Полный текст (5 571 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.
стр. 5531
وقد يكون المراد بالاطلاع المعرفة والعلم، وكأن هذه النار تدرك ما فى أفئدة الناس يوم البعث، فتميز العاصي عن المطيع، والخبيث عن الطيب، وتفرق بين من اجترحوا السيئات فى حياتهم الأولى، ومن أحسنوا أعمالهم، وإنا لنكل أمر ذلك إلى علام الغيوب.
وفى وصفها بالاطلاع على الأفئدة التي أودعت باطن الإنسان فى أخفى مكان منه- إشارة إلى أنها إلى غيره أشد وصولا وأكثر تغلبا.
(٢) (إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) أي إنها مطبقة عليهم لا يخرجون منها، ولا يستطيعون الخروج إذا شاءوا، فهم «كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها» .
(٣) (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) قال مقاتل: إلا الأبواب أطبقت عليهم، ثم شدّت بأوتاد من حديد، فلا يفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح اهـ.
والمراد بذلك تصوير شدة إطباق النار على هؤلاء وإحكامها عليهم، والمبالغة فى ذلك ليودع فى قلوبهم اليأس من الخلاص منها.
وعلينا أن نؤمن بذلك ولا نبحث عن كون العمد من نار أو حديد ولا فى أنها تمتد طولا أو عرضا، ولا فى أنها مشبهة لعمد الدنيا، بل نكل أمر ذلك إلى الله، لأن شأن الآخرة غير شأن الدنيا، ولم يأتنا خبر من الرسول ﷺ يبين ذلك، فالكلام فيه قول بلا علم، وافتراء على الله الكذب.
نسأل الله أن يحفظنا من غضبه، وبقينا شر النار الموصدة، بمنه وكرمه.
стр. 5532
سورة الفيل
هى مكية، وآياتها خمس، نزلت بعد سورة الكافرين.
ومناسبتها لما قبلها- أنه بين فى السورة السابقة أن المال لا يغنى من الله شيئا وهنا أقام الدليل على ذلك بقصص أصحاب الفيل.
[سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
شرح المفردات
الكيد: إرادة وقوع ضر بغيرك على وجه الخفاء، والتضليل: التضييع والإبطال تقول ضلّلت كيد فلان إذا جعلته باطلا ضائعا، والطير: كل ما صار فى الهواء، صغيرا كان أو كبيرا، والأبابيل: الجماعات، لا واحد له من لفظه، والسجيل: الطين الذي تحجر، والعصف: ورق الزرع الذي يبقى بعد الحصاد، وتعصفه الرياح: فتأكله الماشية، مأكول: أي أكلت الدواب بعضه وتناثر بعضه الآخر من بين أسنانها.
المعنى الجملي
ذكّر الله سبحانه نبيه ومن تبلغه رسالته بعمل عظيم دالّ على بالغ قدرته، وأن كل قدرة دونها فهى خاضعة لسلطانها- ذاك أن قوما أرادوا أن يتعززوا بفيلهم
стр. 5533
ليغلبوا بعض عباده على أمرهم، ويصلوا إليهم بشرّ وأذى، فأهلكهم الله، وردّ كيدهم، وأبطل تدبيرهم، بعد أن كانوا فى ثقة بعددهم وعددهم ولم يفدهم ذلك شيئا.
قصص أصحاب الفيل كما رواه أرباب السير
حادث الفيل معروف متواتر لدى العرب، حتى إنهم جعلوه مبدأ تاريخ يحددون به أوقات الحوادث، فيقولون: ولد عام الفيل، وحدث كذا لسنتين بعد عام الفيل، ونحو ذلك.
وخلاصة ما أجمع عليه رواتهم- أن قائدا حبشيا ممن كانوا قد غلبوا على اليمن أراد أن يعتدى على الكعبة المشرّفة ويهدمها، ليمنع العرب من الحج إليها، فتوجه بجيش جرار إلى مكة، واستصحب معه فيلا أو فيلة كثيرة زيادة فى الإرهاب والتخويف ولم يزل سائرا يغلب من يلاقيه، حتى وصل إلى «المغمّس» وهو موضع بالقرب من مكة، ثم أرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما جاء لهدم البيت، ففزعوا منه، وانطلقوا إلى شعف الجبال ينظرون ما هو فاعل.
وفى اليوم الثاني فشا فى جند الحبشي داء الجدرىّ والحصبة، قال عكرمة:
وهو أول جدرىّ ظهر ببلاد العرب، ففعل ذلك الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط، فذعر الجيش وصاحبه وولّوا هاربين، وأصيب الحبشي ولم يزل لحمه يسقط قطعة قطعة، وأنملة أنملة، حتى انصدع صدره ومات فى صنعاء.
الإيضاح
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ؟) أي ألم تعلم الحال العجيبة والكيفية الهائلة الدالة على عظم قدرة الله تعالى وكمال علمه وحكمته، فيما فعل بأصحاب الفيل الذين قصدوا هدم البيت الحرام، فتلك حال قد جاءت على غير ما يعرف من
стр. 5534
الأسباب والعلل، إذ لم يعهد أن يجىء طير فى جهة فيقصد قوما دون قوم، وهم معهم فى جهة واحدة، فذلك أمارة أنه من صنع حكيم مدبر بعثه لإنقاذ مقصد معين.
وإنما عبر عن العلم بالرؤية، للإيماء إلى أن الخبر بهذا القصص متواتر مستفيض، فالعلم به مساو فى قوة الثبوت مع الوضوح- للعلم الناشئ عن الرؤية والمشاهدة.
وخلاصة ذلك- إنك قد علمت ذلك علما واضحا لا لبس فيه ولا خفاء.
ثم بين الحال التي وقع عليها فعله فقال:
(أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ؟) أي إنك لترى ما كان عليه فعل الله بأولئك القوم، فقد ضيع تدبيرهم، وخيّب سعيهم.
ثم فصل تدبيره فى إبطال كيد أولئك القوم فقال:
(وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) أي إنه تعالى أرسل عليهم فرقا من الطير تحمل حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش، فابتلوا بمرض الجدري أو الحصبة حتى هلكوا.
وقد يكون هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، أو تكون هذه الحجارة من الطين اليابس المسموم الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذا الطير، فإذا اتصل بجسم دخل فى مسامّه، فأثار فيه قروحا تنتهى بإفساد الجسم وتساقط لحمه.
ولا شك أن الذباب يحمل كثيرا من جراثيم الأمراض، فوقوع ذبابة واحدة ملوّثة بالمكروب على الإنسان كافية فى إصابته بالمرض الذي يحمله، ثم هو ينقل هذا المرض إلى الجمّ الغفير من الناس، فإذا أراد الله أن يهلك جيشا كثير العدد ببعوضة واحدة لم يكن ذلك بعيدا عن مجرى الإلف والعادة، وهذا أقوى فى الدلالة على قدرة الله وعظيم سلطانه، من أن يكون هلاكهم بكبار الطيور، وغرائب الأمور، وأدل على ضعف الإنسان وذله أمام القهر الإلهى، وكيف لا وهو مخلوق تبيده ذبابة، وتقضّ مضجعه بعوضة، ويؤذيه هبوب الريح.
стр. 5535
قال الأستاذ الإمام: فهذا الطاغية الذي أراد أن يهدم البيت، أرسل الله عليه ما يوصل إليه مادة الجدري أو الحصبة، فأهلكته وأهلكت قومه قبل أن يدخل مكه، وهى نعمة من الله غمر بها أهل حرمه على وثنيتهم، حفظا لبيته حتى يرسل إليه من يحميه بقوة دينه ﷺ ، وإن كانت نقمة من الله حلت بأعدائه أصحاب الفيل الذين أرادوا الاعتداء على البيت بدون جرم اجترمه، ولا ذنب اقترفه.
(فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) أي فجعل هؤلاء القوم كعصف وقع فيه الاكال وهو السوس، أو أكلت الدواب بعضه، وتناثر بعضه الآخر من بين أسنانها.
وصلّ ربنا على محمد الذي قصصت عليه ما فيه العبرة لمن ادّكر، وأوحيت إليه ما فيه مزدجر، لمن تدبر واعتبر، إنك أنت العليم الحكيم.
سورة قريش
هى مكية، وآياتها أربع، نزلت بعد سورة التين.
ومناسبتها لما قبلها- أن كلا منهما تضمن ذكر نعمة من نعم الله على أهل مكة فالأولى تضمنت إهلاك عدوهم الذي جاء ليهدم بيتهم وهو أساس مجدهم وعزهم والثانية ذكرت نعمة أخرى هى اجتماع أمرهم، والتئام شملهم، ليتمكنوا من الارتحال صيفا وشتاء فى تجارتهم، وجلب الميرة لهم.
ولوثيق الصلة بين السورتين كان أبىّ بن كعب يعتبرهما سورة واحدة، حتى روى عنه أنه لم يفصل بينهما ببسملة.
стр. 5536
[سورة قريش (١٠٦) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
شرح المفردات
تقول ألفت الشيء إلفا وإلافا، وآلفته إيلافا: إذا لزمته وعكفت عليه مع الأنس به وعدم النفور منه، وقريش: اسم للقبائل العربية من ولد النضر بن كنانة، والرحلة: ارتحال القوم أي شدهم الرحال للمسير، أطعمهم: أي وسع لهم الرزق، ومهّد لهم سبيله، وآمنهم: أي جعلهم فى أمن من التعدي عليهم، والتطاول إلى أموالهم وأنفسهم.
الإيضاح
(لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ) أي فلتعبد قريش ربها شكرا له على أن جعلهم قوما تجرا ذوى أسفار فى بلاد غير ذات زرع ولا ضرع، لهم رحلتان رحلة إلى اليمن شتاء لجلب الأعطار والأفاويه التي تأتى من بلاد الهند والخليج الفارسي إلى تلك البلاد ورحلة فى الصيف إلى بلاد الشام لجلب الحاصلات الزراعية إلى بلادهم المحرومة منها.
وقد كان العرب يحترمونهم فى أسفارهم، لأنهم جيران بيت الله وسكان حرمه، وولاة الكعبة، فيذهبون آمنين، ويعودون سالمين، لا يمسهم أحد بسوء على كثرة ما كان بين العرب من السلب والنهب والغارات التي لا تنقطع.
فكان احترام البيت ضربا من القوة المعنوية التي تحتمى بها قريش فى الأسفار، ولهذا ألفتها نفوسهم، وتعلقت بالرحيل، استدرارا للرزق.
стр. 5537
وهذا الإجلال الذي ملك نفوس العرب من البيت الحرام، إنما هو من تسخير رب البيت سبحانه، وقد حفظ حرمته، وزادها فى نفوس العرب ردّ الحبشة عنه حين أرادوا هدمه، وإهلاكهم قبل أن ينقضوا منه حجرا، بل قبل أن يدنوا منه.
ولو نزلت مكانة البيت من نفوس العرب، ونقصت حرمته عندهم، واستطالت الأيدى على سفّارهم لنفروا من تلك الرحلات، فقلّت وسائل الكسب بينهم، لأن أرضهم ليست بذات زرع ولا ضرع، وما هم بأهل صناعة مشهورة يحتاج إليها الناس فيأتوهم وهم فى عقر ديارهم ليأخذوا منها، فكانت تضيق عليهم مسالك الأرزاق وتنقطع عنهم ينابيع الخيرات.
َلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ)
الذي حماه من الحبشة وغيرهم، ومكّن منزلته فى النفوس، وكان من الحق أن يفردوه بالتعظيم والإجلال.
ثم وصف رب هذا البيت بقوله:
(الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) أي إنه هو الذي أوسع لهم الرزق، ومهد لهم سبله، ولولاه لكانوا فى جوع وضنك عيش.
(وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) أي وآمن طريقهم، وأورثهم القبول عند الناس، ومنع عنهم التعدي والتطاول إلى أموالهم وأنفسهم، ولولاه لأخذهم الخوف من كل مكان فعاشوا فى ضنك وجهد شديد.
وإذا كانوا يعرفون أن هذا كله بفضل رب هذا البيت، فلم يتوسلون إليه بتعظيم غيره، وتوسيط سواه عنده؟ مع أنه لا فضل لأحد ممن يوسطونه فى شىء من النعمة التي هم فيها، نعمة الأمن ونعمة الرزق: وكفاية الحاجة.
اللهم ألهم قلوبنا الشكر على نعمك التي تترى علينا، وزدنا بسطة فى العلم والرزق.
стр. 5538
سورة الماعون
هى مكية، وآياتها سبع، نزلت بعد سورة التكاثر.
ووجه مناسبتها لما قبلها:
(١) أنه لما قال فى السورة السابقة: «أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ» ذم فى هذه من لم يحضّ على طعام المسكين.
(٢) أنه قال فى السورة السابقة: َلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ»
وهنا ذم من سها عن صلاته.
(٣) أنه هناك عدّد نعمه على قريش وهم مع ذلك ينكرون البعث ويجحدون الجزاء وهنا أتبعه بتهديدهم وتخويفهم من عذابه.
[سورة الماعون (١٠٧) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)
شرح المفردات
أرأيت: أي هل عرفت وعلمت والمراد بذلك تشويق السامع إلى تعرّف ما يذكر بعده مع تضمنه التعجب منه، كما تقول: أرأيت فلانا ماذا صنع، وأ رأيت فلانا كيف عرّض نفسه للمخاطر- أنت فى كل ذلك تريد بعث المخاطب على التعجب مما فعل، والدين: هو الخضوع لما وراء المحسوس من الشؤون الإلهية التي لا يمكن الإنسان أن يعرف حقيقتها، وإنما يجد آثارها فى الكون باعثة على الإذعان
стр. 5539
والتصديق، كوجود الله ووحدانيته، وبعثه الرسل مبشرين ومنذرين، والتصديق بحياة أخرى يعرض الناس فيها على ربهم للجزاء، يدعّ اليتيم: أي يدفعه ويزجره زجرا عنيفا كما جاء فى قوله: «يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا» يحض: أي يحث ويدعو الناس إلى ذلك، يراءون: أي يفعلون بقدر ما يرى الناس أنهم يفعلون ذلك من غير أن تستشعر قلوبهم خشية الله بها وحقيقة الرياء طلب ما فى الدنيا بالعبادة وطلب المنزلة فى قلوب الناس، ويكون فعل ذلك على ضروب (١) بتحسين السمت مع إرادة الجاه وثناء الناس.
(٢) بلبس الثياب القصار أو الخشنة ليأخذ بذلك هيبة الزهاد فى الدنيا.
(٣) بإظهار السخط على الدنيا، وإظهار التأسف على ما يفوته من فعل الخير.
(٤) بإظهار الصلاة والصدقة، أو بتحسين الصلاة لرؤية الناس له.
والماعون: ما جرت العادة بأن يسأله الفقير والغنى كالقدر والدلو والفأس.
وقال جار الله: ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة، فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها
لقوله ﵊: «ولا غمّة فى فرائض الله»
لأنها أعلام الإسلام، وشعائر الدين، ولأن تاركها يستحق الذم والمقت، فوجب إماطة التهمة بالإظهار، وإن كان تطوعا فحقه أن يخفى، لأنه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه، فإن أظهره قاصدا الاقتداء به كان جميلا، وإنما الرياء أن يقصد بالإظهار أن تراه الأعين فيثنى عليه بالصلاح، وعن بعضهم أنه رأى رجلا فى المسجد قد سجد سجدة الشكر وأطالها فقال: ما أحسن هذا لو كان فى بيتك؟
وإنما قال هذا لأنه توسم فيه الرياء والسمعة.
على أن اجتناب الرياء صعب إلا على المرتاضين بالإخلاص، ومن ثم
قال رسول الله ﷺ : «الرياء أخفى من ديب النملة السوداء فى الليلة الظلماء على المسح الأسود» اهـ.
المسح: كساء خشن من صوف يلبسه الزهاد.
стр. 5540
الإيضاح
(أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) أي هل عرفت ذلك الذي يكذب بما وراء إدراكه من الأمور الإلهية، والشئون الغيبية، بعد أن ظهر له بالدليل القاطع، والبرهان الساطع، فإن كنت لا تعرفه بذاته، فاعرفه بصفاته وهى:
(١) (فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) أي فذلك المكذب بالدين هو الذي يدفع اليتيم ويزجره زجرا عنيفا إن جاء يطلب منه حاجة، احتقارا لشأنه وتكبرا عليه.
(٢) (وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) أي ولا يحث غيره على إطعامه، وإذا كان لا يحث غيره على ذلك ولا يدعو إليه، فهو لا يفعله بالأولى.
وفى هذا توجيه لأنظارنا إلى أنا إذا لم نستطع مساعدة المسكين كان علينا أن نطلب من غيرنا معونته ونحثه على ذلك كما تفعل جماعات الخير: «الجمعيات الخيرية» .
وقصارى ما سلف- إن للمكذب بالدين صفتين: أولاهما أن يحتقر الضعفاء ويتكبر عليهم. وثانيتهما أن يبخل بماله على الفقراء والمحاويج، أو يبخل بسعيه لدى الأغنياء، ليساعدوا أهل الحاجة ممن تحقق عجزهم عن كسب ما ينقذهم من الضرورة، ويقوم لهم بكفاف العيش.
وسواء أكان المحتفر للحقوق، البخيل بالمال والسعى لدى غيره مصليا أو غير مصلّ فهو فى وصف المكذبين، ولا تخرجه صلاته منهم، لأن المصدق بشىء لا تطاوعه نفسه على الخروج مما صدّق به، فلو صدّق بالدين حقا لصار منكسرا متواضعا لا يتكبر على الفقراء ولا ينهر المساكين ولا يزجرهم فمن لم يفعل شيئا من ذلك فهو مراء فى عمله، كاذب فى دعواه، ومن ثم قال سبحانه:
(فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) أي فعذاب لمن يؤدى الصلاة بجسمه ولسانه من غير أن يكون لها أثر فى نفسه، ومن غير أن تؤتى ثمرتها التي
стр. 5541
شرعت لأجلها، لأن قلبه غافل عما يقوله اللسان، وتفعله الجوارح، فيركع وهو لاه عن ركوعه، ويسجد وهو لاه عن سجوده، ويكبر وهو لا يعى ما يقول وإنما هى حركات اعتادها، وكلمات حفظها، لا تدرك نفسه معناها، ولا تصل إلى معرفة ثمرتها.
(الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ) أي إنهم يفعلون أفعالا ظاهرة بقدر ما يرى الناس، دون أن تستشعر قلوبهم بها، أو تصل إلى معرفة حكمها وأسرارها.
(وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ) أي ويمنعون ما لم تجر العادة بمنعه مما يسأله الفقير والغنى، وينسب منعه إلى لؤم الطبع وسوء الخلق كالقدر والفأس، والقدوم ونحو ذلك.
قال الأستاذ الإمام: فأولئك الذين يصلّون، ولا يأتون من الأعمال إلا ما يرى للناس، مما لا يكلفهم بذل شىء من مالهم، ولا يخشون منه ضررا يلحق بأبدانهم، أو نقصا يلمّ بجاههم، ثم يمنعون ما عونهم، ولا ينهضون بباعث الرحمة إلى سدّ حاجة المعوزين، وتوفير ما يكفل راحتهم وأمنهم وطمأنينتهم- لا تنفعهم صلاتهم، ولا تخرجهم عن حد المكذبين بالدين، لا فرق بين من وسموا أنفسهم بسمة الإسلام أو غيره، فإن حكم الله واحد، لا محاباة فيه للأسماء المنتحلة، التي لا قيمة لها إلا بمعانيها الصحيحة المنطبقة على مراده تعالى من تحديد الأعمال وتقرير الشرائع.
فخاصة المصدّق بالدين التي تميزه عن سواه من المكذبين هو العدل والرحمة وبذل المعروف للناس، وخاصة المكذب التي يمتاز بها عن المصدقين هى احتقار حقوق الضعفاء وقلة الاهتمام بمن تلذعهم آلام الحاجة، وحب الأثرة بالمال، والتعزز بالقوة، ومنع المعروف عمن يستحقه من الناس.
فهل للمسلمين الذين يزعمون أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ وبما جاء به أن يقيسوا أحوالهم وما يجدونه من أنفسهم بما يتلون فى هذه السورة الشريفة؟
ليعرفوا هل هم من قسم المصدقين أو المكذبين؟ وليقلعوا عن الغرور برسم هذه الصلاة التي لا أثر لها إلا فى ظواهر أعضائهم، وبهذا الجوع الذي يسمونه صياما
стр. 5542
ولا أثر له إلا فى عبوس وجوههم، وبذاذة ألسنتهم، وضياع أوقاتهم فى اللهو والبطالة، ويرجعوا إلى الحق من دينهم، فيقيموا الصلاة، ويحيوا صورتها بالخشوع للعلىّ الأعلى فلا يخرجون من الصلاة إلا وهم ذاكرون أنهم عبيد لله يلتمسون رضاه فى رعاية حقوقه بما يراه، ويجعلوا من الصوم مؤدبا للشهوة، ومهذّبا للرغبة، رادعا للنفس عن الأثرة، فلا يكون فى صومهم إلا الخير لأنفسهم ولقومهم، ثم يؤدون الزكاة المفروضة عليهم، ولا يبخلون بالمعونة فيما ينفع الخاصة والعامة اهـ والله أعلم:
سورة الكوثر
هى مكية وآياتها ثلاث، نزلت بعد سورة العاديات.
ومناسبتها لما قبلها- أنه وصف فى الأولى الذي يكذب بالدين بأمور أربع:
البخل. الإعراض عن الصلاة. الرياء. منع المعونة- وهنا وصف ما منحه رسوله ﷺ من الخير والبركة، فذكر أنه أعطاه الكوثر وهو الخير الكثير، والحرص على الصلاة ودوامها، والإخلاص فيها والتصدّق على الفقراء.
أسباب نزول هذه السورة
كان المشركون من أهل مكة والمنافقون من أهل المدينة يعيبون النبي ﷺ ويلمزونه بأمور:
(١) أنه إنما اتبعه الضعفاء ولم يتبعه السادة الكبراء، ولو كان ما جاء به الدين صحيحا لكان أنصاره من ذوى الرأى والمكانة بين عشائرهم، وهم ليسوا ببدع فى هذه المقالة، فقد قال قوم نوح له فيما قصه الله علينا: «وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ» .
стр. 5543
وقد جرت سنة الله فى خلقه أن يسرع فى إجابة دعوة الرسل الضعفاء، من قبل أنهم لا يملكون ما لا فيخافوا أن يضيع فى سبيل الدعوة الجديدة، ولا جاها ونفوذا فيخافوا أن يضيعا أمام الجاه الذي منحه صاحب الدعوة- وأن يتخلف عنها السادة الكبراء حتى يدخلوا فى دين الله وهم له كارهون، ومن ثم يظل الجدل بين أولئك الصناديد ورسل الله، ويأخذون فى انتقاصهم. وكيل التهم لهم تهمة بعد تهمة، والله ينصر رسله ويؤيدهم ويشدّ أزرهم.
وعلى هذا السّنن سار أهل مكة مع النبي ﷺ ، فقد تخلف عنه سادتهم وكبراؤهم حسدا له ولقومه الأدنين.
(٢) إنهم كانوا إذا رأوا أبناءه يموتون، يقولون: انقطع ذكر محمد وصار أبتر، يحسبون ذلك عيبا فيلمزونه به ويحاولون تنفير الناس عن اتباعه.
(٣) إنهم كانوا إذا رأوا شدة نزلت بالمؤمنين طاروا بها فرحا وانتظروا أن تدول الدّولة عليهم وتذهب ريحهم، فتعود إليهم مكانتهم التي زعزعها الدين الجديد.
فجاءت هذه السورة لتؤكد لرسوله أن ما يرجف به المشركون وهم لا حقيقة له، ولتمحص نفوس الذين لم تصلب قناتهم، ولتردّ كيد المشركين فى نحورهم، ولتعلمهم أن الرسول منتصر لا محالة. وأن أتباعه هم المفلحون.
[سورة الكوثر (١٠٨) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)
стр. 5544
شرح المفردات
الكوثر: المفرط فى الكثرة، قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: آب بكوثر، ويقال للرجل الكثير العطاء هو كوثر، قال الكميت الأسدى:
وأنت كثير يا ابن مروان طيّب ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا
والمراد به هنا النبوة والدين الحق والهدى وما فيه سعادة الدنيا والآخرة، والشانئ:
المبغض، وأصل الأبتر: الحيوان المقطوع الذنب، والمراد به هنا ما لا يبقى له ذكر ولا يدوم له أثر- شبه بقاء الذكر الحسن واستمرار الأثر الجميل بذنب الحيوان من حيث إنه يتبعه وهو زينة له. وشبه الحرمان منه ببتر الذنب وقطعه.
الإيضاح
(إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ) أي إنا أعطيناك من المواهب الشيء الكثير الذي بعجز عن بلوغه العدّ، ومنحناك من الفضائل ما لا سبيل للوصول إلى حقيقته، وإن استخف به أعداؤك واستقلوه، فإنما ذلك من فساد عقولهم، وضعف إدراكهم.
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) أي اجعل صلاتك لربك وحده، وانحر ذبيحتك وما هو نسك لك لله أيضا، فإنه هو الذي رباك وأسبغ عليك نعمه دون سواه كما قال: تعالى آمرا له: «قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» .
وبعد أن بشر رسوله ﷺ بأعظم البشارة، وطالبه بشكره على ذلك، وكان من تمام النعمة أن يصبح عدوه مقهورا ذليلا، أعقبه بقوله:
(إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) أي إن مبغضك كائنا من كان هو المقطوع ذكره من
стр. 5545
خيرى الدنيا والآخرة، وأما أنت فستبقى ذريتك، ويبقى حسن صيتك، وآثار فضلك إلى يوم القيامة.
وشانئوه ما كانوا يبغضونه لشخصه، لأنه كان محبّبا إلى نفوسهم، بل كانوا يمقتون ما جاء به من الهدى والحكمة، لأنه سفّه أحلامهم، وعاب معبوداتهم، ونادى بفراق ما ألفوه ونشئوا عليه.
وقد حقق الله فى شانئيه من العرب وغيرهم فى زمنه ﷺ ما يستحقونه من الخذلان والخسران، ولم يبق لهم إلا سوء الذكر أما النبي ﷺ ، ومن اهتدى بهديه فإن الله رفع منزلتهم فوق كل منزلة، وجعل كلمتهم هى العليا.
قال الحسن ﵀: عنى المشركون بكونه أبتر: أنه ينقطع عن المقصود قبل بلوغه، والله بيّن أن خصمه هو الذي يكون كذلك اهـ.
وصلّ ربنا على نبيك محمد الذي أعليت ذكره، وأذللت شانئه، صلاة تبقى ما بقي الدهر.
سورة الكافرون
هى مكية، وآياتها ستّ، نزلت بعد سورة الماعون.
ومناسبتها لما قبلها- أنه فى السورة السابقة أمر رسوله ﷺ بعبادته، والشكر له على نعمه الكثيرة، بإخلاص العبادة له، وفى هذه السورة التصريح بما أشير إليه فيما سلف.
стр. 5546
أسباب نزول السورة
روى أن الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف فى جماعة آخرين من صناديد قريش وساداتهم أتوا النبي ﷺ فقالوا له: هلمّ يا محمد فاتبع ديننا ونتبع دينك، ونشر كك فى أمرنا كله. تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا حظا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا كنت قد شركتنا فى أمرنا، وأخذت حظك منه، فقال: معاذ الله أن نشرك به غيره، وأنزل الله ردا على هؤلاء هذه السورة فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش، فقام على رءوسهم، ثم قرأ عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك، وطفقوا يؤذونه ويؤذون أصحابه حتى كانت الهجرة.
[سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
الإيضاح
(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) أي قل لهم: إن الإله الذي تزعمون أنكم تعبدونه ليس هو الذي أعبده، لأنكم تعبدون من يتخذ الشفعاء أو الولد، أو يتجلى فى شخص أو يتجلى فى صورة معينة أو نحو ذلك مما تزعمون، وأنا أعبد إلها لا مثيل له ولا ندّ، وليس له ولد ولا صاحبة، ولا يحل فى جسم، ولا تدرك
стр. 5547
كنهه العقول، ولا تحويه الأمكنة، ولا تمر به الأزمنة، ولا يتقرّب إليه بالشفعاء، ولا تقدم إليه الوسائل.
وعلى الجملة فبين ما تعبدون وما أعبد، فارق عظيم، وبون شاسع، فأنتم تصفون معبودكم بصفات لا يجمل بمعبودى أن يتصف بها.
(وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) أي إنكم لستم بعابدين إلهى الذي أدعو إليه لمخالفة صفاته لإلهكم، فلا يمكن التوفيق بينهما بحال.
وبعد أن نفى الاختلاف فى المعبود نفى الاختلاف فى العبادة، من قبل أنهم كانوا يظنون أن عبادتهم التي يؤدونها أمام شفعائهم. أو فى المعابد التي أقاموها لها أو فى خلواتهم وهم على اعتقادهم بالشفعاء عبادة خالصة لله، وأن النبي ﷺ لا يفضلهم فى شىء فقال:
(وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ. وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) أي ولا أنا بعابد عبادتكم ولا أنتم عابدون عبادتى قاله أبو مسلم الأصفهانى.
وخلاصة ما سلف- الاختلاف التامّ فى المعبود، والاختلاف البيّن فى العبادة فلا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة، لأن معبودى منزه عن الندّ والنظير، متعال عن الظهور فى شخص معين، وعن المحاباة لشعب أو واحد بعينه، والذي تعبدونه أنتم على خلاف ذلك.
كما أن عبادتى خالصة لله وحده، وعبادتكم مشوبة بالشرك، مصحوبة بالغفلة عن الله تعالى، فلا تسمى على الحقيقة عبادة.
ثم هددهم وتوعدهم فقال:
(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) أي لكم جزاؤكم على أعمالكم ولى جزائى على عملى كما جاء فى قوله تعالى: «لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ» .
وصل ربنا على محمد الذي جعل الدين لك خالصا، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 5548
سورة النصر
هى مدنية، وآياتها ثلاث، نزلت بعد سورة التوبة.
ومناسبتها لما قبلها- أنه لما ذكر فى السورة السابقة اختلاف دين الرسول الذي يدعو إليه، ودين الكفار الذي يعكفون عليه- أشار فى هذه السورة إلى أن دينهم سيضمحل ويزول، وأن الدين الذي يدعو إليه سيغلب عليه، ويكون هو دين السواد الأعظم من سكان المعمورة.
[سورة النصر (١١٠) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
شرح المفردات
النصر: العون يقال نصره على عدوه ينصره نصرا: أي أعانه، ونصر الغيث الأرض: إذا أعان على إظهار نباتها ومنع من قحطها، قال شاعرهم:
إذا دخل الشهر الحرام فجاوزى ... بلاد تميم وانصرى أرض عامر
والفتح: الفصل بينه وبين أعدائه وإعزاز دينه وإظهار كلمته، والأفواج:
واحدهم فوج وهو الجماعة والطائفة، واستغفره: أي اسأله أن يغفر لك ذنوبك ولقومك الذين اتبعوك، توّابا: أي كثير القبول لتوبة عباده.
المعنى الجملي
كان المؤمنون أيام قلتهم وفقرهم وكثرة عدد عدوهم وقوته، يمر الضجر بنفوسهم ويقضّ مضاجعهم، وكان رسول الله ﷺ يحزن ويضيق صدره،
стр. 5549
لتكذيب قومه له على وضوح الحق وسطوع البرهان، كما قال تعالى مخاطبا رسوله:
«فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً» وقال:
«فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» وقال:
«قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ. فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» .
وفى هذا القلق والضجر استبطاء لنصر الله للحق الذي بعث به نبيّه، بل فيه سهو عن وعد الله بتأييد دينه، كما جاء فى قوله: «وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ» ؟.
هذا الضجر ليس بنقص يعاب به النبي ﷺ ، لكن الله يعدّه على أقرب عباده إليه، كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقد يراه النبي ﷺ إذا رجع إلى نفسه وخرج من غمرة شدته ذنبا يتوب إلى الله منه ويستغفره، ومن ثم ورد الأمر الإلهى بالاستغفار مما كان منه من حزن وضجر فى أوقات الشدة حين يجىء الفتح والنصر.
الإيضاح
(إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) أي إذا رأيت نصر الله لدين الحق، وانهزام أهل الشرك وخذلانهم، وفتح الله بينك وبين قومك، بجعل الغلبة لك عليهم، وإعزاز أمرك، وإعلاء كلمتك.
(وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً) أي ورأيت الناس يدخلون فى دينك، وينضوون تحت لوائك جماعات لا أفرادا كما كان فى بدء أمرك وقت الشدة.
стр. 5550
(فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) أي إذا تمّ لك كل ذلك فنزّه ربك وقدّسه عن أن يهمل الحق، ويدعه للباطل يتغلب عليه، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به، بأن يجعل كلمتك العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ويتم نعمته عليك ولو كره الكافرون.
وليكن تنزيهه بحمده على ما أولاك من نعم، وشكره على ما منحك من خير، والثناء عليه بما هو له أهل، فإنه هو القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أمهل الكافرين، فلن يضيع أجر العاملين.
(وَاسْتَغْفِرْهُ) أي واسأله أن يغفر لك ولمن اتبعك من أصحابك ما كان منهم من القلق والضجر والحزن والأسى لتأخر النصر.
والتوبة من هذا القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد الله، وتغليبها على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد، وإن كان ذلك مما يشق على نفوس البشر، ولكن الله قد علم أن نفس رسوله قد تبلغ ذلك الكمال، ومن ثم أمره به، وهكذا يحدث فى نفوس الكملة من أصحابه وأتباعه ما يقارب ذلك، والله يتقبله منهم.
ثم علل طلب الاستغفار بقوله:
(إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) أي إنه سبحانه كثير القبول لتوبة عباده، لأنه يربى النفوس بالمحن، فإذا وجدت الضعف أنهضها إلى طلب القوة، وشدّد عزيمتها بحسن الوعد، ولا يزال بها حتى تبلغ مرتبة الكمال.
وخلاصة ما سلف- إذا حصل الفتح وتحقق النصر، وأقبل الناس على الدين الحق فقد زال الخوف، فعليك أن تسبّح ربك وتشكره وتنزع عما كان من خواطر النفس وقت الشدة، فلن تعود الشدائد تأخذ نفوس المخلصين من عباده ماداموا على تلك الكثرة، ينزل بساحتهم الإخلاص وتجمعهم الألفة.
стр. 5551
وقد فهم النبي ﷺ من هذا أن الأمر قد تمّ، ولم يبق إلا أن يلحق بالرفيق الأعلى، فقال فيما
روى عنه: إنه قد نعيت إليه نفسه.
قال ابن عمر: نزلت هذه السورة بمنى فى حجة الوداع، ثم نزلت «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» فعاش بعدها ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزلت: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ» فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزلت: «وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ» فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما.
وصلّ وسلّم ربّنا على محمد وآله وأصحابه الذين هاجروا وجاهدوا ورابطوا فى سبيل الله.
سورة المسد
هى مكية، وآياتها خمس، نزلت بعد سورة الفتح.
ومناسبتها لما قبلها- أنه ذكر فى السورة السابقة أن ثواب المطيع حصول النصر والاستعلاء فى الدنيا، والثواب الجزيل فى العقبى. وهنا ذكر أن عاقبة العاصي الخسار فى الدنيا والعقاب فى الآخرة.
أسباب نزول هذه السورة
روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: «خرج النبي ﷺ إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى (يا صباحاه) فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبّحكم أو ممسّيكم أكنتم تصدقونى؟ قالوا نعم، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد» فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبّا لك!! وفى رواية:
إنه قام ينفض يديه ويقول: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله «تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ» .
стр. 5552
[سورة المسد (١١١) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤)
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)
شرح المفردات
التباب: الهلاك والخسران: قال تعالى: «وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ» وأبو لهب: أحد أعمام النبي ﷺ ، واسمه عبد العزّى بن عبد المطلب، وتبّ: أي قد تبّ وخسر، يصلى نارا: أي يجد حرها ويذوقه، ولهب النار:
ما يسطع منها عند اشتعالها وتوقدها، والجيد: العنق، والمسد: الليف.
الإيضاح
(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ) هذا دعاء عليه بالخسران والهلاك، ونسب الهلاك إلى اليدين، لأنهما آلة العمل والبطش، فإذا هلكتا وخسرتا كان الشخص كأنه معدوم هالك.
(وَتَبَّ) أي وقد تب وهلك.
والجملة الأولى دعاء عليه بالخسران والهلاك، والجملة الثانية إخبار من الله بأن هذا الدعاء قد حصل، وقد خسر الدنيا والآخرة.
ثم ذكر أن ما كان يعتزّ به فى الدنيا من مال وجاه لم يغن عنه من الله شيئا يوم القيامة فقال:
(ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ) أي لم يفده حينئذ ماله ولا عمله الذي كان يأتيه فى الدنيا من معاداته رسول الله طلبا للعلوّ والظهور فكما أن ذلك لم يجده شيئا
стр. 5553
فى الدنيا، إذ لم يتغلب على الرسول ﷺ ، ولم يقطع ما أراد الله أن يوصل لم يفده فى الآخرة، بل لحقه البوار والنكال وعذاب النار.
وقد كان أبو لهب شديد العداوة للنبى ﷺ ، شديد التحريض عليه شديد الصدّ عنه.
روى أحمد عن ربيعة بن عباد قال: «رأيت النبي ﷺ فى الجاهلية فى سوق ذى المجاز وهو يقول: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضىء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابىء كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب.
ومن ذلك تعلم أن أبا لهب كان يصدّ عن الحق، وينفّر عن اتباعه، وذاع عنه تكذيبه للرسول ﷺ وتحدّيه واتباع خطواته لدحض دعوته، والحط من شأن دينه وما جاء به.
(سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ) أي سيذوق حر النار ويعذب بلظاها.
وخلاصة ما سلف- خسر أبو لهب وضل عمله، وبطل سعيه الذي كان يسعاه للصد عن دين الله، ولم يغن عنه ماله الذي كان يتباهى به، ولا جدّه واجتهاده فى ذلك، فإن الله أعلى كلمة رسوله، ونشر دعوته، وأذاع ذكره، وأنه سيعذب يوم القيامة بنار ذات شرر ولهيب، وإحراق شديد، أعدها الله لمثله من الكفار المعاندين، فوق تعذيبه فى الدنيا بإبطال سعيه، ودحض عمله وستعذب معه امرأته التي كانت تعاونه على كفره وجحده، وكانت عضده فى مشاكسة رسول الله ﷺ وإيذائه، وكانت تمشى بالنميمة للإفساد، وإيقاد نار الفتنة والعداوة كما قال:
(وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) أي وستعذب أيضا بهذه النار امرأته أروى بنت حرب أخت أبى سفيان بن حرب، جزاء لها على ما كانت تجترحه من السعى بالنميمة إطفاء لدعوة رسوله ﷺ والعرب تقول لمن يسعى فى الفتنة ويفسد
стр. 5554
بين الناس: هو يحمل الحطب بينهم، كأنه بعمله يحرق ما بينهم من صلات.
وقيل إنها كانت تحمل حزم الشوك والحسك والسّعدان، وتنثرها بالليل فى طريق رسول الله ﷺ لإيذائه.
وقد زاد سبحانه فى تبشيع عملها وتقبيح صورته فقال:
(فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) أي فى عنقها حبل مما مسد من الحبال أي أحكم فتله، وقد صوّرها الله بصورة من تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها فى جيدها كبعض الحطّابات الممتهنات احتقارا لها، واحتقارا لبعلها، حين اختارت ذلك لنفسها.
وقصارى أمرها- إنها فى تكليف نفسها المشقة الفادحة، للإفساد بين الناس وإيقاد نيران العداوة بينهم، بمنزلة حاملة الحطب التي فى عنقها حبل خشن تشدّ به ما تحمله إلى عنقها حين تستقلّ به، وهذه أبشع صورة تظهر بها امرأة تحمل الحطب وهى على تلك الحال.
ويرى بعض العلماء أن المراد بيان حالها وهى فى نار جهنم، إذ تكون على الصورة التي كانت عليها فى الدنيا، حين كانت تحمل الشوك إيذاء لرسول الله ﷺ فهى لا تزال تحمل حزمة من حطب النار، ولا يزال فى جيدها حبل من سلاسلها، ليكون جزاؤها من جنس عملها فقد روى عن سعيد بن المسيّب أنه قال:
كانت لأم جميل قلادة فاخرة فقالت: لأنفقنّها فى عداوة محمد، فأعقبها الله حبلا فى جيدها من مسد النار.
نسأل الله الوقاية من النار، والبعد من الصدّ عن دينه وكتابه، إنه هو السميع العليم.
стр. 5555
سورة الإخلاص
هى مكية، وآياتها أربع، نزلت بعد سورة الناس.
أسباب نزولها
روى الضحاك أن المشركين أرسلوا إلى رسول الله ﷺ عامر بن الطّفيل فقال له عنهم: شققت عصانا (فرّقت كلمتنا) ، وسببت آلهتنا، وخالفت دين آبائك، فإن كنت فقيرا أغنيناك، وإن كنت مجنونا داويناك، وإن كنت قد هويت امرأة زوجنا كها فقال رسول الله ﷺ : لست بفقير ولا مجنون، ولا هويت امرأة، أنا رسول الله، أدعوكم من عبادة الأصنام إلى عبادته، فأرسلوه ثانية وقالوا: قل له: بيّن لنا جنس معبودك، أم من ذهب أم من فضة؟ فأنزل الله هذه السورة:
[سورة الإخلاص (١١٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)
شرح المفردات
أحد: أي واحد لا كثرة فى ذاته، فهو ليس بمركب من جواهر مختلفة مادية ولا من أصول متعدّدة غير مادية، والصمد: الذي يقصد فى الحاجات كما قال:
لقد بكر الناعي بخير بنى أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
الكفء والمكافئ: النظير فى العمل والقدرة.
стр. 5556
المعنى الجملي
هذه السورة تضمنت أهمّ الأركان التي قامت عليها رسالة النبي ﷺ ، وهى توحيد الله وتنزيهه، وتقرير الحدود العامة للأعمال، ببيان الصالحات وما يقابلها، وأحوال النفس بعد الموت من البعث وملاقاة الجزاء من ثواب وعقاب،
وقد ورد فى الخبر: «إنها تعدل ثلث القرآن»
لأن من عرف معناها، وتدبر ما جاء فيها حق التدبر، علم أن ما جاء فى الدين من التوحيد والتنزيه تفصيل لما أجمل فيها.
الإيضاح
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أي قل لمن سألك عن صفة ربك: الله هو الواحد المنزه عن التركيب والتعدّد، لأن التعدد فى الذات مستلزم لافتقار المجموع إلى تلك الأجزاء والله لا يفتقر إلى شىء.
(اللَّهُ الصَّمَدُ) أي هو الله الذي يقصده العباد ويتوجهون إليه، لقضاء ما أهمهم دون واسطة إلى شفيع وبهذا أبطل عقيدة مشركى العرب الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء، وعقيدة غيرهم من أهل الأديان الأخرى الذين يعتقدون بأن لرؤسائهم منزلة عند ربهم ينالون بها التوسط لغيرهم فى نيل مبتغاهم، فيلجئون إليهم أحياء وأمواتا، ويقومون عند قبورهم خاضعين خاشعين، كما يخشعون لله أو أشد خشية.
(لَمْ يَلِدْ) أي تنزه ربنا عن أن يكون له ولد، وفى هذا ردّ لمزاعم مشركى العرب الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، ولمزاعم النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، اقرأ إن شئت قوله تعالى: «فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ؟ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ: وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» .
(وَلَمْ يُولَدْ) لأن ذلك يقتضى مجانسته لسواه، وسبق العدم قبل الوجود- تنزه ربنا عن ذلك.
стр. 5557
وأثر عن ابن عباس أنه قال: لم يلد كما ولدت مريم، ولم يولد كما ولد عيسى وعزير، وهو ردّ على النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله، وعلى اليهود الذين قالوا:
عزير ابن الله.
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) أي ليس له ندّ ولا مماثل، وفى هذا نفى لما يعتقده بعض المبطلين من أن لله ندّا فى أفعاله كما ذهب إلى ذلك مشركو العرب حيث جعلوا الملائكة شركاء لله.
والخلاصة- إن السورة تضمنت نفى الشرك بجميع أنواعه، فقد نفى الله عن نفسه أنواع الكثرة بقوله: «الله أحد» ونفى عن نفسه أنواع الاحتياج بقوله:
«اللَّهُ الصَّمَدُ» ونفى عن نفسه المجانسة والمشابهة لشىء بقوله: «لَمْ يَلِدْ» ونفى عن نفسه الحدوث والأوّلية بقوله: «وَلَمْ يُولَدْ» ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله:
«وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
سورة الفلق
هى مكية، وآياتها خمس، نزلت بعد سورة الفيل.
[سورة الفلق (١١٣) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)
وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)
شرح المفردات
أعوذ: أي ألجأ، والفلق: شق الشيء وفصل بعضه من بعض، تقول فقلت الشيء فانفلق كما قال تعالى: «فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى» والشيء المفلوق يسمى فلقا،
стр. 5558
والمراد به كل ما يفلقه الله كالأرض التي تنفلق عن النبات، والجبال التي تنفلق عن عيون الماء، والسحائب التي تنفلق عن ماء الأمطار، والأرحام التي تنفلق عن الأولاد.
والغاسق: الليل إذا اعتكر ظلامه، ووقب: دخل ظلامه فى كل شىء، ويقال وقبت الشمس إذا غابت، والنفاثات: واحدهم نفاثة كعلامة، من النفث وهو النفخ من ريق يخرج من الفم، والعقد: واحدها عقدة، والحاسد: هو الذي يتمنى زوال نعمة المحسود.
الإيضاح
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ. مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ) أي قل: أستعيذ برب المخلوقات، ومبدع الكائنات، من كل أذى وشر يصيبنى من مخلوق من مخلوقاته طرّا.
ثم خصص من بعض ما خلق أصنافا يكثر وقوع الأذى منهم فطلب إليه التعوذ من شرهم ودفع أذاهم، وهم:
(١) (وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ) أي ومن شر الليل إذا دخل وغمر كل شىء بظلامه، والليل إذا كان على تلك الحال كان مخوفا باعثا على الرهبة- إلى أنه ستار يختفى فى ظلامه ذوو الإجرام إذا قصدوك بالأذى- إلى أنه عون لأعدائك عليك.
(٢) (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) أي ومن شر النمامين الذين يقطعون روابط المحبة، ويبددون شمل المودة، وقد شبه عملهم بالنفث، وشبهت رابطة الوداد بالعقدة، والعرب تسمى الارتباط الوثيق بين شيئين عقدة، كما سمى الارتباط بين الزوجين:
(عقدة النكاح) .
فالنميمة تحول ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة بالوسائل الخفية التي تشبه أن تكون ضربا من السحر، ويصعب الاحتياط والتحفظ منها فالنمام يأتى لك بكلام يشبه الصدق، فيصعب عليك تكذيبه، كما يفعل الساحر المشعوذ إذا أراد
стр. 5559
أن يحل عقدة المحبة بين المرء وزوجه، إذ يقول كلاما ويعقد عقدة وينفث فيها، ثم يحلها إيهاما للعامة أن هذا حل للعقدة التي بين الزوجين.
قال الأستاذ الإمام ما خلاصته: قد رووا هاهنا أحاديث فى أن النبي ﷺ سحره لبيد بن الأعصم، وأثّر سحره فيه حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، أو يأتى شيئا وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك، وأخرجت موادّ السحر من بئر، وعوفى ﷺ مما كان نزل به من ذلك ونزلت هذه السورة.
ولا يخفى أن تأثير السحر فى نفسه ﵊ ماس بالعقل آخذ بالروح، فهو مما يصدق قول المشركين فيه: «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً» .
والذي يجب علينا اعتقاده أن القرآن المتواتر جاء بنفي السحر عنه ﵊، حيث نسب القول بإثبات حصوله له إلى المشركين ووبخهم على ذلك.
والحديث على فرض صحته من أحاديث الآحاد التي لا يؤخذ بها فى العقائد، وعصمة الأنبياء عقيدة لا يؤخذ فيها إلا باليقين، ونفى السحر عنه ﷺ لا يستلزم نفى السحر مطلقا، فربما جاز أن يصيب السحر غيره بالجنون، ولكن من المحال أن يصيبه ﷺ ، لأن الله عصمه منه.
إلا أن هذه السورة مكية فى قول عطاء والحسن وجابر، وما يزعمونه من السحر إنما وقع بالمدينة، فهذا مما يضعف الاحتجاج بالحديث، ويضعف التسليم بصحته.
وعلى الجملة فعلينا أن نأخذ بنص الكتاب، ونفوض الأمر فى الحديث ولا نحكمه فى عقيدتنا اهـ.
(٣) (وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) أي ونستعيذ بك ربنا من شر الحاسد إذا أنفذ حسده، بالسعي والجدّ فى إزالة نعمة من يحسده، فهو يعمل الحيلة، وينصب
стр. 5560
شباكه، لإيقاع المحسود فى الضرر، بأدق الوسائل، ولا يمكن إرضاؤه، ولا فى الاستطاعة الوقوف على ما يدبره، فهو لا يرضى إلا بزوال النعمة، وليس فى الطوق دفع كيده، وردّ عواديه، فلم يبق إلا أن نستعين عليه بالخالق الأكرم، فهو القادر على ردّ كيده، ودفع أذاه، وإحباط سعيه.
نسألك اللهم وأنت الوزر والنصير، أن تقينا أذى الحاسدين، وتدفع عنا كيد الكائدين، إنك أنت الملجأ والمعين.
سورة الناس
هى مكية، وآياتها ست، نزلت بعد سورة الفلق
[سورة الناس (١١٤) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)
شرح المفردات
رب الناس: أي مربيهم ومنميهم ومراعى شؤونهم، الوسواس: أي الموسوس الذي يلقى حديث السوء فى النفس، والخناس: من الخنوس وهو الرجوع والاختفاء والجنة: واحدهم جنىّ، كإنس وإنسى.
الإيضاح
(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) أمر رسوله أن يستعين بمن يربى الناس بنعمه، ويودبهم بنقمه.
стр. 5561
(مَلِكِ النَّاسِ) أي مالكهم ومدبر أمورهم، وواضع الشرائع والأحكام التي فيها سعادتهم فى معاشهم ومعادهم.
(إِلهِ النَّاسِ) أي المستولى على قلوبهم بعظمته، وهم لا يحيطون بكنه سلطانه بل يخضعون بما يحيط منها بنواحي قلوبهم، ولا يدرون من أىّ جانب يأتيهم، ولا كيف يسلط عليهم.
وإنما قدم الربوبية، لأنها من أوائل نعم الله على عباده، ثم ثنى بذكر المالكية لأن العبد إنما يدرك ذلك بعد أن يصير عاقلا مفكرا، ثم ثلّث بذكر الألوهية، لأن المرء بعد أن يدرك ويعقل يعلم أنه هو المستوجب للخضوع والعزة والمستحق للعبادة وإنما قال: رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وهو رب كل شىء ومالك كل شىء وإله كل شىء من قبل أن الناس هم الذين أخطئوا فى صفاته وضلوا فيها عن الطريق السوىّ، فجعلوا لهم أربابا ينسبون إليهم بعض النعم، ويلجئون إليهم فى دفع النقم، ويلقبونهم بالشفعاء، ويظنون أنهم هم الذين يدبرون حركاتهم، ويرسمون لهم حدود أعمالهم.
وبحسبك أن تقرأ قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» وقوله: «وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ؟» .
والخلاصة- إنه سبحانه أراد أن ينبه الناس بأنه هو ربهم، وهم أناس مفكرون، وملكهم وهم كذلك، وإلههم وهم هكذا، فباطل ما اخترعوا لأنفسهم من حيث هم بشر.
(مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ) أي ألجأ إليك ربّ الخلق وإلههم ومعبودهم أن تنجينا من شر الشيطان الموسوس الكثير الخنوس والاختفاء، لأنه يأتى من ناحية
стр. 5562
الباطل، فلا يستطيع مقاومة الحق إذا صدمه، ولكنه يذهب بالنفس إلى أسوإ مصير، إذا انجرّت مع وسوسته، وانساقت معه إلى تحقيق ما خطر بالبال.
وهذه الأحاديث النفسية إذا سلط عليها نظر العقل خفيت واضمحلت، ولكن الموسوس عند إلقائها.
وحديث النفس بالفواحش وضروب الأذى للناس، يذهب هباء إذا تنبهت النفس لأوامر الشرع، وهكذا إذا وسوس لك امرؤ وبعثك على فعل السوء ثم كرّته بأوامر الدين يخنس ويمسك عن القول، إلى أن تستح له فرصة أخرى.
وقد وصف الله هذا الوسواس الخناس بقوله:
(الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) أي إن هذا الوسواس الخناس الذي يوسوس فى صدور البشر، قد يكون من الجنة وقد يكون من الناس، كما جاء فى قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ» فشيطان الجن قد يوسوس تارة ويخنس أخرى، وشيطان الإنس كذلك، فكثيرا ما يريك أنه ناصح شفيق، فإذا زجرته خنس وترك هذه الوسوسة، وإذا أصغيت إلى كلامه استرسل واستمر فى حديثه وبالغ فيه،
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تجاوز لأمتى عما حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به» رواه أبو هريرة وخرّجه مسلم.
وإنما جعل الوسوسة فى الصدور من قبل أنه عهد فى كلام العرب أن الخواطر فى القلب، والقلب مما حواه الصدر عندهم، ألا تراهم يقولون: إن الشك يحوك فى صدرك، ويجيش فى صدرى كذا، ويختلج ذلك بخاطري، وما الشك إلا فى نفسه وعقله، وأفاعيل العقل تكون فى المخ، ويظهر لها أثر فى حركات الدم وضربات القلب، وضيق الصدر وانبساطه.
قال الأستاذ الإمام: الموسوسون قسمان:
(١) قسم الجنة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم، وإنما نجد فى أنفسنا
стр. 5563
أثرا ينسب إليهم، ولكل واحد من الناس شيطان، وهى قوة نازعة إلى الشر، ويحدث منها فى نفسه خواطر السوء.
(٢) قسم الناس، ووسوستهم ما نشاهده ونراه بأعيننا، ونسمعه بآذاننا.
وما أوردوه فى خرطوم الشيطان وخطمه ومنقاره وجثومه على الصدر أو على القلب ونحو ذلك فهو من قبيل التمثيل والتصوير اهـ ملخصا.
وقد بدئت السورة برب الناس، ومن كان مربيهم فهو القادر على دفع إغواء الشيطان ووسوستهم.
وقد أرشد فى هذه السورة إلى الاستعانة به تعالى شأنه، كما أرشد إليها فى الفاتحة للإشارة إلى أن ملاك الأمر كله هو التوجه إليه وحده، والإخلاص له فى القول والعمل والالتجاء فيما لا قدرة لنا على دفعه.
اللهم اجعلنا من المخلصين فى أعمالنا، وادفع عنا أذى شياطين الإنس والجن، وأبعد عنا شر الموسوسين، وقنا عذاب جهنم، ولا تفضحنا يوم العرض.
وصل ربنا على محمد وآله الطيبين الطاهرين، وصحبه الذين ذادوا عن دينك، بقدر ما غرست فى قلوبهم من برد اليقين، وأثلجت صدورهم بمحبة هذا الدين.
стр. 5564
خاتمة التفسير
حمدا لك اللهم على نعمائك، وشكرا لك على جزيل آلائك، سبحانك رب وفقتني لتفسير كتابك الكريم، وبيان أسراره ومغازيه لجمهرة المسلمين، بعد أن كانت تقوم أمامهم عقبات تلو عقبات فمن مصطلحات للعلوم لا تستسيغها إلا طوائف ممن تخصصوا لدرسها، ومن تفسير لنظريات طبية أو فلكية دلت أبحاث العلماء المحدثين على أن تفسير العلماء القدامى لها كان مجانفا للحقائق التي أثبتها العلم الحديث، ومن قصص دوّن فى كتب التفسير يعوزه الدليل النقلى الصحيح، ولا يوافق على صدقه العقل الرجيح، ولا سيما قصص الأنبياء وأخبار الأمم البائدة، وبدء التكوين، وخلق السموات والأرض.
وكم سهرت الليالى الطوال فى أيام القرّ، وإبّان الحرّ، لا تؤنسني إلا معونة الله وجميل توفيقه، وما أشعر به من لذة تخفف عنى ما أنقض ظهرى.
وحينما كنت أحس بسأم من العمل المضنى- آنس أن نفحة من روح الله يهب نسيمها على قلبى، فأنشط للعمل، وأدأب على المضي قدما، لمواصلة الدرس والتأليف.
وهكذا كانت تمر الليالى والأيام، فلا أجد مع ذلك الجهد إلا انشراحا وسرورا بمواصلة العمل. وقد أعاننى الله على إتمامه بعد سبع سنين دائبا العمل ليل نهار، صباح مساء.
وكان مسك الختام، وإنجاز التفسير فى سلخ ذى الحجة من سنة ١٣٦٥ خمس وستين بعد الثلاثمائة والألف من هجرة سيد ولد عدنان بمدينة حلوان من أرباض القاهرة قاعدة الديار المصرية.
ولله الحمد فى الآخرة والأولى، وإليه المرجع والمآب.
стр. 5565
خاتمة الطبع
بسم الله الرّحمن الرّحيم حمدا لمن أنزل القرآن تبيانا للناس وهدى وموعظة للمتقين، وأرسل سيدنا محمدا بشيرا ونذيرا ورحمة للعالمين، ﷺ وآله وصحبه مصابيح الهدى وترجمان القرآن الذي هو حجة الله على الناس أجمعين.
أتى رب العالمين فيه بالبراهين الساطعة، والحجج الدامغة على انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه جل ذكره بالمعبودية. دمغ به الباطل وأزهقه، وزيف به عقائد العرب وبين لهم النجدين، فمنهم من مال إلى الإسلام، ومنهم من خضع بالسيف والسنان.
ولقد وضح رسول الله ﷺ مقاصده، وبين مراميه وفسر بعض آياته، واقتدى به الصحابة ومن بعدهم فى ذلك.
ولله در حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ «أحمد مصطفى المراغي بك» حيث خاض لجة بحر علم تفسير القرآن، فشرح الألفاظ المفردة التي يصعب على القارئ فهمها لأول وهلة، ثم تلاها بالمعنى المراد من الآيات فى عبارة مختصرة، ثم ثلثها بإيضاح المعاني إيضاحا شاملا شافيا، مع تجنب القصص الإسرائيلية المدسوسة والخرافات الدخيلة على هذا العلم النفيس، فذكر منها الصريح والنقل الصحيح. اهتدى إلى ما لم يهتد إليه الفحول من متقدميه، واستدل بأحاديث الرسول فى بعض المواضيع، وبأشعار العرب، وبأقوال أهل اللغة والعلماء الموثوق بعلمهم ونقلهم، فهو كما قال القائل:
وإنى وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
وقد قام بطبعه طبعا متقنا ونشره بين الأنام السادة النبلاء من نشروا كتب الجهابذة الأعلام فى أنحاء المعمورة، أصحاب:
[شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر] فلله درهم حيث قدموه لجمهور القراء بهذا الشكل البديع مع الاعتناء بتصحيحه بمعرفة لجنة التصحيح بالشركة.
стр. 5566
فهرس أهم المباحث العامة التي فى هذا الجزء
الصفحة المبحث ٥ كان المشركون كثيرا ما يتحدثون فى شأن البعث والحساب فنزلت سورة عم ٨ للظلمة فوائد وللنور فوائد ٩ فى الشمس سر الحياة ١١ أمر الكائنات فى يوم الفصل على غير ما نعهد ١٤ ذكر جرائم الكفار التي استحقوا عليها العذاب ١٧ التمتع بالنساء فى الآخرة يكون على نهج يشاكل العالم الأخروى ١٩ الملائكة مخلوقات غيبية نصدق بما جاء فى الكتاب من أوصافها ٢٠ فى يوم القيامة تتجلى للمرء أعماله التي كانت فى حياته الأولى ٢٣ الإقسام ببعض المخلوقات فى الكتاب الكريم يكون لأحد أمرين ٢٥ استبعد المشركون أمر البعث لأسباب ثلاثة ٢٧ قصص موسى مع فرعون طاغية مصر ٣٠ البعث هين إذا قيس بخلق السموات والأرض ٣١ تعاقب الليل والنهار يهيىء الأرض للسكنى ٣٣ يوم القيامة يتذكر كل امرئ ما عمل فى الدنيا ٣٥ كان المشركون يسألون النبي ﷺ عن الساعة فأمره أن يقول لهم:
علمها عند ربى ٣٧ يوم القيامة يظن المشركون أنهم لم يلبثوا فى الدنيا إلا عشية أو ضحاها
стр. 5567
٩ عتاب الله لنبيه على الإعراض عن هذا الأعمى ٤٢ الهداية تذكرة يقصد بها تنبيه الغافل ٤٧ الآيات المنبثة فى الآفاق والأنفس ٤٩ ذكر بعض أهوال يوم القيامة التي توجب الفزع ٥٠ الناس فريقان: سعداء وأشقياء ٥٣ حين تقع أحداث القيامة تعلم كل نفس ما قدّمت من عمل ٥٥ افتنّ العرب فى وأد البنات ٥٦ لا يتقبل الله من الأعمال إلا ما كان عن قلب ملىء بالإيمان ٥٩ أوصاف جبريل ﵇ ٦٠ صفة النبي ﵊ ٦١ على مشيئة المكلف تتوقف الهداية ٦٥ فى يوم الحشر يسأل الإنسان عما دعاه إلى مخالفة خالقه.
٦٦ الإنسان لا يعيش كما يعيش سائر الحيوان ٦٧ لا يمنع الإنسان من التصديق بالبعث إلا العناد.
٧١ جزاء التطفيف فى الكيل والميزان ٧٣ التطفيف يكون فى غير الكيل والميزان ٧٥ مقالة المشركين فى القرآن.
٧٦ لا يكذب بيوم الدين إلا المعتدى الأثيم ٧٨ ما يقال للكفار يوم القيامة ٨٠ أعمال الأبرار فى كتاب يسمى عليين وأعمال الفجار فى كتاب يسمى سجينا
стр. 5568
٨١ أثر النعيم فى أهل الجنة ٨٣ ما كان الكفار يقابلون به المؤمنين فى الدنيا ٨٤ من شأن القوى أن يضحك ممن يخالفة ٨٨ الناس فى الآخرة فريقان: بررة وفجرة ٨٩ حين اختلاف نظام هذا العالم تمدّ الأرض مدّ الأديم العكاظي ٩١ كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم حاسبنى حسابا يسيرا ٩٢ إيتاء الكتاب باليمين أو بالشمال تصوير وتمثيل ٩٤ إقسام الله تعالى بآياته الباهرات فى هذا الكون ٩٨ الإقسام بما فيه غيب وشهود ٩٩ تعذيب المشركين للمؤمنين شنشنة قديمة ١٠٠ حديث أصحاب الأخدود ١٠٢ ما أعد الله للكافرين من العذاب الأليم ١٠٤ ما يعظم به الملك فى الدنيا ١٠٦ فى قصص أصحاب الأخدور تسلية للنبى وصحبه ١٠٧ أحوال الكفار متشابهة فى كل عصر ١٠٩ إقسام الله تعالى بأن النفوس لم تخلق سدى ١١٢ كيفية خلق الجنين ونموّ الحمل كما أثبته العلم حديثا ١١٤ الماء الدافق يكون من كل من الرجل والمرأة ١١٨ فى الحديث «كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم» إلخ ١٢١ اسم الله ما يعرف به
стр. 5569
١٢٣ وعد الله رسوله ﷺ أنه سيقرئه من كتابه ما فيه تنزيهه ١٢٥ أمره ﷺ بتذكير عباده بما ينفعهم فى دينهم ودنياهم ١٢٦ الناس بالنظر إلى دعوة الرسول ﷺ أقسام ثلاثة ١٢٧ وعد من زكى نفسه بالفوز والفلاح والظفر بالسعادة ١٢٩ الرسول ﷺ ما جاء إلا مذكرا بما نسيته الأجيان من شرائع المرسلين ١٣٤ وصف الجنة وما فيها.
١٣٦ إقامة الحجة على المنكرين ليوم البعث ١٣٧ ضرب أمثلة دالة على قدرته تعالى.
١٤١ نعمة الله على عباده بتعاقب الليل والنهار ١٤٣ ذكر قصص الأمم الماضية وما فيها من سلوى لرسوله ﷺ ١٤٣ الإنسان لا يهتم إلا بشئون الدنيا ١٤٨ توبيخ الإنسان على زجر اليتيم والمسكين ١٥٠ إيثار الناس للحياة الدنيا على الآخرة ١٥١ يندم الإنسان على ما فرط منه حين لا يجدى الندم ١٥٢ وصف يوم القيامة وما فيه من أحداث ١٥٧ خلق الإنسان فى عناء ١٦١ الحض على مواساة اليتيم وإطعام المسكين ١٦٣ فعل البر لا يجدى نفعا إلا مع الإيمان واطمئنان القلب ١٦٦ الحكمة فى القسم بالشمس والقمر والليل والنهار
стр. 5570
١٦٨ ألهم الله تعالى النفوس الفجور والتقوى وعرّفها حالها ١٧٠ ذكر بعض أخبار الأمم الماضية وما جوزوا به ١٧٤ اختلاف الأجنة فى الذكورة والأنوثة دليل على أن واضع النظام عليم بما يفعل ١٧٨ أعذر الله إلى عباده فأبان لهم الخير والشر وأرشد إلى عاقبتهما ١٨٠ الناس أصناف ثلاثة ١٨٢ سبب نزول سورة الضحى ١٨٤ تعداد ما أنعم الله به على رسوله قبل النبوة ١٨٦ مطالبته ﵊ بشكر هذه النعم ١٨٧ كان ﷺ كثير الإنفاق على الفقراء عظيم الرأفة بهم ١٨٩ لا فخار أعظم من ذكره ﷺ فى كلمة الإيمان مع العلى الرحمن ١٩١ ستخرج النفس ظافرة مهما اشتد العسر إذا اعتصمت بالصبر وتوكلت على ربها ١٩٤ أقسم ربنا بالعهود الأربعة التي كان لها أثر بارز فى تاريخ البشر ١٩٧ صدر سورة اقرأ أول القرآن نزولا ٢٠٠ نعم الله على عباده ٢٠١ أسباب طغيان الإنسان ٢٠٥ ما دار من الحواريين النبي ﷺ وأبى جهل ٢٠٦ أشار القرآن إلى نزول القرآن فى أربعة مواضع ٢٠٨ فضل ليلة القدر ٢١٥ النعي على المسلمين فيما أحدثوا من البدع ٢١٧ علامات يوم القيامة
следующие страницы →