← Тафсир

Тафсир · id 23610

الموسوعة القرآنية

إبراهيم الإبياري

Полный текст (5 429 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

هَدْياً حال عن فَجَزاءٌ فيمن وصفه بمثل، لأن الصفة خصصته فقربته من المعرفة، أو بدل عن مِثْلُ فيمن نصبه، أو عن محله فيمن جره. بالِغَ الْكَعْبَةِ أي أن يذبح بالحرم. ذلِكَ إشارة إلى الطعام. صِياماً تمييز للعدل. لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام. والوبال: المكروه والضرر الذي يناله فى العاقبة من عمل يسوء لثقله عليه. عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ لكم من الصيد فى حال الإحرام قبل أن تراجعوا رسول الله ﵌ وتسألوه عن جوازه. وَمَنْ عادَ إلى قتل الصيد وهو محرم بعد نزول النهى. فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ينتقم، خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو ينتقم الله منه، ولذلك دخلت الفاء. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٦ الى ٩٧] أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) ٩٦- أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: صَيْدُ الْبَحْرِ مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل. وَطَعامُهُ وما يطعم من صيده. والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد فى البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه. مَتاعاً لَكُمْ مفعول معه، أي أحل لكم تمتيعا لكم. وَلِلسَّيَّارَةِ وللمسافرين يتزودونه قديدا. صَيْدُ الْبَرِّ ما صيد فيه. ٩٧- جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ

стр. 4202

وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ : الْبَيْتَ الْحَرامَ عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح. قِياماً لِلنَّاسِ انتعاشا لهم فى أمر دينهم ودنياهم ونهوضا إلى أغراضهم ومقاصدهم فى معاشهم ومعادهم، لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم. وَالشَّهْرَ الْحَرامَ الشهر الذي يؤدى فيه الحج، وهو ذو الحجة. وقيل: عنى جنس الأشهر الحرم. وَالْهَدْيَ ما يساق إلى البيت من النعم. وَالْقَلائِدَ والمقلد منه خصوصا، وهو البدن، لأن الثواب فيه أكثر وبهاء الحج معه أظهر. ذلِكَ إشارة إلى جعل الكعبة قياما للناس، أو إلى ما ذكر من حفظ حرمة الإحرام بترك الصيد وغيره. لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كل شىء. وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وهو عالم بما يصلحكم وما ينعشكم مما أمركم به وكلفكم. [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٨ الى ٩٩] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) ٩٨- اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: شَدِيدُ الْعِقابِ لمن انتهك محارمه. غَفُورٌ رَحِيمٌ لمن حافظ عليها. ٩٩- ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ تشديد فى إيجاب القيام بما أمر به، وأن الرسول ﵌ قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ.

стр. 4203

وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم فى التفريط. [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٢] قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢) ١٠٠- قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: البون بين الخبيث والطيب بعيد عند الله تعالى وإن كان قريبا عندكم، فلا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على القليل الطيب، فإن ما تتوهمونه فى الكثرة من الفضل لا يوازى النقصان فى الخبيث وفوات الطيب. فَاتَّقُوا اللَّهَ وآثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر. ١٠١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ: إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ جملة شرطية. أي لا تكثروا مساءلة رسول الله ﵌ حتى تسألوا عن تكاليف شاقة عليكم إن أفتاكم بها وكلفكم إياها تغمكم وتشق عليكم وتندموا على السؤال عنها. وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ جملة شرطية معطوفة على ما قبلها، أي وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة فى زمان الوحى، وهو ما دام الرسول ﵌ بين أظهركم يوحى إليه، تبد لكم تلك التكاليف الصعبة التي تسؤكم وتؤمروا بتحملها، فتعرضوا أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها. عَفَا اللَّهُ عَنْها عفا الله عما سلف من مساءلتكم فلا تعودوا إلى مثلها. وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعاجلكم فيما فرط منكم بعقوبة. ١٠٢- قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ: قَدْ سَأَلَها الضمير ليس براجع إلى أشياء حتى تجب تعديته

стр. 4204

بالحرف (عن) وإنما هو راجع إلى المسألة التي دل عليها لا تَسْئَلُوا، يعنى: قد سأل قوم هذه المسألة من الأولين. ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها أي بمرجوعها، أو سببها. كافِرِينَ وذلك أن بنى إسرائيل كانوا يستنفتون أنبياءهم عن أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا. [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٤] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤) ١٠٣- ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكرا بحروا أذنها، أي شقوها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، وإذا لقيها المعيى لا يركبها، واسمها البحيرة. وكان الرجل يقول: إذا قدمت من سفرى أو برئت من مرضى فناقتى سائبة، وجعلها كالبحيرة فى تحريم الانتفاع بها. وكانت الشاة إذا ولدت أنثى فهى لهم، وإن ولدت ذكرا فهو لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وما جَعَلَ أي ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير والتسييب وغير ذلك. وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ فلا ينسبون التحريم إلى الله حتى يفتروا ولكنهم يقلدون فى تحريمها كبارهم. ١٠٤- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا

стр. 4205

حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ : أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ الواو واو الحال، دخلت عليها همزة الإنكار. أي إن الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى، وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة. [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) ١٠٥- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العتو والفساد من الكفرة يتمنون دخولهم فى الإسلام، فقيل لهم: عليكم أنفسكم، وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها فى طرق الهدى. يَضُرُّكُمْ الضلال عن دينكم. إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إذا كنتم مهتدين. ١٠٦- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ: اثْنانِ خبر للمبتدأ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ على تقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين، أو على أنه فاعل شَهادَةُ بَيْنِكُمْ على معنى: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان. إِذا حَضَرَ ظرف للشهادة. حِينَ الْوَصِيَّةِ بدل من إِذا حَضَرَ وإبداله منه دليل على وجوب الوصية. مِنْكُمْ من أقاربكم، أو من المسلمين.

стр. 4206

مِنْ غَيْرِكُمْ من الأجانب. إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي إن وقع الموت فى السفر ولم يكن معكم أحد من عشرتكم فاستشهدوا أجنبيين على الوصية. تَحْبِسُونَهُما تقفونهما وتصبرونهما للحلف. مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ من بعد صلاة العصر، لأنه وقت اجتماع الناس. وقيل: بعد صلاة العصر أو الظهر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما. إِنِ ارْتَبْتُمْ اعتراض بين القسم والمقسم عليه. أي ان ارتبتم فى شأنهما واتهمتموهما فحلفوهما. بِهِ الضمير للقسم. وَلَوْ كانَ الضمير للمقسم له. يعنى: لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا. أي لا نحلف كاذبين لأجل المال، ولو كان من نقسم له قريبا منا. [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٧] فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ١٠٧- فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ: فَإِنْ عُثِرَ فإن اطلع. عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً أي فعلا ما أوجب إثما، واستوجب أن يقال إنهما لمن الآثمين. فَآخَرانِ فشاهدان آخران. يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ أي من الذين استحق عليهم الإثم. أي من الذين جنى عليهم، وهم أهل الميت وعشيرته. الْأَوْلَيانِ الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما. والرفع على تقدير: هما الأوليان. أو بدل من الضمير فى يَقُومانِ أو فَآخَرانِ.

стр. 4207

[سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٨ الى ١١٠] ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) ١٠٨- ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ: ذلِكَ الذي تقدم من بيان الحكم. أَدْنى أن يأتى الشهداء على نحو تلك الحادثة. بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ أن نكر أيمان شهود آخرين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور كذبهم. وَاسْمَعُوا سمع إجابة وقبول. ١٠٩- يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ: يَوْمَ يَجْمَعُ بدل من المنصوب فى قوله وَاتَّقُوا اللَّهَ وهو بدل اشتمال، كأنه قيل: واتقوا الله يوم جمعه، أو ظرف لقوله لا يَهْدِي أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم. أو ينصب على إضمار: اذكر. ماذا أُجِبْتُمْ ماذا، انتصب بقوله: أجبتم، انتصاب مصدره، على معنى: أي إجابة أجبتم. لا عِلْمَ لَنا إذ كان الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، وكلوا الأمر إلى علمه وإحاطته بما منوا به منهم وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا للتشكى واللجأ إلى ربهم فى الانتقام منهم. إِنَّكَ أَنْتَ أي إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره. ١١٠- إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ

стр. 4208

الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ : إِذْ قالَ اللَّهُ بدل من قوله يَوْمَ يَجْمَعُ. أَيَّدْتُكَ قويتك. بِرُوحِ الْقُدُسِ بالكلام الذي يحيا به الدين، وأضافه إلى القدس، لأنه سبب الطهر من أوضار الآثام. فِي الْمَهْدِ فى موضع الحال، أي تكلمهم طفلا. وَكَهْلًا أي تكلمهم فى هاتين الحالتين غير أنه يتفاوت كلامك فى حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل. الْكِتابَ الخط. وَالْحِكْمَةَ الكلام المحكم الصواب. وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ خصا بالذكر مما تناوله الكتاب والحكمة، لأن المراد بهما جنس الكتاب والحكمة. كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ هيئة مثل هيئة الطير. بِإِذْنِي بتسهيلى. فَتَنْفُخُ فِيها الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى ﵇ وينفخ فيها. تُخْرِجُ الْمَوْتى من القبور وتبعثهم. وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ يعنى اليهود حين هموا بقتله. [سورة المائدة (٥) : آية ١١١] وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) ١١١- وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أمرتهم على ألسنة الرسل. مُسْلِمُونَ مخلصون.

стр. 4209

[سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٢ الى ١١٦] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥) وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ١١٢- إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة. ١١٣- قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بنى إسرائيل. ١١٤- قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ: اللَّهُمَّ أصله: يا الله، فحذف حرف النداء وعوض منه الميم. رَبَّنا نداء ثان. تَكُونُ لَنا عِيداً أي يكون يوم نزولها عيدا. لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا بدل من (لنا) بتكرير العامل، أي لمن فى زماننا من أهل ديننا، ولمن يأتى بعدنا. ١١٥- قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ: عَذاباً تعذيبا. لا أُعَذِّبُهُ الضمير للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء. ١١٦- وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي

стр. 4210

بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ : سُبْحانَكَ من أن يكون لك شريك. ما يَكُونُ لِي ما ينبغى لى. أَنْ أَقُولَ قولا لا يحق لى أن أقوله. فِي نَفْسِي فى قلبى. وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ أي تعلم معلومى ولا أعلم معلومك. إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ تقرير للجملتين معا، لأن ما انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولأن ما يعلمه علام الغيوب لا ينتهى إليه علم أحد. [سورة المائدة (٥) : آية ١١٧] ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) ١١٧- ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أن، إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بد من مفسر، والمفسر: إما فعل القول، وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له. أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير. وأما فعل الأمر، فمسند إلى ضمير الله . وان جعلتها موصولة بالفعل، لم تخل من أن تكون: بدلا من ما أَمَرْتَنِي بِهِ، أو من الهاء فى (به) وكلاهما غير مستقيم. والوجه أن يحمل فعل القول على معناه، لأن معنى ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ: ما أمرتهم إلا ما أمرتنى به.

стр. 4211

وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً رقيبا أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت عليهم من البينات وأرسلت إليهم الرسل. [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٨ الى ١٢٠] إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠) ١١٨- إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك. الْعَزِيزُ القوى القادر على الثواب والعقاب. الْحَكِيمُ الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. ١١٩- قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: (يوم) بالرفع والإضافة. وقرىء بالنصب: إما على أنه ظرف للفعل قالَ: وإما على أن هذا مبتدأ، والظرف خبر. والمعنى: هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع يوم ينفع. ١٢٠- لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: وَما فِيهِنَّ ما، يتناول الأجناس كلها تناولا عاما.

стр. 4212

(٦) سورة الأنعام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) ١- الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ: جَعَلَ يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى: أحدث وأنشأ، كما هنا، وإلى مفعولين إذا كان بمعنى: صير. والفرق بين الخلق والجعل، أن الخلق فيه معنى التقدير، وفى الجعل معنى: التضمين، كإنشاء شىء من شىء، أو تصير شىء شيئا، أو نقله من مكان إلى مكان. ومن الأول هذه الآية. ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عطف على قوله قبل الْحَمْدُ لِلَّهِ على معنى: أن الله حقيق بالحمد على ما خلق، لأنه ما خلقه إلا نعمة، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته. وإما عطف على قوله خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ على معنى أنه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شىء منه. ٢- هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ: ثُمَّ قَضى أَجَلًا أجل الموت. وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ أجل القيامة. وجاز تقديم المبتدأ النكرة، وهو واجب التأخير، إذا كان خبره ظرفا لأنه تخصص بالصفة فقارب المعرفة.

стр. 4213

[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣ الى ٥] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) ٣- وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ: فِي السَّماواتِ متعلق بمعنى اسم الله، كأنه قيل: وهو المعبود فيها، أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيها، أو هو الذي يقال له: الله فيها لا يشرك به فى هذا الاسم. ويجوز أن يكون اللَّهُ فِي السَّماواتِ خبرا بعد خبر، على معنى: أنه الله، وأنه فى السماوات والأرض. بمعنى أنه عالم بما فيهما لا يخفى عليه منه شىء، كأن ذاته فيهما. يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ إن أردت أنه المتوحد بالإلهية كان هذا تقريرا له، لأن الذي استوى فى علمه السر والعلانية هو الله وحده. وكذا إذا جعلت فِي السَّماواتِ خبرا بعد خبر. وإلا فهو كلام مبتدأ بمعنى: هو يعلم سركم وجهركم. وقد يكون خبرا ثالثا. وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ من الخير والشر، ويثيب عليه ويعاقب. ٤- وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ: مِنْ آيَةٍ من، للاستغراق. مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ من، للتبعيض. أي: وما يظهر لهم دليل قط من الأدلة التي يجب فيها النظر والاستدلال إلا كانوا عنه معرضين، تاركين للنظر، لا يلتفتون إليه ولا يرفعون به رأسا، لقلة خوفهم وتدبرهم للعواقب. ٥- فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ: فَقَدْ كَذَّبُوا مردود على كلام محذوف، كأنه قيل: إن كانوا معرضين عن الآيات فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها، وهو الحق.

стр. 4214

لَمَّا جاءَهُمْ يعنى القرآن الذي تحدوا به على تبالغهم فى الفصاحة فعجزوا عنه. فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ الشيء الذي كانوا به يستهزئون، وهو القرآن، أي أخباره وأحواله. والمعنى: سيعلمون بأى شىء استهزءوا، وسيظهر لهم أنه لم يكن موضع استهزاء، وذلك عند إرسال العذاب عليهم فى الدنيا، أو يوم القيامة. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦ الى ٧] أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) ٦- أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ: مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ جعلنا لهم مكانا فيها. ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ أي لم نعط أهل مكة ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم من البسطة فى الأجسام، والسعة فى الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا. وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً مغزارا. قَرْناً آخَرِينَ أي لا يتعاظمه أن يهلك قرنا، وأنه قادر على أن ينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده. ٧- وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ: كِتاباً مكتوبا. فِي قِرْطاسٍ فى ورق. فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ولم يقتصر بهم على الرؤية لئلا يقولوا: سكرت أبصارنا، ولا تبقى لهم علة. إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره.

стр. 4215

[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨ الى ٩] وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩) ٨- وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أمر إهلاكهم. ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ بعد نزوله طرفة عين. إما لأنهم إذا عاينوا الملك قد نزل على رسول الله ﵌ فى صورته، وهى آية لا شىء أبين منها وأيقن، ثم لا يؤمنون، كان لا بد من إهلاكهم. وإما لأنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف عند نزول الملائكة، فيجب إهلاكهم. وإما لأنهم إذا شاهدوا ملكا فى صورته زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون. ومعنى ثُمَّ بعد ما بين الأمرين: قضاء الأمر، وعدم الإنظار، جعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر، لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة. ٩- وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوا. لَجَعَلْناهُ رَجُلًا لأرسلناه فى صورة رجل كما كان ينزل جبريل فى أعم الأحوال فى صورة وصية، لأنهم لا يبقون مع رؤية الملائكة فى صورهم. وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ولخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حينئذ، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك فى صورة إنسان: هذا إنسان وليس بملك. فإن قال لهم: الدليل على أنى ملك أنى جئت بالقرآن المعجز، وهو ناطق بأنى ملك لا بشر كذبوا، فإذا فعلوا ذلك خذلوا كما هم مخذولون الآن، فهو لبس الله عليهم.

стр. 4216

[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠ الى ١٣] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) ١٠- وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ تسلية لرسول الله ﵌ مما كان يلقى من قومه. فَحاقَ فأحاط بهم الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو الحق، حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به. ١١- قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ: انْظُرُوا أي سيروا لأجل النظر ولا تسيروا سير الغافلين. ١٢- قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ سؤال تبكيت. قُلْ لِلَّهِ تقرير لهم، أي هو الله، لا خلاف بينى وبينكم، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره. كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجبها على ذاته فى هدايتكم إلى معرفته، ونصب الأدلة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السماوات والأرض، ثم أوعدهم على إغفالهم النظر وإشراكهم به من لا يقدر على خلق شىء بقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فيجازيكم على إشراككم. الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ نصب على الذم، أو رفع، أي: أريد الذين خسروا أنفسهم، أو أنتم الذين خسروا أنفسهم. فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي الذين خسروا أنفسهم فى علم الله، لاختيارهم الكفر، فهم لا يؤمنون. ١٣- وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ:

стр. 4217

وَلَهُ عطف على لفظ (الله) . ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من السكنى. وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يسمع كل مسموع ويعلم كل معلوم، فلا يخفى عليه شىء مما يشتمل عليه الملوان. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤ الى ١٧] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) ١٤- قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَغَيْرَ اللَّهِ جاءت همزة الاستفهام دون الفعل الذي هو أَتَّخِذُ لأن الإنكار فى اتخاذ غير الله وليا لا فى اتخاذه الولي، فكان أولى بالتقديم. فاطِرِ السَّماواتِ بالجر صفة لله. وقرىء بالرفع على المدح. وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ وهو يرزق ولا يرزق. أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ لأن النبي ﵌ سابق أمته فى الإسلام. وَلا تَكُونَنَّ وقيل لى: لا تكونن. مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك. ١٥- قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: قل: إنى أخاف إن أخلفت أمر ربى وعصيته، عذاب يوم شديد. ١٦- مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ العذاب. يَوْمَئِذٍ يوم الحساب. فَقَدْ رَحِمَهُ لله الرحمة العظمى، وهى النجاة. ١٧- وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: بِضُرٍّ من مرض أو فقر أو غير ذلك من البلاء، فلا قادر على كشفه إلا هو.

стр. 4218

بِخَيْرٍ من غنى أو صحة. فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فكان قادرا على إدامته أو إزالته. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٨ الى ٢٠] وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) ١٨- وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ: فَوْقَ عِبادِهِ تصوير للقهر والعلو بالغلبة والقدرة. ١٩- قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ: أَكْبَرُ شَهادَةً أي: أي شهيد أكبر شهادة، فوضع شيئا مقام شهيد ليبالغ فى التعميم. قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ يحتمل أن يكون تمام الجواب عند قوله قُلِ اللَّهُ بمعنى: الله أكبر شهادة، ثم ابتدئ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي هو شهيد بينى وبينكم، كما يحتمل أن اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وهو الجواب، لدلالته على أن الله إذا كان هو الشهيد بينه وبينهم فأكبر شىء شهادة شهيد له. وَمَنْ بَلَغَ عطف على ضمير المخاطبين من أهل مكة، أي: لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن من العرب والعجم. أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ تقرير لهم مع إنكار واستبعاد. قُلْ لا أَشْهَدُ شهادتكم. ٢٠- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعنى اليهود والنصارى يعرفون رسول الله ﵌ بحليته ونعمه الثابتة فى الكتابين معرفة خالصة. كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ بحلاهم ونعوتهم لا يخفون عليهم ولا يلتبسون بغيرهم.

стр. 4219

الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ من المشركين ومن أهل الكتاب الجاحدين. فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ به جمعوا بين أمرين متناقضين، فكذبوا على الله بما لا حجة عليه، وكذبوا بما ثبت بالحجة والبرهان الصحيح. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢١ الى ٢٥] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) ٢١- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: وليس أحد أشد ظلما لنفسه وللحق ممن افترى على الله الكذب، وادعى أن له ولدا أو شريكا، أو نسب إليه ما لا يليق، أو أنكر أدلته الدالة على وحدانيته وصدق رسله. إن الظالمين لا يفوزون بخير فى الدنيا والآخرة. ٢٢- وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ: وَيَوْمَ ناصبه محذوف، تقديره: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، فترك ليبقى على الإبهام الذي هو داخل فى التخويف. أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله. الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أي: تزعمونهم شركاء، فحذف المفعولان. ٢٣- ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ: فِتْنَتُهُمْ كفرهم. والمعنى: ثم لم تكن عاقبة كفرهم- الذي لزموه أعمارهم، وقاتلوا عليه، وافتخروا به، وقالوا دين آبائنا- إلا جحوده والتبرؤ منه. ٢٤- انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ: وَضَلَّ عَنْهُمْ وغاب عنهم. ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي يفترون إلهيته وشفاعته. ٢٥- وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ

стр. 4220

وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حين تتلو القرآن. عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أغطية تحجب عنهم الإدراك الصحيح. وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً صمما يحول دون سماع آيات القرآن. آيَةٍ دليل. إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ فيجعلون كلام الله وأصدق الحديث خرافات وأكاذيب، وهى الغاية فى التكذيب. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) ٢٦- وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ الناس عن القرآن، أو عن الرسول، ﵌ وأتباعه، ويثبطونهم عن الإيمان به. وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ بأنفسهم فيضلون ويضلون. وَإِنْ يُهْلِكُونَ بذلك. إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ولا يتعداهم الضرر إلى غيرهم، وإن كانوا يظنون أنهم يضرون رسول الله ﵌. ٢٧- وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: وَلَوْ تَرى جوابه محذوف، تقديره: ولو ترى لرأيت أمرا شنيعا. وُقِفُوا عَلَى النَّارِ أروها حتى يعاينوها، أو اطلعوا عليها اطلاعا وهى تحتهم، أو أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها. يا لَيْتَنا نُرَدُّ تم تمنيهم، ثم ابتدءوا: وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ واعدين

стр. 4221

الإيمان، كأنهم قالوا: ونحن لا نكذب ونتوب على وجه الإثبات، أشبه بقولك: دعنى ولا أعود، أي دعنى وأنا لا أعود، تركتنى أو لم تتركنى. ويجوز أن يكون معطوفا على نُرَدُّ. أو حالا، على معنى: يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٨ الى ٣٠] بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) ٢٨- بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ: بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ من قبائحهم وفضائحهم فى صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرا، لا أنهم عازمون على أنهم لو ردوا لآمنوا. وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا بعد وقوفهم على النار. لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر والمعاصي. وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به. ٢٩- وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ: وَقالُوا عطف على لَعادُوا. أي لو ردوا لكفروا ولقالوا: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة. ويجوز أن يعطف على قوله وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ على معنى: وإنهم لقوم كاذبون فى كل شىء، وهم الذين قالوا: إن هى إلا حياتنا الدنيا، وكفى به دليلا على كذبهم. ٣٠- وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ: وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ مجاز عن الحبس للتوبيخ والسؤال. قالَ مردود على قول قائل قال: ماذا قال ربهم إذ وقفوا عليه؟ فقيل: قال:

стр. 4222

أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ وهذا تعيين من الله تعالى لهم على التكذيب، وقولهم لما كانوا يسمعون من حديث البعث والجزاء- ما هو بحق وما هو إلا باطل. بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بكفركم بلقاء الله ببلوغ الآخرة وما يتصل بها. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣١ الى ٣٣] قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) ٣١- قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ: حَتَّى غاية لقوله كَذَّبُوا لا لقوله خَسِرَ، لأن خسرانهم لا غاية له، أي ما زال بهم التكذيب إلى حسرتهم وقت مجىء الساعة. بَغْتَةً فجأة، وانتصابها على الحال بمعنى: باغتة، أو على المصدر كأنه قيل: بغتتهم الساعة بغتة. عَلى ما فَرَّطْنا فِيها الضمير للحياة الدنيا، جىء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة. أو للساعة، على معنى: قصرنا فى شأنها وفى الإيمان بها. وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ لأنه اعتيد حمل الأثقال على الظهور. ساءَ ما يَزِرُونَ أي بئس شيئا يزرون وزرهم. ٣٢- وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ: جعل أعمال الدنيا لعبا ولهوا واشتغالا بما لا يعنى ولا يعقب منفعة كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة. لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ دليل على أن ما عدا أعمال المتقين لعب ولهو. ٣٣- قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ: قَدْ نَعْلَمُ قد، بمعنى: ربما، الذي يجىء لزيادة الفعل وكثرته.

стр. 4223

إِنَّهُ الهاء ضمير الشأن. الَّذِي يَقُولُونَ وهو قولهم ساحر كذاب. لا يُكَذِّبُونَكَ أي إن تكذيبك أمر راجع إلى الله، لأنك رسول الله المصدق بالمعجزات، فهم لا يكذبونك فى الحقيقة وإنما يكذبون الله بجحود آياته. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٤ الى ٣٥] وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) ٣٤- وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ تسلية لرسول الله ﵌. وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا من مصابرة المشركين. ٣٥- وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ كان يكبر على النبي ﵌ كفر قومه وإعراضهم عما جاء به. فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ منفذا تنفذ فيه إلى ما تحت الأرض حتى تطلع لهم آية يؤمنون بها. أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ منها. بِآيَةٍ فافعل. يعنى إنك لا تستطيع ذلك. والمراد بيان حرصه ﵌ على إسلام قومه وتهالكه عليه، وأنه لو استطاع أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى بأن يأتيهم بآية ملجئة، ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة.

стр. 4224

فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ من الذين يجهلون ذلك ويرومون خلافه. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٦ الى ٣٨] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) ٣٦- إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعنى أن الذين تحرص على أن يصدقوك بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وإنما يستجيب من يسمع. وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ مثل لقدرته على إلجائهم إلى الاستجابة بأنه هو الذي يبعث الموتى من القبور يوم القيامة. ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ للجزاء، فكان قادرا على هؤلاء الموتى بالكفر أن يحييهم بالإيمان وأنت لا تقدر على ذلك. وقيل: معناه: وهؤلاء الموتى- يعنى الكفرة- يبعثهم الله، ثم إليه يرجعون، فحينئذ يسمعون. وأما ما قبل ذلك فلا سبيل إلى استماعهم. ٣٧- وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ذكر الفعل والفاعل مؤنث لأن تأنيث آيَةٌ غير حقيقى. قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً تضطرهم إلى الإيمان. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن الله قادر على أن ينزل تلك الآية، وأن صارفا من الحكمة يصرفه عن إنزالها. ٣٨- وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ: أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم. ما فَرَّطْنا ما تركنا وما أغفلنا.

стр. 4225

فِي الْكِتابِ فى اللوح المحفوظ. مِنْ شَيْءٍ من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب أن يثبت مما يختص به. ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعنى الأمم كلها من الدواب والطير. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٩ الى ٤١] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١) ٣٩- وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي المكذبون. صُمٌّ لا يسمعون كلام المنبه. بُكْمٌ لا ينطقون بالحق. فِي الظُّلُماتِ خابطون فى ظلمات الكفر، فهم غافلون عن تأمل ذلك والتفكر فيه. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ أي يخذله ويخله وضلاله لم يلطف به، لأنه ليس من أهل اللطف. وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي يلطف به لأن اللطف يجدى عليه. ٤٠- قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ: أَرَأَيْتَكُمْ أخبرونى. أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ من تدعون. أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ تبكيت. أي أتخصون آلهتكم بالدعوة فيما هو عادتكم إذا أصابكم ضر، أم تدعون الله دونها. ٤١- بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ:

стр. 4226

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ بل تخصونه بالدعاء دون الآلهة. فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ أي ما تدعونه إلى كشفه. إِنْ شاءَ إن أراد أن يتفضل عليكم ولم يكن مفسدة. وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ وتتركون آلهتكم. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) ٤٢- وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ: بِالْبَأْساءِ بالقحط والجوع. وَالضَّرَّاءِ المرض ونقصان الأموال والأنفس. والمعنى: ولقد أرسلنا إليهم الرسل فكذبوهم فأخذناهم. لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون عن ذنوبهم. ٤٣- فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا معناه: نفى التضرع، كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ولكنه جاء بالحرف لولا ليفيد أنه لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم، وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم. ٤٤- فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من البأساء والضراء، أي تركوا الاتعاظ به ولم ينفع فيهم ولم يزجرهم. فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من الصحة والسعة وصنوف المتعة ليزاوج عليهم بين نوبتى الضراء والسراء. حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الخير والنعم.

стр. 4227

أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ واجمون متحسرون آيسون. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٥ الى ٤٨] فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) ٤٥- فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ آخرهم لم يترك منهم أحد قد استؤصلت شأفتهم. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة. ٤٦- قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ: إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ بأن يصمكم ويعميكم. وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ بأن يغطى عليها ما يذهب عنده فهمكم وعقلكم. يَأْتِيكُمْ بِهِ أي يأتيكم بذاك، إجراء للضمير مجرى اسم الإشارة، أو بما أخذ وحكم عليه. يَصْدِفُونَ يعرضون عن الآيات بعد ظهورها. ٤٧- قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ: بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً لما كانت البغتة أن يقع الأمر من غير أن يشعر به وتظهر أماراته قيل: بغتة أو جهرة. هَلْ يُهْلَكُ أي ما يهلك هلاك تعذيب وسخط إلا الظالمون. ٤٨- وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: مُبَشِّرِينَ من آمن بهم وبما جاءوا به وأطاعهم. وَمُنْذِرِينَ من كذبهم وعصاهم.

стр. 4228

وَأَصْلَحَ ما يجب عليه إصلاحه. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٩ الى ٥١] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) ٤٩- وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ: يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ جعل العذاب ماسا يفعل بهم ما يريد من الآلام. ٥٠- قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ: أي لا أدعى ما يستبعد فى القول: أن يكون لبشر من ملك خزائن الله، وهى قسمة بين الخلق وإرزاقه، وعلم الغيب. وأنى من الملائكة. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وإنما أدعى ما كان مثله لكثير من البشر، وهو النبوة. هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ مثل للضال والمهتدى. أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ فلا تكونوا ضالين أشباه العميان. ٥١- وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: وَأَنْذِرْ بِهِ الضمير راجع إلى قوله ما يُوحى إِلَيَّ. الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إما قوم داخلون فى الإسلام مقرون بالبعث إلا أنهم مفرطون فى العمل فينذرهم بما يوحى إليه. وإما أهل الكتاب لأنهم مقرون بالبعث. وإما ناس من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقا فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الانذار، دون المتمردين منهم فأمر أن ينذر هؤلاء.

стр. 4229

لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ فى موضع الحال من أَنْ يُحْشَرُوا بمعنى: يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم. ولا بد من هذه الحال، لأن كلا محشور، فالمخوف إنما هو الحشر على هذه الحال. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أي يدخلون فى زمرة المتقين المسلمين. [سورة الأنعام (٦) : آية ٥٢] وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) ٥٢- وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ذكر غير المتقين من المسلمين وأمر بإنذارهم ليتقوا، ثم أردفهم ذكر المتقين منهم وأمره بتقريبهم وإكرامهم. وهذا أن رؤساء المشركين قالوا لرسول الله ﵌: لو طردت عنا هؤلاء الأعبد، يعنون فقراء المسلمين. فقال لهم رسول الله ﵌: ما أنا بطارد المؤمنين. فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت. بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ أي يواصلون دعاء ربهم، أي عبادته، ويواظبون عليها، والمراد بذكر الغداة والعشى الدوام. يُرِيدُونَ وَجْهَهُ يسمهم بالإخلاص فى عبادتهم. والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته. ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وذلك أنهم طعنوا فى دينهم وإخلاصهم، أي إن كان الأمر على ما يقولون عند الله فما يلزمك إلا اعتبار والاتسام بسيمة المتقين، وإن كان لهم باطن غير مرضى فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك. وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم.

стр. 4230

[سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٣ الى ٥٤] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) ٥٣- وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ: وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك الفتن العظيم. فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فتنا بعض الناس ببعض، أي ابتليناهم بهم. أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أي أنعم عليهم بالتوفيق لإصابة الحق، ولما يسعدهم عنده من دوننا، ونحن المقدمون والرؤساء، وهم العبيد والفقراء، إنكارا لأن يكون أمثالهم على الحق وممنونا عليهم من بينهم بالخير. أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ أي الله أعلم بأن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان ومن يصمم على كفره فيخذله ويمنعه التوفيق. ٥٤- وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ إما أن يكون أمرا بأن يبدأهم بالسلام إكراما لهم وتطييبا لقلوبهم، وإما أن يكون أمرا بتبليغ سلام الله إليهم. كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ من جملة ما أمر أن يقوله لهم ليسرهم ويبشرهم بسعة رحمة الله وقبوله التوبة منهم. أَنَّهُ بالفتح على الإبدال من الرحمة. وقرىء بالكسر على الاستئناف، كأن الرحمة استفسرت. فقيل أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ. بِجَهالَةٍ فى موضع الحال، أي عمله وهو جاهل. أي إنه فاعل فعل الجهلة، لأن من عمل ما يؤدى إلى الضرر فى العاقبة، وهو عالم بذلك أو ظان، فهو من أهل السفه والجهل، لا من أهل الحكمة والتدبير. أو أنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرة، ومن حق الحكيم أنه لا يقدم على شىء حتى يعلم حاله وكيفيته.

стр. 4231

فَأَنَّهُ وقرىء بالكسر على الاستئناف. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٥ الى ٥٧] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) ٥٥- وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ: وَلِتَسْتَبِينَ وقرىء: وليستبين، بالياء، لأن السبيل يذكر ويؤنث. ٥٦- قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ: نُهِيتُ صرفت وزجرت، بما ركب فى من أدلة العقل، وبما أوتيت من أدلة السمع عن عبادة ما تعبدون. مِنْ دُونِ اللَّهِ فيه استجهال لهم ووصف بالاقتحام فيما كانوا فيه على غير بصيرة. قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ أي لا أجرى فى طريقتكم التي سلكتموها فى دينكم من اتباع الهوى دون اتباع الدليل. قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً أي إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال، وما أنا من الهدى فى شىء. ٥٧- قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ: قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أي إنى من معرفة ربى وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة وشاهد صدق. وقيل: على حجة من جهة ربى، وهى القرآن. وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أنتم حيث أشركتم به غيره. وقيل: أي بالبينة. وذكر الضمير على تأويل: البيان أو القرآن. ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعنى العذاب الذي استعجلوه فى قولهم فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ فى تأخير عذابكم.

стр. 4232

يَقُصُّ الْحَقَّ أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره. وقرىء (يقض بالحق) أي القضاء الحق فى كل ما يقضى به من التأخير والتعجيل فى أقسامه. ونصب لأنه صفة لمصدر: يقضى، أي يقضى القضاء الحق. وقيل: هو مفعول به، من قولهم: قضى الدرع، إذا صنعها. أي يصنع الحق ويدبره. وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ أي القاضين. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٨ الى ٦٠] قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) ٥٨- قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ: لَوْ أَنَّ عِنْدِي أي فى قدرتى وإمكانى. ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب. لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ لأهلكتم عاجلا غضبا وامتعاضا من تكذيبكم به ولتخلصت منكم سريعا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ وبما يجب فى الحكمة من كنه عقابهم. ٥٩- وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ جعل للغيب مفاتح على طريق الاستعارة. وَلا حَبَّةٍ عطف على: ورقة، وداخل فى حكمها. وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ عطف على: ورقة وداخل فى حكمها. إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ كالتكرير لقوله إِلَّا يَعْلَمُها إذ معناهما واحد. ٦٠- وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ:

стр. 4233

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ الخطاب للكفرة، أي أنتم منسدحون ومنسطحون على القفا الليل كله كالجيف. وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ما كسبتم من الآثام فيه. ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ من القبور فى شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل، وكسب الآثام بالنهار، ومن أجله. لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم. ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ وهو المرجع إلى موقف الحساب. ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فى ليلكم ونهاركم. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦١ الى ٦٣] وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) ٦١- وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ: حَفَظَةً ملائكة حافظين لأعمالكم وهم الكرام الكاتبون. تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا أي استوفت روحه، وهم ملك الموت وأعوانه. وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ من التفريط، وهو التواني والتأخير عن الحد. ٦٢- ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ أي حكمه وجزائه. مَوْلاهُمُ مالكهم الذي يلى عليهم أمورهم. الْحَقِّ العدل الذي لا يحكم إلا بالحق. أَلا لَهُ الْحُكْمُ يومئذ لا حكم لغيره. وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ لا يشغله حساب عن حساب. ٦٣- قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ:

стр. 4234

ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما. تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً فى تضرع ظاهر وباطن. لَئِنْ أَنْجانا على إرادة القول. مِنْ هذِهِ من هذه الظلمة الشديدة. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦٤ الى ٦٦] قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) ٦٤- قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ: قُلِ اللَّهُ وحده. يُنَجِّيكُمْ مِنْها ينقذكم من هذه الأهوال. وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ومن كل شدة أخرى. ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ثم أنتم مع ذلك تشركون معه فى العبادة غيره مما لا يدفع شرا ولا يجلب خيرا. ٦٥- قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ: قُلْ هُوَ الْقادِرُ هو الذي عرفتموه قادرا وهو الكامل القدرة. عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ كما أمطر على قوم لوط، وعلى أصحاب الفيل، الحجارة، وأرسل على قوم نوح الطوفان. أو من أكابركم وسلاطينكم. أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كما أغرق فرعون وخسف بقارون، أو من قبل سفلتكم وعبيدكم. أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً أو يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى، كل فرقة منكم مشايعة لإمام. ٦٦- وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: وَكَذَّبَ بِهِ أي بالعذاب.

стр. 4235

وَهُوَ الْحَقُّ أي لا بد أن ينزل بهم. قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ بحفيظ، وكل إلى أمركم، أمنعكم من التكذيب إجبارا، وإنما أنا منذر. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦٧ الى ٦٩] لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) ٦٧- لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ: لِكُلِّ نَبَإٍ لكل شىء ينبأ به. يعنى إنباءهم بأنهم يعذبون، وإيعادهم به. مُسْتَقَرٌّ وقت استقرار وحصول لا بد منه. ٦٨- وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فى الاستهزاء بها والطعن فيها. وكانت قريش فى أنديتهم يفعلون ذلك. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ فلا تجالسهم وقم عنهم. حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ فلا بأس أن تجالسهم حينئذ. وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ وإن شغلك بوسوسته حتى تنسى النهى عن مجالستهم. فَلا تَقْعُدْ معهم. بَعْدَ الذِّكْرى بعد أن تذكر النهى. وقيل: فلا تقعد بعد أن ذكرناك قبحها ونهيناك عليه معهم. ٦٩- وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: وَلكِنْ عليهم أن يذكروهم ذكرى إذا سمعوهم يخوضون، بالقيام عنهم وإظهار الكرامة لهم وموعظتهم.

стр. 4236

ذِكْرى نصب على: ولكنهم يذكرونهم ذكرى، أي تذكيرا. أو رفع على: ولكن عليهم ذكرى. ولا يجوز أن يكون عطفا على محل مِنْ شَيْءٍ لأن قوله مِنْ حِسابِهِمْ يأبى ذلك. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لعلهم يجتنبون الخوض حياء أو كراهة لمساءتهم. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٠ الى ٧١] وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) ٧٠- وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ: اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً أي دينهم الذي كان يجب أن يأخذوا به، لعبا ولهوا، وذلك أن عبدة الأصنام وما كانوا عليه من تحريم البحائر والسوائب وغير ذلك، من باب اللعب واللهو واتباع هوى النفس والعمل بالشهوة ومن جنس الهزل دون الجد. وَذَكِّرْ بِهِ أي بالقرآن. أَنْ تُبْسَلَ مخافة أن تسلم إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء كسبها، وأصل الإبسال: المنع، لأن المسلم إليه يمنع المسلم. وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها وإن تفد كل فداء. والعدل: الفدية، لأن الفادي يعدل المفدى بمثله. وكُلَّ عَدْلٍ نصب على المصدر. وفاعل لا يُؤْخَذْ قوله مِنْها لا ضمير العدل، لأن العدل هاهنا مصدر فلا يسند إليه الأخذ. أُولئِكَ إشارة إلى المتخذين دينهم لعبا ولهوا. ٧١- قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى

стр. 4237

أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ : أَنَدْعُوا أنعبد. مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يقدر على نفعنا ومضرتنا. وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا راجعين إلى الشرك بعد إذ أنقذنا الله منه وهدانا للإسلام. كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ طلبت هويه وحرصت عليه. والكاف فى محل نصب من الحال من الضمير فى نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا أي: أننكص مشبهين من استهوته الشياطين. وَأُمِرْنا فى محل النصب عطفا على محل إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى على أنهما مقولان، كأنه قيل: قل هذا القول وقل أمرنا لنسلم. لِنُسْلِمَ تعليل للأمر، بمعنى: أمرنا وقيل لنا أسلموا لأجل أن نسلم. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٢ الى ٧٣] وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣) ٧٢- وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: وَأَنْ أَقِيمُوا عطف على موضع لِنُسْلِمَ كأنه قيل: وأمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا، أي للإسلام ولإقامة الصلاة. ٧٣- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ: وَيَوْمَ يَقُولُ خبر مقدم، وانتصابه بمعنى الاستقراء. واليوم، بمعنى: الحين. قَوْلُهُ الْحَقُّ مبتدأ مؤخر.

стр. 4238

والمعنى: أنه خلق السموات والأرض قائما بالحق والحكمة وحين يقول لشىء من الأشياء كن فيكون ذلك الشيء، قوله الحق والحكمة. أي لا يكون شيئا من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب. وانتصاب اليوم بمحذوف دل عليه قوله بِالْحَقِّ كأنه قيل: وحين يكون ويقدر يقوم بالحق. ويجوز أن يكون قَوْلُهُ الْحَقُّ فاعل فَيَكُونُ على معنى: وحين يقول لقوله الحق، أي لقضائه الحق كُنْ فيكون قوله الحق. يَوْمَ يُنْفَخُ ظرف لقوله وَلَهُ الْمُلْكُ. عالِمُ الْغَيْبِ أي هو عالم الغيب، وارتفاعه على المدح. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٤ الى ٧٥] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) ٧٤- وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: آزَرَ اسم أبى إبراهيم، ﵇، وهو عطف بيان لقوله لِأَبِيهِ. وقرىء (آزر) بالضم على النداء. وقيل آزَرَ اسم صنم، وكأنه نبز به للزومه عبادته، أو أريد: عابد آزر. ٧٥- وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ: نُرِي حكاية حال ماضية. مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعنى الربوبية والإلهية، ونوفقه لمعرفتها ونرشده بما شرحنا صدره وحددنا نظره وهديناه لطريق الاستدلال.

стр. 4239

وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فعلنا ذلك. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٦ الى ٧٨] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) ٧٦- فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ عطف على قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ، وقوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ جملة معترض بها بين المعطوف والمعطوف عليه. والمعنى: ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرف ابراهيم ونبصره. وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على الخطأ فى دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثا أحداثها، وصانعا صنعها، ومدبرا دبر طلوعها وأقوالها وانتقالها وسيرها وسائر أحوالها. هذا رَبِّي قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى الى الحق وأنحى من الشغب، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة. لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال الى حال، المتنقلين من مكان الى مكان، المحتجبين بستر، فان ذلك من صفات الأجرام. ٧٧- فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ: بازِغاً مبتدئا فى الطلوع. لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلها، وهو نظير الكواكب فى الأرض فى الأفول، فهو ضال، وأن الهداية الى الحق بتوفيق الله ولطفه. ٧٨- فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ:

стр. 4240

هذا أَكْبَرُ من باب استعمال النصفة أيضا مع خصومه. إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ من الأجرام التي تجعلونها شركاء لخالقها. [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٩ الى ٨١] إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) ٧٩- إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ أي للذى دلت هذه المحدثات عليه، وعلى أنه مبتدئها ومبدعها. ٨٠- وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وكانوا حاجوه فى توحيد الله ونفى الشركاء عنه منكرين ذلك. وَقَدْ هَدانِ يعنى إلى التوحيد. وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ وقد خوفوه أن معبوداتهم تصيبه بسوء. إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي إلا وقت مشيئة ربى شيئا يخاف، فحذف الوقت. يعنى: لا أخاف معبوداتكم فى وقت قط لأنها لا تقدر على منفعة ولا مضرة إلا إذا شاء ربى أن يصيبنى بمخوف من جهتها إن أصبت ذنبا أستوجب به إنزال المكروه، مثل أن يرجمنى بكوكب أو بشقة من الشمس أو القمر، أو بجعلها قادرة على مضرتى. وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أي ليس بعجب ولا مستبعد أن يكون فى علمه إنزال المخوف بي من جهتها. أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز. ٨١- وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ:
следующие страницы →