← Тафсир

Тафсир · id 23608

تفسير المراغي

المراغي، أحمد بن مصطفى

Полный текст (5 571 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

فى قلوبكم بعد، إذ لم يوافق القلب ما جرى به اللسان، ولم يكن لشرائع الدين ولا آدابه أثر فى أعمالكم، فلم تتغذّ بها أرواحكم، ولم تصطبغ بهديها نفوسكم. قال الزجاج: الإسلام إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي ﷺ وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك هو الإيمان وصاحبه المؤمن اه. (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً) أي وإن تطيعوا الله ورسوله وتخلصوا له فى العمل وتتركوا النفاق لا ينقص سبحانه من أجوركم شيئا، بل يضاعف ذلك أضعافا كثيرة. ولما كان الإنسان كثير الهفوات مهما اجتهد- ذكر أنه غفور لزلاته فقال: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي إنه ستار للهفوات، غفار لزلات من تاب وأناب وأخلص لربه، رحيم به أن يعذبه بعد التوبة، بل يزيد فى إكرامه، ويصفح عن آثامه. ثم بين سبحانه حقيقة الإيمان بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أي إنما المؤمنون حق الإيمان الذين صدقوا الله ورسوله، ثم لم يشكوا ولم يتزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم فى طاعة الله ورضوانه- أولئك هم الصادقون فى قولهم: آمنا، لا كبعض الأعراب الذين ليس لهم من الإيمان إلا الكلمة الظاهرة، وقد دخلوا الملة خوفا من السيف، ليحقنوا دماءهم ويحفظوا أموالهم. ثم أكد ما سبق من قوله: لم تؤمنوا بقوله: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ؟) أي قل لهم: أتخبرون الله بما فى ضمائركم، وما تنطوى عليه جوانحكم من صادق الإيمان بقولكم: آمنا حقا.

стр. 4692

(وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فلا يخفى عليه مثقال ذرة فيهما. وفى هذا تجهيل وتوبيخ لهم لا يخفى أمره (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فاحذروا أن تقولوا خلاف ما يعلم من ضمائر صدوركم فتنالكم عقوبته، إذ لا يخفى عليه شىء. (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) أي يعدّون إسلامهم ومتابعتهم لك ونصرتهم إياك منّة يطلبون منك أجرها، فقد قالوا جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان. ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بما يقوله لهم عند المنّ عليه بما يدّعونه من الإسلام فقال: (قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ) أي لا تعدوا إسلامكم الذي سميتموه إيمانا منة علىّ، فإن الإسلام هو المنة التي لا يطلب موليها ثوابا لمن أنعم بها عليه، ومن ثم قال: (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أي بل الله هو الذي يمن عليكم، إذ أمدكم بتوفيقه وهدايته للإيمان إن كنتم صادقين فى إيمانكم. وفى هذا إيماء إلى أنهم كاذبون فى ادعائهم الإيمان. روى أن النبي ﷺ قال للأنصار يوم حنين «يا معشر الأنصار، ألم آتكم ضلّالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل» . والخلاصة- إن الله تعالى سمى ما كان منهم إسلاما وخضوعا لا إيمانا إظهارا لكذبهم فى قولهم آمنا، ثم لما منّوا على رسول الله بما كان منهم قال سبحانه لرسوله: أيعتدّون عليك بما ليس جديرا أن يعتد به من إسلامهم الذي سموه إيمانا وليس بذاك؟ بل الله هو الذي يعتد عليهم إيمانهم إن صدقوا، فهو قد أمدّهم بهديه وتوفيقه. ثم أعاد الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات فقال:

стр. 4693

(إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) أي إن الله يعلم ما غاب فيهما، وهو بصير بسركم وعلانيتكم، لا يخفى عليه ما فى ضمائركم. وفى ذلك رمز إلى أنهم كاذبون فى إيمانهم، وإعلان للنبى ﷺ وأتباعه من المؤمنين بما فى أنفسهم. خلاصة ما تضمنته السورة الكريمة مباحث هذه السورة قسمان: قسم بين النبي ﷺ وأمته، وقسم يخص أمته وهو إما ترك للرذائل وإما تحلية بالفضائل. والقسم الأول هو: (١) ألا يقضى المؤمنون فى أمر قبل أن يقضى الله ورسوله فيه. (٢) الهيبة والإجلال لرسول الله ﷺ ، وألا تتجاوز أصواتهم صوته. (٣) ألا يخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضهم بعضا، بل يخاطبونه بالنبي والرسول. (٤) إن الذين يخفضون أصواتهم عند رسول الله أولئك هم المتقون. (٥) إن من نادوه من وراء الحجرات كعيينة بن حصن ومن معه أكثرهم لا يعقلون. (٦) ذمّ المنّ على الله ورسوله ﷺ بالإيمان. والقسم الثاني هو: (١) ألا نسمع كلام الفاسق حتى نتثبّت منه وتظهر الحقيقة. (٢) إذا بغت إحدى طائفتين من المؤمنين على أخرى وجب قتال الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. (٣) حبب الله الصلح بين المؤمنين. (٤) النهى عن السخرية واللمز والتنابز. (٥) النهى عن سوء الظن بالمسلم وعن تتبع العورات المستورة وعن الغيبة والنميمة. (٦) الناس جميعا سواسية مخلوقون من ذكر وأنثى، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.

стр. 4694

سورة ق هى مكية إلا آية ٣٨ فمدنية، وآيها خمس وأربعون، نزلت بعد المرسلات. ومناسبتها لما قبلها- أنه أشار فى آخر السورة السابقة إلى أن إيمان أولئك الأعراب لم يكن إيمانا حقا، وذلك يقتضى إنكار النبوة وإنكار البعث، وافتتح هذه السورة بما يتعلق بذلك. حدّث مسلم وغيره عن جابر بن سمرة أنه ﵊ كان يقرأ هذه السورة فى الركعة الأولى من صلاة الفجر. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبى واقد الليثي «أنه ﷺ كان يقرأ فى العيد بقاف واقتربت» . وأخرج أبو داود والبيهقي وابن ماجه عن أم هشام ابنة حارثة قالت «ما أخذت (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إلا من فى رسول الله ﷺ كان يقرأ بها فى كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس» . وكل ذلك دليل على أنه كان يقرأ بها فى المجامع الكبيرة كالعيدين والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور والمعاد والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب. [سورة ق (٥٠) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)

стр. 4695

تفسير المفردات المجيد من المجد، وهو كما قال الراغب: السعة فى الكرم من قولهم: مجدت الإبل إذا وقعت فى مرعى كثير واسع، وصف به القرآن لكثرة ما تضمنه من المكارم الدنيوية والأخروية، رجع بعيد: أي بعث بعد الموت بعيد عن الأوهام، ما تنقص الأرض: أي ما تأكل من لحوم موتاهم وعظامهم، حفيظ: أي حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، بالحق: أي بالنبوة الثابتة بالمعجزات، مريج: أي مضطرب من قولهم: مرج الخاتم فى إصبعه إذا قلق من الهزال. الإيضاح (ق) تقدم أن قلنا غير مرة إن الحروف المفردة. التي جاءت فى أوائل السور حروف لتنبيه السامع إلى ما يرد بعدها، وأكثر ما جاء ذلك إذا ورد بعدها وصف القرآن كما هنا. (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) أقسم الله سبحانه بكتابه الكثير الخير والبركة- إنك أيها الرسول جئتهم منذرا بالبعث، يدل على ذلك قوله تعالى «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- إلى أن قال- لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ» . (بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ) أي إنك جئتهم منذرا بالبعث، فلم يقبلوا ولم يكتفوا بالشك فى أمرك وردّ رسالتك، بل جزموا بنفيها، وجعلوها من عجائب الأمور التي تستحق الدهشة، وكثير التأمل والاعتبار. ثم فسر تعجبهم وفصّل محل التعجب وهو إنذاره بالقرآن فقال: (فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ) أي فقال المكذبون بالله ورسوله من قريش إذ جاءهم منذر منهم: هذا شىء عجيب، أي إن مجىء رجل منا برسالة من الله إلينا

стр. 4696

أمر عجيب، هلا أنزل إلينا ملكا فيكون لنا نذيرا، كما حكى عنهم من قولهم: «أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ» وقوله حكاية عنهم «قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا» . وبعد أن أظهروا التعجب من رسالته أظهروا استبعاد ما جاء به فقالوا: (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) أي أحين نموت ونصير ترابا نرجع كما يقول النذير؟ إن ذلك الرجوع بعد الموت لبعيد عن الأوهام، لا يصدّقه العقل وتحيله العادة. ثم أشار إلى دليل جواز البعث وقدرته تعالى عليه فقال: (قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) أي قد علمنا ما تأكل الأرض من لحوم موتاهم وعظامهم، ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، وأين ذهبت، وإلى أين صارت؟ فلا يصعب علينا البعث ولا يستبعد. ثم أكد علمه بجميع الأشياء فقال: (وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ) أي وعندنا كتاب حافظ لتفاصيل الأشياء كلها، وهذا تمثيل لحال علمه تعالى للكائنات جميعا علما كاملا بعلم من عنده كتاب حفيظ يتلقى منه كل شىء، فيضبط ما يعلم أتم الضبط ويحصيه أكمل الإحصاء. ثم حكى عنهم ما هو أفظع من تعجبهم وهو تكذيبهم بالنبوة الثابتة بالمعجزات من أول وهلة بلا تدبر ولا تفكر فقال: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ) أي بل كذبوا، بالنبوة التي قامت الأدلة على صدقها وأيدتها المعجزات الباهرة، وهم إذا كذبوا بها فقد كذبوا بما أنبأ به الرسول من البعث وغيره، ولا شك أن هذا الإنكار أعظم جرما وأشد بلية من الإنكار بما جاء به الرسول، إذ به أنكروا الصلة الروحية بين الله ومن يصطفيه من خلقه من ذوى النفوس الصافية، وأرباب الأرواح العالية. (فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ) أي فهم فى قلق واضطراب، فتارة ينفون الرسالة عن البشر،

стр. 4697

وأخرى يزعمون أنها لا تليق إلا بأهل الجاه والرياسة كما ينبئ بهذا قولهم: «لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» وثالثة يقولون: إنها سحر أو كهانة، إذ قالوا للنبى ﷺ : ساحر أو كاهن إلى نحو ذلك من أقاويلهم التي تدل على اضطراب فى الأمر، وقلق فى الفكر، فهم لا يدرون ماذا يفعلون حين جاءهم النذير الذي أقضّ مضاجعهم، وجعلهم حيارى دهشين، إلام هم صائرون؟ وإلى أي منقلب ينقلبون؟ [سورة ق (٥٠) : الآيات ٦ الى ١١] أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) تفسير المفردات بنيناها: أي أحكمنا بناءها، فجعلناها بغير عمد، وزيناها: أي بالكواكب، فروج: أي شقوق، مددناها: أي بسطناها، رواسى: أي جبالا ثوابت تمنعها من الميد والاضطراب، زوج: أي صنف، بهيج: أي ذى بهجة وحسن، تبصرة وذكرى: أي تبصيرا وتذكيرا، منيب: من أناب إذا رجع وخضع، حب الحصيد: أي حب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبرّ والشعير، باسقات: أي طويلات، والطلع ما ينمو

стр. 4698

ويصير بلحا ثم رطبا ثم تمرا، ونضيد: أي منضود بعضه فوق بعض، الخروج: أي من القبور. المعنى الجملي بعد أن ذكر أنهم استبعدوا البعث فقالوا رجع بعيد- أردف ذلك الدليل الذي يدحض كلامهم، فإن من خلق السماء وزينها بالكواكب، وبسط الأرض وجعل فيها رواسى وأنبت فيها صنوف النبات، وجعل ذلك تذكرة وتبصرة لأولى الألباب، ونزل من السماء ماء فأنبت به ناضر الجنان، والزرع المختلف الأصناف والألوان، والنخل الباسق ذا الطلع المتراكم بعضه فوق بعض رزقا لعباده، وأحيا به الأرض الموات- أفلا يستطيع من هذا شأنه أن يخرج الناس من قبورهم بعد بلاهم، وبعد أن يصيروا عظاما ورفاتا، وينشئهم خلقا آخر فى حياة أخرى وعالم غير هذا العالم؟ الإيضاح (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ) أي أفلم ينظر هؤلاء المكذبون بالبعث بعد الموت، المنكرون قدرتنا على إحيائهم بعد البلى- إلى السماء فوقهم كيف رفعناها بلا عمد، وزيناها بالكواكب ومالها من فتوق، فهى ملساء متلاصقة الطباق، وهذا هو الرأى الحديث فى عالم السموات، إذ يقولون: إن هناك عالما لطيفا أرق من الهواء وألطف من كل ما نراه وهو مبدأ كل شىء وأول كل شىء وهو العالم المسمى بالأثير، وهذا العالم وإن لم يره الناس فقد عرفوه من وصول أضواء الكواكب إلينا، فإن من الكواكب ما لا يصل ضوءه إلينا إلا فيما يزيد على ألف ألف سنة، ونور الشمس (التي تبعد عنا مقدار سير القطار إليها لو أمكن فى نحو خمس ستين وثلاثمائة سنة) يصل إلينا فى مدة ثمان دقاق وثمانى عشرة ثانية.

стр. 4699

فانظر كيف يكون بعد تلك الكواكب التي تحتاج بسير النور إلى مليون سنة ونصف مليون ألا يدل هذا على أن ذلك الضوء محمول على شىء موجود وهو الأثير فلو أن طبقة من الطبقات لم يكن فيها الأثير لا نقطع سير النور إلى الأرض ولم نره. وهذا ما يشير إليه الكتاب بقوله «وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ» فلو كان هناك فروج تتخلل السموات لا نقطع سير النور إلينا. وآراء الجهلة فى كل أمة أن كل سماء منفصلة عن الأخرى وبينهما فضاء كما يظن لأول وهلة فيما بيننا وبين السماء، فجاء الكتاب الكريم وعكس هذه القضية وقال لا فروج فى السماء أي لا خلاء فى العالم. (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) أي والأرض بسطناها وألقينا فيها جبالا ثوابت لئلا تميد وتضطرب، وأنبتنا فيها من كل صنف من صنوف النبات ما حسن منظره، وراق مخبره. (تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) أي فعلنا ذلك لتبصرة العبد المنيب وادكاره فإن رفعنا السماء، أو زيناها بالكواكب فلاستبصاره، وإن بسطنا الأرض أو أرسيناها بالجبال أو أنبتنا النبات زينة للأرض فلاعتباره. ثم شرع يبين كيفية ما ذكر من إنبات كل زوج بهيج فقال: (وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ) أي ونزلنا من السماء ماء كثير المنافع، إذ أنبتنا به جنات غناء، وحدائق فيحاء، وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالشعير والقمح وغيرهما. (وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ. رِزْقاً لِلْعِبادِ) أي وأنبتنا به النخل الطوال التي لها طلع منضود متراكم بعضه فوق بعض، لأقوات العباد وأرزاقهم. عن قطبة قال: «سمعت النبي ﷺ يقرأ فى الصبح ق فلما أتى على هذه الآية- والنّخل باسقات- فجعلت أقول ما بسوقها؟ قال طولها» أخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه.

стр. 4700

ولم يقيد هنا العباد بالإنابة كما قيد به فى قوله: «تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ» لأن التذكرة لا تكون إلا لمنيب، والرزق يعم كل أحد، غير أن المنيب يأكل ذاكرا وشاكرا للإنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام، ومن ثم لم يخصص الرزق بقيد. (وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً) أي وأحيينا بذلك الماء الأرض المجدبة التي لا نبات فيها فتربو وتنبت من كل زوج بهيج. ثم جعل ما سلف كالدليل على البعث لأنه شبيه به فقال: (كَذلِكَ الْخُرُوجُ) أي ومثل هذه الحياة البديعة حياتكم بالبعث من القبور. وفى التعبير عن إخراج النبات من الأرض بالإحياء، وعن إحياء الموتى بالخروج تفخيم لشأن الإنبات وتهوين لأمر البعث: وتحقيق للمماثلة بين إخراج النبات وإحياء الموتى لتوضيح منهاج القياس، وتقريبه لأفهام الناس. [سورة ق (٥٠) : الآيات ١٢ الى ١٥] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥) تفسير المفردات الرس: البئر التي لم تطو أي لم تبن، وأصحابه هم من بعث إليهم شعيب ﵊، والأيكة: الغيضة الملتفة الشجر، تبّع: هو تبع الحميرى، والعي

стр. 4701

عن الأمر. العجز عنه: قال الكسائي تقول أعييت من التعب، وعييت من العجز عن الأمر وانقطاع الحيلة، ولبس: أي شك شديد وحيرة واختلاط. المعنى الجملي بعد أن ذكر تكذيب المشركين للرسول ﷺ أردف ذلك ذكر المكذبين للرسل من قبله وبيان ما آل إليه أمرهم، تسلية لرسوله ﷺ وعبرة لهم، وتنبيها إلى أن حاله معهم كحال من تقدمه من الرسل كذّبوا فصبروا فأهلك الله مكذبيهم ونصرهم وأعلى كلمتهم كما قال: «وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» وقال: «وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ» . ثم ذكر الدليل على البعث الذي أنكرته الأمم التي كذبت رسلها بأن من خلق العالم بادىء ذى بدء فهو على إعادته أقدر. الإيضاح (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ. وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ. وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ، كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ) هدد سبحانه كفار قريش بما أحله بأشباههم ونظرائهم من المكذبين قبلهم من النقم والعذاب الأليم فى الدنيا والآخرة، فقد أغرق قوم نوح بالطوفان، وأهلك جميع من ذكروا بعدهم من الأمم التي كذبت رسلها بضروب شتى من العذاب، وحق عليهم وعيده، ونصر رسله، وأعلى كلمتهم وكانت العاقبة لهم كما قال (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) وقد تقدمت هذه القصص فى مواضع متفرقة من الكتاب الكريم. ثم ذكر ما يؤكد صحة البعث فقال: (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ؟ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي أفأعجزنا ابتداء

стр. 4702

الخلق حتى يشكّوا فى الإعادة؟ أي إن ابتداء الخلق لم يعجزنا والإعادة أسهل من الابتداء، فلا حق لهم فى تطرق الشبهة إليهم والشك فيه، كما قال: «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ» وقال: «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» وجاء فى الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: يؤذينى ابن آدم يقول لن يعيدنى كما بدأنى، وليس أول الخلق بأهون علىّ من إعادته» . [سورة ق (٥٠) : الآيات ١٦ الى ٢٢] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) تفسير المفردات الوسوسة: الصوت الخفىّ ومنه وسواس الحلي والمراد بها هنا حديث النفس وما يخطر بالبال من شتى الشئون، وحبل الوريد: عرق كبير فى العنق، وللانسان وريدان مكتنفان بصفحتى العنق فى مقدمهما متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه، وقعيد: بمعنى مقاعد كالجليس بمعنى المجالس، والرقيب: ملك يرقب قوله ويكتبه، فإن كان خيرا فهو صاحب اليمين، وإن كان شرا فهو صاحب الشمال، عتيد: أي مهيأ لكتابة ما يؤمر به من الخير والشر، سكرة الموت: شدته، بالحق: أي بحقيقة الحال، تحيد:

стр. 4703

أي تميل وتعدل، يوم الوعيد: أي يوم إنجاز الوعيد، السائق والشهيد: ملكان أحدهما يسوق النفس إلى أمر الله، والآخر: يشهد عليها بعملها، والغطاء: الحجاب المغطى لأمور المعاد، وهو الغفلة والانهماك فى اللذات وقصر النظر عليها، حديد: أي نافذ، لزوال المانع للابصار. المعنى الجملي بعد أن استدل على إمكان البعث بقوله: أفعيينا بالخلق الأوّل- أردف ذلك دليلا آخر على إمكانه وهو علمه بما فى صدورهم وعدم خفاء شىء من أمرهم عليه، فإن من كان كذلك لا يبعد أن يعيدهم كرة أخرى، ثم أخبر بأنهم سيعلمون بعد الموت أن ما جاء به الدين حق لا شك فيه، وأنه يوم القيامة تأتى كل نفس ومعها ملكان أحدهما سائق لها إلى المحشر والثاني شهيد عليها، وأن الخزنة سيقولون لأهل النار: لقد كنتم فى غفلة عن حلول هذا اليوم الذي توفّى فيه كل نفس جزاء ما عملت، والآن أزلنا عنكم هذه الغفلة فأبصرتم عاقبة أمركم. الإيضاح (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) أي إنه تعالى قادر على بعث الإنسان، لأنه خالقه وعالم بجميع أموره حتى إنه ليعلم ما توسوس به نفسه من الخير والشر ولا عقاب على حديث النفس، وقد ثبت فى الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تجاوز لأمتى ما حدّثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل» . (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) أي ونحن أعلم به وبخفيات أحواله لا يخفى علينا شىء من أمره، من علمكم بحبل الوريد، لأن العرق تحجبه أجزاء من اللحم، وعلم الله لا يحجب عنه شىء.

стр. 4704

أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد عن النبي ﷺ قال «نزل الله من ابن آدم أربع منازل، هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو يحول بين المرء وقلبه، وهو آخذ بناصية كل دابة، وهو معهم أينما كانوا» . قال القشيري: فى هذه الآية- هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وأنس وسكون قلب لقوم. ثم ذكر سبحانه أنه مع علمه به وكل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله إلزاما للحجة فقال: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ) أي نحن أعلم بحاله من كل قريب حين يتلقن الحفيظان ما يتلفظ به، مع أننا أغنياء عن استحفاظ الملكين لشدة قربنا منه. (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ) أي عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد أي مقاعد ومجالس له يترصد ما يقول ويعمل، فالذى عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. قال الحسن وقتادة: المتلقيان ملكان يتلقيان عملك: أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. ثم ذكر عملهما واستعدادهما لأدائه فقال: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) أي لا يلفظ بكلمة من فيه إلا لديه ملك حاضر معه مراقب لأعماله، يكتب ما فيه ثوابه أو عقابه. قال الحسن البصري وتلا هذه الآية: «عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ» يا بن آدم بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طويت صحيفتك وجعلت فى عنقك

стр. 4705

معك فى قبرك حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول الله تعالى: «وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً. اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» ثم قال: عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. وروى أبو أسامة أن رسول الله ﷺ قال: «كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبّح أو يستغفر» . والحكمة فى هذا أن الله لم يخلق الناس لتعذيبهم، بل خلقهم لتربيتهم وتهذيبهم، فكل ألم فهو لرقىّ النفس. والعالم المادي من طبعه أن يكون نفعه أكثر من ضره، والله تعالى خلقنا لغاية شريفة لنا، والحسنات هى الأصل والسيئات عارضة كما أن المنافع فى الطبيعة هى الأصل والمضارّ عارضة، فالنار خلقت لنفعه، والماء لنفعه، والهواء لنفعه فإذا أحرق ثوب الناسك، أو أغرق رب صبية لا عائل لهم، فهذا عارض، والأصل فى ذلك المنافع، وهكذا خلق نوع الإنسان للخير، والشر عارض، ولفعل الحسنات، والسيئات عارضة. وبعد أن ذكر استبعادهم البعث للجزاء، وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه، أعلمهم بأنهم يلاقون صدق ذلك حين الموت وحين قيام الساعة فقال: (وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) أي وكشفت لك سكرة الموت عن اليقين الذي كنت تمترى فيه، وأن البعث لا شك فيه. (ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) أي ذلك الحق الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص. ولما ثقل أبوبكر جاءت عائشة رضى الله عنها فتمثلت بقول حاتم: لعمرك ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

стр. 4706

فكشف رضى الله عنه عن وجهه وقال: ليس كذلك، ولكن قولى: «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ» . وفى الصحيح «أن النبي ﷺ لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: سبحان الله، إن للموت لسكرات» . (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ) أي ونفخ فى الصور نفخة البعث، وذلك الزمان العظيم الأهوال هو اليوم الذي أوعد الله الكفار أن يعذبهم فيه. وفى الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له؟ قالوا يا رسول الله ماذا نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل» . (وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ) أي وجاءت فى هذا اليوم كل نفس ربها ومعها سائق يسوقها إليه، وشهيد يشهد عليها بما عملت فى الدنيا من خير أو شر. (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي لقد كنت أيها الإنسان فى غفلة عن هذا الذي عاينت من الأهوال والشدائد، فجلّينا ذلك لك، وأظهرناه لعينيك حتى رأيته وعاينته، فزالت عنك هذه الغفلة. وقد جعل سبحانه الغفلة غطاء غطّى به الجسد كله، أو غشاوة غشّى بها عينيه فلا يبصر شيئا، فإذا كان يوم القيامة تيقظ وزالت عنه الغفلة وغطاؤها، فأبصر ما لم يكن يبصره من الحق. [سورة ق (٥٠) : الآيات ٢٣ الى ٣٠] وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)

стр. 4707

تفسير المفردات القرين: هو الملك الموكّل بالمرء، عتيد: أي معدّ محضر، عنيد: أي مبالغ فى العناد وترك الانقياد للحق، مناع للخير: أي كثير المنع للمال فى الحقوق المفروضة عليه، معتد: أي متجاوز للحق ظالم، مريب: أي شاكّ فى الله وفى دينه، القرين هنا: الشيطان المقيّض له، بعيد: أي من الحق، لا تختصموا لدىّ: أي لا يجادل بعضكم بعضا عندى، بالوعيد: أي على الطغيان فى دار الدنيا فى كتبى وعلى ألسنة رسلى، ما يبدل القول لدى: أي لا يقع فيه الخلف والتغيير فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي، مزيد: زيادة. الإيضاح (وَقالَ قَرِينُهُ: هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ) أي وقال الملك الموكل به: هذا الذي وكلتني به من بنى آدم قد أحضرته وأحضرت ديوان أعماله. (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ. الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ) أي قال تعالى للسائق والشهيد: ألقيا فى جهنم كل من كفر بالله، أو أشرك به معبودا سواه من خلقه أو كذب الحق وعارضه بالباطل، ومنع الحقوق المفروضة عليه، واعتدى الناس بلسانه بالبذاء والفحش، وبيده بالسطوة والبطش ظلما.

стр. 4708

ثم كرر ما سلف توكيدا فقال: (فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ) أي فألقياه فى النار ذات العذاب الشديد. (قالَ قَرِينُهُ: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي قال الكافر معتذرا: رب إن قرينى من الشياطين أطغانى، فقال الشيطان المقيّض له: ربنا ما أطغيته، ولكن كان طبعه وديدنه الضلال والبعد عن الحق، فسار على النهج الذي يشاكل أخلاقه. وخلاصة ذلك- إنه فى ضلال بعيد المدى لا يرجع عنه إلى الحق. ونحو الآية قوله: «وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي» . (قالَ: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ، وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) أي قال عز اسمه للإنسى وقرينه من الجن حين اختصما- فقال الإنسى: رب إن هذا أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءنى، وقال الشيطان: ربنا ما أطغيته ولكن كان فى ضلال بعيد عن منهج الحق- لا تختصموا عندى، فقد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج. والخلاصة- إنهم اعتذروا بغير ما يصلح أن يكون عذرا، فأبطل الله حجتهم وردّ عليهم بقوله: (ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) أي لا يغيّر قضائى الذي قضيته، ووعيدي الذي أوعدته بتخليد الكفار فى النار ومجازاة العصاة على قدر ما يستحقون. (وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فلا أعذب أحدا بغير جرم اجترمه، ولا ذنب جناه ولا أعذب أحدا مكان أحد. ثم ذكر مكان حلول الوعيد فقال: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ؟ وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟) أي وأنذر قومك يوم نقول لجهنم: هل امتلأت بما ألقى إليك فوجا بعد فوج؟ فتقول: لا مزيد بعد ذلك.

стр. 4709

وفى هذا بيان لأنها مع اتساعها وتباعد أقطارها، يطرح فيها من الجنّة والناس جماعات بعد جماعات حتى تمتلىء ولا تقبل الزيادة. وهذا السؤال والجواب جىء بهما للتمثيل وتصوير المعنى بإبرازه فى لباس المحسوس ليتضح أمره. روى عن ابن عباس أنه قال: سبقت كلمته: لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين، فلما سيق أعداء الله إليها صارت لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملؤها شىء فتقول ألست قد أقسمت لتملأنّى؟ فيضع قدمه عليها فيقول: هل امتلأت؟ فتقول: قطّ قطّ (كفى كفى) قد امتلأت لا مزيد. [سورة ق (٥٠) : الآيات ٣١ الى ٣٥] وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) تفسير المفردات أزلفت: أي أدنيت وقرّبت، غير بعيد: أي فى مكان غير بعيد منهم بل هو بمرأى منهم، هذا ما توعدون: أي هذا هو الثواب الذي وعدتم به على ألسنة الرسل، أوّاب: أي رجاع عن المعصية إلى الطاعة، حفيظ: أي حافظ لحدود الله وشرائعه، خشى الرحمن بالغيب: أي خاف عقاب ربه وهو غائب عن الأعين حين لا يراه أحد، منيب: أي مخلص مقبل على طاعة الله، بسلام: أي سالمين من العذاب وزوال النعم، الخلود: أي فى الجنة إذ لا موت فيها، مزيد: أي مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

стр. 4710

المعنى الجملي بعد أن ذكر الحوار بين الكافر وقرينه من الشياطين، واعتذار الكافر وردّ القرين عليه، وأن الله سبحانه نهاهم عن الاختصام لديه، لأنه لا فائدة فيه بعد أن أوعدهم على ألسنة رسله- أردف هذا ذكر حال المتقين، فذكر أن الجنة تكون قريبة منهم بحيث يرونها رأى العين، فتطمئن إليها نفوسهم وتثلج لمرآها صدورهم، ويقال لهم هذا هو الثواب الذي وعدتم به على ألسنة الأنبياء والرسل، وهو دائم لا نفاد له ولا حصر، فكل ما يريدون من لذة ونعيم فهو حاضر، ولهم فوق هذا رضوان من ربهم «وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» . الإيضاح (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) أي وأدنيت الجنة للذين اتقوا ربهم، واجتنبوا معاصيه، بحيث تكون بمرأى العين منهم، إكراما لهم، واطمئنانا لنفوسهم، فيرون ما أعدّ لهم من نعيم وحبور، ولذة وسرور، لا نفاد له ولا فناء. (هذا ما تُوعَدُونَ) أي وتقول لهم الملائكة: هذا هو النعيم الذي وعدكم به ربكم على ألسنة رسله، وجاءت به كتبه. ثم بين المستحق لهذا النعيم فقال: (لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ، وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ) أي هذا الثواب للمتقين الذين يرجعون من معصية الله إلى طاعته تائبين من ذنوبهم ويلقون الله بقلوب منيبة إليه، خاضعة له. (ادْخُلُوها بِسَلامٍ) أي وتقول لهم الملائكة تكرمة لهم: ادخلوا الجنة سالمين من العذاب والهموم والأكدار، فلا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. ثم يبشّرون ويقال لهم:

стр. 4711

(ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) أي فاطمئنوا وقرّوا عينا، فهذا يوم الخلود الذي لا موت بعده، ولا ظعن ولا رحيل. ثم زاد فى البشرى فقال: (لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ) أي لهم إجابة لسؤالهم كل ما يشتهون، ثم نزيدهم فوق ما سألوا مما لم تره أعينهم ولم يدر بخلدهم. ونحو الآية قوله: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» . [سورة ق (٥٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٥] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥) تفسير المفردات القرن: الجيل من الناس، بطشا: أي قوة، فنقبوا فى البلاد: أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمكاسب، ويقال لمن طوّف فى الأرض نقّب فيها، قال امرؤ القيس: فقد نقّبت فى الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب

стр. 4712

محيص: أي مهرب، لذكرى: أي لعبرة، قلب: أي لبّ يعى به، أو ألقى السمع: أي أصغى إلى ما يتلى عليه من الوحى، شهيد: أي حاضر فهو من الشهود بمعنى الحضور، والمراد به الفطن، إذ غيره كأنه غائب، لغوب: أي تعب، سبح بحمد ربك: أي نزهه عن كل نقص، أدبار السجود: أي أعقاب الصلوات، واحدها دبر (بضم فسكون وبضمتين) واستمع أي لما أخبرك به من أهوال يوم القيامة، يوم ينادى المنادى: أي يخرجون من القبور يوم ينادى المنادى، من مكان قريب: أي بحيث لا يخفى الصوت على أحد، والمنادى هو جبريل ﵇، على ما ورد فى الآثار، يقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزّقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. والصيحة: النفخة الثانية. بالحق: أي بالبعث والجزاء، يوم الخروج: أي من القبور، تشقق: أي تتصدع، بجبار: أي بمسيطر ومسلط، إنما أنت داع ومنذر. المعنى الجملي بعد أن أنذرهم بما بين أيديهم من اليوم العظيم والعذاب الأليم- أنذرهم بما يعجل لهم فى الدنيا من ضروب العذاب، سنة الله فيمن تقدمهم من المكذبين قبلهم ممن ساروا فى البلاد طولا وعرضا وكانوا ذوى قوة وأيد، ولم يغن ذلك عنهم من الله شيئا، ووسط بين ذلك ذكر المتقين وما يلاقونه من النعيم، ليكون أمرهم بين الخوف والطمع، ومن ثم ذكر حال الكفور المعاند، وحال الشكور العابد، ثم ذكر أن هذا عظة وذكرى لكل ذى لبّ واع سميع لما يلقى إليه، ثم أعاد الدليل مرة أخرى على إمكان البعث، فأبان أنه قد خلق السموات والأرض فى ستة أطوار مختلفة وما أصابه تعب ولا لغوب كما قال: «أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ؟» ثم أمره بالصبر على ما يقولون، وتنزيه الله عن كلّ نقص آناء الليل وأطراف النهار، فها هو ذا قد اقترب يوم البعث والنشور، وسمع صوت الداعي لذلك بعد النفخ فى الصور، وتشققت الأرض سراعا وخرج الناس من

стр. 4713

القبور، وما ذلك بالصعب على رب العالمين، خالق السموات والأرضين، وإنا لنعلم ما يقول المشركون فى البعث والنشور، فدعهم فى غيّهم يعمهون، فما أنت عليهم بجبار تلزمهم الإيمان بهذا اليوم، وما فيه من هول، إن أنت إلا نذير، ولا يؤمن بك إلا من يخاف عقابى، وشديد وعيدي، ولا تنفع العظة إلا ذوى الأحلام الراجحة، والقلوب الواعية. الإيضاح (وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ؟) أي وكثير من الأمم التي قبلك أهلكناهم وكانوا أشد من قومك بطشا، وأكثر منهم قوة، كعاد وثمود وتبّع، فتقلبوا فى البلاد وسلكوا كل طريق ابتغاء للرزق، ولم يجدوا لهم من أمر الله مهربا ولا ملجأ حين حمّ القضاء، وهكذا حالكم، فحذار أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب العاجل فى الدنيا، والآجل يوم القيامة. وبعد أن ذكر فى هذه السورة وما قبلها بارع الحكم ونفائس المعارف الإلهية جملة وتفصيلا، فمن أدب للأمة مع نبيها، إلى أدب للأمة بعضها مع بعض، إلى حفظ للسلام بين الناس والصلح بينهم، وصيانة اللسان من الهزؤ والسخرية والهمز واللمز، ثم إلى النظر فى ملكوت السموات والأرض، وبذا يحل التواصل محل التقاطع، ويتعلم الجهال، ويجتمع الشمل، ويخيم الأمن فى ربوع البلاد، أبان أن تلك الزواجر لا ينتفع بها إلا ذوو الألباب فقال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) أي إن فيما تقدم لتذكرة وعبرة لمن كان له قلب واع يتدبر به الحقائق، ويعى ما يقال له. ثم أعقب ذلك بذكر ما هو كالدليل على ما سلف فقال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ) أي قسما بربك إنا خلقنا السموات والأرض وملأناهما بالعجائب فى ستة أطوار مختلفة

стр. 4714

وما مسنا تعب ولا إعياء، ولا تزال عجائبنا تترى كل يوم، فانظروا إليها، وناملوا فى محاسنها، فهى لا تحصى، ولا يبلغها الاستقصاء، وكذّبوا اليهود الذين قالوا: إن الله خلق السموات والأرض فى ستة أيام أوّلها الأحد وآخرها الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش، فنحن لا يمسنا لغوب ولا إعياء. ونحو الآية قوله: «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى، بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . (فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) أي فاصبر على ما يقوله المشركون فى شأن البعث من الأباطيل التي لا مستند لها إلا الاستبعاد، فإن من خلق الخلق فى تلك المدة اليسيرة بلا إعياء- قادر على بعثهم وجزائهم على ما قدموا من الحسنات والسيئات. (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ) أي ونزه ربك عن العجز عن كل ممكن كالبعث ونحوه، حامدا له أنعمه عليك، وقت الفجر ووقت العصر وبعض الليل، وفى أعقاب الصلوات. وقال ابن عباس: الصلاة قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقبل الغروب الظهر والعصر، ومن الليل العشاءان، وأدبار السجود النوافل بعد الفرائض. روى البخاري عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ أن يسبح فى أدبار الصلوات كلها، يعنى قوله: «وَأَدْبارَ السُّجُودِ» وفى حديث مسلم تحديد التسبيح بثلاث وثلاثين، والتحميد بثلاث وثلاثين، والتكبير بثلاث وثلاثين، وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شىء قدير، دبر كل صلاة. (وَاسْتَمِعْ) أيها الرسول لما أخبرك به من أهوال يوم القيامة، وفى إبهام أمره، تعظيم لشأنه. ثم بين ذلك الخبر وزمانه بقوله: (يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ) أي يوم ينادى المنادى من موضع قريب

стр. 4715

فيصل نداؤه إلى كل الخلائق على السوية، ويقول: هلموا إلى الحساب، فيخرجون من قبورهم ويقبلون. كأنهم جراد منتشر. ثم زاد الأمر تفصيلا فقال: (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ) أي يوم يسمعون النفخة الثانية منذرة بالبعث والجزاء على ما قدموا من الأعمال. ثم ذكر ما يقال لهم حينئذ فقال: (ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) أي هذا اليوم هو يوم الخروج من القبور. ثم لخص ما تقدم من أول السورة إلى هنا فقال: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ) أي إنا نحن نحيى فى الدنيا ونميت فيها حين انقضاء الآجال، وإلينا الرجوع للحساب والجزاء فى الآخرة. (يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ) أي إلينا المصير فى ذلك اليوم الذي تتصدع فيه الأرض فتخرج الموتى من صدوعها مسرعة، وذلك جمع هين علينا، لا عسر فيه ولا مشقة. ثم سلى رسوله وهدد المشركين بقوله: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ) أي نحن أعلم بما يقولون من فريتهم على ربهم وتكذيبهم بآياته، وإنكارهم قدرته على البعث بعد الموت. (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) أي وما أنت بمسلّط عليهم تقسرهم على الإيمان وتسيرهم على ما تهوى وتريد، إنما أنت نذير، وما عليك إلا التبليغ وعلينا الحساب. ثم أكد أنه مذكّر لا مسيطر وأن التذكير لا ينفع إلا من خشى ربه فقال: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ) أي فذكر أيها الرسول بهذا القرآن الذي أنزلته عليك من يخاف وعيدي الذي أوعدته من عصانى وخالف أمرى، أي بلغ رسالة ربك، وما يتذكر بها إلا من يخاف وعيد الله وشديد عذابه.

стр. 4716

ونحو الآية قوله: «فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» وقوله: «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ. وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» . وكان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، ويرجو موعودك، يا برّ يا رحيم. موجز لما تضمنته السورة الكريمة من الموضوعات (١) إنكار المشركين للنبوة والبعث. (٢) الحث على النظر فى السماء وزينتها وبهجة بنائها، وفى الأرض وجبالها الشامخات، وزروعها النضرات، وأمطارها الثجّاجات. (٣) العبرة بالدول الهالكات كعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم تبّع وما استحقوا من وعيد وعذاب. (٤) تقريع الإنسان على أعماله، وأنه مسئول عن دخائل نفسه، فى مجلس أنسه، وعند إخوته، وفى خلوته، وأنه محوط بالكرام الكاتبين، يحصون أعماله، ويرقبون أحواله حتى إذا جاءت سكرته، وحانت منيته، حوسب على كل قول وكل عمل، وشهدت عليه الشهود وكشفت له الحجب. (٥) إنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا. (٦) إن القرآن عظة وذكرى لمن كان له قلب واع يستمع ما يلقى إليه. (٧) تسلية رسوله على ما يقول المشركون من إنكار البعث وتهديدهم على ذلك (٨) أمر الرسول ﷺ بالتسبيح آناء الليل وأطراف النهار. (٩) أمر الرسول بالتذكير بالقرآن من يخاف وعيد الله ويخشى عقابه.

стр. 4717

سورة الذاريات هى مكية وآيها ستون، نزلت بعد الأحقاف، ومناسبتها لما قبلها: (١) إنه قد ذكر فى السورة السابقة البعث والجزاء والجنة والنار، وافتتح هذه بالقسم بأن ما وعدوا من ذلك صدق وأن الجزاء واقع. (٢) إنه ذكر هناك إهلاك كثير من القرون على وجه الإجمال، وهنا ذكر ذلك على وجه التفصيل. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) تفسير المفردات الذاريات: الرياح تذرو التراب وغيره: أي تفرقه، والوقر: حمل البعير وجمعه أوقار: أي أثقال، والحاملات وقرا: هى الرياح الحاملات للسحاب المشبع ببخار الماء، واليسر: السهولة، والجاريات يسرا: هى الرياح الجارية فى مهابّها بسهولة، والمقسمات أمرا: هى الرياح التي تقسم الأمطار بتصريف السحاب، وما توعدون: هو البعث

стр. 4718

والحشر للحساب والجزاء، والدين: الجزاء، وواقع: أي حاصل، والحبك: الطرق واحدها حبيكة، مختلف: أي متناقض مضطرب فى شأن الله، فبينا تقولون إنه خالق السموات تقولون بصحة عبادة الأوثان معه، وفى شأن الرسول فتارة تقولون إنه مجنون وتارة تقولون إنه ساحر، وفى شأن الحشر فتارة تقولون لا حشر ولا بعث، وأخرى تقولون: الأصنام شفعاؤنا عند الله يوم القيامة، يؤفك عنه من أفك: أي يصرف عن القول المختلف: أي بسببه من صرف عن الإيمان، والخرّاصون: أي الكذابون من أصحاب القول المختلف، فى غمرة: أي فى جهل يشملهم ويغمرهم شمول الماء الغامر، ساهون: أي غافلون عما أمروا به، أيان يوم الدين: أي متى يوم الجزاء: أي متى حصوله، يفتنون: أي يحرقون، وأصل الفتن: إذابة الجوهر ليعرف غشه، فاستعمل فى الإحراق والتعذيب، فتنتكم: أي عذابكم المعدّ لكم. المعنى الجملي هاهنا أمور يجمل بك أن تتفهمها: (١) بعد أن بين الحشر بدلائله وقال: «ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ» ثم أصروا على ذلك غاية الإصرار لم يبق إلا اليمين فقال «وَالذَّارِياتِ ذَرْواً- ... إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ» . (٢) إن الأيمان التي حلف بها الله تعالى فى كتابه كلها دلائل على قدرته أخرجها فى صورة الأيمان، كما يقول القائل للمنعم عليه: وحق نعمك الكثيرة إنى لا أزال أشكرك، فيذكر النعم وهى سبب لدوام الشكر ويسلك بها مسلك القسم، وجاءت الآية هكذا مصدّرة بالقسم، لأن المتكلم إذا بدأ كلامه به علم السامع أن هاهنا كلاما عظيما يجب أن يصغى إليه، فإذا وجّه همه لسماعه خرج له الدليل والبرهان المتين فى صورة اليمين.

стр. 4719

(٣) فى السور التي أقسم الله فى ابتدائها بغير الحروف المقطعة كان القسم لإثبات أحد الأصول الثلاثة: الوحدانية والرسالة والحشر وهى التي يتم بها الإيمان، فأقسم لإثبات الوحدانية فى سورة الصافات فقال: «إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ» وأقسم فى سورتى النجم والضحى لإثبات الرسالة فقال فى الأولى: «وَالنَّجْمِ إِذا هَوى. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى» وقال فى الثانية: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» وأقسم فى سور كثيرة على إثبات البعث والجزاء. (٤) فى السورة التي أقسم فيها لإثبات الوحدانية أقسم بالساكنات فقال: «وَالصَّافَّاتِ صَفًّا» وفى السور التي أقسم فيها لإثبات الحشر أقسم بالمتحركات فقال: «وَالذَّارِياتِ ذَرْواً- وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً- وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً- وَالْعادِياتِ ضَبْحاً» لأن الحشر فيه جمع وتفريق، وهو بالحركة أليق. (٥) كانت العرب تحترز عن الأيمان الكاذبة وتعتقد أنها تدع الديار بلاقع، وقد جرى النبي ﷺ على سننهم، فحلف بكل شريف ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتا، وكانوا يعلمون أنه لا يحلف إلا صادقا، وإلا أصابه شؤم الأيمان، وناله المكروه فى بعض الأيمان. الإيضاح (وَالذَّارِياتِ ذَرْواً، فَالْحامِلاتِ وِقْراً، فَالْجارِياتِ يُسْراً، فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً. إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ) أقسم سبحانه بالرياح وذروها التراب، وحملها السحاب، وجريها فى الهواء بيسر وسهولة، وتقسيمها الأمطار، إن هذا البعث لحاصل، وإن هذا الجزاء لا بد منه فى ذلك اليوم، يوم يقوم الناس لرب العالمين. وهنا أقسم سبحانه بالرياح وأفعالها، لما يشاهدون من آثارها ونفعها العظيم لهم فهى التي ترسل الأمطار مبشرات برحمته، ومنها تسقى الأنعام والزروع، وبها تنبت

стр. 4720

البساتين والجنات وتصير الأرض القفر مروجا، وعليها يعتمدون فى معاشهم، فآثارها واضحة أمامهم، ولا عجب أن تكون لها المنزلة العظمى فى نفوسهم. وأفعال الرياح تخالف ناموس الجاذبية، فإن ما على الأرض منجذب إليها، واقع عليها، ولكن هذه الرياح تتصرف تصرفا عجيبا تابعا لسير الكواكب، فبجريها وجرى الشمس تؤثر فى أرضنا وهوائها بنظام محكم، فما ذرت الرياح التراب، ولا حملت السحاب، ولا قسمت المطر على البلاد إلا بحركات فلكية منتظمة، من أجل هذا جعل ذلك براهين على البعث والإعادة. (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) أي والسماء ذات الجمال والبهاء، والحسن والاستواء، إنكم أيها المشركون المكذبون للرسول، لفى قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع، ولا يروج إلا على من هو ضالّ فى نفسه، لأنه قول باطل يصرف بسببه من صرف عن الإيمان برسول الله ﷺ وبما جاء به. والخلاصة- قسما بالسماء وزينتها وجمالها، إن أمركم فى شأن محمد وكتابه لعجب عاجب، فهو متناقض مضطرب، فحينا تقولون هو شاعر، وحينا آخر تقولون هو ساحر، ومرة ثالثة تقولون هو مجنون، وبينا تقولون عن القرآن إنه سحر إذا بكم تقولون إنه شعر أو إنه كهانة. (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ) أي قتل الكذابون من أصحاب القول المختلف الذين هم فى جهل عميق وغفلة عظيمة عما أمروا به. وهذا دعاء عليهم يراد به فى عرف التخاطب لعنهم، إذ من لعنه الله فهو بمنزلة الهالك المقتول، وقد جاء فى القاموس: قتل الإنسان ما أكفره: أي لعن، وقاتلهم الله، أي لعنهم (يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ) أي يسألك المشركون استهزاء فيقولون: متى يوم الجزاء، وقد كان لهم من أنفسهم لو تدبروا ما يدفعهم إلى الاعتقاد بمجىء هذا

стр. 4721

اليوم، فإن أحدا منهم لا يترك عبيده وأجراءه فى عمل دون أن يحاسبهم وينظر فى أحوالهم، ويحكم بينهم فى أقوالهم وأفعالهم، فكيف يترك أحكم الحاكمين عبيده الذين أبدع لهم هذا الكون وهيأ لهم كل ما يحتاجون إليه- سدى ويوجدهم عبثا؟. ثم أجاب عن هذا السؤال وذكر أنه يكون يوم القيامة فقال: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) أي يوم الجزاء هو يوم نعذب الكفار وتقول لهم الخزنة: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ) أي ذوقوا هذا العذاب الذي كنتم تستعجلون وقوعه استهزاء وتظنون أنه غير كائن. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٥ الى ٢٣] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) تفسير المفردات فى جنات وعيون: أي فى بساتين تجرى من تحتها الأنهار، محسنين: أي مجوّدين لأعمالهم، والهجوع: النوم ليلا والهجعة النومة الخفيفة، والأسحار: واحدها سحر وهو السدس الأخير من الليل، حق: أي نصيب وافر يوجبونه على أنفسهم تقربا إلى ربهم وإشفاقا على عباده، والسائل: هو المستجدى الطالب العطاء، والمحروم: هو المتعفف

стр. 4722

الذي يحسبه الجاهل غنيا فيحرم الصدقة من أكثر الناس، آيات: أي دلائل على قدرته تعالى من وجود المعادن والنبات والحيوان، والدحو فى بعض المواضع والارتفاع فى بعضها الآخر عن الماء، واختلاف أجزائها فى الكيفيات والخواص. للموقنين: أي للموحدين الذين سلكوا الطريق الموصل إلى معرفة الله، فهم نظارون بعيون باصرة، وأفهام نافذة، وما توعدون: أي والذي توعدونه من خير أو شر. المعنى الجملي بعد أن ذكر حال المغترين الذين أنكروا يوم الدين، وكذبوا بالبعث والنشور، وأنكروا نبوة محمد ﷺ وعبدوا مع الله غيره من وثن أو صنم- أردف ذلك ذكر حال المتقين وما يتمتعون به من النعيم المقيم فى جنات تجرى من تحتها الأنهار، جزاء إحسانهم فى أعمالهم، وقيامهم بالليل للصلاة، والاستغفار بالأسحار، وإنفاقهم أموالهم للفقراء والمساكين، ونظرهم فى دلائل التوحيد التي فى الآفاق والأنفس، وتفكيرهم فى ملكوت السموات والأرض مصدقين قوله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ» . ثم أقسم برب السماء والأرض إن ما توعدون من البعث والجزاء حق لا شك فيه، كما لا شك فى نطقكم حين تنطقون. الإيضاح (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ) أي إن الذين اتقوا الله وأطاعوه واجتنبوا معاصيه، فى بساتين وجنات تجرى من تحتها الأنهار، قريرة أعينهم بما آتاهم ربهم، إذ فيه ما يرضيهم ويغنيهم ويفوق ما كانوا يؤملون. ثم ذكر الثمن الذي دفعوه لنيل هذا الأجر العظيم فقال: (إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ) أي إنهم كانوا فى دار الدنيا يفعلون صالح

стр. 4723

الأعمال، خشية من ربهم وطلبا لرضاه، ومن ثم نالوا هذا الفوز العظيم، والمكرمة التي فاقت ما كانوا يؤملون ويرجون. ونحو الآية قوله: «كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ» ، ثم فصل ما أحسنوا فيه فقال: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) أي كانوا ينامون القليل من الليل ويتهجدون فى معظمه، قال ابن عباس: ما تأتى عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا إلا يصلون فيها شيئا إما من أولها أو من وسطها، وقال الحسن البصري: كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فجدّوا إلى السحر. وعن أنس قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء. (وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي فهم يحيون الليل متهجدين، فإذا أسحروا أخذوا فى الاستغفار كأنهم أسلفوا فى ليلهم الجرائم. ولما ذكر أنهم يقيمون الصلاة ثنى بوصفهم بأداء الزكاة والبر بالفقراء فقال: (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) أي وجعلوا فى أموالهم جزءا معينا ميزوه وعزلوه للطالب المحتاج، والمتعفف الذي لا يجد ما يغنيه، ولا يسأل الناس، ولا يفطنون إليه ليتصدقوا عليه. أخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان، قيل فمن المسكين؟ قال الذي ليس له ما يغنيه، ولا يعلم مكانه فيتصدق عليه، فذلك المحروم» . وبعد أن ذكر أوصاف المتقين بين أنه قد لاحت لهم الأدلة الأرضية والسماوية التي بها أخبتوا إلى ربهم وأنابوا إليه فقال: (وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ) أي وفى الأرض دلائل على وجود الخالق وعظيم

стр. 4724

قدرته، استبانت لمن فكر وتدبر فى هذا الكون وبديع صنعه، مما يشاهد من صنوف النبات والحيوان، والمهاد والجبال، والقفار والبحار إلى نحو أولئك مما بهر المخلوقات كما قال: «وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» . فالموقنون كلما رأوا آية عرفوا وجه تأويلها فازدادوا إيقانا، وخصهم بالذكر لأنهم هم الذين يعترفون بذلك، ويتدبرونه فينتفعون به. (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ؟) أي أفلا تنظرون نظر من يعتبر فى اختلاف الألسنة والألوان، والتفاوت فى العقول والأفهام، واختلاف الأعضاء، وتعدد وظائف كل منها على وجه يحار فيه اللّبّ، ويدهش منه العقل؟ وخلاصة ما سلف- إنّ الله تعالى وصف المتقين بأنهم مجدّون فى العبادة البدنية وفى بذل المال للمستحقين من ذوى الحاجة والبائسين، والإيمان بالله والعلم بقدرته بالنظر فى الآفاق والأنفس. (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) أي وفى السماء أسباب رزقكم من النيّرين (الشمس والقمر) والكواكب والمطالع والمغارب التي بها تختلف الفصول فتنبت الأرض أنواع النبات وتسقى بماء الأمطار التي تحملها السحب وتسوقها الرياح لأسباب فلكية وطبيعية أوضحها علماء الفلك وعلماء الطبيعة. وكذلك ما توعدون من خير وشر، قاله مجاهد. ثم أقسم ربنا بعزته وجلاله إن البعث لحق فقال: (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) أقسم ربنا جلت قدرته بجلاله وكبريائه: إن ما وعدكم به من أمر القيامة والبعث والجزاء حق لا مرية فيه، فلا تشكّوا فيه كما لا تشكون فى نطقكم حين تنطقون، وهذا كما يقول الناس: إن هذا لحق كما أنك ترى وتسمع.

стр. 4725

أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن الحسن أنه قال فيها: بلغني أن رسول الله ﷺ قال «قاتل الله قوما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا» . عن الأصمعى قال: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابى على قعود فقال ممن الرجل؟ قلت من بنى أصمع، قال من أين أقبلت؟ قلت من موضع يتلى فيه كلام الرجل؟ قلت من بنى أصمع، قال من أين أقبلت؟ قلت من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، قال: اتل علىّ فتلوت والذّاريات فلما بلغت: وفى السّماء رزقكم قال حسبك، فقام إلىّ ناقته فنحرها ووزعها وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق فالتفتّ فإذا بالأعرابى قد نحل واصفر فسلم علىّ واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح وقال لقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: فو ربّ السّماء والأرض إنّه لحقّ. فصاح وقال: يا سبحان الله، من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه حتى حلف (قالها ثلاثا) وخرجت معها نفسه. وإنما قصصت عليك هذا القصص لما فيه من أدب بارع وظرف وحسن فهم من ذلك الأعرابى لكتاب الله، ولك بعد ذلك أن تصدقه أو تتشكك فيه، فكم للأصمعى من مثله، فهو الأديب البارع، والراوية الحافظ، فلا يعجزه أن يصنعه ويصنع أمثاله. [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٤ الى ٣٠] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)

стр. 4726

تفسير المفردات الضيف: لفظ يستعمل للواحد والكثير، المكرمين: أي عند إبراهيم إذ خدمهم هو وزوجه وعجل لهم القرى وأجلسهم فى أكرم موضع، قوم منكرون: أي قوم لا عهد لنا بكم من قبل، وقد قال ذلك إبراهيم ﵇ للتعرف بهم كما تقول لمن لقيته وسلم عليك: أنا لا أعرفك، تريد عرّف لى نفسك وصفها، فراغ إلى أهله: أي ذهب إليهم خفية من ضيفه، سمين: أي ممتلىء بالشحم واللحم، فقربه إليهم: أي وضعه لديهم، فأوجس منهم خيفة: أي أضمر فى نفسه الخوف منهم، امرأته هى سارّة لما سمعت بشارتهم له، صرّة: أي صيحة، فصكت وجهها: أي ضربت بيدها على جبهتها وقالت: يا ويلتا، عجوز عقيم: أي أنا كبيرة السن لا ألد. المعنى الجملي بعد أن ذكر سبحانه إنكار قومه للبعث والنشور حتى أقسم لهم بعزته أنه كائن لا محالة- سلى رسوله فأبان له أنه ليس ببدع فى الرسل، وأن قومه ليسوا ببدع فى الأمم، وأنهم إن تمادوا فى غيهم وأصروا على كفرهم ولم يقلعوا عماهم عليه، فسيحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم من الأمم الخالية. وذكر إبراهيم من بين الأنبياء لكونه شيخ المرسلين، وكون النبي ﷺ على سننه كما قال تعالى: «ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ولأن العرب كانت تجلّه وتحترمه وتدعى أنها على دينه.

стр. 4727

وأتى بالقصص بأسلوب الاستفهام تفخيما لشأن الحديث كما تقول لمخاطبك هل بلغك كذا وكذا، وأنت تعلم أنه لم يبلغه، توجيها لأنظاره حتى يصغى إليه ويهتم بأمره، ولو جاء على صورة الخبر لم يكن له من الروعة والجلال مثل ما كان وهو بهذه الصورة، وتنبيها إلى أن الرسول لم يعلم به إلا من طريق الوحى. الإيضاح (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ؟) أي هل عندك نبأ بما حدث بين إبراهيم وضيوفه من الملائكة الذين وفدوا عليه وهم ذاهبون فى طريقهم إلى قوم لوط، فسلموا عليه فرد عليهم التحية بأحسن منها. ثم أراد أن يتعرف بهم فقال: (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) أي إنكم قوم لا عهد لنا بكم من قبل فعرفونى أنفسكم- من أنتم؟ واستظهر بعض العلماء أن هذه مقالة أسرّها فى نفسه أو لمن كان معه من أتباعه وجلسائه من غير أن يشعرهم بذلك، لأن فى خطاب الضيف بنحو ذلك إيحاشا له، إلى أنه لو كان أراد ذلك لكشفوا له أحوالهم، ولم يتصد لمقدمات الضيافة، ثم ذكر أنه أسرع فى قرى ضيوفه فقال: (فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ. فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) أي فذهب خفية مسرعا وقدم لضيوفه عجلا سمينا أنضجه شيّا، كما جاء فى سورة هود «فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» أي مشوى على الرضف. (قالَ أَلا تَأْكُلُونَ؟) أي قال مستحثا لهم على الأكل: ألا تأكلون؟ وفى هذا تلطف منه فى العبارة وعرض حسن، وقد انتظم كلامه وعمله آداب الضيافة، إذ جاء بطعام من حيث لا يشعرون، وأتى بأفضل ماله، وهو عجل فتىّ مشوى، ووضعه بين أيديهم، ولم يضعه بعيدا منهم حتى يذهبوا إليه، وتلطف فى العرض فقال: ألا تأكلون؟

стр. 4728

(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) أي فأعرضوا عن طعامه ولم يأكلوا فأضمر فى نفسه الخوف منهم، ظنا منه أن امتناعهم إنما كان لشرّ يريدونه، فإنّ أكل الضيف أمنة ودليل على سروره وانشراح صدره، وللطعام حرمة، وفى الإعراض عنه وحشة موجبة لسوء الظن، وقد جاء فى سورة هود: «فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً» . ثم ذكر أنهم طمأنوه حينئذ فقال: (قالُوا لا تَخَفْ) منا إنا رسل ربك، وجاء فى الآية الأخرى: «قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ» . (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) أي فبشروه بإسحاق بن سارّة كما جاء فى سورة هود: «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» وجاءت البشارة بذكر لأنه أسرّ للنفس، وأقر للعين، ووصفه بالعلم لأنه الصفة التي يمتاز بها الإنسان الكامل، لا الصورة الجميلة ولا القوة ولا نحوهما. ثم أخبر عما حدث من امرأته حينئذ فقال: (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) أي فأقبلت امرأته سارّة حين سمعت بشارتهم (كانت فى ناحية من البيت تنظر إليهم) وهى تصرخ صرخة عظيمة وضربت بيديها على جبيتها وقالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ وجاء فى الآية الأخرى: «قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً» فأجابوها عما قالت: (قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) أي قالوا لها: مثل الذي أخبرناك به قال ربك، فنحن نخبرك عن الله، والله قادر على ما تستبعدين، وهو الحكيم فى أفعاله، العليم الذي لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء.

стр. 4729

والخلاصة- إنها استبعدت الولادة لسببين: كبر السن والعقم، وقد كانت لا تلد فى عنفوان شبابها والآن قد عجزت وأيست، فأجدر بها الآن ألا تلد، فكأنها قالت: ليتكم دعوتم دعاء قريبا من الإجابة، ظنا منها أن ذلك منهم كما يصدر من الضيف من الدعوات الطيبات كما يقول الداعي: أعطاك الله مالا، ورزقك ولدا، فردوا عليها بأن هذا ليس منا بدعاء، وإنما ذلك قول الله تعالى. قد تمّ ما أردنا تصنيفه فى تفسير هذا الجزء بمدينة حلوان من أرباض القاهرة كورة الديار المصرية فى اليوم العاشر من شهر ربيع الثاني من سنة خمس وستين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة سيد ولد عدنان. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

стр. 4730

فهرست أهم المباحث العامة التي فى هذا الجزء الصفحة المبحث ٤ القرآن الكريم من عند الله، لا من عند محمد ٩ الردّ على المشركين فى طعنهم فى النبوة ١١ ما ينسب إلى بعض الأولياء من علمهم بشئون الغيب فهو فرية على الله ١٤ إسلام عبد الله بن سلام وحديثه مع قومه اليهود ١٥ الرد على المشركين فى أن القرآن ليس مفترى ١٧ الوصية بالوالدين ١٨ حوار بين علىّ وعثمان فى أقل مدة الحمل ١٩ لم يبعث الله نبيا قبل الأربعين إلا ابني الخالة عيسى ويحيى ٢٠ الدعاء الذي كان يعلّمه رسول الله ﷺ لأصحابه فى التشهد ٢٣ خطبة مروان فى المسجد دعاية ليزيد بن معاوية وردّ عبد الرحمن بن أبى بكر عليه ٢٦ غضب رسول الله ﷺ حين رأى على الحسن والحسين قلبين من فضة ٣١ كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح يدعو بدعاء خاص ٣٤ استماع الجن للقرآن ٣٥ لا دليل من العقل على عالمى: الملائكة والجن، بل الدليل من السمع وأخبار الأنبياء ٣٧ ورد أن الجن استمعت القرآن مرات كثيرة ٣٩ ضرب القرآن للأمثال
следующие страницы →