← Тафсир

Тафсир · id 23607

التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

Полный текст (6 903 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقد وقع خلاف كبير فى زواج المتعة بين أهل السنّة الذين يقولون بتحريمه، والشيعة الذين يبيحونه، ويتعاملون به.. وهذا عرض موجز لتلك القضية، وآراء المختلفين فيها. زواج المتعة.. والرأى فيه تعلّق إخواننا الشيعة فى حلّ زواج المتعة بقوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» وقد أوّل علماؤهم قوله تعالى «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» بالمتعة، وهو أن يتمتع الرجل بالمرأة إلى أجل مسمّى، وقالوا فى مدلولها الشرعي: «إنها (أي المتعة) عبارة عن عقد مخصوص، لرابطة زوجية إلى أجل مسمّى وبمهر معلوم، ويشترط فى العقد: الإيجاب والقبول، ويبطل عند عدم ذكر المهر والأجل.. يقول «الطبرسي» - وهو من كبار علماء الشيعة الإمامية، فى تفسيره المعروف «مجمع البيان» عند تفسير قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» - يقول: قيل إن المراد به نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معيّن إلى أجل معلوم، عن ابن عباس، والسّدىّ، وابن سعيد، وجماعة من التابعين.. وهو مذهب أصحابنا الإمامية، وهو الواضح.. لأن لفظ الاستمتاع والتمتع، وإن كان فى الأصل واقعا على الانتفاع والالتذاذ، فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعيّن، لا سيما إذا أضيف إلى النساء، وعلى هذا يكون معناه: «فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمّى متعة فاتوهن أجورهن» . والشيعة إذ يذهبون هذا المذهب فى تأويل الآية الكريمة إنّما يجدون معهم إجماعا يكاد يكون تامّا من المفسرين جميعا- سنّة، ومعتزلة، وشيعة- فى تأويل الآية على هذا الوجه.. ولم نجد من المفسرين من حمل الآية على محمل آخر غير

стр. 737

هذا، إلا النسفي فى تفسيره، إذ يقول فى الآية: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ.» إنها لا تدل على حلّ المتعة، والقول بأنها نزلت فيها، وتفسير البعض لها بذلك، غلط، وهو غير مقبول، لأن نظم القرآن الكريم يأباه، حيث بيّن- سبحانه- أولا المحرمات، ثم قال عزّ شأنه «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ» وفيه شرط بحسب المعنى، فيبطل تحليل الفرج وإعارته، وبهما قال الشيعة. «ثم قال جل وعلا: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» وفيه إشارة عن كون القصد لا مجرّد قضاء الشهوة، «١» وحبّ استفراغ المنىّ، وعليه تبطل المتعة بهذا القيد، لأن مقصود المتمتع ليس إلّا ذاك، دون التأهل والاستيلاد وحماية النسب، كما أن كلمة الاستمتاع تدل على الوطء والدخول، وليس بمعنى المتعة التي يقول بها الشيعة..» . وعلى هذا، فالخلاف بين الشيعة والسنة ليس فى أصل المتعة وحلّها، فهم متفقون جميعا على أنها كانت موجودة فى عهد النبىّ، ولكن الخلاف يجىء بعد هذا، فيذهب أهل السنة إلى أنها نسخت، على حين لا يقول الشيعة بهذا النسخ، ويردّون كل خبر ورد فى هذا الشأن. وأهل السنة إذ يقولون بنسخ نكاح المتعة إنما يستندون فى هذا إلى أحاديث تروى عن النبي ﷺ ، عند من يقول بنسخ القرآن بالسنة المتواترة، ومنهم يقول إنها منسوخة بالقرآن.. كما سنرى.. فالقائلون بالنسخ بالقرآن، يذكرون هنا أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (٥- ٧: المؤمنون) . وفى هذا يقول الفخر الرازي: «وهذه المرأة- أي فى زواج المتعة- لا شك أنها ليست مملوكة، ولا زوجة، ويدل عليه أنها

стр. 738

لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله تعالى: «وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ» وبالاتفاق لا توارث بينهما (وثانيا) لثبت النسب لقوله ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وبالاتفاق لا يثبت (وثالثا) ولوجبت العدّة عليها، لقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» .. وقد ردّ الشيعة على هذا، بأن الآية التي قيل إنها ناسخة، هى سابقة فى نزولها للآية التي قيل إنها منسوخة، لأن الآية الأولى فى سورة «المؤمنون» وهى مكية، وآية المتعة فى سورة «النساء» وهي مدنية.. ولا يتقدم الناسخ على المنسوخ.. وأما ما استند إليه أهل السنة من الأحاديث التي وردت فى تحريم المتعة فهو كثير، من ذلك ما جاء فى موطأ مالك، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه: «أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة» . ويروى ابن حزم فى كتابه «الناسخ والمنسوخ» أن رسول الله ﷺ قال: «إنى كنت أحللت هذه المتعة، وإن الله ورسوله قد حرماها، ألا فليبلغ الشاهد الغائب» . وفى قول الرسول الكريم: «إنى كنت أحللت هذه المتعة» إشارة صريحة إلى أن حلّ هذه المتعة كان بالسنة لا بالقرآن، وأن النبي- ﷺ أباح المتعة- وحيا من ربه- لظرف خاص، ثم حرّمها- وحيا من ربّه أيضا- بعد زوال هذا الظرف.. فقد روى البخاري، ومسلم، عن ابن مسعود، قال: «كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا نساء، فقلنا ألّا نستخصى؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخض لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ

стр. 739

وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» .. ونكاح المرأة بالثوب أي تقديمه لها، إن كان الرجل لا يملك غيره. وفى صحيح الترمذي: عن ابن عباس رضى الله عنه قال: إنما كانت المتعة فى أول الإسلام.. كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أن يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه حتى نزلت (الآية) : «إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» .. قال، قال ابن عباس: «فكل زواج سواهما حرام» . وهذا يعنى أن آية «المؤمنون» هذه نسخت ما كان أبيح بالسنّة فى أول الإسلام، ولم تنسخ آية النساء التي قيل إنها نسخت باية «المؤمنون» والتي اعترض الشيعة على القول بنسخها، لأنها متأخرة نزولا عن آية «المؤمنون» ولا ينسخ المتأخر بالمتقدم. وذكر الفخر الرازي فى تفسيره، أن الناس لما ذكروا الأشعار فى فتيا ابن عباس فى المتعة، قال ابن عباس: قاتلهم الله، إنى ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق، لكنى قلت إنها تحلّ للمضطر، كما تحل الميتة والدم، ولحم الخنزير» . وفى صحيح مسلم، عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: رخّص لنا رسول الله ﷺ عام أوطاس فى المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها» (وعام أوطاس، هو عام الفتح، وأوطاس واد بديار هوازن) . وهذا الحديث يؤيد ما رواه ابن ماجة فى سننه عن ابن عمر، عن عمر- رضى الله عنهما- أن عمر خطب الناس، فقال: إن رسول الله ﷺ أذن لنا فى المتعة ثلاثا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدا يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة، إلّا أن يأتينى بأربعة يشهدون أن رسول الله أحلّها بعد إذ حرمها» .

стр. 740

والشيعة يعارضون هذه الأحاديث بأحاديث أخرى تثبت جواز نكاح المتعة، والعمل به فى عهد الرسول، وفى خلافة أبى بكر، وأن عمر بن الخطاب- الخليفة الثاني- هو الذي أبطله فى الشطر الثاني من خلافته.. فقد أخرج البخاري فى صحيحه عن عمران بن الحصين، قال: نزلت آية المتعة فى كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله ﷺ (أي فى عهده) ولم ينزل قرآن يحرّمها وينهى عنها حتى مات ﷺ ، قال رجل برأيه ما شاء» يريد بالرجل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه. وفى صحيح مسلم، عن أبى نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آت، فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا فى المتعتين «١» فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله ﷺ ، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعدلهما» . وروى ابن رشد فى كتابه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» - عن ابن عباس أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله، رحم بها أمة محمد ﷺ ، ولولا نهى عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقىّ» . والشيعة إذ تأخذ بهذه الأحاديث التي تضيف إلى عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أنه هو الذي أبطل نكاح المتعة، وأن ذلك كان عن رأى رآه، واجتهاد اجتهده. فهم والأمر كذلك- غير محجوجين بما صنعه عمر، مادام فى أيديهم كتاب الله الذي أباح المتعة حسب تأويلهم لقوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» وما صح من إجماع المسلمين على أنها كانت جائزة فى عهد النبي ﷺ ، وفى خلافة أبى بكر، وبعض خلافة عمر،

стр. 741

ثم ما يظاهر ذلك من أحاديث ثبت عندهم صحتها، ولم تثبت عندهم الأحاديث التي قيل إنها حرمتها.. [الآية الكريمة ومفهومها] وقد رأينا تعارض الأحاديث التي جاءت فى المتعة، والذي ذكرناه منها قليل إلى الكثير الذي أجمعت عليه كتب الأحاديث والتفسير. والذي نريد الجواب عليه هو: هل جاء القرآن الكريم بإباحة المتعة حقا؟ وهل الآية الكريمة التي قيل إنها مستند هذه الإباحة، هى نصّ فى هذا الحكم الذي أخذوه منها، والذي يجمع عليه المفسرون، على اختلاف مذاهبهم؟ ثم كيف يكون هذا، ثم يجىء عمر بن الخطاب رضى الله عنه فينقض حكما من أحكام الله، وببطل آية من آيات كتابه؟ وكيف قبل المسلمون هذا منه وأقروه عليه؟ ندع هذا الآن.. ونجيب على الآية الكريمة: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» وما فهم منها من أنها نص فى حل المتعة؟. وننظر فى الآية الكريمة التي جاء فيها هذا المقطع: «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» .. ننظر فنجد: أولا: أن هذه الآية هى خاتمة الآيتين اللتين قبلها، والتي ذكر فيهما تحريم أصناف من النساء، لا يحلّ التزوج بهن، وفى هذه الآية تتمة لهذه الأصناف، حيث ذكر فيها صنف واحد منهن، وهن المحصنات من النساء، أي المتزوجات.

стр. 742

ثانيا: بعد هذه القيود التي فرضها الله سبحانه على المحرمات من النساء، ورد حكمان: الحكم الأول: ما كان من النساء فى ملك الإنسان من الإماء، فإنهن لا عصمة لهن فى أعراضهن لمن ملك ذواتهن.. وكان الأصل أن يعددن فى المحصنات، إذ لم يقع عليهن زواج، بإيجاب وقبول، ومهر وشاهدين، كما هو الشأن فى عقد الزواج مع الحرائر، ولكن لما كانت تلك حالهن، وهذا وضعهن فى الحياة، فقد جاء الاستثناء هنا، ليقرر هذا الواقع الذي يعشن فيه مع من ملكوا رقابهن، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» . والحكم الثاني: هو إطلاق الإباحة- التي هى الأصل- فى التزوج بين الرجل والمرأة، وذلك بعد تجنب أولئك المحرمات اللاتي ورد ذكرهنّ وفى هذا يقول سبحانه: «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» والابتغاء هو طلب الزواج من أي امرأة غير اللاتي سبق ذكرهن.. والابتغاء لا يكون بالرغبة مجردة، ولكن بالرغبة ومعها المال الذي يصلح مهرا للمرأة المراد التزوج منها، والذي يهيىء لها بعد الزواج حياة صالحة تجد فيها السكن والاستقرار هى وما تثمر الزوجية من ذرية.. وبهذا المال الذي هو رزق من رزق الله ينبغى أن تطلب المرأة التي أحل التزوج بها، وأن يصان عن أن يكون أداة لطلب المتعة من المرأة، على غير ما شرع الله فى الزواج.. وثالثا: يجىء بعد هذا قول الله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» .

стр. 743

فالضمير فى «به» يعود إلى المال المشار إليه فى قوله تعالى: «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ» ، والضمير فى «منهن» يعود إلى من أحل من النساء، وهن لمشار إليهن فى قوله تعالى: «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» ويكون معنى الاستمتاع هنا، طلب الزوجة، أي ومن طلبتم بهذا المال الذي فى أيديكم من هؤلاء النساء فآتوهن مهورهن، فريضة فرضها الله عليكم، ولا حرج عليكم فى أن تتياسروا فيما بينكم، بعد أداء هذا الحق، فيكون للمرأة أن تنزل عن شىء من هذا المهر، الذي صار حقا لها فى يدها، ويكون للرجل أن يزيد فى المهر بعد أن أعطى الحق الذي عليه.. فالقضية هنا قضية الزواج فى صميمها، قد جاءت آيات الله لتكشف حلالها وحرامها، وتحدّد حدودها، وتلزم الرجال بأول شىء وأهم شىء مطلوب منهم فيها وهو المهر، بعد أن تتجه رغبة الرجل إلى الزواج من المرأة التي أحلّ الله له الزواج منها، والتي ليست واحدة من أولئك المحرمات.. فليس بمعقول أبدا أن يدخل على هذه القضية، قضية المتعة، التي هى فى حقيقتها أكثر من قضية الزواج تعقيدا، وأشدّ عسرا، وأخطر أثرا- بالإشارة إليها تلك الإشارة الخفية، لو صحّ أنّ الإشارة كانت إليها، ولما عرضها هذا العرض الخاطف، بل لجعلها قضية بذاتها، ولرسم حدودها، وبيّن معالمها، وموقف كل من الرجل والمرأة فيها.. وانظر كيف كان موقف الشريعة من التزوج بالإماء، وهنّ ما هنّ فى الحياة الاجتماعية التي كانت لهنّ. يقول الله تعالى بعد هذا مباشرة: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .

стр. 744

ففى الزواج من الإماء أمور: أولها: أن الزواج بهن لا يصار إليه إلا عند قلّة المال.. على خلاف زواج المتعة، الذي لا يمنع منه كثرة المال ولو كان القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، إذ لا يقصر المحلّون لزواج المتعة إباحته على المعسرين، بل هو- فى الواقع- للأغنياء قبل الفقراء. وثانيها: أنها تتزوج كزواج الحرة، أي زواجا مطلقا زمنه، غير محدود- وذلك على خلاف المتعة التي لا تصح- كما يقول القائلون بها إلا إذا نصّ فيها على زمن معين: ساعة، أو يوما، أو شهرا، أو سنة، أو سنين!. وثالثها: أن الأمة تحصن بالزواج، وتؤخذ بأحكامه، من طلاق، وعدّة، وإقامة حدّ، عند ثبوت الزنا: «فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ» .. وهذا يعنى أنها ذات كيان شخصى، واعتبار إنسانى، بما أضفاه عليها الزواج من مكانة فى المجتمع.. على خلاف المتعة، فإنها لم تشرّع لها الشريعة شيئا، لا فى كتاب الله، ولا فى سنة رسوله، وإنما كل ما تعلق بها من أحكام، هو من عمل القائلين بها، ومن تقديرهم لها. ورابعها: أن الزواج بالإماء- وإن أباحته الشريعة- هو أشبه بالمحظور، لا يصار إليه إلا عند العجز عن زواج الحرائر، وإلّا عند الحاجة التي يخشى معها المسلم الخطر على دينه.. «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» . هذا هو الوجه الذي يطلّ علينا من «الإماء» ، ونحن ننظر إليهن كزوجات. فما الوجه الذي تبرز لنا به «الحرائر» ، ونحن نرمى بأبصارنا إليهن وهن فى معرض «المتعة» ؟.

стр. 745

الحقّ أن زواج المتعة- على الرغم مما رسم له أصحابه من حدود، حين قالوا بالعدّة بعد انتهاء الأجل، وحين سمّوا الجعل الذي يجعله المتمتع للمرأة، مهرا، وعلى ما قرروه من نسبة الولد إلى من علقت به المرأة منه- على الرغم من كل هذا، فإنه ينزل بالمرأة إلى أدنى درجات الإنسانية، ولا يجعل منها عند المتمتع بها أكثر من أجيرة، تبيع عرضها لمن يدفع الثمن الذي يرضيها. وما ظنك بامرأة لا تسكن إلى بيت، ولا يكون لها عند الرجل أكثر من هذا القدر من المال الذي جعله لها نظير المتعة، فلا يلزمه لها طعام ولا كساء ولا سكن، وإنما كل الذي لها عند الرجل- على شريعة المتعاملين بها- هو المال الذي يتفق هو وهى عليه، مقابل تمتعه بها.. فأى امرأة هذه؟ وأي رابطة إنسانية بينها وبين الرجل؟ وأين ما يجده الرجل فى المرأة من سكن، ومخالطة روحية ونفسية، قبل المخالطة الجسدية؟ والله يذكرّ عباده بتلك النعمة الجليلة التي يجدها الرجل فى المرأة، إذ يقول: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» .. فأين السّكن وأين المودة؟ وأين الرحمة فى زواج المتعة؟ وأين ما تجده المرأة فى رجل المتعة من قوامة عليها، والله يقول: «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ» وكم تعاشر المرأة التي تعيش فى حياة المتعة من رجال؟ وكم تلتقى بوجوه من المتمتعين بها؟ عشرات ومئات! فهل يجد الرجل فى مثل هذه المرأة شيئا من العاطفة الإنسانية التي بين المرأة والرجل؟ وهل يجد إلا صورة من لحم ودم، أو بقية صورة من لحم ودم؟ وأين الحرمة القائمة على صيانة الأنساب وعدم اختلاطها؟ وهل لهذه العدة التي قررها أصحاب المتعة حرمة فى نفس امرأة المتعة التي تعيش مع الرجل ساعة أو ما هو أقل من ساعة؟ ذلك محال.

стр. 746

ثم أين البيت الذي يقوم على زواج المتعة؟ وأين الأسرة التي يضمها هذا البيت ويحتويها؟ يقول العاملون بالزواج المتعى: إنه مع إباحة المتعة عندهم، فإن البيوت قائمة، والأسر عامرة.. ولم يحل زواج المتعة بيننا وبين الزواج الدائم الذي شرعته الشريعة الإسلامية.. ونقول: هذا شاهد على أن زواج المتعة غير معتبر عند أصحابه، وأنه إذا أشبع شهوة الجسد، وأرضى مطالبه، فإنه لم يعد منه شىء على جانب القلب والروح، بل إنه ربّما زاد القلب ظمأ، والروح تطلعا إلى «المرأة» التي تسكن إلى الرجل ويسكن إليها.. ونسأل: أكان التسرّى، وامتلاء الدور بالإماء والجواري- قبل إلغاء الرق- أكان مغنيا عن «الزواج» وداعيا إلى الزهد فيه والعزوف عنه؟ إن هذا من ذك.. سواء بسواء. فإذا ذهبنا نسأل عن الحلال والحرام، وسألنا عن قوله تعالى: «وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» لم نجد لهذه الآية المحكمة مكانا بين المسلمين مع القول بإباحة المتعة.. فإنه مع المتعة لا مجال للتعفف حتى يجد الرجال المال الذي يمكنهم من الزواج، إذ كان فى استطاعة أي رجل أن يحصل على المرأة بالمتعة، ولو برغيف، أو مادون الرغيف- كما يقرر ذلك المشرعون للمتعة- بل إن الأمر لأهون من هذا، إذا اتفقت المرأة والرجل على المتعة ولو بتمرة يلتقطها الرجل من الأرض! إن الحياة الزوجية بمعناها الذي تقرر فى الشريعة الإسلامية، هى فطرة فى الإنسان، وما جاءت الشرائع لتقررها، وإنما كل ما جاءت به الشرائع هو

стр. 747

تنظيمها، وتوضيح معالمها، وحمايتها من الأمراض الوافدة عليها، والبدع الملتصقة بها.. بل إن فى كثير من أجناس الحيوان والطير ما يعقد صلته على حياة دائمة متصلة بين الذكر والأنثى، حتى لا يفرقهما إلا الموت، وحتى ليموت أحدهما أسى وحسرة بعد موت رفيقه، وشريك حياته، فلا تهنؤه حياة من بعده! وبعد.. فهل كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه- هو الذي عارض شريعة الله وحرم ما أحلّ الله من متعة؟ ولا نجد ردّا على هذا أبلغ مما ذكره الفخر الرازي فى تفسيره! يقول الرازي: «ذكر- أي عمر- هذا الكلام (أي ما قاله فى تحريم المتعة) فى خطبة، فى مجمع الصحابة، وما أنكر عليه أحد.. فالحال هنا لا يخلو. إمّا أن يقال إنهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة، ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا بإباحتها ولا حرمتها فسكتوا لكونهم متوقّفين فى ذلك.. والأول- وهو علمهم بحرمة المتعة وسكوتهم- هو المطلوب، والثاني- وهو علمهم بإباحة المتعة وسكوتهم عن عمر- يوجب تكفير عمر، وتكفير الصحابة، لأن من علم أن النبىّ ﷺ حكم بإباحة المتعة، ثم قال: إنها محرمة محظورة، من غير نسخ، فهو كافر بالله، ومن صدقه عليه، مع علمه بكونه مخطئا كافرا، كان كافرا أيضا، وهذا يقتضى تكفير الأمة. وهو على ضدّ قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» .. والثالث: وهو أنهم ما كانوا عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة، فلهذا سكتوا، فهذا أيضا باطل، لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح. واحتياج الناس إلى معرفة الحال فى كل واحد منهما، عامة فى حق الكل،

стр. 748

ومثل هذا يمتنع أن يبقى خفيا، بل يجب أن يشتهر العلم به، فكما أن الكل كانوا عالمين بأن النكاح مباح، وأن إباحته غير منسوخة، وجب أن يكون الحال فى المتعة كذلك.. ولما بطل هذان القسمان- الثاني والثالث- ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن الإنكار على عمر لأنهم كانوا عالمين أن المتعة صارت منسوخة فى الإسلام» .. وننتهى من هذا إلى حقيقتين، ينبغى أن نقررهما فى هذا المقام: أولاهما: أن القرآن الكريم لم يجر فيه ذكر بإباحة المتعة، وأن الآية الكريمة، التي يستشهدون بها لهذا، وهى قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» إنما هى لتقرير حكم من أحكام الزواج الشرعي الدائم، وهذا الحكم، هو المهر الواجب لصحة عقد هذا الزواج. وثانيتهما: أن إباحة المتعة كانت مما أباحه الرسول الكريم- بإذن ربه- فى حال خاصة، حيث كان المجاهدون من المسلمين فى حال غربة، ولم يكونوا قد اصطحبوا نساءهم معهم، فخافوا الفتنة على أنفسهم، حتى أن بعضهم طلب الإذن لهم بالخصاء، كما أشرنا إلى ذلك فى الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود، رضى الله عنه، وهو قوله: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصى؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» .. وفى هذا الحديث: أولا: أن المسلمين لم يكونوا إلى تلك الواقعة قد أذنوا بشىء فى المتعة. وثانيا: أن النبي ﷺ هو الذي رخّص لهم، وأنه لم يتل عليهم

стр. 749

الآية التي قيل إنها نزلت فى المتعة، بل تلا عليهم، تلك الآية الكريمة التي تدعوهم إلى الإبقاء على العضو الذي يصل الرجل بالمرأة، وألا يحرموا أنفسهم التمتع بالنساء، وهن من الطيبات التي أحل الله لهم أن يتمتعوا بها.. فلو كانت للمتعة آية، لذكرها الرسول الكريم، ولأوضح للمسلمين مفهومها إن كانت فى حاجة إلى توضيح، وإلا لسكت الرسول حتى يأتيه أمر ربه بآية، أو وحي غير قرآنى.. فجاءه الوحى غير القرآنى، الذي أباح فيه الرسول للمسلمين المتعة فى تلك الحال، التي هى خروج على أصل التحريم لنكاح المتعة، بحكم الاضطرار فهى كما قال ابن عباس فيما روى عنه. «إنها تحل للمضطر، كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير» . ومما يستشهد به لإباحة المتعة عن طريق السنة قول النبي ﷺ : «إنى كنت أحللت هذه المتعة ألا وإن الله ورسوله قد حرّماها، ألا فليبلغ الشاهد الغائب» فقول الرسول الكريم: إنى كنت أحللت هذه المتعة» صريح فى أن هذا كان من السنة ومن عمل الرسول، وليس مما جاء به القرآن الكريم.. وفى قوله صلوات الله عليه «هذه المتعة» وفى الإشارة إليها على هذا الوجه، ما ينبىء عن سقوطها وتقذّرها. ويؤيد هذا، الحديث المروىّ عن رسول الله: «يا أيها الناس إنى أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن فليخلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» فقد أشار الرسول إلى نساء المتعة بقوله: «هذه النساء» ولم يقل هؤلاء النساء لصغار شأنهن، وأنهن فى حكم شىء واحد.. وفى قوله ﷺ : «فمن كان عنده منهن» ولم يقل من كان عنده امرأة أو أكثر منهن، وذلك للإشارة إلى أن أنهن أشياء.. مجرد أشياء.. وفى قوله «منهن» إشارة ثالثة إلى أنهن صنف له وضع خاص فى المجتمع، وهو وضع مشين، يكنى عنه، ولا يصرّح به.

стр. 750

وعلى هذا فإن المتعة أبيحت بالسنّة فى حال خاصة، فى ظرف اضطراري، وأنها قد حرمت بالسنة بعد زوال هذا الظرف، وإن إباحتها كانت لأناس مخصوصين لا يجوز أن يلحق بهم غيرهم إلى يوم القيامة، وأن عمر بن الخطاب إنما كان موقفه منها هو توكيد هذا التحريم، وقطع الطريق على أولئك الذين أرادوا أن يجعلوا تلك الخصوصية التي كانت لهؤلاء الذين أباح لهم النبىّ المتعة- منسحبة إلى غيرهم إذا دعت داعيتها، وهى الاضطرار، بالانقطاع عن الأهل، فى جهاد أو سفر أو نحوهما.. أخرج مسلم فى صحيحه، عن أبى نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فذكرت ذلك لجابر (بن عبد الله) ، فقال: على يدى دار هذا الحديث، تمتعنا مع رسول الله ﷺ (أي فى حياته) فلما قام عمر (أي ولى الخلافة) قال: «إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، فأتموّا الحجّ والعمرة، وأبتّوا (أي اقطعوا) نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة» أي حكم عليه حكم الزاني المحصن، حيث كان الذين يقعون تحت هذا الحكم هم من المحصنين الذين استطاعوا أن يتزوجوا بامرأة أو أكثر، ثم كانت المتعة عندهم مطلبا آخر، من مطالب المتعة، ولهذا اعتبرها «عمر» زنا صريحا.. وقول عمر: إن الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، هو صريح فى أن ذلك كان من خصوصيات الرسول، وأن إذنه فى حال خاصة، ولشخص أو أشخاص معينين، بما يأذن به، لا ينسحب إلى غيرهم، كما هو مقرر فى الشريعة باتفاق. وبعد:

стр. 751

فإن الكلام فى نكاح «المتعة» كثير، وهو- على أي حال- باب شرّ سدّه المسلمون، وأجمع أهل السنة جميعا على تحريمه، وإن كان لبعض الشيعة متعلّق به، وحجة عليه، لما ثبت من أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- كان قد أباحه فى ظرف خاص فى إحدى الغزوات التي طالت غربة المجاهدين فيها.. ثم ثبت عند أهل السنة أن الرسول حرّمه، بعد أن زالت الحال الداعية له ... فهو أشبه بالميتة التي يباح للإنسان التناول منها عند الاضطرار، وخوف الموت جوعا!. فلو أن نكاح المتعة كان مباحا على إطلاقه لفسد نظام المجتمع، ولا نحّلت روابط الأسرة، ولما رغب الرجال عنه إلى الزواج واحتمال تبعاته! بل ولما كان من الإسلام تلك العناية البالغة، التي أولاها لقضية الزواج، التي تكاد تكون أبرز وأهم قضية عرض لها التشريع الإسلامى، فوضع الحدود الواضحة المفصلة للزواج، والطلاق، والعدة، والرضاع، والميراث، وعرضها عرضا كاشفا، فى معارض مختلفة من النظم، حتى تتأكد وتتقرر. إن الطبيعة البشرية السليمة تعاف هذا المورد، وتأبى أن تقيم حياتها عليه.. بل إن الحياة الجاهلية لم تعرف نكاح المتعة، ولم تعترف به، وإن عرفت الزنا، وأطلقته، وغشى موردة الرجال والنساء، جهرة.. إلّا أنهم- مع هذا- كانوا يضعون «الزنا» بهذا الموضع الخسيس الذي هو له، ويعزلون النساء اللائي يحترفن هذا المنكر عن مجتمع الحرائر، ويفرضون عليهن أن يقمن على بيوتهن رايات، حتى يعرفن بها. إن نكاح المتعة هو الزنا متسترا بظلال الحلال، وهو أشبه بالنفاق الذي يخفى وجه صاحبه وراء كلمة الإيمان، يقولها المنافق بفمه، ولا يقيمها فى قلبه.. والزّنا الصّراح خير من هذا الزّنا المتخذ اسم المتعة مجازا له.. إذ كان

стр. 752

الزاني يزنى وهو يعلم يقينا أنه يأتى فاحشة، ويواقع منكرا.. ومثل هذا قد تكون له توبة إلى الله، واحتجاز عن هذه الفاحشة.. وليس كذلك من يزنى تحت اسم «المتعة» لأنه يحلّ هذا الحرام، ويستبيح تلك الفاحشة، بهذا المدخل الذي يدخل به إليها، ويرفع عن صدره الضيق والأذى، الذي كان يجده لو أتى ما أتى من غير أن يستصحب معه هذه الكلمة المنافقة.. كلمة «المتعة» !! الآية: (٢٥) [سورة النساء (٤) : آية ٢٥] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) التفسير: قوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا» . الطول: البلوغ إلى الشيء، والتمكن منه.. يقال: طال الشيء يطوله، إذا قدر عليه. والمراد به هو القدرة على التزوج من الحرائر المحصنات، وطول اليد لمهرهن، والنفقة عليهن. فلقد أباح الله سبحانه لمن قصرت يده عن التزوج من الحرائر، وخشى على نفسه الوقوع فى المعصية، وغشيان المنكر- أن يتزوج من الإماء، حيث مهرهن قليل، ونفقتهن يسيرة، بالنسبة للحرّة.. وذلك بعد إذن أهلهن، ومالكى رقابهن.

стр. 753

وفى قوله تعالى: «فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ» لمسة رقيقة رفيقة، من لمسات السماء، لتعطف القلوب على هؤلاء الفتيات، ولتفتح عليهن باب الأمل والرجاء، فى حياة كريمة، يجدنها فى آفاق الحياة الزوجية، ويخرجن بها عن دائرة العبودية، والامتهان!. فالأمة حين تتحول إلى زوجة لرجل حرّ، تصبح فى ضمان رجل يرعاها، ويتعهد شؤونها، ويقوم على أمرها، بعد أن كانت هملا مطلقا، لا ينظر إليها إلا كما ينظر إلى متاع أو حيوان! وانظر إلى رحمة الله، وإلى تدبيره سبحانه، فى مواساة الإماء، وتحرير رقابهن. فأولا: ما وصف به الإماء هنا، من أنهن فتيات، دون وصفهن بالإماء.. ثم إضافتهن إلى المجتمع الإسلامى، المخاطب بهذا الخطاب من رب العزة.. «فتياتكم» .. فهنّ بهذا الوصف من أبناء هذا المجتمع، ومن فتياته، ولسن من عالم غريب عنه. وثانيا: يأتى وصفهن بالمؤمنات، فى مقابل وصف الحرائر المحصنات بهذا الوصف.. «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ» فهؤلاء وأولئك جميعا- حرائر وإماء- على منزلة واحدة عند الله، فى التعرف إليه، والإيمان به.. وفى هذا المقام يكون التفاضل بين إنسان وإنسان.. فربما تبلغ الأمة بإيمانها منزلة رفيعة عند الله، تتقطع دونها أعناق كثير من الحرائر المؤمنات.. ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك كاشفا عن هذه الحقيقة، ومنوها عنها: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ» وبهذا الإيمان يفضل بعضكم بعضا، دون حساب للوضع الاجتماعى للحرّة أو الأمة.. ثم جاء قوله تعالى بعد ذلك: «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» مؤكدا لهذه الحقيقة، وأن الإيمان بالله، والعمل بمقتضى هذا الإيمان هو الذي يحدّد درجات

стр. 754

الناس عند الله، ويرفع منازلهم، إذ لا حرّ ولا عبد عند الله، الذي خلق الناس جميعا من نفس واحدة، وولّد بعضهم من بعض. وثالثا: فى قوله تعالى: «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» وفى إضافة الإماء إلى مالكى رقابهن وإلى من يجتمعن إليه من أقاربه- فى هذا ما يرفع الرقيق عن تلك المنزلة الدنيا التي ينزلها فى المجتمع، إلى منزلة الأهل والولد «أهلهن» . ورابعا: ما يشير إليه قوله تعالى: «وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» من أن الأمة كالحرّة فى أنها تستحق المهر عند الزواج، وأن هذا المهر من شأنه أن يكون لها، ولكن الوضع الاجتماعى جعلها هى وما تملك ملكا لمالكها.. وهذا الوضع يبدو قلقا مضطربا أمام قوله تعالى: «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» الأمر الذي يحرج مالكها عن أن يتناول حقا هو لها.. وأما وقد أذن الله له أن يتناوله- مع هذا الحرج- فإن الطريق مفتوح لردّ الحق إلى أهله فى مستقبل الأيام! وخامسا: وأكثر من هذا كله، فى صنيع الإسلام للرقيق، وفى العمل على فك رقبته- ما أباحه للأحرار من التزوج بالإماء.. فهذه الإباحة تفتح بابا واسعا لتحرير الإماء، وتخليصهن من الرق.. وذلك أن الرجل إذا تزوج بالأمة، بعد إذن مالكها، تصبح من حرماته التي يغار عليها، ويعمل جاهدا على صونها ودفع أية شائبة تحوم حولها.. والأمة المتزوجة ليست خالصة ليد من تزوج بها.. فما زالت رقبتها ملكا لغيره، له أن يبيعها لغير من تزوج بها، بما تعلق بها من حق الزوج فيها.. وهذا وضع يشين الزوج، ويسوؤه فى زوجه، ويجرح كرامته، وخاصة إذا ولدت له هذه الزوجة، أو حظيت عنده بالمحبة.. ولا سبيل لإصلاح هذا الوضع، وإعطاء الزوج حقه كاملا فى زوجته إلا أن يعتقها من هذا الرق، فيعمل كل ما وسعه العمل للحصول على المال الذي يشتريها به من مالكها..

стр. 755

حتى إذا صارت إلى يده أطلقها، وحرّر رقبتها! ثم إن فى قوله تعالى: «مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ» - إثارة لشعور الرجل الذي تزوج بالأمة، أن يحصنها وأن يبعدها عن التبذل والامتهان، اللذين يغلبان على حياة الإماء.. فالزوجة الأمة، ليست هى الآن أمة فى الحياة الزوجية، وإنما هى زوجة، لها عند الرجل الحرّ ما للزوجة الحرة عند زوجها.. فإذا كان بعض الذين يتزوجون بالإماء يستخفّون بحرمتهنّ، ولا يجدون كبير حرج فى أن يظللن على حياتهن قبل الزواج من التبذل والامتهان- فإن فيما لفتهم الله إليه فى قوله جل شأنه: «مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ» - ما يوقظ فى نفوسهم نخوة الرجال، وغيرة الأحرار، وبسط أيديهم على أولئك الزوجات، الأمر الذي لا يستقيم إلا إذا تحررت الزوجات من الرّق وخلصت لأيديهم! هذا هو بعض تدبير الإسلام لمحاربة الرقّ، وتخليص هذه الآفة الإنسانية من جسم المجتمع البشرى.. وللإسلام أكثر من تدبير لمحاربة هذه الآفة، وسنعرض لذلك فى بحث خاص، إن شاء الله. وقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ» . بيان لحكم الأمة إذا أحصنت بالزواج، ثم ثبت عليها الزّنا، وهو يقضى بأن يكون حدّها نصف حد المحصنة الحرّة! والمحصنة الحرّة إذا زنت كان حدّها الرّجم، فهل يمكن أن يكون حدّ الأمة نصف هذا الحد، وهو الرّجم؟ والرّجم مراد به الموت رجما بالحجارة، فكيف يقام نصف هذا الحدّ على الأمة؟ وهل ترجم نصف رجم، وتموت نصف موت؟ ذلك غير متصوّر!

стр. 756

والذي أخذ به هنا، واستقرّ عليه العمل إجماعا، هو أن تجلد الأمة خمسين جلدة، إذ كانت الحرّة غير المحصنة تجلد مائة جلدة! وهناك أمران يمكن أن ينظر إليهما، للأخذ بهذا الحكم، والاستناد عليهما، والاستئناس بهما فى قبوله.. وأول الأمرين: أن حدّ الزنا فى القرآن الكريم هو مائة جلدة للحرّة، لا فرق فى هذا بين محصنة، وغير محصنة.. أما الحكم برجم المحصنة فقد ثبت بالسنة المطهرة. وإذا كانت السنة المطهرة قد جاءت بعقوبة الرجم للمحصنة الحرة، ولم تتعرض للمحصنة الأمة، فيبقى الحكم القرآنى مسلطا على الأمة بإطلاقه، أي بالجلد، وبنصف المائة التي هى حد المحصنة. وثانى الأمرين: أن فى قوله تعالى: «فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ» إشارة إلى أن النص العامل فى عقوبة الأمة هو النص القرآنى فى قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» فإن كلمة «العذاب» فى حدّ الأمة، وكلمة «عذابهما» فى حدّ الحرّين، الزانيين، تجعلان العقوبة هنا من نوع العقوبة هناك، وأنها جلد لا رجم، فيه عذاب، لا موت! وأما الحكمة فى أخذ الأمة بنصف عقوبة الحرّة فى جريمة الزّنا، تلك الجريمة التي لا تختلف آثارها باختلاف الأشخاص، ووصفهم الاجتماعى- فإن الإسلام نظر إلى تلك الجريمة هنا من أفق آخر، غير الأفق الذي نظر منه إليها فى حال تجريمها، وتأثيمها.. فالزّنا هو الزّنا، والسرقة هى السّرقة، ولكن هناك ظروف مخففة للجريمة، كالإكراه، والاضطرار، ونحوهما.. والأمة واقعة تحت

стр. 757

ظروف كثيرة، تجعلها تتعرض لارتكاب هذه الخطيئة أكثر من الحرة.. فهى (أولا) كانت قبل الزواج والإحصان مطلقة، تمارس هذه الجريمة دون تحرّج أو تأثّم، بل إن كثيرا من مالكى رقابهن كانوا يدفعونهنّ دفعا إلى هذا المنكر، ويكرهونهنّ عليه، لما يحصلن عليه من مال يعود آخر الأمر إلى السيد المالك.. ولهذا جاء أمر الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» - جاء أمر الله هنا ناهيا عن الإكراه وحده.. وهذا لا يلزم الأمة أن تتعفف إذا هى لم ترد التعفف.. وهذا الوضع الذي كان للأمة قبل الزواج من التبذل والامتهان، يصطحبها إلى ما بعد الزواج، ويجعلها بمعرض الزلل، وفى مواجهة الخطيئة، بما كان لها من أصحاب وأخدان.. الأمر الذي من شأنه أن يكون عاملا مخففا للجريمة المقترفة منها فى هذا المجال.. أي بعد الزواج ومن جهة أخرى فإن يد الزوج على الأمة يد غير مطلقة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وأنه إذا كان الزوج قد المنفعة، فإن سيدها لا زال يملك الرقبة.. وهو بهذا الوضع فى الجانب الأقوى بالنسبة للأمة، ولسلطانه عليها.. وهذا من شأنه أن يرخى يد الرجل عنها، وأن يقبلها على علاتها- الأمر الذي من شأنه أن يقيم للأمة المحصنة عاملا آخر للتخفيف فى العقوبة الواردة على الزنا.. وقوله تعالى: «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ» إشارة إلى أن التزوج من الإماء لا يصار إليه إلا عند الضرورة، وتوقع الرجل عدم القدرة على مغالبة شهوته..

стр. 758

فالعنت والإعنات: الإرهاق والضيق من أمر لا تتسع النفس لاحتماله، ولا تقدر العزيمة على الإمساك به. فمن خشى من الرجال غير المحصنين، الذين لا يجدون فى أيديهم من المال ما ينالون به التزوج من الحرائر- من خشى منهم العنت وعدم احتمال التعفف، فإنه لا بأس من أن يتزوج من الإماء، بعد رضا مالكهن، وإيتاء المهر المطلوب لهن، مع مراقبتهن والعمل على صيانتهن من التبذل والاتصال بأخدانهنّ، حتى لا تشيع الفاحشة فى المجتمع. وفى قوله تعالى: «وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» دعوة إلى الصبر واحتمال بعض العنت فى العزوبية، وترجيح جانب الإمساك عن التزوج بالإماء، على التزوج بهنّ، لما يثرن فى الحياة الزوجية، التي ينبغى أن تظللها العفة، ويحرسها التصون والشرف- من غبار الريبة، ودخان التبذل، وريح الفاحشة! وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» إماءة من طرف خفى إلى تجنب التزوج بالإماء، والصبر على العزوبية، وإن لقى منها صاحبها العنت فى الحفاظ على دينه ومروءته، وإن جرّه ذلك الموقف إلى أن يلمّ ببعض اللمم، بحيث لا يدنو من الفاحشة، ولا يحوّم حولها.. فإن لم يأمن ذلك فالزواج بالإماء خير، إذ يدفع شرّا بما هو أهون منه شرا.. والله يقول: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» (٣١- ٣٢: النجم) ذلك، والقرآن الكريم إنما يخاطب هنا إنسانا مؤمنا، حريصا على دينه، متحرّيا النصح لنفسه، فى الحفاظ عليها مما يغضب ربه، ويفسد عليه دينه.. وليس الخطاب لإنسان يمكر بآيات الله، ويريد أن يتخذ من رحمة الله ولطفه بعباده،

стр. 759

طريقا إلى تزيين الحرام، وإلباسه زىّ الحلال المباح، فذلك تمويه على النفس، وخداع لها.. وإن الحلال بيّن والحرام بيّن.. وإن إغماض العين عن الحرام، وأخذه مأخذ الحلال، لن يغير من صفته، ولن يقيم للإنسان عذرا عند الله، بل إن ذلك نفاق مع الله، ونفاق مع النفس، وهو أشد من الكفر.. ضلالا، وبلاء.. إن دين المرء أمانة بينه وبين ربه.. ليس لأحد سلطان عليه فى حفظ هذه الأمانة أو تضييعها، فله أن يحفظ أو يضيّع، وحسابه بعد ذلك على الله، وهو خير الحاسبين.. الآيات: (٢٦- ٢٨) [سورة النساء (٤) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨) التفسير: فى هذه الآيات الثلاث التي جاءت تعقيبا على تلك الأحكام التي شرعها الله للمسلمين، ووضع بها الحدود لما حرّم وأحلّ من النساء، ولما أباح من التزوج بالإماء لمن عجز عن التزوج بالحرائر، وخشى العنت- فى هذه الآيات الثلاث يكشف الله عن رحمته بالناس، فيما شرع لهم، وفضله عليهم فيما أباح لهم من طيبات، وفى هذا وذاك خير الناس وسعادتهم، إذا هم استقاموا على شرع الله، ووقفوا عند حدوده.

стр. 760

وقد صدّرت الآيات الثلاث بقوله سبحانه: «يُرِيدُ اللَّهُ» ، وفى ذلك ما يلفت النظر، ويدعو إلى التوقف والتأمل.. فإرادة الله ، نافذة، لا مردّ لها، ولا معوق لنفاذها وإمضائها على الوجه الذي أراده.. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٨٢: يس) وقد تعلقت بإرادة الله هنا أمور، تضمنتها الآيات الثلاث هى: أولا: بيان الأحكام، ووضع الحدود للمسلمين بين الحلال والحرام: «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» . ثانيا: أخذ المسلمين بالسنن التي أخذ الله بها الأمم من قبلهم، يبيّنها الله لهم ويهديهم إليها: «وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» . ثالثا: التوبة على المسلمين، مما ارتكبوا من آثام وخطايا.. «وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ» . رابعا: التوبة التي يريدها الله للمسلمين، يعارضها من جانب آخر، المفسدون وأصحاب الأهواء، إذ يريدون لهم الميل عن الصراط المستقيم الذي دعاهم الله إليه، وانحرافهم انحرافا حادا عنه. «وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً» خامسا: التخفيف عن المسلمين فيما أخذهم الله به من أحكام، حيث أنه يعلم ما فى الإنسان من ضعف، وما فى كيانه من قوى تنزع به إلى التخفف من أوامر الله، والتحلل من نواهيه.. «يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» . والسؤال هنا: ماذا عن هذه المتعلقات التي تعلقت بإرادة الله؟ وهل هى ماضية نافذة؟. وهل لو كانت قد مضت ونفذت، أكان فى المسلمين المخاطبين بكلمات الله هذه، منحرف أو ضال؟

стр. 761

وكيف وهذه أحكام الله بيّنة، وحدوده واضحة؟ وكيف وإرادته متجهة إلى هدايتهم والتوبة عليهم؟ والذي نحبّ أن نفهم عليه إرادة الله هنا، وفى غيرها من المواضع المشابهة- هو «الطلب» غير الملزم، حتى يكون للإنسان مجال للاختيار بين الاستجابة للطلب، أو التأتّى عليه، وبهذا يشعر الإنسان بوجوده الذاتي، وبالمسئولية الملقاة عليه.. وعلى هذا يكون حسابه وجزاؤه، بالخير خيرا، وبالشر شرا.. وذلك فى كل أمر للإنسان فيه إرادة وعمل.. أما حين لا يكون لما يريده الله متعلّق بعمل العبد، فهى إرادة مطلقة نافذة.. فالإرادة فى قوله سبحانه: «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» .. إرادة خالصة لله، لا متعلّق للعباد بها، لأنها تتعلق بشرع الله الذي يشرعه للمسلمين، كما شرعه لعباده من قبل على يد أنبيائه ورسله.. وعلى هذا فهى إرادة نافذة.. لأنه لا متعلّق للعباد بشرع الأحكام، وإقامة حدودها. أما الإرادة فى قوله تعالى: «وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً» فهى إرادة طلب، ودعوة، متجهة إلى العباد، ولهم أن يستجيبوا لهذا الطلب وأن يلبّوا تلك الدعوة، أو يتوقّفوا. فالله سبحانه، قد دعا عباده إلى التوبة، فى آيات كثيرة.. فقال تعالى: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (٣١: النور) وقال سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» (٨: التحريم) . فمطلوب من العباد أن يتقدموا إلى الله بالتوبة، فإذا تابوا تاب الله

стр. 762

عليهم.. كما يقول سبحانه: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ» (٢٥: الشورى) ويقول جل شأنه: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى» (٨٢: طه) . وفى الإنسان نوازع تنزع به إلى الهوى، وتدفعه إلى الخروج على الطريق المستقيم، الذي دعاه الله إليه.. وفى محيط الإنسان شياطين من الإنس والجن، توحى إليه بالشر، وتوسوس له بالسوء، فيلتقى ذلك مع أهوائه ونوازعه، وهنا يقع الصراع بين ما فى قلبه من إيمان وتقوى، وبين هذه القوى المسلطة على إيمانه وتقواه.. فيكسب المعركة أو يخسرها، حسب بلائه فيها، وبذله لها. وبهذا يكون النصر محسوبا له، على حين تكون الهزيمة محمولة عليه.. وفى هذا يتفاوت الناس، ويختلفون منازل ودرجات عند الله، كلّ حسب عمله وبلائه. وأمّا إرادة التخفيف عن المسلمين، فيما أخذهم الله به من أحكام، فهى من حكمة الله، ورحمته، ليس لأحد أن ينازع الله فى حكمته، أو يمسك عن عباده مواطر رحمته.. لأنه لا متعلق لأحد بهذه الإرادة، ولا مطلوب فيها لأحد.. إنها خالصة من الله، لعباد الله. فالإرادة الإلهية، تكون تارة بمعنى الطلب، وهو أن يطلب الله من عباده أمرا، يدعوهم إلى تلبيته، والاستجابة له، لما فيه من خيرهم، وإسعادهم.. وهذا الطلب من الله، لا إلزام فيه، ولا قهر معه.. «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (٢٩: الكهف) . وتارة تكون الإرادة الإلهية بمعنى القضاء والحكم، وتلك إرادة نافذة لا تردّ.. «سُبْحانَهُ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٣٥: مريم) .. «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (٢٢: التوبة) .

стр. 763

هذا، وينبغى أن نذكر هنا، ونحن ننظر فى صفات الله وأفعاله أنها صفات وأفعال تغاير مغايرة مطلقة كل ما يقع فى تصوراتنا لها.. إنها ذات الله، وكما لا يمكن تصور ذات الله كذلك لا يمكن تصور صفاته وأفعاله! وأما ما جاء فى القرآن من صفات الله، من سمع، وبصر، وإرادة، وعلم، وقوة، وعزة، وغيرها، وما ورد من أفعاله، كالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والتكلّم، وغيرها- فكل ذلك محمول على طبيعة مدركاتنا وتصوراتنا، وعلى مدى ما تبلغ من إدراك وتصوّر.. وإذا كان لا بد أن يكون للإله الذي نعبده مفهوم عندنا- كان لا بدّ أن يكون له عندنا متصوّر لذاته وصفاته وأفعاله.. ولكن أي متصور نتصوره فالله وصفاته وأفعاله على خلافه.. فنحن نتصور الله سميعا، بصيرا، عالما، حكيما، قديرا.. ولكن لا بجوارح، ولا بأجهزة يعمل كل جهاز منها فى محيطه.. ونتصور الله ، يخلق، ويرزق، ويتكلم، ويحيى، ويميت، ولكن لا يمكن تصوّر كنه هذه العمليات التي تتم بها أفعاله تلك، ولا الوجوه لله تكون عليها، ولو وقع ذلك وأمكن، لكان الله محدودا يمكن ضبط صورة لذاته وصفاته وأفعاله، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. الآيتان: (٢٩- ٣٠) [سورة النساء (٤) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠)

стр. 764

التفسير: هذه دعوة من الله إلى عباده، ومطلوب من مطلوباته إليهم، بل قل إرادة يريدها الله منهم.. وتلك الإرادة، هى ألا يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل!. وإذ كان «المال» هو مبتغى الناس، ورغيبتهم، فيه يتنافسون، وله يعملون ويكدحون، ومن أجله، وفى سبيله تتصادم رغباتهم، ويقع الشرّ والعدوان بينهم، فيبغى بعضهم على بعض، ويغمط بعضهم حقّ بعض، فى صور وأشكال مختلفة.. من السرقة والاغتصاب، والاحتيال، والغش والخداع، والاحتكار، إلى غير ذلك مما هو واقع فى معترك الحياة بين الناس- إذ كان ذلك كذلك فقد كثرت وصايا الإسلام إلى الناس فى «المال» وفى رسم الحدود التي تمسك به فى دائرة النفع العام والخاص، ليؤدى وظيفته كنعمة من أجلّ النعم التي أنعم الله بها على عباده.. ولم تقف نظرة الإسلام إلى المال عند أفق واحد.. بل امتدت نظرته إليه فشملت جميع الآفاق التي يكون للمال مكان فيها.. فى كسب المال وفى إنفاقه.. فى يد من يملك ومن لا يملك.. فى الميراث والورثة.. فى ملك اليتامى والسفهاء، وفى يد الأولياء والأوصياء عليهم.. إلى غير ذلك من الوجوه التي يرى فيها المال واقعا فى يد فرد أو جماعة. وفى قوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» إشارة إلى أن المال مائدة ممدودة من الله سبحانه لعباده، يأكلون منها، وأن لكل إنسان حظّه من هذا المال، وأن من وقع إلى يده قدر منه على حين خلت أيدى الجماعة التي حوله، أو قصرت عن أن تنال شيئا منه، كان واجبا عليه أن يعطى مما فى يده لمن حوله، إذ من غير المستساغ أن يأكل والناس المشتركون معه على المائدة، لا يأكلون..

стр. 765

وفى كلمة «أموالكم» المضافة إلى المؤمنين جميعا، وكلمة «بينكم» - الظرف المكانىّ الجامع لهم جميعا- فى هذا ما يشير إلى وحدة الملكية للمال، ووحدة الاجتماع فى المكان.. وفى هذا وذاك ما يجعل الوحدة الشعورية بالتكافل بين هذه الجماعة، أمرا واجبا، إن لم تقض به شريعة السماء، ولم يدع إليه دين الله، قضت به المروءة، ودعت إليه!. وهذا هو البرّ الذي دعا إليه القرآن.. فقال تعالى: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (٩٢: آل عمران) .. وقال سبحانه: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ» (١٧٧: البقرة) ومن تدبير القرآن الكريم فى هذا، أنه لم يجعل هذه المائدة المشاعة بين الناس قائمة على قانون مادىّ قهرى، إذ لا سبيل إلى قانون يحمى بنصوصه ومواده، العدوان والبغي، وتسلط الأقوياء على الضعفاء، وإلا كان عليه أن يقيم وازعا من سلطانه على رأس كل إنسان.. يمسك بيده، ويدفع بغيه وعدوانه، وذلك أمر محال، وإنما جعل الإسلام ذلك إلى مشاعر الجماعة ووجدانها، بما أيقظ فيها من نوازع الخير، ودوافع الإحسان، وبما غذّاها به من فضله وإحسانه، وبما وعدها من حسن المثوبة، وعظيم الجزاء، فى الدنيا، وفى الآخرة جميعا.. «وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» . وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» (٣٩: الروم) .. فتلك المشاعر الحيّة، وهذه الوجدانات المتفتحة لرحمة الله، الراغبة فى حسن

стр. 766

الجزاء عنده، هى الحارس الذي لا يغفل، وهى الوازع الذي يقوم حجازا بين ظلم الناس للناس، وبغى الناس على الناس. وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» هو استثناء متصل، وليس استثناء منفصلا كما ذهب إلى ذلك الزمخشري، وأكثر المفسّرين.. فالتجارة: هى من تلك المائدة الممدودة بين الناس «أموالكم» ، بل هى الوجه الواضح من هذه المائدة، إذ كانت أكثر الأموال دائرة فى فلك التجارة، متداولة بين أيدى الناس عن طريقها.. وفى عمليات التجارة، ربح وخسارة. وفى جانب الربح قد يحصل كثير من الناس على أموال طائلة..! وهذه الأموال التي ربحها الرابحون هى خسارة قد خسرها آخرون! والصورة فى جانب الرّبح تبدو وكأنها أكل لأموال الناس بالباطل، ذلك الأكل الذي ورد صدر الآية الكريمة بالنهى عنه! فهل هذا المال- مال الربح فى التجارة أيا كان من الكثرة- هل هو داخل فى هذا المال المنهي عن أكله بالباطل؟ وهل يتناوله الحكم الواقع عليه؟ هذا ما استثناه الله تعالى فى قوله: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» . فهذا المال ليس من الباطل فى شىء.. هو مال حلال، إذ جاء عن عمليات بيع وشراء، لا قهر فيها، ولا تدليس أو غشّ، بين البائعين والمشترين. وفى قوله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» دعوة إلى صيانة الأنفس وحفظها، بعد الدعوة إلى صيانة الأموال وحفظها..

стр. 767

وقدمت الدعوة إلى صيانة المال على الدعوة إلى صيانة الأنفس، لأن المال هو قوام الحياة للأنفس، ولا حياة لها بغيره، فكانت صيانته مقدمة على صيانتها! ويقع قتل النفس على صور كثيرة. فقد يقتل الإنسان نفسه بنفسه.. وذلك بأن يعرضها للتهلكة عن عمد فى غير إحقاق حق أو إبطال باطل. أو بأن يصرفها عن الإيمان إلى الكفر. ويحارب الله ورسوله والمؤمنين. أو بأن يعتدى على حرمات الغير، ويستبيح أموالهم ويأكلها بالباطل، أو يستبيح دماءهم، ويزهق أرواحهم بغير حق. فكل هذه من بعض الوجوه التي يقتل بها الإنسان نفسه. وقد توعّد الله سبحانه من يرتكب هذا الفعل المنكر بالعذاب الأليم فى قوله سبحانه: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً» فما جزاء هذا العدوان وذلك الظلم إلا هذا العقاب الأليم، فإن من لا يرحم نفسه، ولا يرحم الناس، لا تناله رحمة الله، الذي أطمعنا فى رحمته، وبسط لنا يده بها.. «إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» . الآية: (٣١) [سورة النساء (٤) : آية ٣١] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) التفسير: هذا تعقيب على مطلوبات الله من عباده، وما دعاهم إليه أو نهاهم عنه فى الآيات السابقة، فى شأن اليتامى، والنساء، وفى حفظ الأموال والدماء.

стр. 768

وفى هذا التعقيب رحمة واسعة من رحمات الله بالناس، وفضل كبير من أفضاله على عباده.. ففى النّاس ضعف يعلمه الله الذي خلقهم، وقليل منهم أولئك الذين يستقيم خطوهم على طريق الله استقامة كاملة، لا يضطرب فيها خطوه، أو تزل فيها قدمه! ولو يأخذ الله النّاس على كلّ انحرافة ينحرفونها، أو زلة يزلّونها لما نجا منهم أحد، ولا دخل عند الله مداخل الإحسان والرضوان.. إنسان. وقد جاء هذا التعقيب الكريم، من ربّ كريم، ليفتح لعباده أبواب إحسانه ورضوانه، فيدخلوا فى سعة من رحمته ورضوانه، إذا هم اجتنبوا الكبائر، وعصموا أنفسهم منها، وخافوا الله فيها.. والكبائر أولها الكفر بالله، والشرك به. ثم يتبع ذلك أعمال الجوارح، كالقتل، والزنا، وشرب الخمر. فإذا تجنب العبد هذه الكبائر، ثم كانت منه زلة أو سقطة فيما وراءها، كانت رحمة الله قريبة منه، تمحو ما ارتكب من صغائر، بما اجتنب من كبائر! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى بعد ذلك: «نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً» .. وهذا ما أشار إليه سبحانه فى قوله: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» (٣٢: النجم) فما أوسع رحمة الله وما أعظم فضله.

стр. 769

الآية: (٣٢) [سورة النساء (٤) : آية ٣٢] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) التفسير: فى الآية قبل السابقة، دعا الله إلى صيانة الأموال، وإلى قتل الأهواء، التي تنزع بالنّاس إلى أكل أموال بعضهم بعضا بالباطل. وإذ كان المال- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- هو القوة المحركة، للناس، كما أنه هو القوة الدافعة إلى عدوان بعضهم على بعض، فإن الإسلام قد أولى المال عناية خاصة، وحرسه وحرس الناس، من دواعى الفساد التي تدبّ إليه وإليهم، فينقلب هو إلى نقمة بعد أن كان نعمة، ويتحول الناس إلى وحوش ضاربة، بعد أن كانوا بشرا سويا، أرادهم الله لعمران الحياة، وخلافته على هذه الأرض. وفى هذه الآية وجه آخر من الوجوه التي يكشفها الإسلام للمال، ويكشف منه الداء الذي لو لم يتنبه الناس إليه، لأفسد حياتهم، واغتال أمنهم واستقرارهم. وهذا الوجه هو تفاوت الناس فيما يقع لأيديهم من مال، هذا التفاوت الذي قد تبعد مسافاته من بين يملك القناطير منه، ومن لا يملك شيئا.. فيكون فى الناس الغنىّ الواسع الغنى، الذي يكاد يموت كظّة وتخمة، والفقير الذي يوشك أن يموت جوعا ومسغبة. ولا شك أن هذا وضع من شأنه أن يثير فى النفوس- نفوس الفقراء والمحرومين- مشاعر الحسرة والألم، ونوازع الضغينة والحسد، على أولئك الذين يملكون ولا يعطون، ويموتون تخمة ويضنون بلقيمات تمسك رمق أولئك الذين يموتون جوعا- الأمر الذي إذا استشرى فى الجماعة، وتسلط على

стр. 770

تفكيرها وشعورها، أثار فيها عواصف الفرقة، التي قد تصل إلى التناحر والقتال! وقد جاء الإسلام إلى الأغنياء بوصاياه التي تجعل من أموالهم التي فى أيديهم حقوقا لإخوانهم الفقراء، إن قصّروا عن الوفاء بها كانوا بمعرض من نقمته وبلائه فى الدنيا، وعذابه الأليم لهم فى الآخرة.. وكان من نقم الله عليهم فى الدنيا أن يسلط عليهم الفقراء، فيفسدوا حياتهم، ولا يقيموهم فيها على جناح أمن وطمأنينة! ثم جاء الإسلام من جهة أخرى إلى الفقراء، فكانت وصاته لهم ألّا ينفسوا على الأغنياء ما فى أيديهم، وألا يحسدوهم على هذا الذي نالوه من حظوظ الدنيا، وأن يروّضوا أنفسهم على الصبر على ما قسم الله لهم، بعد أن يعملوا فى كل وجه متاح لهم من وجوه العمل، وأن يأخذا بما دعا الله عباده إليه من السّعي والجدّ لتحصيل الرزق: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» (١٥ الملك) . فإذا أخذ الأغنياء بما وصّاهم الله به من رعاية حقوق الفقراء، وأخذ الفقراء، بما دعاهم الله إليه من غض أبصارهم عما فى أيدى غيرهم، مما لم تنله أيديهم- إذا أخذ هؤلاء وهؤلاء بما وصاهم الله به، التقوا جميعا لقاء الأخوة، لقاء المودة والحبّ، وصلح أمرهم جميعا، فلا يذهب الغنىّ بغناه، ولا يستبدّ به، ولا ينطوى الفقير مع فقره، ويموت به! هذا هو الوجه الذي نفهم عليه قوله تعالى: «وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ» . وإن كان للآية وجوه أخرى كثيرة بعيدة عن جوّ الآية، قد فهمها عليه أكثر المفسرين. وفى قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» ما يكمل الصورة التي فهمنا عليها صدر الآية.. ففى قول الله:

стр. 771

«لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» هذا، دعوة إلى الكسب، وإلى السعى الجادّ فى وجوه الرزق. دعوة للرجال وللنساء معا.. فالعمل، والعمل وحده، هو وسيلة الرزق الطبيعية، ومن لا يعمل، فقد تمنّى على الله الأمانى، وفرض على الناس أن يعملوا، وهو متدثر بثوب الكسل والخمول، لينال من ثمرة عملهم، ويعيش من عرق جبينهم، وهذا عدوان على المجتمع، كما هو عدوان على نفسه وظلم لها، إذ رضى أن يكون عالة على الناس، وكائنا غريبا يعيش فيهم، كما تعيش الحشرات.. وفى ذلك إهدار لآدميته، وتضييع لكرامته!! وليس أبرّ بالإنسانية، وأرعى لكرامتها، من دعوة الإسلام تلك، إلى العمل والكسب، حتى المرأة، لم يعفها الإسلام من العمل إذا لم يكن من ورائها زوج، أو ولد، أو أخ.. يقوم بمطالبها، ويسد حاجتها.. وفى قوله تعالى: «وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ» تأكيد للدعوة إلى العمل، والسعى فى طلب الرزق، والأخذ بأسبابه من وجوهه المشروعة، فإذا كان ذلك، كان للإنسان أن يسأل الله العون والتوفيق، فما الرزق الذي يرزقه العاملون إلّا من فضل الله.. أما أن ينصرف الإنسان عن العمل، ولا يأخذ بأسباب الرزق، ثم يدعو الله أن يرزقه، فقد ضلّ الطريق إلى الله، وقطع بينه وبين ربّه الأسباب. ولمحة مشرقة نلمحها فى قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» وهذه اللمحة تكشف لنا عما فى كلمة «نصيب» من معطيات، تملأ القلب جلالا وروعة. فقد جاءت كلمة «نصيب» مخالفة لما نتوقع فى هذا المقام.. حيث يأخذ الإنسان كلّ ما اكسب، لا نصيبا مما اكسب، إذ أنه كسبه كله ليده..

стр. 772

فكيف تجىء كلمة «نصيب» هنا؟ وما حكمة مجيئها؟ والجواب، وهو بعض ما نستلهمه منها.. هو: أولا: أنه إذا كان العامل يأخذه ليده كل ثمرة عمله، فذلك هو حقّه.. ولكن إذا صار هذا الحق ملكا له، فإن ملكيته له غير خالصة، إذ أن فى هذه الثمرة، أو فى هذا المال حقوقا للغير.. لذوى القربى، واليتامى، والمساكين وابن السبيل.. ثم قبل هذا كلّه حق الله، وهو الزكاة! فما يكسبه المرء من عمله ليس خالصا له، وإنما له نصيب فيه، كما لله ولعباد الله نصيب فيه أيضا، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (٢٤- ٢٥: المعارج) وهذا ما ينبغى أن يقع فى شعور صاحب المال، وأن يتصرف فى ماله بمقتضى هذا الشعور.. وإلا كان معتديا على حقّ الله، وحق عباد الله.. وثانيا: أنه إذا أدى صاحب المال حق الله وحق الفقراء والمساكين فى ما له، كان له الحق فى أن ينفرد بنصيبه هو، وأن ينال به ما أحل الله من طيبات.. وهذا شعور ينبغى أن يستشعره الفقراء حيال الأغنياء، الذين يؤدون ما فى أموالهم من حقوق، وعلى هذا، يجب ألا ينظر الفقراء إلى الأغنياء، وما ينالون من نعم الله، نظرة حسد، أو حنق.. وإلا كانوا ظالمين معتدين!! فإن من حق العامل أن يذوق ثمرة عمله، وألا يحول بينه وبينها من لا ثمرة لهم، ممن لا يعملون، والله سبحانه يقول: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» . وما العلم إلا ثمرة من ثمار العمل. ذلك هو حكم الله فى عباده، يأخذهم به فى الدنيا، وينزلهم عليه فى الآخرة!.

стр. 773

الآية: (٣٣) [سورة النساء (٤) : آية ٣٣] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣) التفسير: بيّن الله فى الآية السابقة: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» - ما للعامل من حق فى أن يجنى ثمرة عمله، وأن ينعم بنصيبه منها، بعد أن يؤدى ما لله وما للعباد عليها من حقوق، وذلك ليستحثّ الذين لا يعملون على العمل، وعلى ألّا ينظروا إلى ما فى يد العاملين من ثمرات أعمالهم. ولم يقف القرآن الكريم عند هذا، من إقرار حق العامل فى ثمرة عمله، بل جعل لقرابة هذا العامل، وذوى رحمه، متعلّقا بهذه الثمرة، يرثونها بعد موته.. فهم أولى الناس به، وهو أحرص الناس على نفعهم، وسوق الخير إليهم.. ولهذا جاء قوله تعالى فى هذه الآية: «وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ» مقررا هذا الحق للورثة فى قريبهم الذي ترك خيرا من بعده. والمعنى: ولكل من الرجال والنساء الذين أشار إليهم بقوله: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» .. لكل من هؤلاء الرجال والنساء جعلنا لهم موالى- أي ورثة- يرثونهم، فيما خلّفوا وراءهم من مال ومتاع، وهذا ما أشار إليه سبحانه فى آيات المواريث أول هذه السورة: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» . والمولى يطلق على معان كثيرة، منها: القريب، والناصر، والمعين، والسيد،

стр. 774

والعبد.. والمراد به هنا أقارب المرء وعصبته الذين يرثونه. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ» إشارة إلى من تربطهم بالمرء رابطة غير رابطة القرابة والدم، ممن يتبناهم الإنسان، أو يدخلهم فى حياته مدخل الأهل والأقارب، إذ شدّ يمينه بهم، واحتسبهم بعضا منه فى خيره وشرّه- هؤلاء قد يرون أن لهم حقّا فيما ترك المورّث، الذي كانوا منه، وكان منهم، وقد جاء صدر الآية الكريمة قاصرا ما ترك المورّث على قرابته، وهم مواليه: «وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ» - وفى هذا ما يصدم مشاعرهم، ويفجعهم فى آمالهم، التي كانوا يعيشون بها مع هذا الذي عقدت أيمانهم معه. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» وما نصيبهم وقد ذهب الورثة بالميراث كلّه؟ وإنهم لا بد أن يكون لهم نصيب فيما ترك صاحبهم.. وتقدير هذا النصيب متروك للورثة، يؤدونه لهم، على أي وجه، وعلى أية صورة! ليكن مالا يطيبون به خاطرهم.. أو ليكن مودّة، وحبّا، ومخالطة.. أو ليكن مناصرة، ومعاونة فى الشدائد.. أو غير ذلك مما كان الميت يعاشرهم عليه ويؤثرهم به.. ولهذا جاء قوله تعالى: «فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» خطابا للموالى، الذي ورثوا مال مورثهم، بأن يعطوا هؤلاء الذين أضافهم مورّثهم إليه- شيئا مما كان يعود عليهم به هذا المورث، من مال، أو مودة، أو نحو هذا.. ولنا فى هذا المقام أن نستحضر قوله تعالى: «وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا

стр. 775

الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٨: النساء) ، ففى هذا تطييب لتلك النفوس التي حضرت القسمة.. وهؤلاء الذين خالطهم المورث واختلط بهم، هم ممن حضروا القسمة، فإن لم يحسبوا فى حساب الورثة، فليكونوا فى حساب ذوى القربى ممن لا ميراث لهم. هذا ما أجمع عليه المفسّرون فى تفسير قوله تعالى: «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ» ولكن الفهم الذي أستريح إليه، هو أن المراد بالذين عقدت أيمانكم، هم الأزواج والزوجات، إذ كان لهم نصيب مفروض فى الميراث، مثل ما فرض لموالى الإنسان وعصبته، ولكن كلمة «الموالي» لم تشملهن، فكان قوله تعالى «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» بيانا لحقّ الزوجين فى ميراث كل منهما لصاحبه.. وليس هناك عقد يمين أوثق من العقد الذي عقده الله بين الزوجين.. الآيتان: (٣٤- ٣٥) [سورة النساء (٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٥] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥) التفسير: كما فضل الله النّاس بعضهم على بعض، لحكمة أرادها وتقدير
следующие страницы →