ولينظر إلى أنا قد صببنا الماء صبّا، أي أنزلناه من السماء، ثم شققنا الأرض شقّا بما يخرج منها من نبات، فخرج من هذه التشققات الحبّ، وهو كل ما حصد من برّ، وأرز، وشعير، وذرة، ونحوها..
كما خرج منها العنب، والقضب، وهو ما يؤكل من النبات رطبا، كالبصل، والفجل، ونحوها.
وخرج منها الزيتون، الذي يستخرج منه الزيت، ليكون إداما، والنخل الذي يثمر النمر الذي يتفكّه به بعد الطعام م ٩٢- التفسير القرآن ج ٣٠
стр. 6593
فالحب يتخذ منه الخبز، والعنب يتخذ منه الخل، والقضب- كالخس، والبصل ونحوهما- تتخذ منه المخللات، والزيتون، يتخذ منه الزيت، والنخل، يؤخذ منه التمر.. ومن هذا جميعه تنتصب مائدة كاملة بين يدى الإنسان، فيها طعامه وإدامه، وما يتخلل به أثناء طعامه، وما يتفكه به بعد الطعام!! كذلك خرج من هذه الأرض الحدائق الغلب، أي كثيرة الأشجار ذات الظلال، والفواكه، وفى هذه الحدائق متعة العين، وبهجة النفس، ومسرة القلب، يجىء إليها الإنسان، لينعم، ويهنأ بالاستظلال بظلها، بعد أن يستوفى حاجته من الطعام.. فتتم بذلك النعمة، ويكمل النعيم.
وفى هذه الحدائق الغلب، ذات الظلال الممدودة، والفواكه الدانية القطوف، بسط ممدودة من العشب، الذي يكسو أرض هذه الحدائق بهجة، وجمالا..
وهذا العشب هو «الأبّ» الذي يمسك بالأرض، ويلتصق بها، ويتأبّى- مع صغره، وضعف سوقه- على الرياح والعواصف أن تنتزعه من مكانه.. هذا، وفى تلك النعم التي ينعم بها الإنسان، جانب تناله الأنعام وتأكل منه، كورق الشجر، والعنب، والقضب ونحوه. ولهذا جاء قوله تعالى تعقيبا على هذه النعم: «مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ» .
وقد اختلف العلماء فى معنى كلمة «الأبّ» وتواردت عليها كثير من الآراء، والروايات، لما رأوا من غرابة هذه الكلمة، وقلة دورانها على الألسنة، ومجيئها فى سياق كلمات معروفة، كثيرة التداول، كالحبّ والعنب، والقضب، والزيتون والنخل.
وحين تكثر الآراء حول معنى كلمة من الكلمات، تجلب لها الروايات التي تضيف أقوالا إلى صحابة رسول الله، بل إلى رسول الله أحيانا، يسند بها كل
стр. 6594
ذى رأى رأيه، حتى ليجد المرء نفسه بين هذه الآراء المتعارضة المتضاربة، أن الأولى به أن يدعها جميعها، وأن يجعل هذه الكلمات من كتاب الله، من المتشابه، الذي لا يعلم تأويله إلا الله!! ومن الروايات التي رويت حول كلمة «الأبّ» ما يروونه مضافا إلى أبى بكر رضى الله عنه، وقد سئل عن معنى الأب، فقال: «أي سماء تظلنى، وأي أرض تقلنى إذا قلت فى كتاب الله ما لا علم لى به» !! كذلك يروون أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قرأ هذه الآية مرة، فقال:
«كلّ هذا قد عرفنا.. فما الأب» ؟ قالوا: «ثم رفض عمر عصا كانت بيده- أي كسرها غضبا على نفسه، ولوما لها- وقال: «هذا لعمرو الله التكلف..
وما عليك يا بن أم عمر أن لا تدرى ما الأب؟» .. ثم قال: «اتّبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، ومالا، فدعوه!!» .
ونحن نقطع بتلفيق هذين الخبرين، وإلا كان علينا أن نلغى عقولنا، وأن نعطل مداركنا، ولنا على القطع بتلفيق هذين الخبرين أكثر من شاهد:
فأولا: هذه الآية، فى سورة مكية، ومن أوائل ما نزل بمكة من آيات الله.. وهذا يعنى أن هذه الآية كانت على ألسنة السابقين الأولين من المسلمين، كأبى بكر وعمر- رضى الله عنهما- وأنها كانت مما يتلى من آيات الله كل يوم مرات كثيرة، وليس يعقل- مع هذا- أن تظل كلمة «الأب» خفية الدلالة، بين هذه المجموعة من الكلمات التي تعدد نعم الله، والأب لا شك نعمة من تلك النعم، وصنف من أصنافها- نقول لا يعقل أن تظل هذه الكلمة- وهذا شأنها- خفيّة الدلالة على أصحاب رسول الله، ثم لا يتوجهون إليه- صلوات الله وسلامه عليه- بالسؤال عنها، إن كان معناها غائبا عنهم! وثانيا: لا يعقل أيضا أن يمضى العهد المكي، ثم العهد المدني، دون أن
стр. 6595
تحدّث عمر نفسه هذا الحديث الذي تحدث به عن الأبّ، إلا بعد أن يفارق رسول الله- ﷺ هذه الدنيا، ويلحق بالرفيق الأعلى، ثم يجد عمر هذه الكلمة، وكأنه يتلوها لأول مرة!! وثالثا: لا يعقل أيضا أن يأتى القرآن الكريم فى معرض آياته التي تحدث المشركين عن نعم الله التي أفاضها عليهم، بكلمة لا يعرفون لها مدلولا، ولا يجدون لها فيما بين أيديهم من نعم- مكانا!!.
ورابعا: ورد فى الشعر العربي الجاهلى، أكثر من شاهد، يدل على أن العرب كانوا يعرفون كلمة الأب فى قاموس لغتهم، وكانوا يستعملونها فى المعنى المناسب لها..
ومن الأشعار المروية، ما يروى عن الأعشى من قوله فى الفخر:
جذمنا قيس وسعد دارنا ... ولنا الأبّ بها والمكرع «١»
هذا، ويعلق الإمام محمد عبده، على الرواية المنسوبة إلى سيدنا عمر ابن الخطاب- على فرض التسليم بصحتها- فيقول:
«إذا سمعت هذه الروايات، فلا تظنّ أن سيدنا عمر بن الخطاب ينهى عن تتبع معانى القرآن، والبحث عن مشكلاته، ولكنه يريد أن يعلمك أن الذي عليك من حيث أنت مؤمن، إنما هو فهم جملة المعنى.. فالمطلوب منك فى هذه الآيات، هو أن تعلم أن الله يمنّ عليك بنعم أسداها إليك فى نفسك، وتقويم حياتك، وجعلها متاعا لك ولأنعامك.. فإذا جاء فى سردها لفظ لم تفهمه، لم يكن من جدّ المؤمن- أي من حظه- أن ينقطع لطلب هذا المعنى، بعد فهم
стр. 6596
المراد من ذكره، بل الواجب على أهل الجد والعزيمة، أن يعتبروا بتعداد النعم وأن يجعلوا معظم همهم الشكر، والعمل..
ثم يمضى الإمام فيقول:
«هكذا كان شأن الصحابة- رضى الله عنهم- ثم خلف من بعدهم خلف وقفوا عند الألفاظ، وجعلوها شغلا شاغلا، لا يهمهم إلا التشدق بتصريفها وتأويلها، وتحميلها ما لا تحتمله، وقد تركوا قلوبهم خالية من الفكر والذكر، وأعضاء هم معطلة عن العمل الصالح والشكر» ! ..
الآيات: (٣٣- ٤٢) [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٣٣ الى ٤٢]
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ» الصاخة: هى الطامة الكبرى، التي جاء ذكرها فى قوله تعالى: «فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى» (٣٤: النازعات) وهى تلك الأحداث المزلزلة التي تقع يوم القيامة..
وسميت صاخة، لأنها تصخّ الآذان، أي تقرعها قرعا شديدا عاتيا، بما يكون من صراخ وعويل، وصرير أسنان.. فى هذا اليوم العظيم.
стр. 6597
وقوله تعالى:
«يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ، وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» يوم، هو الظرف، الذي تجىء فيه هذه الصاخة، المدويّة، المرعبة..
وفى هذا اليوم: «يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ.»
يقر من كل هؤلاء الذين كانوا ملاذه، وعونه، وأمنه، طالبا النجاة لنفسه من هذا الهول، الذي لا يدع فرصة لأحد أن ينظر إلى غير نفسه: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» : فكل إنسان فى هذا اليوم همّه الذي يشغله، ويستغرق كل ذرة فى كيانه، فلا يبقى عنده فضل لغيره، ولو كان أحب الناس إليه وآثرهم عندهم.
ومن الإعجاز النفسي للقرآن الكريم فى هذه الآيات، أنه غاص فى أعماق النفس الإنسانية، وأقام مشاعرها على ميزان دقيق محكم، فجاء هذا الترتيب لموقف الإنسان ممن يقر منهم فى زحمة هذا البلاء، حسب درجة شعوره بهم، ووزنه لكل منهم..
إنه يفرّ أولا من الناس جميعا.. جملة واحدة. لا ينظر إلى أحد..
ثم هو يجد نفسه مع أشخاص قد ارتبط بهم ارتباط الجسد بأعضائه.. هم أهله، الذي هو فرع من شجرة جمعتهم وإياه.. أخوه، وأمه وأبوه، وزوجه وبنوه! ثم هو من جهة أخرى محمول بالإكراه- تحت قسوة الموقف- أن يفر منهم جميعا.. ومع أن زحمة الأحداث، وشدة البلاء- لا تدع له فرصة للاختيار، إلا أنه فى لحظة خاطفة، من أجزاء الزمن، أشبه بالذرات- يفرّ منهم على صورة تأخذ هذا الترتيب التصاعدى، القريب، فالأقرب، فمن هو أشد قربا..
فيفر أولا من أخيه، ثم أمه وأبيه، ثم زوجة، ثم يكون آخر من ينفصل عنه
стр. 6598
أبناؤه الذين هم بضعة منه، والذين لا يبقى بعدهم من ينفصل منه إلا بعض أجزاء جسمه هو!! وليس هناك- كما قلنا- زمن يقع فيه هذا الفرار على آنات متتابعة، وإنما هى وحدة شعورية بالفرار، انقسمت فى داخلها، كما تنقسم الذرة! ويلاحظ أن الزوجة، لم تأخذ مكانها من هذا الترتيب، ولم تفضل الأبوين، إلا وهى زوجة ذات صفات خاصة، وهى أنها صاحبة وزوج معا، والزوجة حين تكون بهذه الصفة هى أقرب مخلوق إلى نفس الإنسان وآثره، بعد الأبناء! هذه هى حركة النفس الإنسانية، وتلك معطيات شعورها فى حال الفرار من الخطر، والتماس سبيل النجاة..
فإذا كان الإنسان واقعا ليد الخطر فعلا، وقد أحاط به من كل جانب، وعلقت به النار من رأسه إلى أخمص قدمه- فما الحركة الشعورية للنفس فى دفع هذا الخطر، وإطفاء تلك النار المشتعلة فيه؟
نجد الجواب على هذا فى قوله تعالى، فى سورة المعارج، إذ يقول سبحانه:
«يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ كَلَّا إِنَّها لَظى» . (١١- ١٥)
إن الحركة الشعورية للإنسان هنا تأخذ اتجاها عكس الاتجاه الأول، الذي أخذته فى موقف الفرار..
ففى موقف الفرار، هناك شىء من السعة، يتيح للإنسان أن يتحرك
стр. 6599
فيه، نحو الجهة التي يتوهم أن له سبيلا إليها، وإن لم يكن ثمّة سبيل..
أما فى موقفه وقد أحاط به البلاء، واشتملت عليه النار، فإنه ليس ثمة إلا أن يمد يده إلى أقرب شىء يمكن أن يصل إليه، ليقيم منه ستارا على جسده الذي تأكله النار، وقد يكون هذا الشيء بعض أعضاء جسده هو، كيده، التي يدفع بها النار عن وجهه مثلا!! وأقرب شىء إلى الإنسان بعد أعضائه، هم بنوه، ثم صاحبته (زوجه) ثم.. ثم أسرته من أعمام، وأبناء أعمام.. ثم أهل الأرض جميعا.. كل هؤلاء يتخذ منهم دروعا واقية له، يرمى بهم فى وجه البلاء واحدا بعد واحد، ولكن هيهات أن يجد من أىّ وقاية من هذا البلاء..
إنه مجرد أمل يراوده لو أمكنته الفرصة من تحقيقه، ولكن ليس إلى ذلك من سبيل..!
فهذا وجه من وجوه الإعجاز القرآنى، الذي يستولى ببيانه على حقائق الأشياء، وينفذ إلى أعماقها وخفاياها، فإذا هى فى وجه صبح مشرق مبين!! .. «١»
قوله تعالى:
«وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» ..
هو جواب «إذا» فى قوله تعالى: «فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ» أي فإذا جاءت القيامة، فأمر الناس مختلف، فهم فريقان:
- «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» أي مشرقة بالبهجة والمسرة، تضحك استبشارا بما لاح لها من دلائل الفوز، وما هبّ عليها من أنسام الرضوان والجنان..
«وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ» أي عليها غبرة الكمد والحسد، وسواد الكآبة والمذلة.. «تَرْهَقُها قَتَرَةٌ» .. أي يعلوها الشحوب، ويعتصر ماءها
стр. 6600
الرّهق والتعب.. «أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ» أي أن أصحاب هذه الوجوه المغبرة الكالحة الشاحبة، هم الكفرة الفجرة، أي الذين جمعوا بين الكفر بالله، وبين المبالغة فى الضلال، والفجور.. فالكفر ظلمات بعضها أشد ظلاما من بعض، والكفار أصناف، بعضهم أشد إيغالا فى الكفر والضلال من بعض، وشتان بين كفر أبى لهب، وأبى جهل، وبين كفر غيرهم من حواشى القوم.
والحديث عن الوجوه عوضا عن أصحابها- هو- كما قلنا فى غير موضع- لما فى الوجوه من قدرة على التعبير عما فى النفوس من مشاعر وعواطف.. حيث ينطبع عليها كلّ ما يقع على الإنسان مما يسوء أو يسرّ..
стр. 6601
(٨١) سورة التكوير
ولها: نزلت بمكة بعد سورة المسد.
عدد آياتها: تسع وعشرون.. آية.
عدد كلماتها: مائة وأربعون كلمة.
عدد حروفها: خمسمائة وثلاثة وثلاثون.. حرفا.
مناسبتها لما قبلها
جاء فى سورة «عبس» عرض ليوم القيامة، وللعذاب الشديد الذي يحيط بالكافرين، حتى ليفر الكافر من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه..
وقد جاءت سورة «التكوير» بعدها، عارضة المشاهد التي تسبق هذا اليوم، لتخرح بالمشركين وراء دائرة العذاب قليلا، ليلقوا نظرة على الحياة الدنيا، التي كانوا فيها، والتي يودون الفرار إليها..
فهل إذا أتيحت لهم فرصة الفرار من هذا العذاب، وعادوا إلى الدنيا، أيصلحون ما أفسدوا من حياتهم؟ أيؤمنون بهذا اليوم، وما يلقى الكافرون فيه؟ وإنهم لفى هذا اليوم فعلا، إنهم لم يبرحوا هذه الدنيا بعد.. فماذا هم فاعلون؟ .. هذا سؤال ستكشف الأيام عن الجواب الذي يعطيه هؤلاء المشركون عنه..
стр. 6602
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٤) [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)
التفسير:
قوله تعالى: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ... »
تكوير الشمس: ظهورها كالكرة فى أعين الناس يومئذ أي يوم القيامة، حيث يشرف عليها الإنسان من عل فيراها من جميع وجوهها، لا من وجه واحد، كما تبد ولنا الآن وكأنها قرص مسطّح.
وانكدار النجوم: انطفاء بريقها، حيث أن بريق هذا الضوء الذي نراه منها، إنما هو بسبب الغلاف الهوائى المحيط بالأرض.. فإذا جاوز الإنسان الغلاف الهوائى للأرض بدت النجوم كرات لا معة معلقة فى القضاء، لا يشع منها ضوء..
стр. 6603
وتعطيل العشار، وهى النوق الحوامل، هو إلقاء ما فى بطونها من أجنة، ثم عدم تعرضها للحمل، حيث يصرفها الهول عن الاستجابة لداعى الغريزة الطبيعية فيها..
يقول الإمام القرطبي: «إن تعطيل العشار تمثيل لشدة الكرب، وإلا فلا عشار ولا تعطيل» ..
ونقول: إن هذا وإن كشف عن حال الشدة والكرب فى هذا الوقت، فإنه لا يمنع من أن تكون هناك العشار، وأن يكون تعطيلها عن الحمل..
فهذا خبر جاء به القرآن، ولا بد أن يقع على ما جاء به.
وحشر الوحوش: هو جمع بعضها إلى بعض، وسوقها إلى أكنانها، حيث يدفعها البلاء إلى الفرار، وطلب النجاة مما تراه من أحداث القيامة، فترتدّ عن مسارحها مسرعة إلى حيث ما تظن عنده الاختفاء من الخطر المحدق بها، فتجىء من كل وجه، ويلوذ بعضها ببعض، حيث يذهب الهول بكل ما فيها من نوازع الشر والعدوان.
أما ما يقال من حشر الوحوش بمعنى بعثها، وسوقها إلى الحساب والجزاء، كما يفعل بالناس، فذلك ما لا يقوم عليه دليل من كتاب الله، حيث أن الدنيا هى دار ابتلاء وتكليف للإنسان وحده من بين سائر المخلوقات التي على الأرض، وأن هذه البهائم لم تكلف بشىء، ولم تدع ألى شىء، وإنما هى مما خلق الله سبحانه للإنسان، لينتفع بها، أو ليبتلى بالضار منها، كما فى النبات أو الجماد من نافع وضار..
ويقول الإمام محمد عبده: «وحشر الوحوش، إما جمعها لاستيلاء الرعب عليها، وخروجها من أجحارها وأوكارها، ونسيانها ما كانت تخافه، فتفر منه.. فتحشر هائمة، لا يخشى بعضها بعضا، ولا يخشى جميعها سطوة الإنسان.. وقيل حشر الوحوش هلاكها..»
стр. 6604
قوله تعالى:
«وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ» .. أي رؤيت وكأنها بحر واحد، محيط بالأرض، لا حركة له، وكأنه مسجور، أي مربوط بالأرض.. أما ما يقال بأن تسجير البحار هو تضرّمها، وتلهبها، حيث تصبح كتلة من نار، فهذا لا مفهوم له، إلا أن يقال- كما قيل- إن هذا دليل على قدرة الله سبحانه، وأنه كما أنبت الشجر فى أصل الجحيم، أخرج النار من قلب الماء.. وقدرة الله سبحانه لا تحتاج للدلالة عليها إلى مثل هذه الصور الشوهاء التي تفسد نظام الوجود، وتذهب بجلال الحكمة الممسكة به فى دقة وروعة، وإحكام..
قوله تعالى:
«وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ» أي زوجت الأبدان التي كانت فيها، وردّت إليها، لتخرج من قبورها للبعث والحساب، والجزاء.. فالمراء بالنفوس هنا الأرواح.
وقوله تعالى:
«وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ» ؟
الموءودة، من توءد من البنات، وتدفن حية، بيد أهلها، كما كان كذلك عادة عند بعض قبائل العرب فى الجاهلية.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:
«وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ؟ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ» (٥٨- ٥٩ النحل) ..
وسؤال الموءودة يوم القيامة، فى مواجهة من وأدها، مع أن الأولى-
стр. 6605
فى ظاهر الأمر- أن يسأل الجاني لا المجنى عليه- فى هذا تشنيع على الجاني ومواجهة له بالجريمة التي أجرمها، ووضعها بين يديه، ليرى تلك الجناية الغليظة المنكرة، وليسمع من قتيلته التي ظنّ أنه سوّى حسابه معها، ليسمع منطقها الذي يأخذ بتلابيبه، ويملأ قلبه فزعا ورعبا..
أرأيت إلى قتيل يظهر على مسرح القضاء، هذ وقاتله فى موقف المحاكمة؟ ثم أرأيت إلى هذا القتيل، وهو يروى للقاضى: لم قتل؟ وكيف قتل؟ ثم أرأيت إلى القاتل، وقد أذهله الموقف، فخرس لسانه، وارتعدت فرائصه، وانهار كيانه؟ ذلك بعض من هذا المشهد الذي يكون بين الموءودة ووائدها يوم القيامة!.
وقوله تعالى:
«وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ» .
أي صحف الأعمال، حيث يقرأ كل إنسان ما سجل فى كتابه المسطور بين يديه..
قوله تعالى:
«وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ» ..
وكشط السماء، هو زوال هذه الصورة التي تبدو منها لنا فى الدنيا، وكأنها سقف سميك، فتبدو السماء حينئذ، وكأنها قد أزيلت من مكانها، فكانت أبوابا مفتحة تنطلق فيها الأرواح إلى ما شاء الله من علوّ، دون أن تصطدم بشىء يردّها..
قوله تعالى:
«وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ. وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ» .
стр. 6606
سعرت: أي توقدت، وتسعر جمرها، وعلا لهيبها.
وأزلفت: أي قربت ودنت من أهلها..
قوله تعالى:
«عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ» هو جواب «إذا» الشرطية الظرفية التي تواردت على هذه الأحداث التي تقع بين يدى الساعة، وفى يوم مجيئها..
ففى هذا اليوم تعلم كلّ نفس ما أحضرت معها من أعمال عملتها فى الدنيا من خير أو شر..
الآيات: (١٥- ٢٩) [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ٢٩]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)
التفسير:
قوله تعالى:
«فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ» .
стр. 6607
قلنا، فى غير هذا الموضع، إن هذه الأقسام المنفية، يراد بها التعريض بالقسم، لا وقوع القسم ذاته.. إذ كان الأمر الواقع فى معرض القسم أظهر من أن يحتاج إلى توكيد وجوده بقسم.
والخنس: هى الكواكب، إذا طلع عليها النهار خنست أي غابت، واختفت معالمها عن الأنظار..
والجوار الكنس، هى هذه الكواكب فى حال ظهورها بالليل، ثم تغيبها فى الأفق الغربىّ، بفعل حركة الأرض، ودورانها اليومي من الغرب إلى الشرق.. والكناس، مأوى الظباء، وبيتها الذي تسكن إليه.
والخنس: جمع خنساء، وهى الظبية، تدخل فى كناسها، ومن هذا سمّى العرب به بعض بناتهم، ومنهن الخنساء الشاعرة المعروفة تشبيها بالظبية فى جمالها وتناسق أعضائها، ثم فى خفرها، وحيائها، وصونها.
هذا، ومن أسماء الشمس عند العرب «الغزالة» تشبيها لها بالغزالة فى جمالها وتحركها الرتيب الهادئ على مسرح مرعاها، حتى إذا غربت الشمس، عادت إلى كناسها، واختفت فيه. وخنست.. قال المعرى:
ولم أرغب عن اللذات إلّا ... لأنّ خيارها عنّى خنسنه
والفاء فى قوله تعالى: «فلا أقسم» هو مرتبط بما وقع جوابا للشرط «إذا» فى أول السورة وهو قوله تعالى «عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ» أي إن هذا الحق واقع، فلا أقسم لكم على توكيده بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ» .
قوله تعالى «وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ» ..
عسعس الليل، أي قفل راجعا، وذهب ظلامه الذي كان مخيما على الكون.. ومنه العسس، وهم حراس الليل من الجنود، يعسّون فى الطرقات
стр. 6608
أي يتحركون تحت جنح الظلام، ليروا ماذا يجرى من أحداث يحدثها أهل الشرّ تحت هذا الستار من الظلام.. فالليل، متحرك، وليس ثابتا.. إنه يجرى إلى كناسه، كما تجرى الكواكب إلى كناسها..
قوله تعالى:
«وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ» معطوف على قوله تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ» وتنفس الصبح، ظهوره، ودبيب الحياة فيه.
وفى التعبير عن ظهور الصبح بالتنفس، إشارة إلى أنه مولد حياة للأحياء جميعها، حيث تبعث الحياة من جديد فى الأحياء، مع الصباح، بعد أن غشيها النوم، وحبسها عن الحركة، فبدت وكأنها فى عالم الموتى.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ» (٦٠: الأنعام) قوله تعالى:
«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» هو جواب القسم المنفي: «فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ... » أي فلا أقسم لكم بالخنس، الجوار الكنس، ولا بالليل إذا عسعس، ولا بالصبح إذا تنفس- بأن أخبار يوم القيامة وأحداثها، واقعة لا شك فيها، وأن هذه الأخبار التي تحدثكم عن هذا اليوم، هى قول رسول كريم، هو رسول الوحى، جبريل ﵇، بلّغ به كلمات ربه إليه.. لا أقسم لكم بهذه العوالم على وقوع هذا الخبر، فإنه بيّن ظاهر..
(م ٩٣ التفسير القرآنى- ج ٣٠)
стр. 6609
ونسبة القول، وهو القرآن، إلى جبريل، لأنه هو المبلّغ له، القائل لما قيل له من ربه ..
وقوله تعالى: «ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ» هو من صفة جبريل ﵇، وهو أنه ذو مكانة مكينة عند ذى العرش، وهو الله ..
وقوله تعالى: «مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ» ومن صفات جبريل أيضا أنه مطاع هناك من ملائكة الرحمن، أمين على ما يحمل من كلمات الله إلى رسل الله، لا يبدل، ولا يحرّف.
قوله تعالى:
«وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ» وإذن فما صاحبكم هذا، وهو محمد- صلوات الله وسلامه عليه- ما هو بمجنون كما تقولون عنه، وإنما هو يتلقى هذا القول الذي يقوله لكم، من رسول أمين ممن السماء، يبلغ النبىّ رسالة ربه اليه.
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ» المفسرون على أن الهاء فى قوله تعالى: «ولقد رآه» يعود إلى جبريل، ﵇، وأن المرئي لجبريل، هو النبي ﷺ ، وأن الأفق المبين، هو الأفق العالي، أي أفق السموات العلا، حيث عرج بالنبي، فظهر له جبريل على صورته الملكية..
وإنه الأولى عندنا، أن يكون هذا الضمير عائدا على القرآن الكريم،
стр. 6610
وهو هذا القول الذي تلقاه النبي من جبريل.. فلقد رأى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- القرآن الكريم بالأفق المبين، العالي الواضح، فى معراجه إلى الملأ الأعلى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى» (١٨: النجم) فالقرآن هو بعض ما رأى النبي الكريم فى معراجه.. حيث كان القرآن قد نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر، كما يذهب إلى ذلك أكثر العلماء فى تفسير قوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» قوله تعالى:
«وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ» أي وليس النبي- صلوات الله وسلامه عليه- بالذي يضن بأنباء الغيب التي يتلقاها من ربه، فيما تحمل إليه آيات الله من أحداث يوم القيامة، وغيرها، مما جاء فى القرآن الكريم، وإنما هو رسول من عند الله، ومطلوب منه أن يبلغ ما أنزل إليه من ربه: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» (٦٧: المائدة) فالمراد بالغيب هنا، هو القرآن الكريم، وآياته التي حملت إلى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- كثيرا من أنباء الغيب، من قصص وغيره، كما يقول سبحانه: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا» (٤٩: هود) وقرىء: بضنين، بظنين، أي بمتهم.. أي ليس النبي- صلوات الله وسلامه عليه- بمتهم فيما يبلغ من آيات ربه.
قوله تعالى:
«وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ» ؟
стр. 6611
أي أن هذا القرآن هو من قول الله ، الذي نقله رسول الوحى جبريل، وليس من وساوس الشيطان، ولا من مقولاته.. «وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ» (٢١٠- ٢١٢: الشعراء) وقوله تعالى:
«فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ» ؟
أي فإلى أي مذهب من مذاهب الضلال تذهبون، بعد هذا البيان المبين، وبعد تلك الحجة الواضحة؟
أهناك مذهب لكم إلى غير الله، وإلى غير ما تدعوكم إليه آيات الله؟ إن أي طريق آخر غير هذا الطريق هو الضلال والهلاك وقوله تعالى:
«إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» أي هذا القرآن، ما هو إلا ذكر، وهدى، للعالمين وقوله تعالى:
«لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» هو بدل بعض من كلّ من قوله تعالى: «للعالمين» أي هذا القرآن هو ذكر للعالمين جميعا.. وهو ذكر لمن شاء منكم أيها المشركون، أن يتلقى منه الموعظة والهدى، ويستقيم على طريق الحق ويسلك مسلك النجاة..
وقوله تعالى:
«وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» .
стр. 6612
الواو هنا للحال، أي من شاء منكم أن يستقيم، فليطلب الاستقامة، وليرد مواردها، وليأخذ بالأسباب إليها.. ثم إن مشيئتكم تلك مرتهنة بمشيئة الله العامة الشاملة، التي كل مشيئة منطوية تحتها، دائرة فى فلكها..
فالإنسان- وإن كانت له مشيئة- ليس بالذي يستقلّ بمشيئته عن مشيئة الله، فهو إذ يشاء شيئا، وإذ يمضى هذا الشيء، فإنما ذلك من مشيئة الله فيه..
وهذا ليس بالذي يدعو الإنسان إلى أن يعطل مشيئته، منتظرا مشيئة الله فيه، لأنه لا يعلم ما مشيئة الله فيه.. بل إن عليه أن يعمل مشيئته، كما يعمل جوارحه جميعها، فإذا وافقت مشيئته مشيئة الله، مضت ونفذت، وإن خالفت مشيئة الله لم تمض، ولم تنفذ، ومضت مشيئة الله! هذا هو المطلوب من العبد.. فإن أعطى مشيئته ما ينبغى أن يقدّمه بين يديها من بحث- ونظر، وعقل- جاءت مشيئته قائمة على طريق الحق، مثمرة له أطيب الثمر، تماما، كما إذا أيقظ حواسه، وعمل بها فى المحسوسات، كان له من معطياتها ما يصله بالحياة وصلا وثيقا، ويقيمه على طريقها دون أن يتعثر، أو يضلّ!
стр. 6613
(٨٢) سورة الانفطار
نزولها: نزلت بمكة بعد سورة النازعات.
عدد آياتها: تسع عشرة آية..
عدد كلماتها: مائة كلمة.
عدد حروفها: ثلاثمائة وتسعة عشر حرفا.
مناسبتها لما قبلها
هذه السورة الكريمة، هى على شاكلة سابقتها «التكوير» .. كل منهما حديث عن يوم القيامة وإرهاصاتها.. فكان جمعهما فى هذا السياق من جمع النظير إلى نظيره، ليتأكد ويتقرر فى الأذهان..
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الآيات: (١- ١٢) [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)
стр. 6614
التفسير:
قوله تعالى:
«إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ» .
هو مشابه لقوله تعالى: «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» ، وانفطار السماء هو تشققها وزوال هذا السقف الذي يبدو منها فى مرأى العين.. وقد أشرنا إلى هذا من قبل.. وقلنا إن هذا التغير فى نظام الوجود يوم القيامة، هو بسبب تغير حواسنا ومدركاتنا، وانتقالنا من عالم إلى عالم..
وقوله تعالى:
«وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ» ..
وتناثر الكواكب: هو ظهورها لنا على حقيقتها، فهى تبدو الآن- فى موقع النظر- أشبه بالمصابيح المعلقة فى السقف.. فإذا كان يوم القيامة ظهرت لنا على حقيقتها، وهى أجرام هائلة، معلقة فى الفضاء، كذلك تبدو لنا يوم القيامة فى منازل مختلفة فى علوّها، فبعضها أعلى من بعض علوّا سحيقا يقدر بألوف السنين الضوئية، على حين تظهر لنا اليوم، وكأنها على درجة واحدة فى علوها، حيث تأخذ- كما يبدو لنا- مكانها من هذا السقف المرفوع فوقنا، وكأنها مصابيح مضيئة فى سقف مرفوع، على سمت واحد.
وقوله تعالى:
«وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ» وتفجير البحار، هو ما يبدو يومئذ من إحاطتها بالكرة الأرضية من جميع جوانبها، على بحين تبدو هذه القارات وكأنها جزر صغيرة غارقة فى الماء وقوله تعالى:
«وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ»
стр. 6615
وبعثرة القبور، هو إخراج ما فيها من أموات، حيث تنطلق منها الحياة التي كانت مندسّة فيها، وكأنها قذائف تنفجر من باطن الأرض..
قوله تعالى:
«عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ» ..
هو جواب «إذا» الشرطية الظرفية، وما بعدها من معطوف عليها..
أي إذا حدثت هذه الأحداث، علمت كل نفس ما قدمت من عمل صالح للآخرة، وما فاتها أن تعمله فى الدنيا من خير.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي» (٢٣: ٢٤ الفجر) .. وفى تنكير «نفس» - إشارة وحدة النفوس فى هذا اليوم من حيث العلم بما لها وما عليها، فالنفوس جميعها سواء فى هذا العلم الذي يكشف كل شىء، حتى لقد أصبحت نفوس الناس جميعا أشبه بنفس واحدة..
قوله تعالى:
«يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» ..
الخطاب بيا أيها الإنسان، استدعاء لمعانى الإنسانية التي أودعها الله فى الإنسان، من قوى عاقلة مدركة، من شأنها أن تميز بين الخير والشر، وتفرق بين الإحسان والإساءة، وأن تضع بين يدى الإنسان ميزانا سليما يضع فى إحدى كفتيه ما أحسن الله به إليه، ويضع فى الكفة الأخرى ما يقدر عليه من شكر، وذلك بإحسان العمل، كما يقول سبحانه: «وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ» . (٧٧: القصص) فإذا رأى الإنسان الكفة التي وضع فيها إحسان الله إليه ملأى بالعطايا والمنن، ثم لم يضع فى الكفة الأخرى شيئا فى مقابل هذا الإحسان، بل وتجاوز هذا، فملأ الكفة كفرا بالله، ومحادة لله ولأوليائه- فأىّ إنسان هو؟ وأي جزاء يجزى به؟
стр. 6616
وفى اختيار صفة «الكريم» لله فى هذا المقام، من بين صفاته الكريمة جل شأنه- فى هذا إلفات إلى هذا الإحسان العظيم الذي أفاضه الله على الإنسان، وإلى مقدار جحود الإنسان وكفرانه، وضلاله، مع هذا الفضل الغامر، الذي يجده الإنسان فى كل ذرة من ذراته، ومع كل نفس من أنفاسه..
وفى قوله تعالى: «ما غرك» إنكار على الإنسان أن يدعوه توالى الإحسان عليه، وتكاثر النعم بين يديه، إلى أن يتخذ من ذلك أسلحة يحارب بها ربه المحسن الكريم..
وكرم الكريم، وإحسان المحسن، إذا قوبل ممن أكرم وأحسن إليه، بالاستخفاف، ثم النكران والجحود، ثم بالحرب والعدوان على الحدود- كان من مقتضى الحكمة والعدل معا، أن يؤدّب هذا الجاحد المنكر، وأن يذوق مرارة الحرمان، كما ذاق حلاوة الإحسان.. وإلا فقد الإحسان معناه، وذهب ريحه الطيب، الذي يجده الذين يعرفون قدره، ويؤدون حقه..
يقول المتنبى:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا ... مضرّ كوضع السيف فى موضع الندى
وقد تأول بعض المتأولين هذه الآية تأويلا فاسدا، حين أقاموا منها حجة لأهل الزيغ والضلال، يلقون بها ربهم، إذا سئل أحدهم من ربه: «ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟» فيقول فى قحة، وبلا حياء: «غرّنى كرمك» !! إن ذلك مكر بالله، والله أسرع مكرا! ونعم، إن الله كريم كرما لا حدود له.. ولكن هذا الكرم، لا يقع إلا حيث المواقع التي تحيا به، وتثمر أطيب الثمر فى ظله.. إنه كرم بحكمة،
стр. 6617
وحساب وتقدير.. «وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ» (٨: الرعد) ولقد وسع كرمه سبحانه، سيئات المسيئين، فتقبل توبتهم، وجعل السيئة سيئة، والحسنة عشرا، إلى سبعمائة، وأضعاف السبعمائة: «وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» . (٢٦١: البقرة) ثم كيف يعرف كرم الكريم، ويطمع فى أن ينال منه، من لا يعرف الكريم ذاته، ومن لا يرجو له وقارا؟ إن حجة هؤلاء داحضة، ومكر أولئك يبور! قوله تعالى:
«الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» .
هو بيان لبعض كرم الكريم، ، على الإنسان، وإحسانه إليه.
فلقد خلق الله سبحانه هذا الإنسان فى أحسن تقويم، فعدل خلقه، وأحسن صورته، ومنحه عقلا امتاز به على كثير من المخلوقات: «وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا» (٧٠: الإسراء) .
وقوله تعالى: «فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» - «ما» هنا للتفخيم، الذي يشير إلى قدرة الصانع، وما أودع فى جرم الإنسان الصغير، من قوى عمر بها هذه الأرض، وفتح بها مغالق كنوزها، واستأهل أن يكون خليفة الله عليها..
قوله تعالى:
«كَلَّا.. بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ. وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ» .
стр. 6618
«كلا» رد على جواب مفترض، ينبغى أن يجيب به الناس على قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» وهو قولهم: لم نغتر بكرمك يا كريم.. فجاء الرد عليهم «كلا» لقد غرّكم كرمى.. وإلا فلماذا «تكذّبون بيوم الدين» ؟ أليس تكذيبكم بما جاءت به رسل الله إليكم، مع مواصلة إحسانى إليكم، وتوالى نعمى عليكم- أليس ذلك منكم اغترارا بكرمى؟
وعلى هذا يكون الإنسان المخاطب فى قوله: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ» - هو ذلك الإنسان الكافر بالله، المكذب بآياته.. وهو الغارق فى المعاصي، الذي لم يلتفت إلى ما وراء الحياة الدنيا، ولم يعمل للآخرة حسابا، كأنه مكذب بها..
والحافظون، هم الملائكة الموكلون بالناس، وبتسجيل ما يعملون من خير أو شر.. وهم الكرام عند الله، المكرمون بفضله وإحسانه، الكاتبون لما يعمل الناس..
الآيات: (١٣- ١٩) [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١٣ الى ١٩]
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧)
ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ» .
стр. 6619
هو بيان لحال من لا يغترون بكرم الله، ومن يغترون به.
فالذين قدروا الله قدره، وعرفوا فضله وإحسانه، فآمنوا به، واستقاموا على شريعته، ولزموا حدوده- هؤلاء فى نعيم يوم القيامة، حيث ينزلهم الله فى جنات، ينعمون فيها بما يشتهون..
والأبرار: جمع برّ، وهو الذي عمل البر، والبرّ هو كل عمل طيب فى ظل الإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة والكتاب والنبيين.. وسمى البرّ برّا، لأنه برّ بما عاهد الله عليه، وبالميثاق الذي واثقه به.
قوله تعالى:
«وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ» .
والفجار: جمع فاجر، والفاجر من يفجر عن أمر الله، ويتعدى حدوده..
قوله تعالى:
«يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ» .
أي هذه الجحيم، التي يلقى فيها الفجار، إنما يصلونها ويعذبون بها يوم الدين، أي يوم القيامة، الذي يكذبون به.
وقوله تعالى:
«وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ» .
أي لا يغيبون عنها، ولا يخرجون منها أبدا، بعد أن يدخلوها..
ويجوز أن يكون المعنى أنهم ليسوا غائبين عنها فى هذه الدنيا، فهم مشرفون عليها، مسوقون إليها بفجورهم، وإن لم بروها..
стр. 6620
قوله تعالى:
«وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ» .
استفهام يراد به عرض هذا اليوم على ما هو عليه من هول لا يوصف، ولا يعرف كنهه، لأنه شىء لم تره العيون، ولم تحم حوله الظنون.
قوله تعالى:
«يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ» أي أن هذا اليوم المهول، هو يوم يتعرّى فيه الناس من كل قوة وسلطان، فلا يملك أحد لأحد شيئا، ولا يدفع أحد عن أحد مكروها.. فالأمر كله بيد الله، لا يملك أحد معه من الأمر شيئا.
وفى قيد الأمر لله بيوم القيامة، مع أن الأمر كله لله فى جميع الأزمان والأحوال- إشارة إلى أن الناس وإن كانوا فى الدنيا يظنون أنهم يملكون شيئا، وأنهم يملكون فيما بينهم الضر والنفع- فإن هذا الظاهر من أمرهم فى الدنيا، لن يكون لهم منه شىء فى الآخرة.. كما يقول سبحانه: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» (١٦: غافر)