← Тафсир

Тафсир · id 23608

تفسير المراغي

المراغي، أحمد بن مصطفى

Полный текст (5 571 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

تفسير المفردات الينبوع: العين التي لا ينضب ماؤها، جنة: أي بستان تستر أشجاره ما تحتها من الأرض، كسفا: واحدها كسفة كقطع وقطعة لفظا ومعنى، وقبيلا: أي مقابلا كالعشير بمعنى المعاشر والمراد رؤيتهم عيانا، والزخرف: هنا الذهب، وأصله الزينة، وأجملها ما كان بالذهب، ترقى: أي تصعد، مطمئنين: أي ساكنين مقيمين فيها، وخبت: أي سكن لهبها، والسعير: اللهب، وكفورا أي جحودا للحق، خشية الإنفاق: أي خوف الفقر، والقتور: الشديد البخل. المعنى الجملي بعد أن أقام سبحانه الدليل على إعجاز القرآن ولزمتهم الحجة وغلبوا على أمرهم- أخذوا يراوغون ويقترحون الآيات، ويتعثرون فى أذيال الحيرة، فطلبوا آية من آيات ست، فإن جاءهم بآية منها، آمنوا به، وصدقوا برسالته.

стр. 2872

روى عن ابن عباس «أن أشراف مكة أرسلوا إلى النبي ﷺ وهم جلوس عند الكعبة، فأتاهم فقالوا يا محمد إن أرض مكة ضيّقة، فسيّر جبالها لننتفع بأرضها، وفجرّ لنا فيها نهرا وعيونا نزرع فيها، فقال لا أقدر عليه، فقال قائل: أو يكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، فقال لا أقدر عليه، فقيل أو يكون لك بيت من زخرف (ذهب) فيغنيك عنا، فقال لا أقدر عليه، فقيل له أما تستطيع أن تأتى قومك بما يسألونك؟ فقال لا أستطيع، قالوا إن كنت لا تستطيع الخير فاستطع الشر، فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا بالعذاب، فقال عبد الله بن أمية المخزومي وأمه عمة رسول الله ﷺ : لا والذي يحلف به، لا أومن بك حتى تشدّ سلما فتصعد فيه ونحن ننظر إليك، فتأتى بأربعة من الملائكة يشهدون لك بالرسالة، ثم بعد ذلك لا أدرى أنؤمن بك أم لا؟. فأمره الله بأن يرد عليهم بأن اقتراح الآيات ليس من وظيفة الرسل، وإنما وظيفتهم البلاغ للناس. ثم حكى عنهم شبهة أخرى وهى استبعادهم أن يرسل الله بشرا رسولا، فأجابهم بأن أهل الأرض لو كانوا ملائكة لوجب أن تكون رسلهم من الملائكة، لأن الجنس أميل إلى جنسه. ثم سلى رسوله ﷺ على ما يلاقى من قومه، بأن الهداية والإيمان بيد الله ولا قدرة له على شىء من ذلك، ومن يظلل الله فلا هادى له، وسيلقون جزاءهم نار جهنم بما كسبت أيديهم ودسّوا به أنفسهم من الكفر والفجور والمعاصي، وإنكار البعث والحساب، وهم يعلمون أن الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يعيدهم مرة أخرى ثم بين أنه لو أجابهم إلى ما طلبوا من إجراء الأنهار والعيون وتكثير الأموال واتساع المعيشة لما كان هناك من فائدة، ولما أوصلوا النفع إلى أحد، فالإنسان بطبعه شحيح كزّ بخيل.

стр. 2873

الإيضاح علمت مما سلف أنهم طلبوا منه آية من ست، وها هى ذى: (١) (وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) أي قال رؤساء مكة كعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبى سفيان والنضر بن الحرث قول المبهوت المحجوج المتحير: لن نصدّقك حتى تستنبط لنا عينا من أرضنا تدفق بالماء أو تفور، وذلك سهل يسير على الله لو شاء فعله وأجابهم إلى ما يطلبون، ولكن الله علم أنهم لا يهتدون كما قال: «إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ» وقال: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا» الآية. (٢) (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً) أي أو يكون لك بستان فيه نخيل وعنب تتفجر الأنهار خلاله تفجيرا لسقيه. (٣) (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً) تقول العرب: جاءنا بثريد كسف أي قطع من الخبز: أي أو تسقط علينا جرم السماء إسقاطا مماثلا لما زعمت فى قولك: «أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ» . وخلاصة ذلك- أو تسقط السماء علينا متقطعة قطعا قطعا، ونحو الآية قوله: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ» وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا: «فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» . (٤) (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا) أي أو تأتى بالله والملائكة نقابلهم معاينة ومواجهة قاله مجاهد وعطاء، ونحو الآية قولهم: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا» . (٥) (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ) أي أو يكون لك بيت من ذهب، روى ذلك عن ابن عباس وقتادة وغيرهما.

стр. 2874

(٦) (أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ) أي أو تصعد فى سلم إلى السماء ونحن ننظر إليك، ولن نصدّقك من أجل رقيك وحده، بل لا بد أن تنزل علينا كتابا نقرؤه بلغتنا على نهج كلامنا، وفيه تصديقك. (قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا) أي قل لهم متعجّبا من مقترحاتهم، ومنزّها ربك من أن يقترح عليه أحد أو يشاركه فى القدرة: ما أنا إلا كسائر الرسل، وليس للرسل أن يأتوا إلا بما يظهره الله على أيديهم بحسب ما تقتضيه المصلحة، من غير تفويض إليهم فيه، ولا تحكم منهم عليه. وخلاصة ذلك- سبحانه أن يتقدم أحد بين يديه فى أمر من أمور سلطانه وملكوته بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلى ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلى الله . ثم أعقب ذلك بشبهة أخرى وهى استبعادهم أن يكون من البشر رسول فقال: (وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا؟) أي وما منع مشركى قريش وهم من حكيت أباطيلهم- من الإيمان بك حين مجىء الوحى المقرون بالمعجزات التي تستدعى الإيمان بنبوتك وبما نزل عليك من الكتاب إلا قولهم: أبعث الله بشرا رسولا، إنكارا منهم أن يكون الرسول من جنس البشر، واعتقادا منهم بأن الله لو بعث رسولا إلى الخلق لوجب أن يكون من الملائكة. ونحو الآية قوله: «أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ» وقوله: «ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا؟» الآية. وقال فرعون وملؤه: «أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ؟» وكذلك قالت الأمم لرسلهم: «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا» .

стр. 2875

فأجابهم الله عن هذه الشبهة ذاكرا وجه الحق منبّها إلى المصلحة بقوله: (قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا) أي لو وجد فى الأرض ملائكة يمشون كما يمشى البشر، ويقيمون فيها كما يقيمون، ويسهل الاجتماع بهم، وتتلقى الشرائع منهم- لنزلنا عليهم من السماء رسلا من الملائكة للهداية والإرشاد وتعليم الناس ما يجب عليهم تعلّمه، ولكن طبيعة الملك لا تصلح للاجتماع بالبشر، فلا يسهل عليهم التخاطب والتفاهم معهم، لبعد ما بين الملك وبينهم، ومن ثم لم نبعث ملائكة إليهم، بل بعثنا خواصّ البشر، لأن الله قد وهبهم نفوسا زكية، وأيدهم بأرواح قدسية، وجعل لهم ناحية ملكية، بها يستطيعون أن يتلقّوا من الملائكة، وناحية بشرية، بها يبلغون رسالات ربهم إلى عباده. وقد نبّه سبحانه إلى عظيم هذه الحكمة، وجليل تلك النعمة بقوله: «لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم» وقوله: «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» وقوله: «كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيّكم ويعلّمكم الكتاب والحكمة ويعلّمكم مالم تكونوا تعلمون» . وإجمال القول فى ذلك- إنه لو جعل الرسل ملائكة لما استطاع الناس التخاطب معهم، ولما تمكّنوا من الفهم منهم، فلزم أن يجعلوا بشرا حتى يستطيعوا أداء الرسالة كما قال تعالى جدّه: «ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون» . وقد ثبت أن جبريل ﵇ جاء فى صورة دحية الكلبي مرارا عدة، فقد صح أن أعرابيا جاء وعليه وعثاء السفر فسأله رسول الله ﷺ عن الإسلام والإيمان، فأجابه ﵇ بما أجابه ثم انصرف، ولم يعرفه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم فقال ﵇: هذا جبريل جاء يعلّمكم دينكم.

стр. 2876

ثم أجابهم سبحانه بجواب آخر بقوله: (قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي قل لهم: إن الله لما أظهر المعجزة وفق دعواى كان ذلك شهادة منه على صدقى، ومن شهد له الله فهو صادق، فادّعاؤكم أن الرسول يجب أن يكون ملكا تحكّم منكم وتعنت. وخلاصة ذلك- إن الله شاهد علىّ وعليكم، عالم بما جئتكم به، فلو كنت كاذبا عليه لا نتقم منى أشد الانتقام كما قال سبحانه: «ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين ثمّ لقطعنا منه الوتين» . ثم ذكر سبحانه ما هو كالتهديد والوعيد بقوله: (إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) أي إنه محيط بأحوال عباده الظاهر منها والباطن، وأعلم بمن يستحق الإحسان والرعاية، ومن هو أهل للشقاء والضلال. وفى هذا إيماء إلى أنه ما دعاهم إلى إنكار نبوته ﷺ إلا الحسد وحب الرياسة والتكبر عن قبول الحق، كما أن فيه تسلية له ﷺ على ما يلقاه من الإصرار والعناد والإمعان فى إيذائه. ثم أخبر سبحانه بأنه لا معقّب لحكمه، ولا سلطان لأحد من خلقه فى شىء فقال: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ) أي ومن يهد الله للإيمان به وتصديقك وتصديق ما جئت به من عند ربك، فهو المهتدى إلى الحق، المصيب سبيل الرشد، ومن يضلله لسوء اختياره وتدسيته نفسه، وركوبه رأسه فى الغواية والعصيان كهؤلاء المعاندين، فلن تجد لهم أنصارا ينصرونهم من دونه يهدونهم إلى الحق، ويمنعون عنهم العذاب الذي يقتضيه ضلالهم. (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا) أي ونجمعهم فى موقف الحساب بعد تفرقهم فى القبور- عميا وبكما وصما كما كانوا فى الدنيا، لا يستبصرون

стр. 2877

ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه، فهم فى الآخرة لا يبصرون ما تقر به أعينهم، ولا يسمعون ما يلذّ لمسامعهم، ولا ينطقون بما يقبل منهم كما قال: «ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا» . روى البخاري ومسلم عن أنس رضى الله عنه أنه قال: «قيل يا رسول الله، كيف يمشى الناس على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم» . وروى الترمذي: «إن الناس يكونون ثلاثة أصناف فى الحشر: مشاة، وركبانا، وعلى وجوههم» . وإنا نرى فى الدنيا من الحيوان ما هو طائر، ومنه ما هو ماش، ومنه ما هو زاحف كالحيات وهوامّ الأرض. والقسم الأخير من الأقسام الثلاثة فى الحديث أقرب إلى هيئة الزواحف بحيث يبقى الوجه فى الأرض وتحيط به زوائد كالأرجل الصغيرة الحيوانية، وهو يهيم على وجهه. والخلاصة- إنهم يبعثون فى أقبح صورة، وأشنع منظر، قد جمع الله لهم بين عمى البصر وعدم النطق وعدم السمع مع كونهم مسحوبين على وجوههم كما يفعل فى الدنيا بمن يبالغ فى إهانته وتعذيبه، ويؤيده قوله تعالى: «يوم يسبحون فى النّار على وجوههم» . (مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً) أي ثم بعد أن يتم حسابهم يكون منقلبهم ومصيرهم جهنم، كلما سكن لهيبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم ولم يبق ما تتعلق به وتحرقه، زدناها لهبا وتوقدا بأن نعيدهم إلى ما كانوا عليه فتستعر وتتوقد. أخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: إن الكفار وقود النار، فإذا أحرقتهم ولم يبق شىء صارت جمرا تتوهّج، فذلك خبوها، فإذا بدّلوا خلقا جديدا عاودتهم اه.

стр. 2878

وكأن هذا عقوبة لهم على إنكارهم الإعادة بعد الإفناء بتكرارها مرة بعد أخرى، ليروها عيانا، حيث أنكروها برهانا. ثم بين علة تعذيبهم، لعله يرجع منهم من قضى بسعادته فقال: (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) أي ذلك العذاب الذي جاز يناهم به من البعث على العمى والبكم والصّمم هو جزاؤهم الذي يستحقونه على تكذيبهم بالبينات والحجج التي جاءتهم، وعلى استبعادهم وقوع البعث، وقولهم: أبعد ما صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والهلاك والتفرق فى أرجاء الأرض نعاد مرة أخرى- استنكارا منهم وتعجبا من أن يحصل ذلك. ثم استدل على البعث فقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) أي ألم يعلموا ويتدبروا أن الذي خلق السموات والأرض ابتداعا على غير مثال سابق وأقامهما بقدرته- قادر على أن يخلق أمثالهم من الخلق بعد فنائهم، وكيف لا يقدر على إعادتهم، والإعادة أهون من الابتداء؟. وبعد أن أثبت أن البعث أمر ممكن الوجود فى نفسه، أردف ذلك أن لحصوله وقتا معلوما عنده فقال. (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ) أي وجعل لإعادتهم وقيامهم من قبورهم أجلا مضروبا ومدة مقدرة لا بد من انقضائها، لا يعلمها إلا هو كما قال: «وما نؤخّره إلّا لأجل معدود» . وخلاصة ذلك- إنهم قد علموا بالبرهان العقلي أن الله قادر على إعادتهم، وقد جعل لميقات إعادتهم أجلا وهو يوم القيامة الذي لا شك فيه، فلا وجه لإنكاره. (فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً) أي وبعد إقامة الحجة عليهم أبوا إلا تماديا فى ضلالهم وكفرهم مع وضوح الحجة وظهور المحجّة.

стр. 2879

ثم بين السبب فى عدم إجابتهم إلى ما طلبوا من الجنات والعيون بأنهم لو ملكوا خزائن الدنيا لبقوا على شحّهم فقال: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ) المراد من الإنفاق هنا الفقر كما أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس، وروى نحوه عن قتادة وإليه ذهب الراغب فقال: يقال أنفق فلان إذا افتقر، وقال أبو عبيدة: أنفق وأملق وأعدم وأصرم بمعنى، أي قل لهم أيها الرسول: لو أنكم تملكون التصرّف فى خزائن الله لأمسكتم خشية الفقر: أي خشية أن تزول وتذهب مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا. وقصارى ذلك- إنكم لو ملكتم من الخير والنعم خزائن لا نهاية لها لبقيتم على والشح والبخل، وفى هذا إيماء إلى أن الله لا يجيبكم إلى ما طلبتم من نبيه ﷺ من بساتين وعيون تنبع، لا بخلا منه، ولكن اقتضت الحكمة أن يكون نظام الدنيا هكذا، ولا رقىّ للإنسان إلا على هذا المنوال، فهو يوسّع الرزق على قوم ويضيّقه على آخرين على مقتضى الحكمة والمصلحة، ومن ثم لم ينزل ما اقترحتموه. (وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً) أي وكان الإنسان بخيلا منوعا بطبعه كما قال «أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون النّاس نقيرا» أي لو أن لهم نصيبا فى ملك الله لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير. وقد روى البخاري ومسلم «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء (أخذ) الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما فى يمينه» . وإجمال المعنى- إن الله لم يجب محمدا إلى ما طلبتم، لا هوانا لنبيه، ولا لأنه ليس بنبي، ولا بخلا منه (حاشاه) بل لحكمة منه، فر بما كانت وفرة العطاء إذا نزلت على غير وجهها مصايب على الناس، فأما أنتم فمنعكم يجرى على طريق البخل، فلو سلم لكم السموات والأرض وادّارستموها لم تفهموا إلا الإمساك، ومن ثم لا يسلمكم مفاتيح خزائنه، لئلا تمسكوا المال لأنفسكم ولا تنفعوا خلقه.

стр. 2880

[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٤] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤) تفسير المفردات مسحورا: أي مخبول العقل، بصائر: أي حججا وبينات واحدها بصيرة أي مبصرة بينة، مثبورا: أي هالكا كما روى عن الحسن ومجاهد، قال الزجاج: يقال ثبر الرجل فهو مثبور إذا هلك، ويقال فلان يدعو بالويل والثبور حين تصيبه المصيبة، كما قال تعالى: «دعوا هنالك ثبورا. لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا» أن يستفزهم: أي أن يخرجهم بالقتل أو أن يزيلهم عنها، واللفيف: الجمع العظيم من أخلاط شتى، من شريف ودنىء، ومطيع وعاص، وقوى وضعيف، وكل شىء خلطته بغيره فقد لففته. المعنى الجملي بعد أن ذكر فيما سلف ما اقترحوه من الآيات وأبان لهم أن الرسل ليس من شأنهم أن يقترحوا على الله شيئا- ذكر هنا أنه قد أنزل على موسى مثل ما اقترحتم وأعظم منه، ولم تجد فرعون وقومه شيئا، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فلا فائدة لكم فيما اقترحتموه من الآيات، وكفاكم الآيات العلمية التي أنزلها على عبده ورسوله محمد ﷺ ، فإن لم تؤمنوا بعد ظهور تلك الحجج أهلككم كما أهلك

стр. 2881

فرعون بالغرق، وفى ذلك تسلية لرسوله بذكر ما جرى لموسى مع فرعون، وما جوزى به فرعون وقومه. الإيضاح (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ) أي ولقد أعطينا موسى تسع آيات واضحات الدلالة على صحة نبوته وصدقه حين أرسل إلى فرعون وقومه، فلم يؤمنوا بها كما قال تعالى (فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) وقال (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا) . وقد ذكر سبحانه فى كتابه العزيز ست عشرة معجزة لموسى ﵇. (١) إنه أزال العقدة من لسانه، أي أذهب العجمة عن لسانه وصار فضيحا. (٢) انقلاب العصا حية. (٣) تلقف الحية حبالهم وعصيهم على كثرتها. (٤) اليد البيضاء. (٥، ٦، ٧، ٨، ٩) الطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم. (١٠) شق البحر. (١١) انفلاق الحجر فى قوله (أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ) . (١٢) إظلال الجبل فى قوله (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) . (١٣) إنزال المن والسلوى عليه وعلى قومه. (١٤، ١٥) الجدب ونقص الثمرات فى قوله (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ) . (١٦) الطمس على أموالهم من الحنطة والدقيق والأطعمة. وقد اختلفوا فى المراد من هذه التسع. أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور

стр. 2882

وابن جرير وابن المنذر من طرق عدة عن ابن عباس إنها العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص الثمرات. وقيل المراد بالآيات الأحكام، فقد أخرج أحمد والبيهقي والطبراني والنسائي وابن ماجه «أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى هذا النبي فنسأله، فأتياه ﷺ فسألاه عن قول الله تعالى «ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات» فقال ﵊: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تقلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذى سلطان ليقتله، ولا تقذفوا مخصنة، وأنتم يا يهود عليكم خاصة ألا تعدوا فى السبت، فقبّلا يده ورجله وقالا نشهد إنك نبى، قال فما يمنعكا أن تسلما؟ قالا إن داود دعا ألا يزال من ذريته نبى، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود» . قال الشهاب الخفاجي: وهذا هو التفسير الذي عليه المعوّل فى الآية. ثم خاطب نبيه فقال: (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي فاسأل بنى إسرائيل الذين كانوا فى عصرك وآمنوا بك كعبد الله بن سلام وأصحابه سؤال استشهاد، لتزيد طمأنينتك ويقينك، ولتعلم أن ذلك محقق ثابت عندهم فى كتابهم. (إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً) أي فاسألهم يخبروك، لأنه جاءهم أي جاء آباءهم بهذه الآيات وأبلغها فرعون، فقال له فرعون: إنى لأظنك يا موسى مخلّط العقل، ومن ثم ادّعيت ما ادعيت، مما لا يقول مثله كامل العقل، حصيف الرأى. (قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ) أي قال موسى لفرعون: لقد علمت يا فرعون ما أنزل الله هذه الآيات التسع التي أريتكها إلا حجة لى على حقيقة ما أدعوك إليه، وشاهدة لى على صدقى وصحة قولى إنى رسول الله، بعثني بها رب السموات والأرض، لأنه هو الذي يقدر عليها وعلى أمثالها، وهى بصائر لمن

стр. 2883

استبصر بها، وهدى لمن اهتدى بها، يعرف من رآها أن من جاء بها فهو محق، وأنها من عند الله لا من عند غيره، إذ كانت معجزة لا يقدر عليها إلا رب السموات والأرض (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) أي وإنى لأظنك يا فرعون مصروفا عن الخير مطبوعا على الشر. (فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً) أي فأراد فرعون أن يخرج موسى وبنى إسرائيل من أرض مصر بقتلهم واستئصالهم بحيث لا يبقى منهم أحدا، فعكسنا عليه مكره وأغرقناه فى البحر ومن معه من جنده جميعا، فأخرجناه من أرضه أفظع إخراج. (وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ) أي ونجينا موسى وبنى إسرائيل وقلنا لهم من بعد هلاك فرعون: اسكنوا أرض الشام وهى الأرض المقدسة التي وعدتهم بها. (فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً) أي فإذا جاءت الساعة الآخرة حشرناكم من قبوركم إلى موقف القيامة مختلطين أنتم وهم، ثم نحكم بينكم وبينهم، ونميز سعداءكم من أشقيائكم. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠٥ الى ١١١] وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)

стр. 2884

تفسير المفردات الحق: هو الثابت الذي لا يزول، والقرآن مشتمل على كثير من ذلك كدلائل التوحيد وتعظيم الملائكة ونبوة الأنبياء وإثبات البعث والقيامة، وفرقناه: أي أنزلناه مفرقا منجما، والمكث (بالضم والفتح) : التؤدة والتأنى، والخرور: السقوط بسرعة، والأذقان واحدها ذقن: وهو مجتمع اللحيين، ادعوا الله أو ادعوا الرحمن: أي سموه بهذين الاسمين، خفت الرجل بقراءته: إذا لم يبينها برفع الصوت، وتخافت: القوم تسارّوا فيما بينهم. المعنى الجملي بعد أن أبان سبحانه أن القرآن معجز دالّ على صدق الرسول بقوله «قل لئن اجتمعت الإنس والجن» الآية، ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا معجزات أخرى، وأجابهم ربهم بأنه لا حاجة إلى شىء سواه، وبأن موسى أتى فرعون وقومه بتسع آيات فجحدوا بها فأهلكوا، فلو أتاكم محمد ﷺ بتلك المعجزات التي اقترحتموها ثم كفرتم بها أنزل عليكم عذاب الاستئصال ولم يكن ذلك من الحكمة التي أرادها، لعلمه أن منكم من يؤمن ومنكم من لا يؤمن، ولكن سيظهر من نسله من يكون مؤمنا- عاد هنا إلى تعظيم حال القرآن وجلالة قدره، وبيان أنه هو الثابت الذي لا يزول، وأنه أنزله على نبيه مفرّقا ليسهل حفظه وتعرف دقائق أسراره، وأنكم سيان آمنتم به أولم تؤمنوا، فإن من قبلكم من أهل الكتاب إذا تلى

стр. 2885

عليهم خروا له سجّدا وبكيّا ثم أردف ذلك ببيان أنكم إن ناديتم الله أو ناديتم الرحمن فالأمران سواء ثم قفّى على ذلك بطلب التوسط فى القراءة فى الصلاة بين الجهر والخفوت، ثم أمر نبيه أن يقول حين الدعاء: الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا. أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال: «صلى صلوات الله عليه بمكة ذات يوم، فدعا الله تعالى فقال فى دعائه: يا الله يا رحمن، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابىء، ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو إلهين فنزل (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) الآية. وعن الضحاك أنه قال: قال أهل الكتاب لرسول الله ﷺ إنك لتقلّ ذكر الرحمن وقد أكثر الله فى التوراة هذا الاسم فنزلت. الإيضاح (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ) أي وأنزلنا عليك القرآن متضمنا للحق، ففيه أمر بالعدل والإنصاف ومكارم الأخلاق، ونهى عن الظلم والأفعال الذميمة، وذكر براهين الوحدانية وحاجة الناس إلى الرسل، لتبشيرهم وإنذارهم وحثهم على صالح الأعمال، انتظار ليوم الحساب والجزاء. (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) أي ونزل إليك محفوظا محروسا لم يشب بغيره، فلم يزد فيه ولم ينقص، وقد يكون المراد ونزل إليك مع الحق وهو شديد القوى الأمين المطاع فى الملأ الأعلى جبريل ﵇. وبعد أن مدح الكتاب مدح من أنزل عليه فقال: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً) أي وما أرسلناك أيها الرسول إلى من أرسلناك إليهم من عبادنا إلا مبشرا بالجنة من أطاعنا فانتهى إلى أمرنا، ومنذرا لمن عصانا فخالف ذلك.

стр. 2886

(وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) أي وآتيناك قرآنا فرقناه أي نزلناه مفرّقا منجّما، وقد بدىء بإنزاله ليلة القدر فى رمضان، ثم أنزل نجوما فى ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع. وسر نزوله هكذا بعضه إثر بعض أن تقرأه على الناس بتؤدة وتأنّ ليسهل عليهم حفظه ويكون ذلك أعون على تفهم معناه. أخرج البيهقي فى الشّعب عن عمر رضى الله عنه أنه قال: تعلّموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل ﵇ كان ينزل به خمسا خمسا، وكذلك أخرج ابن عساكر عن أبى سعيد الخدري، والمراد أن الغالب كذلك، فقد صح أنه نزل بأكثر من ذلك وبأقل منه. وفائدة قوله: ونزلناه تنزيلا بعد قوله فرقناه- بيان أن ذلك التنزيل لمقتض وهو التنزيل بحسب الحوادث. ثم هددهم سبحانه على لسان نبيه ﷺ بقوله: (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) أي قل لهؤلاء الضالين القائلين لك: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا- آمنوا بهذا القرآن الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لم يأتوا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا- أو لا تؤمنوا به، فإن إيمانكم به لن يزيد فى خزائن رحمة الله، ولا ترككم للايمان به ينقص ذلك. ثم علل عدم المبالاة بهم، واحتقار شأنهم، بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً. وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا) أي وإن تكفروا به فإن العلماء الذين قرءوا الكتب السالفة من قبل نزول القرآن، وعرفوا أن الله سيبعث نبيا- يخرون لله سجّدا، شكرا له على إنجاز وعده بإرسالك، حين يتلى عليهم هذا القرآن، ويقولون فى سجودهم، تنزه ربنا عن خلف الوعد إنه كان وعده آتيا لا محالة. والخلاصة- إنكم إن لم تؤمنوا به فقد آمن به أحسن إيمان من هو خير منكم، وفيه تسلية لرسوله ﷺ وازدراء لشأنهم.

стр. 2887

(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) أي ويخرّون للأذقان باكين من خشية الله إذا يتلى عليهم، ويزيدهم ما فيه من العبر والمواعظ خشوعا وخضوعا لأمره وطاعته. وقد جاء فى مدح البكاء من خشية الله أخبار كثيرة فقد روى الترمذي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عبنان لا تمسّنهما النار، عين بكت من خشية الله تعالى، وعين باتت تحرس فى سبيل الله تعالى» . وأخرج مسلم والنسائي عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن فى الضرع، ولا اجتمع على عبد غبار فى سبيل الله ودخان جهنم» . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن عبد الأعلى التميمي أنه قال إن من أوتى من العلم مالم يبكه لخليق أن قد أوتى من العلم مالا ينفعه، لأن الله تعالى نعت أهل العلم فقال (ويخرون للأذقان يبكون) . ثم رد على المشركين المنكرين إطلاق اسم الرحمن عليه فقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) أي قل أيها الرسول لمشركى قومك الذين أنكروا اسم الرحمن سمّوا الله أيها القوم أو سموا الرحمن، فبأى أسمائه ﷻ تسمونه فهو حسن، لأن كل أسمائه حسنى، إذ فيها التعظيم والتقديس لأعظم موجود، وهو خالق السموات والأرض وهذان الاسمان منها. روى مكحول «أن رجلا من المشركين سمع النبي ﷺ وهو يقول فى سجوده: يا رحمن يا رحيم، فقال إنه يزعم أنه يدعو واحدا وهو يدعو اثنين فأنزل الله الآية» . ثم أمر رسوله ﷺ بالتوسط فى القراءة، فلا يجهر بصوته ولا يخافت به فقال: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) أي ولا تجهر بقراءتك

стр. 2888

فيسمع المشركون فيسبّوا القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، بل ابتغ طريقا بين الجهر والمخافتة. أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال: «نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ مختف بمكة (يصلى خفية) فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به» . وروى أن أبا بكر رضى الله عنه كان يخفت فى قراءته ويقول أناجى ربى وقد علم حاجتى، وعمر كان يجهر بها ويقول: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان، فلما نزلت الآية أمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يرفع صوته قليلا، وعمر أن يخفض قليلا. ولما أمر سبحانه رسوله ألا يناديه إلا بأسمائه الحسنى علمه كيفية التحميد بقوله: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ) أي وقل لله ذى الجلال والكمال: لك الحمد والشكر على ما أنعمت على عبادك من واسع النعم. وقد وصف سبحانه نفسه بثلاث صفات: (١) إنه لم يتخذ ولدا، فإن من يتخذ الولد يمسك جميع النعم لولده، ولأن الولد يقوم مقام الوالد بعد انقضاء أجله وفنائه- تنزه ربنا عن ذلك- ومن كان كذلك لم يستطع الإنعام فى كل الحالات، فلا يستحق الحمد على الإطلاق. وفى هذا رد على اليهود الذين قالوا عزيز ابن الله، والنصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، تعالى الله عما يقولونه علوا كبيرا. (٢) إنه ليس له شريك فى الملك، إذ لو كان له ذلك لم يعرف أيهما المستحق للحمد والشكر، ولكان عاجزا ذا حاجة إلى معونة غيره، ولم يكن منفردا بالملك والسلطان.

стр. 2889

(٣) إنه لم يكن له ولىّ من الذل أي لم يوال أحدا من أجل مذلة به يدفعها بموالاته. والخلاصة- إنه ليس له ولد يحبس نعمه عليه، وليس له شريك يقف أعماله فى الملك، ولا ناصر يدفع العدو المذلّ له، وإذا تنزه ربنا عن ذلك فقد أمن الناس نضوب موارده، وأصبحت أبوابه مفتّحة لكل قاصد، فلتغترف أيها العبد من مناهله، ولتعلم أنه لا يحابيك لأجل أهلك ولا نسلك ولا دينك، ولو كنت ابن نبى من الأنبياء أو عظيم من العظماء. (وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) أي وعظّم ربك أيها الرسول بما أمرناك أن تعظمه به من قول أو فعل، وأطعه فيما أمرك به ونهاك عنه. وتكبيره تعالى وتنزيهه يكون: (١) بتكبيره فى ذاته باعتقاد أنه واجب الوجود لذاته، وأنه غنى عن كل موجود. (٢) بتكبيره فى صفاته باعتقاد أنه مستحق لكل صفات الكمال منزه عن صفات النقص. (٣) بتكبيره فى أفعاله، فتعتقد أنه لا يجرى شىء فى ملكه إلا وفق حكمته وإرادته. (٤) بتكبيره فى أحكامه، بأن تعتقد أنه ملك مطاع، له الأمر والنهى، والرفع والخفض، وأنه لا اعتراض لأحد عليه فى شىء من أحكامه، يعزّ من يشاء، ويذل من يشاء. (٥) تكبيره فى أسمائه، فلا يذكر إلا بأسمائه الحسنى، ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة. روى أحمد فى مسنده عن معاذ الجهني أن رسول الله ﷺ كان يقول «آية العز (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) الآية» وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ «أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله فى السراء والضراء» . وأخرج عبد الرزاق عن عبد الكريم بن أبى أمية قال: «كان رسول الله ﷺ يعلم الغلام من بنى هاشم إذا أفصح، الحمد لله إلى آخر الآية سبع مرات» .

стр. 2890

مجمل ما حوته السورة من الأغراض (١) الإسراء من مكة إلى بيت المقدس. (٢) تاريخ بنى إسرائيل فى حالى الارتقاء والانحطاط. (٣) حكم وعظات للأمة الإسلامية يجب أن تراعيها حتى لا تذهب دولها كما ذهبت دولة بنى إسرائيل. (٤) بيان أن كل ما فى السموات والأرض مسبّح لله. (٥) الكلام فى البعث مع إقامة الأدلة على إمكانه. (٦) الرد على المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة من الأوثان والأصنام. (٧) الحكمة فى عدم إنزال الآيات التي التي اقترحوها على محمد ﷺ . (٨) قصص سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس من ذلك. (٩) تعداد بعض نعم الله على عباده. (١٠) طلب المشركين من الرسول ﷺ أن يوافقهم فى بعض معتقداتهم وإلحافهم فى ذلك. (١١) أمر النبي ﷺ بإقامة الصلاة والتهجد فى الليل. (١٢) بيان إعجاز القرآن وأن البشر يستحيل عليهم أن يأتوا بمثله. (١٣) قصص موسى مع فرعون. (١٤) الحكمة فى إنزال القرآن منجما. (١٥) تنزيه الله عن الولد والشريك والناصر والمعين.

стр. 2891

سورة الكهف هى مكية كلها فى المشهور واختاره جمع من العلماء، وآيها مائة وإحدى عشرة. ومناسبتها ما قبلها من وجوه. (١) إن سورة الإسراء افتتحت بالتسبيح، وهذه بالتحميد، وهما مقترنان فى سائر الكلام فى نحو «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» ونحو سبحان الله وبحمده. (٢) تشابه ختام السالفة وافتتاح هذه، فإنّ كلا منهما حمد. (٣) إنه ذكر فى السابقة قوله: «وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» والخطاب فيها لليهود، وذكر هنا قصة موسى نبىّ بنى إسرائيل مع الخضر ﵉ وهى تدل على كثرة معلومات الله التي لا تحصى، فكانت كالدليل على ما تقدم. (٤) إنه جاء فى السورة السابقة: «فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا» ثم فصل ذلك هنا بقوله: «فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا» إلى قوله: «وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً» . [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨)

стр. 2892

تفسير المفردات العوج: (بالكسر والفتح) : الانحراف والميل عن الاستقامة، فلا خلل فى لفظه ولا فى معناه، قيما: أي معتدلا لا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف حتى يشق على العباد، ولا تفريط فيه بإهمال ما تمس الحاجة إليه، والبأس: العذاب الشديد فى الآخرة، من لدنه: أي من عنده، كبرت: (بضم الباء) كلمة: أي ما أعظمها مقالة قيلت، وهذا أسلوب فى الكلام يدل على التعجب والاستغراب مما حدث من قول أو فعل، باخع: أي قاتل (منتحر) قاله ابن عباس وأنشد قول لبيد: لعلك يوما إن فقدت مزارها ... على بعده يوما لنفسك باخع على آثارهم: أي من بعدهم أي من بعد توليهم عن الإيمان وتباعدهم عنه، والحديث: هو القرآن، والأسف: المبالغة فى الحزن والغضب، وصعيدا: أي ترابا، وجرزا: أي لا نبات فيه. الإيضاح (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً) حمد الله نفسه على إنزاله كتابه العزيز إلى رسوله ﷺ ، لأنه أعظم نعمة أنزلها على أهل الأرض، إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، وجعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدى إلى الحق وإلى صراط مستقيم. وخلاصة ذلك- إنه تعالى أنزل الكتاب على عبده محمد صلى الله عليه وسلّم

стр. 2893

مستقيما لا اختلاف فيه ولا تفاوت، بل بعضه يصدّق بعضا، وبعضه يشهد لبعض، ولا اعوجاج فيه، ولا ميل عن الحق. (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) أي ليخوّف الذين كفروا به عذابا شديدا صادرا من عنده أي نكالا فى الدنيا ونار جهنم فى الآخرة. (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً. ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) أي ويبشر المصدقين الله ورسوله الذين يمتثلون أوامره ونواهيه- بأن لهم ثوابا جزيلا منه على إيمانهم به وعملهم الصالح فى الدنيا، وذلك الثواب الجزيل هو الجنة التي وعدها الله المتقين خالدين فيها أبدا لا ينتقلون منها ولا ينقلون. (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) أي وليحذّر من بين هؤلاء الكفار من قالوا هذه المقالة الشنعاء- إن الله اتخذ ولدا، وهؤلاء ثلاث طوائف. (١) المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله. (٢) اليهود القائلون عزيز ابن الله. (٣) النصارى القائلون المسيح ابن الله. وإنما خص هؤلاء مع دخولهم فى الإنذار السابق لفظاعة حالهم، وشناعة كفرهم وضلالهم. (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ) أي ليس لهم باتخاذ الولد برهان، بل هو قول لم يصدر عن علم يؤيده، ولا عقل يظاهره. (وَلا لِآبائِهِمْ) أي وكذلك ليس لآبائهم الذين قالوا مثل هذه المقالة وهم القدوة لهم- به علم. (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) أي عظمت مقالتهم هذه فى الكفر، وليتهم اكتفوا بخطورها بالبال، وترددها فى الصدور، بل تلفظوا بها على مرأى من الناس ومسمع، وكثير مما يوسوس به الشيطان وتحدّث به النفس لا يتلفّظ به، بل يكتفى

стр. 2894

بما يعتقده القلب، فكيف ساغ لهم أن يجرءوا على التلفظ بهذا المنكر الذي لا مستند له من عقل ولا نقل؟. ثم أكد هذا الإنكار وبين أنه كما لا علم لهم ولآبائهم به- لا علم لأحد به، لأنه لا وجود له، وما هو إلا محض اختلاق بقوله: (إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) أي ما يقولون إلا قولا لا حقيقة له بحال. (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) لعل هنا للاستفهام الإنكارى المتضمن معنى النهى- أي لا تبخع نفسك من بعد توليهم عن الإيمان وإعراضهم عنه أسفا وحسرة عليهم. أي إنك قد اشتد وجدك عليهم، وبلغت حالا من الأسى والحسرة صرت فيها أشبه بحال من يحدّث نفسه أن يبخعها أسى وحسرة عليهم، وما كان من حقك أن تفعل ذلك، إن عليك إلا البلاغ، وليس عليك الهداية «ليس عليك هداهم ولكنّ الله يهدى من يشاء» . وقد جاء مثل هذا النهى فى آيات كثيرة كقوله «لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» وقوله «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ» وقوله «وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ» . وخلاصة ذلك- أبلغهم رسالة ربك، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم أسى وحسرة، فإنما أنت منذر، ولست عليهم بمسيطر، إن عليك إلا البلاغ ثم ذكر سبحانه سبب إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ بالبشارة والنذارة، وهو أنه تعالى جعل ما على الأرض زينة لها، ليختبر المحسن والمسيء، ويجازى كلا بما يستحق فقال: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) أي إنا جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات ومعادن زينة لها ولأهلها، لنختبر حالهم فى فهم

стр. 2895

مقاصد تلك الزينة والاستدلال بها على وجود خالقها، والإخبات إليه، والطاعة له، فيما أمر به، والبعد عما نهى عنه، فتقوم عليهم الحجة، فمن اعتبر بتلك الزينة، وفهم حكمتها، حاز المثوبة، ومن اجترأ على مخالفة أمره، ولم يفهم أسرارها ومقاصدها، استحق العقوبة. وخلاصة ذلك- إنا جعلنا ما على الأرض زينة، لنعاملهم معاملة من يختبرون فنجازى المحسنين بالثواب، والمسيئين بالعقاب، ويمتاز أفراد الطبقتين بعضهم عن بعض بحسب امتياز درجات أعمالهم. روى أن النبي ﷺ قال: «إن الدنيا نضرة حلوة، والله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون» ، وقال «إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، قيل وما زهرة الدنيا؟ قال بركات الأرض» ، وروى البخاري أن عمر كان يقول: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنته لنا، اللهم إنى أسألك أن ننفقه فى حقه. (وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً) أي وإن الأرض وما عليها بائد فإن، وإن المرجع إلى الله، فلا تأس ولا تحزن لما تسمع وترى، ونحو الآية قوله «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ» وقوله «فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» . وإجمال المعنى- إن ما على الأرض سيصير ترابا ساذجا بعد ما كان يتعجّب من بهجته النظّارة، وتسرّ برؤيته العيون، فلا تحزن لما عاينت من تكذيب هؤلاء لما أنزل عليك من الكتاب، فإنا جعلنا ما على الأرض من مختلف الأشياء زينة لها، لنختبر أعمال أهلها، فنجازيهم بحسب ما هم له أهل، وإنا لمفنون ذلك بعد حين. وفى هذا تسلية لرسوله ﷺ ، وكأنه قيل: لا تحزن فإنا ننتقم لك منهم.

стр. 2896

ملخص قصة أهل الكهف كما أثر عن العرب روى أن النصارى عظمت فيهم الخطايا، وطغت ملوكهم حتى عبدوا الأصنام، وأكرهوا الناس على عبادتها، وأصدر (الملك دقيانوس) الأوامر المشدّدة فى ذلك، ومعاقبة من يخالفه، وأراد أن يلزم فتية من أشراف قومه عبادتها، وتوعدهم بالقتل، فأبوا إلا الثبات على دينهم، فنزع ثيابهم وحليهم، ولكنه رحم شبابهم فأمهلهم لعلهم يثوبون إلى رشدهم، وهكذا ذهب الملك إلى مدن أخرى ليحثّ أهلها على عبادتها، وإلا قتلوا. أما الفتية فإنهم انطلقوا إلى كهف قريب من مدينتهم (أفسوس أوطرسوس) فى جبل يدعى (نيخايوس) وأخذوا يعبدون الله فيه حتى إذا هجم عليهم دقيانوس وقتلهم ماتوا طائعين، وقد كانوا سبعة، فلما مروا فى الطريق إلى الكهف تبعهم راع ومعه كلبه، فجلسوا هناك يعبدون الله، وكان من بينهم امرؤ يدعى (تمليخا) يبتاع لهم طعامهم وشرابهم، ويبلغهم أخبار دقيانوس الذي لا يزال مجدّا فى طلبهم، حتى إذا عاد من مطافه، ووصل إلى مدينتهم، بحث عن هؤلاء العبّاد والنساك ليذبحهم أو يسجدوا للأصنام، فسمع بذلك تمليخا بينما كان يشترى لهم الطعام خفية فأخبرهم فبكوا، ثم ضرب الله على آذانهم فناموا، وتذكّرهم دقيانوس، فهدّد آباءهم إن لم يحضروهم، فدلّوه عليهم، وقالوا إنهم فى الكهف، فتوجه إليهم وسدّه عليهم ليموتوا هناك وينتهى الأمر على ذلك. وقد كان فى حاشية الملك رجلان يكتمان إيمانهما وهما بيدروس، وروناس، فكتبا قصة هؤلاء الفتية سرا فى لوحين من حجر وجعلاهما فى تابوت من نحاس، وجعلا التابوت فى البنيان ليكون ذلك عظة وذكرى لمن سيجيئ من بعد. ثم مضت قرون يتلو بعضها بعضا، ولم يبق لدقيانوس ذكر ولا أثر. وبعدئذ ملك البلاد ملك صالح يسمى بيدروس دام ملكه ٦٨ سنة، وانقسم

стр. 2897

الناس فى شأن البعث والقيامة فرقتين: فرقة به وأخرى كافرة، فحزن الملك لذلك حزنا شديدا، وضرع إلى الله أن يرى الناس آية يرشدهم بها إلى أن الساعة آتية لا ريب فيها، وقد خطر إذ ذاك ببال راع يسمى (أولياس) أن يهدم باب الكهف ويبنى به حظيرة لغنمه، فلما هدمه استيقظوا جميعا فجلسوا مستبشرين، وقاموا يصلون، ثم قال بعضهم لبعض: كم لبثتم نياما؟ قال بعضهم: لبثنا يوما أو بعض يوم، وقال آخرون ربكم أعلم بما لبثتم، فابعثوا أحدكم بورقكم (الورق الفضة) هذه إلى المدينة، فلينظر أيها أزكى طعاما وليحضر لنا جانبا منه، فذهب تمليخا كما اعتاد من قبل، ليشترى لهم الطعام وهو متلطّف فى السؤال مختف حذرا من دقيانوس. وبينما هو ماش سمع اسم المسيح ينادى به فى كل مكان، فحدّث نفسه وقال: عجبا لم لم يذبح دقيانوس هؤلاء المؤمنين؟ وبقي حائرا دهشا وقال: ربما أكون فى حلم أو لعل هذه ليست مدينتنا، فسأل رجلا ما اسم هذه المدينة، قال (أفسوس) وفى آخر مطافه تقدم إلى رجل فأعطاه ورقا ليشترى به طعامه، فدهش الرجل من نوع هذا النقد الذي لم يره من قبل، وأخذ يقلّبه ويعطيه إلى جبرته، وهم يعجبون منه ويقولون له: أهذا من كنز عثرت عليه، فإن هذه الدراهم من عهد دقيانوس، وقد مضت عليه حقبة طويلة ثم أخذوه وقادوه إلى حاكمى المدينة، فظن فى بادىء الأمر أنهم ساقوه إلى دقيانوس، ولكن لما عرف أنه لم يؤت به إليه زال عنه الكرب، وجفت مدامعه، ثم سأله حاكما المدينة وهما أريوس وطنطيوس: أين الكنز الذي وجدت يافتى؟ وبعد حوار بينه وبينهما ذكر لهما خبر الفتية ودقيانوس وأن حديثهما كان أمس وإن كان لديكما ريب من أمرى فها هو ذا الكهف فاذهبا معى لتريا صدق ما أقول، فسارا معه حتى وصلا إلى باب الكهف، وتقدمهما تمليخا فأخبرهما بالحديث كله، فداخلهما العجب حين علما أنهم ناموا تسعا وثلاثمائة سنة، وأنهم أوقظوا ليكونوا آية للناس.

стр. 2898

ثم دخل أريوس فرأى تابوتا من نحاس مخترما بخاتم. وبداخله لوحان مكتوب عليهما قصة هؤلاء الفتية، وكيف هربوا من دقيانوس حرصا على عقيدتهم ودينهم، فسدّ عليهم بالحجارة. ولما رأى أريوس ومن معه هذا القصص خرّوا لله سجدا وأرسلوا بريدا إلى ملكهم أن عجّل واحضر لترى آية الله فى أمر فتية بعثوا بعد أن ناموا ثلاثمائة سنة. ثم سار الملك ومعه ركب من حاشيته وأهل مدينته حتى أتوا مدينة أفسوس وكان يوما مشهودا، وحين رأى الفتية خر ساجدا لله ثم اعتنقهم وبكى وهم لا يزالون يسبّحون، ثم قال الفتية له: أيها الملك نستودعك الله ونعيذك من شر الإنس والجن ثم رجعوا إلى مضاجعهم وقبضت أرواحهم، فأمر الملك أن يجعل كل منهم فى تابوت من ذهب، وحين جنّ الليل ونام رآهم فى منامه يقولون له: اتركنا كما كنا فى الكهف ننام على التراب حتى يوم البعث، فأمر الملك أن يوضعوا فى تابوت من ساج وألا يدخل عليهم أجد بعد ذلك، وأن يبنى على باب الكهف مسجد يصلى فيه الناس، وجعل لهم ذلك اليوم عيدا عظيما. ذلك هو القصص الذي جعله النصارى دليلا على البعث أما القرآن الكريم فإنه يقول إن آياتي على البعث وإعادة الأرواح بعد الموت ليست مقصورة على هذا القصص وحده، فآياتى عليه لا تعدّ ولا تحصى، فاقرءوا صحائف هذا الوجود ولا تقصروا أمركم على صحائف أهل الكهف والرقيم، واجعلوا أنظاركم تتجه إلى ما حواه الكون لا إلى ما كتب فى القصص والحكايات، وإن كانت فيها الدلائل والآيات. إجمال القرآن لقصص أهل الكهف [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩ الى ١٢] أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢)

стр. 2899

تفسير المفردات أم: حرف يدل على الانتقال من كلام إلى آخر، وهو بمعنى بل وهمزة الاستفهام أي بل أحسبت، والخطاب فى الظاهر للنبى ﵊، والمراد غيره كما سبق نظيره، والكهف: النقب المتسع فى الجبل، فإن لم يكن متسعا فهو غار، والرقيم: لوح حجرى رقمت فيه أسماؤهم كالألواح الحجرية المصرية التي يذكر فيها تاريخ الحوادث وتراجم العظماء، أوى إلى المكان: اتخذه مأوى ومكانا له، والفتية واحدهم فتى وهو الشاب الحدث، وقد كانوا من أبناء أشراف الروم وعظمائهم، لهم أطواق وأسورة من الذهب، وهيىء: أي يسر، والرشد (بفتحتين وضم فسكون) الهداية إلى الطريق الموصل للمطلوب، فضربنا على آذانهم أي ضربنا عليها حجابا يمنع السماع، كما يقال بنى على امرأته، يريدون بنى عليها قبة، والمراد أنمناهم نومة لا تنبههم الأصوات الموقظة. عددا: أي ذوات عدد والمراد التكثير، لأن القليل لا يحتاج إلى العدّ غالبا، بعثناهم: أي أيقظناهم وأثرناهم من نومهم، والحزبين: هما الحزب القائل لبثنا يوما أو بعض يوم، والحزب القائل ربكم أعلم بما لبثتم، وأحصى: أي أضبط لاوقات لبثهم، والأمد: مدة لها حد وغاية. الإيضاح (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً) أي لا تحسب أن قصة أصحاب الكهف والرقيم المذكورة فى الكتب السالفة حين استمروا أحياء أمدا طويلا- عجيبة بالإضافة إلى ما جعلناه على ظهر الأرض من الزينة فليست هى بالعجب وحدها من بين آياتنا بل زينة الأرض وعجائبها أبدع وأعجب من قصة

стр. 2900

أصحاب الكهف فإذا وقف علماء الأديان الأخرى لدى أمثالها دهشين حائرين، فأنا أدعوك وأمتك إلى ما هو أعظم منها وهو النظر فى الكون وعجائبه، من خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، إلى نحو أولئك من الآيات الدالة على قدرة الله، وأنه يفعل ما يشاء لا معقّب لحكمه. أما القصص وغرائبها فلا تكفى للوصول إلى أبواب الخير والسعادة التي يطمح إليها الإنسان، ويجعلها مثله العليا، ليفوز بخيرى الدنيا والآخرة، فابحث عما نقش فى صحائف الأكوان، لا فى صحائف الكهوف والغيران. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله، لأن خلق السموات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم. (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً) أي اذكر أيها الرسول حين أوى أولئك الفتية إلى الكهف هربا بدينهم من أن يفتنهم عباد الأصنام والأوثان، وقالوا إذ ذاك: ربنا يسر لنا بما نبتغى من رضاك وطاعتك رشدا من أمرنا، وسدادا إلى العمل الذي نحب، وارزقنا المغفرة والأمن من الأعداء. (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) أي فضربنا على آذانهم حجابا يمنعهم السماع، وأنمناهم نوما لا ينبههم فيه مختلف الأصوات فى الكهف سنين كثيرة معدودة. (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً) أي ثم أيقظناهم من رقدتهم لنعلم أي الطائفتين المتنازعتين فى مدة لبثهم، أضبط فى الإحصاء والعد لمدة هذا اللبث فى الكهف. وخلاصة ذلك- إنا بعثناهم لنعاملهم معاملة من يختبر حالهم، لنرى أيهم أحصى لما لبعثوا أمدا، فيظهر لهم عجزهم، ويفوّضوا ذلك إلى العليم الخبير، ويتعرّفوا ما صنع الله

стр. 2901

بهم من حفظ أبدانهم، فيزدادوا يقينا بكمال قدرته تعالى وعلمه، ويستبصروا به فى أمر البعث، ويكون ذلك لطفا لمؤمنى زمانهم، وآية بينة لكفارهم. تفصيل ذلك القصص وبسطه [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٣ الى ١٨] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) تفسير المفردات النبأ: الخبر العظيم، وبالحق: أي بالصدق، والربط: الشد، وربطت الدابة: شددتها بالرباط، والمربط: الحبل، وربط الله على قلبه، أي قوّى عزيمته، قاموا:

стр. 2902

أي وقفوا بين يدى ملكهم الجبار دقيانوس، إلها: أي معبود آخرا لا استقلالا ولا اشتراكا، اتخذوا من دونه آلهة: أي نحتوا أصناما وعبدوها، والسلطان: الحجة، والبيّن: الظاهر، والاعتزال والتعزل: تجنب الشيء بالبدن أو بالقلب كما قال: يا بيت عاتكة التي أتعزّل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكّل فأووا إلى الكهف: أي التجئوا إليه، وينشر لكم: أي يبسط لكم، والمرفق: ما يرتفق وينتفع به، وتزاور: تتنحى، وذات اليمين: أي جهة يمين الكهف، وتقرضهم: أي تعدل عنهم، قال الكسائي: يقال: قرضت المكان: إذا عدلت عنه ولم تقربه، فجوة: أي متسع، والأيقاظ، واحدهم يقظ (بضم القاف وكسرها) والرقود: واحدهم راقد، أي نائم، وباسط ذراعيه: أي مادّهما، والوصيد: فناء الكهف، والرعب: الخوف يملأ الصدر. الإيضاح (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) أي نحن ننبئك نبأ هؤلاء الفتية الذين آووا إلى الكهف، نبأ حقا لا محل للريبة فيه. وفى هذا إيماء إلى أن نبأهم كان معروفا لدى العرب على وجه ليس بالصدق، ويدل على ذلك قول أمية بن أبى الصّلت: وليس بها إلا الرقيم مجاورا ... وصيدهمو والقوم فى الكهف هجّد ثم فصّل ذلك بقوله: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً) أي إنهم شباب آمنوا بربهم، وزدناهم هدى بالتثبيت على الإيمان، والتوفيق للعمل الصالح، والانقطاع إلى الله، والزهد فى الدنيا. وقد جرت العادة أن الفتيان أقبل للحق، وأهدى للسبل من الشيوخ الذين

стр. 2903

قد عتوا وانغمسوا فى الأديان الباطلة، ومن ثم كان أكثر الذين استجابوا الله ورسوله ﷺ شبّانا، وبقي الشيوخ على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. ونحو الآية قوله: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» وقوله: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» وقوله: «لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ» . فى أي زمن كان قصص أهل الكهف ؟ رجح ابن كثير أن قصص أهل الكهف كان قبل مجىء النصرانية، لا بعدها كما رواه كثير من المفسرين متّبعين ما أثر عن العرب، والدليل على ذلك أن أحبار اليهود كانوا يحفظون أخبارهم، ويعنون بها، فقد روى عن ابن عباس أن قريشا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ ، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء الفتية، وعن خبر ذى القرنين، وعن الرّوح، وفى هذا أعظم الأدلة على أن ذلك كان محفوظا عند أهل الكتاب، وأنه مقدّم على النصرانية. (وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي وألهمناهم قوة العزيمة، وشددنا قلوبهم بنور الإيمان، حتى عزفت نفوسهم عما كانوا عليه من خفض العيش والرغبة عنه، وقالوا حين قاموا بين يدى الجبار دقيانوس إذ عاتبهم على تركهم عبادة الأصنام- ربنا رب السموات والأرض ورب كل مخلوق. ثم أردفوا تلك المقالة البراءة من إله غيره فقالوا: (لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً) أي لن ندعو من دون رب السموات والأرض إلها، لا على طريق الاستقلال ولا على سبيل الاشتراك، إذ لا رب غيره ولا معبود سواه. وقد أشاروا بالجملة الأولى إلى توحيد الألوهية والخلق، وبالجملة الثانية إلى توحيد الربوبية والعبادة، وعبدة الأصنام يقرون بتوحيد الأولى، ولا يقرون بتوحيد

стр. 2904

الثانية، بدليل قوله. «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» وقوله سبحانه حكاية عنهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» وكانوا يقولون فى تلبيتهم فى الحج: لبيك لا شريك لك: إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ثم عللوا عدم دعوتهم لغيره بقولهم: (لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً) أي إنا إذا دعونا غير الله، لقد أبعدنا عن الحق، وتجاوزنا الصواب. وفى هذا إيماء إلى أنهم دعوا لعبادة الأصنام وليموا على تركها. ثم حكى سبحانه عن أهل الكهف مقالة بعضهم لبعض فقال: (هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) أي إن قومنا هؤلاء وإن كانوا أكبر منا سنّا وأكثر تجربة قد أشركوا مع الله غيره، فهلا أتوا بحجة بينة على صدق ما يقولون، كما أتينا على صدق ما ندّعى بالأدلة الظاهرة، وإنهم لأظلم الظالمين فيما فعلوا، افتروا، ومن ثم قال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً؟) أي لا أظلم ممن افترى على الله الكذب ونسب إليه الشريك، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً) أي وإذ فارقتموهم وخالفتموهم فى عبادتهم غير الله ففارقوهم بأبدانكم والجئوا إلى الكهف، وأخلصوا لله العبادة فى مكان تتمكنون منها بلا رقيب ولا حسيب، وإنكم إن فعلتم ذلك فالله تعالى يبسط لكم الخير من رحمته فى الدارين، ويسهل لكم من أمر الفرار بدينكم، والتوجه إليه فى عبادتكم، ما ترتفقون وتنتفعون به. وقد قالوا ذلك ثقة بفضل الله تعالى ورجاء منه، لتوكلهم عليه وكمال إيمانهم به، أخرج الطبراني وابن المنذر عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا وهو شاب،

стр. 2905

وقرأ: «قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ» «وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ» «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ» . ثم بيّن سبحانه حالهم بعد أن أووا إلى الكهف فقال: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) أي إنك أيها المخاطب لو رأيت الكهف لرأيت الشمس حين طلوعها تميل عنه جهة اليمين، ورأيتها حين الغروب تتركهم وتعدل عنهم جهة الشمال، والحال أنهم فى وسطه ومتسعه، فيصيبهم نسيم الهواء وبرده. وخلاصة ذلك- إنهم طوال نهارهم لا تصيبهم الشمس فى طلوعها ولا فى غروبها، إذ كان باب الكهف فى مقابلة بنات نعش، فهو إلى الجهة الشمالية، والشمس لا تسامت ذلك أبدا، لأنها لا تصل إلى أبعد من خط السرطان، وكل بلاد بعده إلى جهة الشمال تكون الشمس من ورائها لا أمامها فيكون الظل مائلا جهة الشمال طول السنة، كما يعلم ذلك من علم الفلك. وإيضاح ذلك أنه لو كان باب الكهف فى ناحية الشرق لما دخل إليه شىء منها حين الغروب، ولو كان من ناحية الجنوب لما دخل منها شىء حين الطلوع ولا الغروب وما تزاور الفيء لا يمينا ولا شمالا، ولو كان جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولا تزال فيه إلى الغروب. مكان الكهف وللمفسرين فى تعيين مكان الكهف أقوال: فقيل هو قريب من إيلياء (بيت المقدس) ببلاد الشام، وقال ابن إسحاق: عند نينوى ببلاد الموصل، وقيل ببلاد الروم، ولم يقم إلى الآن الدليل على شىء من ذلك، ولو كان لنا فى معرفة ذلك فائدة دينية لأرشدنا الله إليه كما قال ﷺ : «ما تركت شيئا يقرّبكم إلى الجنة، ويباعدكم عن النار، إلا وقد أعلمتكم به» .

стр. 2906

(ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) أي إن هدايتهم إلى التوحيد ومخالفتهم قومهم وآباءهم وعدم الاكتراث بهم وبملكهم مع حداثتهم، وإيواءهم إلى كهف تلك صفته بحيث تزاور الشمس عنهم طالعة، وتقرضهم غاربة، وإخبارك بقصصهم- كل ذلك من آيات الله الكثيرة فى الكون، الدالة على كمال قدرته، وعلى أن التوحيد هو الدين الحق، وعلى أن الله يكرم أهله. ثم بين أن هدايتهم إلى التوحيد كانت بعناية الله ولطفه فقال: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) أي من يوفّقه الله للاهتداء بآياته وحججه إلى الحق كأصحاب الكهف، فهو المهتدى الذي أصاب سبيل الحق، وفاز بالحظ الأوفر فى الدارين. وفى هذا إيماء إلى أن أصحاب الكهف أصابوا الصواب، ووفّقوا لتحقيق ما أنيلوا من نشر الرحمة عليهم وتهيئة المرفق. (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً) أي ومن يضلله الله لسوء استعداده، وصرف اختياره، إلى غير سبل الهدى والرشاد، فلن تجد له أبدا خليلا ولا حليفا يرشده لإصابة سبل الهداية، ويخلّصه من الضلال، لأن التوفيق والخذلان بيد الله، يوفّق من يشاء من عباده، ويخذل من يشاء. وفى هذا تسلية لرسوله وإرشاد له إلى أنه لا ينبغى له أن يحزن على إدبار قومه عنه، وتكذيبهم إياه، فإن الله لو شاء لهداهم وآمنوا. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) أي ولو رأيتهم لظنتهم فى حال يقظة لانفتاح أعينهم وهم نيام، كأنهم ينظرون إلى من أمامهم، ولما للنوم من الحال الخاصة به التي يستبينها الناظر بادىء ذى بداء كاسترخاء المفاصل والأعضاء ولا سيما العينان والوجه. (وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ) ونقلّب هؤلاء الفتية فى رقدتهم مرة للجنب الأيمن، ومرة للجنب الأيسر، كى ينال روح النسيم جميع أبدانهم، ولا يتأثر ما يلى الأرض منها بطول المكث.

стр. 2907

(وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) أي وكلبهم ملق يديه على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين بفناء الكهف كما روى عن ابن عباس، وقيل المراد بالوصيد الباب وأنشدوا: بأرض فضاء لا يسدّ وصيدها ... علىّ ومعروفى بها غير منكر (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً) أي لو شاهدتهم فى رقدتهم التي رقدوها فى الكهف، لأدبرت عنهم هاربا فارا منهم. (وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) أي ولملئت نفسك حين اطلاعك عليهم خوفا وفزعا، لأن الله قد ألبسهم هيبة ووقارا كى لا يصل إليهم واصل، ولا تلمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه فى الحين الذي أراد أن يجعلهم فيه عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج عليهم من عباده، وليعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٩ الى ٢٢] وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢)

стр. 2908

تفسير المفردات بعثناهم: أي أيقظناهم، لبثتم: أي أقمتم، والورق: الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، وأزكى: أجود وأطيب، وليتلطف: أي يتكلف اللطف فى المعاملة، كى لا تقع خصومة تجرّ إلى معرفته، ولا يشعرنّ: أي لا يفعلنّ ما يؤدى إلى شعور أحد من أهل المدينة بكم، إن يظهروا عليكم: أي إن يطّلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم وأصل العثور السقوط للوجه، يقال عثر عثورا وعثارا: إذا سقط لوجهه، ويقال فى المثل «من سلك الجدد أمن العثار» ، ثم استعمل فى الاطلاع على أمر من غير طلب له، والساعة: يوم القيامة حين يبعث الله الخلائق جميعا للحساب والجزاء، والتنازع: التخاصم، والذين غلبوا على أمرهم: هم رؤساء البلد، لأنهم هم الذين لهم الرأى فى مثل هذا، والمسجد: معبد المؤمنين من تلك الأمة وكانوا نصارى على المشهور، والرجم: القول بالظن ويقال لكل ما يخرص: رجم فيه وحديث مرجوم ومرجّم كما قال: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم والغيب: ما غاب عن الإنسان فالمراد أن يرمى الإنسان ما غاب عنه ولا يعرفه بالحقيقة، كما يقال فلان يرمى بالكلام رميا: أي يتكلم من غير تدبر، والمراد هنا القول بالظن والتخمين، والمراء: المحاجة فيما فيه مرية وتردد، والمراد الظاهر: ما لا تعمّق فيه بألا يكذّبهم فى تعيين العدد، بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه، فيجب عدم الجزم به ولا تستفت: أي لا تطلب الفتيا منهم.

стр. 2909

الإيضاح (وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ) أي كما أرقدنا هؤلاء الفتية فى الكهف، وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيام بقدرتنا- بعثناهم من رقدتهم، وأيقظناهم من نومهم، لنعرّفهم عظيم سلطاننا، وعجيب فعلنا فى خلقنا. وليزدادوا بصيرة فى أمرهم الذي هم عليه، من براءتهم من عبادة الآلهة، وإخلاصهم العبادة لله الواحد القهار، إذا تبينوا طول الزمان عليهم وهم بهيئتهم حين رقدوا. (لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ؟) أي ولتكون عاقبة أمرهم أن يسأل بعضهم بعضا، فيقول قائل منهم لأصحابه: كم لبثتم؟ ذاك أنهم استنكروا من أنفسهم طول رقدتهم. (قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) أي فأجابه الآخرون، فقالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ظنا منهم أن ذلك كذلك كان. وإيضاح هذا أنهم لم يتحققوا مقدار لبثهم، فهم لا يدرون مقدار ذلك اللّبث، أيوم هو أو بعض يوم، لأن لوثة النوم وظواهره لم تذهب من بصرهم وبصيرتهم، فلم ينظروا إلى الأمارات التي تدل على ذلك المقدار الذي يظنّ، أنه قد كان. وأكثر المفسرين على أن دخولهم فى الكهف كان أول النهار واستيقاظهم كان آخر النهار. (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) أي وقال آخرون: ربكم أعلم بما لبثتم أي أنتم لا تعلمون مدة لبثكم، بل الله هو الذي يعلمها، وهذا من الأدب البارع فى الرد على الأولين بأحسن أسلوب وأجمل تعبير. وحين علموا أن الأمر ملتبس عليهم عدلوا إلى الأهم فى أمرهم وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب فقالوا: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) أي فابعثوا بدراهمكم هذه إلى المدينة وهى طرسوس كما جزم بذلك فخر الدين الرازي.

стр. 2910

وفى قولهم (هذه) إشارة إلى أن القائل كان قد أحضرها ليناولها بعض أصحابه، وإلى أن التأهب لأسباب المعاش بحمل الدراهم ونحوها لمن خرج من منزله، لا ينافى التوكل على الله كما جاء فى الحديث «اعقلها وتوكل» . (فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) أي فليبصر أىّ الأطعمة أجود وألذّ فليأتكم بمقدار منه. (وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) أي وليترفق فى دخول المدينة، وفى شرائه، وفى إيابه منها، ولا يخبرنّ بمكانكم أحدا من أهلها. ثم ذكروا تعليل الأمر والنهى السالفين بقولهم: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) أي إن الكفار إن علموا بمكانكم ولم تفعلوا ما يريدون منكم، بل ثبتم على إيمانكم، إما أن يقتلوكم رميا بالحجارة، وكان ذلك هو المتبع فى الأزمنة الغابرة فيمن يعلن خلاف ما عليه الجماهير فى الأمور الدينية والسياسية التي لها شأن فى الدولة، وإما أن يعيدوكم إلى ملة آبائكم التي هم مستمسكون بها. (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) أي وإن دخلتم فى ملتهم ولو بالإكراه والقسر لن تفوزوا بخير لا فى دنياكم ولا فى آخرتكم، إذ ربما استدرجكم الشيطان إلى أن تستحسنوا ما ستعتنقونه من ذلك الدين الجديد، وتستمرئوه فتستمروا عليه فيكون قد كتب عليكم الشقاء عند ربكم، والخذلان الذي لا خذلان بعده. (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) أي وكما بعثناهم بعد طول رقدتهم كهيئتهم حين رقدوا، ليتساءلوا بينهم فيزدادوا بصيرة بعظيم سلطانه تعالى، ومعرفة حسن دفاع الله عن أوليائه- أعثرنا الفريق الآخر الذين كانوا فى شك من قدرة الله على إحياء الموتى، وفى مرية من إنشاء أجسام خلقه كهيئتهم يوم قبضهم بعد البلى، ليعلموا أن وعد الله حق، ويوقنوا أن الساعة آتيا لا ريب فيها، إذ لا حجة لمن أنكرها إلا الاستبعاد، ولكن وقوع ذلك الأمر العظيم
следующие страницы →