Полный текст (5 110 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
تصرف واستعمال اما بإتلاف عينه كالطعام واما مع بقاء عينه قال ثعلبة بن سهيل كنت اصنع شرابا لى اشربه فى السحر فاذا جاء السحر جئت فلا أجد شيأ فوضعت شرابا آخر وقرأت عليه يس فلما كان السحر جئت فاذا الشراب على حاله وإذا شيطان أعمى يدور حول البيت وفى الحديث (ان الشيطان حساس خاس فاحذروه على أنفسكم من بات وفى يده ريح غمر فاصابه شىء فلا يلومنّ الا نفسه) قال بعض ارباب الاشارة انما حرم أكل ما لم يذكر اسمه عليه لان العارف حبيب الله والحبيب لا يذبح ولا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفرش ولا يفعل شيأ الا باسم حبيبه ألا ترى ان يعقوب ﵇ كان يقول فى جميع أحواله يوسف وانما وجبت التسمية عند الذبائح لان مرارة النزع شديدة وذكر اسم الله تعالى احلى من كل شىء فامرنا بالتسمية عند الذبائح كى تسمع الشاة ذكر الله عند الموت فلا تشتد مرارة النزع مع حلاوة اسم الله ولذلك قال ﵇ (لقنوا موتاكم بشهادة ان لا اله الا الله يسهل عليكم سكرات الموت) فلما كان الاحياء والامانة من الله تعالى وحده لم يجز ان يذبح باسم غيره تعالى ونهى رسول الله ﷺ عن أكل ما ذبح للجن وعلى اسمها واستنبط بعض الخلفاء عينا وأراد اجراءها وذبح للجن عليها لئلا يغور ماؤها فاطعم ذلك ناسا فبلغ ذلك ابن شهاب فقال اما انه قد ذبح ما لم يحل له واطعم الناس ما لا يحل لهم وكان من عادة الجاهلية قبل الإسلام تزيين جارية حسناء وإلباسها احسن ثيابها والقاءها فى النيل حتى يطلع ثم قطع تلك السنة الجاهلية على يدى من أخاف الجن وقمعها عمر بن الخطاب رضى الله عنه وهكذا هذه العين لو حفرها رجل عمرى لم يذبح لهم عصفورا فما فوقه ولكن لكل زمان رجال فلو دوام انسان على اسم الله لا تحرقه النار ولا تغرقه البحار ولا تنهشه الحيات ولا تضره السموم لان كل مضر خلق مخوفا لمن يخاف الله فاذا خاف العبد من الله بكماله فله التسخير والتأثير
توهم كردن از حكم داور مپيچ ... كه كردن نپيچد ز حكم تو هيچ
محالست چون دوست دارد ترا ... كه در دست دشمن كذارد ترا
وقد ظهر لك من هذا كله ان إحراق البخور وإلقاء ماء الورد ورشه وذبح شىء من مكان يتوهم فيه الجن كله شرك يجب ان يحترز عنه وكذا من ذبح دجاجة لتصويتها مثل الديك او ذبح ديكا لتصويته قبل الوقت وهو السحر والقاها فى مكان فقد ذبح ذلك للجن فى اعتقاده لانه أراد به صيانة نفسه واهله وأولاده وماله من إصابة الجن والبلاء ولو كان لله تعالى لأكلها بل لو كان مخلصا لما فعل مثل هذا أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً- روى- عن ابن عباس ان أبا جهل رمى النبي ﵇ بفرث فاخبر حمزة بما فعل ابو جهل وهو راجع من الصيد بيده قوس وكان يومئذ لم يؤمن بعد فلقى أبا جهل فضرب رأسه بالقوس فقال ابو جهل أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا فقال حمزة وأنتم أسفه الناس تعبدون الحجارة من دون الله تعالى اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله فنزلت هذه الآيات والهمزة للانكار والنفي والواو لعطف الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام اى أنتم ايها المؤمنون مثل المشركين ومن كان ميتا فَأَحْيَيْناهُ أعطيناه الحياة وما يتبعها من القوى المدركة
стр. 1017
والمتحركة وَجَعَلْنا لَهُ مع ذلك من الخارج نُوراً عظيما يَمْشِي بِهِ اى بسببه فِي النَّاسِ اى فيما بينهم آمنا من جهتهم كَمَنْ مَثَلُهُ اى صفته العجيبة فِي الظُّلُماتِ خبر مبتدأ محذوف اى هو فى الظلمات لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها بحال وهو حال من المستكن فى الظرف فمن الاولى موصولة مبتدأة وكمن خبرها وهى ايضا موصولة صلتها الجملة الاسمية الواقعة بعدها فالاولى تمثيل لمن هداه الله تعالى وانفذه من الضلال وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها فى الأشياء فيميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل كحمزة رضى الله عنه والثانية تمثيل لمن بقي على الضلالة لا يفارقها أصلا كأبى جهل كَذلِكَ اى كما زين للمؤمن من إيمانه زُيِّنَ اى من جهة الله تعالى بطريق الخلق او من جهة الشيطان بطريق الوسوسة لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى ما استمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصي وبهذا التزيين بقوا فى ظلمات الكفر والضلالة ولم يهتدوا الى نور الايمان والهداية قال ارباب الحقيقة الموت بهوى النفس والحياة بمحبة الحق وايضا الموت بالنكرة والحياة بالمعرفة وفرق بين حياة المعرفة وحياة البشرية فاهل العموم حى بحياة البشرية لكنه كالميت فى قبر قالبه لا يمكنه الخروج من ظلمات وجوده المجازى واهل الخصوص حى بحياة المعرفة فحياة البشرية تزول لقوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ بخلاف حياة المعرفة لقوله تعالى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وقوله ﵇ (المؤمن حى فى الدارين)
نميرد هر كرا جانش تو باشى ... خوشا جانى كه جانانش تو باشى
: قال الحافظ
هركز نميرد آنكه دلش زنده شد بعشق ... ثبت است بر جريده عالم دوام ما
وفى التفسير الفارسي [شاه كرمانى اين آيت بر خواند كه أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ كفت نشان اين آيت سه چيز است از خلق عزلت وبا حق دعوت ودوام ذكر بر زبان ودل وبزركى اين معنى را نظم فرموده]
بر روى خلائق در صحبت مكشاى ... مى باش بكلى متوجه بخداى
غافل مشو از ذوق دل وذكر زبان ... تا زنده جاويد شوى در دو سراى
واعلم ان الحي الحقيقي الذي ما كان ميتا ولا يموت ابدا هو الله تعالى وما سواه فهو ميت لانه كان ميتا فى العدم وسيموت ايضا: قال الحافظ
من هماندم كه وضو ساختم از چشمه عشق ... چار تكبير زدم يكسره تر هر چهـ كه هست
يعنى شاهدت جميع الخلق موتى بسبب الوصول الى مقام العشق والفناء قال الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر من شهد الخلق لا فعل لهم فاز ومن شهدهم لا حياة لهم فقد فاز ومن شهدهم عين العدم فقد وصل وعن عبد الواحد بن زيد ﵀ قال مررت براهب فسألته منذ كم أنت فى هذا الموضع فقال منذ اربع وعشرين سنة قلت من أنيسك قال الفرد الصمد قلت ومن المخلوقين قال الوحش فسألته وما طعامك قال ذكر الله تعالى قلت ومن المأكولات قال ثمار هذه الأشجار ونبات الأرض قلت أفلا تشتاق الى أحد قال نعم الى حبيب قلوب
стр. 1018
العارفين قلت ومن المخلوقين قال من كان شوقه الى الله تعالى سبحان كيف يشتاق الى غيره قلت فلم اعتزلت عن الخلق قال لانهم سراق العقول وقطاع طريق الهدى قلت ومتى يعرف العبد طريق الهدى قال إذا هرب الى ربه من كل شىء سواه واشتغل بذكره عن ذكر ما سواه ولكل سالك خطوة فى السلوك الى ملك الملوك- كما حكى- ايضا عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قال قصدت بيت المقدس فضلت الطريق فاذا بامرأة أقبلت الىّ فقلت لها يا غريبة أنت ضالة فقالت كيف يكون غريبا من يعرفه وكيف يكون ضالا من يحبه ثم قالت خذ رأس عصاى وتقدم بين يدى فاخذت رأس عصاها وتقدمت بين يديها ست أقدام او اقل او اكثر فاذا انا بمسجد بيت المقدس فدلكت عينى وقلت لعل هذا غلط منى فقالت يا هذا سيرك سير الزاهدين وسيرى سير العارفين فالزاهد سيار والعارف طيار ومتى يلحق السيار بالطيار ثم غابت عنى فلم ارها بعد ذلك فظهر من هذه الحكاية ان للعارف نورا يمشى به الى حيث شاء والجاهل يبقى فى وادي الحيرة ولا يجد سبيلا الا بتوفيق الله تعالى وهدايته فكما ان الأعمى والبصير ليسا على سواء فكذلك البصير الجاهل والعالم سواء كان جهله وعلمه فى مرتبة الشريعة او الطريقة او المعرفة او الحقيقة فالله تعالى باين بين اهل الحال كما باين بين اهل المقال وعظم النور وسعته بالنسبة الى فسحة القلب ومعرفته فالقلب بيد الله تعالى يقلبه كيف يشاء ولذلك زين لاهل الايمان وجوه الخير والطاعات وزين لاهل الكفر صنوف الشر والسيئات لكن العباد ليسوا بمجبورين فلهم اختيار فى الخروج من الظلمات فاذا لم يصرفوا استعداداتهم الى ما خلقوا لاجله بقوا فى ظلمات الطبيعة والنفس هذا هو الكلام بالنسبة الى ظاهر الحال واما ان نظرت الى اسناد الاحياء والجعل فى الآية المذكورة الى الله تعالى فمقتضى التوحيد ان الكل بيد الله ولا تأثير الا من عند الله فان وجدت خيرا فلتحمد الله كثيرا فقد سبقت لك العناية وساعدك التوفيق فرب تقليد يوصل الى التحقيق والله الهادي وَكَذلِكَ اى كما صيرنا فى مكة فساقها أكابر جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ متعلق بالفعل أَكابِرَ مفعول ثان جمع اكبر بمعنى عظيم مُجْرِمِيها مفعول أول جمع مجرم. بالفارسية [كنهكار] لِيَمْكُرُوا فِيها اى ليفعلوا المكر فى تلك القرية لانهم لاجل رياستهم اقدر على المكر والغدر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم وكان صناديد قريش ومجرموها اجلسوا على كل طريق من طرق مكة اربعة نفر ليصرفوا الناس عن الايمان بمحمد ﷺ يقولون لكل من تقدم إياك وهذا الرجل فانه كاهن ساحر كذاب قال البغوي وذلك سنة الله تعالى ان جعل فى كل قرية اتباع الرسل ضعفاءهم كما قال فى قصة نوح أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ وجعل فساقهم اكابرها ليمكروا فيها والمكر السعى بالفساد فى خفية ومداجاة والآية تسلية لرسول الله ﷺ وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لان وباله عليهم وَما والحال انهم لا يَشْعُرُونَ بذلك أصلا بل يزعمون انهم يمكرون بغيرهم وَإِذا جاءَتْهُمْ لما بين ان فساق كل قرية يكونون رؤساءها المتميزين بكثرة المال والجاء بين ما كان من رؤساء مكة من الجرم والفسق وهو انه إذا جاءتهم آيَةٌ دالة على صحة النبوة قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ
стр. 1019
حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ
من الوحى والكتاب لما روى ان أبا جهل قال زاحمنا بنى عبد مناف فى الشرف حتى إذا صرنا كفرسى رهان قالوا منا نبى يوحى اليه والله لا نرضى به الا ان يأتينا وحي كما يأتيه فارادوا اى قوم مكة ان تحصل لهم النبوة والرسالة كما حصلتا لمحمد ﵇ وان يكونوا متبوعين لا تابعين قال صاحب التيسير وهذه غاية السفه ان يقال لرجل آمن فيقول لا او من حتى يجعلنى الله نبيا قال الامام الثعلبي المراد برسل الله هو حضرة النبي ﵇ كما انه المخاطب فى قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ وصيغة الجمع للتعظيم وفى شرح التعرف ان الله تعالى لم يجمع شمائل جميع الأنبياء الا فى النبي ﷺ خاطبه بقوله يا أَيُّهَا الرُّسُلُ هر چهـ خوبان همه دارند تو تنها دارى واعلم ان ما بين الجلالتين من هذه السورة من الأماكن التي يرجى فيها استجابة الدعاء فليحافظ
على ذلك اللَّهُ أَعْلَمُ من كل شىء يعلم حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ اى الموضع الصالح لوضعها فيه ويضعها وهؤلاء ليسوا أهلا لها لان الاهلية بالفضائل النفسانية لا بالنسب والمال فحيث نصب على المفعولية بيعلم المقدر توسعا سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا اى يصيبهم البتة مكان ما تمنوه من عز النبوة وشرف الرسالة صَغارٌ اى ذلة وحقارة بعد كبرهم عِنْدَ اللَّهِ اى يوم القيامة فهو منصوب بقوله سيصيب مجاز عن حشرهم يوم القيامة وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ اى بسبب مكرهم المستمر وحيث كان هذا من معظم مواد اجرامهم صرح بسببيته واعلم ان النبوة اختصاص الهى عطائى غير كسبى كالسلطنة فلا ينالها المجاهد وان اتى بجميع الشرائط والأسباب وكذا الولاية لكنها كالوزارة فيجوز ان ينالها بعض المجاهدين فليس كل مجاهد وأصلا وقد يكون الوصول بدون المجاهدة ايضا إذا كمل الاستعداد وسبقت العناية- كما روى- عن بعض شيوخ اليمن انه خرج يوما من زبيد الى نحو الساحل المعروف بالأهواز ومعه تلميذ له فمر فى طريقه على قصب ذرة كبار فقال للتلميذ خذ معك من هذا القصب ففعل المريد وتعجب فى نفسه وقال ما مراد الشيخ بهذا ولم يقل له الشيخ شيأ حتى إذا بلغ الى محلة لعبيد يقال لهم السناكم يأكلون الميتات ويشربون المسكرات ولا يعرفون الصلوات وإذا بهم يشربون ويلعبون ويلهون ويطربون ويغنون ويضربون فقال الشيخ للتلميذ ائتنى بهذا الشيخ الطويل الذي يضرب الطبل فاتاه التلميذ فقال له أجب الشيخ فرمى الطبل من رقبته ومشى معه الى الشيخ فلما وقف بين يديه قال الشيخ للتلميذ اضربه فضربه حتى استوفى منه الحد ثم قال له الشيخ امش قد أمنا فمشى حتى بلغوا البحر فامره الشيخ ان يغسل ثيابه ويغتسل وعلمه كيفية ذلك وكيفية الوضوء ففعل ثم علمه كيف يصلى وتقدم الشيخ فصلى بهما الظهر فلما فرغوا من الصلاة قام الشيخ ووضع سجادته على البحر وقال له تقدم فقام ووضع قدميه على السجادة ومشى على الماء حتى غاب عن العين فالتفت التلميذ الى الشيخ وقال وا مصيبتاه وا حسرتاه لى معك كذا وكذا سنة ما حصل لى من هذا شىء وهذا فى ساعة واحدة حصل له هذا المقام وهذه
стр. 1020
الكرامات العظام فبكى الشيخ قال يا ولدي وايش كنت انا هذا فعل الله تعالى قيل لى فلان من الابدال توفى فاقم فلانا مقامه فامتثلت الأمر كما يمتثل الخدام وودت انه حصل لى هذا المقام فظهر ان الله تعالى اعلم حيث يجعل ولايته ايضا: قال الحافظ
چون حسن عاقبت نه برندى وزاهديست ... آن به كه كار خود بعنايت رها كنند
والاشارة وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ان القرية هى القالب.
وأكابر مجرميها اى مفسدى حسن الاستعداد بقبول الشقاوة هى النفس والهوى والشيطان يمكرون فيها بمخالفات الشرع وموافقات الطبع وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لان فساد استعدادهم عائد الى أنفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة وَما يَشْعُرُونَ ولا شعور لهم على ما يفعلون بانفسهم وان مرجعهم الى النار وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ اى النفس والهوى والشيطان من دأبهم ان لا يؤمنوا برؤية الآيات إذ جبلوا على التمرد والإباء والإنكار ولسان حالهم يقول لن نؤمن حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اى القلب والسر والروح لانهم مهبط اسرار الحق والهاماته اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ يخص بها القلب والسر والروح ونفسا تطمئن بذكر الله فتستحق رسالة ارجعي الى ربك سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ يعنى اصحاب النفس الامارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله وَعَذابٌ شَدِيدٌ وهو عذاب الفرقة والانقطاع بِما كانُوا يَمْكُرُونَ اى بما أفسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم كذا فى التأويلات النجمية فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ معناه بالفارسية [پس هر كرا خواهد خداى] أَنْ يَهْدِيَهُ اى يعرفه طريق الحق ويوفقه للايمان يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فيتسع له وينفسح وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة بحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه فالمعنى من أراد الله منه الايمان قوى صوارفه عن الكفر ودواعيه الى الايمان وجعل قلبه قابلا لحلول الايمان مهيئا لتحليه به صافيا خاليا عما ينافيه ويمنعه ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر فقال (نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فينشرح له وينفسح) فقالو هل لذلك امارة يعرف بها فقال (نعم الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله) واعلم ان العلم علمان علم المعاملة وعلم المكاشفة فالاول هو العلم بما يقرب اليه تعالى وما يبعد عنه وهو مقدم على الثاني الذي هو نور يظهر فى القلب فيشاهد به الغيب لانه الشرط له قال تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ولا ينفك عنه لان الحديث المذكور صرح بان الانابة والتجافي والاستعداد التي هى من علم المعاملة علامة ذلك النور وفى فضل المكاشفة ورد قوله ﵇ (فضل العالم على العابد كفضلى على أمتي) إذ غير المكاشفة تبع للعمل لثبوته شرطا له قال فى التأويلات النجمية كلما كان الحجاب ارق كان الايمان أقوى والقلب أنور وأصفى الى ان يصير الايمان إيقانا لكمال رقة الحجاب وتنور القلب الى ان يصير الإيقان عيانا عند رفع الحجاب وتجلى الحق بصفة جماله الى ان يصير العيان عينا يتجلى صفة جلاله وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ اى يخلق فيه الضلال لصرف اختياره اليه يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً بالفارسية [تنك] حَرَجاً بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الايمان اى من أراد الله منه الكفر قوى صوارفه عن الايمان
стр. 1021
وقوى دواعيه الى الكفر. والحرج بالفتح مصدر وصف به مبالغة وبالكسر اسم الفاعل وهو المتزايد فى الضيق فهو أخص من الاول فكل حرج ضيق من غير عكس قيل الحرج موضع الشجر الملتف يعنى ان قلب الكافر لا يصل اليه الايمان كما لا تصل الراعية الى الموضع الذي التف فيه الشجر كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ قال الامام فى كيفية هذا التشبيه وجهان الاول كما ان الإنسان إذا كلف الصعود الى السماء نقل ذلك التكليف عليه وعظم وقعه عليه وقويت نفرته منه فكذلك الكافر يثقل عليه الايمان وتعظم نفرته منه. والثاني ان يكون التقدير ان قلبه يتباعد عن الإسلام ويتباعد عن قبول الايمان فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض الى السماء انتهى كما قال الكاشفى فى تفسيره الفارسي [كويى بالا ميرود در آسمان يعنى ميكريزد از قبول حق ميخواهد كه بآسمان رود] واعلم ان القلوب متفاوتة. فمنهما ما يشق عليه الايمان وهى قلوب الكفرة. ومنها ما يشق عليه الذوق والوجدان وهى قلوب اهل النقصان من اهل الايمان فان بعض الناس منهم من يتباعد عن الكلمات العرفانية بل ينكر احوال اصحاب الفضائل النفسانية وهذا لان من انهمك فى الصفات الحيوانية وحكم عليه الصفات السبعية والشيطانية لا يسوغ له الشرب من المشارب الروحانية ولذا يوصى بكتم ما يتعلق بالاسرار عن الأغيار
چرا صدف نكند چاك سينه را صائب ... درين زمانه كه جوهر شناس نايابست
كَذلِكَ اى مثل الجعل المذكور يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ اى العذاب والخذلان او اللعنة او الشيطان اى يسلطه عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اى عليهم فوضع الظاهر موضع المضمر للاشعار بان جعله تعالى معلل بما فى حيز الصلة من كمال نبوهم عن الايمان وإصرارهم على الكفر والطغيان وَهذا اى البيان الذي جاء به القرآن صِراطُ رَبِّكَ اى طريقه الذي ارتضاه حال كونه مُسْتَقِيماً لمن يسلكه فلا يعوج به حتى يورده الى الجنة قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ اى ذكرناها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ اى يتعظون وخصوا بالذكر لانهم المنتفعون بتفصيل الآيات لَهُمْ كأن سائلا يسأل عما أعد الله تعالى للمتذكرين بما فى تضاعيف الآيات فقيل لهم دارُ السَّلامِ اى السلامة من كل المكاره وهى الجنة عِنْدَ رَبِّهِمْ حال من دار السلام اى نزله وضيافته كما تقول نحن اليوم عند فلان اى فى كرامته وضيافته. وقيل العندية كناية عن وعدها والتكفل بها وَهُوَ وَلِيُّهُمْ اى مولهم ومحبهم او ناصرهم على أعدائهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ اى بسبب الأعمال الصالحة واعلم ان الله تعالى بين حسن الايمان وقبح الكفر وحال السعيد والشقي ورغب فى طريق الأنبياء والأولياء وجعل العمل الصالح وهو ما أريد به وجه الله سببا لمحبة الله ودخول دار السلام وهى دار القرار التي يأمن من دخلها من العذاب مطلقا فالله تعالى ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور- روى- ان عمر بن الخطاب جهز جيشا الى فتح بعض حصون ديار العجم اربعة آلاف فارس وامر عليهم ابنه عبد الله رضى الله عنهما قال فسرنا حتى حاصرنا قلعة على جبل عال لا يصل اليه أسلحتنا فحاصرناها وكان فيها جيش
стр. 1022
من الكفار وكانت اميرتهم امرأة حسناء فحصل لنا تعب شديد ففى ذات يوم نظرت اميرتهم من المنظرة عسكرنا فرأت شابا حسنا من شبان العرب وكان شابا فارسا ماهرا فى الحرب فلما وقع نظرها عليه تأوهت فقالت لها بعض جواريها لم تأوهت يا ملكة وأنت فى حصار ومنعة فقالت ان حصننا هذا يفتحه هذا الشاب قالت وكيف ذلك قالت سترين بعد ساعة ثم أرسلت اليه الملكة رسولا تقول هل أجد إليك سبيلا فتكون لى وأكون لك فقال الشاب نعم بشرطين ان تسلمى الحصن الخارج إلينا والداخل اليه فارسلت مع الرسول تستفهم اما الخارج فعرفنا واما الداخل فما عرفنا قال لها تسلمى قلبك الى الله تعالى وتقرين له بالوحدانية فارسلت اليه قوما ادخل بعسكرك فانى قد فتحت لك الباب فلما دخل الحصن عرض عليها الإسلام فقالت اعلم انى ملكة ذات همة عالية فهل فى عسكرك من هو اكبر منك حتى اسلم على يديه قال نعم أميرنا وكبيرنا وهو ابن امير المؤمنين فلما حضرت بين يدى عبد الله بن عمر رضى الله عنهما عرض عليها الإسلام فقالت كالاول هل أحد اكبر منك فى المسلمين حتى اسلم بين يديه فقال لها نعم والدي امير المؤمنين عمر رضى الله عنه فقالت أرسلني اليه حتى اسلم بين يديه فارسلها ومعها عسكر واموال جزيلة أخرجتها معها من الحصار فلا زالت حتى وصلت الى عمر رضى الله عنه فقالت له يا امير المؤمنين هل هنا أحد اكبر منك قال نعم محمد رسول الله وهذا قبره الشريف وأشار الى الروضة المطهرة فقالت لا اسلم الا بين يديه فاجابها لما قالت فلما أتت الروضة المنورة سلمت وجلست بأدب ووقار فى حضرة النبي ﵇ وقالت اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله ثم قالت خرجت من الظلمات الى النور وانا أخشى يا رسول الله ان يدنس إيماني المعاصي فاسأل ربك الذي أرسلك إلينا بالحق ان يقبض روحى قبل ان أعصيه مرة اخرى ثم وضعت رأسها على عتبة المصطفى ﷺ فماتت من ساعتها فبكى عمر رضى الله عنه من حسن حالها وامر بغسلها وتجهيزها ودفنها بالبقيع بين الصحابة رضى الله عنهم
بروز واقعة تابوت من ز سرو كنيد ... كه ميروم بهواي بلند بالايى
اللهم اجعلنا من الذين سلكوا الصراط المستقيم ووصلوا الى جنابك بالقلب السليم فنجوا من عذابك الأليم آمين يا كريم يا رحيم وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً اى واذكر يا محمد لاهل مكة وغيرهم يوم يحشر الله الثقلين جميعا ويجمعهم فى موقف القيامة فيقول بطريق التوبيخ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ اى يا جماعة الشياطين فان المعشر الجماعة التي تضبطهم جهة واحدة وحصل بينهم معاشرتهم ومخالطتهم ويجمع على معاشر. قال بعضهم سميت الجماعة بالمعشر لبلوغها غاية الكثرة فان العشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده الا بتركيبه بما فيه من الآحاد فتقول أحد عشر واثنا عشر فاذا قيل معشر فكأنه قيل محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة. وسمى الجن جنا لاجتنانهم اى استتارهم عن أعين الناس قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ اى من اغوائهم واضلالهم اى أضللتم خلقا كثيرا من الانس وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ اى اولياء الشياطين الذين أطاعوهم حال كونهم مِنَ الْإِنْسِ فهو حال من أولياؤهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ اى انتفع الانس بالجن والجن بالانس. اما انتفاع الانس بالجن فمن حيث
стр. 1023
ان الجن كانوا يدلونهم على انواع الشهوات وما يتوصل به إليها ويسهلون طريق تحصيلها عليهم. واما انتفاع بالجن بالانس فمن حيث ان الانس أطاعوهم ولم يضيعوا سعيهم والرئيس المطاع ينتفع بانقياد اتباعه له وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا اى أدركنا الوقت الذي وقت لنا وهو يوم القيامة قالوه اعترافا بما فعلوا من طاعة الشياطين واتباع الهوى وتكذيب البعث وإظهارا للندامة عليها وتحسرا على حالهم واستسلاما لربهم
كنون بايد اى خفته بيدار بود ... چومرك اندر آرد ز خوابت چهـ سود
چهـ خوش كفت با كودك آموزگار ... كه كارى نكرديم وشد روزكار
ولعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين للايذان بان المضلين قد اقحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا قالَ كأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل قال النَّارُ مَثْواكُمْ اى منزلكم فهو اسم مكان بمعنى مكان الاقامة خالِدِينَ فِيها قال ابن عباس رضى الله عنهما الخلق اربعة. فخلق فى الجنة كلهم. وخلق فى النار كلهم. وخلقان فى الجنة والنار. اما الذي فى الجنة كلهم فالملائكة. واما الذي فى النار كلهم فالشياطين. واما الذي فى الجنة والنار فالانس والجن لهم الثواب وعليهم العقاب إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قال فى التأويلات النجمية إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ان يتوب ويرجع الى الله فلا تكون النار مثواه فالاستثناء راجع الى اهل التوبة فى الدنيا لا الى اهل الخلود فى النار انتهى وقال بعضهم ما مصدرية بتقدير مضاف كما فى آتيك خفوق النجم والاستثناء من مضمون الجملة التي قبله وهى قوله النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها كأنه قيل يخلدون فى عذاب النار الابد كله الا اوقات مشيئة الله تعالى ان ينقلوا من النار الى الزمهرير- فقد روى- انهم ينقلون من عذاب النار ويدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد الى الجحيم ففى الاستثناء تهكم بهم وفى تفسير الجلالين إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من الأوقات التي يخرجون فيها لشوب من حميم فانه خارجها كما قال الله ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ وقيل يفتح لهم وهم فى النار باب الى الجنة فيسرعون نحوه حتى إذا صاروا اليه سد عليهم الباب وقيل إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قبل الدخول كأنه قيل النار مثواكم ابدا الا وقت امهالكم الى وقت الإدخال والخلود كما ينتقص من الآخر كذلك ينتقص من الاول هذا ما ذهب اليه علماء الظاهر فى توجيه الاستثناء الا ان حضرة الشيخ نجم الدين قدس سره قال فى ذلك حفظا لظاهر الشرع وللعلماء بالله تحقيق بديع فى هذه المقام لا يتحمله عقول العوام ونحن نشير الى نبذ من ذلك ونوصى بالستر الا على السالك قال المولى رمضان فى شرح العقائد اعلم ان اهل النار لم يقنطوا من الخلاص حتى إذا ذبح كبش الموت بين الجنة والنار ونودى أهلهما بالخلود ايس اهل النار من الخلاص فاعتادوا بالعذاب ولم يتألموا حتى آل أمرهم الى ان يتلذذوا به حتى لوصب عليهم نسيم الجنة استنكروه وتعذبوا به كالجعل يستطيب الروث ويتألم من الورد انتهى كلامه وهذا معنى ما قال الشيخ الأكبر والمسك الأذفر والكبريت الأحمر قدس سره الأطهر تبقى جهنم خالية وان العذاب من العذاب انتهى ولا يغرنك ظاهر هذا الكلام الاكبرى
стр. 1024
فان اتفاق العلماء من الطرفين على ان المخلد لا يخرج من النار ولا تبقى جهنم خالية من جسده قال حضرة شيخنا وسندنا الذي فضله الله تعالى على العالمين بما خصه من كمالات الدين فكما إذا استقر اهل دار الجمال فيها يظهر عليهم اثر الجمال ويتذوقون دائما ابدا ويختفى منهم جلال الجمال واثره بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به قطعا سرمدا فكذلك إذا استقر اهل دار الجلال فيها بعد مرور الاحقاب يظهر على بواطنهم اثر جمال الجلال ويتذوقون به ابدا ويحتفى منهم اثر نار الجلال بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به سرمدا لكن كما عرفت ليس كذلك الا بعد انقطاع إحراق النار بواطنهم وظواهرهم بعد مرور الأيام والاحقاب وكل منهم تخرقه النار خمسين الف سنة من سنى الآخرة لشرك يوم واحد من ايام الدنيا والظاهر عليهم بعد مرور الاحقاب هو الحال الذي يدوم عليهم ابدا وهو الحال الذي كانوا عليه فى الأزل وما بينهما ابتلاءات رحمانية والابتلاء حادث قال تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ عصمنا الله وإياكم من دار البوار انتهى كلام الشيخ رضى الله عنه إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ فى أفعاله ومنها تخليد اولياء الشياطين فى النار عَلِيمٌ بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء وَكَذلِكَ اى كما خذلنا عصاة الجن والانس حتى استمتع بعضهم ببعض نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً اى نسلط بعضهم على البعض فنأخذ من الظالم بالظالم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي وجاء (من أعان ظالما سلطه الله عليه) وعن ابن عباس رضى الله عنهما إذا أراد الله بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم وجاء فى بعض الكتب الالهية انى انا الله ملك الملوك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصانى جعلته عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك ولكن توبوا الى أعطفهم عليكم وفى الحديث (الظالم عدل الله فى الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه) وفى المرفوع (يقول الله انتقم ممن ابغض بمن ابغض ثم أصير كلا الى النار) وفى الزبور انى لانتقم من المنافق بالمنافق ثم انتقم من المنافقين جميعا وقول القائل كيف يجوز وصفه بالظلم وينسب الى انه عدل من الله تعالى جوابه ان المراد بالعدل هنا ما يقابل بالفضل فالعدل ان يعامل كل أحد بفعله ان خيرا فخير وان شرا فشر والفضل ان يعفو مثلا عن المسيء وهذا على طريق اهل السنة بخلاف المعتزلة فانهم يوجبون عقوبة المسيء ويدعون ان ذلك هو العدل ومن ثمة سموا أنفسهم اهل العدل والى ما صار اليه اهل السنة يشير قوله تعالى قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ اى لا تمهل الظالم ولا تتجاوز عنه بل عجل عقوبته لكن الله تعالى يمهل من يشاء ويتجاوز عمن يشاء ويعطى من يشاء لا يسأل عما يفعل كذا فى المقاصد الحسنة للامام السخاوي: وفى المثنوى
چونكه بد كردى بترس ايمن مباش ... زانكه تخمست وبرو بروياند خداش
چند كاهى او بپوشاند كه تا ... آيدت زان بد پشيمان وحيا
بارها پوشد پى اظهار فضل ... باز كيرد از پى اظهار عدل
تا كه اين هر دو صفت ظاهر شود ... آن مبشر كردد اين منذر شود
стр. 1025
واعلم ان الظلم مطلقا مفسد للاستعداد الفطري الروحاني القابل للفيض الرباني ولذا لا ينجع فى الظالم الكلام الحق واكثر ما يكون من ارباب الرياسة للقدرة والغلبة وفى الحديث (ان من اشراط الساعة اماتة الصلوات واتباع الشهوات وان تكون الأمراء خونة والوزراء فسقة) فوثب سلمان فقال بابى وأمي أهذا كائن قال (نعم يا سلمان عندها يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح فى الماء ولا يستطيع ان يغير) قال أو يكون ذلك قال (نعم يا سلمان ان أذل الناس يومئذ المؤمن يمشى بين أظهرهم بالمخافة ان تكلم أكلوه وان سكت مات بغيظه) كذا فى روضة الاخبار: قال السعدي قدس سره
خبر دارى از خسروان عجم ... كه كردند بر زير دستان ستم
نه آن شوكت و پادشاهى بماند ... نه آن ظلم بر روستايى بماند
مكن تا توانى دل خلق ريش ... وكر ميكنى ميكنى بيخ خويش
اللهم احفظنا من الظلم والفساد انك حافظ العباد والبلادا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ
اى يقول الله تعالى يوم القيامة للثقلين جميعا ألم يأتكم فى الدنيا اى كل فريق منكم سُلٌ
اى رسول معين من الله تعالى نْكُمْ
صفة لرسل اى كائنة منكم اعلم ان الجن والانس مكلفون بالاتفاق لكن الرسول إليهم يحتمل ان يكون من جنسهم كما كان جبريل ونحوه رسل الملائكة من جنسهم وخواص البشر رسل الانس من أنفسهم لان الجنس الى الجنس أميل والاستفادة والاستئناس فى الجنسية اظهر ويحتمل ان يكون من غير جنسهم بان يكون من البشر وذلك لا يمنع الاستفادة لانه يجوز ان يستفيد خواصهم من الرسل ويكونوا رسل الرسول الى قومهم كاستفادة خواص البشر من خواص الملائكة وقد قام الإجماع على ان نبينا محمدا ﷺ مرسل الى الثقلين ودعا كل واحد من الفريقين الى الايمان بالله واليوم الآخر وقد كان الأنبياء قبله يبعثون الى قومهم خاصة واما سليمان ﵇ فانه لم يبعث الى الجن بالرسالة العامة بل بالملك والضبط والسياسة التامة فقوله تعالى سُلٌ مِنْكُمْ
اما محمول على المعنى الاول بان يكون الرسل من جنس الفريقين وقد ذهب اليه الضحاك ومن تبعه حيث قالوا لا معنى للعدول عن الظاهر بغير ضرورة وأيدوه بما قال ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ فى كل ارض نبى مثل نبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وابراهيم كابراهيم وعيسى كعيسى وصححه صاحب آكام المرجان كيف وابن عباس رضى الله عنهما سلطان المفسرين بالاتفاق ولا معنى لقول السخاوي فى المقاصد الحسنة انه اخذه من الاسرائيليات وهذا كما قالوا ان فى كل سماء كعبة حيالها يطوفها أهلها وكذا فى كل ارض ويناسب هذا ما قاله حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره خطابا لحضرة الهدائى الآن عوالم كثيرة يتكلم فيها محمود وافتاده كثير واما محمول على المعنى الثاني وهو الذي ادعوا فيه الإجماع وفيه تفصيل شأن البشر فالرسل من الانس خاصة لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب صح ذلك ونظيره يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ والمرجان يخرج من الملح دون العذب وقيل الرسل يعم رسل الرسل وقد ثبت ان نفرا من الجن قد استمعوا
стр. 1026
القرآن وانذروا به قومهم هذا ما وفقني الله تعالى لترتيبه وتهذيبه فى هذا الباب والله يقول الحق ويهدى الى الصواب قُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي
اى يقرأون عليكم كتبى يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا
يعنى يوم القيامةالُوا
جوابا عند ذلك التوبيخ الشديدهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
ان قد بلغنا وهو اعتراف منهم بالكفر واستحقاق العذاب وشهدنا إنشاء الشهادة مثل بعت واشتريت فلفظ الماضي لا يقتضى تقدم الشهادة غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا
فلم يؤمنوا شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ
فى الآخرةنَّهُمْ كانُوا
فى الدنياافِرِينَ
اى بالآيات والنذر التي أتى بها الرسل وهو ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فانهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة واعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم ان اضطروا الى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذير للسامعين من مثل حالهم ذلِكَ اى إرسال الرسل أَنْ اللام مقدرة وهى مخففة اى لان الشأن لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ اى بسبب ظلم منها وَأَهْلُها غافِلُونَ لم يرسل إليهم رسول يبين لهم قال البغوي وذلك ان الله تعالى اجرى السنة اى لا يأخذ أحدا الا بعد وجود الذنب وانما يكون مذنبا إذا امر فلم يأتمر ونهى فلم ينته ويكون ذلك بعد إنذار الرسل وفى التفسير الفارسي [استئصال هيچ قوم نباشد الا بعد از تقدم وعيد واگر نه ايشانرا بر حق حجت باشد كه لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك] قال فى التأويلات النجمية الاستعداد الروحاني لا يفسد باستيفاء الحظ الحيواني فى الطفولية الا بعد ان يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل وفيض الهام الحق عند البلوغ فيخالف الإلهام ويتبع الهوى فيفسد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي كقوله تعالى وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وهذا كما انه تعالى لا يعذب قوما ما بلغتهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولا فيخالفونه فيعذبهم بها وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى بان لا يجرى عليه قلم تكاليف الشريعة الا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي لانه أوان ترقى الروح باستعمال المأمورات ونقصانه باستعمال المنهيات انتهى فعلى العاقل ان يتدارك حاله ويخاف من الخطاب القهرى يوم القيامة
كر بمحشر خطاب قهر كند ... انبيا را چهـ جاى معذرتست
قال الحسن البصري ﵀ الناس فى هذه الدنيا على خمسة اصناف. العلماء وهم ورثة الأنبياء. والزهاد وهم الأدلاء. والغزاة وهم اسياف الله. والتجار وهم أمناء الله. والملوك وهم رعاة الخلق فاذا أصبح العالم طامعا وللمال جامعا فبمن يقتدى ولذا قال من قال
شيخ چون مائل بمال آيد مريد او معاش ... مائل دينار هركز مالك ديدار نيست
وإذا أصبح الزاهد راغبا فبمن يستدل ويهتدى
از زاهدان خشك رسائى طمع مدار ... سيل ضعيف واصل دريا نميشود
وإذا أصبح الغازي مرائيا والمرائى لا عمل له فمن يظفر بالأعداء
عبادت بالإخلاص نيت نكوست ... وكر نه چهـ آيد ز بي مغز پوست
وإذا كان التاجر خائنا فمن يؤمن ويرتضى
стр. 1027
درين زمانه مكر جبرئيل أمين باشد ... وإذا أصبح الملك ذئبا فمن يحفظ الغنم ويرعى
پادشاهى كه طرح ظلم افكند ... پاى ديوار ملك خويش بكند
نكند جور پيشه سلطانى ... كه نيايد ز كرك چوپانى
والله ما أهلك الناس الا العلماء المداهنون والزهاد الراغبون والغزاة المراءون والتجار الخائنون والملوك الظالمون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ثم ان الاحكام الالهية قد بلغت الى كل إقليم وبلغ الشاهد الغائب الى يومنا هذا من قديم وامتلاء الآذان من سماع الحق والكلام المطلق فلم يبق للسلطان ولا للوزير ولا لغيرهما من الوضيع والخطير عذر ينجيه من الهلاك وقهر مالك الاملاك والتنبيه مقدم لكل خامل ونبيه فهلاك القرى وأهلها وظهور الظلمات فرعها وأصلها انما هو من غفلة الإنسان أيقظه الله الملك المنان فلا تلومن عند وجود التنزل الا نفسك الآبية وظهور التسفل الا طبيعتك الغبية فقد استبان البرهان والحجة ووضع لسالكيها المحجة ألم تسمع الى قوله تعالى فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ وأراك انك ألقمت الحجر ولا تدرى ما فعل بك بل تتمادى فى تعبك وتتمرغ فى غضبك فعالج نفسك ايها المريض قبل الحلول الى الحضيض وَلِكُلٍّ من المكلفين من الثقلين مؤمنين كانوا او كفارا دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا اى مراتب كائنة من أعمالهم صالحة كانت او مسيئة فلاهل الخير درجات فى الجنة بعضها فوق بعض ولاهل الشرك دركات فى النار بعضها أشد عذابا من بعض وفسروا الدرجات بالمراتب لان الدرجات غلب استعمالها فى الخير والثواب والكفار لاثواب لهم وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فيخفى عليه عمل من أعمالهم طاعة او معصية والمقصود ان الله يجزى كل عامل بما عمل وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ عن العباد والعبادة. والغنى هو الذي لا يحتاج الى شىء فيكون وجود كل شىء عنده وعدمه سواء وغيره تعالى لا يسمى غنيا الا إذا لم يبق له حاجة الا الى الله تعالى فاصل الحاجة لا ينقطع عن غير الله لانه فى وجوده وغناه يحتاج الى الغنى الحقيقي ذُو الرَّحْمَةِ يترحم عليهم بالتكليف تكميلا لهم ويمهلهم على المعاصي وفى التأويلات النجمية يعنى مع غناه عن الخلق له رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق ليربحوا عليه لا ليربح عليهم: قال فى المثنوى
چون خلقت الخلق كى يربح على ... لطف تو فرمود اى قيوم وحي
لا لان اربح عليهم جود تست ... كه شود زو جمله ناقصها درست
عفو كن اين بندگان تن پرست ... عفو از درياى عفو اولى ترست
عفو خلقان همچوجو وهمچوسيل ... هم بدان درياى خود تازند خيل
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ايها العصاة اى يهلككم وَيَسْتَخْلِفْ بالفارسي [خليفه وجانشين شما سازد] مِنْ بَعْدِكُمْ اى من بعد اذهابكم وإهلاككم ما يَشاءُ اى خلقا آخر أطوع لله منكم وإيثار ما على من لاظهار كمال الكبرياء وإسقاطهم عن رتبة العقلاء كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ اى من قوم آخرين لم يكونوا على مثل صفتكم وهم اهل سفينة نوح ﵇ لكنه ابقاكم ترحما عليكم وفى التفسير الفارسي [همچنانكه شما را پيدا
стр. 1028
كرد از ذرية قومى ديكر كه پدران شما بودند] إِنَّ ما تُوعَدُونَ اى الذي توعدون من البحث والعذاب لَآتٍ لواقع لا محالة لا خلف فيه وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ اى بفائتين ذلك وان ركبتم فى الهرب متن كل صعب وذلول قُلْ لاهل مكة يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ المكانة مصدر بمعنى التمكن وهو القوة والاقتدار اى اعملوا على غاية تمكنكم ونهاية استطاعتكم يعنى اعملوا ما أنتم عاملون واثبتوا على كفركم وعداوتكم إِنِّي عامِلٌ ما كتب على من المصابرة والثبات على الإسلام والاستمرار على الأعمال الصالحة. والأمر للتهديد من قبيل الاستعارة تشبيها للشر المهدد عليه بالمأمور به الواجب الذي لا بد ان يكون قال فى التأويلات النجمية اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ اى على ما جبلتم عليه نظيره قوله قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ استفهامية او موصولة تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ اى أينا تكون له العاقبة المحمودة التي خلق الله تعالى هذه الدار لها او فسوف تعرفون الذي له العاقبة الحسنى فالدار دار الدنيا والعاقبة الاصلية لهذه الدار هى عاقبة الخير واما عاقبة السوء فمن نتائج تحريف الفجار إِنَّهُ اى ان الشان لا يُفْلِحُ يسعد الظَّالِمُونَ اى الكافرون اى لا يظفرون بمرادهم وبالفارسي [بدرستى كه پيروزى ورستكارى نيابند ستمكاران يعنى كفار. صاحب كشف الاسرار فرموده كه هم درين روزى بدانيد كه دنيا كجا رسد ودولت فلاح كرا رسد بينيد كه درويشان شكسته بال را بسراى كرامت چون خوانند وخواجكان صاحب اقبال را سوى زندان ندامت چون رانند]
باش تا كل يابى آنها را كه امروزند جزو ... باش تا كل بينى انها را كه امروزند خار
تا كه از دار الغرورى ساختن دار السرور ... تا كى از دار الفرارى ساختن دار القرار
وليس الفلاح الا فى العلم والعمل وترك الدنيا والكسل والذلل- حكى- عن بعضهم انه دخل عليه بعض الفقراء ولم يجد فى بيته شيأ من المتاع فقال اما لكم شىء قال بلى لنا داران إحداهما دار أمن والاخرى دار خوف فما يكون لنا من الأموال ندخره فى دار الا من يعنى نقدمه للدار الآخرة فقال له انه لا بد لهذا المنزل من متاع فقال ان صاحب هذا المنزل لا يدعنا فيه وذلك ان الدنيا عارية ولا بد للمعير ان يرجع فى عاريته فعاقبة الدار انما هى للاخيار الأبرار الذين عملوا الله فى ليلهم ونهارهم ولم ينقطعوا عن التوجه اليه حال سكونهم وقرارهم وكان شاب يجتهد فى العبادة فقيل له فى ذلك فقال رأيت فى منامى قصرا من قصور الجنة مبنيا بلبنة من ذهب ولبنة من فضة وكذلك شراريفه وبين كل شرافتين حورية لم يرالراؤون مثلها لما بها من الحسن والجمال وقد ارخين ذوائب شعورهن فتبسمت إحداهن فى وجهى فانارت الجنة بنور ثناياها ثم قالت يافتى جد لله تعالى فى طلبى لاكون لك وتكون لى فاستيقظت فحقيق على ان أجد فاذا كان هذا الاجتهاد فى طلب حورية فكيف بمن يطلب رب الحورية
فداى دوست نكرديم عمر ومال دريغ ... كه كار عشق ز ما اين قدر نمى آيد
فظهر ان الاجتهاد فى طريق الحق له عاقبة حميدة فانه موصل الى الجنة والقربة والوصلة فسيظهر اثره فى الدار الآخرة. واما الظالمون الذين أفسدوا استعداداتهم بما عملوا من المعاصي
стр. 1029
فانهم لا يفلحون بمثل هذه السعادة بل يرجعون الى دار البوار وحالهم فى الدنيا هى الخسارة لا غير فان الباطل يفور ثم يغور والدولة فى الدنيا والآخرة لاهل الايمان والخلاص من التنزل لا يحصل الا بالايمان فمن دخل فى حصن الايمان وقوة اليقين يترقى الى ما شاء الله تعالى من الدرجات والشيطان وان كان ينبح عليه خارج الحصن لكنه لا يضره وفى الحديث (جددوا ايمانكم) والمراد الانتقال من مرتبة الى مرتبة فان اصل الايمان قدتم بالأول ولكن الايمان على ثمانى عشرة مرتبة والعناية من الله تعالى وتوحيد كل شخص على قدر يقينه وهو قد يكون على قدر يقينه فى ملك وجوده وقد لا يكون على قدر هذا اليقين فالذين يظهرون الدعوى فتوحيدهم فى ملك وجودهم فقط فلو انهم جاوزوا الى هذا اليقين لندموا عليها ورغبوا عن أنفسهم فعلى العاقل ان لا يسامح فى باب الدين بل يجتهد فى تحصيل اليقين فان الاجتهاد باب لهذا التحصيل ووسيلة فى طريقة التكميل وان كان الله تعالى هو الموصل برحمته الخاصة والمؤثر فى كل الأمور اللهم اجعلنا من اهل التوحيد الحقانى وشرفنا بالايمان العيانى فانك الغنى ونحن الفقراء وَجَعَلُوا اى مشركوا العرب لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ اى خلق مِنَ الْحَرْثِ اى الزرع وَالْأَنْعامِ نَصِيباً ولشركائهم ايضا نصيبا فَقالُوا هذا النصيب لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ اى بادعائهم الباطل من غير ان يكون ذلك بامر الله تعالى وَهذا لِشُرَكائِنا اى آلهتنا التي شاركونا فى أموالنا من المتاجر والزروع والانعام وغيرها فهو من الشركة لا من الشرك والاضافة الى المفعول- روى- انهم كانوا يعينون شيأ من الحرث والنتاج لله ويصرفونه الى الضيفان والمساكين وشيأ منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحونه عندها ثم ان رأوا ما عينو الله ازكى رجعوا وجعلوه لآلهتهم وان رأوا ما لآلهتهم از كى تركوه معتلين بان الله تعالى غنى وما ذلك الا لحب آلهتهم وإيثارهم لها فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ من نماء الحرث والانعام فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ اى الى المساكين والأضياف وقالوا لو شاء الله زكى نصيب نفسه وَما كانَ لِلَّهِ من ذلك النماء فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ بذبح النسائك عندها والاجراء على سدنتها لانهم إذا لم ينم نصيب الآلهة يبدلون ذلك النامي الذي عينوه لله تعالى ويجعلونه لآلهتهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ اى ساء الذي يحكمون حكمهم فيما فعلوا من إيثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم بما لم يشرع لهم وَكَذلِكَ ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك فى قسمة القربان بين الله تعالى وبين آلهتهم زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ اى أولياؤهم من الجن او من السدنة فقوله قتل مفعول زين وشركاؤهم فاعله وكان اهل الجاهلية يدفنون بناتهم احياء خوفا من الفقر او من التزويج او من السبي وكان الرجل منهم يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحزن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله- روى- ان عبد المطلب رأى فى المنام انه يحفر زمزم ونعت له موضعها وقام يحفر وليس له ولد يومئذ الا الحارث فنذر لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا لينحرن أحدهم لله تعالى عند الكعبة فلما تموا عشرة أخبرهم بنذره فاطاعوه وكتب كل واحد منهم اسمه فى قدح فخرج على
стр. 1030
عبد الله فاخذ الشفرة لينحر فقامت قريش من أنديتها فقالوا لا تفعل حتى ننظر فيه فانطلق به الى عرّافة فقالت قربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليه وعليها القداح فان خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم وإذا خرجت على الإبل فقد رضى ربكم ونجا صاحبكم فقربوا من الإبل عشرا فخرج على عبد الله فزاد عشرا عشرا فخرجت فى كل مرة على عبد الله الى ان قرب مائة فخرج القدح على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصدّ عنها انسان ولا سبع ولذلك قال ﵇ (انا ابن الذبيحين) يريد أباه عبد الله واسمعيل ﵇ لِيُرْدُوهُمْ اى ليهلكوهم بالإغواء وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسمعيل ﵇ واللام للتعليل ان كان التزيين من الشياطين وللعاقبة ان كان من السدنة لظهور ان قصد السدنة لم يكن الإرداء واللبس وانما كان ذلك قصد الشياطين وَلَوْ شاءَ اللَّهُ اى عدم فعلهم ذلك ما فَعَلُوهُ اى ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ الفاء فصيحة اى إذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءهم على الله انه أمرهم بدفن بناتهم احياء فان الله تعالى مع قدرته عليهم تركهم فاتركهم أنت فان لهم موعدا يحاسبون فيه ولله تعالى فيما شاء حكم بالغة وَقالُوا هذِهِ اشارة الى ما جعلوه لآلهتهم أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ اى حرام لا يَطْعَمُها بالفارسي [نچشد ونخورد آنرا] إِلَّا مَنْ نَشاءُ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء بِزَعْمِهِمْ اى قالوه ملتبسين بزعمهم الباطل من غير حجة وَأَنْعامٌ خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على قوله تعالى هذه انعام اى قالوا مشيرين الى طائفة اخرى من أنعامهم اى وهذه انعام حُرِّمَتْ ظُهُورُها يعنون بها البحائر والسوائب والحوامي وَأَنْعامٌ اى وهذه انعام كما مر وقوله تعالى لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صفة لانعام لكنه غير واقع فى كلامهم المحكي كنظائره بل مسوق من جهته تعالى تعييننا للموصوف وتمييزا له عن غيره كما فى قوله تعالى إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ على أحد التفاسير كأنه قيل وانعام ذبحت على الأصنام فانها التي لا يذكر عليها اسم الله وانما يذكر عليها الأصنام افْتِراءً عَلَيْهِ اى افتروا على الله افتراء يعنى انهم يفعلون ذلك ويزعمون ان الله تعالى أمرهم به سَيَجْزِيهِمْ بالفارسي [زود باشد كه خدا جزا دهد ايشانرا] بِما كانُوا يَفْتَرُونَ اى بسبب افترائهم وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ يعنون به اجنة البحائر والسوائب خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا اى حلال للرجال خاصة دون الإناث وتأنيث خالصة محمول على معنى ما وتذكير محرم محمول على لفظه وهذا الحكم منهم ان ولد ذلك حيا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً اى ولدت ميتة فَهُمْ فِيهِ اى ما فى بطون الانعام شُرَكاءُ يأكلون منه جميعا ذكورهم وإناثهم سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ اى جزاء وصفهم الكذب على الله تعالى فى امر التحليل والتحريم إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ تعليل للوعد بالجزاء فان الحكيم العليم بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءهم الذي هو من مقتضيات الحكمة قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ جواب قسم محذوف وهم ربيعة ومضر واضرابهم من العرب الذين كانوا يئدون بناتهم
стр. 1031
محافظة السبي والفقر اى خسروا دينهم ودنياهم بالفارسي [زيان كردند] سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بقتلوا على انه علة له وبغير علم صفة لسفها اى لخفة عقلهم وجهلهم بان الله تعالى هو الرزاق لهم ولا ولادهم وَحَرَّمُوا على أنفسهم ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ من البحائر ونحوها افْتِراءً عَلَى اللَّهِ اى افتروا على الله افتراء حيث قالوا ان الله أمرهم بها قَدْ ضَلُّوا عن الطريق المستقيم وَما كانُوا مُهْتَدِينَ اليه وان هدوا بفنون الهدايات- روى- عن رسول الله ﷺ ان رجلا من أصحابه كان لا يزال مغتما بين يديه فقال ﵇ (مالك تكون محزونا) فقال يا رسول الله انى قد أذنبت فى الجاهلية ذنبا فاخاف ان لا يغفر لى وان أسلمت فقال ﵇ (أخبرني عن ذنبك) فقال يا رسول الله انى كنت من الذين يقتلون بناتهم فولدت لى بنت فشفعت الىّ امرأتى ان اتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها فدخلت على الحمية ولم يتحمل قلبى ان أزوجها او اتركها فى البيت بغير زوج فقلت للمرأة انى أريد ان اذهب الى قبيلة كذا فى زيارة اقربائى
فابعثيها معى فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلل وأخذت على المواثيق بان لا اخونها فذهبت بها الى رأس بئر فنظرت فى البئر ففطنت الجارية بي انى أريد ان ألقيها فى البئر فالتزمتنى وجعلت تبكى وتقول يا ابى أي شىء تريد ان تفعل بي فرحمتها ثم نظرت فى البئر فدخلت على الحمية ثم التزمتنى وجعلت تقول يا ابى لا تضيع امانة أمي فجعلت مرة انظر الى البئر ومرة انظر إليها وارحمها وغلبنى الشيطان فاخذتها وألقيتها فى البئر منكوسة وهى تنادى فى البئر يا ابى قتلتنى فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت فبكى رسول الله وقال (لو أمرت ان أعاقب أحدا بما فعل فى الجاهلية لعاقبتك بما فعلت) واعلم انهم لما انسد عليهم طريق الثقة بالله حملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد ولذلك قال اهل التحقيق من امارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر من دخل هذا الطريق وهو ذو زوج فلا يطلق او عزب فلا يتزوج حتى يكمل فاذا كمل فهو فى ذلك على ما يلقى اليه ربه انتهى واختار اكثر الكمل موت أولادهم لان كل ما يشغل الطالب عن الله من الأموال والأولاد فهو فتنة ومنهم ابراهيم بن أدهم حيث اجتمع بولده بمكة فرأى فى قلبه ميلا اليه فقال الهى أمتني او هذا مشيرا الى ولده فمات والأنسب ان يدفعه من قلبه بالتوحيد ولا يدعو عليه بالموت لان الدعاء تصرف من عند نفسه والمتصرف فى الحقيقة هو الله فاذا ادخل عبده فى امر لا يتولى العبد إخراج نفسه منه بل يصير وينتظر الى امر الله تعالى وقلة المال مع كثرة العيال والصبر عليها من المجاهدات المعتبرة عند السلاك قال حضرة الشيخ افتاده افندى خطابا لحضرة الهدايى إذا اظهر اهل بيتك جوعا شديدا ورأيتهم قد أشرفوا على الهلاك فعليك ان تتوكل على الله وتسلم الأمر اليه بان تقول عن صميم قلبك لا بمجرد لسانك الهى انا عبد ذليل مثلهم وهم عبادك فامرى وأمرهم إليك لا أحل انا بينك وبين عبادك يتم المقصود بالسهولة ويقضى الرب جميع حوائجك قال ويكون توكل الطالب على وجه لو ان أولاده ما توا من الجوع لما ترحم
стр. 1032
عليهم بل قال هذا الرب وهذا عبده وأفوض امرى الى الله ان الله بصير بالعباد: قال الصائب
فكر آب او دانه در كنج قفس بيحاصلست ... زير چرخ انديشه روزى چرا باشد مراد
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ اى خلق يقال نشأ الشيء نشأة إذا ظهر وارتفع وانشأه الله تعالى اى أظهره ورفعه جَنَّاتٍ اى بساتين من الكروم مَعْرُوشاتٍ اى مرفوعات على ما يحملها من خشب ونحوه وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ملقيات على وجه الأرض فان بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش بل يلقى على وجه الأرض منبسطا او المعروشات الأعناب التي يجعل لها عروش وغير المعروشات كل ما نبت منبسطا على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ او المعروشات ما يحتاج الى ان يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه وهو الكرم وما يجرى مجراه وغير المعروش ما لا يحتاج اليه بل يقوم على ساقه كالنخل والزرع ونحوهما من الأشجار والبقول او المعروشات ما يحصل فى البساتين والعمرانات مما يهتم به الناس ويغرسونه وغير المعروشات ما أنبته الله تعالى فى البراري والجبال وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ اى انشأهما وافرادهما بالذكر مع انهما داخلان فى الجنات لكونهما أعم نفعا من جملة ما يكون فى البساتين والمراد بالزرع هاهنا جميع الحبوب التي يقتات بها مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ حال مقدرة إذ ليس كذلك وقت الإنشاء اى انشأ كل واحد منهما فى حال اختلاف ثمره الذي يؤكل فى الهيئة والكيفية قال البغوي ثمره وطعمه منها الحلو والحامض والجيد والردى وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ اى انشأهما مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ نصب على الحالية اى يتشابه بعض افرادهما فى اللون والهيئة والطعم ولا يتشابه بعضها مثل الرمانين لونهما واحد وطعمهما مختلف كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ اى من ثمر كل واحد من ذلك إِذا أَثْمَرَ وان لم يدرك ولم يينع بعد ففائدة التقييد بقوله إذا اثمر اباحة الاكل منه قبل إدراكه وينعه وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ أشهر الأقوال على ان المراد ما كان يتصدق به على المساكين يوم الحصاد اى يوم قطع العنب والنخل ونحوهما بطريق الوجوب من غير تعيين المقدار حتى نسخه افتراض العشر فيما يسقى بماء السماء ونصف العشر فيما يسقى بالدلو والدالية او نحوهما وَلا تُسْرِفُوا اى فى التصدق كما روى ان ثابت بن قيس جذ خمسائة نخلة فقسمها فى يوم واحد ولم يترك لاهله شيأ وقد جاء فى الخبر (ابدأ بمن تعول) وقيل الخطاب للسلاطين اى لا تأخذوا فوق حقكم إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ اى لا يرضى فعلهم وَمِنَ الْأَنْعامِ اى انشأ من الانعام حَمُولَةً ما يحمل عليه الأثقال وَفَرْشاً وما يفرش للذبح او يتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفرش ولعله من قبيل التسمية بالمصدر كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من تبعيضية وما عبارة عن الحمولة والفرش اى كلوا بعض ما رزقكم الله اى حلاله وفيه تصريح بان انشاءها لاجلهم ومصلحتهم وتخصيص الاكل بالذكر من غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه فى السائبة وأخواتها لكونه معظم ما ينتفع به ويتعلق به الحل والحرمة وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ اى لا تسلكوا الطريق التي سولها الشيطان لكم فى امر التحليل والتحريم فانه لا يدعوكم الا الى المعصية إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ اى ظاهر العداوة وقد ابان عداوته لابيكم آدم ﵇ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ بدل من حمولة وفرشا
стр. 1033
والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه ويحصل منهما النسل فالاثنان المصطحبان يقال لهما زوجان لا زوج فعلى هذا يقول مقراضان ومقصان لا مقراض ومقص لانهما اثنان والمراد بالأزواج الثمانية الأنواع الاربعة لانها باعتبار مزاوجها ثمانية مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ بدل من ثمانية ازواج اى انشأ من الضان زوجين الكبش والنعجة والضأن معروف وهو ذو الصوف من النعم وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ اى انشأ من المعز زوجين التيس والعنز والمعز ذو الشعر من النعم قُلْ لهم يا محمد آلذَّكَرَيْنِ من ذينك النوعين وهما الكبش والتيس حَرَّمَ اى الله تعالى كما تزعمون انه هو المحرم أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ وهما النعجة والعنز أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ اى أم ما حملت إناث النوعين حرم ذكرا كان او أنثى نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ اى أخبروني بامر معلوم من جهة الله تعالى من الكتاب او اخبار الأنبياء يدل على انه تعالى حرم شيأ مما ذكر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى دعوى التحريم عليه سبحانه وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ عطف على قوله تعالى من الضأن اثنين اى وانشأ من الإبل اثنين هما الجمل والناقة وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ذكر او أنثى قُلْ إفحاما لهم ايضا آلذَّكَرَيْنِ منهما حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ من ذينك النوعين والمعنى انكار ان الله تعالى حرم عليهم شيأ من الأنواع الاربعة ذكرا وأنثى او ما يحمل إناثها ردا عليهم فانهم كانوا يحرمون ذكور الانعام تارة كالحام فانه إذا نتجت من صلب الفحل عشرة ابطن حرموه ولم يمنعوه ماء ولا مرعى وقالوا انه قد حمى ظهره وكالوصيلة فان الشاة إذا ولدت أنثى فهى لهم وان ولدت ذكرا فهو لآلهتهم وان ولدتهما وصلت الأنثى أخاها ويحرمون إناثها تارة كالبحيرة والسائبة فانه إذا نتجت الناقة خمسة ابطن آخرها ذكر بحروا اذنها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب وكان الرجل منهم يقول ان شفيت فناقتى سائبة ويجعلها كالبحيرة فى تحريم الانتفاع بها وكانوا إذا ولدت النوق البحائر والسوائب فصيلا حيا حرموا لحم الفصيل على النساء دون الرجال وان ولدت فصيلا ميتا اشترك الرجال والنساء فى لحم الفصيل ولا يفرقون بين الذكور والإناث فى حق الأولاد أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ أم منقطعة بمعنى بل والهمزة ومعنى الهمزة الإنكار والتوبيخ ومعنى بل الاضراب عن التوبيخ بما ذكر الى التوبيخ بوجه آخر اى بل أكنتم حاضرين شاهدين إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا اى حين وصاكم بهذا التحريم إذ أنتم لا تؤمنون بنبي فلا طريق لكم حسبما يؤول اليه مذهبكم الى معرفة أمثال ذلك الا المشاهدة والسماع فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فنسب اليه تحريم ما لم يحرم لِيُضِلَّ النَّاسَ متعلق بافترى قال سعدى چلبى المفتى الظاهر ان اللام للعاقبة بِغَيْرِ عِلْمٍ حال من فاعل يضل اى ملتبسا بغير علم بما يؤدى بهم اليه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ كائنا من كان الى ما فيه صلاح حالهم عاجلا وآجلا فاذا نفى الهداية عن الظالم فما ظنك بمن هو اظلم قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ طعاما مُحَرَّماً من المطاعم التي حرموها عَلى طاعِمٍ أي طاعم كان من ذكر او أنثى ردا على قولهم ومحرم على أزواجنا وقوله تعالى يَطْعَمُهُ لزيادة التقرير إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذلك الطعام مَيْتَةً لم تذك وهى التي تموت حتف أنفها
стр. 1034
أَوْ دَماً مَسْفُوحاً اى مصبوبا كالدماء التي فى العروق لا كالطحال والكبد فانهما جامدان وقد جاء الشرع بإباحتهما وفى الحديث (أحلت لنا ميتتان ودمان) والمراد من الميتتين السمك والجراد ومن الدمين الكبد والطحال وما اختلط باللحم من الدم وقد تعذر تخلصه من اللحم عفو مباح لانه ليس بسائل ايضا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ اى الخنزير رِجْسٌ اى قذر لتعوده أكل النجاسة قال الحدادي كل ما استقذرته فهو رجس ويجوز ان يعود الضمير الى اللحم وتخصيصه مع ان لحمه وشحمه وشعره وعظمه وسائر ما فيه كله حرام لكونه أهم ما فيه فان اكثر ما يقصد من الحيوان المأكول اللحم فالحل والحرمة يضاف اليه أصالة ولغيره تبعا قال سعدى چلبى المفتى الأصل عود الضمير الى المضاف لانه المقصود والمضاف اليه لتعريفه وتخصيصه أَوْ فِسْقاً عطف على لحم خنزير أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ صفة موضحة اى ذبح على اسم الأصنام وانما سمى ذلك فسقا لتوغله فى الفسق فَمَنِ اضْطُرَّ اى
أصابته الضرورة الداعية الى تناول شىء من ذلك غَيْرَ باغٍ على مضطر مثله وَلا عادٍ قدر الضرورة فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مبالغ فى المغفرة والرحمة لا يؤاخذه بذلك والآية محكمة لانها تدل على انه ﵇ لم يجد فيما اوحى اليه الى تلك الغاية غيره ولا ينافيه ورود التحريم بعد ذلك فى شىء آخر قال فى التأويلات النجمية يشير بالميتة الى ميتة الدنيا فانها جيفة مستحيلة كما قال بعضهم
وما هى إلا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همهن اجتذابها
فان تجتنبها كنت سلما لاهلها ... وان تجتذبها نازعتك كلابها
وفى الحديث (اوحى الله الى داود يا داود مثل الدنيا كمثل جيفة اجتمعت عليها الكلاب يجرونها أفتحب ان تكون كلبا مثلهم فتجر معهم) : قال الحافظ
همايى چون تو عالى قدر حرص استخوان حيفست ... دريغا سايه همت كه بر نااهل افكندى
والدم المسفوح هو الشهوات واللذات التي يهراق عليها دم الدين ولحم الخنزير هو كل رجس من عمل الشيطان كما قال إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ وحقيقة الرجس الاضطراب عن طريق الحق والبعد منه كما جاء فى الخبر لما ولد رسول الله ﷺ ارتجس ايوان كسرى اى اضطرب وتحرك حركة سمع لها صوت فالرجس ما يبعدك عن الحق او فسقا اهل لغير الله به اى خروجا عن طلب الحق فى طلب غير الحق: قال السعدي
خلاف طريقت بود كاوليا ... تمنا كنند از خدا جز خدا
فالشروع فى هذه الأشياء محرم لانها تحرمك من الله وقرباته الا ان يكون بقدر ما يدفع الحاجة الانسانية فان الضرورات تبيح المحظورات قال بعضهم فى قوله ﵇ (تمعددوا واخشوشنوا) اى اقتدوا بمعدّ بن عدنان والبسوا الخشن من الثياب وامشوا حفاة فهو حث على التواضع ونهى عن الافراط فى الترفه والتنعم كما قال ﵇ (إياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين)
بناز ونعمت دنيا منه دل ... كه دل برداشتن كاريست مشكل
стр. 1035
فعلى العاقل ان يكون ازهد الناس فى الدنيا ويتجرد عن الأسباب كالانبياء وكمل الأولياء وعن بعضهم قال رأيت فقيرا ورد على بئر ماء فى البادية فادلى ركوته فيها فانقطع حبله ووقعت الركوة فيها فاقام زمانا وقال وعزتك لا أبرح إلا بركوتي او تأذن لى فى الانصراف عنها قال فرأيت ظبية عطشانة جاءت الى البئر ونظرت فيها وفاض الماء وطفح على البئر وإذا بركوته على فم البئر فاخذها وبكى وقال الهى ما كان لى عندك محل ظبية فهتف به هاتف يا مسكين جئت بالركوة والحبل وجاءت الظبية ذاهبة عن الأسباب لتوكلها علينا ففى هذه الحكاية ما يدل على كمال الانقطاع عن غير الله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا اى على اليهود خاصة لا على من عداهم من الأولين والآخرين حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ كل ما له إصبع سواء كان ما بين أصابعه منفرجا كانواع السباع والكلاب والسنانير أو لم يكن منفرجا كالابل والنعام والإوز والبط وكان بعض ذوات الظفر حلالا لهم فلما ظلموا عم التحريم وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ متعلق بقوله حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما لا لحومهما فانها باقية على الحل. والشحوم الثروب وشحوم الكليتين إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما استثناء من الشحوم اى الا ما اشتملت على الظهور والجنوب من شحم الكتفين الى الوركين من داخل وخارج أَوِ الْحَوايا عطف على ظهورهما اى او الا الذي حملته الأمعاء واشتمل عليها. جمع الحوية كما فى الصحاح وهى المباعر والمصارين أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ عطف على ما حملت وهو شحم الالية واختلاطه بالعظم اتصاله بالعصص وهو عجب الذنب اى عظمه وأصله ويقال انه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ذلِكَ الجزاء جَزَيْناهُمْ اى اليهود بِبَغْيِهِمْ اى بسبب ظلمهم وهو قتلهم الأنبياء بغير حق وأخذهم الربا وأكلهم اموال الناس بالباطل وكانوا كلما أتوا بمعصية عوقبوا بتحريم شىء مما أحل لهم وقد أنكروا ذلك وادعوا انها لم تزل محرمة على الأمم الماضية فرد عليهم ذلك وأكد بقوله تعالى وَإِنَّا لَصادِقُونَ اى فى الاخبار عن كل شىء لا سيما فى الاخبار عن التحريم المذكور وفى الاخبار عن بغيهم فَإِنْ كَذَّبُوكَ اى اليهود والمشركون فيما فصل من احكام التحليل والتحريم فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ لا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم فلا تغتروا بذلك فانه امهال لا إهمال وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عذابه عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ حين ينزل سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ عدم اشراكنا ما أَشْرَكْنا نحن وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ أرادوا به ان ما فعلوه حق مرضى عند الله تعالى كَذلِكَ اى كهذا التكذيب وهو قولهم انا انما أشركنا وحرمنا لكون ذلك مشروعا مرضيا عند الله تعالى وانك كاذب فيما قلت من ان الله تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرمتموه كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اى متقدموهم الرسل حَتَّى ذاقُوا غاية لامتداد التكذيب بَأْسَنا الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ زائدة عِلْمٍ من امر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعمتم فَتُخْرِجُوهُ لَنا فتظهروه لنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ اى ما تتبعون فيما أنتم عليه من الشرك والتحريم الا الظن الباطل من غير علم ويقين وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ تكذبون على الله تعالى قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ الفاء جواب شرط محذوف
стр. 1036
اى وإذا قد ظهر ان لا حجة لكم فلله الحجة البالغة اى البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والثبات او بلغ بها صاحبها صحة دعواه والمراد بها الكتاب والرسول والبيان فَلَوْ شاءَ هدايتكم جميعا لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية قوم لصرف اختيارهم الى سلوك طريق الحق وضلال آخرين لصرف هممهم الى خلاف ذلك قُلْ هَلُمَّ اسم فعل اى احضروا شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم ومذهبهم ولا من يشهد بصحة دعواهم كائنا من كان ولذلك قيد الشهداء بالاضافة إليهم وانما أمروا باستحضارهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وانه لا متمسك لهم كمن يقلدهم فَإِنْ شَهِدُوا بعد ما حضروا بان الله تعالى حرم هذا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ اى فلا تصدقهم فانه كذب محض وبين لهم فساده وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ كعبدة الأوثان والموصول الثاني عطف على الموصول الاول بطريق عطف الصفة على الصفة مع اتخاذ الموصوف فان من يكذب بآياته تعالى لا يؤمن بالآخرة وبالعكس وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ اى يجعلون له عديلا عطف على لا يؤمنون. والمعنى لا تتبع أهواء الذين يجمعون بين تكذيب آيات الله وبين الكفر بالآخرة وبين الإشراك به سبحانه لكن لا على ان يكون مدار النهى المذكور بل على ان أولئك جامعون لها متصفون بكلها واعلم ان الله تعالى أحل الطيبات ورد ما كان اهل الجاهلية يفعلونه من تحريم من عند أنفسهم لان الدين يبتنى على الوحى لا على الهوى وحرم الخبائث كالخمر والميتة والدم والخنزير وغير ذلك اى تناولها وبيعها لان ما يحرم تناوله يحرم بيعه وأكل ثمنه بخلاف ما إذا كان الانتفاع بغير ذلك كشحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فان ذلك ليس بحرام وما حرمه الله تعالى اما ان يكون بلاء ونقمة كما فعل اليهود وجزاء على أنفسهم واما ان يكون رحمة ومنة لعلمه ان فيه ضررا نفسانيا او روحانيا فالنفسانى كضرر السم وأمثاله والروحاني كضرر لحوم السباع والمؤذيات وأمثالها فانه بتعدي أخلاقها تغير الأخلاق الروحانية كما قال ﵇ (الرضاع يغير الطباع) ومن ثم لما دخل الشيخ ابو محمد الجويني بيته ووجد ابنه الامام أبا المعالي يرتضع ثدى غير امه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه وادخل إصبعه فى فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلا يسهل علىّ موته ولا يفسد طبعه بشرب لبن غير امه ثم لما كبر الامام كان إذا حصلت له كبوة فى المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة فعلم ان من ارتضع امرأة فالغالب عليه أخلاقهما من خير وشر وكذا لحوم الحيوانات لها تأثير عظيم وفى الحديث (عليكم بالبان البقر وسمنانها وإياكم ولحومها فان ألبانها وسمنانها دواء وشفاء ولحومها داء) وقد صح ان النبي ﵇ ضحى عن نسائه بالبقر قال الحليمي هذا ليبس الحجاز ويبوسة لحم البقر ورطوبة لبنها وسمنها فكأنه يرى اختصاصه ذلك به وهذا التأويل المستحسن والا فالنبى ﵇ لا يتقرب الى الله تعالى بالداء فهو انما قال ذلك فى البقر لتلك اليبوسة. وجواب آخر انه ﵇ ضحى بالبقر لبيان الجواز او لعدم تيسر غيره كذا فى المقاصد الحسنة. ومن فوائد سمن البقر انه لو شرب منه على الريق خمسين درهما
стр. 1037
ينفع للجنون ويؤثر فى دفعه قال الفقيه ابو الليث يستحب للرجل ان يعرف من الطب مقدار ما يمتنع به عما يضر ببدنه لان العلم علمان علم الأبدان ثم علم الأديان وأجاز عامة العلماء التداوى بالمحرمات عند الضرورة كاساغة اللقمة بالخمر إذا غص وفى الأشباه الطعام إذا تغير واشتد تغيره تنجس وحرم واللبن والزيت والسمن إذا نتن لا يحرم أكله والدجاجة إذا ذبحت ونتف ريشها واغليت فى الماء قبل شق بطنها صار الماء نجسا وصارت نجسة بحيث لا طريق لا كلها الا ان تحمل الهرة إليها لا ان تحمل الى الهرة فعلى العاقل ان يحترز عن الحرام وعما يضر بالبدن ومن المضر الامتلاء كما قال ﵇ (رأس الداء الامتلاء ورأس الدواء الاحتماء)
آن حكيمى كه در حكمت سفت ... كل قليلا تعش كثيرا كفت
: قال السعدي قدس سره
ندارند تن پروران آگهى ... كه پر معده باشد ز حكمت تهى
ومن الله التوفيق قُلْ يا محمد لكفار مكة تَعالَوْا امر من تعالى والأصل فيه ان يقوله من فى مكان عال لمن هو أسفل منه ثم اتسع فيه بالتعميم فتكلم به كل من تطلب ان يتقدم ويقبل اليه شخص سواء كان الطالب فى علو او سفل او غيرهما أَتْلُ جواب الأمر اى اقرأ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ اى الذي حرمه ربكم اى الآيات المشتملة عليه عَلَيْكُمْ متعلق بحرم ان مفسرة لا ناهية تُشْرِكُوا بِهِ تعالى شَيْئاً من الأشياء فتقدير الكلام ذلك التحريم هو قوله لا تشركوا به شيأ اعلم ان هذه الآيات الثلاث الى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تشتمل على عشر خصال جامعة للخير كله لم ينسخهنّ شىء من جميع الكتب فهن محرمات على بنى آدم كلهم لم يختلفن باختلاف الأمم والاعصار من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار. اولاهن قوله أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً قدم الشرك لانه رأس المحرمات ولا يقبل الله تعالى معه شيأ من الطاعات وهو ينقسم الى جلى وخفى فالجلى عبادة الأصنام والخفي رؤية الأغيار مع الله الواحد القهار
تا دم وحدت زدى حافظ شوريده حال ... خامه توحيد كش برورق اين وآن
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً اى وأحسنوا بهما إحسانا اى لا تسيئوا إليهما لان المحرم هو الاساءة والأمر بالشيء مستلزم للنهى عن ضده وكذا معنى أوفوا لا تنجسوا وانما وضع الأمر موضع النهى للمبالغة فى إيجاب مراعاة حقوقهما فان مجرد ترك الاساءة غير كاف فى قضاء حقوقهما وهذا هو الأمر الثاني من الاحكام العشرة وانما ذكر بعد تحريم الشرك تحريم العقوق لان الوالدين سببان قريبان لوجوده كما ان الله تعالى موجوده فالتقاعد عن أداء حقوقهما عقوق فهو اكبر الكبائر بعد الشرك قال بعض الأولياء كنت فى تيه بنى إسرائيل فاذا رجل يماشينى فتعجبت منه وألهمت انه الخضر فقلت له بحق الحق من أنت قال انا أخوك الخضر قلت بأى وسيلة رأيتك قال ببرك أمك
جنت كه سراى مادرانست ... زير قدمات مادرانست
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ اى لا تدفنوا بناتكم حية مِنْ إِمْلاقٍ من أجل فقر. والاملاق
стр. 1038
نفاد الزاد والنفقة يقال املق الرجل إذا نفد زاده ونفقته من الملق وهو بذل المجهود فى طلب المراد نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ لا أنتم فلا تخافوا الفقر بناء على عجزكم عن تحصيل الرزق.
وهذا هو الحكم الثالث من الاحكام العشرة وانما حرم قتل الأولاد لما فيه من هدم بنيان الله وملعون من هدم بنيانه وفيه ابطال ثمرة شجرته ومحصوده وقطع نسله وترك التوكل فى امر الرزق يؤدى الى تكذيب الله تعالى لانه قال وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
ما آبروى فقر وقناعت نمى بريم ... با پادشه بكوى كه روزى مقدرست
وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ اى الزنى وجيئ بصيغة الجمع قصدا الى النهى عن أنواعها ولذلك أبدل منها بدل اشتمال قوله ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ اى ما يفعل منها علانية فى الحوانيت كما هو دأب ارذالهم وما يفعل سرا باتخاذ الأخدان كما هو عادة اشرافهم. وهذا هو الحكم الرابع منها وتوجبه النهى الى قربانها للمبالغة فى النهى عنها ويدخل فى ذلك ما يبعده من الجنة ويدنيه من النار وهو ما ظهر وما يبعده من الحق ويحجبه عنه وان لم يحجبه عن الجنة ولم يبعده منها وهو ما بطن وايضا ما ظهر منها بالفعل وما بطن بالنية ومن الزنى زنى النظر
اين نظر از دور چون تير است وسم ... عشقت افزون ميشود صبر تو كم
وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان الشيطان من الرجل فى ثلاثة منازل فى عينيه وفى قلبه وفى ذكره وهو من المرأة فى ثلاثة منازل فى عينيها وفى قلبها وفى عجزها وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ اى حرم قتلها بان عصمها بالإسلام او بالعهد فيخرج منها الحربي إِلَّا بِالْحَقِّ استثناء مفرغ من أعم الأحوال اى لا تقتلوها فى حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق الذي هو امر الشرع بقتلها وذلك بالكفر بعد الايمان والزنى بعد الإحصان وقتل النفس المعصومة. وهذا هو الحكم الخامس وفى القتل ترك تعظيم امر الحق وترك الشفقة على الخلق وهما ملاك الدين والاشارة ان القتل الحق هو القتل فى طلب الحق والمقتول فى سبيل الله هو حى عند ربه وعن ابى سعيد الخراز كنت بمكة فجزت يوما بباب بنى شيبة فرأيت شابا حسن الوجه ميتا فنظرت فى وجهه فتبسم فى وجهى وقال لى يا أبا سعيد أما علمت ان الأحباب احياء وان ماتوا وانما ينقلون من دار الى دار
مشو بمرك ز امداد اهل دل نوميد ... كه خواب مردم آگاه عين بيداريست
ذلِكُمْ اشارة الى ما ذكر من التكاليف الخمسة وَصَّاكُمْ بِهِ اى أمركم ربكم بحفظه امرا مؤكدا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ اى تستعملون عقولكم التي تعقل نفوسكم وتحبسها عن مباشرة القبائح المذكورة وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ
اى لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه واليتيم من الإنسان من لا اب له ومن الحيوان من لا أم له والخطاب للاولياء والأوصياء إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
الا بالخصلة التي هى احسن ما يفعل بما له كحفظه وتثميره حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
غاية لما يفهم من الاستثناء لا للنهى كأنه قيل احفظوه حتى يصير بالغا رشيدا فحينئذ سلموه اليه وجعل ابو حنيفة غاية الأشد خمسا وعشرين سنة فاذا بلغها دفع اليه ماله ما لم يكن معتوها قال الجوهري حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ
اى قوته وهو ما بين ثمانى عشرة الى ثلاثين وهو واحد جاء على
стр. 1039
بناء الجمع مثل آنك وهو الأسرب ولا نظير لهما وكان سيبويه يقول واحدته شدة. وهذا هو الحكم السادس وانما وصى الله تعالى بحفظ مال اليتيم لانه عاجز فتولى الله امره وامر بالشفقة والنظر فى حقه
ألا تا نكريد كه عرش عظيم ... بلرزد همى چون بگريد يتيم
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ
فى المكيلات اى أتموه ولا تنقصوا منه شيأ وَالْمِيزانَ
فى الموزونات وهو بالفارسي [ترازو] بِالْقِسْطِ
حال من فاعل أوفوا اى اوفوهما مقسطين اى ملتبسين بالقسط وهو العدل فان قيل إيفاء الكيل والميزان هو عين القسط فما فائدة التكرير قلنا ان الله تعالى امر المعطى بايفاء ذى الحق حقه من غير نقصان وامر صاحب الحق بأخذه من غير طلب زيادة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
الا ما يسعها ولا يعسر عليها. وذكره عقيب الأمر للايذان بان مراعاة العدل عسير فعليكم بما فى وسعكم وما وراءه معفو عنكم فاذا اجتهد الإنسان فى الكيل والوزن ووقعت فيه زيادة يسيرة او نقصان يسير لم يؤاخذه به إذا اجتهد جهده وان
أعيد الكيل على ذلك فزاد او نقص لم يثبت التراجع إذا كان ذلك القدر من التفاوت مما يقع بين الكيلين. واما التقصير القصدى فليس بمعفو وينبغى الاحتياط بقدر الإمكان- روى- عن بعضهم انه قال لبعض الناس وهو فى النزع وكان يعامل الناس بالميزان قل لا اله الا الله فقال ما اقدر أقولها لسان الميزان على لسانى يمنعنى من النطق بها قال فقلت له أما كنت توفى الوزن قال بلى ولكن ربما كان يقع فى الميزان شىء من الغبار لا أشعر به وعن مالك بن دينار انه دخل على جار له احتضر فقال يا مالك جبلان من النار بين يدى أكلف الصعود عليهما قال مالك فسألت اهله فقالوا كان له مكيالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فدعوت بهما فضربت أحدهما بالآخر حتى كسرتهما ثم سألت الرجل فقال ما يزداد الأمر إلا شدة. وهذا هو الحكم السابع والاشارة أوفوا بكيل العمر وميزان الشرع حقوق الربوبية واستوفوا بكيل الاجتهاد وميزان الاقتصاد حظوظ العبودية من الالوهية لا نكلف نفسا فى إيفاء الحقوق واستيفاء الحظوظ الا بحسب استعدادها هر كس بقدر بال و پر خويش مى پرد وَإِذا قُلْتُمْ
قولا فى حكومة او شهادة او نحوهما فَاعْدِلُوا
فيه وَلَوْ كانَ
المقول له او عليه ذا قُرْبى
اى ذا قرابة منكم ولا تميلوا نحوهم أصلا لان مداد الأمر اتباع الحق المشروع وطلب مرضاة الله تعالى فلا فرق بين ذى قرابة واجنبى. وهذا هو الحكم الثامن وحقيقة العدل فى الكلام ان يذكر الله ولا يذكر معه غيره وان يتكلم لله وفى الله وبالله وهذا لا يتيسر الا لارباب التحقيق فان كلام غيرهم مشوب بالغرض والدعوى
بانك هدهد كر بياموزد فتى ... راز هدهد كو و پيغام سبا
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا
اى ما عهد إليكم أي عهد كان من ملازمة العدل وتأدية احكام الشرع وغيرهما فهو مضاف الى الفاعل او ما عاهدتم الله عليه من الايمان والنذور فهو مضاف الى المفعول ويحتمل ان يراد به العهد بين الانسانين ويكون إضافته الى الله تعالى من حيث
стр. 1040
انه امر بحفظه والوفاء به
وفاء عهد نكو باشد ار بياموزى ... وكرنه هر كه تو بينى ستمكرى داند
وهذا هو الحكم التاسع وحقيقة العهد ان لا يعبد الا مولاه ولا يحب الا إياه ولا يرى سواه
از دم صبح ازل تا آخر شام ابد ... دوستى ومهر بر يك عهد ويك ميثاق بود
ذلِكُمْ
اشارة الى ما فصل من التكاليف الاربعة وَصَّاكُمْ بِهِ
أمركم به امرا مؤكدا لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
تتذكرون ما فى تضاعيفه وتعملون بمقتضاه وَأَنَّ بتقدير اللام علة للفعل المؤخر اى ولان هذا اى ما ذكر فى هذه السورة من اثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة صِراطِي اى مسلكى وشريعتى. وسمى الشرع طريقا لانه يؤدى الى الثواب فى الجنة ومعنى إضافته الى ضمير ﵇ انتسابه اليه من حيث السلوك لامن حيث الوضع كما فى صراط الله مُسْتَقِيماً حال مؤكدة اى مستويا قويما فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ اى الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ منصوب بإضمار أن بعد الفاء فى جواب النهى أصله فتتفرق حذفت منه احدى التاءين والباء للتعدية اى فتفرقكم وتزيلكم عَنْ سَبِيلِهِ اى عن دين الله الذي ارتضى وبه اوصى وهو الإسلام. وفيه تنبيه على ان صراطه ﵇ عين سبيله تعالى. وهذا هو العاشر من الخصال
خلاف پيغمبر كسى ره كزيد ... كه هرگز بمنزل نخواهد رسيد
محالست سعدى كه راه صفا ... توان رفت جز در پى مصطفا
ذلِكُمْ اى اتباع سبيله وترك اتباع سائر السبل وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ اتباع سبيل الكفر والضلالة ولما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية خط خطا فقال (هذا سبيل الله) ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال (هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه) واعلم ان الشرع هاهنا هو الصراط المستقيم وهو احدّ من السيف وادقّ من الشعر ولذا لا نزال فى كل ركعة من الصلاة نقول اهدنا الصراط المستقيم ومن زل عن هذا الصراط فى الدنيا زل عن صراط الآخرة ايضا قال ﵇ (الزالون عن الصراط كثير واكثر من يزل عنه النساء) واكثر الرجال فى هذا الزمان فى حكم النساء فى اتباع الشهوات والاخذ بالعادات والدين بدأ غريبا وعاد غريبا فلا يوجد من يستأنس به ويستأهل له الا نادرا قال فى التفسير الفارسي [محققان بر آنند كه صراط متعين نكردد الا ميان بدايتى ونهايتى وعارف داند كه بدايت همه از كيست ونهايت همه يكيست وحضرت شيخ صدر الدين قونوى قدس سره در اعجاز البيان فرموده كه احاطه حق بهمه اشيا ثابت است والله بكل شىء محيط وآن احاطه وجودى است يا علمى باختلاف افعال واقوال متنهاى سر صراط وغايت سر سالك خواهد بو چنانچهـ فرمود صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
هر جا قدمى زديم در كوى تو بود ... هر كوشه كه برفتيم سوى تو بود
كفتيم مكر سوى ديكر راهى هست ... هر راه كه ديديم همه سوى تو بود
стр. 1041
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ عطف على مقدر اى فعلنا تلك التوصية باتباع صراط الله ثم آتينا موسى الكتاب اى التوراة وثم للتراخى فى الاخبار كما فى قولك بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس اعجب تَماماً مصدر من أتم بحذف الزوائد اى إتماما للكرامة والنعمة عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ اى على من احسن القيام به كائنا من كان من الأنبياء والمؤمنين وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وبيانا مفصلا لكل ما يحتاج اليه فى الدين وهذا لا ينافى الاجتهاد فى شريعتهم كما لا ينافى قوله تعالى فى آخر سورة يوسف وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ فى شريعتنا لان التفصيل فى الأصول والاجتهاد فى الفروع وَهُدىً من الضلالة وَرَحْمَةً نجاة من العذاب لمن آمن به وعمل بما فيه لَعَلَّهُمْ اى بنى إسرائيل المدلول عليهم بذكر موسى بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ الباء متعلقة بيؤمنون اى كى يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب وَهذا اى القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ ليس من قبل الرسول كما يزعم المنكرون مُبارَكٌ اى كثير النفع دينا ودنيا قال فى التأويلات النجمية مُبارَكٌ عليك وبركته انه انزل على قلبك بجعل خلقك القرآن ومبارك على أمتك بانه حبل بينهم وبين ربهم ليوصلهم اليه بالاعتصام فَاتَّبِعُوهُ واعملوا بما فيه وَاتَّقُوا مخالفته لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بواسطة اتباعه والعمل بموجبه أَنْ تَقُولُوا على حذف المضاف كما هو رأى البصريين اى أنزلناه كراهة ان تقولوا يا اهل مكة يوم القيامة لم تنزله إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ اى التوراة والإنجيل عَلى طائِفَتَيْنِ كائنتين مِنْ قَبْلِنا وهما اليهود والنصارى ولعل الاختصاص فى انما اشتهار الكتابين يومئذ فيما بين الكتب السماوية وَإِنْ مخففة اى وانه كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ قرآتهم ولم يقل عن دراستهما لان كل طائفة جماعة لَغافِلِينَ لا ندرى ما فى كتابهم إذ لم يكن على لغتنا فلم نقدر على قرآنه أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ كما انزل عليهم لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ الى الحق الذي هو المقصد الأقصى او الى ما فى تضاعيفه من جلائل الاحكام والشرائع ودقائقها لحدة أذهاننا ونقابة افهامنا ولذلك تلقفنا فنونا من العلم كالقصص والاشعار والخطب مع انا أميون فَقَدْ جاءَكُمْ متعلق بمحذوف معلل به اى لا تعتذروا بذلك القول فقد جاءكم بَيِّنَةٌ كائنة مِنْ رَبِّكُمْ اى حجة واضحة وَهُدىً وَرَحْمَةٌ عبر عن القرآن بالبينة إيذانا بكمال تمكنهم من دراسته لانه على لغتهم ثم بالهدى والرحمة فَمَنْ أَظْلَمُ اى لا أحد اظلم مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ اى القرآن وَصَدَفَ عَنْها اى صرف الناس عنها فجمع بين الضلال والإضلال. فى القاموس صدف عنه يصدق اعرض وفلانا صرفه سَنَجْزِي الَّذِينَ بالفارسي [زود باشد كه جزا دهم آنرا كه] يَصْدِفُونَ الناس عَنْ آياتِنا وعيد لهم ببيان جزاء اضلالهم بحيث يفهم منه جزاء ضلالتهم ايضا سُوءَ الْعَذابِ اى شدته بِما كانُوا يَصْدِفُونَ اى بسبب ما كانوا يفعلون الصدف والصرف على التجدد ولاستمرار فعلى العاقل ان يعمل بالقرآن ويرغب غيره بقدر الإمكان لانه يكون شريكه فى الثواب الفائض من الله الوهاب والمعرض عن القرآن الذي هو غذاء الأرواح كالمعرض عن شراب السكر الذي هو غذاء الأشباح. وله ظاهر فسره العلماء وباطن حققه اهل التحقيق وكل
стр. 1042
قد علم مشربه وفى الحديث (انزل القرآن على سبعة أحرف) اى على سبع لغات وهى لغات العرب المشهورين بالفصاحة من قريش وهذيل وهوازن واليمن وطى وثقيف تسهيلا وتيسيرا ليقرأ كل طائفة بما يوافق لغتهم بشرط السماع من النبي ﵇ إذ لو كلفوا القراءة بحرف واحد لشق عليهم إذ الفطام عن المألوف شاق او على سبع قراءات وهى التي استفاضت عن النبي ﵇ وضبطتها الامة واضافت كل حرف منها الى من كان اكثر فراءة به من الصحابة ثم أضيفت كل قراءة منها الى من اختارها من القراء السبعة وهم نافع وابن كثير وابو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويقال ان جاحد القراآت السبع كافر وجاحد الباقي آثم مبتدع ولما تنزل القرآن العظيم من عالم الحقيقة كتب فى جميع الألواح وفى لوح هذا التعين حتى فى لوح وجودك وأودع القابلية فى كل منها لقرآته ومعرفته والمقصود الأصلي هو العمل به والتخلق بأخلاقه دون تصحيح المخرج ورعاية ظاهر النظم فقط: ونعم قول من قال
نقد عمرش ز فكرت معوج ... خرج شد در رعايت مخرج
صرف كردش همه حيات سره ... در قراءات سبعه وعشره
قال الحافظ
عشقت رسد بفرياد كر خود بسان حافظ ... قرآن زبر بخوانى در چازده روايت
وفى الحديث (لو كان القرآن فى إهاب ما مسته النار) قال القاضي البيضاوي اى لوصور القرآن وجعل فى إهاب والقى فى النار ما مسته ولا أحرقته ببركة القرآن فكيف بالمؤمن الحامل له المواظب على تلاوته وعن على رضى الله عنه من قرأ القرآن وهو قائم فى الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة ومن قرأ على غير وضوء فعشر حسنات- وروى- عن بعض الأخيار من اهل التلاوة للقرآن الكريم انه لما حضرته الوفاة كان كلما قالوا قل لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ قال بسم الله الرحمن الرحيم:
طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى الى قوله اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فلم يزل يعيدها كلما أعادوا عليه حتى مات على هذه الآية الكريمة فظهر ان الموت على ما عاش عليه الشخص وكان حرفة رجل بيع الحشيش وهو غافل عن الله فلما حضرته الوفاة كان كلما قيل له لا اله الا الله قال حزمة بفلس نسأل الله تعالى التوفيق للموت على الإسلام هَلْ يَنْظُرُونَ هل استفهامية معناها النفي وينظرون بمعنى ينتظرون فان النظر يستعمل فى معنى الانتظار كأنه قيل انى أقمت على اهل مكة الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا فما ينتظرون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ اى ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ اى امره بالعذاب والانتقام وقال البغوي أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بلا كيف لفضل القضاء بين موقف القيامة انتهى. او المراد بإتيان الرب إتيان كل آية يعنى آيات القيامة والهلاك الكلى بقرينة قوله تعالى أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعنى اشراط الساعة التي هى الدخان ودابة الأرض وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف يجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ﵇ ونار تخرج من عدن وهم ما كانوا منتظرين لاحد هذه الأمور الثلاثة وهى مجيىء الملائكة او مجيىء الرب او مجيىء الآيات القاهرة من الرب لكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظرين شبهوا
стр. 1043
بالمنتظرين يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ ظرف لقوله لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها كالمحتضر فان معاينة اشراط الساعة بمنزلة نفسها ووقوع العيان يمنع قبول الايمان لانه انما يقبل إذا كان بالغيب لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ صفة نفسا اى من قبل إتيان بعض الآيات أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً الآية تقتضى ان لا ينفع الايمان بدون العمل الصالح ومذهب اهل السنة انه نافع حيث ان صاحبه لا يخلد فى النار قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائي الاسكدارى فى الواقعات لاح لى فى توفيق هذه الآية على مذهب اهل السنة وجهان. الاول ان يكون قوله أَوْ كَسَبَتْ معطوفا على آمنت المقدر لا على آمنت المذكور والتقدير لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل سواء آمنت ايمانا مجردا او كسبت فى إيمانها خيرا. والثاني ان يعطف على آمنت المذكور ولكن يعتبر فى اللف مقدر فيكون النشر ايضا على أسلوبه والتقدير لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها خيرا لم تكن آمنت من قبل او كسبت فى إيمانها خيرا قُلِ انْتَظِرُوا ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أي شىء تنتظرون إِنَّا مُنْتَظِرُونَ لذلك وحينئذ لنا الفوز وعليكم الوبال بما حل بكم من سوء العاقبة قال البغوي المراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها وعليه اكثر المفسرين قال الحدادي فى تفسيره قال رسول الله ﷺ (إذا غربت الشمس رفع بها الى السماء السابعة فى سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من اين تطلع أمن مطلعها او من مغربها وكذا القمر فلا تزال كذلك حتى يأتى الله بالوقت الذي وقته لتوبة عباده وتكثر المعاصي فى الأرض ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد وينتشر المنكر فلا ينهى عنه أحد فاذا فعلوا ذلك حبست الشمس تحت العرش فاذا مضى مقدار ليلة سجدت واستأذنت ربها من اين تطلع فلم يجرلها جوابا حتى يوافيها القمر فيسجد معها ويستأذن من اين يطلع فلا يجر له جوابا فيحبسان مقدار ثلاث ليال فلا يعرف مقدار تلك الليلة الا المتهجدون فى الأرض وهم يومئذ عصابة قليلة فى هوان من الناس فينام أحدهم تلك الليلة مثل ما ينام قبلها من الليالى ثم يقوم فيتهجد وزده فلا يصبح فينكر ذلك فيخرج وينظر الى السماء فاذا هو بالليل مكانه والنجوم مستديرة فينكر ذلك ويظن فيه الظنون فيقول أخففت قراءتى أم قصرت صلاتى أم قمت قبل حينى ثم يقوم فيعود الى مصلاه فيصلى نحو صلاته فى الليلة الثانية ثم ينظر فلا يرى الصبح فيشتد به الخوف فيجتمع المتهجدون من كل بلدة فى تلك الليلة فى مساجدهم ويجأرون الى الله بالبكاء والتضرع فيرسل الله جبريل الى الشمس والقمر فيقول لهما ان الله يأمر كما ان ترجعا الى مغربكما فتطلعا منه فانه لا ضوء لكما عندنا ولا نور فيبكيان عند ذلك وجلا من الله بكاء يسمعه اهل السموات السبع واهل سرادقات العرش ثم يبكى من فيهما من الخلائق من خوف الموت والقيامة فبينما المتهجدون يبكون ويتضرعون والغافلون فى
غفلاتهم إذا بالشمس والقمر قد طلعا من المغرب أسودان لاضوء للشمس ولا نور للقمر كصفتهما فى كسوفهما فذلك قوله تعالى وجمع الشمس والقمر فيرتفعان كذلك مثل البعيرين ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقا فيتصارخ اهل الدنيا حينئذ ويبكون فاما الصالحون فينفعهم بكاؤهم ويكتب لهم عبادة واما الفاسقون فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك عليهم حسرة وندامة
стр. 1044
فاذا بلغ الشمس والقمر سرة السماء ومنتصفها جاء جبريل فأخذ بقرونهما فردهما الى المغرب فيغربان فى باب التوبة) فقال عمر رضى الله عنه بابى أنت وأمي يا رسول الله ما باب التوبة فقال (يا عمر خلق الله بابا للتوبة خلف المغرب له مصراعان من ذهب وما بين المصراع الى المصراع أربعون سنة للراكب فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه الى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس من مغربها فاذا غربا فى ذلك الباب رد المصراعان والتأم بينهما فيصير كأن لم يكن بينهما صدع فاذا اغلق باب التوبة لم يقبل للعبد توبة بعد ذلك ولم ينفعه حسنة يعملها إلا من كان قبل ذلك محسنا فانه يجزى كما قبل ذلك اليوم فذلك قوله تعالى يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت فى إيمانها خيرا) وانما لم يقبل الايمان فى ذلك الوقت لانه ليس بايمان اختياري فى الحقيقة وانما هو ايمان لخوف الهلاك قال الله تعالى فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قال السعدي قدس سره
چهـ سود از دزد آنكه توبه كردن ... كه نتواند كمند انداخت بر كاخ
بلند از ميوه كو كوتاه كن دست ... كه اين كوته ندارد دست بر شاخ
وعدم قبول الايمان والتوبة غير مخصوص بمن يشاهد طلوع الشمس من المغرب وهو الأصح والظاهر ان من تولد بعد طلوعها او ولد قبله ولم يكن مميزا بعد ذلك يقبل إيمانه وجعله فى شرح المصابيح أصح قالت عائشة رضى الله عنها إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وحبست الحفظة وشهدت الأجساد بالأعمال قال الامام السيوطي ﵀ يظهر المهدى قبل الدجال بسبع سنين ويخرج الدجال قبل طلوع الشمس بعشر سنين ويقوم المهدى سنة مائتين بعد الالف او اربع ومائتين والله اعلم وقبل ظهور المهدى اشراط اخر من خروج نبى الأصفر وغيرها وفى التأويلات النجمية ان الله تعالى جعل نفس الإنسان وقلبه أرضا صالحا لقبول بذر الايمان وانباته وتربيته كما قال ﵇ (لا اله الا الله ينبت الايمان فى القلب كما ينبت الماء البقلة) فالبذر هو قول المرء اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان وانما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة ولهذا قال ﵇ (الدنيا مزرعة الآخرة) فلا ينفع نفسا فى زمان الآخرة بذر إيمانها لم تكن بذرت من قبل قى زمان الدنيا او كسبت فى إيمانها خيرا من الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمة الطيبة وهى لا اله الا الله وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال انتهى ما فى التأويلات ونسأل الله ان يرزقنا التوفيق لتحقيق التوحيد إِنَّ الَّذِينَ اى اليهود والنصارى فَرَّقُوا دِينَهُمْ اى بدّدوه وبعضوه فتمسك بكل بعض منه فرقة منهم وَكانُوا شِيَعاً جمع شيعة يقال شايعه على الأمر إذا اتبعه اى فرقا تشيع كل فرقة اماما لها قال ﵇ (افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة كلهم فى الهاوية الا واحدة وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة كلهم فى الهاوية الا واحدة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم فى الهاوية الا واحدة) واستثناء الواحدة من فرق كل من اهل الكتابين انما هو بالنظر الى العصر الماضي قبل النسخ
стр. 1045
واما بعده فالكل فى الهاوية لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ لست من البحث عن تفرقهم والتعرض لمن يعاصرك منهم بالمناقشة والمؤاخذة فى شىء إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ تعليل للنفى المذكور اى هو يتولى وحده أولاهم وأخراهم ويدبرهم كيف يشاء حسبما تقتضيه الحكمة ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ اى يوم القيامة بِما كانُوا يَفْعَلُونَ عبر عن إظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة فى انهما سببان للعلم تنبيها على انهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه من سوء عاقبته اى يظهر لهم على رؤوس الاشهاد ويعلمهم اى شىء شنيع كانوا يفعلونه فى الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء واعلم ان كل فعل شنيع وعمل قبيح فى الدنيا يتصور بصورة قبيحة فى الآخرة وهو قد كان بصورة قبيحة فى الدنيا ايضا لكنه برز لفاعله فى صورة مستحسنة امتحانا وابتلاء فصار كالشهد المختلط بالسم نعوذ بالله من سيآت الأعمال حفت الجنة بمكروهاتنا وحفت النيران بشهواتنا يعنى جعلت الجنة محفوفة بالأشياء التي كانت مكروهة لنا وجعلت النار محاطة بالأشياء التي كانت محبوبة لنا يعنى ان نفوسنا تميل إليها وتحب ان تفعلها لكونها على وفق هواها فكما ان فى الآفاق فرقا مختلفة ينفى بعضهم الصانع وبعضهم صفاته وبعضهم يعتقد فى حقه تعالى ما لا يجوز اعتقاده وبعضهم يجرى على ما جرى عليه الأنبياء والأولياء من حسن العقيدة وصالح العمل كذلك فى الأنفس قوى مختلفة لا تتحد فى البنية ولا تجتمع على امر واحد فالطبيعة على التشهي والنفس على الهوى والروح على الإقبال الى المولى والدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان انما يوجد بتوافق الظاهر والباطن فمن فارقه بقلبه وتمسك ببعض شعاره وبظاهره رياء وسمعة فهو من فرق اهل الدعوى من غير المعنى قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى مخاطبا لحضرة الهدائى قدس الله اسرارهما اشكر الله على عدم اقترانك بالملاحدة فان الإلحاد كمرض الجذام بعيد عن الإصلاح قال وأظن انهم لا يخرجون من النار لانهم فى دعوى المقال بدون الحال انتهى. ومن المدعين القلندرية وهم الذين يقصون لحاهم وشعورهم بل يحلقون
قلندرى نه بريشست وموى ويا ابرو ... حساب راه قلندر بدانكه موى بموست
كذشتن از سر مو در قلندرى سهلست ... چوحافظ آنكه ز سر بگذرد قلندر اوست
ومن الفرق المبتدعة الجوالقية وهم الذين يحلقون لحاهم ويلبسون الجوالق والكساء الغليظ وقد نهى النبي ﵇ عن لباس الشهرة سواء كان من جنس الرقيق او الغليظ لانه اشتهار بذلك وامتياز به عن المسلمين وقد قال ﵇ (كن كواحد من الناس) ولا ينفع الجوالق والكساء إذا كان المرء صاحب الرياء: قال السعدي قدس سره
بروى ريا خرقه سهلست دوخت ... كرش با خدا در توانى فروخت
كر آوازه خواهى در إقليم فاش ... برون حله كن كو درون حشو باش
وقال
در غزا كند مرد بايد بود ... بر مخنث سلاح جنك چهـ سود
وكان الشيخ قطب الدين حيدر مجذوبا صاحب حال جدّا حتى حكى انه أخذ حديدا
стр. 1046
حارا من كير حداد صار كقطعة نار وألقاه على عنقه ساعة فلم يحترق فاخذ الحيدرية بذلك ولبسوا الحديد تقليدا ولبس الحديد اكثر اثما من لبس الذهب فعلى العاقل ان يجتنب عن البدعة وأهلها- وروى- ان ابن المبارك رؤى فى المنام فقيل له ما فعل ربك فقال عاتبنى وأوقفني ثلاثين سنة بسبب انى نظرت باللطف يوما الى مبتدع فقال انك لم تعاد عدوى فى الدين فكيف حال القاعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين واعلم ان اهل الهوى والبدعة ليس مخصوصا بالبشر كما قال الأعمش تزوج إلينا جنى فقلت له ما أحب الطعام إليكم فقال الارز فقال فائتنا به فجعلت ارى اللقم ترفع ولا ارى أحدا فقلت هل فيكم من هذه الأهواء التي فينا قال نعم قلت فما الرافضة فيكم قال شرنا والروافض هم الذين رفضوا زيد بن على بن الحسين بن على بن ابى طالب لعدم تبريه من ابى بكر وعمر رضى الله عنهما ولزم هذا اللقب كل من غلا فى مذهبه واستجاز الطعن فى الصحابة وأصله ان زيدا خرج بالكوفة داعيا لنفسه فبايعه جماعة من أهلها وأتاه طائفة من اهل الكوفة وقالوا تبرأ من ابى بكر وعمر نبايعك فابى فقالوا إذا نرفضك فمن ذلك سموا الروافض وقالت طائفة من اهل الكوفة نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما وخرجوا مع زيد فسموا الزيدية وسبب بغضهم للاصحاب انه لما وقعت الهزيمة فى غزوة أحد ونادى الشيطان ان قدمات محمد اعتقده الاصحاب غير على رضى الله عنه حتى وقع النزاع فقال كرم الله وجهه هل أقتلكم لو لم يكن واقعا قالوا نعم فلما ظهر خلافه عفا عنهم فمن ثم أحبوا عليا وتركوا الباقي وابغضوه
چون خدا خواهد كه پرده كس درد ... ميلش اندر طعنه پاكان برد
فعلى العاقل ان يحب الصالحين حبا شديدا كى ينال منهم شفاعة يوم القيامة فويل لمن كان شفعاؤه خصماءه اللهم اعصمنا ولا تزغ قلوبنا واهدنا وسددنا فمنك التوفيق لسلوك طريق التحقيق مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ اى من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين إذ لا حسنة بغير ايمان قال القاضي عياض انعقد الإجماع على ان الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم يكون أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم انتهى نعم إذا اسلموا يثابون على الخيرات المتقدمة لما ورد فى الحديث (حسنات الكفار مقبولة بعد إسلامهم) وفى تفسير الكاشفى [هر كه بيايد در دنيا بنكويى] فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها اى فله عشر حسنات أمثالها فضلا من الله تعالى فالامثال ليس مميزا للعشر بل مميزها هو الحسنات والأمثال صفة لمميزها ولذا لم يذكر التاء للعشر. وقيل انما أنت عشر وان كان مضافا الى ما مفرده مذكر لاضافة الأمثال الى مؤنث هو ضمير الحسنة كقوله تعالى يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ اى بالأعمال السيئة كائنا من كان من العاملين فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها بحكم الوعد واحدة بواحدة فان قيل كفر ساعة يوجب عقاب الابد على نهاية التغليظ فما وجه المماثلة وأجيب بان الكافر على عزم انه لو عاش ابدا لبقى على ذلك الاعتقاد فلما كان العزم مؤبدا عوقب بعقاب الابد بخلاف المسلم المذنب فانه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب فلا جرم كانت عقوبته منقطعة وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بنقص الثواب وزيادة العقاب قال الحدادي
стр. 1047
وانما قال ذلك لان التفضل بالنعم جائز والابتداء بالعقاب لا يجوز انتهى واعلم ان الحسنات العشر اقل ما وعد من الأضعاف: قال السعدي قدس سره
نكوكارى از مردم نيك راى ... يكى را بده مينويسد خداى
تو نيز اى پسر هر كرا يك هنر ... به بينى زده عيبش اندر كذر
وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر فى العدد الخاص كما يقول القائل لئن أسديت الىّ معروفا لا كافئنك بعشر أمثاله وحكمة التضعيف لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء فى طاعته فيدفع إليهم واحدة ويبقى له تسع فمظالم العباد توفى من التضعيفات لامن اصل حسناته لان التضعيف فضل من الله تعالى واصل الحسنة الواحدة عدل منه واحدة بواحدة وفى الحديث (ويل لمن غلب آحاده على أعشاره) اى سيآته على حسناته وفى الحديث (الأعمال ستة موجبتان ومثل بمثل وحسنة بحسنة وحسنة بعشر وحسنة بسبعمائة فاما الموجبتان فهو من مات ولا يشرك بالله شيأ دخل الجنة ومن مات وهو مشرك بالله دخل النار واما مثل بمثل فمن عمل سيئة فجزاء سيئة مثلها واما حسنة بحسنة فمن هم بحسنة حتى تشعر بها نفسه ويعلمها الله من قلبه كتبت له حسنة واما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها واما حسنة بسبعمائة فالنفقة فى سبيل الله)
كنون بر كف دست نه هر چهـ هست ... كه فردا بدندان كزى پشت دست
قال فى اسئلة الحكم اعلم ان الشارع قد يرتب الثواب للعمل لئلا يترك بل يرغب فيه فلا يكون ذلك العمل أفضل من العمل المؤكد عليه الذي لم يترتب عليه ذلك الثواب فمن ذلك قوله ﵇ (من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا فى الجنة من ذهب) مع ان السنة الراتبة لفرض الظهر أفضل من الضحى ومن ذلك قوله ﵇ (من صلى ست ركعات بين المغرب والعشاء كتب الله له عبادة اثنتي عشرة سنة) مع ان سنة المغرب أفضل من ذلك وانما رتب الثواب على ذلك لكثرة الغفلة فيه وأمثال ذلك كثيرة فى الاخبار فلا يفضل على الراتب المؤكد وان لم يعين اجره غير الراتب من النوافل وان رتب اجره وقد اتفق اهل العلم انه لا يبلغ حد الفرض واجب وسنة راتبة او غير راتبة فى الاجر والفضيلة فى عمل او حكم ولا يبلغ مرتبة الراتبة نقل من الاحكام وان لم يتعين قدر أجرها فان السنن شرعت لتتميم نقائض الفرائض والنوافل الغير الراتبة لتتميم نقائص السنن الراتبة فلا ينوب نفل مناب فرض يجب قضاؤه فقضاء فرض لا يسقط بالنوافل كما يزعم بعض العوام يترك الفرائض ويرغب فى النوافل مما ورد كثرة الاجر عليه كالصلاة بعد المغرب يزعم سقوط الفرائض بها وتنوب مناب القضاء وذلك غير مشروع أصلا وترتيب أجور الأعمال والاذكار موقوف على الوحى والإلهام لا قدم فيه لتخمين العقول والاشارة فى الآية ان الله تعالى من كمال إحسانه مع العبد احسن اليه بعشر حسنات قبل ان يعمل العبد حسنة واحدة فقال تعالى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها يعنى قبل ان يجىء بحسنة احسن اليه بعشر حسنات حتى يقدر ان يجيىء بالحسنة وهى حسنة الإيجاد من العدم وحسنة الاستعداد بان خلقه فى احسن تقويم مستعدا للاحسان
стр. 1048
وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل وحسنة إنزال الكتب وحسنة تبيين الحسنات والسيئات وحسنة التوفيق وحسنة الإخلاص فى الإحسان وحسنة قبول الحسنات وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها والسر فيه ان السيئة بذر يزرع فى ارض النفس والنفس خبيثة لانها امارة بالسوء والحسنة بذر يزرع فى ارض القلب والقلب طيب لان بذكر الله تطمئن القلوب وقد قال تعالى وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً واما ما جاء فى القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم انه كما ان للاعداد اربع مراتب آحاد وعشرات ومات وألوف والواحد فى مرتبة الآحاد واحد بعينه وفى مرتبة العشرات عشرة وفى مرتبة المآت مائة وفى مرتبة الألوف الف فكذلك للانسان مراتب اربع النفس والقلب والروح والسر فالعمل الواحد فى مرتبة النفس اى إذا صدر منها يكون واحدا بعينه كما قال وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها إذ هى فى مرتبة الآحاد وفى مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها لانه بمرتبة العشرات وفى مرتبة الروح يكون بمائة لانه بمرتبة المآت وفى مرتبة السر يكون بألف الى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية الى ما لا يتناهى لانه بمنزلة الألوف والله اعلم وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ المعنى ان الله تعالى قد احسن إليهم قبل ان يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة فلا يظلمهم بعد ان أحسنوا بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً كذا فى التأويلات النجمية قُلْ يا محمد لكفار مكة الذين يدعون انهم على الدين الحق وقد فارقوه بالكلية إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي اى أرشدني بالوحى وبما نصب فى الآفاق والأنفس من الآيات التكوينية إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى الحق دِيناً بدل من محل الى صراط والمعنى هدانى صراطا قِيَماً مصدر بمعنى القيام وصف به الدين مبالغة والقياس قوما كعوض فاعل لاعلال فعله كالقيام مِلَّةَ إِبْراهِيمَ عطف بيان لدينا والملة من أمللت الكتاب اى أمليته وما شرعه الله لعباده يسمى ملة من حيث انه يدّون ويملى ويكتب ويتدارس بين من اتبعه من المؤمنين ويسمى دينا باعتبار طاعتهم لمن شرعه وسنه اى جعله لهم سننا وطريقا حَنِيفاً حال من ابراهيم اى مائلا عن الأديان الباطلة ميلا لا رجوع فيه وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اى ما كان ابراهيم منهم فى امر من امور دينهم أصلا وفرعا وانما أضاف هذا الدين الى ابراهيم لان ابراهيم كان معظما فى عيون العرب وفى قلوب اهل سائر الأديان إذ اهل كل دين يزعمون انهم ينتحلون الى دين ابراهيم ﵇ فرد الله تعالى بقوله وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ على الذين يدعون انهم على ملته ﵇ عقدا وعملا من اهل مكة واليهود المشركين بقولهم عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ والنصارى المشركين بقولهم الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ والمشرك فى الحقيقة هو الذي يطلب مع الله تعالى شيأ آخر ومن الله غير الله: قال السعدي قدس سره
خلاف طريقت بود كاوليا ... تمنا كنند از خدا جز خدا
قُلْ أعيد الأمر لما ان المأمور به متعلق بفروع الشرائع وما سبق بأصولها إِنَّ صَلاتِي يعنى الصلوات الخمس المفروضة وَنُسُكِي اى عبادتى كلها. واصل النسك كل ما تقربت به
стр. 1049
الى الله تعالى ومنه قولهم للعابد ناسك. ويقال أراد بالصلاة صلاة العيد وبالنسك الاضحية وعن انس رضى الله عنه عن رسول الله انه قرب كبشا أملح اقرن فقال (لا اله الا الله والله اكبر ان صلاتى ونسكى) الى قوله تعالى وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ثم ذبح فقال (شعره وصوفه فداء لشعرى من النار وجلده فداء لجلدى من النار ودمه فداء لدمى من النار ولحمه فداء للحمى من النار وعظمه فداء لعظمى من النار وعروقه فداء لعروقى من النار) فقالوا يا رسول الله هنيئا مريئا هذا لك خاصة قال (لا بل لامتى عامة الى ان تقوم الساعة أخبرني به جبريل ﵇ عن ربى وَمَحْيايَ وَمَماتِي اى وما انا عليه فى حياتى وأكون عليه عند موتى من الايمان والطاعة فالتقدير ذا محياى وذا مماتى فجعل ما يأتى به فى حياته وعند موته ذا حياته وذا موته كقولك ذا انائك تريد الطعام فاضافته بأدنى ملابسة لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ اى خالصة له تعالى لا أشرك فيها غيره وَبِذلِكَ الإخلاص أُمِرْتُ لا بشىء غيره وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ لان اسلام كل نبى متقدم على اسلام أمته. وفيه بيان مسارعته ﵇ الى الامتثال بما امر به وان ما امر به ليس من خصائصه ﵇ بل الكل مأمورون به يقتدى به ﵇ من اسلم منهم والاشارة إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي اى سيرى على منهاج الصلاة هو معراجى الى الله تعالى وذبيحة نفسى وَمَحْيايَ حياة قلبى وروحى وَمَماتِي اى موت نفسى لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لطلب الحق والوصول اليه لا شَرِيكَ لَهُ فى الطلب من مطلوب سواه وَبِذلِكَ أُمِرْتُ اى ليس هذا الطلب والقصد الى الله من نظرى وعقلى وطبعى انما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ اوحى الى وقال وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا وقال قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ يعنى أول من استسلم عند الإيجاد لامركن وعند قبول فيض المحبة لقوله يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ والاستسلام للمحبة فى قوله يحبونه دل عليه قوله ﵇ (أول ما خلق الله نورى) كذا فى التأويلات النجمية وفى الآية حث على التوحيد والإخلاص وعلامتهما التبري من كل شىء سواه تعالى ظاهرا وباطنا ولو من نفسه والتحقق بحقائق المحبة الذاتية وعن مالك بن دينار قال خرجت حاجا الى بيت الله الحرام وإذا شاب يمشى فى الطريق بلا زاد ولا راحلة فسلمت عليه فرد على السلام فقلت ايها الشاب من اين قال من عنده قلت والى اين قال اليه قلت واين الزاد قال عليه قلت ان الطريق لا يقطع الا بالماء والزاد وهل معك شىء قال نعم قد تزودت عند خروجى بخمسة أحرف قلت وما هذه الخمسة الا حرف قال قوله تعالى كهيعص قلت وما معنى كهيعص قال اما قوله كاف فهو الكافي. واما الهاء فهو الهادي. واما الياء فهو المؤدى. واما العين فهو العالم. واما الصاد فهو الصادق ومن كان صاحبه كافيا وهاديا ومؤديا وعالما وصادقا لا يضيع ولا يخشى ولا يحتاج الى حمل الزاد والماء قال مالك فلما سمعت هذا الكلام نزعت قميصى على ان ألبسه إياه فابى ان يقبله وقال ايها الشيخ العرى خير من قميص دار الفناء حلالها حساب وحرامها عقاب وكان إذا جن الليل يرفع وجهه نحو السماء ويقول يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصي هب لى ما يسرك واغفر لي ما لا يضرك فلما احرم الناس ولبوا
стр. 1050
قلت لم لا تلى فقال يا شيخ أخشى ان أقول لبيك فيقول لا لبيك ولا سعديك لا اسمع كلامك ولا انظر إليك ثم مضى فما رأيته الا بمنى وهو يقول اللهم ان الناس ذبحوا وتقربوا إليك بضحاياهم وهداياهم وليس لى شىء أتقرب به إليك سوى نفسى فتقبلها منى ثم شهق شهقة فخر ميتا وإذا قائل يقول هذا حبيب الله هذا قتيل الله قتل بسيف الله فجهرته وواريته وبت تلك الليلة متفكرا فى امره ونمت فرأيته فى منامى فقلت ما فعل الله بك قال فعل بي كما فعل بشهداء بدر قتلوا بسيف الكفار وانا قتلت بسيف الجبار
جان كه نه قربانىء جانان بود ... جيفه تن بهتر از آنان بود
هر كه نشد كشته شمشير دوست ... لاشه مردار به از جان اوست
نسأل الله الكريم ان يجعلنا على الصراط المستقيم قُلْ يا محمد لمن يقول من الكفار ارجع الى ديننا أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي اطلب حال كونه رَبًّا آخر فاشركه فى عبادته وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ اى والحال ان ما سواه مربوب له مثلى فكيف يتصور ان يكون شريكا له فى العبودية وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها كانوا يقولون للمسلمين اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم اما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم واما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا فهذا رد له بالمعنى الاول اى لا تكون جناية نفس من النفوس الا عليها ومحال ان يكون صدورها عن شخص وقرارها على شخص آخر حتى يتأتى ما ذكرتم وقوله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى رد له بالمعنى الثاني اى لا تحمل يومئذ نفس حاملة حمل نفس اخرى حتى يصح قولكم ولنحمل خطاياكم. والوزر فى اللغة هو الثقل ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ اى الى مالك أمركم رجوعكم يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ يومئذ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ اى يبين الرشد من الغىّ ويميز المحق من المبطل وفى الآية امور الاول ان غاية المبتغى ونهاية المرام هو الله الملك العلام فمن وجده فقد وجد الكل ومن فقده فقد فقد الكل والعاقل العاشق لا يطلب غير الله لانه الحبيب والمحب لا يتسلى بغير المحبوب: قال الحافظ
درد مرا طبيب نداند دوا كه من ... بي دوست خسته خاطر وبا درد خوشترم
والثاني ان كل ما تكسب النفس من خير او شر فهو عليها اما الشر فهى مأخوذة به واما الخير فمطلوب منها صحة القصد والخلو من الرياء والعجب والافتخار به: قال السعدي قدس سره
چهـ قدر آورد بنده بدرديس ... كه زير قبا دارد أندام پيس
والنفس امارة بالسوء فلا تكسب الاسوأ والسوء عليها لالها وهذا دأب النفس ما وكلت الى نفسها الا ان رحمها ربها كما قال إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ولهذا كان من دعائه ﵇ (رب لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك) وهى اى النفس مأمورة بالسير الى الله بقدم العبودية والأعمال الصالحة قال الشيخ ابو عبد الله محمد بن الفضل العجب ممن يقطع الاودية والمفاوز والقفار ليصل الى بيته وحرمه لان فيه آثار أنبيائه كيف لا يقطع بالله نفسه وهواه حتى يصل الى قلبه فان فيه آثار مولاه والثالث ان كل نفس مؤاخذ بذنبه لا بذنب غيره
стр. 1051
فان قلت قوله ﵇ (من كانت عنده مظلمة لاخيه من عرض او شىء فليستحلل منه اليوم قبل ان لا يكون دينار ولا درهم الا ان كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن له حسنات أخذ من سيآت صاحبه فحمل عليه) يدل على خلاف ذلك وكيف يجوز فى حكم الله وعدله ان يضع سيآت من اكتسبها على من لم يكتسبها وتؤخذ حسنات من عملها فتعطى من لم يعملها فالجواب على ما قال الامام القرطبي فى تذكرته ان هذا لمصلحة وحكمة لا نطلع عليها والله تعالى لم يبن امور الدين على عقول العباد ولو كان كل ما لا تدركه العقول مردودا لكان اكثر الشرائع مستحيلا على موضوع عقول العباد انتهى يقول الفقيران الذنب ذنبان ذنب لازم وذنب متعد. فالذنب اللازم كشرب الخمر مثلا يؤخذ به صاحبه دون غيره فهذا الذنب له جهة واحدة فقط. والذنب المتعدى كقتل النفس مثلا فهذا وان كان يؤخذ به صاحبه ايضا لكن له جهتان جهة التجاوز عن حد الشرع وجهة وقوع الجناية على العبد فحمل سيآته وطرح حسناته عليه حمل سيآت نفسه فى الحقيقة وما طرح حسنات غيره فى نفس الأمر ولا ظلمه أصلا فالآية والحديث متحدان فى المآل والله اعلم بحقيقة الحال والرابع كما ان الاختلاف واقع بين اهل الكفر والايمان كذلك بين اهل الإخلاص والرياء والشرع وان كان محكا يميز بين المحقق والمبطل الا ان انكشاف حقيقة الحال وظهور باطن الأقوال والافعال انما يكون يوم تبلى السرائر وتبدى الضمائر: وفى المثنوى
چون كند جان باز كونه پوستين ... جند واويلا بر آيد ز اهل دين
بردكان هر زرنما خندان شده است ... زانكه سنك امتحان پنهان شده است
قلب پهلو مى زند بازر بشب ... انتظار روز مى دارد ذهب
باز زبان حال زر كويد كه باش ... اى مزور تا بر آيد روز فاش
وفى الحديث (يخرج فى آخر الزمان أقوام يجتلبون الدنيا بالدين) يعنى يأخذونها ويلبسون لباس جلود الضأن من اللين (ألسنتهم احلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب فيقول الله تعالى ابى تقترفون أم على تجترئون فبى حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيران) فعلى المؤمن ان يصحح الظاهر والباطن ويرفع الاختلاف فان الحق واحد فماذا بعد الحق الا الضلال. واما اختلاف الائمة فرحمة لعامة الناس وليس ذلك من قبيل الاختلاف بحسب المراء والجدال بل بحسب اختلاف الاشخاص والأحوال فالحق أحق ان يتبع عصمنا الله وإياكم من الاختلاف المفسد للدين والجدل المزيل لاصل اليقين وجعلنا من اهل التوفيق للصواب انه الكريم المفيض الوهاب وَهُوَ اى الله تعالى الَّذِي جَعَلَكُمْ ايها الناس خَلائِفَ الْأَرْضِ من بعد نبى الجان او خلائف الأمم السابقة الشرية او خلفاء الله فى ارضه تتصرفون فيها. والخلائف جمع الخليفة كالوصائف جمع الوصيفة وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفته لانه يخلفه قال فى التأويلات النجمية هو جعل كل واحد من بنى آدم آدم وقته وخليفة ربه فى الأرض وسر الخلافة انه صوره على صورة صفات نفسه حيا قيوما سميعا بصيرا عالما قادرا متكلما مريدا
آدمي چيست برزخ جامع ... صورت خلق وحق در واقع
стр. 1052
متصل با دقائق جبروت ... مشتمل بر حقائق ملكوت
وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فى الشرف والغنى فَوْقَ بَعْضٍ الى دَرَجاتٍ كثيرة متفاوتة لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ من المال والجاه اى ليعاملكم معاملة من يبتليكم ويمتحنكم لينظر ماذا تعملون من الشكر وضده- حكى- ان جنيدا كان يلعب مع الصبيان فى صباوته فمر به السرى السقطي فقال ما تقول فى حق الشكر يا غلام قال الشكر ان لا تستعين بنعمه على معاصيه إِنَّ رَبَّكَ يا محمد سَرِيعُ الْعِقابِ اى عقابه سريع الإتيان لمن لم يراع حقوق ما آتاه الله ولم يشكره وانما قال سريع العقاب مع انه موصوف بالحلم والامهال لان كل ما هو آت قريب: قال الحافظ
بمهلتى كه سپهرت دهد ز راه مرو ... ترا كه كفت كه اين زال ترك دستان كرد
وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن راعاها كما ينبغى وفى الحديث (يؤتى بالرجل يوم القيامة وقد جمع مالا من حرام وأنفقه فى حرام فيقال اذهبوا به الى النار ويؤتى بالرجل قد جمع مالا من حلال وأنفقه فى حلال فيقال له قف لعلك فرطت فى هذا فى شىء مما فرض عليك من صلاة لم تصلها لوقتها او فرطت فى ركوعها وسجودها ووضوئها فيقول لا يا رب كسبت من حلال وأنفقت فى حلال ولم أضيع شيأ مما فرضت فيقال لعلك اختلت فى هذا المال فى شىء من مركب او ثوب باهيت به فقال لا يا رب لم اختل ولم أباه فى شىء فيقال لعلك منعت حق أحد امرتك ان تعظيه من ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فيقول لا يا رب كسبت من حلال وأنفقت فى حلال ولم أضيع شيأ مما فرضت علىّ ولم اختل ولم أباه ولم أضيع حق أحد أمرتني ان أعطيه قال فجيىء باولئك فيخاصمونه فيقولون يا رب أعطيته وجعلته بين أظهرنا وأمرته ان يعطينا فانه أعطانا وما ضيع شيأ من الفرائض ولم يختل فى شىء فيقال قف الآن هات شكر نعمة أنعمتها عليك فى أكلة او شربة او لذة فلا يزال يسأل) واعلم ان الله تعالى كما اعطى المال والجاه ليتميز من هو على الشكر ومن هو على الكفران كذلك اعطى الحال اى استعداد الخلافة ليظهر من المتخلق بأخلاق الله القائم باوامره فى العباد والبلاد ومن الذي رجع القهقرى الى صفات البهائم والانعام فمن أضاع صفات الحق بتبديلها بصفات الحيوانات عوقب بالختم على قلبه وسمعه وبصره فهو لا يرجع الى مكان الغيب الذي خرج منه بل حبس فى أسفل سافلين الطبيعة ومن تاب عن متابعة النفس والهوى ومخالفة الحق والهدى وآمن وعمل عملا صالحا للخلافة فقد اهتدى ولم يرجع القهقرى- حكى- عن ابراهيم بن أدهم انه حج الى بيت الله الحرام فبينما هو فى الطواف إذ بشاب حسن الوجه قد اعجب الناس حسنه وجماله فصار ابراهيم ينظر اليه ويبكى فقال بعض أصحابه انا لله وانا اليه راجعون غفلة دخلت على الشيخ بلا شك ثم
قال يا سيدى ما هذا النظر الذي يخالطه البكاء فقال له ابراهيم يا أخي انى عقدت مع الله تعالى عقدا لا اقدر على فسخه والا كنت ادنى هذا الفتى واسلم عليه فانه ولدي وقرة عينى تركته صغيرا وخرجت فارا الى الله تعالى وها هو قد كبر كما ترى وانى لاستحيى من الله سبحانه ان أعود لشىء خرجت عنه قال ثم قال لى امض وسلم عليه لعلى اتسلى بسلامك عليه وأبرد نارا على كبدى قال فاتيت الفتى فقلت له بارك الله لأبيك فيك فقال يا عم واين ابى ان ابى
стр. 1053
خرج فارا الى الله تعالى ليتنى أراه ولو مرة واحدة وتخرج نفسى عند ذلك هيهات وخنقته العبرة وقال والله اودّ انى رأيته وأموت فى مكانى قال ثم رجعت الى ابراهيم وهو ساجد فى المقام وقد بل الحصى بدموعه وهو يتضرع الى الله تعالى ويقول
هجرت الخلق طرا فى هواك ... وأيتمت العيال لكى أراك
فلو قطعتنى فى الحب اربا ... لما سكن الفؤاد الى سواك
قال فقلت له ادع له فقال حجبه الله عن معاصيه وأعانه على ما يرضيه انتهى فانظر الى حال من ترك السلطنة واختار الفقر والقناعة وأنت تؤثر الغنى والمقال على الفقر والحال وفى الحديث (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) اى قدر ما يمسك الرمق وقيل القوت هو الكفاية من غير إسراف وفيه بيان ان الكفاف أفضل من الغنى لان النبي ﵇ انما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال: قال الحافظ
درين بازار كر سوديست يا درويش خرسندست ... الهى منعمم كردان بدرويشى وخرسندى
جعلنا الله وإياكم من المقتفين لآثار سنة سيد المرسلين وحقق آمالنا من الوصول الى مقام التوكل واليقين انه لا يخيب رجاء سائله وداعيه ولا يقطع اجر عبده فى كل مساعيه تمت سورة الانعام بمعونة الملك العلام فى سلخ جمادى الاولى المنتظم فى سلك شهور سنة الف ومائة ويتلوها سورة الأعراف
تفسير سورة الأعراف
وهى مكية الا ثمانى آيات من قوله وَسْئَلْهُمْ الى وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ محكم كلها وقيل الى قوله وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ وآيها مائتان وخمس وقفنا الله لختمها تقريرا وتحريرا آمين يا معين بسم الله الرحمن الرحيم
المص (ا) اشارة الى الذات الاحدية (ل) الى الذات مع صفة العلم (م) الى معنى محمد ﷺ اى نفسه وحقيقته (ص) الى الصورة المحمدية وهى جسده وظاهره وعن ابن عباس رضى الله عنهما (ص) جبل بمكة كان عليه عرش الرحمن حين لا ليل ولا نهار أشار بالجبل الى جسد محمد ﷺ . وبعرش الرحمن الى قلبه كما ورد فى الحديث (قلب المؤمن عرش الله) . وقوله حين لا ليل ولانهار اشارة الى الوحدة لان القلب إذا وقع فى ظل ارض النفس واحتجب بظلمة صفاتها كان فى الليل وإذا طلع عليه نور شمس الروح واستضاء بضوئه كان فى النهار وإذا وصل الى الوحدة الحقيقية بالمعرفة والشهور الذاتي واستوى عنده النور والظلمة لفناء الكل فيه كان وقته لا ليل ولا نهار ولا يكون عرش الرحمن الا فى هذا الوقت. فمعنى الآية ان وجود الكل من اوله الى آخره كتاب انزل إليك علمه كذا فى التأويلات القاشانية وقال الشيخ نجم الدين انه تعالى بعد ذكر ذاته وصفاته بقوله بسم الله الرحمن الرحيم عرف نفسه بقوله المص يعنى الله اله من لطفه فرد عبده للمحبة والمعرفة وأنعم عليه بالصبر والصدق لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة كتاب انزل إليك انتهى وقال فى تفسير الفارسي [المص: نام قرآنست. يا اسم اين سوره.
стр. 1054
يا هر حرفى اشارتست باسمي از أسماى الهى چون اله ولطيف وملك وصبور. يا هر حرفى كنايتست از صفتى چون إكرام ولطف ومجد وصدق. يا ايمايست باسم المصور. يا بعض حروف دلالت بر اسما دارد بعض بر افعال وتقدير چنان بود كه انا الله اعلم وأفضل منم خداى كه ميدانم وبيان ميكنم يا از همه داناترم وحق از باطل جدا ميكردانم در حقايق سلمى كويد كه. الف ازلست. ولام ابد. وميم ما بين ازل وابد. وصاد اشارتست باتصال هر متصلى وانفصال هر منفصلى وفى الحقيقة نه اتصال را مجال كنجايش ونه انفصال را محل نمايش]
اين چهـ راهست اين برون از فصل ووصل ... كاندرونى فرع مى كنجد نه اصل
نى معانى نى عبارت نى عيان ... نى حقائق نى اشارت نى بيان
بر ترست از مدركات عقل ووهم ... لا جرم كم كشت در وى فكر وفهم
چون بكلى روى كفت وكوى نيست ... هيچكس را جز خموشى روى نيست
يقول الفقير غفر الله ذنوبه ان الحروف المقطعة من المتشابهات القرآنية التي غاب علمها عن العقول وانما اعطى فهمها لاهل الوصول وكل ما قيل فيها فهو من لوازم معانيها وحقائقها فلنا ان نقول ان فيها اشارة الى ان هذا التركيب الصفاتى والفعلى الواحدي الابدى كان افرادا فى مرتبة الوحدة الذاتية الازلية فبالتجلى الإلهي صار المفرد مركبا والمقطع موصلا والقوة فعلا والجمع فرقا وتعين النسب والإضافات كما ان اصل المركبات الكلامية هو حروف التهجي ثم بالتركيب يحصل اب ثم ابجد ثم الحمد لله وكما ان اصل الإنسان بالنسبة الى تعين الجسم هو النطفة ثم بالتصوير يحصل التركيب الجسمى والله اعلم كِتابٌ اى هذا كتاب أُنْزِلَ إِلَيْكَ اى من جهته تعالى فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ اى شك ما فى حقيقته كما فى قوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ خلا انه عبر عنه بما يلازمه من الحرج فان الشاك يعتريه ضيق الصدر كما ان المتيقن يعتريه انشراحه خاطب به النبي ﵇ والمراد الامة اى لا ترتابوا ولا تشكوا. قوله منه متعلق بحرج يقال حرج منه اى ضاق به صدره ويجوز ان يكون الحرج على حقيقته اى لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة ان يكذبوك فانه ﵇ كان يخاف تكذيب قومه له واعراضهم عنه فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له فامنه الله تعالى ونهاه عن المبالاة بهم لِتُنْذِرَ بِهِ اى بالكتاب المنزل متعلق بانزل وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ اى ولتذكر المؤمنين تذكيرا اتَّبِعُوا ايها المكلفون ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى القرآن وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ اى من دون ربكم الذي انزل إليكم ما يهديكم الى الحق وهو حال من الفاعل اى لا تتبعوا متجاوزين الله تعالى أَوْلِياءَ من الجن والانس بإطاعتهم فى معصية الله قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ بحذف احدى التاءين وما مزيد لتأكيد العلة اى تذكرا قليلا او زمانا قليلا تذكرون لا كثيرا حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون دين الله تعالى وتتبعون غيره ثم شرع فى التهديد ان لم يتعظوا بما جرى على الأمم الماضية بسبب إصرارهم على اتباع دين أوليائهم فقال وَكَمْ للتكثير مبتدأ والخبر هو جملة ما بعدها مِنْ قَرْيَةٍ تمييز أَهْلَكْناها الضمير راجع الى معنى كم اى كثير من القرى أردنا
стр. 1055
اهلاكها او كثيرا منها على ان يكون كم فى موضع نصب باهلكناها كما فى قوله تعالى إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ فَجاءَها اى فجاء أهلها بَأْسُنا اى عذابنا بَياتاً مصدر بمعنى الفاعل واقع موقع الحال اى بائتين كقوم لوط قال الحدادي سمى الليل بياتا لانه يبات فيه والبيتوتة خلاف الظلول وهو ان يدركك الليل نمت او لم تنم وهى بالفارسية [شب كذاشتن] أَوْ هُمْ قائِلُونَ عطف على بياتا اى قائلين من القيلولة نصف النهار كقوم شعيب اهلكهم الله فى نصف النهار وفى حر شديد وهم قائلون قال فى التفسير الفارسي [تخصيص اين دو وقت بجهت آنست كه زمان آسايش واستراحتند وتصور وتوقع عذاب در ان نيست پس بليه غير منتظر صعبتر وسخت تر است چنانچهـ نعمت غير مترقب خوبتر ولذيذترست] فَما كانَ دَعْواهُمْ اى دعاؤهم وتضرعهم إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا وعاينوا اماراته إِلَّا أَنْ قالُوا جميعا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ اى الا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وشهادتهم ببطلانه تحسرا عليه وندامة وطمعا فى الخلاص وهيهات لانه لا تنفع التوبة وقت نزول العذاب إذ هو وارتفاع التكليف مقارنان وقوم يونس مستثنى من هذا كما يجىء: وفى المثنوى
همچوآن مرد مفلسف روز مرك ... عقل را مى ديد بس بي بال وبرك
بي غرض مى كرد آندم اعتراف ... كز ذكاوت رانده ايم اسب از كزاف
از غرورى سر كشيديم از رجال ... آشنا كرديم در بحر خيال
آشنا هيچست اندر بحر روح ... نيست آنجا چاره جز كشتى نوح
اينچنين فرموده آن شاه رسل ... كه منم كشتى درين درياى كل
با كسى كو در بصيرتهاى من ... شد خليفه راستين بر جاى من
كشتىء نوحيم در دريا كه تا ... رو نكردانى ز كشتى اى فتى
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ الفاء لترتيب الأحوال الاخروية على الدنيوية اى لنسألن الأمم قاطبة يوم الحشر قائلين ماذا أجبتم المرسلين وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عما أجيبوه او المراد بالسؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم والذي نفى بقوله تعالى وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ سؤال الاستعلام او الاول فى موقف الحساب والثاني فى موقف العقاب وفى التفسير الكبير انهم لا يسألون عن الأعمال ولكن يسألون عن الدواعي التي دعتهم الى الأعمال وعن الصوارف التي صرفتهم عنها فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ اى على الرسل حين يقولون لا علم لنا انك أنت علام الغيوب بِعِلْمٍ اى عالمين بظواهرهم وبواطنهم وَما كُنَّا غائِبِينَ عنهم فى حال من الأحوال فيخفى علينا شىء من أعمالهم وأحوالهم واعلم ان الرسل يقولون يوم الحشر اللهم سلم سلم ويخافون أشد الخوف على أممهم ويخافون على أنفسهم والمطهرون المحفوظون الذين ما تدنست بواطنهم بالشبه المضلة ولا ظواهرهم ايضا بالمخالفات الشرعية آمنون يغبطهم النبيون فى الذي هم عليه من الامن لما هم اى النبيون عليه من الخوف على أممهم فمن لقى الله تعالى فى ذلك اليوم شاهدا له بالإخلاص مقرا بنبيه ﷺ بريئا من الشرك ومن السحر بريئا من اهراق دماء المسلمين ناصحا لله تعالى ولرسوله محبا لمن أطاع الله ورسوله مبغضا لمن عصى الله
следующие страницы →