← Тафсир

Тафсир · id 23608

تفسير المراغي

المراغي، أحمد بن مصطفى

Полный текст (5 571 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

قال ابن عباس: وفّى بسهام الإسلام كلها وهى ثلاثون سهما لم يوفّها أحد غيره، منها عشرة فى براءة «إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ» الآيات، وعشرة فى الأحزاب «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ» الآيات، وستة فى «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» الآيات، وأربعة فى سأل سائل «وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ» الآيات. وتخصيصه ﵇ بهذا الوصف لاحتماله ما لم يحتمل غيره، وفى قصة الذبح ما فيه الغناء فى ذلك. وإنما ذكر ما جاء فى شريعتى هذين النبيين فحسب، لأن المشركين كانوا يدّعون أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم، وأهل الكتاب كانوا يدعون أنهم متبعون ما فى التوراة وصحفها قريبة العهد منهم. ثم فصل ما جاء فى هاتين الشريعتين فقال: (١) (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) أي لا تحمل نفس ذنوب نفس أخرى، فكل نفس اكتسبت إثما بكفر أو معصية فعليها وزرها لا يحمله عنها أحد كما قال: «وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى» ، (٢) (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) أي كما لا يحمل على الإنسان وزر غيره، لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب لنفسه، ومن هذا استنبط مالك والشافعي ومن تبعهما أن القراءة لا يصح إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، وهكذا جميع العبادات البدنية كالصلاة والحج والتلاوة، ومن ثم لم يندب إليها رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليها ولا أرشدهم إليها بنص ولا إيماء، ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، أما الصدقة فإنها تقبل وما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة من قوله ﷺ «إذا مات ابن آدم

стр. 4797

انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعوله، وصدقة جارية من بعده، وعلم ينتفع به» فهى فى الحقيقة من سعيه وكدّه وعمله، كما جاء فى الحديث: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد الرجل من كسبه» والصدقة الجارية كالوقف ونحوه على أعمال البرهى من آثار عمله، وقد قال تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ» الآية، والعلم الذي نشره فى الناس فاقتدوا به واتبعوه- هو من سعيه، فقد ثبت فى الصحيح «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من اتبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا» . ومذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء أن ثواب القراءة يصل إلى الموتى إن لم تكن القراءة بأجر، أما إذا كانت به كما يفعله الناس اليوم من إعطاء الأجر للحفاظ للقراءة على المقابر وغيرها- فلا يصل إلى الميت ثوابها، إذ لا ثواب لها حتى يصل إليهم، لحرمة أخذ الأجر على قراءة القرآن وإن لم يحرم على تعليمه. (٣) (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى) أي إن عمله سيعرض يوم القيامة على أهل المحشر ويطلعون عليه، فيكون فى ذلك إشادة بفضل المحسنين، وتوبيخ للمسيئين. ونحو هذا قوله: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ، وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» . (٤) (ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) أي ثم يجزى بعمله أوفى الجزاء وأوفره، فيضاعف الله له الحسنة ويبلغها سبعمائة ضعف، ويجازى بالسيئة مثلها أو يعفو عنها كما قال: «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ» . (٥) (وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى) أي وأن مرجع الأمور يوم الميعاد إلى ربك، فيحاسبهم على النقير والقطمير، ويثيبهم أو يعاقبهم بالجنة أو النار. وفى هذا تهديد بليغ للمسىء، وحث شديد للمحسن، وتسلية لقلبه ﷺ ، كأنه يقول له: لا تحزن أيها الرسول، فإن المنتهى إلى الله.

стр. 4798

ونحو الآية قوله: «فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ. إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ» إلى أن قال فى آخر السورة «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» وأمثال ذلك كثيرة فى القرآن. (٦) (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى) أي وأنه خلق فى عباده الضحك والبكاء وسببهما، والمراد أنه خلق ما يسرّ وما يحزن من الأعمال الصالحة، والأعمال الطالحة. (٧) (وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا) أي وأنه خلق الموت والحياة كما جاء فى قوله: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ» فهو يميت من يشاء موته، ويحيى من يشاء حياته، فينفخ الروح فى النطفة الميتة فيجعلها حية. (٨) (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى. مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى) أي وأنه خلق الذكر والأنثى من الإنسان وغيره من الحيوان من المنى الذي يدفق فى الأرحام. (٩) (وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى) أي وأن عليه الإحياء بعد الإماتة، ليجازى كل من المحسن والمسيء على ما عمل. (١٠) (وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى) أي وأنه تعالى يغنى من يشاء من عباده، ويفقر من يشاء بحسب ما يرى من استعداد كل منهما ومقدرته على كسب المال بحسب السنن المعروفة فى هذه الحياة. وفى هذا تنبيه إلى كمال القدرة، فإن النطفة جسم متناسب الأجزاء فى الظاهر، ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة، وطباعا متباينة من ذكر وأنثى، ومن ثم لم يدّع أحد خلق ذلك، كما لم يدّع خلق السموات والأرض كما قال: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» . ونحو الآية قوله: «أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً؟ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى؟ ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟» . (١١) (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى) أي وأنه تعالى رب هذا الكوكب الوهاج الذي تطلع خلف الجوزاء فى شدة الحر.

стр. 4799

وإنما خصها بالذكر من بين الأجرام السماوية، وفيها ما هو أكبر منها جرما وأكثر ضوءا، لأنها عبدت من دون الله فى الجاهلية، فقد عبدتها حمير وخزاعة، وأول من سن عبادتها أبو كبشة وكان من أشراف العرب، وكانت قريش تقول لرسول الله ﷺ ابن أبى كبشة تشبيها له به، لمخالفته دينهم كما خالفهم أبو كبشة، وكان من أجداد النبي ﷺ من قبل أمه، ومن ذلك قول أبى سفيان حين دخوله على هرقل: لقد أمر أمر ابن أبى كبشة. ومن العرب من كانوا يعظمونها، ويعتقدون أن لها تأثيرا فى العالم ويتكلمون على المغيبات حين طلوعها. وهى شعريان إحداهما شامية، وثانيتهما يمانية وهى المرادة هنا وهى التي كانت تعبد من دون الله. (١٢) (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى) وهى قوم هود ﵇، وعاد الأخرى هى إرم بن سام بن نوح كما قال: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ؟» وقد كانوا من أشد الأمم وأقواهم وأعتاهم على الله ورسوله، فأهلكهم «بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» أي متتابعة. وقال المبرد: وعاد الأخرى هى ثمود، وقيل عاد الأخرى من ولد عاد الأولى. (١٣) (وَثَمُودَ فَما أَبْقى) أي وأهلك ثمود فما أبقى عليهم، بل أخذهم بذنوبهم أخذ عزيز مقتدر. ونحو الآية قوله: «فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» . (١٤) (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى) أي وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود، وكانوا أظلم من هذين، لأنهم بدءوا بالظلم، و «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» وأطغى منهما وأكثر تجاوزا للحد، لأنهم سمعوا المواعظ

стр. 4800

وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم بقوله: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً» . وقد كان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه ويمشى إلى نوح يحذره منه ويقول يا بنى إن أبى مشى بي إلى هذا وأنا مثلك يومئذ، فإياك أن تصدّقه، فيموت الكبير على الكفر، وينشأ الصغير على وصية أبيه، لا يتأثر من دعائه له. (١٥) (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى، فَغَشَّاها ما غَشَّى) أي وأهلك قوم لوط بانقلاب قريتهم عليهم وجعل عاليها سافلها ثم أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود كما قال: «وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ» وهذا ما عناه سبحانه بقوله: فغشاها ما غشى. وفى هذا الأسلوب تهويل للأمر الذي غشاها به، وتعظيم له. [سورة النجم (٥٣) : الآيات ٥٥ الى ٦٢] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) تفسير المفردات الآلاء: النعم واحدها ألى (بالفتح والكسر) وتتمارى: تمترى وتشك، والخطاب للانسان، هذا نذير من النذر: أي إن محمدا بعض من أنذر، أزفت: قربت، والآزفة: الساعة، وسميت بذلك لقرب قيامها، أو لدنوها من الناس كما جاء فى قوله: «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ» من دون الله: أي من غيره، كاشفة: أي نفس تكشف وقت وقوعها

стр. 4801

وتبينه، لأنها من أخفى المغيبات، والحديث: القرآن، سامدون: أي لاهون غافلون من سمد البعير فى سيره إذا رفع رأسه، فاسجدوا: أي اشكروا على الهداية، واعبدوا: أي اشتغلوا بالعبادة والطاعة. المعنى الجملي بعد أن ذكر قبل ما جاء فى صحف موسى وإبراهيم، من أن الإحياء والإماتة بيد الله، وأنه هو الذي يصرّف أمور العالم خلقا وتدبيرا وملكا، فيفقر قوما ويغنى آخرين، وأن أمر المعاد تحت قبضته، وأن الخلق إذ ذاك يرجعون إليه، وأن بعض الأمم كذبت رسلها وأنكرت الخالق فأصابها ما أصابها- قفى على هذا بالتعجيب من أمر الإنسان، وأنه كيف يتشكك فى هذا ويجادل فيه منكرا له، وقد جاء النذير به، فعليكم أن تصدّقوه وتؤمنوا به قبل أن يحل بكم عذاب يوم عظيم قد أزف، ولا يقدر على كشفه أحد إلا هو، فلا تعجبوا من القرآن منكرين، ولا تضحكوا منه مستهزئين، وابكوا حزنا على ما فرّطتم فى جنب الله، وعلى غفلتكم عن مواعظه وحكمه التي فيها سعادتكم فى دنياكم وآخرتكم، واسجدوا شكرا لبارئ النسم، الذي أوجدها من العدم، واعبدوه بكرة وعشيا شكرا على آلائه، وتقلبكم فى نعمائه. الإيضاح (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى) أي فبأى نعم ربك عليك أيها الإنسان تمترى وتشك؟ ونحو الآية قوله: «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟» وقوله: «وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» وقوله: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» .

стр. 4802

والمراد بالنعم ما عدده من قبل، وجعلت كلها نعما، وبعضها نقم، لما فى النقم من المواعظ والعبر للمعتبرين، من الأنبياء والمؤمنين. والخلاصة- إنها كلها دالة على وحدانية ربك وربوبيته، ففى أيها تتشكك على وضوحها للناظرين، ووجوه دلالتها للمعتبرين؟. (هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى) أي إن محمدا ﷺ منذر من حاد عن طريق الهدى، وسلك طريق الضلال والهوى، بسىء العواقب، فى العاجل والآجل، وهو كمن قبله من الرسل الذين أرسلهم ربهم لهداية خلقه، فكذبوهم فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وحل بهم البوار والنكال، كفاء تكذيبهم وجحودهم آلاء ربهم، ونعمه التي تترى عليهم. ونحو الآية قوله: «إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» وقوله ﷺ «أنا النذير العريان» أي الذي أعجله شدة ما عاين من الشر عن أن يلبس شيئا، وبادر إلى إنذار قومه وجاءهم مسرعا. (أَزِفَتِ الْآزِفَةُ) أي اقتربت الساعة، ونصب الميزان، وستجازى كل نفس بما عملت من خير أو شر، فاحذروا أن تكونوا من الهالكين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون. ونحو الآية قوله: «إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ، لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ» وفى الحديث «مثلى ومثل الساعة كهاتين» وفرق بين إصبعيه الوسطى والتي تلى الإبهام. (لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ) أي ليس هناك من يعرف وقت حلول الآزفة إلا هو، فاستعدوا لهذا اليوم قبل أن تأخذكم الساعة بغتة وأنتم لا تشعرون، فتندموا ولات ساعة مندم، وجدّوا للعمل قبل حلول الأجل. وقد أشار فى هذه الآيات إلى أصول الدين الثلاثة. (١) وحدانية الله بقوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى؟) .

стр. 4803

(٢) إثبات نبوة محمد ﷺ بقوله: (هذا نذير) (٣) إثبات الحشر والبعث بقوله: (أزفت الآزفة) . ثم أنكر على المشركين تعجبهم من القرآن واستهزاءهم به وإعراضهم عنه فقال: (أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. وَأَنْتُمْ سامِدُونَ) أي أفينبغي لكم بعد ذلك أن تعجبوا من هذا القرآن وقد جاءكم بما فيه هدايتكم إلى سواء السبيل، وإرشادكم إلى الطريق المستقيم، وكيف تسخرون منه وتستهزئون به، ولا تكونوا كالموقنين الذين وصفهم الله بقوله: «وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً» وكيف تلهون عن استماع عبره، وتغفلون عن مواعظه، وتتلقونها تلقى اللاهي الساهي المعرض عما يسمع، غير المكترث بما يلقى إليه. أخرج البيهقي فى شعب الإيمان عن أبى هريرة قال: لما نزلت «أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ» الآية بكى أصحاب الصّفّة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله ﷺ حنينهم بكى معهم، فبكينا ببكائه، فقال ﵊: «لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» ثم بيّن ما يجب عند سماع القرآن من الإجلال والتعظيم فقال: (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا) أي فاخضعوا وأخلصوا له العمل حنفاء غير مشركين به، فهو الذي أنزله على عبده ورسوله هاديا وبشيرا لكم لعلكم ترحمون، ودعوا ما أنتم فيه من عبادة الأوثان والأصنام التي لا تغنى عنكم شيئا، فلا تدفع عنكم ضرّا، ولا تجديكم نفعا كما قال آمرا رسوله أن يقول لهم: «قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ؟» .

стр. 4804

ما تضمنته السورة الكريمة من الأسرار والأحكام (١) إنزال الوحى على رسوله. (٢) إن الذي علمه إياه هو جبريل شديد القوى. (٣) قرب رسوله من ربه. (٤) إن النبي ﷺ رأى جبريل على صورته الملكية مرتين. (٥) تقريع المشركين على عبادتهم للأصنام. (٦) توبيخهم على جعل الملائكة إناثا وتسميتهم إياهم بنات الله. (٧) مجازاة كل من المحسن والمسيء بعمله. (٨) أوصاف المحسنين. (٩) إحاطة علمه تعالى بما فى السموات والأرض. (١٠) النهى عن تزكية المرء نفسه. (١١) الوصايا التي جاءت فى صحف إبراهيم وموسى. (١٢) النعي على المشركين فى إنكارهم الوحدانية والرسالة والبعث والنشور. (١٣) التعجب من استهزاء المشركين بالقرآن حين سماعه، وغفلتهم عن مواعظه. (١٤) أمر المؤمنين بالخضوع لله والإخلاص له فى العمل.

стр. 4805

سورة القمر هى مكية إلا قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) فمدنية. وآيها خمس وخمسون، نزلت بعد الطارق. ومناسبتها لما قبلها من وجوه: (١) مشاكلة آخر السورة السابقة لأول هذه فقد قال هناك: أزفت الآزفة، وقال هنا: اقتربت الساعة. (٢) حسن التناسق بين النجم والقمر. (٣) إن هذه قد فصلت ما جاء فى سابقتها، ففيها إيضاح أحوال الأمم التي كذبت رسلها، وتفصيل هلاكهم الذي أشار إليه فى السابقة بقوله: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى. وَثَمُودَ فَما أَبْقى. وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى) فما أشبهها مع سابقتها بالأعراف بعد الأنعام، والشعراء بعد الفرقان. [سورة القمر (٥٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)

стр. 4806

تفسير المفردات اقتربت: أي دنت وقربت، وانشق القمر: أي انفصل بعضه من بعض وصار فرقتين، آية: أي دليلا على نبوتك، مستمر: أي مطرد دائم، أهواءهم: أي ما زينه لهم الشيطان من الوساوس والأوهام، مستقر: أي منته إلى غاية يستقر عليها لا محالة، الأنباء أخبار القرون الماضية وما حاق بهم من العذاب جزاء تكذيبهم للرسل، واحدها نبأ، بالغة: أي واصلة غاية الإحكام والإبداع، تغنى: أي تفيد وتنفع، والنذر: واحدهم نذير بمعنى منذر، فتولّ عنهم: أي لا تجادلهم ولا تحاجهم، نكر: أي أمر تنكره النفوس إذ لا عهد لها بمثله، خشعا: واحدهم خاشع: أي ذليل، والأجداث: القبور، مهطعين: أي مسرعين منقادين، عسر: أي صعب شديد الهول. المعنى الجملي يخبر سبحانه باقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها وأن الأجرام العلوية يختل نظامها على نحو ما جاء فى قوله: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) روى أنس «أن النبي ﷺ خطب أصحابه ذات يوم وقد كادت الشمس تغرب ولم يبق منها إلا سفّ يسير، فقال: والذي نفسى بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» . وروى أحمد عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بعثت أنا والساعة هكذا، وأشار بإصبعيه السبّابة والوسطى) . ثم ذكر أن الكافرين كلما رأوا علامة من علامات نبوتك أعرضوا وكذبوا بها وقالوا إن هذا إلا سحر منك يتلو بعضه بعضا ثم أخبر أن أمرهم سينتهى بعد حين

стр. 4807

وسيستقر أمرك، وسينصرك الله عليهم نصرا مؤزّرا، ثم أعقب هذا بأن عبر الماضين وإهلاك الله لهم بعد تكذيبهم أنبياءهم كانت جدّ كافية لهم لو أن لهم عقولا يفكرون بها فيما هم قادمون عليه، ولكن أنّى تغنى الآيات والنذر عن قوم قد أضلهم الله على علم وختم على قلوبهم وجعل على سمعهم وبصرهم غشاوة؟. ثم أمر رسوله بالإعراض عنهم وسيخرجون من قبورهم أذلاء ناكسى الرءوس مسرعين إلى إجابة الداعي، يقول الكافرون منهم هذا يوم شديد حسابه، عسر عقابه. الإيضاح (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ) أي دنت الساعة التي تقوم فيها القيامة، وقرب انتهاء الدنيا وهذا كقوله: «أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ» وقوله: «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ» . (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) أي وسينشق القمر وينفصل بعضه من بعض حين يختل نظام هذا العالم وتبدل الأرض غير الأرض، ونحو هذا قوله: «إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وقوله: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ» وكثير غيرهما من الآيات الدالة على الأحداث الكبرى التي تكون حين خراب هذا العالم وقرب قيام الساعة. ويرى جمع من المفسرين أن هذا حدث قد حصل، وأن القمر صار فرقتين على عهد رسول الله ﷺ قبل الهجرة بنحو خمس سنين، فقد صح من رواية الشيخين وابن جرير عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء (جبل بمكة) بينهما، وفى الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة على الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله ﷺ اشهدوا» .

стр. 4808

وجاء عنه أيضا: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: هذا سحر بن أبى كبشة، فقال رجل انتظروا ما يأتيكم به السفّار، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس، فجاء السفار فأخبروهم بذلك» رواه أبو داود والطيالسي، وفى رواية البيهقي «فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا رأيناه، فأنزل الله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر» . والذي يدل على أن هذا إخبار عن حدث مستقبل لا عن انشقاق ماض- أمور: (١) إن الإخبار بالانشقاق أتى إثر الكلام على قرب مجىء الساعة، والظاهر تجانس الخبرين وأنهما خبران عن مستقبل لا عن ماض. (٢) إن انشقاق القمر من الأحداث الكونية الهامة التي لو حصلت لرآها من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم، ولبلع حدا لا يمكن أحدا أن ينكره، وصار من المحسوسات التي لا تدفع، ولصار من المعجزات التي لا يسع مسلما ولا غيره إنكارها. (٣) ما ادعى أحد من المسلمين إلا من شذ أن هذه معجزة بلغت حد التواتر، ولو كان قد حصل ذلك ما كان رواته آحادا، بل كانوا لا يعدّون كثرة. (٤) إن حذيفة بن اليمان وهو ذلكم الصحابي الجليل خطب الناس يوم الجمعة فى المدائن حين فتح الله فارس فقال: ألا إن لله ﵎ يقول: اقتربت الساعة وانشق القمر، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة، فهذا الكلام من حذيفة فى معرض قرب مجىء الساعة وتوقع أحداثها، لا فى كلام عن أحداث قد حصلت تأييدا للرسول وإثباتا لنبوته، لأن ذلك كان فى معرض العظة والاعتبار. وبعد أن ذكر قرب مجىء الساعة وكان ذلك مما يستدعى انتباههم من غفلتهم، والتفكير فى مصيرهم، والنظر فيما جاءهم به الرسول من الأدلة المثبتة لنبوته، والمؤيدة

стр. 4809

لصدقه، لكنهم مع كل هذا ما التفتوا إلى الداعي لهم إلى الرشاد، والهادي لهم إلى سواء السبيل، بل أعرضوا وتولوا مستكبرين كما قال: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) أي وإن ير المشركون علامة تدلهم على حقيقة نبوتك، وترشدهم إلى صدق ما جئت به من عند ربك، يعرضوا عنها ويولوا مكذبين بها، منكرين أن يكون ذلك حقا، ويقولوا تكذيبا منهم بها: هذا سحر سحرنا به محمد، وهو يفعل ذلك على مرّ الأيام. وفى هذا إيماء إلى ترادف الآيات، وتتابع المعجزات. وقال الكسائي والفرّاء واختاره النحاس: إن المراد بالمستمر الذاهب الزائل عن قرب، إذ هم قد عللوا أنفسهم ومنّوها بالأمانى الفارغة، وكأنهم قالوا: إن حاله ﵇ وما ظهر من معجزاته إن هى إلا سحابة صيف عن قريب تقشع، ولكن أيهات أيهات، فقد غرّتهم الأمانى: «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» . ثم أكد ما سبق بقوله: (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) أي وكذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به أهواؤهم، لجهلهم وسخف عقولهم. والخلاصة- إنهم كذبوا النبي ﷺ وتركوا حججه وقالوا: هو كاهن يقول عن النجوم ويختار الأوقات للأفعال، وساحر يسترهب الناس بسحره، إلى أشباه هذا من مقالاتهم التي تدل على العناد وعدم قبول الحق. ثم سلّى رسوله وهدد المشركين بقوله: (وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) أي وكل شىء ينتهى إلى غاية تشاكله، فأمرهم سينتهى إلى الخذلان فى الدنيا والعذاب الدائم فى الآخرة، وأمرك سينتهى إلى النصر فى الدنيا والجنة فى الآخرة.

стр. 4810

وهذه قاعدة عامة تنضوى تحتها حركات الكواكب والأفلاك ونظم العمران وأعمال الأفراد والأمم. وقصارى ذلك- إن أمر محمد ﷺ سيصل إلى غاية يتبين عندها أنه الحق، وأن ما سواه هو الباطل، فقد جرت سنة الله بأن الحق يثبت، والباطل يزهق بحسب ما وضعه فى نظم الخليقة (البقاء للأصلح) . ثم ذكر أنهم فى ضلال بعيد، فإن ما جاء فى القرآن من أخبار الماضين قد كان فيه مزدجر لهم لو كانوا يعقلون، قال: (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) أي ولقد جاء هؤلاء المشركين الذين كذبوا بك واتبعوا أهواءهم- من الأخبار عن الماضين الذين كذبوا الرسل فأحل الله بهم من العقوبات ما قصه فى كتابه- ما يردعهم ويزجرهم عما هم فيه من القبائح، إذ أبادهم فى الدنيا وسيعذبهم يوم الدين جزاء وفاقا لما دنسوا به أنفسهم من الشرك بربهم وعصيان رسله، واجتراحهم للسيئات. ثم بين الذي جاءهم به فقال: (حِكْمَةٌ بالِغَةٌ) أي هذه الأنباء غاية الحكمة فى الهداية والإرشاد إلى طريق الحق لمن اتبع عقله وعصى هواه. (فَما تُغْنِ النُّذُرُ) أي إن النذر لم يبعثوا ليلجئوا الناس إلى قبول الحق، وإنما أرسلوا مبلغين فحسب فليس عليك ولا على الأنبياء قبلك الإغناء والإلجاء إلى اتباع سبيل الهدى، فإذا بلّغت فقد أتيت بما عليك من الحكمة البالغة التي أمرت بها فى نحو قوله «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» وتول عنهم بعدئذ. ونحو الآية قوله «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً» . ثم أمر رسوله ألا يجادلهم ولا يناظرهم فإن ذلك لا يجدى نفعا فقال: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي فأعرض عن هؤلاء المشركين المكذبين ولا تحاجهم،

стр. 4811

فإنهم قد بلغوا حدا لا يقنعون معه بحجة ولا برهان، فأحرى بك ألا تلتفت إلى نصحهم وإرشادهم، فقد عييت بأمرهم، وبرمت بعنادهم. (يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ) أي واذكر حين ينادى الداعي إلى شىء فظيع تنكره نفوسهم، إذ لا عهد لها بمثله، وهو موقف الحساب وما فيه من أهوال. وقد جرت العادة أن من ينصح شخصا لا يؤثر فيه النصح أن يعرض عنه ويقول لسواه ما فيه نصح للمعرض عنه، وهدايته وإرشاده لو أراد. ثم ذكر حال الكافرين فى هذا اليوم فقال: (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ) أي يخرجون من قبورهم ذليلة أبصارهم من هول ما يرون، كأنهم فى انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعى- جراد قد انتشر فى الآفاق. وجاء تشبيهم فى الآية الأخرى بالفراش فى قوله «يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ» . وهم يكونون أولا كالفراش حين يموجون فزعين، لا يهتدون أين يتوجهون، لأن الفراش لا جهة لها تقصدها، ثم يكونون كالجراد المنتشر إذا توجهوا للحشر، فهما تشبيهان باعتبار وقتين، وحكى ذلك عن مكى بن أبى طالب. (مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ) أي مسرعين إلى الداعي لا يخالفون ولا يتأخرون، ويقولون هذا يوم شديد الهول سيىء المنقلب. ونحو الآية قوله: «فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ. عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ» . وفى هذا إيماء إلى أنه هين على المؤمن لا عسر فيه ولا مشقة.

стр. 4812

قصص بعض الأنبياء مع أممهم (١) قصص قوم نوح [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٩ الى ١٧] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) تفسير المفردات وازدجر: أي وزجر عن التبليغ بأنواع الأذى والتخويف، فانتصر: أي فانتقم لى منهم، منهمر: أي كثير كما قال: أعيناى جودا بالدموع الهوامر ... على خير باد من معدّ وحاضر فالتقى الماء: أي ماء السماء وماء الأرض، على أمر: أي على حال، قد قدر: أي قد قدّره الله فى الأزل، ذات ألواح: أي ذات خشب عريضة، دسر: أي مسامير واحدها دسار ككتب وكتاب، بأعيننا: أي بمرأى منه والمراد بحراستنا وحفظنا، كفر: أي جحد به وهو نوح ﵇، تركناها: أي أبقينا السفينة، آية: أي علامة ودليلا، مدكر: أي متذكر ومعتبر، ونذر: واحدها نذير بمعنى إنذار، يسرنا: أي سهلنا، للذكر: أي للعظة والاعتبار، مدكر: أي متعظ بمواعظه. (٦- مراغى- السابع والعشرون)

стр. 4813

المعنى الجملي بعد أن ذكر سبحانه فيما سلف أنه جاءهم من الأخبار ما فيه زاجر لهم لو تذكروا لكن لم تغنهم تلك الزواجر شيئا- أردف هذا ذكر قصص من قبلهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود، ليبين لرسوله أنهم ليسوا ببدع فى الأمم، بل كثير منهم فعلوا فعلهم بل كانوا أشد منهم عتوا واستكبارا، وأن الأنبياء قبله قد لاقوا منهم من البلاء ما لا قيت، فلا تأس على ما فرط منهم، ولا تبتئس بما كانوا يفعلون كما جاء فى قوله سبحانه: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً» . وفى هذا وعيد للمشركين من أهل مكة وغيرهم على تكذيبهم رسولهم، وأنهم إن لم ينيبوا إلى ربهم فسيحل بهم من العذاب مثل ما حل بمن قبلهم، وينجّى نبيه والمؤمنين كما نجّى من قبله من الرسل وأتباعهم من نقمه التي أحلها بأممهم. الإيضاح (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) أي كذب قبل قومك قوم نوح فكانوا أسوة لمن بعدهم من المكذبين للرسل. ثم فصّل هذا التكذيب بقوله: (فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) أي فكذبوا عبدنا نوحا ونسبوه إلى الجنون، وزجروه وتوعدوه، لئن لم ينته ليكونن من المرجومين. وأضاف العبد إليه فى قوله «عبدنا» للاشارة إلى أنه لم يعبد سواه، فهو فى جميع أفعاله لله وإلى أنه صادق فى دعواه النبوة، فهو لا ينطق عن الهوى، فتكذيبهم له قبيح غاية القبح، بالغ نهاية العتوّ والإنكار. ثم بين أنه عيل بهم صبرا، وضاق بهم ذرعا فدعا عليهم فقال: (فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) أي فدعا نوح ربه قائلا إن قومى قد غلبونى لتمردهم وعتوهم، ولا طاقة لى بهم، فانتصر منهم بعقاب من عندك على كفرهم بك.

стр. 4814

وقصارى ذلك- انتصر لك ولدينك، فإنى قد غلبت وعجزت عن الانتصار لهما. ثم أخبر سبحانه أنه قد أجاب دعاءه فقال: (فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ) أي فصببنا عليهم ماء ثجاجا من السماء، وتقول العرب فى المطر الوابل: جرت ميازيب السماء. روى أنهم طلبوا المطر سنين فأهلكهم الله بما طلبوا. وفى الآية إيماء إلى أن الله انتصر منهم، وانتقم بماء لا بجند أنزله. (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) أي وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون متفجرة. (فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) أي فالتقى الماء أي ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدره الله وهو هلاكهم بالطوفان. والخلاصة- إن الله أرسل ماء السحاب مدرارا، وأخرج من الأرض ماء ثجاجا فالتقى الماءان فأحدثا طوفانا على وجه الأرض، فأغرق به قوم نوح، ونجا نوح بركوب سفينته التي بناها كما أشار إلى ذلك فى هود بالتفصيل وأشار إليه هنا بقوله: (وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ) أي وأنقذناه من الطوفان، فحملناه على سفينة ذات خشب ومسامير. وجاء فى سورة العنكبوت «فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ» . وفى هذا إيماء إلى أنه تعالى يوجد الأسباب لتحقيق ما يريد من المسببات، بحسب السنن التي وضعها فى الخليقة، وأنه يمهل الظالمين، ولا يهملهم كما جاء فى الحديث «إن ربك لا يهمل ولكن يمهل» . ثم أشار إلى أنه كان محروسا بعناية الله وكلاءته فقال: (تَجْرِي بِأَعْيُنِنا) أي تجرى محفوظة بحراستنا، فقد كانت بمرأى منافنحن نكلؤها ونرعاها، كما يرعى المرء ما يراه بعينه، ويقع تحت سمعه وبصره، ويقول القائل إذا وصّى آخر بأمر وشدد عليه: اجعله نصب عينيك أي اهتمّ به، ولا تهمله.

стр. 4815

ثم بين أن هذا هو الجزاء العادل على سوء صنيعهم، وكفرهم بربهم فقال: (جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ) أي فعلنا ذلك بهم جزاء كفرهم بآياتنا، وجحودهم بنعمائنا، وتكذيبهم برسولنا. ثم ذكر أنه أبقى السفينة عبرة لمن بعدهم على كر الدهور والأعوام فقال: (وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً) أي ولقد جعلنا السفينة التي حملنا فيها نوحا ومن معه- عبرة لمن بعده من الأمم، ليدبروا ويتعظوا، ويرعووا أن يسلكوا مسلكهم وينهجوا نهجهم فى الكفر بالله وتكذيب رسله، فيصيبهم مثل ما أصابهم من العقوبة وقد رووا أن الله حفظها آمادا طويلة بأرض الجزيرة على جبل الجودىّ. وقال قتادة: أبقاها الله بباقر دى من أرض الجزيرة حتى أدركتها أوائل هذه الأمة. ونحو الآية قوله تعالى: «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ. لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» . (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟) أي فهل من معتبر بتلك الآية الحريّة بالاعتبار، الجديرة بطويل التفكير والتأمل فى عواقب المكذبين برسل الله، الجاحدين بوحدانيته، المتخذين له الأنداد والأوثان. ثم بين سبحانه شديد نكاله وعقابه فقال: (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟) أي ما أشد ما أنزلته بهم من البوار والهلاك، وما أفظع إنذارى لهم بما أحللته بهم من النقمة بعد النعمة، وهكذا عاقبة كل مكذب جبار. ولا يخفى ما فى هذا من شديد الوعيد، وعظيم التهديد، لكل باغ عنيد، ساخط على الرسل، مكذب بربه. والخلاصة- انظر كيف كان عذابى لمن كفر بي، وكذب رسلى، وكيف انتصرت لهم، وأخذت أعداءهم بما يستحقون؟.

стр. 4816

ثم ذكر أن هذا القصص وأمثاله إنما ذكر فى القرآن للعبرة، لا ليكون قصصا تاريخيا يتلى، فقال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي ولقد سهلنا لفظه، ويسرنا معناه، وملأناه بأنواع العبر والمواعظ، ليتعظ به من شاء، ويتدبر من أراد «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ» . ونحو الآية قوله: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» وقوله: «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا» روى الضحاك عن ابن عباس قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله . (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي فهل من متعظ به، مزدجر عن معاصيه، أي ما أقل من تذكر به، واتعظ بأمره ونهيه. (٢) قصص عاد قوم هود [سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٢٢] كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) تفسير المفردات الريح الصرصر: الباردة أشد البرد، والنحس: الشؤم، منقعر: أي مقتلع من أصوله يقال قعرت النخلة: أي قلعتها من أصلها فانقعرت.

стр. 4817

المعنى الجملي بعد أن ذكر قصص قوم نوح وما فيه من العبرة لمن تدبر وفكر، أعقبه بقصص عاد قوم هود، ليبين للمكذبين أن عاقبة كل مكذب الهلاك والبوار وإن تعددت أسبابه. ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحد فقد أرسل الله عليهم ريحا عاصفا، لصوتها صرير حين هبوطها فى يوم شؤم عليهم، واستمر بهم البلاء حتى حل بهم الدمار، وكانت الريح لشدتها تقتلع الناس من الأرض وترفعهم إلى السماء ثم ترمى بهم على رءوسهم، فتندقّ رقابهم، وتبين من أجسامهم، فانظروا أيها المكذبون إلى ما حل بهم من العذاب جزاء تكذيبهم لرسوله، كما هى سنة الله فى أمثالهم من المكذبين. الإيضاح (كَذَّبَتْ عادٌ) أي كذبت عاد نبيهم هودا فيما أتاهم به عن الله، كما كذبت قوم نوح من قبلهم نبيهم. (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) أي فانظروا معشر قريش، كيف كان عذابى إياهم، وعقابى لهم على كفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله هودا، وإنذارى من سلك سبيلهم وتمادى فى الغىّ والضلال بحلول مثل ذلك العقاب به. وفى هذا توجيه لقلوب السامعين إلى الإصغاء لما يلقى عليهم قبل ذكره، وتعجيب من حالهم بعد بيانه، كأنه قيل: كذبت عاد فانظروا كيف كان عذابى وإنذارى لهم به قبل نزوله. ثم فصّل ما أجمله أولا فقال:

стр. 4818

(إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) أي إنا بعثنا إلى عاد إذ تمادوا فى طغيانهم وكفرهم بربهم ريحا شديدة العصوف فى برد، لصوتها صرير، فى زمن شؤم ونحس عليهم، إذ ما زالت مستمرة حتى أهلكتهم. ونحو الآية قوله: «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ» وقوله: «سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» أي متتابعة. وما روى من شؤم بعض الأيام فلا يصح شىء منه، فالأيام كلها لله، لا ضرر فيها لذاتها، ولا محذور منها، ولا سعد فيها ولا نحس، فما من يوم يمر إلا وهو سعد على قوم ونحس على آخرين، باعتبار ما يحدثه الله فيه من الخير والشر لهم، فكل منها يتصف بالأمرين: ألا إنما الأيام أبناء واحد ... وهذى الليالى كلها أخوات وتخصيص كل يوم بعمل كما يزعم بعض الناس وينسبون فى ذلك أبياتا إلى على كرم الله وجهه، لا يصح منه شىء، وإنما هو نزغات شيعيّة لا تستند إلى ركن من الدين ركين. (تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) أي تقتلعهم حتى يصيروا كأنهم أعجاز نخل قد انقلع من مغارسه فى الأرض. وفى الآية إيماء إلى أن الريح كانت تقتلع رءوسهم فتبقى الأجسام ولا رءوس لها، وإلى أنهم كانوا ذوى جثث عظام طوال كالنخل، وإلى أنهم أعملوا أرجلهم فى الأرض وقصدوا بذلك مقاومة الريح، وإلى أن الريح جعلتهم كأنهم خشب يابسة لشدة بردها. ثم هوّل من أمر العذاب والإنذار بعد بيانهما فقال: (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) أي فانظروا كيف كان عذابى وإنذارى، وقد كرره تعظيما لشأنه، وهذه سنة فى بليغ الكلام، فى باب النصح والإرشاد، وباب

стр. 4819

التهديد والوعيد، وقد يكون الأول إشارة إلى عذاب الدنيا، والثاني إلى عذاب الآخرة كما جاء فى قصصهم فى آية أخرى «لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ» . (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) الكلام فيه كسابقه فلا نعيده. (٣) قصص ثمود [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٢٣ الى ٣٢] كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) تفسير المفردات بالنذر: أي بالرسل، وتكذيب صالح تكذيب لهم جميعا لاتفاقهم على أصول الشرائع، وسعر: أي جنون، ومنه ناقة مسعورة: إذا كانت تفرط فى سيرها كأنها مجنونة، والذكر: الوحى والمراد بالغد وقت نزول العذاب بهم، والأشر: شديد البطر، والبطر: دهش يعترى الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلة القيام بحقها، فتنة: أي

стр. 4820

امتحانا واختبارا، فارتقبهم: أي فانتظرهم، واصطبر: أي واصبر على أذاهم، والشّرب: النصيب، محتضر: أي يحضره صاحبه فى نوبته، فتحضر الناقة مرة ويحضرون أخرى، صاحبهم: هو قدار بن سالف أحيمر ثمود، فتعاطى: أي فاجترأ على تعاطى الأمر العظيم غير مكترث به، فعقر: أي فضرب قوائم الناقة بالسيف، صيحة واحدة: هى صيحة صاحها جبريل ﵇، والهشيم: ما تهشم وتفتت من الشجر، والمحتظر: الذي يعمل الحظيرة فتتساقط منه بعض أجزاء وتتفتت حال العمل. المعنى الجملي قص الله علينا قصص ثمود مع نبيها صالح، إذ قالوا: أنحن العدد الجمّ، والكثرة الساحقة، نتبع واحدا منا لا امتياز له عنا؟ إنا إذا فعلنا ذلك لفى ضلال وبعد عن محجة الصواب، وإنه لكاذب فيما يدّعيه من الوحى عن ربه، وما هو إلا بشر وليس بملك، فقال لهم ربهم، ستعلمون بعد حين قريب من الكذاب البطر؟ وقد جعلنا ناقته فتنة واختبارا لهم، فأمرناه أن يخبرهم بأن ماء البئر يقسم بينها وبينهم، فلها يوم ولهم آخر، فما ارتضوا هذا وقام فاسقهم قدا وعقر الناقة فخرت صريعة، فجازاهم الله فأرسل عليهم العذاب فصاروا كالهشيم الذي يتفتت حين بناء حظيرة الماشية. الإيضاح (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) أي كذبت ثمود بنذر الله ورسله الذين بعثهم لخلقه، وهم وإن كذبوا صالحا فحسب، فإن تكذيبه تكذيب لهم جميعا، لاتفاقهم على الأصول العامة للتشريع، وهى التوحيد ومجىء الرسل واليوم الآخر. ثم فصل تكذيبهم وحكى عنهم مقالهم فقال: (فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؟) أي أنتبع واحدا من الدهماء، لا من علية

стр. 4821

القوم ولا من أشرافهم، وليس له ميزة عن امرئ منا بعلم ظاهر، ولا ثروة وغنى، تجعله يدّعى أن يكون الزعيم لنا. ثم ذكروا وجه إصرارهم على تكذيبه بقولهم: (إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) أي إنا لو اتبعناه نكون قد ضللنا الصراط السوىّ، وجانبنا الصواب، وصرنا لا محالة إلى الجنون الذي لا يرضى به عاقل لنفسه. روى أن صالحا كان يقول لهم: إن لم تتبعونى كنتم فى ضلال عن الحق وسعر، فعكسوا عليه مقاله بعتوّهم واستكبارهم فقالوا: إنا إن اتبعناك كنا كما تقول: ثم بالغوا فى العتو والإنكار وتعجبوا من أمره ونسبوه إلى الاختلاق والكذب فقالوا: (أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ) أي أأنزل عليه الوحى من بيننا وأوتى النبوة وهو واحد منا؟ ولم اختصه الله بإنزال الشرائع عليه وهو ليس بملك مكرّم؟ الحق إنه لكذاب متجبر، يريد أن تكون له السيطرة والسلطان علينا، ويودّ أن يكون الرئيس المطاع، وما ذاك إلا بما زينته له نفسه، وأغواه به الشيطان، ولا يستند إلى وحي سماوى، ولا أمر إلهى. ثم حكى سبحانه ما قاله لصالح وعدا له ووعيدا لقومه فقالوا: (سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ؟) أي سيعلمون عن قريب حين يحل بهم الهلاك الدنيوي- من الكذاب البطر الذي حمله بطره على ما فعل، أصالح فى دعواه الرسالة من ربه، وأنه أمره بالتبليغ لهداية قومه إلى الحق وإلى طريق مستقيم، أم هم فى تكذيبهم إياه ودعواهم عليه الاختلاق والكذب؟. وقصارى ذلك- سيتبين لهم أنهم هم الكذابون الأشرون. وأورد الكلام على طريق الإبهام للإشارة إلى أنه مما لا يخفى، جريا على أساليبهم كقوله تعالى آمرا رسوله أن يقول للمشركين: «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» وقوله:

стр. 4822

فلئن لقيتك خاليين لتعلمن ... أيّى وأيك فارس الأحزاب ثم ذكر مقدمات العذاب الموعود به فقال: (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ) أي إنا مخرجو الناقة من الهضبة التي طلبوا من نبيهم بعثها منها، لتكون آية لهم، وحجة على صدقه فى ادعائه النبوة، وتكون فتنة واختبارا لهم، أيؤمنون بالله ويتبعونه فيما أمرهم به من توحيد، أم يكذبونه ويكفرون به؟. (فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) أي فانتظر ماذا يفعلون؟ وأبصر ماذا يصنعون؟ واصبر على أذاهم ولا تعجل حتى يأتى أمر الله، فإن الله ناصرك، ومهلك عدوك. (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) أي وأخبرهم أن ماء بئرهم مقسوم بينهم وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم، وكل حصة منه يحضر صاحبها ليأخذها فى نوبته، فتحضر الناقة تارة، ويحضرون هم أخرى. وقد جعلت القسمة على هذا الوجه لمنع الضرر، لأن حيوان القوم كانت تنفر منها، ولا ترد الماء وهى عليه، فصعب ذلك عليهم. (فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ) أي فملّت ثمود هذه القسمة، وأرادوا الخلاص منها، فنادوا قدار بن سالف وكان أشقاهم ليعقرها وحضّوه على ذلك، فلبّى طلبهم وتناولها بيده وأهوى بالسيف ضربا على قوائمها، فخرت صريعة. ثم ذكر عقابهم الفظيع فقال: (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ؟) قد سبق تفسير هذا. ثم فصل هذا العذاب بقوله: (إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) أي إنا أرسلنا جبريل فصاح بهم صيحة فصاروا كالحشيش البالي الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته، وكأنهم هلكوا من أمد بعيد.

стр. 4823

وقصارى ذلك- إنهم بادوا عن آخرهم ولم تبق منهم باقية، وهمدوا كما يهمد يبيس الزرع والنبات. (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟) مرّ بيان هذا. (٤) قصص قوم لوط [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٣٣ الى ٤٠] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) تفسير المفردات حاصبا: أي ريحا ترميهم بالحصباء وهى الحصا، قال فى الصحاح: الحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء، والحصب (بفتحتين) ما تحصب به النار: أي ترمى، وكل ما ألقيته فى النار فقد حصبتها به، والسحر: السدس الأخير من الليل، وقال الراغب: السحر والسّحرة: اختلاط ظلام آخر الليل بصفاء النهار، والبطش: الأخذ الشديد بالعذاب، فتماروا بالنذر: أي فشكوا فى الإنذارات ولم يصدقوها، راودوه عن ضيفه: أي صرفوه عن رأيه فيهم فطلبوا منه أن يسلم إليهم أضيافه ليفجروا بهم، فطمسنا أعينهم: أي فحجبناها عن الأبصار فلم تر شيئا، بكرة: أي أول النهار، مستقرّ: أي دائب بهم إلى أن يهلكوا

стр. 4824

المعنى الجملي ذكر هنا تكذيب قوم لوط لنبيهم ومخالفتهم إياه، واجتراحهم من السيئات ما لم يسبقهم به أحد من العالمين، بإتيانهم الذكران دون النساء، ثم أردفه ذكر عذابهم بإرسال حجارة من سجيل عليهم إلا من آمن منهم، فقد نجاهم بسحر، وما أهلكهم إلا بعد أن أنذرهم عذابه على لسان رسوله فكذبوه. الإيضاح (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ) أي كذبت قوم لوط بآيات الله التي أنذرهم بها. ثم أعقبه بذكر جزائهم على هذا التكذيب ونجاة من آمن منهم فقال: (إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ) أي إنا عاقبناهم بإرسال ريح تحمل الحصباء، وما زالت بهم حتى دمرتهم، إلا من آمن منهم، فإنا أمرناهم بالخروج آخر الليل لينجوا من الهلاك. ثم بين أن سبب إنجاء المؤمنين هو شكرانهم للنعمة فقال: (نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) أي أنعمنا عليهم بالنجاة كرامة لهم منا، وهكذا نجزى من شكرنا على نعمتنا وأطاعنا فائتمر بأمرنا، وانتهى عما نهينا عنه. ثم ذكر أنه ما أهلك من أهلك إلا بعد أن أنذرهم عذابه وخوفهم بأسه فقال: (وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ) أي ولقد أنذرهم نبيهم بأس الله وعذابه، قبل حلوله بهم، فما التفتوا إلى ذلك ولا أصغوا إليه، بل شكّوا فيه وتماروا به. ثم بين جرمهم الذي استحقوا به العذاب فقال: (وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ) أي طلبوا منه ضيوفه وهم الملائكة الذين جاءوا فى صورة شباب مرد حسان، محنة من الله لهم، إذ قد بعثت إليهم امرأته العجوز السوء

стр. 4825

فأعلمتهم بأضيافه، فأقبلوا إليه يهرعون من كل مكان، فأغلق لوط عليهم الباب، فجعلوا يعالجونه ليكسروه، وهو يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه ويقول لهم: هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم، فقالوا له: لقد علمت مالنا فى بناتك من أرب، وإنك لتعلم ما نريد، فلما اشتد بينهم الصراع وأبوا إلا الدخول- طمس الله أبصارهم فلم يروا شيئا، وهذا ما عناه سبحانه بقوله: (فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ) فجعل بعضهم يجول فى بعض ولا يرون شيئا، ويقولون: أين ضيوفك؟ وقد تقدم تفصيل ذلك فى سورة هود. (فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ) أي فقلنا لهم على ألسنة ملائكتنا: ذوقوا هذا العذاب عذاب طمس الأعين وما بعده بعد أن أنذرتكم على سوء أفعالكم، وقبيح خلالكم. ثم بين وقت مجىء العذاب فقال: (وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ) أي ولقد نزل بهم العذاب وقت البكور وما زال ملحّا عليهم حتى أخمدهم، وبلغ غايته فى دمارهم وهلاكهم. ثم حكى ما قيل لهم بعد التصبيح من جهته تعالى تشديدا للعذاب فقال: (فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ) أي فذوقوا جزاء أفعالكم من عذاب عاجل، وما لزم من إنذاركم من عذاب آجل. (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟) هذه الجملة القسمية وردت فى آخر كل قصة من القصص الأربع، تقريرا لمضمون ما سبق من قوله: (وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ) وتنبيها إلى أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الادّكار، كافية فى الازدجار، ولم يحصل بها مع هذا عظة واعتبار. وقد جاء هذا التكرير فيما سيأتى فى سورة الرحمن من قوله: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» وقوله فى سورة المرسلات: «فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» .

стр. 4826

وهذا كثير فى كلام العرب إذا أرادوا العناية بما فيه من هامّ الأمور، كقول مهلهل فى رثاء أخيه كليب حين قتل: قرّبا مربط النعامة منّى ... لقحت حرب وائل عن حيالى قرّبا مربط النعامة منّى ... شاب رأسى وأنكرتنى عيالى وهى طويلة جارية على هذا السنن، والنعامة فرسه، ولقحت: أي حملت. (٥) قصص آل فرعون [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤١ الى ٤٢] وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) تفسير المفردات النذر: واحدها نذير بمعنى إنذار وهى الآيات التسع التي أنذرهم بها موسى صلوات الله عليه، عزيز: أي لا يغالب ولا يغلب، مقتدر: أي لا يعجزه شىء. الإيضاح (وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) أي تالله لقد توالت عليهم الإنذارات، وجاءتهم الآية تلو الآية فكذبوا بها. ثم أبان ما فعلوه على توالى النذر فقال: (كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها) أي كذبوا بأدلتنا وبرهاناتنا التي أرسلناها إلى موسى، وقد تقدم ذكرها فى سورة الأعراف. ثم ذكر جزاءهم على ذلك فقال:

стр. 4827

(فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) أي فعاقبناهم بكفرهم بالله- عقوبة مقتدر على ما يشاء غير عاجز ولا ضعيف. توبيخ قريش على كفرهم بربهم [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤٣ الى ٤٦] أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦) تفسير المفردات براءة: أي صك مكتوب بالنجاة من العذاب، والزبر: الكتب السماوية واحدها زبور، يولون: أي يرجعون، والدبر: أي الأدبار هار بين منهزمين، والساعة: هى القيامة، موعدهم: أي موعد عذابهم، أدهى: أي أعظم داهية وهى الأمر الفظيع الذي لا يهتدى الخلاص منه، يقال دهاه أمر كذا: أي أصابه، وأمرّ: أي أشد مرارة فى الذوق والمراد الشدة والهول. المعنى الجملي بعد أن ذكر سبحانه قصص قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون، وفصّل ما أصيبوا به من عذاب الله الذي لا مرد له، بسبب كفرهم بآياته وتكذيبهم لرسله- أعقب هذا بتنبيه كفار قريش إلى أنهم إن لم يثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا عن غيهم فستحل بهم سنتنا، ويحيق بهم من البلاء مثل ما حل بأضرابهم من المكذبين من قبلهم، ولا يجدون عنه محيصا ولا مهربا، ثم خاطبهم خطاب إنكار

стр. 4828

وتوبيخ فقال لهم: علام تتكلون، وماذا تظنون؟ أأنتم خير ممن سبقكم عددا وكثرة مال وبطشا وقوة، أم لديكم صكّ من ربكم بأنه لن يعذبكم مهما أشركتم واجترحتم من السيئات؟ أم أنكم تظنون أنكم جمع كثير لا يمكن أن ينال بسوء، ولا تصل إلى أذاكم يد مهما أوتيت من القوة؟ كلا إن شيئا من هذا ليس بكائن، وإنكم ستهزمون وتولون الأدبار فى الدنيا وسيحل بكم قضاء الله الذي لا مفر منه، وما سترونه فى الآخرة أشد نكالا، وأعظم وبالا، فأفيقوا من غفلتكم، وأنيبوا إلى ربكم، عسى أن يرحمكم. الإيضاح (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ) أي أكفاركم يا معشر قريش خير من أولئكم الذين أحللت بهم نقمى من قوم نوح وعاد وثمود؟ فيأملوا أن ينجوا من عذابى ونقمتى، على كفرهم بي وتكذيبهم رسولى. وتلخيص المعنى- ما كفاركم خير ممن سبقهم، فهم ليسوا بأكثر منهم قوة، ولا أوفر عددا، ولا ألين شكيمة فى الكفر والعصيان والضلال والطغيان، وقد أصاب من هم خير منهم ما أصابهم، فكيف يطمعون فى المهرب من مثل ذلك، فليثوبوا إلى رشدهم، وليرجعوا عن غيّهم قبل أن يندموا ولات ساعة مندم. ثم انتقل من توبيخهم الأول إلى توبيخ أشد منه فقال: (أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ) أي أم لكم صك بالبراءة من تبعات ما تجترحون من السيئات، وأن ربكم لن يعاقبكم على ما تدسّون به أنفسكم من الشرور والآثام؟ فأنتم على هذا الصك تعتمدون، وبهذا الوعد آمنون، حقا إنكم لتطمعون فى غير مطمع، وليس بين أيديكم ولا قلامة ظفر من هذا- فعلام تتكلون؟ وإلام تستندون؟

стр. 4829

(أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) أي بل هم يقولون نحن واثقون بشوكتنا، فنحن قوم أمرنا مجتمع، لا نرام ولا نضام، وإنا منصورون على من قصدنا بسوء، أو أراد حربنا وتفريق جمعنا. وجماع القول- إنه تعالى سدّ عليهم المسالك، ونقض جميع المعاذير التي ربما تعللوا بها فى عدم تصديقهم بالرسول، وفى كفرهم بآيات ربهم، فقال لهم: لم لا تخافون أن يحل بكم مثل ما حل بمن قبلكم؟ أأنتم أقل كفرا وعنادا منهم، فيكون ذلك سبب الأمن من حلول مثل عذابهم بكم؟ أم أعطاكم الله براءة من عذابه؟ أم أنتم أعز منهم جندا فأنتم تنتصرون على جند الله؟ ثم رد عليهم مقالهم وأبان لهم أنهم يعيشون فى بحر من الأوهام، وأن قضاء الله سيحل بهم، وسيهزمون ويولون الأدبار متى جاء قضاؤه فقال: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) أي سيتفرق شملهم ويغلبون حين يلتقى جيشهم وجيش المؤمنين، وقد صدق الله وعده، فانهزموا وولوا الأدبار يوم بدر، وكان هذا دليلا من دلائل النبوة، فإن الآية نزلت بمكة ولم يكن له ﷺ يومئذ جيش، بل كان أتباعه مشرّدين فى الآفاق، يلاقون العذاب من المشركين فى كل صوب، حتى لقد قال عمر رضى الله عنه: لما نزلت لم أعلم ما هى؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يلبس الدرع ويقول: سيهزم الجمع فعلمته- ثم استمر انهزامهم بعد. روى البخاري عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ قال وهو فى قبّة له يوم بدر: أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم فى الأرض أبدا فأخذ أبو بكر رضى الله عنه بيده وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك، فخرج وهو يثب فى الدرع ويقول: « (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) » .

стр. 4830

ثم بين أن هذا عذاب الدنيا وسيلاقون يوم القيامة ما هو أشد منه نكالا فقال: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) أي إن ما سيلاقونه من العذاب فى الدنيا من الهزيمة والقتل والأسر- هيّن إذا قيس على ما سيلاقونه من العذاب فى الآخرة، فإن ذا أشد وآلم، فهو عذاب خالد دائم، وسيأتى بعد وصف ما فيه من فظاعة ونكر. [سورة القمر (٥٤) : الآيات ٤٧ الى ٥٥] إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) تفسير المفردات المراد بالمجرمين: المشركون كما جاء فى قوله: «يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ» . فى ضلال: أي فى الدنيا عن الحق، وسعر: أي نيران واحدها سعير، يسحبون: أي يجرّون، سقر: اسم لجهنم، ومسها: حرها، بقدر: أي مقدر مكتوب فى اللوح المحفوظ، أمرنا: أي شأننا، واحدة: أي كلمة واحدة وهى قوله (كن) كلمح البصر: أي فى اليسر والسرعة، أشياعكم: أي أشباهكم فى الكفر من الأمم السالفة، واحدهم شيعة، وهم من يتقوى بهم المرء من الأتباع، مدكر: أي متعظ، فى الزبر: أي فى كتب الحفظة،

стр. 4831

مستطر: أي مسطور مكتوب فى اللوح بتفاصيله، نهر: أي أنهار، فى مقعد صدق: أي فى مكان مرضى، عند مليك مقتدر: أي عند ملك عظيم القدرة واسع السلطان. المعنى الجملي بعد أن ذكر تكذيب الأمم الماضية لرسلها كما كذبت قريش نبيها، وأعقبه بذكر ما أصابهم فى الدنيا من العذاب والهوان- أردف ذلك ذكر ما سينالهم من النكال والوبال فى الآخرة، فبين أنهم سيساقون على وجوههم إلى جهنم سوقا، إهانة وتحقيرا لهم، ويقال لهم حينئذ توبيخا وتعنيفا: ذوقوا عذاب النار وشديد حرها. ثم أعقبه ببيان أن كل شىء فهو بقضاء الله وقدره، وإذا أراد الله أمرا فإنما يقول له كن فيكون، ثم نبههم إلى ما كان يجب عليهم أن يتنبهوا له من هلاك أمثالهم من الأمم التي كذبت رسلها من قبل، وفعلت فعلها فأخذها أخذ عزيز مقتدر ثم ختم السورة بذكر ما يتمتع به المتقون فى جنات النعيم، من إجلال وتعظيم، ويرون ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الإيضاح (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) أي إن المشركين بالله المكذبين لرسله- فى ضلال عن الصراط المستقيم، وعماية عن الهدى فى الدنيا، وعذاب أليم فى نار جهنم يوم القيامة. ثم بين ما يلحقهم من الإهانة والإذلال حينئذ فقال: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) أي يعذبون ويهانون يوم يجرّون على وجوههم فى النار، ويقال لهم إيلاما وتعنيفا: ذوقوا حر النار وآلامها جزاء وفاقا لتكذيبكم رسل ربكم فى كل ما جاءوا به من الإنذار بهذا اليوم، والتحذير مما يقع فيه للكافرين من العذاب، والتبشير بما للمتقين فيه من ثواب.

стр. 4832

ثم بين أن كل ما يوجد فى هذه الحياة فهو لا يحدث اتفاقا، وإنما يحصل بقضاء الله وقدره فقال: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) أي إن كل كائن فى هذه الحياة، فهو بتقدير الله وتكوينه على مقتضى الحكمة البالغة والنظام الشامل، وبحسب السنن التي وضعها فى الخليقة. ونحو الآية قوله: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً» وقوله: «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى» وفى الحديث الصحيح «استعن بالله ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل: قدر الله وما شاء فعل، ولا تقل لو أنى فعلت لكان كذا، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان» وفى حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: « ... واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشىء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشىء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، جفت الأقلام، وطويت الصحف» . وبعد أن بين نفاذ قدره فى خلقه بين نفاذ مشيئته فيهم فقال: (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) أي إنا إذا أردنا أمرا قلنا له كن فإذا هو كائن ولا يحتاج إلى تأكيد الأمر بثانية ولا ثالثة، ولله در القائل: إذا أراد الله أمرا فإنما ... يقول له (كن) قولة فيكون وهذا تمثيل لسرعة نفاذ المشيئة فى إيجاد الخلق، فهى كلمح البصر أو هى أقرب. وجماع القول- ما أمرنا للشىء إذا أردنا إيجاده إلا قولة واحدة (كن) فيكون لا مراجعة فيها ولا ردّ، فهى فى السرعة كلمح البصر لا إبطاء ولا تأخير. ثم أنبهم على ما هم فيه من غفلة وعماية عن الحق بعد وضوحه فقال: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟) أي ولقد أهلكنا أشباهكم يا معشر قريش من المكذبين لأنبيائهم من الأمم الخالية، واستأصلنا شأفتهم بحسب سنتنا فى أمثالهم، بشتى العقوبات، ومختلف الوسائل «وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ.

стр. 4833

وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ؟» أفما كان لكم فى ذلك مزدجر تعتبرون به، فتنيبوا إلى ربكم وتسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون؟ ونحو الآية قوله: «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ» ثم بين لهم أن كل أعمالهم محصاة عليهم وسيحاسبون على النقير والقطمير فقال: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) أي وكل شىء يفعلونه، فيدسون به أنفسهم من الكفر والمعاصي، ويدنسونها به من الأرجاس والآثام فهو مقيّد لدى الكرام الكاتبين كما قال: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» فما من صغيرة ولا كبيرة إلا وهى مسطورة فى دواوينهم، وصحائف أعمالهم، فليحذروا ما هم عليه قادمون من الحساب العسير على الجليل والحقير، يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. روى الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «يا عائشة إياك ومحقّرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا» . وقيل: لا تحقرنّ من الذنوب صغيرا ... إن الصغير غدا يعود كبيرا إن الصغير وإن تقادم عهده ... عند الإله مسطّر تسطيرا فاسأل هدايتك الإله فتتئد ... فكفى بربك هاديا ونصيرا وبعد أن ألمع إلى ما يصيب الكافرين من الإهانة فى ذلك اليوم- أردفه ما يناله المتقون من الكرامة عند ربهم، وما يحظون به من الشرف والزلفى، بحسب سنة القرآن من ذكر الثواب إثر العقاب والعكس بالعكس فقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) أي إن الذين اتقوا عقاب ربهم فأطاعوه، وأدوا فرائضه واجتنبوا معاصيه، وأخلصوا له العمل فى السر والعلن، يثبهم بما عملوا جنات تجرى من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور

стр. 4834

من ذهب، ويجلسون على فرش بطائنها من إستبرق، ويجدون فيها من النعيم ما لا يخطر على قلب بشر، كفاء ما بذلوا من الصبر على شاقّ الطاعات، وحرموا منه أنفسهم من اللذات، كما قيل للربيع بن خيثم وقد صلّى حتى ورمت قدماه، وتهجد حتى غارت عيناه: أتعبت نفسك، فقال: راحتها أطلب. كما ينالون الزلفى عند ربهم القادر على جزائهم بإحسانه وجوده، وفضله ومنته فكل شىء تحت قبضته وسلطانه، لا يمانع ولا يغالب، وهو العزيز الحكيم. اللهم احشرنا فى زمرتهم واجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه، إنك أنت السميع المجيب، ذو الطّول العظيم. خلاصة موضوعات هذه السورة الكريمة (١) الإخبار بقرب مجىء الساعة. (٢) تكذيب المشركين للرسول وقولهم فى معجزاته: إنها سحر مفترى. (٣) غفلتهم عما فى القرآن من الزواجر. (٤) أمر الرسول ﷺ بالإعراض عنهم حتى يأتى قضاء الله فيهم. (٥) إنذارهم بأنهم سيحشرون أذلاء ناكسى الرءوس مسرعين كأنهم جراد منتشر. (٦) قصص المكذبين من سالفى الأمم كقوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون، وما لا قوه من الجزاء على تكذيبهم. (٧) توبيخ المشركين على ما هم فيه من الغفلة عن الاعتبار بهذه النذر. (٨) ما يلاقونه من الجزاء فى الآخرة إهانة وتحقيرا لهم. (٩) بيان أن كل ما فى الوجود فهو بقضاء الله وقدره. (١٠) نفاذ مشيئة الله وسلطانه فى الكون. (١١) بيان أنّ كل أعمال المرء فى كتاب قد خطه الكرام الكاتبون. (١٢) ما أوتيه المتقون من الكرامة عند ربهم وما لهم من الزلفى لديه.

стр. 4835

سورة الرحمن هى مكية وآيها ثمان وسبعون، نزلت بعد سورة الرعد. ووجه صلتها بما قبلها: (١) إن فيها تفصيل أحوال المجرمين والمتقين التي أشير إليها فى السورة السابقة إجمالا فى قوله: «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ» وقوله: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ» (٢) إنه عدّد فى السورة السابقة ما نزل بالأمم التي قد خلت من ضروب النقم وبين عقب كل ضرب منها أن القرآن قد يسّر لتذكر الناس وإيقاظهم، ثم نعى عليهم إعراضهم- وهنا عدد ما أفاض الله على عباده من ضروب النعم الدينية والدنيوية فى الأنفس والآفاق، وأنكر عليهم إثر كل فن منها إخلالهم بموجب شكرها. (٣) إن قوله: «الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ» كأنه جواب سائل يقول: ماذا صنع المليك المقتدر، وما أفاد برحمته أهل الأرض؟. [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١ الى ١٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)
следующие страницы →