هو المؤثر فى تعاقبهما لا الشمس او فى اختلافهما ازديادا وانتقاصا أَفَلا تَعْقِلُونَ اى اى أتفعلون عن تلك الآيات فلا تعقلون بالنظر والتأمل ان الكل منا وان قدرتنا تعم الممكنات وان البعث من جملتها بَلْ قالُوا عطف على مضمر يقتضيه المقام اى لم يعقلوا بل قالوا اى كفار مكة مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ اى كما قال من قبلهم من الكفار ثم فسر هذا القبول المبهم بقوله قالُوا أَإِذا مِتْنا [آيا چون بميريم] وَكُنَّا تُراباً [وباشيم خاك] وَعِظاماً [واستخوانى خاكى كهنه] أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [آيا ما برانگيخته شدكان شويم استفهام بر سبيل انكار است يعنى چون خاك كرديم حشر وبعث چكونه بما راه يابد] استبعدوا ولم يتأملوا انهم كانوا قبل ذلك ايضا ترابا فخلقوا والعامل فى إذا ما دل عليه لمبعوثون وهو نبعث لان ما بعد ان لا يعمل فيما قبلها لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا اى البعث وهو مفعول ثان لوعدنا مِنْ قَبْلُ متعلق بالفعل من حيث اسناده الى آبائهم لا إليهم اى وعد آباؤنا من قبل محمد فلم يروا له حقيقة: يعنى [ما را و پدران ما را بوعده حشر ونشر تخويف كرده اند واين وعده راست نشد] إِنْ هذا ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أكاذيبهم التي سطروها من غير ان يكون لها حقيقة. جمع اسطورة لانه يستعمل فيما يتلهى به كالاعاجيب والاضاحيك وفيه اشارة الى ان الناس كلهم اهل تقليد من المتقدمين والمتأخرين إلا من هداه الله بنور الايمان الى التصديق بالتحقيق فان المتأخرين هاهنا قلدوا آباءهم المتقدمين فى تكذيب الأنبياء والجحود وانكار البعث: قال الجامى قدس سره
خواهى بصوت كعبه تحقيق ره برى ... پى بر پى مقلد كم كرده ره مرو
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها من المخلوقات تغليبا للعقلاء على غيرهم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شيأ ما فاخبرونى به فان ذلك كاف فى الجواب وفيه من المبالغة فى وضوح الأمر فى تجهيلهم ما لا يخفى سَيَقُولُونَ لِلَّهِ لان بديهة العقل تضطرهم الى الاعتراف بانه تعالى خالقها قُلْ عند اعترافهم بذلك تبكيتا لهم أَفَلا تَذَكَّرُونَ اى تقولون ذلك فلا تتذكرون ان من فطر الأرض وما فيها ابتداء قادر على إعادتها ثانيا فان البدء ليس باهون من الاعادة بل الأمر بالعكس فى قياس العقول قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ترقى فى الأمر بالسؤال من الأدنى والأصغر الى الأعلى والأكبر فان السموات والعرش أعظم من الأرض ولا يلزم منه ان يكون من فى السموات أجل ممن فى الأرض حتى تكون الملائكة أفضل من جنس البشر كما لا يخفى سَيَقُولُونَ لِلَّهِ باللام نظرا الى معنى السؤال فان قولك من ربه ولمن هو فى معنى واحد يعنى إذا قلت من رب هذا فمعناه لمن هذا فالجواب لفلان قُلْ توبيخا لهم أَفَلا تَتَّقُونَ اى أتعملون ذلك فلا تتقون عذابه بعد العمل بموجب العلم حيث تكفرون به وتنكرون البعث وتثبتون له شريكا فى الربوبية قدم التذكر على التقوى لانهم بالتذكر يصلون الى المعرفة وبعد ان عرفوه علموا انه يجب عليهم اتقاء مخالفته قُلْ مَنْ بِيَدِهِ اليد فى الأصل اسم موضوع للجارحة من المنكب الى أطراف الأصابع وهو العضو المركب من لحم وعظم وعصب وكل من هذه الثلاثة جسم مخصوص بصفة مخصوصة
стр. 2592
والله تعالى متعال عن الأجسام كلها وعن مشابهتها فلما تعذرت وجب الحمل على التجوز عن معنى معقول هو القدرة وبه نفسر قوله ﵇ (ان الله خمر طينة آدم بيده) اى بقدرته الباهرة فان العضو المركب منها محال على الله ليس كمثله شىء لانه يلزم تركبه وتحيزه وذلك امارة الحدوث المنافى للازلية والقدم وكذلك الإصبعان فى قوله ﵇ (ان قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن) فان اهل الحق على ان الإصبعين وكذا اليدان فى قوله (لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) مجازان عن القدرة فانه شائع اى خلقت بقدرة كاملة ولم يرد بقدرتين مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ مما ذكر ومما يذكر اى ملكه التام فان الملكوت الملك والتاء للمبالغة قال الراغب الملكوت مختص بملك الله تعالى وفى التأويلات النجمية يشير الى ان لكل شىء ملكوتا وهو روحه من عالم الملكوت الذي هو قائم به يسبح الله تعالى به كقوله (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) وروح ذلك بيد الله انتهى يقول الفقير وهو الموافق لما قبل الآية فانه تعالى لما بين انه يهب كل جسم وجرم بين ان بيده روح ذلك الجسم والجرم وَهُوَ يُجِيرُ اى يغيث غيره إذا شاء وَلا يُجارُ عَلَيْهِ اى ولا يغاث أحد عليه اى لا يمنع أحد منه بالنصر عليه وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة وفى التأويلات النجمية وهو يجير الأشياء من الهلاك بالقيومية ولا يجار عليه اى لا مانع له ممن أراد هلاكه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذلك فاجيبونى سَيَقُولُونَ لِلَّهِ اى لله ملكوت كل شىء وهو الذي يجير ولا يجار عليه قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ اى فمن اين تخدعون وتصرفون عن الرشد مع علمكم به مع ما أنتم عليه من الغى فان من لا يكون مسحورا مختلا عقله لا يكون كذلك والخادع هو الشيطان والهوى
اى كه پى نفس وهوى ميروى ... ره اينست خطا ميروى «١»
راه روان ز ان ره ديكر روند ... پس تو بدين راه چرا ميروى
منزل مقصود از ان جا نبست ... پس تو ازين سو بكجا ميروى
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ من التوحيد والوعد بالبعث وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما قالوا من الشرك وانكار البعث بين انهم أصروا على جحودهم وأقاموا على عتوهم ونبوهم بعد ان ازيحت العلل فلات حين عذر وليس المساهلة موجب بقاء وقد انتقم الله منهم فانه يمهل ولا يمهل قال سقراط اهل الدنيا كسطور فى صحيفة كلما نشر بعضها طوى بعضها وعن ابن عباس رضى الله عنهما الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضى ستة آلاف سنة وليأتين عليها مئون من سنين ليس عليها موحدين يعنى عند آخر الزمان فكل من السعيد والشقي لا يبقى على وجه الدهر فيموت ثم يبعث فيجازى: وفى المثنوى
خاك را ونطفه را ومضغه را ... پيش چشم ما همى دارد خدا
كز كجا آوردمت اى بد نيت ... كه از ان آيد همى خفريقيت
نو بدان عاشق بدى در دور آن ... منكر اين فضل بودى آن زمان
اين كرم چون دفع آن انكار تست ... كه ميان خاك ميكردى نخست
حجت انكار شد انشار تو ... از دوا بهتر شد اين بيمار تو
стр. 2593
خاك را تصوير اين كار از كجا ... نطفه را خصمى وانكار از كجا
چون دران دم بي دل وبي سر بدى ... فكرت وانكار را منكر بدى
از جمادى چونكه انكارت برست ... هم ازين انكار حشرت شد درست
پس مثال تو چوآن حلقه زنيست ... كز درونش خواجه كويد خواجه نيست
حلقه زن زين نيست دريابد كه هست ... پس ز حلقه برندارد هيچ دست
پس هم انكارت مبين ميكند ... كز جماداو حشر صد فن ميكند
چند صنعت رفت از انكار تا ... آب وگل انكار زاد از هل اتى
آب وكل ميكفت خود انكار نيست ... بانك ميزد بيخبر كاخبار نيست
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ كما يقول النصارى والقائلون ان الملائكة بنات الله لانه لم يجانس أحدا ولم يماثله حتى يكون من جنسه وشبهه صاحبة فيتوالدا وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ يشاركه فى الالوهية كما يقول عبدة الأصنام وغيرهم والآية حجة على من يقول خالق النور غير خالق الظلمة إِذاً [آن هنكام] وهو يدخل على جواب وجزاء وهو لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ ولم يتقدمه شرط لكن قوله وما كان معه من اله يدل على شرط محذوف تقديره ولو كان معه آلهة لانفرد كل اله بما خلقه واستبدّ به دون الإله الآخر وامتاز ملكه عن ملك الآخر: وبالفارسية [ببرد خداى آنرا كه آفريده بود ودر آن مستقل ومستبد باشد پس مخلوقات اين خداى از مخلوق ديكر ومشاهده ميرود كه ميان هيچ مخلوقات علامت تميز نيست پس ثابت شد كه با او هيچ خداى نيست وحده لا شريك له وفى التأويلات النجمية يشير الى ان اتخاذ الولد لا يصح كاتخاذ الشريك والأمران جميعا داخلان فى حد الاستحالة لان الولد والشريك يوجب المساواة فى القدر والصمدية تتقدس عن جواز ان يكون له مثل او جنس ولو تصورنا جوازه إذا لذهب كل اله بما خلق فكل امر نيط باثنين فقد انتفى عن النظام وصحة الترتيب
بر وحدتش صحيفه لا ريب حجتست ... اينك نوشته از شهد الله بر ان كواه
وَلَعَلا لغلب بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ كما هو الجاري فيما بين ملوك الدنيا فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شىء وهو باطل لا يقول به عاقل قط قال الكاشفى [اگر باو خدايى بودى و چنانچهـ كفته شد مخلوق خود را خدا كردى وملك آواز ملك اين ممتاز شدى هر آيينه طرح نزاع وحرب ميان ايشان پديد آمدى چنانچهـ از حال ملوك دنيا معلومست وبإجماع واستقرا معلوم شد كه اين تجارب وتنازع واقع نيست پس او را شريك نبود] قال فى الاسئلة المقحمة (وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ) اى لغلب منهما القوى على الضعيف وهو دليل على انه لو كان إلهان لوقع التمانع بينهما بالعلم والقدرة فانه إذا أراد أحدهما احياء زيد والآخر إفناءه استوت قدرتهما بمنع كل واحد منهما فعل صاحبه ومهما ارتفع مراد أحدهما غلب صاحبه بالقدرة ونظيره حبل يتجاذبه اثنان فاذا استويا فى القدرة بقيا متجاذبين فان غلب أحدهما بالجذب لم يبق لفعل الآخر اثر فهو معنى الآية سُبْحانَ اللَّهِ نزهوه تنزيها وقال
стр. 2594
الكاشفى [پاكست خداى تعالى] وفى بحر العلوم تنزيه او تعجيب عَمَّا يَصِفُونَ اى يصفونه ويضيفونه اليه من الأولاد والشركاء عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بالجر على انه بدل من الجلالة اى عالم السر والعلانية: وبالفارسية [پوشيده وآشكار] وفى التأويلات النجمية عالم الملك والملكوت والأرواح والأجساد انتهى ثم ان الغيب بالنسبة إلينا لا بالنسبة اليه تعالى فهو عالم به وبالشهادة على سواء وهو دليل آخر على انتفاء الشريك بناء على توافقهم فى تفرده تعالى بذلك ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى فَتَعالى الله وتنزه عَمَّا يُشْرِكُونَ به مما لا يعلم شيأ من الغيب ولا يتكامل عليه بالشهادة فان تفرده بذلك موجب لتعاليه عن ان يكون له شريك قال الراغب شرك الإنسان فى الدين ضربان أحدهما الشرك العظيم وهو اثبات شريك لله تعالى يقال أشرك فلان بالله وذلك أعظم كفر والثاني الشرك الصغير وهو مراعاة غير الله معه فى بعض الأمور وذلك كالرياء والنفاق وفى الحديث (والشرك فى هذه الامة أخفى من دبيب النمل على الصفا)
مرايى هر كسى معبود سازد ... مرايى را از ان كفتند مشرك
قال الشيخ سعدى قدس سره
منه آب زر جان من بر پشيز ... كه صراف دانا نكيرد بچيز
قال يحيى بن معاذ ان للتوحيد نورا وللشرك نارا وان نور التوحيد احرق سيآت الموحدين كما ان نار الشرك أحرقت حسنات المشركين- روى- ان قائلا قال يا رسول الله فبم النجاة غدا قال (ان لا تخادع الله) قال وكيف نخادع الله قال (ان لا تعمل بما أمرك الله وتريد به غير وجه الله) .
ز عمرو اى پسر چشم اجرت مدار ... چودر خانه زيد باشى بكار
والعمدة فى هذا الباب التوحيد فانه كما يتخلص من الشرك الأكبر الجلى بالتوحيد كذلك يتخلص من الشرك الأصغر به فينبغى ان يشتغل به ويجتهد قدر الاستطاعة لينال على درجات اهل الايمان والتوحيد من الصديقين ولكن برعاية الشريعة النبوية والاجتناب عن الصفات الذميمة للنفس حتى يتخلق بأخلاق الله نسأل الله سبحانه ان يجعلنا من المنقطعين عما سواه والعاملين بالله لله فى الله قُلْ رَبِّ [اى پروردگار من] إِمَّا أصله ان ما وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط كالنون فى قوله تُرِيَنِّي اى ان كان لا بد من ان ترينى: وبالفارسية [اگر نمايى مرا] ما يُوعَدُونَ اى المشركون من العذاب الدنيوي المستأصل والوعد يكون فى الخير والشر يقال وعدته بنفع وضر رَبِّ يا رب فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ اى قرينا لهم فى العذاب وأخرجني من بين أيديهم سالما والمراد بالظلم الشرك وفيه إيذان بكمال فظاعة ما وعدوه من العذاب وكونه بحيث يجب ان يستعيذ منه من لا يكاد يمكن ان يحيق به ورد لانكارهم إياه واستعجالهم به على طريقة الاستهزاء وهذا يدل على ان البلاء ربما يعم اهل الولاء وان للحق ان يفعل ما يريد ولو عذب البر لم يكن ذلك منه ظلما ولا قبيحا وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ من العذاب لَقادِرُونَ
стр. 2595
ولكنا نؤخره لعلمنا بان بعضهم او بعض أعقابهم سيؤمنون أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم ادْفَعْ بِالَّتِي بالطريقة التي هِيَ أَحْسَنُ اى احسن طرق الدفع من الحلم والصفح السَّيِّئَةَ التي تأتيك منهم من الأذى والمكروه وهو مفعول ادفع والسيئة الفعلة القبيحة وهو ضد الحسنة قال بعضهم استعمل معهم ما جعلناك عليه من الأخلاق الكريمة والشفقة والرحمة فانك أعظم خطرا من ان يؤثر فيك ما يظهرونه من انواع المخالفات وفى التأويلات النجمية يعنى مكافأة السيئة جائزة لكن العفو عنها احسن ويقال ادفع بالوفاء الجفاء ويقال الأحسن ما أشار اليه القلب بالمعافاة والسيئة ما تدعو اليه النفس للمكافأة ويقال [دفع كن ظلمت خلائق را بنور حقائق يا خظوظ خود را بحقوق خدا طى كن تيه حوادث را بقدم سلوك در طريق معرفت
چوطى كشت تيه حوادث از آنجا ... بملك قدم ران بيك حمله محمل
در ان قلزم نور شو غوطه زن ... فرو شوى از خويشتن ظلمت ظل
يكى خوان يكى دان يكى كويكى جو ... سوى الله والله زور است وباطل
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ بما يصفونك به على خلاف ما أنت عليه كالسحر والشعر والجنون والوصف ذكر الشيء بحليته ونعته قد يكون حقا وقد يكون باطلا وفيه وعيد لهم بالجزاء والعقوبة وتسلية لرسول الله وارشاد له الى تفويض امره اليه تعالى وَقُلْ رَبِّ يا رب أَعُوذُ بِكَ العوذ الالتجاء الى الغير والتعلق به مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ اى وساوسهم المغوية على خلاف ما أمرت به من المحاسن التي من حملتها دفع السيئة بالحسنة واصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض اى معلم الدواب ونحو الهمز الاز فى قوله تؤزهم أزا قال الراغب الهمز كالعصر يقال همزت الشيء فى كفى ومنه الهمز فى الحروف انتهى شبه حثهم للناس على المعاصي بهمز الرائض الدواب على الاسراع أو الوثب والجمع للمرات او لتنوع الوساوس او لتعدد المضاف اليه وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ أصله يحضروننى فحذفت احدى النونين ثم حذفت ياء المتكلم اكتفاء بالكسرة اى من ان يحضرونى ويحوموا حولى فى حال من الأحوال صلاة او تلاوة او عند الموت او غير ذلك قال الحسن كان ﵇ يقول عند استفتاح الصلاة (لا اله الا الله ثلاثا الله اكبر ثلاثا اللهم انى أعوذ بك من همزات الشياطين من همزها ونفثها ونفخها وأعوذ بك رب ان يحضرون) يعنى بالهمز الجنون وبالنفث الشعر وبالنفخ الكبر- روى- انه اشتكى بعضهم ارقا فقال ﵇ إذا أردت النوم فقل (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وان يحضرون) وكلمات الله كتبه المنزلة على أنبيائه او صفات الله كالعزة والقدرة وصفها بالتمام لعرائها عن النقص والانقصام قال بعضهم هذا مقام من بقي له التفات الى غير الله فاما من توغل فى بحر التوحيد بحيث لا يرى فى الوجود الا الله لم يستعذ الا بالله ولم يلتجئ الا الى الله والنبي ﵇ لما ترقى عن هذا المقام قال (أعوذ بك منك) وكان ﵇ إذا دخل الخلاء قال (اللهم انى أعوذ بك من الخبث والخبائث) اى من ذكور الجن وإناثهم مما اتصف بالخباثة وأجمعت الامة على عصمة النبي ﵇ فان قرينه من الجن قد اسلم
стр. 2596
او انه قد نزع منه مغمز الشيطان فالمراد من الاستعاذة تحذير غيره من شر الشيطان ثم ان الشيطان يوسوس فى صدور الناس فيغوى كل أحد من الرجال والنساء ويوقع الأشرار فى البدع والأهواء وفى الحديث (صنفان من اهل النار لم أرهما) يعنى فى عصره ﵇ لطهارة ذلك الصر بل حدثا بعده (قوم معهم سياط) يعنى أحدهما قوم فى أيديهم سياط جمع سوط تسمى تلك السياط فى ديار العرب بالمقارع جمع مقرعة وهى جلدة طرفها مشدود عرضها كعرض الإصبع الوسطى يضربون بها السارقين عراة قيل هم الطوافون على أبواب الظلمة كالكلاب يطردون الناس عنها بالضرب والسباب (كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء) يعنى ثانيهما نساء (كاسيات) يعنى فى الحقيقة (عاريات) يعنى فى المعنى لانهن يلبسن ثيابا رقاقا تصف ما تحتها او معناه عاريات من لباس التقوى وهن اللاتي يلقين ملاحفهن من ورائهن فتنكشف صدورهن كنساء زماننا او معناه كاسيات بنعم الله عاريات عن الشكر يعنى ان نعيم الدنيا لا ينفع فى الآخرة إذا خلا عن العمل الصالح وهذا المعنى غير مختص بالنساء (مميلات) اى قلوب الرجال الى الفساد بهن او مميلات أكتافهن واكفالهن كما تفعل الراقصات او مميلات مقانعهن عن رؤسهن لتظهر وجوههن (مائلات) الى الرجال او معناه متبخترات فى مشيهن (رؤسهن كاسنمة البخت) يعنى يعظمن رؤسهن بالخمر والقلنسوة حتى تشبه اسنمة البخت او معناه ينظرن الى الرجال برفع رؤسهن (المائلة) لان أعلى السنام يميل لكثرة شحمه (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وان ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا) اى من مسيرة أربعين عاما حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ حتى التي يبتدأ بها الكلام دخلت على الجملة الاسمية وهى مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بيصفون اى يستمرون على سوء الذكر حتى إذا جاء أحدهم كافرا اى أحد كان الموت الذي لامر دله وظهرت له احوال الآخرة قالَ تحسرا على ما فرط فيه من الايمان والعمل رَبِّ يا رب ارْجِعُونِ ردنى الى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب لان العرب تخاطب الواحد الجليل الشان بلفظ الجماعة وفيه رد على من يقول الجمع للتعظيم فى غير المتكلم انما ورد فى كلام المولدين ثم انه يقول له الى أي شىء تذهب الى جمع المال او غرس الغراس او بناء البنيان او شق الأنهار فيقول لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ اى فى الايمان الذي تركته اى لعلى اعمل فى الايمان الذي آتى به البتة عملا صالحا فلم ينتظم الايمان فى مسلك الرجاء كسائر الأعمال الصالحة بان يقول لعلى او من فاعمل إلخ للاشعار بانه امر مقرر الوقوع غنى عن الاخبار بوقوعه فضلا عن كونه مرجو الوقوع وقال فى الجلالين (لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً) اى اشهد بالتوحيد (فِيما تَرَكْتُ) حين كنت فى الدنيا انتهى قال بعضهم الخطاب فى ارجعون لملك الموت وأعوانه وذكر الرب للقسم كما فى الكبير واستعان بالله اولا ثم بهم كما فى الاسئلة المقحمة وكما قال الكاشفى [امام ثعلبى با جمعى مفسران برانند كه خطاب با ملك الموت وأعوان اوست أول بكلمه رب استعانة مى نمايند بخداى وبكلمه ارجعون رجوع مى نمايند بملائكة] ويدل عليه قوله ﵇ (إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا أنرجعك الى الدنيا فيقول الى دار الهموم والأحزان
стр. 2597
بل قدوما الى الله تعالى واما الكافر فيقول ارجعون) وقيل أريد بقوله فيما تركت فيما قصرت فتدخل فيه العبادات البدنية والمالية والحقوق قال فى الكبير وهو اقرب كأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه يقول الفقير فالمراد بالعمل الصالح هو العمل المبنى على الايمان لانه وان كان عمل عملا فى صورة الصالح لكنه كان فاسدا فى الحقيقة حيث احبطه الكفر فلما شاهد بطلانه رجا أن يرجع الى الدنيا فيؤمن ويعمل عملا صالحا صورة وحقيقة وقال القرطبي سؤال الرجعة غير مختص بالكافر اى بل يعم المؤمن المقصر قال فى حقائق البقلى بين الله سبحانه ان من كان ساقطا عن مراتب الطاعات لم يصل الى الدرجات ومن كان محروما من المراقبات فى البدايات كان محجوبا عن المشاهدات والمعاينات فى النهايات وان اهل الدعاوى المزخرفات والترهات تمنوا فى وقت النزع ان لم تمض عليهم أوقاتهم بالغفلة عن الطاعات ولم يشتغلوا بالدعاوى المخالفات والمحالات فاقبل على طاعة مولاك واجتنب الدعاوى واطلاق القول فى الأحوال فان ذلك فتنة عظيمة هلك فى ذلك طائفة من المريدين وما فزع أحد الى تصحيح المعاملات الا اداه بركة ذلك الى قرب الرب ومقام الامن ولا ترك أحد هذه الطريقة الا تعطل وفسد ووقع فى الخوف العظيم وتمنى حين لا ينفع التمني: قال الحافظ
كارى كنيم ور نه خجالت برآورد ... روزى كه رخت جان بجهان دكر كشيم
وقال الخجندي
علم وتقوى سر بسر دعويست ومعنى ديكرست ... مرد معنى ديكر وميدان دعوى ديكرست
كَلَّا ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها اى لا يرد الى الدنيا ابدا إِنَّها اى قولة رب ارجعون كَلِمَةٌ الكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضه مع بعض هُوَ اى ذلك الأحد قائِلُها عند الموت لا محالة لتسلط الحزن عليه ولا يجاب لها وَمِنْ وَرائِهِمْ فعال ولامه همزة عند سيبويه وابى على الفارسي وياء عند العامة وهو من ظروف المكان بمعنى خلف وامام اى من الاضداد. والمعنى امام ذلك الأحد والجمع باعتبار المعنى لانه فى حكم كلهم كما ان الافراد فى قال وما يليه باعتبار اللفظ بَرْزَخٌ حائل بينهم وبين الرجعة وهو القبر وفى التأويلات النجمية وهو ما بين الموت الى البعث اى بين الدنيا والآخرة وهو غير البرزخ الذي بين عالم الأرواح المثالي وبين هذه النشأة العنصرية إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يوم القيامة وهو اقناط كلى من الرجعة الى الدنيا لما علم ان لا رجعة يوم البعث الى الدنيا واما الرجعة حينئذ فالى الحياة الاخروية فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ لقيام الساعة وهى النفخة الثانية التي عندها البعث والنشور والنفخ نفخ الريح فى الشيء والصور مثل قرن ينفخ فيه فيجعل الله ذلك سببا لعود الأرواح الى أجسادها فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ تنفعهم لزوال التراحم والتعاطف من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وامه وأبيه وصاحبته وبنيه اولا انساب يفتخرون بها والنسب القرابة بين اثنين فصاعدا اى اشتراك من جهة أحد الأبوين وذلك ضربان نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والأبناء ونسب بالعرض كالنسب بين الاخوة وبنى الأعمام يَوْمَئِذٍ كما بينهم اليوم وَلا يَتَساءَلُونَ اى لا يسأل بعضهم
стр. 2598
بعضا فلا يقول له من أنت ومن أي قبيلة ونسب أنت ونحو ذلك لاشتغال كل منهم بنفسه لشدة الهول فلا يتعارفون ولا يتساءلون كما انه إذا عظم الأمر فى الدنيا لم يتعرف الوالد لولده ولا يناقضه قوله تعالى (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) لان عدم التساؤل عند ابتداء النفخة الثانية قبل المحاسبة والتساؤل بعد ذلك وايضا يوم القيامة يوم طويل فيه خمسون موطنا كل موطن الف سنة ففى موطن يشتد عليهم الهول والفزع بحيث يشغلهم عن التساؤل والتعارف فلا يفطنون لذلك وفى موطن يفيقون افاقة فيتساءلون وتتعارفون وعن الشعبي قالت عائشة رضى الله عنها يا رسول الله اما نتعارف يوم القيامة اسمع الله يقول (فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) فقال ﵇ (ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس حين يرمى الى كل انسان كتابه وعند الموازين وعلى جسر جهنم) قال ابن مسعود رضى الله عنه يؤخذ بيد العبد والامة يوم القيامة فينصب على رؤس الأولين والآخرين ثم ينادى مناد ألا ان هذا فلان ابن فلان فمن كان له عليه حق فليأت الى
حقه فيفرح العبد يومئذ ان يثبت له حق على والده وولده او زوجته وأخيه فلا انساب بينهم يومئذ وعن قتادة لا شىء ابغض الى الإنسان يوم القيامة من ان يرى من يعرفه ان يثبت له عليه شىء ثم تلا (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) الآية قال محمد بن على الترمذي قدس سره الأنساب كلها منقطعة الا من كانت نسبته صحيحة فى عبودية ربه فان تلك نسبة لا تنقطع ابدا وتلك النسبة المفتخر بها لا نسبة الأجناس من الآباء والأمهات والأولاد قال الأصمعي كنت أطوف بالكعبة فى ليلة مقمرة فسمعت صوتا حزينا فتبعت الصوت فاذا انا بشاب حسن ظريف تعلق بأستار الكعبة وهو يقول نامت العيون وغارت النجوم وأنت الملك الحي القيوم وقد غلقت الملوك ابوابها واقامت عليها حرسها وحجابها وبابك مفتوح للسائلين فها انا سائلك ببابك مذنبا فقيرا مسكينا أسيرا جئت انتظر رحمتك يا ارحم الراحمين ثم انشأ يقول
يا من يجيب دعا المضطر فى الظلم ... يا كاشف الضر والبلوى مع القسم
قد نام وفدى حول البيت وانتبهوا ... وأنت يا حى يا قيوم لم تنم
أدعوك ربى ومولاى ومستندى ... فارحم بكائي بحق البيت والحرم
أنت الغفور فجدلى منك مغفرة ... او اعف عنى يا ذا الجود والنعم
ان كان عفوك لا يرجوه ذو جرم ... فمن يجود على العاصين بالكرم
ثم رفع رأسه نحو السماء وهو ينادى يا الهى وسيدى مولاى ان أطعتك فلك المنة على وان عصيتك فبجهلى فلك الحجة علىّ اللهم فباظهار منتك علىّ واثبات حجتك لدىّ ارحمني واغفر ذنوبى ولا تحرمنى رؤية جدى قرة عينى وحبيبك وصفيك ونبيك محمد ﷺ ثم انشأ يقول
ألا ايها المأمول فى كل شدة ... إليك شكوت الضر فارحم شكايتى
ألا يا رجائى أنت كاشف كربتى ... فهب لى ذنوبى كلها واقض حاجتى
فزادى قليل ما أراه مبلغى ... على الزاد ابكى أم لبعد مسافتى
стр. 2599
أتيت باعمال قباح رديئة ... وما فى الورى خلق جنى كجنايتى
فكان يكرر هذه الأبيات حتى سقط على الأرض مغشيا عليه فدنوت منه فاذا هو زين العابدين على بن الحسين بن على بن ابى طالب فوضعت رأسه فى حجرى وبكيت لبكائه بكاء شديدا شفقة عليه فقطر من دموعى على وجهه فافاق من غشيته وفتح عينه وقال من الذي شغلنى عن ذكر مولاى فقلت انا الأصمعي يا سيدى ما هذا البكاء وما هذا الجزع وأنت من اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أليس الله يقول (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) قال فاستوى جالسا وقال يا أصمعي هيهات ان الله تعالى خلق الجنة لمن أطاعه وان كان عبدا حبشيا وخلق النار لمن عصاه وان كان ملكا قرشيا اما سمت قوله تعالى (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) وفى التأويلات النجمية يشير الى ان نفحة العناية الربوبية إذا نفخت فى صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت أحد الى أحد من أنسابه لا الى اهل ولا الى ولد لاشتغاله بطلب الحق تعالى واستغراقه فى بحر المحبة فلا يسأل بعضهم بعضا عما تركوا من اسباب الدنيا ولا عن احوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم وإذا فارقوها كان لكل امرئ منهم يومئذ شأن فى طلب الحق يغنيه عن مطالبة الغير فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ موزونات حسناته من العقائد والأعمال اى فمن كان له عقائد صحيحة واعمال صالحة يكون لها وزن وقدر عند الله فهو جمع موزون بمعنى العمل الذي له وزن وخطر عند الله وباقى الكلام فى هذا المقام سبق فى تفسير سورة الأعراف فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بكل مطلوب الناجون من كل مهروب ولما كان حرف من يصلح للواحد والجمع وحد على اللفظ وجمع على المعنى وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ اى ومن لم يكن له من العقائد والأعمال ماله وزن وقدر عند الله تعالى وهم الكفار لقوله تعالى (فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً) فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ضيعوها بتضييع زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها والخسر والخسران انتقاص رأس المال كما فى المفردات قال الكاشفى [پس كروه آنند كه زيان كرده اند از نفسهاى يعنى سرمايه عمر بباد غفلت برداند واستعدادات حصول كمال را بطلب آرزوهاى نفس ومتابعت شهوات ضايع ساختند] فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ بدل من صلة او خبر ثان لاولئك قال فى التأويلات النجمية الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف ولاية الدجاجة وخروج الفروخ منها فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعدادها باقيا فاذا تصرف الدجاجة فيها فتغيرت عن حالها الى حال الفروخية ثم انقطع تصرف الدجاجة عنها تفسد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالوا مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة وهذا معنى قوله (فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ) اى فى جهنم أنفسهم فلا يخرجون بالفروخية وليس من سنة الله إصلاح الاستعداد بعد إفساده: قال الجامى
آنرا كه زمين كشد درون چون قارون ... نى موسيش آورد برون هارون
فاسد شده راز روزكار وارون ... لا يمكن ان يصلحه العطارون
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ تحرقها يقال لفحته النار بحرها أحرقته كما فى القاموس واللفح
стр. 2600
كالنفح الا انه أشد تأثيرا كما فى الإرشاد وغيره وتخصيص الوجوه بذلك لانها اشرف الأعضاء وأعظم ما يصان منها فبيان حالها از جر عن المعاصي المؤدية الى النار وهو السر فى تقديمها على الفاعل وَهُمْ فِيها كالِحُونَ من شدة الاحتراق. والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان كما ترى الرؤوس المشوية وعن مالك بن دينار كان سبب توبة عتبة الغلام انه مر فى السوق برأس اخرج من التنور فغشى عليه ثلاثة ايام ولياليهن وفى الحديث (تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخى شفته السفلى حتى تبلغ سرته) انتهى فيقال لهم تعنيفا وتوبيخا وتذكيرا لما به استحقوا ما ابتلوا به من العذاب أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فى الدنيا فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ حينئذ قالُوا يا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا اى ملكتنا شِقْوَتُنا التي اقترفناها بسوء اختيارنا فصارت أحوالنا مؤدية الى سوء العاقبة قال القرطبي واحسن ما قيل فى معناه غلبت علينا لذاتنا واهواؤنا فسمى اللذات والأهواء شقوة لانهما تؤديان إليها قال ابو تراب الشقوة حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق وَكُنَّا بسبب ذلك قَوْماً ضالِّينَ عن الحق ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب وسائر المعاصي رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ متجاوزون الحد فى الظلم لانفسنا قالَ تعالى بطريق القهر اخْسَؤُا فِيها اسكتوا فى النار سكوت هوان فانها ليست مقام سؤال وانزجروا انزجار الكلاب إذا زجرت من خسأت الكلب إذا زجرته مستهينا به فخسأ اى انزجر وَلا تُكَلِّمُونِ اى باستدعاء الإخراج من النار والرجع الى الدنيا فانه لا يكون ابدا إِنَّهُ تعليل لما قبله من الزجر عن الدعاء اى ان الشان كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي وهم المؤمنون يَقُولُونَ فى الدنيا رَبَّنا آمَنَّا صدقنا بك وبجميع ما جاء من عندك فَاغْفِرْ لَنا استر ذنوبنا وَارْحَمْنا وأنعم علينا بنعمك التي من جملتها الفوز بالجنة والنجاة من النار وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ لان رحمتك منبع كل رحمة فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا مهزوا بهم اى اسكتوا عن الدعاء بقولكم ربنا إلخ لانكم كنتم تستهزؤن بالداعين بقولهم ربنا آمنا إلخ وتتشاغلون حَتَّى أَنْسَوْكُمْ اى الاستهزاء بهم فان أنفسهم ليست سبب الانساء ذِكْرِي اى ذكركم إياي والخوف منى والعمل بطاعتي من فرط اشتغالكم باستهزائهم وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ وذلك غاية الاستهزاء وقال مقاتل نزلت فى بلال وعمار وسلمان وصهيب وأمثالهم من فقراء الصحابة كان كفار قريش كابى جهل وعتبة وابى بن خلف واضرابهم يستهزؤن بهم وبإسلامهم ويؤذونهم إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا بسبب صبرهم على اذيتهم والصبر حبس النفس عن الشهوات أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ تأنى مفعولى الجزاء اى جزيتهم فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به وفى التأويلات النجمية وفيه من اللطائف ان اهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله من الله ينتفعون بانكار منكريهم واستخفاف مستهزئيهم وان اهل الشقاوة كما يخسرون بمعاملاتهم الفاسدة مع أنفسهم يخسرون باستهزائهم وانكارهم على الناصحين المرشدين قالَ الله تعالى تذكيرا لما لبثوا فيما سألوا الرجوع اليه من الدنيا بعد التنبيه على استحالته بقوله (اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ)
стр. 2601
كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ التي تدعون ان ترجعوا إليها يقال لبث بالمكان اقام به ملازما له عَدَدَ سِنِينَ تمييز لكم قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ استقصارا لمدة لبثهم فيها بالنسبة الى دخولهم فى النار او لانها كانت ايام السرور وايام السرور قصار أو لأنها منقضية والمنقضى كالمعدوم
هر دم از عمر كرامى هست كنج بى بدل ... ميرود كنجى چنين هر لحظه بر باد آه آه
فَسْئَلِ الْعادِّينَ اى الذين يعلمون عد ايامها ان أردت تحقيقها فانا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها وإحصائها وفى التأويلات النجمية فاسأل العادين يعنى الذين يعدّون أنفاسنا وأيامنا وليالينا من الملائكة الموكلين علينا قالَ الله تعالى إِنْ ما لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا تصديقا لهم فى تقليلهم لسنى لبثهم فى الدنيا وقليلا صفة مصدر محذوف اى لبثا قليلا او زمان محذوف اى زمانا قليلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لعلمتم يومئذ قلة لبثكم فيها كما علمتم اليوم وفى بحر العلوم اى لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول لما أجبتم بهذه المدة فعلى العاقل ان يتدارك حاله ويصلح اعماله قبل ان تنفد الأنفاس وينهدم الأساس: قيل
ألا انما الدنيا كظل سحابة ... أظلتك يوما ثم عنك اضمحلت
فلا تك فرحانا بها حين أقبلت ... ولا تك جزعانا بها حين ولت
قال أردشير بن بابك بن ساسان وهو أول ملك من آل ساسان لا تركنن الى الدنيا فانها لا تبقى على أحد ولا تتركها فان الآخرة لا تنال الا بها قال العلامة الزمخشري استغنم تنفس الاجل وإمكان العمل واقطع ذكر المعاذير والعلل فانك فى أجل محدود وعمر غير ممدود قال الشيخ سعدى قدس سره
كنون وقت تخمست اگر پرورى ... كر اميدوار اى كه خرمن برى
بشهر قيامت مرو تنكدست ... كه وجهى ندارد بغفلت نشست
غنيمت شمر اين كرامى نفس ... كه پى مرغ قيمت ندارد قفس
مكن عمر ضايع بافسوس وحيف ... كه فرصت عزيزست والوقت سيف
قال بعض الكبار لو علمت ان مافات من عمرك لا عوض له لم يصح منك غفلة ولا إهمال ولكنت تأخذ بالعزم والحزم بحيث تبادر الأوقات وتراقب الحالات خوف الفوات عاملا على قول القائل
السباق السباق قولا وفعلا ... حذر النفس حسرة المسبوق
وما حصل من عمرك إذا علمت ان لا قيمة له كنت تستغرق أوقاتك فى شكر الحاصل وتحصيل الواصل فقد قال على رضى الله عنه بقية عمر المرء مالها ثمن يدرك به منها ما فات ويحيى ما مات وفى الحديث (ما من ساعة تأتى على العبد لا يذكر الله فيها الا كانت عليه حسرة يوم القيامة) واعلم ان العباد على قسمين فى أعمارهم فرب عمر اتسعت آماده وقلت إمداده كاعمار بعض بنى إسرائيل إذ كان الواحد منهم يعيش الالف ونحوها ولم يحصل على شى مما يحصل لهذه الامة مع قصر أعمارها ورب عمر قليلة آماده كثيرة إمداده كعمر من فتح عليه من هذه
стр. 2602
الامة فوصل الى عناية الله بلمحة فمن بورك له فى عمره أدرك فى يسير من الزمان ما لا يدخل تحت العبارة فالخذلان كل الخذلان ان تتفرع من الشواغل ثم لا تتوجه اليه بصدق النية حتى يفتح عليك بما لا تصل الهمم اليه وان تقل عوائقك ثم لا ترحل اليه عن عوالم نفسك والاستئناس بيومك وامسك فقد جاء خصلتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراع ومعناه ان الصحيح ينبغى ان يكون مشغولا بدين او دنيا فهو مغبون فيهما أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء للعطف على مقدر. والحسبان بالكسر الظن وعبثا حال من نون العظمة بمعنى عابثين وهو ما ليس لفاعله غرض صحيح او ارتكاب امر غير معلوم الفائدة. والمعنى أغفلتم وظننتم من فرط غفلتكم انا خلقناكم بغير حكمة وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ عطف على انما خلقناكم اى وحسبتم عدم رجوعكم إلينا يعنى ان المصلحة من خلقكم الأمر بالعمل ثم البعث للجزاء ومعنى الرجوع الى الله الرجوع الى حيث لا مالك ولا حاكم سواه قال الترمذي ان الله خلق الخلق ليعبدوه فيثيبهم على العبادة ويعاقبهم على تركها فان عبدوه فانهم عبيد أحرار كرام من رق الدنيا ملوك فى دار السلام وان رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد إباق سقاط لئام وغدا اعداء فى السجون بين أطباق النيران وفى التأويلات النجمية (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) بلا معنى ينفعكم او يضركم حتى عشتم كما يعيش البهائم فما تقربتم إلينا بالأعمال الصالحات للتقرب وحسبتم (أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) باللطف والقهر فالرجوع باللطف بان يموت بالموت الاختياري قبل الموت الاضطراري وهو بان ترجعوا من أسفل سافلين الطبيعة على قدمى الشريعة والطريقة الى أعلى عليين عالم الحقيقة والرجوع بالقهر بان ترجعوا بعد الموت الاضطراري فتقادون الى النار بسلاسل تعلقاتكم بشهوات الدنيا وزينتها وأغلال صفاتكم الذميمة وعن بهلول قال كنت يوما فى بعض شوارع البصرة فاذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز وإذا أنا بصبى ينظر إليهم ويبكى فقلت هذا صبى يتحسر على ما فى أيدي الصبيان ولا شىء معه فيلعب به فقلت اى بنى ما يبكيك اشترى لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان فرفع بصره الىّ وقال يا قليل العقل ما للعب خلقنا فقلت اى بنى فلماذا خلقنا فقال للعلم والعبادة فقلت من اين لك ذلك بارك الله فيك قال من قول الله تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) قلت له اى بنى أراك حكيما فعظنى وأوجز فانشأ يقول
ارى الدنيا تجهز بانطلاق ... مشمرة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحى ... ولا حى على الدنيا بباق
كأن الموت والحدثان فيها ... الى نفس الفتى فرسا سباق
فيا مغرور بالدنيا رويدا ... ومنها خذ لنفسك بالوثاق
ثم رمق السماء بعينيه وأشار إليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه وهو يقول
يا من اليه المبتهل ... يا من عليه المتكل
يا من إذا ما آمل ... يرجوه لم يخط الأمل
قال فلما أتم كلامه خر مغشيا عليه فرفعت رأسه الى حجرى ونفضت التراب عن وجهه بكمى فلما أفاق قلت له اى بنى ما نزل بك وأنت صبى صغير لم يكتب عليك ذنب قال إليك عنى
стр. 2603
يا بهلول انى رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تقد الا بالصغار وانى أخشى ان أكون من صغار حطب جهنم قال فسألت عنه فقالوا ذاك من أولاد الحسين بن على بن ابى طالب رضى الله عنهم قلت قد عجبت من ان تكون هذه الثمرة الا من تلك الشجرة نفعنا الله به وبآبائه قال الشيخ ابو بكر الواسطي [روزى اين آيت مى خواند فرمود كه نى نى خلق بعبث نيافريد بلكه خواست كه هستىء وى آشكارا شود واز مصنوعات وى بصفات كماليه او راه برند. وكفته اند شما را ببازى نيافريده ايم بلكه براى ظهور نور محمد ﵇ آفريده ايم چودر ازل مقرر شده بود كه آن كوهر تابان از صدق جنس انس بيرون آيد پس او اصلست وشما همه فرع اوييد
هفت ونه و چار كه پرداختند ... خاص پى موكب او ساختند
اوست شه وآدميان جمله خيل ... اصل وى وجمله عالم طفيل
در بحر الحقائق كفته كه شما را براى آن آفريدم تا بر من سود كنيد نه بجهت آنكه من بر شما سود كنم كما قال تعالى (خلقت الخلق ليربحوا علىّ لا لأربح عليهم) وكويند ملائكه را آفريد تا منظر قدرت باشند وآدميان را خلق كرد تا مخزن جوهر محبت باشند. در بعضى كتب سماوى هست كه اى فرزند آدم همه اشيا براى شما آفريدم وشما را براى خود سر (كنت كنزا مخفيا) اينجا ظهور تمام دارد] كما أشار اليه المولوى قدس الله سره فى المثنوى
اى ظهور تو بكلى نور نور ... كنج مخفى از تو آمد در ظهور «١»
كنج مخفى بود ز پر چاك كرد ... خاك را تابان تر از أفلاك كرد «٢»
كنج مخفى بد ز پرى چوش كرد ... خاك را سلطان باطلس پوش كرد
خويش را نشناخت مسكين آدمي ... از فزونى آمد وشد در كمى «٣»
خويشتن را آدمي ارزان فروخت ... بود اطلس خويش را بر دلق دوخت
اى غلامت عقل تدبيرات هوش ... چون چنينى خويش را ارزان فروش «٤»
فَتَعالَى اللَّهُ ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين فى ذاته وصفاته وأفعاله وعن خلو أفعاله عن الحكم والمصالح والغايات الجليلة الْمَلِكُ الْحَقُّ الذي يحق له الملك على الإطلاق إيجادا واعداما بدأ وإعادة واحياء واماتة وعقابا واثابة وكل ما سواه مملوك له مقهور تحت ملكه العظيم قال الامام الغزالي ﵀ الملك هو الذي يستغنى فى ذاته وصفاته وأفعاله عن كل موجود ويحتاج اليه كل موجود وفى المفردات الحق موجد الشيء بسبب ما يقتضيه الحكمة وفى التأويلات النجمية ذاته حق وصفاته حق وقوله صدق ولا يتوجه لمخلوق عليه حق وما يفعل من إحسانه بعباده فليس شىء منها بمستحق لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فان كل ما عداه عبيده رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فكيف بما هو تحته ومحاط به من الموجودات كائنا ما كان وانما وصف العرش بالكريم لانه مقسم فيض كرم الحق ورحمته منه تنقسم آثار رحمته وكرمه الى ذرات المخلوقات وَمَنْ [هر كه] يَدْعُ يعبد مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ افرادا او اشتراكا لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ اى بدعائه معه ذلك: وبالفارسية [هيچ حجتى نيست بر پرستنده را بپرستش آن اله] وهو صفة لازمة لالها كقوله (يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) إذ لا يكون فى الآلهة ما يجوز ان يقوم عليه برهان إذ الباطل ليس له برهان جيئ بها للتأكيد وبناء الحكم عليها تنبيها على
стр. 2604
ان الدين بما لا دليل عليه باطل فكيف بما شهدت بداهة العقول بخلافه فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فهو مجازى له على قدر ما يستحقه جواب يدع إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ اى الشان لا ينجو من كفر من سوء الحساب والعذاب وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ امر رسول الله بالاستغفار والاسترحام إيذانا بانهما من أهم الأمور الدينية حيث امر به من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بمن عداه كما قال فى التأويلات النجمية الخطاب مع محمد ﵇ يشير الى انه مع كمال محبوبيته وغاية خصوصيته ورتبة نبوته ورسالته محتاج الى مغفرته ورحمته فكيف بمن دونه وبمن يدعو مع الله الها آخر اى فلا بد لامته من الاقتداء به فى هذا الدعاء وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ يشير الى انه يحتمل تغير كل راحم بان يسخط على مرحومه فيعذبه بعد ان يرحمه وان الله جل ثناؤه إذا رحم عبده لم يسخط عليه ابدا لان رحمته ازلية لا تحتمل التغير وفى حقائق البقلى اغفر تقصيرى فى معرفتك وارحمني بكشف زيادة المقام فى مشاهدتك وأنت خير الراحمين إذ كل الرحمة فى الكونين قطرة مستفادة من بحار رحمتك القديمة وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه انه مرّ بمصاب مبتلى فقرأ فى اذنه (أَفَحَسِبْتُمْ) حتى ختم السورة فبرئ بإذن الله فقال ﵇ (ما قرأت فى اذنه) فاخبره فقال (والذي نفسى بيده لو ان رجلا موقنا قرأها على جبل لزال) - روى- ان أول هذه السورة وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع آيات من آخرها فقد نجا وأفلح وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان ﵇ إذا نزل عليه الوحى يسمع عنده دوىّ كدوى النحل فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يده وقال (اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارض عنا وارضنا) ثم قال (لقد انزل علىّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة) ثم قرأ (قد أفلح المؤمنون) حتى ختم العشر تمت سورة المؤمنين فى الثاني والعشرين من شهر الله رجب من سنة سبع ومائة والف
تفسير سورة النور
وهى مدنية اثنتان او اربع وستون آية
بسم الله الرحمن الرحيم قال القرطبي مقصود هذه السورة ذكر احكام العفاف والستر كتب عمر رضى الله عنه الى الكوفة علموا نساءكم سورة النور وقالت عائشة رضى الله عنها قال رسول الله ﷺ (لا تنزلوهن) اى النساء (فى الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل) سُورَةٌ سورة القرآن طائفة منه محيطة بما فيها من الآيات والكلمات والعلوم والمعارف مأخوذة من سورة المدينة وهو حائطها المشتمل عليها وهى خبر مبتدأ محذوف اى هذه سورة وانما أشير إليها مع عدم سبق ذكرها لانها باعتبار كونها فى شرف الذكر فى حكم الحاضر المشاهد والتنكير مفيد للفخامة من حيث الذات كما ان قوله تعالى أَنْزَلْناها مفيد لها من حيث الصفة اى أنزلناها من عالم القدس بواسطة جبريل وَفَرَضْناها اى أوجبنا ما فيها من الاحكام إيجابا قطعيا فان اصل الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه كقطع
стр. 2605
الحديد والفرض كالايجاب لكن الإيجاب يقال اعتبارا بوقوعه وثباته والفرض بقطع الحكم فيه كما فى المفردات وَأَنْزَلْنا فِيها اى فى تضاعيف السورة آياتٍ هى الآيات التي نيطت بها الاحكام المفروضة كما هو الظاهر لا مجموع الآيات بَيِّناتٍ واضحات دلالاتها على أحكامها وتكرير أنزلنا مع استلزام إنزال السورة لانزالها لابراز كمال العناية بشأنها لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [شايد كه شما پند پذيريد واز محارم پرهيزيد] وهو بحذف احدى التاءين اى تتذكرونها فتعملون بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية الى اجراء أحكامها وفيه إيذان بان حقها ان تكون على ذكر منهم بحيث متى مست الحاجة إليها استحضروها قال بعضهم لو لم يكن من آيات هذه السورة إلا براءة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله لكان كثيرا فكيف وقد جمعت من الاحكام والبراهين ما لم يجمعها غيرها الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي شروع فى تفصيل ما ذكر من الآيات البينات وبيان أحكامها والزنى وطئ المرأة من غير عقد شرعى وقد يقصر وإذا مد يصح ان يكون مصدر المفاعلة والنسبة اليه زنوى كذا فى المفردات والزانية هى المرأة المطاوعة للزنى الممكنة منه كما ينبئ عنه الصيغة لا المزينة كرها وتقديمها على الزاني لما ان زنى النساء من إماء العرب كان فاشيا فى ذلك الزمان او لانها الأصل فى الفعل لكون الداعية فيها أوفر والشهوة اكثر ولولا تمكينها منه لم يقع ورفعها على الابتداء والخبر قوله فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط إذ اللام بمعنى الموصول والتقدير التي زنت والذي زنى. والجلد ضرب الجلد بالكسر وهو قشر البدن يقال جلده ضرب جلده نحو بطنه وظهره إذا ضرب بطنه وظهره او معنى جلده ضربه بالجلد نحو عصاه إذا ضربه بالعصا ومائة نصب على المصدر: والمعنى بالفارسية [پس بزنيد اى اهل بلد واحكام هر يكى را از ان هر دو صد تازيانه] وكان هذا عاما فى المحصن وغيره وقد نسخ فى حق المحصن قطعا ويكفينا فى حق الناسخ القطع بانه ﵇ قد رجم ما عزا وغيره فيكون من باب نسخ الكتاب بالسنة المشهورة فحد المحصن هو الرجم وحد غير المحصن هو الجلد وشرائط الإحصان فى باب الرجم ست عند ابى حنيفة الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والنكاح الصحيح والدخول فلا إحصان عند فقد واحدة منها وفى باب القذف الأربع الاول والعفة فمعنى قولهم رجم محصن اى مسلم حر عاقل بالغ متزوج وذو دخول ومعنى قولهم قذف محصنا اى مسلما حرا عاقلا بالغا عفيفا وإذا فقدت واحدة منها فلا إحصان وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقة وفى البحر الرأفة ارق الرحمة: وبالفارسية [مهربانى كردن] وتنكيرها للتقليل اى لا يأخذكم بهما شىء من الرأفة قليل من هذه الحقيقة وبالفارسية [وفرا نكيرد شما را باين روز ناكننده مهربانى] فِي دِينِ اللَّهِ فى طاعته واقامة حده فتعطلوه او تسامحوا فيه بعدم الايجاع ضربا والتكميل حدا وذلك ان المضروب يفعل أثناء الضرب افعالا غريبة ويتضرع ويستغيث ويسترحم وربما يغشى عليه فيرأف به الامام او الضارب او بعض الحاضرين لا سيما إذا كان أحب الناس اليه كالولد والأخ مثلا فلا يستوفى حد الله وحقه ولا يكمل جلد مائة بل ينقصه بترك شىء منها او يخفف الضرب
стр. 2606
فنهاهم الله عن ذلك وفيه تنبيه على ان الله تعالى إذا أوجب امرا قبح استعمال الرحمة فيه وفى الحديث (يؤتى بوال نقص من حد سوطا فيقال لم نقصت فيقول رحمة لعبادك فيقال له أنت ارحم منى انطلقوا به الى النار ويؤتى بمن زاد سوطا فيقال لم زدت فيقول لينهوا عن معاصيك فيقال له أنت احكم منى فيؤمر به الى النار) قال فى الاسئلة المقحمة ان الله نهى عن الرأفة والرحمة وعلى هذا ان وجدنا واحدا بقلبه اشفاق على أخيه المسلم حيث وقع فى المعصية يؤاخذ بها والجواب انه لم يرد الرأفة الجبلية والرحمة الغريزية فانها لا تدخل تحت التكليف وانما أراد بذلك الرأفة التي تمنع عن اقامة حدود الله وتفضى الى تعطيل احكام الشرع فهى منهى عنها قال فى بحر العلوم وفيه دلالة على ان المخاطبين يجب عليهم ان يجتهدوا فى حد الزنى ولا يخففوا الضرب بل يوجعوها ضربا وكذلك حد القذف عند الزهري لا حد الشرب وعن
قتادة يخفف فى حد الشرب والقذف ويجتهد فى حد الزنى إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ من باب التهييج والتهاب الغضب لله ولدينه فان الايمان بهما يقتضى الجد فى طاعته والاجتهاد فى اجراء الاحكام قال الجنيد ﵀ الشفقة على المخالفين كالاعراض عن الموافقين وذكر اليوم الآخر لتذكر ما فيه من العقاب فى مقابلة المسامحة والتعطيل وانما سمى يوم القيامة اليوم الآخر لانه لا يكون بعده ليل فيصير كله بمنزلة يوم واحد وقد قيل انه تجتمع الأنوار كلها وتصير فى الجنة يوما واحدا وتجتمع الظلمات كلها وتصير فى النار ليلة واحدة وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الشهود الحضور والعذاب الايجاع الشديد قال بعضهم التعذيب إكثار الضرب بعذبة السوط اى طرفه وقيل غير ذلك وفى تسميته عذابا دليل على انه عقوبة ويجوز ان يسمى عذابا لانه الم مانع من المعاودة كما سمى نكالا اى عقابا يردع عن المعاودة والطائفة فرقة يمكن ان تكون حافة حول الشيء وحلقة من الطوف والمراد به جمع يحصل به التشهير والزجر وقوله من المؤمنين لان الفاسق من صلحاء قومه اخجل وظاهر الأمر الوجوب لكن الفقهاء قالوا بالاستحباب. والمعنى لتحضره زيادة فى التنكيل فان التفضيح قد ينكل اكثر مما ينكل التعذيب: وبالفارسية [وبايد كه حاضر شوند در وقت عذاب آن دو تن يعنى در زمان اقامت بر ايشان كروهى از مؤمنان تا تشهير ايشان حاصل وآن تفضيح مانع كردد از معاودت بامثال آن عمل] فحد غير المحصن جلد مائة وسطا بسوط لا ثمرة له ويجلد الرجل قائما وينزع عنه ثيابه الا إزاره ويفرق على بدنه الا رأسه ووجهه وفرجه وتجلد المرأة قاعدة لا ينزع من ثيابها الا الحشو والفرو وجاز الحفر لها لا له ولا يجمع بين جلد ورجم ولا بين جلد ونفى إلا سياسة ويرجم مريض زنى ولا يجلد حتى يبرأ وحامل زنت ترجم حين وضعت وتجلد بعد النفاس وللعبد نصفها ولا يحده سيده الا بإذن الامام خلافا للشافعى وفى الحديث (اقامة حد بأرض خير لاهلها من مطر أربعين ليلة) واعلم ان الزنى حرام وكبيرة- روى- حذيفة رضى الله عنه عنه ﵇ يا معشر الناس اتقوا الزنى فان فيه ست خصال ثلاث فى الدنيا وثلاث فى الآخرة. اما التي فى الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر. واما التي فى الآخرة فسخط الله وسوء الحساب وعذاب النار ومن الزنى
стр. 2607
زنى النظر والنظرة سهم مسموم من سهام إبليس: وفى المثنوى
اين نظر از دور چون تير است وسم ... عشقت افزون ميكند صبر تو كم «١»
وفى التأويلات النجمية قوله (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) يشير الى النفس إذا زنت وزناها بان استسلمت لتصرفات الشيطان والدنيا فيها بما نهاها الله عنه والى الروح إذا زنى وزناه تصرفه فى الدنيا وشهواتها مما نهاه الله عنه (فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) من الجوع وترك الشهوات والمرادات تزكية لهما (وتأديبا وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) يعنى إذا ادعيتم محبة الله فابغضوا مخالفى امره ولا ترحموا أنفسكم وأرواحكم على مخالفة الله فانهم يظلمون أنفسهم بجهلهم بحالهم وان رحمتكم عليهم فى ترك تزكيتهم وتأديبهم كترك الولد علاج ولده المريض شفقة عليه لينهكه المرض فادبوهما (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) يشير الى شهود اهل الصحبة وان يزكى النفس ويؤدب الروح بمشهد شيخ واصل كامل ليحفظه من طرفى الافراط والتفريط ويهديه الى صراط مستقيم هو صراط يسلكه فيه
قطع اين مرحله بي همرهىء خضر مكن ... ظلماتست بترس از خطر كمراهى
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ النكاح انما ورد فى القرآن بمعنى العقد اى التزوج لا الوطئ قال الراغب اصل النكاح للعقد ثم استعير للجماع ومحال ان يكون فى الأصل للجماع ثم استعير للعقد لان اسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباح تعاطيه ومحال ان يستعير من لا يقصد فحشا ما يستفظعونه لما يستحسنونه انتهى وهذا حكم مؤسس على الغالب المعتاد جيئ به لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزاني بهن يعنى الغالب ان المائل الى الزنى والتقحب لا يرغب فى نكاح الصوالح من النساء وانما يرغب فى نكاح فاسقة من شكله او مشركة والمسافحة لا يرغب فى نكاحها الصلحاء وينفرون عنها وانما يرغب فيها فاسق مثلها او مشرك فان المشاكلة سبب الائتلاف والاجتماع كما ان المخالفة سبب الوحشة والافتراق. وقدم الزاني فى هذه الآية لان الرجل اصل فى النكاح من حيث انه هو الطالب ومنه تبدأ الخطبة ولان الآية نزلت فى فقراء المهاجرين الذين رغبوا فى نكاح موسرات كانت بالمدينة من بقايا المشركين لينفقن عليهم من اكسابهن على عادة الجاهلية كما قال الكاشفى [بقايا از يهود با مشركان مدينه در بيوت نواخير نشسته هر يك بر در خانه خود رايتى نصب كردندى ومردم را بخود دعوت نموده اجرت كرفتندى ضعفه مهاجرين كه مسكنى وعشرتى نداشتند واز تنك پريشان مى كذرانيدند داعيه كردند كه ايشانرا بنكاح درآورده كه وكر اين نفس از ايشان كرفته بر عادت اهل جاهليت معاش كذرانند] فاستأذنوا رسول الله فى ذلك فنفروا عنه ببيان انه افعال من الزناة وخصائص المشركين كأنه قيل الزاني لا يرغب الا فى نكاح إحداهما والزانية لا يرغب فى نكاحها الا أحدهما فلا تحوموا حوله كيلا تنتظموا فى سلكهما او تتسموا بسمتهما فايراد الجملة الاولى مع ان مناط التنفير هى الثانية لتأكيد العلاقة بين الجانبين مبالغة فى الزجر والتنفير لا مجرد الإشراك وانما تعرّض
стр. 2608
لها فى الاولى اشباعا فى التنفير عن الزانية بنظمها فى سلك المشركة وَحُرِّمَ ذلِكَ اى نكاح الزاني عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لما فيه من التشبيه بالفسقة والتعرض للتهمة والتسبب بسوء المقالة والطعن فى النسب وغير ذلك من المفاسد لا يكاد يليق بأحد من الأداني والأراذل فضلا عن المؤمنين ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة فى الزجر والحكم اما مخصوص بسبب النزول او منسوخ بقوله تعالى (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) فانه متناول للمسافحات ويؤيده ما روى انه ﵇ سئل عن ذلك فقال (اوله سفاح وآخره نكاح) والحرام لا يحرم الحلال وفى الآية اشارة الى الحذر عن اخدان السوء والحث عن مخالطة اهل الصحبة والأخدان فى الله تعالى فان الطبع من الطبع يسرق والمقارنة مؤثرة والأمراض سارية وفى الحديث (لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم او جامعهم فهو منهم وليس منا) اى لا تسكنوا مع المشركين فى المسكن الواحد ولا تجتعوا معهم فى المجلس الواحد حتى لا يسرى إليكم اخلاقهم وسيرهم القبيحة بحكم المقارنة وللناس إشكال فكل يطير بشكله
همه مرغان كند با جنس پرواز ... كبوتر با كبوتر باز با باز
وكل مساكن مثله كما قال قائلهم
عن المرء لا تسأل وابصر قرينه ... فان القرين بالمقارن يقتدى
فاما اهل الفساد فالفساد يجمعهم وان تناءت ديارهم واما اهل السداد فالسداد يجمعهم وان تباعد مزارهم قال الكاشفى [جنسيت علت ضمست ومشاكله سبب الفت
هر كس مناسب كهر خود كرفت يار ... بلبل بباغ رفت وزغن سوى خار زار
وحرم محافظة اخدان السوء على المؤمنين لئلا يؤثر فيهم فساد حالهم وسوء اخلاقهم ومن بلاغات وحرم محافظة اخدان السوء على المؤمنين لئلا يؤثر فيهم فساد حالهم وسوء اخلاقهم ومن بلاغات الزمخشري لا ترض لمجالستك الا اهل مجانستك اى لا ترض ان تكون جليس أحد من غير جنسك فانه العذاب الشديد ليس الا وجاء فى مسائل الفقه ان من رأى نصرانية سمينة فتمنى ان يكون نصرانيا ليتزوجها كفر. فقال بعضهم السمينة موجودة فى المؤمنات ايضا ولكن علة الضم الجنسية فعلى العاقل ان يصون نفسه بقدر الإمكان فان الله غيور ينبغى ان يخاف منه كل آن وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الرمي يقال فى الأعيان كالسهم والحجر ويقال فى المقال كناية عن الشتم كالقذف فانه فى الأصل الرمي بالحجارة ونحوها مطلقا قال فى الإرشاد فى التعبير عن التفوه بما قالوا فى حقهن بالرمي المنبئ عن صلابة الآلة وإيلام المرمى وبعده إيذان بشدة تأثيره فيهن والمحصنات العفائف وهو بالفتح يقال إذا تصور حصنها من نفسها وبالكسر يقال إذا تصور حصنها من غيرها والحصن فى الأصل معروف ثم تجوز به فى كل تحرز ومنه درع حصينة لكونها حصنا للبدن وفرس حصان لكونه حصنا لراكبه وامرأة حصان للعفيفة والمعنى والذين يقذفون العفائف بالزنى بدليل ذكر المحصنات عقيب الزواني وتخصيص المحصنات لشيوع الرمي فيهن والا فقذف الذكر والأنثى سواء فى الحكم الآتي والمراد المحصنات الاجنبيات لان رمى الأزواج اى النساء الداخلات تحت نكاح الرامين حكمه سيأتى واجمعوا على ان شروط إحصان القذف خمسة الحرية والبلوغ والعقل والإسلام
стр. 2609
والعفة من الزنى حتى ان من زنى مرة فى أول بلوغه ثم تاب وحسنت حاله فقذفه شخص لاحد عليه والقذف بالزنى ان يقول العاقل لمحصنة يا زانية يا ابن الزاني يا ابن الزانية يا ولد الزنى أولست لابيك يا ابن فلان فى غضب والقذف بغيره ان يقول يا فاسق يا شارب الخمر يا آكل الربا ويا خبيث يا نصرانى يا يهودى يا مجوسى فيوجب التعزير كقذف غير المحصن واكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطا واقله ثلاثة لان التعزير ينبغى ان لا يبلغ اقل الحد أربعين وهى حد العبيد فى القذف بالزنى والشرب واما ابو يوسف فاعتبر حد الأحرار وهو ثمانون سوطا ونقص منها سوطا فى رواية وخمسة فى رواية وقال للامام ان يعزر الى المائة والفرق بين التعزير والحد ان الحد مقدر والتعزير مفوض الى رأى الامام وان الحد يندرئ بالشبهات دونه وان الحد لا يجب على الصبى والتعزير شرع والحد يطلق على الذمي ان كان مقدرا والتعزير لا يطلق عليه لان التعزير شرع للتطهير والكافر ليس من اهل التطهير وانما سمى
فى حق اهل الذمة إذا كان غير مقدر عقوبة وان التقادم يسقط الحد دون التعزير وان التعزير حق العبد كسائر حقوقه ويجوز فيه الإبراء والعفو والشهادة على الشهادة ويجرى فيه اليمين ولا يجوز شىء منها فى الحد ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ يشهدون عليهن بما رموهن به ولا يقبل فيه شهادة النساء كما فى سائر الحدود وفى كلمة ثم اشعار بجواز تأخيره الإتيان بالشهود وفى كلمة لم اشارة الى العجز عن الإتيان بهم ولا بد من اجتماع الشهود عند الأداء عند ابى حنيفة ﵀ اى الواجب ان يحضروا فى مجلس واحد وان جاؤا متفرقين كانوا قذفة وفى قوله باربعة شهداء دلالة على انهم ان شهدوا ثلاثة يجب حدهم لعدم النصاب وكذا ان شهدوا عميانا او محدودين فى قذف او أحدهم محدود او عبد لعدم اهلية الشهادة فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً انتصاب ثمانين كانتصاب المصادر ونصب جلدة على التمييز اى اضربوا كل واحد من الرامين ثمانين ضربة ان كان القاذف حرا وأربعين ان كان عبدا لظهور كذبهم وافترائهم بعجزهم عن الإتيان بالشهداء: وبالفارسية [پس بزنيد ايشانرا هشتاد تازيانه] وان كان المقذوف زانيا عزر القاذف ولم يحد الا ان يكون المقذوف مشهورا بما قذف به فلا حد ولا تعزير حينئذ ويجلد القاذف كما يجلد الزاني الا انه لا ينزع عنه من الثياب الا ما ينزع عن المرأة من الحشو والفرو والقاذفة ايضا فى كيفية الجلد مثل الزانية وضرب التعزير أشد ثم للزنى ثم للشرب ثم للقذف لان سبب حده محتمل للصدق والكذب وانما عوقب صيانة للاعراض: وبالفارسية [حد قذف از حد زنى وحد شرب أخص است زيرا كه حد زنى بقرآن ثابت شده وثبوت حد شرب بقول صحابه است وسبب حد قذف محتمل است مر صدق رائى] وان كان نفس الحد ثابتا بالنص وانما يحد بطلب المقذوف المحصن لان فيه حقه من حيث دفع العار عنه ولا بد ان يكون الطلب بالقول حتى لو قذف الأخرس وطلبه بالاشارة لا يجب الحد وكون المقذوف غائبا عن مجلس القاذف حال القذف او حاضرا سواء فاحفظه ويجوز للمقذوف ان يعفو عن حد القذف قبل ان يشهد الشهود ويثبت الحد والامام ايضا ويحسن منه ان يحمل المقذوف على كظم الغيظ ويقول له اعرض عن هذا ودعه لوجه الله قبل ثبوت الحد فاذا ثبت لم يكن
стр. 2610
لواحد منهما ان يعفو لانه خالص حق الله ولهذا لم يصح ان يصالح عنه بمال وإذا تاب القاذف قبل ان يثبت الحد سقط وإذا قذف الصبى او المجنون امرأته او أجنبيا فلا حد عليهما ولا لعان لا فى الحال ولا إذا بلغ او أفاق ولكن يعذران تأديبا ولو قذف شخصا مرارا فان أراد زنية واحدة وجب حد واحد وان أراد زنيات مختلفة كقوله زنيت بزيد وبعمرو تعدد لتعدد اللفظ كما فى الكبير وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً عطف على اجلدوا داخل فى حكمه تتمة له لما فيه من معنى الزجر لانه مؤلم للقلب كما ان الجلد مؤلم للبدن وقد أذى المقذوف بلسانه فعوقب باهدار منافعه جزاء وفاقا واللام فى لهم متعلقة بمحذوف هو حال من شهادة قدمت عليها لكونها نكرة وفائدتها تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن اهليتهم الثابتة لهم عند الرمي وهو السر فى قبول شهادة الكافر المحدود فى القذف بعد التوبة والإسلام لانها ليست ناشئة عن أهليته السابقة بل أهليته حدثت له بعد إسلامه فلا يتناول الرد والمعنى لا تقبلوا من القاذفين شهادة من الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند القذف أَبَداً اى مدة حياتهم وان تابوا وأصلحوا وَأُولئِكَ هُمُ لا غيرهم الْفاسِقُونَ الكاملون فى الفسق والخروج عن الطاعة والتجاوز عن الحدود كأنهم هم المستحقون لاطلاق اسم الفاسق عليهم من الفسقة قال فى الكبير يفيد ان القذف من الكبائر لان الفسق لا يقع الا على صاحبها إِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء من الفاسقين مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد ما اقترفوا ذلك الذنب العظيم وَأَصْلَحُوا أعمالهم بالتدارك ومنه الاستسلام للحد والاستحلال من المقذوف فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل لما يفيده الاستثناء من العفو عن المؤاخذة بموجب الفسق كأنه قيل فحينئذ لا يؤاخذهم الله بما فرط منهم ولا ينظمهم فى سلك الفاسقين لانه مبالغ فى المغفرة والرحمة وفى الآية اشارة الى غاية كرم الله ورحمته على عباده بان يستر عليهم ما أراد بعضهم إظهاره على بعض ولم يظهر صدق أحدهما او كذبه ولتأديبهم أوجب عليهم الحد ورد قبول شهادتهم ابدا وسماهم الفاسقين وليتصفوا بصفاته السارية والكريمية والرحيمية فيما يسترون عيوب إخوانهم المؤمنين ولا يتبعوا عوراتهم وقد شدد النبي على من يتبع عورات المسلمين ويفشى أسرارهم فقال (يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فانه من يتبع عوراتهم يفضحه الله يوم القيامة على رؤس الاشهاد) وقال ﵇ (من ستر على مسلم ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة) : قال الشيخ سعدى
منه عيب خلق فرومايه پيش ... كه چشمت فرو دوزد از عيب خويش
كرت زشت خويى بود در سرشت ... نه بينى ز طاوس جز پاى زشت
طريق طلب كز عقوبت رهى ... نه حرفى كه انكشت بر وى نهى
وفى الآية اشارة ايضا الى كمال عنايته تعالى فى حق عباده بانه يقبل توبتهم بعد ارتكاب الذنوب العظام ولكن بمجرد التوبة لا يكون العبد مقبولا الا بشرط ازالة فساد حاله وإصلاح اعماله قال بعضهم علامة تصحيح التوبة وقبولها ما يعقبها من الصلاح والتوبة هى الرجوع عن كل ما يذمه العلم واستصلاح ما تعدى فى سالف الازمنة ومداومتها باتباع العلم
стр. 2611
ومن لم يعقب توبته الصلاح كانت توبة بعيدة عن القبول
فراشو چوبينى در صلح باز ... كه نا كه در توبه كردد فراز
مرو زير بار كناه اى بشر ... كه حمال عاجز بود در سفر
بهشت او ستاند كه طاعت برد ... كرا نقد بايد بضاعت برد
اگر مرغ دولت ز قيدت بجست ... هنوزش سر رشته دارى بدست
اى فاسع الى إصلاح عملك قبل حلول أجلك وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ بيان لحكم الرامين لزوجاتهم خاصة بعد بيان حكم الرامين لغيرهن اى والذين يقذفون نساءهم بالزنى بان يقول لها يا زانية او زنيت او رأيتك تزنى قال فى بحر العلوم إذا قال يا زانية وهما محصنان فردت بلا بل أنت حدت لانها قذفت الزوج وقذفه إياها لا يوجب الحد بل اللعان وما لم ترفع القاذف الى الامام لم يجب اللعان قال ابن عباس رضى الله عنهما لما نزل قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) قال عاصم بن عدى الأنصاري ان دخل رجل منا بيته فرأى رجلا على بطن امرأته فان جاء باربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج وان قتله قتل به وان قال وجدت فلانا مع تلك المرأة ضرب وان سكت سكت على غيظ اللهم افتح وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويم وكان له امراة يقال لها خولة بنت قيس فاتى عويم عاصما فقال لقد رأيت شريكا بن السحماء على بطن امرأتى خولة فاسترجع عاصم واتى رسول الله ﵇ فقال يا رسول الله ما اسرع ما ابتليت بهذا السؤال فى اهل بيتي فقال ﵇ (وما ذاك) قال أخبرني عويم ابن عمى انه رأى شريكا على بطن امرأته خولة فدعا رسول الله إياهم جميعا فقال لعويم (اتق الله فى زوجتك وابنة عم ولا تقذفها) فقال يا رسول الله تالله لقد رأيت شريكا على بطنها وانى ما قربتها منذ اربعة أشهر وانها حبلى من غيرى فقال لها رسول الله (اتقى الله ولا تخبري الا بما صنعت) فقالت يا رسول الله ان عويما رجل غيور وانه رأى شريكا يطيل النظر الىّ ويحدثنى فحملته الغيرة على ما قال فانزل الله تعالى قوله (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ) وبين به ان حكم قذف الزوجة اللعان فامر رسول الله بأن يؤذن الصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويم قم وقل (اشهد بالله ان خولة لزانية وانى لمن الصادقين) فقال ثم قال فى الثانية (اشهد انى رأيت شريكا على بطنها وانى لمن الصادقين) ثم قال فى الثالثة (اشهد بالله انها لحبلى من غيرى وانى لمن الصادقين) ثم قال فى الرابعة (اشهد بالله انها زانية وانى ما قربتها منذ اربعة أشهر وانى لمن الصادقين) ثم قال فى الخامسة (لعنة الله على عويم) يعنى نفسه (ان كان من الكاذبين) ثم قال له اقعد وقال لخولة قومى فقامت وقالت (اشهد بالله ما انا بزانية وان زوجى لمن الكاذبين) وقالت فى الثانية (اشهد بالله ما رأى شريكا على بطني وانه لمن الكاذبين وقالت فى الثالثة (اشهد بالله ما انا حبلى الا منه وانه لمن الكاذبين) وقالت فى الرابعة (اشهد بالله ما رأنى على فاحشة قط وانه لمن الكاذبين) وقالت فى الخامسة (غضب الله على خولة ان كان عويم من الصادقين فى قوله) ففرق النبىّ ﵇ بينهما وقضى ان الولد لها ولا يدعى لاب وذلك قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون بما
стр. 2612
رموهن من الزنى إِلَّا أَنْفُسُهُمْ يدل من شهداء جعلوا من جملة الشهداء إيذانا من أول الأمر بعدم إلقاء قولهم بالمرة ونظمها فى سلك الشهادة فى الجملة فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ اى شهادة كل واحد منهم وهو مبتدأ خبره قوله أَرْبَعُ شَهاداتٍ اى فشهادتهم المشروعة اربع شهادات بِاللَّهِ متعلق بشهادات إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ اى فيما رماها به من الزنى وأصله على انه إلخ فحذف الجار وكسرت ان وعلق العامل عنها للتأكيد وَالْخامِسَةُ اى الشهادة الخامسة للاربع المتقدمة اى الجاعلة لها خمسا بانضمامها إليهن وهى مبتدأ خبره قوله أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ اللعن طرد وابعاد على سبيل السخط وذلك من الله فى الآخرة عقوبة وفى الدنيا انقطاع من قبول فيضه وتوفيقه ومن الإنسان دعاء على غيره قال بعضهم لعنة الكفار دائمة متصلة الى يوم القيامة ولعنة المسلمين معناها البعد من الخير والذي يعمل معصية فهو فى ذلك الوقت بعيد من الخير فاذا خرج من المعصية الى الطاعة يكون مشغولا بالخير إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما رماها به من الزنى فاذا لاعن الرجل حبست الزوجة حتى تعترف فترجم او تلاعن وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ اى يدفع عن المرأة المرمية العذاب الدنيوي وهو الحبس المغيا على أحد الوجهين بالرجم الذي هو أشد العذاب يقال درأ دفع وفى الحديث (ادرأوا الحدود بالشبهات) تنبيها على تطلب حيلة يدفع بها الحد أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ اى الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ فيما رمانى به من الزنى وَالْخامِسَةَ بالنصب عطفا على اربع شهادات أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها الغضب ثوران دم القلب ارادة الانتقام ولذلك قال ﵇ (اتقوا الغضب فانه جمرة توقد فى قلب ابن آدم ألم تروا الى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه) فاذا وصف الله به فالمراد الانتقام دون غيره إِنْ كانَ اى الزوج مِنَ الصَّادِقِينَ اى فيما رمانى به من الزنى وتخصيص الغضب بجانب المرأة للتغليظ عليها لما انها مادة الفجور ولان النساء كثيرا ما يستعمل اللعن فربما يجترئ على التفوه به لسقوط وقعه على قلوبهن بخلاف غضبه تعالى والفرقة الواقعة باللعان فى حكم التطليقة البائنة عند ابى حنفة ومحمد رحمهما الله ولا يتأبد حكمها حتى إذا كذب الرجل نفسه بعد ذلك فحدّ جاز له ان يتزوّجها وعند ابى يوسف وزفر والحسن بن زياد والشافعي هى فرقة بغير طلاق توجب تحريما مؤبد أليس لهما اجتماع بعد ذلك ابدا وإذا لم يكن الزوج من اهل الشهادة بان كان عبدا او كافرا بان أسلمت امرأته فقذفها قبل ان يعرض ﵇ او محدودا فى قذف وهى من أهلها حد الزوج ولا لعان لعدم اهلية اللعان وبيان اللعان مشبعا موضعه الفقه فليطلب هناك وكذا القذف وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف لتهويله والاشعار بضيق العبارة عن حصره كأنه قيل لولا تفضله عليكم ورحمته ايها الرامون والمرميات وانه تعالى مبالغ فى قبول التوبة حكيم فى جميع أفعاله وأحكامه التي من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان ما كان مما لا يحيط به نطاق البيان ومن جملته انه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع ان الظاهر صدقه لانه اعرف بحال زوجته وانه لا يفترى عليها لاشتراكهما فى الفضاحة وبعد ما شرع لهم ذلك لو جعل شهاداته موجبة لحدّ القذف عليه
стр. 2613
لفات النظر له ولا ريب فى خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتما دارئة لما توجه اليه من الغائلة الدنيوية وقد ابتلى الكاذب منها فى تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأه عنه وأطم وفى ذلك من احكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى اما على الصادق فظاهر واما على الكاذب فهو امهال له والستر عليه فى الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبئ عنه التعرض لعنوان توابيته سبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته قال الكاشفى [واگر نه فضل خداى تعالى بودى بر شما وبخشايش او وآنكه خداى قبول كننده توبه است حكم كننده در حدود احكام هر آيينه شما را فضيحت كردى ودروغ كواهى را بعذاب عظيم مبتلا ساختى وكويند اگر نه فضل خدا بودى بتأخير عقوبت شما هلاك شديد يا اگر نه فضل فرمودى باقامت زواجر ونهى از فواحش هر آينه نسل منقطع شدى ومردم يك ديكر را هلاك كردندى يا اگر نه خداى تعالى بخشيدى بر شما بقبول توبه در تيه نااميدى سر كردان ميشديد پس شما بمدد وتوفيق توبه بسر منزل رجا رسانيد
كر توبه مددكار كنهكار نبودى ... او را كه بسر حد كرم راه نمودى
ور توبه نبودى كه در فيض كشودى ... زنك غم از آينه عاصى كه زدودى
قال بعض الكبار قال الله (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) ولم يقل ولولا فضل عبادتكم وصلاتكم وجهادكم وحسن قيامكم بامر الله (ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً) لنعلم ان العبادات وان كثرت فانها من نتائج الفضل
چورويى بخدمت نهى بر زمين ... خدا را ثنا كوى وخود را مبين
اللهم اجعلنا من اهل الفضل والعطاء والمحبة والولاء إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ اى ما بلغ مما يكون من الكذب والافتراء: وبالفارسية [بدرستى آنانكه آورده اند دروغ برزك درشان عائشه] وأصله الافك وهو القلب اى الصرف لانه مأفوك عن وجهه وسننه والمراد به ما افك على عائشة رضى الله عنها وذلك ان عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الامانة والعفة والشرف فمن رماها بالسوء قلب الأمر من وجهه- روى- ان رسول الله ﷺ كان إذا أراد سفرا اقرع بين نسائه فأيهن خرجت قرعتها استصحبها والقرعة بالضم طينة او عجينة مدورة مثلا يدرج فيها رقعة يكتب فيها السفر والحضر ثم تسلم الى صبى يعطى كل امرأة واحدة منهن كذا فى القهستاني فى القسم فلما كان غزوة بنى المصطلق فى السنة الخامسة من الهجرة وهى غزوة المريسيع كما فى انسان العيون خرج سهمها وبنوا المصطلق بطن من خزاعة وهم بنوا خزيمة والمصطلق من الصلق وهو رفع الصوت والمريسيع اسم ماء من مياه خزاعة مأخوذ من قولهم رسعت عين الرجل إذا دمعت من فساد وذلك الماء فى ناحية قديد قال فى القاموس المريسيع بئر او ماء واليه تضاعف غزوة بنى المصطلق انتهى فخرجت عائشة معه ﵇ وكان بعد نزول آية الحجاب وهو قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) الآية لانه كان ذلك سنة ثلاث من الهجرة قالت فحملت فى هودج
стр. 2614
فسرنا فلما دنونا من المدينة قافلين اى راجعين نزلنا منزلا ثم نزلت من الرحل فقمت ومشيت لقضاء الحاجة حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأنى أقبلت الى رحلى فلمست صدرى فاذا عقد لى من جزع ظفار كقطام وهى بلد باليمن قرب صنعاء اليه نسبة الجزع وهو بالفتح وسكون الزاى المعجمة الخرز اليماني فيه سواد وبياض يشبه به الأعين كما فى القاموس كان يساوى اثنى عشر درهما قد انقطع فرجعت فالتمسته فحبسنى ابتغاؤه واقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي بتخفيف الحاء اى يجعلون هودجها على الرحل وهو ابو مويهبة مولى رسول الله وكان رجلا صالحا مع جماعة معه فاحتملوا هودجى فرحلوه على بعيري وهم يحسبون انى فيه بخفتى وكان النساء إذ ذاك خفافا لقلة أكلهن اى لان السمن وكثرة اللحم غالبا تنشأ عن كثرة الاكل كما فى انسان العيون فلم يستنكروا خفة الهودج حين رفعوه وذهبوا بالبعير فوجدت عقدى فجئت منازلهم وليس فيها أحد وأقمت بمنزلي الذي كنت فيه وظننت انهم سيفقدوننى فيرجعون فى طلبى فبينا انا جالسة فى منزلى غلبتنى عينى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى خلف الجيش قال القرطبي وكان صاحب ساقة رسول الله لشجاعته وكان من خيار الصحابة انتهى كان يسوق الجيش ويلتقط ما يسقط من المتاع كما فى الإنسان فاصبح عند منزلى فرأى سوادا اى شخص انسان نائم فاتانى فعرفنى فاستيقظت باسترجاعه اى بقوله انا لله وانا اليه راجعون اى لان تخلف أم المؤمنين عن الرفقة فى مضيقة مصيبة اى مصيبة فخمرت وجهى فى جلبابى وهو ثوب اقصر من الخمار ويقال له المقنعة تغطى به المرأة رأسها والله ما تكلمت بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه اى لانه استعمل الصمت أدبا وهوى حتى أناخ راحلته فقمت إليها فركبتها وانطلق يقود بي الراحلة حتى اتينا الجيش فى بحر الظهيرة اى وسطها وهو بلوغ الشمس منتهاها من الارتفاع وهم نازلون وبهذه الواقعة استدل بعض الفقهاء على انه يجوز الخلوة بالمرأة الاجنبية إذا وجدها منقطعة ببرية او نحوها بل يجب استصحابها إذا خاف عليها لو تركها وفى معانى الآثار للطحاوى قال ابو حنيفة وكان الناس لعائشة محرما فمع أبهم سافرت فقد سافرت مع محرم وليس غيرها من النساء كذلك انتهى يقول الفقير لعل مراد الامام رحمه الله تعالى ان ازواج النبي ﵇ وان كان كلهن محارم للامة لانه تعالى قال (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ)
وحرم عليهم نكاحهن كما قال (وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) الا ان عائشة كانت أفضل نسائه بعد خديجة وأقربهن منه من حيث خلافتها عنه فى باب الدين ولذا قال (خذوا ثلثى دينكم عن عائشة) فتأكدت الحرمة من هذه الجهة إذ لا بد لاخذ الدين من الاستصحاب للسفر والحضر والله اعلم قالت فلما نزلنا هلك فى من هلك بقول البهتان والافتراء وكان أول من اشاعه فى المعسكر عبد الله بن ابى ابن سلول رئيس المنافقين فانه كان ينزل مع جماعة المنافقين متبعدين من الناس فمرت عليهم فقال من هذه قالوا عائشة وصفوان فقال فجر بها ورب الكعبة فافشوه وخاض اهل المعسكر فيه فجعل يرويه بعضهم عن بعض ويحدث به بعضهم بعضا قالت فقدمنا المدينة فاشتكيت اى مرضت حين قدمت شهرا ووصل الخبر الى رسول الله والى ابوىّ ولا أشعر بشىء من ذلك غير انه يرينى ان لا اعرف من رسول الله العطف
стр. 2615
الذي كنت ارى منه حين اشتكيت فلما رأيت ذلك قلت يا رسول الله لو أذنت لى فانقلب الى ابوىّ يمرضانى والتمريض القيام على المريض فى مرضه قال لا بأس فانقلبت الى بيت ابوىّ وكنت فيه الى ان برئت من مرضى بعد بضع وعشرين ليلة فخرجت فى بعض الليالى ومعى أم مسطح كمنبر وهى بنت خالة ابى بكر رضى الله عنه قبل المناصع وهى مواضع يتخلى فيها لبول او حاجة ولا يخرج إليها الا ليلا وكان عادة اهل المدينة حينئذ انهم كانوا لا يتخذون الكنيف فى بيوتهم كالاعاجم بل يذهبون الى محل متسع قالت فلما فرغنا من شأننا وأقبلنا الى البيت عثرت أم مسطح فى مرطها وهو كساء من صوف او خز كان يؤتزر به فقالت تعس مسطح بفتح العين وكسرها اى هلك تعنى ولدها والمسطح فى الأصل عمود الخيمة واسمه عوف فقلت لها أتسبين رجلا قد شهد بدرا فقالت أو لم تسمعى ما قال قلت وما قال فاخبرتنى بقول اهل الافك فازددت مرضا على مرض اى عاودنى المرض وازددت عليه وبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لى دمع ولا اكتحل بنوم ثم أصبحت ابكى
چشم ذكريه بر سر آبست روز شب ... جانم ز ناله در تب وتابست روز شب
فاستشار رسول الله فى حقى فاشار بعضهم بالفرقة وبعضهم بالصبر وقد لبث شهرا لا يوحى اليه فى شأنى بشىء فقام واقبل حتى دخل علىّ وعندى أبواي ثم جلس فتشهد ثم قال (اما بعد يا عائشة فانه قد بلغني عنك كذا وكذا فان كنت بريئة فيبرئك الله وان كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله وتوبى فان العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب الله تاب الى الله عليه) فلما قضى رسول الله كلامه قلص دمعى اى ارتفع حتى ما أحس منه بقطرة فقلت لابى أجب عنى رسول الله فيما قال قال والله لا أدرى ما أقول لرسول الله فقلت لامى أجيبي عنى رسول الله قالت والله ما أدرى ما أقول لرسول الله فقلت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر فى نفوسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم انى بريئة لا تصدقونى ولئن اعترفت لكم بامر والله يعلم انى بريئة منه لتصدقونى والله ما أجد لى ولكم مثلا الا ما قال ابو يوسف اى يعقوب (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ)
صبرى كنيم تا كرم او چهـ ميكند
قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشى وانا والله حينئذ اعلم انى بريئة والله مبرئى ببراءة ولكنى والله ما كنت أظن ان ينزل فى شأنى وحي يتلى ولشأنى كان احقر فى نفسى من ان يتكلم فى بامر يتلى ولكنى كنت أرجو ان يرى النبي ﵇ رؤيا يبرئنى الله بها قالت فو الله ما قام رسول الله عن مجلسه ولا خرج من البيت حتى اخذه ما كان يأخذه عند نزول الوحى اى من شدة الكرب فسجى اى غطى بثوب ووضعت له وسادة من آدم تحت رأسه وكان ينحدر منه مثل الجمان من العرق فى اليوم الثاني من ثقل القول الذي انزل عليه والجمان حبوب مدحرجة تجعل من الفضة أمثال اللؤلؤ فلما سرى عنه وهو يضحك ويمسح العرق من وجهه الكريم كان أول كلمة تكلم بها (أبشري يا عائشة اما ان الله قد برأك) فقالت أمي قومى اليه فقلت والله لا احمد الا
الله فانزل الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ) الآيات قال السهيلي كان نزول براءة عائشة بعد قدومهم المدينة من الغزوة المذكورة لسبع وثلاثين ليلة فى قول المفسرين فمن نسبها الى الزنى كغلاة الرافضة كان كافر الان فى ذلك تكذيبا للنصوص
стр. 2616
القرآنية ومكذبها كافر وفى حياة الحيوان عن عائشة رضى الله عنها لما تكلم الناس بالإفك رأيت فى منامى فتى فقال لى مالك قلت حزينة مما ذكر الناس فقال ادعى بكلمات يفرج الله عنك قلت وما هى قال قولى يا سابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغم ويا كاشف الظلم ويا اعدل من حكم ويا حسيب من ظلم ويا أول بلا بداية ويا آخر بلا نهاية اجعل لى من امرى فرجا ومخرجا قالت فانتبهت وقلت ذلك وقد انزل الله فرجى قال بعضهم برأ الله اربعة باربعة يوسف بشاهد من اهل زليخا وموسى من قول اليهود فيه ان له ادرة بالحجر الذي فر بثوبه ومريم بانطاق ولدها وعائشة بهذه الآيات وبعد نزولها خرج ﵇ الى الناس وخطبهم وتلاها عليهم وامر بجلد اصحاب الافك ثمانين جلدة وعن عائشة ان عبد الله بن أبيّ جلد مائة وستين اى حدين قال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما وهكذا يفعل لكل من قذف زوجة نبىّ اى يجوز ان يفعل به ذلك وفى الخصائص الصغرى من قذف أزواجه ﵇ فلا توبة له البتة كما قال ابن عباس رضى الله عنهما وغيره ويقتل كما نقله القاضي وغيره وقيل يختص القتل بمن قذف عائشة ويحدّ فى غيرها حدّين كذا فى انسان العيون وعن ابن عباس رضى الله عنهما لم تبغ امرأة نبى قط واما قوله تعالى فى امرأة نوح وامرأة لوط (فَخانَتاهُما) فالمراد آذتاهما قالت امرأة نوح فى حقه انه لمجنون وامرأة لوط دلت على أضيافه وانما جازان تكون امرأة النبي كافرة كامرأة نوح ولوط ولم يجز ان تكون زانية لان النبي مبعوث الى الكفار ليدعوهم الى الدين والى قبول ما قاله من الاحكام والثواب والعقاب وهذا المقصود لا يحصل إذا كان فى الأنبياء ما ينفر الكفرة عنهم والكفر ليس مما ينفر عندهم بخلاف الفجور فانه من أعظم المنفرات وعن كتاب الإشارات للفخر الرازي ﵀ انه ﵇ فى تلك الأيام التي تكلم فيها بالإفك كان اكثر أوقاته فى البيت فدخل عليه عمر فاستشاره فى تلك الواقعة فقال يا رسول الله انا اقطع بكذب المنافقين وأخذت براءة عائشة من ان الذباب لا يقرب بدنك فاذا كان الله صان بدنك ان يخالطه الذباب لمخالطته القاذورات فكيف باهلك ودخل عليه عثمان فاستشاره فقال يا رسول الله أخذت براءة عائشة من ظلك لانى رأيت الله صان ظلك ان يقع على الأرض اى لان ظل شخصه الشريف كان لا يظهر فى شمس ولا قمر لئلا يوطأ بالاقدام فاذا صان الله ظلك فكيف باهلك ودخل علىّ فاستشاره فقال يا رسول الله أخذت براءة عائشة من شىء هو انا صلينا خلفك وأنت تصلى بنعليك ثم انك خلعت احدى نعليك فقلنا ليكون ذلك سنة لنا فقلت (لا ان جبريل قال ان فى تلك النعل نجاسة) فاذا كان لا تكون النجاسة بنعليك فكيف باهلك فسر ﵇ بذلك فصدقهم الله فيما قالوا وفضح اصحاب الافك بقوله (إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ) عُصْبَةٌ مِنْكُمْ خبران والعصبة والعصابة جماعة من العشرة الى الأربعين والمراد هنا عبد الله بن أبيّ وزيد بن رفاعة ومسطح بن اثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم واختلفوا فى حسان بن ثابت والذي يدل على براءته ما نسب اليه فى أبيات مدح بها عائشة رضى الله عنها منها
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل
فان كنت قد قلت الذي قد زعمتمو ... فلا رفعت سوطى الىّ أناملي
стр. 2617
وكيف وودّى ما حييت ونصرتى ... لآل رسول الله زين المحافل
كما فى انسان العيون قال الامام السهيلي فى كتاب التعريف والاعلام قد قيل ان حسان لم يكن فيهم اى فى الذين جاؤا بالإفك فمن قال انه كان فيهم انشد البيت المروي حين جلدوا الحدّ
لقد ذاق حسان الذي كان اهله ... وحمنة إذ قالا لهجر ومسطح
ومن برأه الافك قال انما الرواية فى البيت ... لقد ذاق عبد الله ما كان اهله
انتهى: ومعنى الآية ان الذين أتوا بالكتاب فى امر عائشة جماعة كائنة منكم فى كونهم موصوفين بالايمان وعبد الله ايضا كان من جملة من حكم له بالايمان ظاهرا وان كان رئيس المنافقين خفية لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ الخطاب لرسول الله وابى بكر وعائشة وصفوان ولمن ساءه ذلك من المؤمنين تسلية لهم من أول الأمر والضمير للافك بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لاكتسابكم الثواب العظيم لانه بلاء مبين ومحنة ظاهرة وظهور كرامتكم على الله بانزال ثمانى عشرة آية فى نزاهة ساحتكم وتعظيم شأنكم وتشديد الوعيد فيمن تكلم فيكم والثناء على من ظنّ بكم خيرا لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ اى من أولئك العصبة والامرؤ الإنسان والرجل كالمرء والالف للوصل مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ بقدر ما خاض فيه لان بعضهم تكلم بالإفك وبعضهم ضحك وبعضهم سكت ولم ينههم قال فى التأويلات على حسب سعايتهم وفساد ظنهم وهتك حرمة حرم نبيهم انتهى والإثم الذنب وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ اى تحمل معظم الافك قال فى المفردات فيه تنبيه على ان كل من سن سنة قبيحة يصير مقتدى به فذنبه اكبر مِنْهُمْ من العصبة وهو ابن ابى فانه بدأبه واذاعه بين الناس عداوة لرسول الله كما سبق لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ اى لعبد الله نوع من العذاب العظيم ألمه لان معظم الشر كان منه فلما كان مبتدئا بذلك القول لا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك لقوله ﵇ (من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة) وفى التأويلات النجمية (لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ) يؤاخذ بجرمه وهو خسارة الدنيا والآخرة ثم أورد الحديث المذكور
هر كه بنهد سنتى بد اى فتى ... تا در افتد بعد او خلق از عمى
جمع كردد بر وى آن جمله بزه ... كو سرى بودست وايشان دم غزه
لَوْلا تخضيضية بمعنى هلا: وبالفارسية [چرا] ومعناها إذا دخلت على الماضي التوبيخ واللوم على ترك الفعل إذ لا يتصور الطلب فى الماضي وإذا دخلت على المضارع فمعناها الحض على الفعل والطلب له فهى فى المضارع بمعنى الأمر إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ايها الخائضون اى الشارعون فى القول الباطل ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً عدول الى الغيبة لتأكيد التوبيخ فان مقتضى الايمان الظن بالمؤمن خيرا وذب الطاعنين فيه فمن ترك هذا الظن والذب فقد ترك العمل بمقتضى الايمان والمراد بانفسهم أبناء جنسهم النازلون منزلة أنفسهم كقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) فان المراد لا يعيب بعضكم بعضا فان المؤمنين كنفس واحدة إذ كان الواجب ان يظن المؤمنون والمؤمنات أول ما سمعوه ممن اخترع بالذات او بالواسطة من
стр. 2618
غير تلعثم وتردد بمثلهم من آحاد المؤمنين خيرا وَقالُوا فى ذلك الآن هذا [اين سخن] إِفْكٌ مُبِينٌ اى ظاهر مكشوف كونه إفكا فكيف بالصديقة بنت الصديق أم المؤمنين حرم رسول الله: يعنى حق سبحانه [ازواج پيغمبر نكاه ميدارد از مثل اين حالها بتعظيم وتكريم ايشان] لَوْلا جاؤُ [چرا نياوردند] عَلَيْهِ [برين سخن را] بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ اى هلا جاء الخائضون باربعة شهداء يشهدون على ما قالوا وهو اما من تمام القول او ابتداء كلام من الله فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ الاربعة فَأُولئِكَ المفسدون عِنْدَ اللَّهِ فى حكمه وشرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقنة هُمُ الْكاذِبُونَ الكاملون فى الكذب المشهود عليه بذلك المستحقون لاطلاق الاسم عليهم دون غيرهم قال الكاشفى [ايشانند دروغ كويان در ظاهر وباطن چهـ اگر كواه آوردندى در ظاهر حكم كاذب نبودندى اما در باطن كاذب بودندى زيرا كه اين صورت بر ازدواج انبيا ممتنع است و چون كواه نياوردند در ظاهر اين كار نيز كاذبند] قال القرطبي وقد يعجز الرجل عن اقامة البينة وهو صادق فى قذفه ولكنه فى حكم الشرع وظاهر الأمر كاذب لا فى علم الله وهو سبحانه انما رتب الحدود على حكمه الذي شرعه فى الدنيا لا على مقتضى علمه الذي تعلق بالإنسان على ما هو عليه واجمع العلماء على ان احكام الدنيا على الظاهر وان السرائر الى الله وَلَوْلا امتناعية اى لامتناع الشيء لوجود غيره فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ خطاب للسامعين والمسلمين جميعا فِي الدُّنْيا من فنون النعم التي من جملتها الامهال بالتوبة وَالْآخِرَةِ من ضروب الآلاء التي من جملتها العفو والمغفرة المقدران لكم لَمَسَّكُمْ عاجلا: يعنى [هر آينه برسيدى شما را] فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ اى بسبب ما خضتم فيه من حديث الافك عَذابٌ عَظِيمٌ يستحقر دونه التوبيخ والجلد إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بحذف احدى التاءين ظرف للمس اى لمسكم ذلك العذاب العظيم وقت تلقيكم إياه من المخترعين بِأَلْسِنَتِكُمْ يأخذه بعضكم من بعض وذلك ان الرجل منهم يلقى الرجل فيقول له ما وراءك فيحدثه بحديث الافك حتى شاع وانتشر فلم يبق بيت ولادار الا طار فيه يقال تلقى الكلام من فلان وتلقنه وتلقفه ولقفه إذا اخذه من لفظه وفهمه وفى الإرشاد التلقي والتلقف والتلقن معان متقاربة خلا ان فى الاول معنى الاستقبال وفى الثاني معنى الخطف والاخذ بسرعة وفى الثالث معنى الحذق والمهارة وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ معنى بأفواهكم مع ان القول لا يكون الا بالفم هو ان الاخبار بالشيء يجب ان تستقر صورته فى القلب اولا ثم يجرى على اللسان وهذا الافك ليس الا قول لا يجرى على الالسنة من غير علم به فى القلب وهو حرام لقوله تعالى (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) والمعنى وتقولون قولا مختصا بالأفواه من غير ان يكون له مصداق ومنشأ فى القلوب لانه ليس بتعبير عن علم به فى قلوبكم وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً سهلا لا تبعة له وهى بالفارسية [عاقبه به] او ليس له كثير عقوبة وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ والحال انه عنده تعالى عَظِيمٌ فى الوزر واستجرار العذاب وعن بعضهم انه جزع عند الموت فقيل له فقال أخاف ذنبا لم يكن منى على بال وهو عند الله عظيم وفى كلام بعضهم لا تقولن لشىء من سيآتك نقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير
стр. 2619
وقال عبد الله بن المبارك ما ارى هذه الآية نزلت الا فيمن اعتاد الدعاوى العظيمة ويجترئ على ربه فى الاخبار عن احوال الأنبياء والأكابر ولا يمنعه عن ذلك هيبة ربه ولا حياؤه وقال الترمذي من تهاون بما يجرى عليه من الدعاوى فقد صغر ما عظمه الله ان الله تعالى يقول (وَتَحْسَبُونَهُ) إلخ
اگر مردى از مردىء خود مكوى ... نه هر شهوارى بدر برد كوى
وَلَوْلا [چرا] إِذْ سَمِعْتُمُوهُ من المخترعين والتابعين لهم قُلْتُمْ تكذيبالهم وتهويلا لما ارتكبوه ما يَكُونُ لَنا ما يمكننا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا القول وما يصدر عنا ذلك بوجه من الوجوه وحاصله نفى وجود التكلم به لا نفى وجوده على وجه الصحة والاستقامة سُبْحانَكَ تعجب ممن تفوه به وأصله ان يذكر عند معاينة العجب من صنائعه تنزيها له سبحانه من ان يصعب عليه أمثاله ثم كثر حتى استعمل فى كل متعجب منه او تنزيه له تعالى من ان يكون حرم نبيه فاجرة فان فجورها تنفير للناس عنه ومخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها كما سبق: وبالفارسية [پاكست خداى تعالى از آنكه در حرم محترم پيغمبر قدح تواند كرد] هذا الافك الذي لا يصح لاحد ان يتكلم به بُهْتانٌ عَظِيمٌ مصدر بهته اى قال عليه ما لم يفعل اى كذب عظيم عند الله التقاول به كما فى التأويلات النجمية او يبهت ويتحير من عظمته لعظمة المبهوت عليه اى الشخص الذي يبهت عليه اى يقال عليه ما لم يفعل فان حقارة الذنوب وعظمها كما تكون باعتبار مصادرها كما قال ابو سعيد الخراز قدس سره «حسنات الأبرار سيآت المقربين» كذا تكون باعتبار متعلقاتها يَعِظُكُمُ اللَّهُ الوعظ النصح والتذكير بالعواقب اى ينصحكم ايها الخائضون فى امر عائشة أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ كراهة ان تعودوا لمثل هذا الخوض والقول أَبَداً اى مدة حياتكم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله وبرسوله وباليوم الآخر فان الايمان يمنع عنه وفيه اشارة الى ان العود الى مثل هذا يخرجهم من الايمان قال فى الكبير يدخل فى هذا من قال ومن سمع ولم ينكر لاتسوائهما فى فعل ما لا يجوز وان كان المقدم أعظم ذنبا وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب دلالة واضحة لتتعظوا وتتأدبوا بها اى ينزلها مبينة ظاهرة الدلالة على معانيها لا انه يبينها بعد ان لم تكن كذلك وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال جميع مخلوقاته جلائلها ودقائقها حَكِيمٌ فى جميع تدابيره وأفعاله فأنى يمكن صدق ما قيل فى حق حرمة من اصطفاه لرسالته وبعثه الى كافة الخلق ليرشدهم الى الحق ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا وقال الكاشفى [وخداى تعالى داناست بطهارت ذيل عائشة حكم كننده ببرائت ذمت او از عيب وعار]
تا كريبان دامنش پاكست از لوث خطا ... وز مذمت عيب جو آلوده از سر تا بپا
وچهـ زيبا كفته است
كرا رسد كه كند عيب دامن پاكت ... كه همچوقطره كه بر برك كل چكد پاكى
وفى التأويلات النجمية ان الله تعالى لا يجرى على خواص عباده الا ما يكون سببا لحقيقة اللطف وان كان فى صورة القهر تأديبا وتهذيبا وموجبا لرفعة درجاتهم وزيادة فى قرابتهم
стр. 2620
وان قصة الافك وان كانت فى صورة القهر كانت فى حق النبي ﵇ وفى حق عائشة وأبويها وجميع الصحابة ابتلاء وامتحانا لهم وتربية وتهذيبا فان البلاء للولاء كاللهب للذهب كما قال ﵇ (ان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالامثل) وقال ﵇ (يبتلى الرجل على قدر دينه) فان الله غيور على قلوب خواص عباده المحبوبين فاذا حصلت مساكنة بعضهم الى بعض يجرى الله تعالى ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه ويرده الى حضرته وان النبي ﵇ لما قيل له أي الناس أحب إليك قال (عائشة فساكنها) وقال (يا عائشة حبك فى قلبى كالعقدة) وفى بعض الاخبار ان عائشة قالت يا رسول الله انى أحبك وأحب قربك فاجرى الله تعالى حديث الافك حتى رد رسول الله قلبه عنها الى الله بانحلال عقدة حبها عن قلبه وردت عائشة قلبها عنه الى الله حيث قالت لما ظهرت براءة ساحتها نحمد الله لا نحمدك فكشف الله غيابة تلك المحبة وأزال الشك واظهر براءة ساحتها حين أدبهم وهذبهم وقربهم وزاد فى رفعة درجاتهم وقرباتهم قال فى الحكم العطائية وشرحها قال ابو بكر الصديق رضى الله
عنه لعائشة رضى الله عنها لما نزلت براءتها من الافك على لسان رسول الله ﵇ يا عائشة اشكرى رسول الله نظرا منه لوجه الكمال لها فقالت لا والله لا اشكر الا الله رجوعا منها الى اصل التوحيد إذ لم يسع غيره فى تلك الحال قلبها دلها ابو بكر فى ذلك على المقام الأكمل عند الصحو وهو مقام البقاء بالله المقتضى لاثبات الآثار وعمارة الدارين التزاما لحق الحكم والحكمة وقد قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ) فقرن شكرهما بشكره إذ هما اصل وجودك المجازى كما ان اصل وجودك الحقيقي فضله وكرمه فله حقيقة الشكر كما له حقيقة النعمة ولغيره مجازه كما لغيره مجازها وقال ﵇ (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) فجعل شكر الناس شرطا فى صحة شكره تعالى او جعل ثواب الله على الشكر لا يتوجه الا لمن شكر عباده وكانت هى يعنى عائشة فى ذلك الوقت لا فى عموم أوقاتها مصطلمة اى مأخوذة عن شاهدها فلم يكن لها شعور بغير ربها غائبة عن الآثار لما استولى عليها من سلطان الفرح لمنة المولى عليها فلم تشهد الا الواحد القهار من غير اعتبار لغيره وهكذا هو أكمل المقامات فى حالها وهو مقام أبينا ابراهيم ﵇ إذ قال حسبى من سؤالى علمه بحالي والله المسئول فى إتمام النعمة وحفظ الحرمة والثبات لمرادات الحق بالآداب اللائقة بها وهو حسبنا ونعم الوكيل ثم قال فى التأويلات النجمية الطريق الى الله طريقان طريق اهل السلامة وطريق اهل الملامة فطريق اهل السلامة ينتهى الى الجنة ودرجاتها لانهم محبوسون فى حبس وجودهم وطريق اهل الملامة ينتهى الى الله تعالى لان الملامة مفتاح باب حبس الوجود وبها يذوب الوجود ذوبان الثلج بالشمس فعلى قدر ذوبان الوجود يكون الوصول الى الله تعالى فاكرم الله تعالى عائشة بكرامة الملامة ليخرجها بها من حبس الوجود بالسلامة وهذا يدل على ولايتها لان الله تعالى إذا تولى عبدا يخرجه من ظلمات وجوده المخلوقة الى نور القدم كما قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) انتهى: قال الحافظ قدس سره
وفا كنيم وملامت كشيم وخوش باشيم ... كه در طريقت ما كافريست رنجيدن
стр. 2621
وقال الجامى قدس سره
عشق در هر دل كه سازد بهر وردت خانه ... أول از سنك ملامت افكند بنياد او
إِنَّ الَّذِينَ هم ابن أبيّ ومن تبعه فى حديث الافك يُحِبُّونَ يريدون أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ تنشر وتظهر والفاحشة ما عظم قبحه من الافعال والأقوال والمراد هنا الزنى اى خبره فِي الَّذِينَ آمَنُوا أخلصوا الايمان لَهُمْ بسبب ذلك عَذابٌ أَلِيمٌ نوع من العذاب متفاقم ألمه فِي الدُّنْيا كالحد ونحوه وَالْآخِرَةِ كالنار وما يلحق بها قال ابن الشيخ ليس معناه مجرد وصفهم بانهم يحبون شيوعها فى حق الذين آمنوا من غير ان يشيعوا ويظهروا فان ذلك القدر لا يوجب الحد فى الدنيا بل المعنى ان الذين يشيعون الفاحشة والزنى فى الذين آمنوا كصفوان وعائشة عن قصد ومحبة لاشاعتها وفى الإرشاد يحبون شيوعها ويتصدون مع ذلك لاشاعتها وانما لم يصرح به اكتفاء بذكر المحبة فانها مستتبعة له لا محالة وفى الذين آمنوا متعلق بتشيع اى تشيع فيما بين الناس وذكر المؤمنين لانهم العمدة فيهم او بمضمر هو حال من الفاحشة فالموصول عبارة عن المؤمنين خاصة اى يحبون ان تشيع الفاحشة كائنة فى حق المؤمنين وفى شأنهم وَاللَّهُ يَعْلَمُ جميع الأمور وخصوصا ما فى ضمائر من حب الاشاعة وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ فابنوا الأمر فى الحد ونحوه على الظواهر والله يتولى السرائر وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ جواب لولا محذوف اى لولا فضله وانعامه عليكم وانه بليغ الرأفة والرحمة بكم لعاجلكم بالعقاب على ما صدر منكم وفى الآيتين إشارات منها ان اهل الافك كما يعاقبون على الإظهار يعاقبون باسرار محبة الاشاعة فدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضرهم وفى الحديث (انى لاعرف قوما يضربون صدورهم ضربا يسمعه اهل النار وهم الهمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون لهم الفواحش) وفى الحديث (أيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها برىء يرى ان يشينه بها فى الدنيا كان حقا على الله اين يرميه بها فى النار) كما فى الكبير فالصنيع الذي ذكر من اهل الافك ليس من صنيع اهل الايمان فان من صنيع اهل الايمان ما قال ﵇ (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وقال (مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كنفس واحدة إذا اشتكى منها عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر)
بنى آدم اعضاى يكديكرند ... كه در آفرينش ز يك كوهرند
چوعضوى بدرد آورد روزكار ... دكر عضوها را نماند قرار
تو كز محنت ديكران بى غمى ... نشايد كه نامت نهند آدمي
فمن اركان الدين مظاهرة المسلمين واعانة اهل الدين وارادة الخير بكافة المؤمنين والذي يود الفتنة وافتضاح الناس فهو شر الخلق كالخناس ومنها ان ترك المعاجلة بالعذاب تعريض للتوبة فدل على ان عذاب الآخرة انما هو على تقدير الإصرار وعليه يحمل قوله ﵇ (إذا كان يوم القيامة حد الله الذين شتموا عائشة ثمانين على رؤس الخلائق فيستوهب لى المهاجرين منهم واستأمرك
стр. 2622
يا عائشة) قال الراوي فلما سمعت عائشة وكانت فى البيت بكت وقالت «والذي بعثك بالحق نبيا لسرورك أحب الىّ من سرورى» فتبسم رسول الله ضاحكا وقال (ابنة صديق) ومنها غاية كرم الله ورحمته وفضله على عباده حيث يتفضل عليهم ويرحمهم ويزكيهم عن اوصافهم الذميمة مع استحقاقهم العذاب الأليم فى الدنيا والآخرة فانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولو كان للعذاب لكان من جهتهم بسوء اختيارهم عصمنا الله وإياكم من الأوصاف الذميمة الموجبة للعذاب الأليم وشرفنا بالأخلاق الحميدة الباعثة على الدرجات والتنعمات فى دار النعيم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ جمع خطوة بضم الخاء وهى ما بين القدمين اى ما بين رجلى الخاطي وبالفتح المرة الواحدة من الخطو ثم استعمل اتباع الخطوات فى الاقتداء وان لم يكن ثمة خطو يقال اتبع خطوات فلان ومشى على عقبه إذا استن بسنته والمراد هاهنا سيرة الشيطان وطريقته. والمعنى لا تسلكوا الطرق التي يدعوكم إليها الشيطان ويوسوس بها فى قلوبكم ويزينها لاعينكم ومن جملتها اشاعة الفاحشة وحبها وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فقد ارتكب الفحشاء والمنكر فقوله فَإِنَّهُ اى الشيطان يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ علة للجزاء وضعت موضعه والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه عرفا وعقلا سواء كان فعلا او قولا والمنكر ما ينكره الشرع وقال ابو الليث المنكر ما لا يعرف فى شريعة ولا سنة وفى المفردات المنكر كل شىء تحكم العقول الصحيحة بقبحه او تتوقف فى استقباحه العقول وتحكم بقبحه الشريعة واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تحقيرا لشأنهم وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بهذه البيانات والتوفيق للتوبة الماحية للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها ما زَكى ما طهر من دنس الذنوب مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ من الاولى بيانية والثانية زائدة واحد فى حيز الرفع على الفاعلية أَبَداً آخر الدهر لا الى نهاية وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهر مَنْ يَشاءُ من عباده بافاضة آثار فضله ورحمته عليه وحمله على التوبة ثم قبولها منه كما فعل بكم وفيه حجة على القدرية فانهم زعموا ان طهارة النفوس بالطاعات والعبادات من غير توفيق من الله وَاللَّهُ سَمِيعٌ مبالغ فى سمع الأقوال التي من جملتها ما قالوه من حديث الافك وما أظهروه من التوبة منه عَلِيمٌ بجميع المعلومات التي من جملتها نياتهم وفيه حث لهم على الإخلاص فى التوبة
كر نباشد نيت خالص چهـ حاصل از عمل
وفى الآية امور منها ان خطوات الشيطان كثيرة وهى جملة ما يطلق عليه الفحشاء والمنكر ومن جملته القذف والشتم والكذب وتفتيش عيوب الناس وفى الحديث (كلام ابن آدم كله عليه لا له الا امرا بمعروف او نهيا عن منكر او ذكر الله تعالى) وفى الحديث (كثرت خيانة ان تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت له كاذب) وفى الحديث (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس) وأنفق من مال اكتسبه من غير معصية وخالط اهل الفقه والحكمة وجانب اهل الجهل والمعصية وعن بعضهم خطوات الشيطان النذور فى معصية الله كما فى تفسير ابى الليث فيخرج منها النذور فى طاعة الله كالصلاة والصوم ونحوهما مما ينهى عن الفحشاء
стр. 2623
والمنكر فضلا عن كونه فحشاء او منكر او منها ان امر التزكية انما هو الى الله فانه بفضله ورحمته وفق العبد للطاعات والأسباب ولكن لا بد للعبد من أستاذ يتعلم منه كيفية التزكية على مراد الله تعالى وأعظم الوسائل هو النبي ﵇ ثم من أرشده الى الله تعالى قال شيخ الإسلام عبد الله الأنصاري قدس سره مشايخى فى علم الحديث وعلم الشريعة كثيرة واما شيخى فى الطريقة فالشيخ ابو الحسن الخرقاني فلولا رأيته ما عرفت الحقيقة فاهل الإرشاد هداة طريق الدين ومفاتيح أبواب اليقين فوجود الإنسان الكامل غنيمة ومجالسته نعمة عظيمة
ز من اى دوست اين يك پند بپذير ... برو فتراك صاحب دولتى كير
كه قطره تا صدف را در نيابد ... نكردد كوهر روشن نتابند
ثم ان التزكية الحقيقية تطهر القلب عن تعلقات الأغيار بعد تطهيره عن الميل الى المعاصي والأوزار وقوله (مَنْ يَشاءُ) انما هو لان كل أحد ليس باهل للتزكية كالمنافقين واهل الرين والرعونة ومنها الاشارة الى مغفرة من خاض فى حديث الافك من اهل بدر كمسطح ويدل عليها الاعتناء بشأنه فى الآية الآتية وقد ثبت ان الله اطلع على اهل بدر يعنى نظر إليهم بنظر الرحمة والمغفرة فقال (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) والمراد به اظهار العناية بهم وإعلاء رتبتهم لا الترخيص لهم فى كل فعل كما يقال للمحبوب اصنع ما شئت وفى المقاصد الحسنة كأنك من اهل بدر هو كلام يقال لمن يتسامح او يتساهل والله المسئول فى قبول التوبة عن كل حوبة وَلا يَأْتَلِ من الائتلاء وهو القسم: وبالفارسية [سوكند خوردن] كما فى تاج المصادر من الالية بمعنى اليمين اى لا يخلف نزل فى شأن الصديق رضى الله عنه حين حلف ان يقطع نفقته عن مسطح ابن خالته لخوضه فى عائشة رضى الله عنها وكان فقيرا بدريا مهاجرا ينفق عليه ابو بكر رضى الله عنه أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ ذووا الفضل فى الدين والفضل الزيادة وَالسَّعَةِ فى المال أَنْ يُؤْتُوا اى على ان لا يؤتوا شيأ ولا يحسنوا بإسقاط الخافض وهو كثير شائع أُولِي الْقُرْبى ذوى القرابة وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صفات لموصوف واحد اى ناسا جامعين لها لان الكلام فيمن كان كذلك لان مسطحا قريب ومسكين ومهاجر جيئ بها بطريق العطف تنبيها على ان كلا منها علة مستقلة لاستحقاق الإيتاء وَلْيَعْفُوا عن ذنبهم وَلْيَصْفَحُوا اى ليعرضوا عن لومهم قال الراغب الصفح ترك التثريب وهو ابلغ من العفو وقد يعفو الإنسان ولا يصفح أَلا تُحِبُّونَ [آيا دوست نمى داريد] أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ اى بمقابلة عفوكم وصفحكم وإحسانكم الى من أساء إليكم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مبالغ فى المغفرة والرحمة مع كمال قدرته على المؤاخذة وكثرة ذنوب العباد الداعية إليها وفيه ترغيب عظيم فى العفو ووعد كريم بمقابلته كأنه قيل ألا تحبون ان يغفر الله لكم فهذا من موجباته- روى- انه ﵇ قرأ هذه الآية على ابى بكر رضى الله عنه فقال بلى أحب ان يغفر الله لى فرد الى مسطح نفقته وكفر عن يمينه وقال والله لا انزعها ابدا وفى معجم الطبراني الكبير انه أضعف له النفقة التي كان يعطيه إياها قبل القذف اى أعطاه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك
стр. 2624
وفى الآية دليل على ان من حلف على امر فرأى الحنث أفضل منه فله ان يحث ويكفر عن يمينه ويكون له ثلاثة أجور أحدها ائتماره بامر الله تعالى والثاني اجر بره وذلك فى صلة قرابته والثالث اجر التكفير ثم فى الآية فوائد منها ان العلماء استدلوا بها على فضل الصديق رضى الله عنه وشرفه من حيث نهاه مغايبة ونص على فضله وذكره بلفظ الجمع للتعظيم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم لا يفعلوا كيت وكيت والمنكرون يحملون الفضل على فضل المال لكن لا يخفى ان يستفاد من قوله (وَالسَّعَةِ) فيلزم التكرير فثبت كونه أفضل الخلق بعد رسول الله ﵇ قال فى انسان العيون وصف الله تعالى الصديق باولى الفضل موافق لوصفه ﵇ بذلك فقد جاء ان عليا كرم الله وجهه دخل على النبي ﷺ وابو بكر رضى الله عنه جالس عن يمين رسول الله فتنحى ابو بكر عن مكانه واجلس عليا بينه وبين النبي ﵇ فتهلل وجه النبي فرحا وسرورا وقال (لا يعرف الفضل لاهل الفضل الا أولوا الفضل) : قال الحكيم سنايى
بود چندان كرامت وفضلش ... كه أولوا الفضل خواند ذو الفضلش
صورت وسيرتش همه جان بود ... زان ز چشم عوان پنهان بود
روز وشب سال وماه در همه كار ... ثانى اثنين إذ هما فى الغار
ومنها انها كفت داعيه الى المجاملة والاعراض عن مكافاة المسيء وترك الاشتغال بها وعن انس رضى الله عنه بينما رسول الله ﷺ جالس إذ ضحك حتى بدت نواجذه فقال عمر رضى الله عنه بابى أنت وأمي ما الذي اضحك قال (رجلان من أمتي جثيا بين يدى رب العزة فقال أحدهما خذلى مظلمتى من هذا فقال الله تعالى رد على أخيك مظلمته فقال يا رب لم يبق من حسناتى شىء فقال يا رب فليحمل عنى من أوزاري) ثم فاضت عينا رسول الله بالبكاء فقال (ان ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس الى ان يحمل عنهم أوزارهم) قال (فيقول الله تعالى للمتكلم ارفع بصرك فانظر فى الجنان فقال يا رب ارى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأى نبى هذا أو لأي صديق أو لأي شهيد قال الله تعالى لمن اعطى الثمن قال يا رب ومن يملك ذلك قال الله تعالى أنت تملكه قال بماذا يا رب قال الله تعالى بعفوك عن أخيك قال يا رب قد عفوت عنه قال الله تعالى خذ بيد أخيك فادخله الجنة)
من كان يرجو عفو من فوقه ... فليعف عن ذنب الذي دونه
در عفو لذتيست كه در انتقام نيست
ومنها بيان تأديب الله للشيوخ والأكابر ان لا يهجروا صاحب الزلات واهل العثرات من المريدين ويتخلقوا بخلق الله حيث يغفر الذنوب ولا يبالى وأعلمهم ان لا يكفوا اعطاءهم عنهم ويخبروهم ما وقع لهم من احكام الغيب فان من له استعداد لا يحتجب بالعوارض البشرية عن احكام الطريقة ابدا والله المعين على كل حال وبيده العفو عن سيآت الأعمال إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ قد سبق معنى الرمي فى أوائل السورة الْمُحْصَناتِ العفائف مما رمين من الفاحشة والزنى الْغافِلاتِ [بيخبران] عنها على الإطلاق بحيث لم يخطر ببالهن شىء منها ولا من
стр. 2625
مقدماتها أصلا ففيها من الدلالة على كمال النزاهة ما ليس فى المحصنات قال فى التعريفات الغفلة عن الشيء هى ان لا يخطر ذلك بباله الْمُؤْمِناتِ اى المتصفات بالايمان بكل ما يجب ان يؤمن به من الواجبات والمحظورات وغيرها ايمانا حقيقيا تفصيليا كما ينبئ عنه تأخير المؤمنات عما قبلها مع أصالة وصف الايمان والمراد بها عائشة الصديقة رضى الله عنها والجمع باعتبار ان رميها رمى لسائر أمهات المؤمنين لاشتراك الكل فى العصمة والنزاهة والانتساب الى رسول الله ﵇ كما فى قوله تعالى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) ونظائره لُعِنُوا بما قالوا فى حقهن وهتكوا حرمتهن فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ حيث يلعنهم اللاعنون من المؤمنين والملائكة ابدا: وبالفارسية [دور كرده شدند در دنيا از نام نيكو در آخرت از رحمت يعنى درين عالم مردود وملعونند ودر ان سراى مبغوض ومطرود] واصل اللعنة الطرد والابعاد على سبيل السخط وذلك من الله تعالى فى الآخرة عقوبة وفى الدنيا انقطاع عن قبول فيضه وتوفيقه ومن الإنسان دعاء على غيره وَلَهُمْ مع ما ذكر من اللعن الابدى عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم ذنوبهم قال مقاتل هذا خاص فى عبد الله بن أبيّ المنافق واليه الاشارة بقول حضرة الشيخ نجم الدين فى تأويلاته (إِنَّ الَّذِينَ) إلخ اى ان الذين لم يكونوا من اهل بدر من اصحاب الافك اه ليخرج مسطح ونحوه كما سبقت الاشارة الى مغفرته وقال بعضهم الصحيح انه حكم كل قاذف ما لم يتب لقوله ﵇ (اجتنبوا الموبقات السبع الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله الا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المؤمنات الغافلات) وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قذف ازواج النبي ﵇ فلا توبة له ومن قذف مؤمنة سواهن قد جعل الله له توبة ثم قرأ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ)
الى قوله (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا) الآية يَوْمَ ظرف لما فى الجار والمجرور المتقدم من معنى الاستقرار تَشْهَدُ الشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر او بصيرة عَلَيْهِمْ تقديمه على الفاعل للمسارعة الى بيان كون الشهادة ضارة لهم أَلْسِنَتُهُمْ بغير اختيار منهم وهذا قبل ان يختم على أفواههم فلا تعارض بينه وبين قوله تعالى (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ) وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فتخبر كل جارحة بما صدر من أفاعيل صاحبها لا ان كلا منها تخبر بجنايتها المعهودة فقط فالموصول عبارة عن جميع أعمالهم السيئة يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ التوفية بذل الشيء وافيا والوافي الذي بلغ التمام والدين الجزاء والحق منصوب على ان يكون صفة للدين اى يوم إذ تشهد جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم الثابت الواجب الذي هم اهله وافيا كاملا وَيَعْلَمُونَ عند معاينتهم الأهوال والخطوب أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ اى الظاهر حقيته لما انه ابان لهم حقية ما كان يعدهم به فى الدينا من الجزاء ويقال ان ما قال الله هو الحق وفى الآية امور منها بيان جواز اللعنة على من كان من أهلها قال الامام الغزالي ﵀ الصفات المقتضية للعن ثلاث الكفر والبدعة والفسق وله فى كل واحدة ثلاث مراتب الاولى اللعن بالوصف الأعم كقولك لعنة الله على الكافرين او المبتدعة او الفسقة والثانية اللعن باوصاف أخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى او على القدرية والخوارج والروافض
стр. 2626
او على الزناة والظلمة وآكلى الربا وكل ذلك جائز ولكن فى لعن بعض اصناف المبتدعة خطر لان معرفة البدعة غامضة فما لم يرد فيه لفظ مأثور ينبغى ان يمنع منه العوام لان ذلك يستدعى المعارضة بمثله ويثير نزاعا وفسادا بين الناس والثالثة اللعن على الشخص فينظر فيه ان كان ممن ثبت كفره شرعا فيجوز لعنه ان لم يكن فيه أذى على مسلم كقولك لعنة الله على النمرود وفرعون وابى جهل لانه ثبت ان هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وان كان ممن لم يثبت حال خاتمته بعد كقولك زيد لعنه الله وهو يهودى او فاسق فهذا فيه خطر لانه ربما يسلم او يتوب فيموت مقربا عند الله تعالى فكيف يحكم بكونه ملعونا ومنها شهادة الأعضاء وذلك بانطاق الله تعالى فكما تشهد على المذنبين بذنوبهم تشهد للمطيعين بطاعتهم فاللسان يشهد على الإقرار وقراءة القرآن واليد تشهد بأخذ المصحف والرجل تشهد بالمشي الى المسجد والعين تشهد بالبكاء والاذن تشهد باستماع كلام الله. ويقال شهادة الأعضاء فى القيامة مؤجلة وشهادتها فى المحبة اليوم معجلة من صفرة الوجه وتغير اللون ونحافة الجسم وانسكاب الدموع وخفقان القلب وغير ذلك: قال الحافظ
با ضعف وناتوانى همچون نسيم خوش باش ... بيمارى اندرين ره بهتر ز تن درستى
ومنها ان المجازاة بقدر الاستحقاق فللفاسقين بالقطيعة والنيران وللصالحين بالدرجات وللعارفين بالوصلة والقربة ورؤية الرحمن الْخَبِيثاتُ من النساء اى الزواني: وبالفارسية [زنان ناپاك] لِلْخَبِيثِينَ من الرجال اى الزناة كابن أبيّ المنافق تكون له امرأة زانية اى مختصات بهم لا يكدن يتجاوزنهم الى غيرهم لان لله ملكا يسوق الأهل ويجمع الاشكال بعضا الى بعض على ان اللام للاختصاص وَالْخَبِيثُونَ ايضا: وبالفارسية [مردان ناپاك] لِلْخَبِيثاتِ لان المجانسة من دواعى الانضمام وَالطَّيِّباتُ منهن اى العفائف لِلطَّيِّبِينَ منهم اى العفيفين وَالطَّيِّبُونَ ايضا لِلطَّيِّباتِ منهن بحيث لا يكادون يجاوزونهن الى من عداهن وحيث كان رسول الله ﵇ أطيب الأطيبين وخيرة الأولين والآخرين تبين كون الصديقة من أطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ما قيل فى حقها من الخرافات حسبما نطق به قوله تعالى أُولئِكَ الموصوفون بعلو الشان يعنى اهل البيت وقال فى الاسئلة المقحمة آية الافك نزلت فى عائشة وصفوان فكيف ذكرها بلفظ الجمع والجواب لان الشين وعار الزنى والمعرة بسببه تتعدى الى الرسول لانه زوجها والى ابى بكر الصديق لانه أبوها والى عامة المسلمين لانها أمهم فذكر الكل بلفظ الجمع مُبَرَّؤُنَ [بيزار كرده شدكان يعنى منزه ومعرااند] مِمَّا يَقُولُونَ اى مما يقوله اهل الافك فى حقهم من الأكاذيب الباطلة فى جميع الاعصار والأطوار الى يوم القيامة لَهُمْ مَغْفِرَةٌ عظيمة لما يخلو عنه البشر من الذنب وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فى الجنة اى كثير ويقال حسن قال الكاشفى [يعنى ريح وبسيار و پايدار مراد نعيم بهشت است] قال الراغب كل شىء يشرف فى بابه فانه يوصف بالكرم وقال بعضهم الرزق الكريم هو الكفاف الذي لا منة فيه لاحد فى الدنيا ولا تبعة له فى الآخرة يقول الفقير الظاهر من سوق الآيات ولا سيما من قوله (مِمَّا يَقُولُونَ) ان المعنى ان الخبيثات من القول: يعنى [سخنان ناشايسته وناپاك] للخبيثين من الرجال والنساء اى مختصة ولائقة بهم لا ينبغى
стр. 2627
ان تقاتل فى حق غيرهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحقاء بان يقال فى حقهم خبائث القول والطيبات من الكلم للطيبين من الفريقين اى مختصة وحقيقة بهم وكذا الطيبون من الفريقين أحقاء بان يقال فى شانهم طيبات الكلم أولئك الطيبون مبرأون مما يقول الخبيثون فى حقهم فمآله تنزيه الصديقة ايضا وقال بعضهم خبيثات القول مختصة بالخبيثين من فريقى الرجال والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من الفريقين مختصون بخبائث القول متعرضون لها كابن ابى المنافق ومن تابعه فى حديث الافك من المنافقين إذ كل اناء يترشح بما فيه والطيبات من الكلام للطيبين من الفريقين اى مختصة بهم لا تصدر عن غيرهم والطيبون من الفريقين مختصون بطيبات الكلام لا يصدر عنهم غيرها أولئك الطيبون مبرأون مما يقول الخبيثون من الخبائث اى لا يصدر عنهم مثل ذلك فمآله تنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان عظيم وقد وقع ان الحسن بن زياد بن يزيد الساعي من اهل طبرستان وكان من العظماء وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وكان يرسل
فى كل سنة الى بغداد عشرين الف دينار تفرق على أولاد الصحابة فحصل عنده رجل من أشياع العلويين فذكر عائشة رضى الله عنها بالقبيح فقال الحسن لغلامه يا غلام اضرب عنق هذا فنهض اليه العلويين وقالوا هذا رجل من شيعتنا فقال معاذ الله هذا طعن على رسول الله فان كانت عائشة خبيثة كان زوجها ايضا كذلك وحاشاه ﷺ من ذلك بل هو الطيب الطاهر وهى الطيبة الطاهرة المبرأة من السماء يا غلام اضرب عنق هذا الكافر فضرب عنقه: وفى المثنوى
ذره كاندر همه ارض وسماست ... جنس خود را همچوكاه وكهرباست «١»
ناريان مر ناريانرا جازبند ... نوريان مر نوريانرا طالبند «٢»
اهل باطل باطلان را مى كشند ... اهل حق از اهل حق هم سرخوشتند «٣»
طيبات آمد ز بهر طيبين ... الخبيثات للخبيثين است بين «٤»
وقال الراغب الخبيث ما يكره رداءة وخساسة محسوسا كان او معقولا وذلك يتناول الباطل فى الاعتقاد والكذب فى المقال والقبيح فى الفعال وقوله (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ) اى الأعمال الرديئة والاختيارات النبهرجة لامثالها واصل الطيب ما يستلذه الحواس وقوله (وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ) تنبيه على ان الأعمال الطيبة تكون من الطيبين كما روى (المؤمن أطيب من عمله والكافر أخبث من عمله) وفى التأويلات النجمية يشير الى خباثة الدنيا وشهواتها انها للخبيثين من ارباب النفوس المتمردة والخبيثون من اهل الدنيا المطمئنين بها للخبيثات من مستلذات النفس ومشتهيات هواها معناه انها لا تصلح الا لهم وانهم لا يصلحون الا لها وايضا الخبيثات من الأخلاق الذميمة والأوصاف الرديئة للخبيثين من الموصوفين بها والطيبات من الأعمال الصالحة والأخلاق الكريمة للطيبين من الصالحين وارباب القلوب يعنى خلقت الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات كقوله (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) وقال ﵇ (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) وقال ﵊ (خلقت الجنة وخلق لها اهل وخلقت النار وخلق لها اهل) وفى حقائق البقلى خبيثات هواجس النفس ووساوس الشيطان للبطالين من المرائين والمغالطين وهم لها وطيبات الهام الله بوساطة الملائكة لاصحاب القلوب والأرواح والعقول من العارفين وايضا الترهات والطامات للمرتابين والحقائق والدقائق من المعارف وشرح
стр. 2628
الكواشف للعارفين والمحبين انتهى وكان مسروق إذا روى عن عائشة رضى الله عنها يقول حدثتنى الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله المبرأة من السماء وجاء ان ابن عباس رضى الله عنهما دخل على عائشة فى موتها فوجدها وجلة من القدوم على الله فقال لها لا تخافي فانك لا تقدمين الا على مغفرة ورزق كريم فغشى عليها من الفرح بذلك لانها كانت تقول متحدثة بنعمة الله عليها لقد أعطيت خصالا ما اعطيتهن امرأة لقد نزل جبريل بصورتى فى راحته حتى امر رسول الله ان يتزوجنى ولقد تزوجنى بكرا وما تزوج بكرا غيرى ولقد توفى وان رأسه لفى حجرى ولقد قبر فى بيتي وان الوحى ينزل عليه فى اهله فيتفرقون منه وانه كان لينزل عليه وانا معه فى لحاف واحد وابى رضى الله عنه خليفته وصديقه ولقد نزلت براءتي من السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب لقد وعدت مغفرة ورزقا كريما يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- روى- عن عدى بن ثابت عن رجل من الأنصار قال جاءت امرأة الى رسول الله ﵇ فقالت يا رسول الله انى أكون فى بيتي على الحالة التي لا أحب ان يرانى عليها أحد فيأتى الآتي فيدخل فكيف اصنع قال (ارْجِعِي) فنزلت هذه الآية لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ [يعنى بهيچ خانه بيكانه درمياييد] وصف البيوت بمغايرة بيوتهم خارج مخرج العادة التي هى سكنى كل أحد فى ملكه والا فالآجر والمعير ايضا منهيان عن الدخول بغير اذن يقال اجره اكراه والاجرة الكراء وأعاره دفعه عارية حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا اى تستأذنوا ممن يملك الاذن من أصحابها: وبالفارسية [تا وقتى كه خبر كيريد ودستورى طلبيد] من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره مكشوفا فعلم به فان المستأذن مستعلم للحال مستكشف انه هل يؤذن له اولا ومن الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش لما ان المستأذن مستوحش خائف ان لا يؤدن له فاذا اذن له استأنس ولهذا يقال فى جواب القادم المستأذن مرحبا أهلا وسهلا اى وجدت مكانا واسعا وأتيت أهلا لا أجانب ونزلت مكانا سهلا لا حزنا ليزول به استيحاشه وتطيب نفسه فيؤول المعنى الى ان يؤذن لكم وهو من باب الكناية حيث ذكر الاستئناس اللازم وأريد الاذن الملزوم وعن النبي ﵇ فى معنى الاستئناس حين سئل عنه فقال (هو ان يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة ويتنحنح يؤذن اهل البيت) قال فى نصاب الاحتساب امرأة دخلت فى بيت غير بغير اذن صاحبه هل يحتسب عليها فالجواب إذا كانت المرأة ذات محرم منه حل لامرأته الدخول فى منازل محارم زوجها بغير إذنهم وهذا غريب يجتهد فى حفظه ذكره فى سرقة المحيط ولهذا لو سرقت من بيت محارم زوجها لا قطع عليها عند ابى حنيفة ﵀ وما فى غير ذلك يحتسب عليها كما يحتسب على الرجل لقوله تعالى (لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) اى تستأذنوا انتهى فالدخول بالاذن من الآداب الجميلة والافعال المرضية المستتبعة لسعادة الدارين وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها عند الاستئذان بان يقول السلام عليكم أادخل ثلاث مرات فان اذن له دخل وسلم ثانيا والا رجع ذلِكُمْ الاستئذان مع التسليم خَيْرٌ لَكُمْ من ان تدخلوا بغتة ولو على الام فانها تحتمل ان تكون عريانة وفيه ارشاد الى ترك تحية اهل الجاهلية حين الدخول فان الرجل منهم كان إذا دخل بيتا غريبا صباحا قال «حييتم صباحا»
стр. 2629
وإذا دخل مساء قال «حييتم مساء» قال الكاشفى [وكفته اند كسى كه بر عيال خود در مى آيد بايد كه بكلمه يا بآواز يا بتنحنحى اعلام كند تا اهل آن خانه بستر عورات ودفع مكروهات أقدام نمايند] لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ متعلق بمضمر اى أمرتم به كى تذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه اعلم ان السلام من سنة المسلمين وهو تحية اهل الجنة ومجلبة للمودة وناف للحقد والضغينة- روى- عنه ﵇ قال (لما خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فقال الله تعالى يرحمك ربك يا آدم اذهب الى هؤلاء الملائكة وملأ منهم جلوس فقل السلام عليكم فلما فعل ذلك رجع الى ربه قال هذه تحيتك وتحية ذريتك) وروى عنه ﵇ قال (حق المسلم على المسلم ست يسلم عليه إذا لقيه ويجيبه إذا دعاه وينصح له بالغيب ويشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض ويشهد جنازته إذا مات) ثم انه إذا عرض امر فى دار من حريق او هجوم سارق او قتل نفس بغير حق او ظهور منكر يجب إزالته فحينئذ لا يجب الاستئذان والتسليم فان كل ذلك مستثنى بالدليل وهو ما قاله الفقهاء من ان مواقع الضرورات مستثناة من قواعد الشرع لان الضرورات تبيح المحظورات قال صاحب الكشاف وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة قد تركوا العمل بها وباب الاستئذان من ذلك انتهى وفى الآية الكريمة اشارة الى ترك الدخول والسكون فى البيوت المجازية الفانية من الأجساد وترك الاطمئنان بها بل لا بد من سلام الوداع للخلاص فاذا ترك العبد الركون الى الدنيا الفانية وشهواتها واعرض عن البيوت التي ليست بدار قرار فقد رجع الى الوطن الحقيقي الذي حبه من الايمان
اگر خواهى وطن بيرون قدم نه
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها اى فى تلك البيوت أَحَداً اى ممن يملك الاذن على ان من لا يملكه من النساء والولدان وجدانه كفقدانه او لم تجدوا أحدا أصلا فَلا تَدْخُلُوها فاصبروا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ اى من جهة من يملك الاذن عند إتيانه فان فى دخول بيت فيه النساء والولدان اطلاعا على العورات وفى دخول البيوت الخالية اطلاعا على ما يعتاد الناس إخفاءه مع ان التصرف فى ملك الغير محظور مطلقا: يعنى [دخول در خانه خالى بي اذن كسى محل تهمت سرقه است] يقول الفقير قد ابتليت بهذا مرة غفلة عن حكم الآية الكريمة فاطال علىّ وعلى رفقائى بعض من خارج البيت لكوننا مجهولين عندهم فوجدت الأمر حقا وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا انصرفوا فَارْجِعُوا ولا تقفوا على أبواب الناس اى ان أمرتم من جهة اهل البيت بالرجوع سواء كان الأمر ممن يملك الاذن أم لا فارجعوا ولا تلحوا بتكرير الاستئذان كما فى الوجه الاول او لا تلحوا بالإصرار على الانتظار على الأبواب الى ان يأتى الاذن كما فى الثاني فان ذلك مما يجلب الكراهة فى قلوب الناس ويقدح فى المروءة اى قدح هُوَ اى الرجوع أَزْكى لَكُمْ اى اطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الأبواب من دنس الدناءة والرذالة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه فيجازيكم عليه وفى التأويلات النجمية (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً)
стр. 2630
يشير الى فناء صاحب البيت وهو وجود الانسانية (فَلا تَدْخُلُوها) بتصرف الطبيعة الموجبة للوجود (حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) بامر من الله بالتصرف فيها للاستقامة كما امر (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا) اى الى ربكم (فَارْجِعُوا) ولا تتصرفوا فيها تصرف المطمئنين بها (هُوَ أَزْكى لَكُمْ) لئلا تقعوا فى فتنة من الفتن الانسانية وتكونوا مع الله بالله بلا أنتم (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ) من الرجوع الى الله وترك تعلقات البيوت الجسدانية (عَلِيمٌ) انه خير لكم لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ قال فى المفردات جنحت السفينة اى مالت الى أحد جانبيها سمى الإثم المائل بالإنسان عن الحق جناحا ثم سمى كل اثم جناحا أَنْ تَدْخُلُوا اى بغير استئذان بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ اى غير موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل لينتفع بها من يضطر إليها كائنا من كان من غير ان يتخذها سكنا كالربط والخانات والحوانيت والحمامات ونحوها فانها معدة لمصالح الناس كافة كما ينبى عنه قوله تعالى فِيها مَتاعٌ لَكُمْ فانه صفة للبيوت اى حق تمتع لكم وانتفاع كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الامتعة والرحال والشراء والبيع والاغتسال وغير ذلك مما يليق بحال البيوت وداخلها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من قوام الرباطات والخانات واصحاب الحوانيت ومتصرفى الحمامات ونحوهم وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ تظهرون وَما تَكْتُمُونَ تستترون وعيد لمن يدخل مدخلا من هذه المداخل لفساد او اطلاع على عورات قال فى نصاب الاحتساب رجل له شجرة فرصاد قد باع أغصانها فاذا ارتقاها المشترى يطلع على عورات الجار قال يرفع الجار الى القاضي حتى يمنعه من ذلك قال الصدر الشهيد فى واقعات المختار ان المشترى يخبرهم وقت الارتقاء مرة او مرتين حتى يستروا أنفسهم لان هذا جمع بين الحقين وان لم يفعل الى ان يرفع الجار الى القاضي فان رأى القاضي المنع كان له ذلك. ولو فتح كوّة فى جداره حتى وقع نظره فيها الى نساء جاره يمنع من ذلك وفى البستان لا يجوز لاحد ان ينظر فى بيت غيره بغير اذنه فان فعل فقد أساء واثم فى فعله فان نظر ففقأ صاحب البيت عينه اختلفوا فيه قيل لا شىء عليه وقيل عليه الضمان وبه نأخذ وكان عمر رضى الله عنه يعس ليلة مع ابن مسعود رضى الله عنه فاطلع من خلل باب فاذا شيخ بين يديه شراب وقينة تغنيه فتسورا فقال عمر رضى الله عنه ما صح لشيخ مثلك ان يكون على مثل هذه الحالة فقام اليه الرجل فقال يا امير المؤمنين أنشدك بالله ألا ما أنصفتني حتى أتكلم قال قل قال ان كنت عصيت الله فى واحدة فقد عصيت أنت فى ثلاث قال ما هن قال تجسست وقد نهاك الله فقال (وَلا تَجَسَّسُوا) وتسورت وقد قال الله (لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) الى (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها) ودخلت بغير اذن وقد قال الله (لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها) فقال عمر صدقت فهل أنت غافر لى فقال غفر الله لك فخرج عمر يبكى ويقول ويل لعمر ان لم يغفر الله له فان قلت دل هذا على ان المحتسب لا يدخل بيتا بلا اذن وقد صح انه يجوز له الدخول فى بيت من يظهر البدع بلا اذن قلت هذا فيما اظهر وذلك فيما أخفى وفى التأويلات النجمية فى الآية اشارة الى جواز تصرف السالك الواصل فى بيت الجسد الذي هو غير مسكون لصاحبه وهو الانسانية لفنائها عن وجودها بافناء الحق تعالى فيها متاع لكم اى الآلات والأدوات التي تحتاجون إليها عند السير فى عالم الله ولتحصيلها بعثت الأرواح