← Тафсир

Тафсир · id 23612

روح البيان

إسماعيل حقي

Полный текст (5 110 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

هاتين الحقيقتين وَأَنَّ عَلَيْهِ اى على الله تعالى النَّشْأَةَ الْأُخْرى اى الخلقة الاخرى وهو الاحياء بعد الموت وفاء بوعده لا لانه يجب على الله كما يوهمه ظاهر كلمة على وفيه تصريح بأن الحكمة الالهية اقتضت النشأة الثانية الصورية للجزاء والمكافأة وإيصال المؤمنين بالتدريج الى كما لهم اللائق بهم ولو أراد تعجيل أجورهم في هذه الدار لضاقت الدنيا بأجر واحد منهم فما ظنك بالباقي ومن طلب تعجيل نتائج اعماله وأحواله في هذه الدار فقد أساء الأدب وعامل الموطن بما لا يقتضيه حقيقته واما إذا استقام العبد في مقام عبوديته وعجل له الحق نتيجة ما او كرامة فان من الأدب قبولها ان كانت مطهرة من شوآئب الحظوظ وبالجملة فالخير فيما اختاره الله لك ثم ان النشأة الاخرى الصورية مترتبة على كمال الفناء الصوري مع الاستعداد والتهيؤ لقبول الروح فكذا النشأة الاخرى المعنوية وهى البقاء والاتصاف بالصفات الالهية موقوفة على تمام الفناء المعنوي والانسلاخ عن الأوصاف البشرية بالكلية مع الاستعداد والتهيؤ لقبول الفيض وبالجملة فلا بد في كلتا النشأتين من صحة المزاج ألا ترى ان الجنين إذا فسد في الرحم سقط بل الرحم إذا فسدت لم تقبل العلوق والى الولادة الثانية التي هى النشأة الاخرى أشار عيسى ﵇ بقوله لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين ومعنى ملكوت السموات حقائقها وأنوارها واسرارها فكل نبى وولى وارث متحقق بهذا الولوج والولادة الثانية وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى اعطى الغنى للناس بالأموال وَأَقْنى واعطى القنية وهى ما يتأثل من الأموال اى يتخذ أصلا ويدخر بان يقصد حفظه استثمارا واستنماء وان لا يخرج عن ملكه وفي المثل لا تقتن من كلب سوء جروا يقال قنوت الغنم وغيرها وقنيتها قنية وقنية أذا اقتنيتها لنفسك لا للتجارة وفي تاج المصادر الإقناء سرمايه دادن وخشنود كردن قال بعضهم اغنى الناس بالكفاية والأموال واعطى القنية وما يدخرونه بعد الكفاية وقال الضحاك اغنى بالذهب والفضة والثياب والمسكن واقنى بالإبل والبقر والغنم والدواب وافراد القنية بالذكر اى بعد قوله اغنى لانها اشرف الأموال وأفضلها او معنى اقنى ارضى وتحقيقه جعل الرضى له قنية والأوفق لما تقدمه من الآي المشتملة على مراعاة صنعة الطباق ان يحمل على معنى أفقر على ان تكون الهمزة ى في اقنى للارالة كما قاله سعدى المفتى قال الجنيد قدس سره اغنى قوما به وأفقر قوما منه وقال بعضهم فيه اشارة الى افاضة الفيض الإلهي على القلب السليم المستقيم الثابت على دين الله كما قال ﵇ اللهم ثبت قلبى على دينك وابقاء ذلك الفيض الإلهي عليه بحيث لا يستهلك الفيض ولا يضمحل تحت غلبة ظلمة النفس الامارة بالسوء لتمكن ذلك القلب وعدم تلونه بخلاف القلب المتلون فانه لعدم تمكنه في بعض الأوقات يتكدر بظلمة النفس ويزول عنه ذلك النور المفاض عليه المضاف اليه وهو المعنى بقوله اقنى اى جعل فيه ذلك النور قنية ثم ان الآية دلت على اباحة التأثل من الأموال النافعة دون غيرها ولذا نهى عن اقتناء الكلب اى إمساكه بلا فائدة من جهة حفظ الزرع او الضرع او نحو ذلك والنفس الامارة أشد من الكلب العقور ففى اقتناء الروح النامي مندوحة عن اقتنائها ابتر عقيم لا خير فيها

стр. 4272

الا ترى ان مرتبة النفس والطبيعة تبقى هنا ولا تستصحب الإنسان الكامل في النشأة الجنانية إذا لجنان كالمرعى الطيب والروض الانف فلا يرعى فيها الا الروح الطيب والجسد النظيف وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى اى رب معبود هم فاعبدوا الرب دون المربوب والشعرى كوكب نير خلف الجوزاء يقال لها العبور بالمهملة كالصبور وهى أشد ضياء من الغميصاء بالغين المعجمة المضمومة وفتح الميم والصاد المهملة وهى احدى الشعريين يعنى ان الشعرى شعريان إحداهما الشعرى اليمانية وتسمى ايضا الشعر العبور وثانيتهما الشعرى الشامية وتسمى ايضا الشعرى الغميصاء فصلت المجرة بينهما تزعم العرب ان الشعريين أختا سهيل وان الثلاثة كانت مجتمعة فانحدر سهيل نحو اليمن وتبعته العبور فعبرت المجرة ولقيت سهيلا واقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل فغمصت عينها اى كانت اقل نورا من العبور وأخفى والغمض فى العين ما سال من الرمص يقال غمصت عينه بالكسر غمصا وكانت خزاعة تعبد الشعرى سن لهم ذلك ابو كبشة رجل من اشرافهم فقال لقومه ان النجوم تقطع السماء عرضا وهذه تقطعها طولا فليس شيء مثلها فعبدتها خزاعة وخالف ابو كبشة قريشا في عبادة الأوثان ولذلك كانت قريش يسمون الرسول ﵇ ابن ابى كبشة لا يريدون بذلك اتصال نسبه اليه وان كان الأمر كذلك اى لان أبا كبشة أحد أجداد النبي ﵇ من قبل امه بل يريدون به موافقته ﵇ له في ترك عبادة الأوثان واحداث دين جديد فالنبى ﵇ كما وافق أبا كبشة في مخالفة قريش بترك عبادة الأصنام خالفه ايضا بترك عبادة الشعرى وهو اشارة الى شعرى النفس المسماة بكلب الجبار التي عبدها خزاعة اهل الأهواء وابو كبشة اهل البدع من الفلاسفة والزنادقة وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى هى قوم هود ﵇ اهلكوا بريح صرصر وعاد الاخرى ارم وقيل الاولى القدماء لانهم اولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح اى المراد بعاد جميع من انتسب الى عاد بن ارم بن عوص بن سام بن نوح ووصفهم بالاولية ليس للاحتراز عن عاد الاخيرة بل لتقدم هلاكهم بحسب الزمان على هلاك سائر الأمم بعد قوم نوح قال في التكملة وصف عاد بالأولى يدل على ان لها ثانية فالاولى هى عاد بن ارم قوم هود والثانية من ولدها وهى التي قاتلها موسى ﵇ بأريحاء كانوا تناسلوا من الهزيلة بنت معاوية وهى التي نجت من قوم عاد مع بنيها الاربعة عمر وعمرو وعامر والعتيد وكانت الهزيلة من العماليق وَثَمُودَ عطف على عادا لان ما بعده لا يعمل فيه لمنع ما النافية عن العمل وهم قوم صالح ﵇ أهلكهم الله بالصيحة فَما أَبْقى اى أحدا من الفريقين ويجوز ان يكون المعنى فما أبقى عليهما فالابقاء على هذا المعنى الترحم وهو بالفارسية بخشودن وانما لم يترحم عليهم لكونهم من اهل الغضب ورحمة الله لاهل اللطف دون القهر وفيه اشارة الى التربية فأولا باللطف وثانيا بالعتاب وثالثا بالعقاب فان لم يحصل التنبه فبالازالة والإهلاك وهكذا عادة الله في خلقه فليتنبه العباد وليحافظوا على المراتب في تربية عبيدهم وامائهم وخدمهم مطلقا وَقَوْمَ نُوحٍ عطف عليه ايضا مِنْ قَبْلُ اى من قبل إهلاك عاد وثمود إِنَّهُمْ اى قوم

стр. 4273

نوح كانُوا هُمْ أَظْلَمَ لنبيهم وَأَطْغى من الفريقين حيث كانوا يؤذونه وينفرون الناس عنه وكانوا يحذرون صبيانهم ان يسمعوا منه وكانوا يضربونه ﵇ حتى لا يكون به حراك وما اثرت فيهم دعوته قريبا من الف سنة وما آمن معه الا قليل با سيه دل چهـ سود كفتن وعظ ... نرود ميخ آهنين در سنك وفيه اشارة الى إهلاك صفات القلب من قبل ان يتمكن في سفينة التوحيد فانهم كانوا مذبذبين منقلبين بين القلب وبين النفس ظالمين على القلب بمشاهدة الكثرة طاغين عليه بالميل الى النفس وصفاتها وَالْمُؤْتَفِكَةَ هى قرى قوم لوط ﵇ يعنى شهرستان قوم لوط ﵇ ائتفكت بأهلها اى انقلبت بهم وهو منصوب عطفا على عادا اى وأهلك المؤتفكة وقيل هو منصوب بقوله أَهْوى اى أسقطها الى الأرض مقلوبة بعد ان رفعها على جناح جبريل الى السماء فالاهواء بمعنى انداختن وقال الزجاج القاها فى الهاوية فَغَشَّاها ما غَشَّى من فنون العذاب (وقال الكاشفى) پس بپوشانيد آن شهرها را آنچهـ بپوشانيد يعنى سنكهاى نشان داده بر ان بارانيد وفيه من التهويل والتفظيع ما لا غاية وراءه قوله ما غشى مفعول ثان ان قلنا ان التضعيف للتعدية اى البس الله المؤتفكة ما البسها إياه من العذاب كالحجارة المنضودة المسومة فمفعولا الفعل الاول مذكوران والثاني محذوفان وان قلنا انه للمبالغة والتكثير فهو فاعل كقوله فغشيهم من اليم ما غشيهم وفي الآية اشارة الى قرية القالب وانقلابها من أعلى الكمال الى أسفل النقصان ومن اعتدال المزاج الى انحرافه وذلك سبب ظلم النفس الامارة عليها باستيفاء الحظوظ والشهوات كما قال تعالى وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى الآلاء النعم واحدها الى والى والى كما في القاموس والتمارى والامتراء والمماراة المحاجة فيما فيه مرية اى شك وتردد قال في تاج المصادر التمارى بشك شدن وبا يكديكر بستيهبدن واسناد فعل التمارى الى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقه والخطاب للرسول ﵇ فهو من باب الالهاب والتعريض بالغير على طريقة قوله تعالى لئن أشركت ليحبطن عملك او لكل واحد وجعل الأمور المعدودة آلاء مع ان بعضها نقم لما انها ايضا نعم من حيث انها نصرة للانبياء والمؤمنين وانتقام لهم وفيها عظات وعبر للمعتبرين قال في بحر العلوم وهلاك أعداء الله والنجاة من صحبتهم وشرهم والعصمة من مكرهم من أعظم آلائه الواصلة الى المؤمنين قال المتنبي ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدواله ما من صداقته بد وقد امر نوحا بالحمد على ذلك في قوله فقل الحمد الله الذي نجانا من القوم الظالمين وقد حمد هو بنفسه على ذلك في موضع آخر تعليما لعباده حيث قال فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين وقد سجد ﵇ سجدة الشكر حين رأى رأس ابى جهل قد قطعت في غزوة بدر وفي التأويلات النجمية يشير الى استحقاق الشكر الجزيل على آلائه التي عددها وسماها آلاء لاشتمالها على نعم المواعظ ونعم الزواجر واستبعاد الشك والمماراة فيها والخطاب لافراد الامة

стр. 4274

لاشتمال النبي ﵇ على أمته كما قال ان ابراهيم كان أمته قانتا انتهى ومعنى الآية إذا عرفت يا محمد هذه المذكورات فبأى نعمة من نعم ربك تتشكك بأنها ليست من عند الله او في كونها نعمة وبالفارسية پس بكدامين از نعمتهاى آفريدگار خود شك مى آرى وجدال ميكنى فكما نصرت اخوانك من الأنبياء الماضين ونصرت أولياءهم وأهلكت أعدائهم فكذلك افعل بك فلا يكن قلبك في ضيق وحرج مما رأيت من اصرار هؤلاء القوم وعنادهم واستكبارهم هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى هذا اما اشارة الى القرآن والنذير مصدر اى هذا القرآن الذي تشاهدونه إنذار كائن من قبيل الانذارات المتقدمة التي سمعتم عاقبتها او الى الرسول والنذير بمعنى المنذر اى هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الأولين والاولى على تأويل الجماعة لمراعاة الفواصل وقد علمتم احوال قومهم المنذرين وفي التأويلات النجمية يشير الى القرآن او الى الرسول وشبه انذارهما بانذار الكبت الماضية والرسول المتقدمة يقول الفقير فيه اشارة الى نذارة كمل ورثته ﵇ فان كل نذير متأخر فهو من قبيل النذر الاولى لاتحاد كلمتهم ودعوتهم الى الله على بصيرة وكذا ما ألهموا به من الانذارات بحسب الاعصار والمشارب فطوبى لاهل المتابعة وويل لاهل المخالفة بكوى آنچهـ دانى سخن سودمند ... وكر هيچ كس را نيايد پسند كه فردا پشيمان بر آرد خروش ... كه آوخ چرا حق نكردم بكوش بكمراه كفتن نيكو ميروى ... كناه بزركست وجور قوى مكو شهد شيرين شكر فايقست ... كسى را كه سقمونيا لا يقست چهـ خوش كفت يكروز دار وفروش ... شفا بايدت داروى تلخ نوش أَزِفَتِ الْآزِفَةُ فى إيراده عقيب المذكورات اشعار بأن تعذيبهم مؤخر الى يوم القيامة تعظيما للنبى ﵇ وان كانوا معذبين في الدنيا ايضا في الجملة واللام للعهد فلذا صح الاخبار بدونها ولو كانت للجنس لما صح لانه لا فائدة في الاخبار بقرب آزفة ما فان قلت الاخبار بقرب الآزفة المعهودة لا فائدة فيه ايضا قلت فيه فائدة وهو التأكيد وتقرير الانذار والأزف ضيق الوقت لقرب وقت الساعة وعلى ذلك عبر عن القيامة بالساعة يقال أزف الترحل كفرح ازفا وأزوفا دنا والأزف محركة الضيق كما في القاموس والمعنى دنت الساعة الموصوفة بالدنو فى نحو قوله تعالى اقتربت الساعة اى في الدلالة على كمال قربها لما في صيغة الافتعال من المبالغة ففى الآية اشارة الى كمال قربها حيث نسب القرب الى الموصوف به لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ اى ليس لها انفس قادرة على كشفها اى إزالتها وردها عند وقوعها في وقتها المقدر لها الا الله لكنه لا يكشفها من كشف الضر اى ازاله بالكلية فالكاشفة اسم فاعل والتاء للتأنيث والموصوف مقدر او ليس لها الآن نفس كاشفة بتأخير ها الا الله فانه المؤخر لها يعنى لو وقت الآن لم يردها الى وقتها أحد الا الله فالكشف بمعنى الازالة لا بالكلية بل بالتأخير الى وقتها او ليس لها كاشفة لوقتها الا الله اى عالمة به من كشف الشيء إذا عرف حقيقته او مبينة له متى تقوم وفي القرآن لا يجليها لوقتها الا هو او ليس لها من غير الله كشف

стр. 4275

على ان كاشفة مصدر كالعاقبة والخائنة واما جعل التاء للمبالغة كتاء علامة فالمقام يأباه لا يهامه ثبوت اصل الكشف لغيره وفي الآية اشارة الى قرب القيامة الكبرى ووقوع الطامة العظمى وهى ظهور الحقيقة المثلى لأهل الفناء عن نفوسهم والإقبال على الله بجمع الهمة وقوة العزيمة ليس لها من دون الله كاشفة بالنسبة الى اهل الحجاب لانهم مستغرقون فى بحر الغفلة مستهلكون في أسر الشهوة والإنسان فان في كل آن وزمان وماله شعور بذلك فياليته كشف عن غطائه وتشرف برؤية الله ولقائه وقد قالوا قيامة العارفين دائمة اى لانهم في شهود الأمر على ما كان عليه ولا يتوقف شهودهم على وقوع القيامة الظاهرة ومن هنا قال الامام على كرم الله وجهه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فطوبى لمن زاد يقينه ووصل الى حق اليقين وتمكن في مقام التحقيق والله المعين أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ آيا ازين سخن كه قرآنست تَعْجَبُونَ إنكارا قال الراغب العجب والتعجب حالة تعرض للانسان عند الجهل بسبب الشيء ولهذا قال بعض الحكماء العجب ما لا يعرف سببه وَتَضْحَكُونَ استهزاء مع كونه ابعد شيء من ذلك قال الراغب واستعير الضحك للسخرية فقيل ضحكت منه وَلا تَبْكُونَ حزنا على ما فرطتم في شانه وخوفا من أن يحيق بكم ما حاق بالأمم المذكورة (روى) انه ﵇ لم ير ضاحكا بعد نزول هذه الآية وعن ابى هريرة رضى الله عنه لما نزلت هذه الآية بكى اهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم فلما سمع رسول الله ﵇ حنينهم بكى معهم فبكينا لبكائه فقال ﵇ لا يلج النار من بكى من خشية الله ولا يدخل الجنة مصر على معصية الله ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ثم يغفر لهم (وروى) ان النبي ﵇ نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكى فقال له من هذا فقال فلان فقال جبرائيل انا نزن اعمال بنى آدم كلها الا البكاء فان الله ليطفئ بالدمعة بحورا من نيران جهنم وفي الحديث (ان هذا القرآن نزل بحزن فاذا قرأ تموه فابكوا فان لم تبكوا فتباكوا) وذلك فان الحزن يؤدى الى السرور والبكاء الى الضحك (قال الصائب) منال اى ساكن بيت الحزن از چشم تاريكى ... كه خواهد صيقلى كشت از جمال روشن يوسف (وقال) خنده كردن رخنه در قصر حيات افكندنست ... خانه در بسته باشد تا غمين باشد كسى وَأَنْتُمْ سامِدُونَ اى لاهون او مستكبرون من سمد البعير في مسيره إذا رفع رأسه قال الراغب السامد اللاهي الرافع رأسه او مغنون لتشغلوا الناس عن استماعه من السمود بمعنى الغناء على لغة حمير وكانوا إذا سمعوا القرآن عارضوه بالغناء واللهو ليشغلوهم عن الاستماع او خاشعون جامدون من السمود بمعنى الجمود والخشوع والجملة حال من فاعل لا تبكون خلا ان مضمونها على الوجه الا خير قيد للمنفى والإنكار وأراد على نفى البكاء والسمود معا وعلى الوجوه الاول قيد للنفى والإنكار متوجه الى نفى البكاء ووجود السمود والاول او في بحق المقام فتدبر كما في الإرشاد فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا الفاء لترتيب الأمر

стр. 4276

او موجبه على ما تقرر من بطلان مقابلة القرآن بالإنكار واستهزاء ووجوب تلقيه بالايمان مع كمال الخضوع والخشوع اى وإذا كان الأمر كذلك فاسجدوا لله الذي أنزله واعبدوه ولا تعبدوا غيره من ملك او بشر فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع كالاصنام والكواكب قال في عين المعاني فاسجدوا اى في الصلاة والأصح انه على الانفراد وهى سجدة التلاوة انتهى وهذا محل سجود عند ابى حنيفة والشافعي واحمد وهو قول عمر بن الخطاب رضى الله عنه لانه صح عن رسول الله ﵇ انه سجد بالنجم يعنى بعد تلاوته هذه السورة على قريش سجد وسجد معه المؤمن والمشرك والانس والجن كما سبق وليس يراها مالك لما روى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه انه قرأ على النبي ﵇ والنجم فلم يسجد فيها (قال الكاشفى) اين سجده دوازدهم است از سجدات قرآنى در فتوحات اين را سجده عبادت كفتند كه امر آلهى بذلت ومسكنت مقترنست بوى وجز سالكان طريقت عبادت وعبوديت بسر منزل سر اين سخن نرسيده اند وفي التأويلات البقلى اى إذا قرب ايام الوصال فاشتاقوا وسارعوا في بذل الوجود ووضع الخدود على التراب واعبدوا رب الأرباب لوجود كشف النقاب قال شيخى وسندى روح الله روحه في كتاب البرقيات له يعنى اسجدوا لله واعبدوا الله بالله لا بالنفس إذا سجدتم وعبدتم له بسجدة القالب بالانقياد وعبادته بالإذعان فى مرتبة الشريعة وبسجدة القلب بالفناء وعبادته بالاستهلاك في مرتبة الحقيقة حتى تكون سجدتكم وعبادتكم محض قربة الى الله في المرتبة الاولى وصرف وصلة الى الله في المرتبة الثانية وتكونوا من المقربين اولا ومن الواصلين ثانيا هذا شأن عباد الله الموحدين المخلصين الفانين في الله الباقين بالله واما طاعة من عداهم فبأنفسهم وهواهم لعدم تخلصهم من الشوائب النفسانية في مقام الشريعة ومن الشوائب الغيرية في مقام الحقيقة واعلم ان سجدة القالب وعبادته منقطعة لانقطاع سببها ومحلها وموطنها لانها حادثة فانية زائلة واما سجدة القلب وعبادته وهى فناؤه في الله ازلا وابدا بحسب نفسه وان كان باقيا بالله بحسب تحلية الوجود فغير منقطعة بل هى دائمة لدوام سببها وباقية لبقاء محلها وموطنها ازلا وابدا والمقصود من وضع السجدة والعبادة القالبية هو الوصول الى شهود السجدة والعبادة القلبية ولذا حبب الى النبي ﵇ ثلاث الطيب والنساء والصلاة اما الاول فلأنه يوجد في نفسه ذوق الانس والمحاضرة واما الثاني فلأنه يوجد فيه ذوق القربة والوصلة واما الثالث فلأنه يوجد فيه ذوق المكاشفة والمشاهدة وهذه الأذواق انما يتحقق بها من الانس من هو الإنسان الحقيقي المتحقق بسر الحضرة الاحدية والمتنور بنور الحضرة الواحدية وهو المنتفع بانسانيته انتفاعا تاما واما الإنسان الحيواني فلاحظ له من ذلك التحقق ولا نصيب له من هذا الانتفاع بل حظه ونصيبه انما هو الشهوات الطبيعية والإنسان الاول فى أعلى عليين والثاني في أسفل السافلين وبينهما بون بعيد كما بين الأوج والحضيض وبكمال علو الاول قد يستغنى عن الاكل والشرب كالملائكة بالاذواق الروحانية والتجليات الربانية وذلك مدة كثيرة كما وقع لبعضهم ولتمام تسفل الثاني يأكل كما تأكل الانعام فلا

стр. 4277

يقتنع في اليوم والليلة بمرة من الاكل بل يحتاج الى مرات منها والا يقع في الاضطراب والذبول والنحول وربما تؤدى قلة الاكل الى هلاكه كما حكى ان شخصين أحدهما سمين والآخر هزيل حبسا في تهمة ومنع عنهما الغذاء اسبوعا فبعد الأسبوع تبين ان ليس لهما جرم فاذا السمين قدمات والهزيل حى وذلك لان من اعتاد الاكل إذا لم يجده هلك تمت سورة النجم بعون الله تعالى في الحادي عشر من شهر رمضان المنتظم في سلك شهور سنة اربع عشرة ومائة والف تفسير سورة القمر وآيها خمس وخمسون وهى مكية عند الجمهور والله اعلم بسم الله الرحمن الرحيم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ الاقتراب نزديك آمدن والساعة جزء من اجزاء الزمان عبر بها عن القيامة تشبيها لها بذلك لسرعة حسابها أو لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا او لانها ساعة خفيفة يحدث فيها امر عظيم او لغير ذلك كما بين فيما سبق والمعنى دنت القيامة وقرب قيامها ووقوعها لانه ما بقي من الدنيا الا قليل كما قال ﵇ ان الله جعل الدنيا كلها قليلا فما بقي منها قليل من قليل ومثل ما بقي مثل الثعب اى الغدير شرب صفوه وبقي كدره فالاقتراب يدل على مضى الأكثر ويمضى الأقل عن قريب كما مضى الأكثر وبيانه انه مضى من يوم السنبلة وهو سبعة آلاف سنة وقد صح ان مدة هذه الامة تزيد على الف بنحو اربعمائة سنة الى خمسمائة سنة ولا يجوز الزيادة الى خمسمائة سنة بعد الالف لعدم ورود الاخبار في ذلك ولاقتضاء البراهين والشواهد عند اهل الظواهر والبواطن من اهل السنة وقد قال ﵇ الآيات بعد المائتين والمهدى بعد المائتين فتنتهى دورة السنبلة بظهور عيسى ﵇ فيكون آدم فاتحها وعيسى خاتمها فعلى هذا فآدم ونبينا ﵉ اى وجودهما من اشراط الساعة كما قال ﵇ مثلى ومثل الساعة كفرسى رهان فاذا كان وجوده من اشراط الساعة فمعجزاته من انشقاق القمر ونحوه تكون كذلك يقول الفقير فان قلت فكم عمر الدنيا بأسرها وما قول العلماء فيه قلت اتفقوا على حدوث الدنيا وما قطعوا بشيء في مدتها والذي يلوح لى والله اعلم بحقيقة المدة انها ثلاثمائة وستون الف سنة وذلك لانه قد مثل دور السنبلة بجمعة من جمع الآخرة اى سبعة ايام وكل يوم من ايام الآخرة الف سنة كما قال تعالى وان يوما عند ربك كألف سنة ولا شك ان بالجمعة اى الأسبوع يتقدر الشهر وبالشهر تتقدر السنة وعليه يحمل ما ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة فقد مضى ستة آلاف سنة ومائة سنة وليأتين عليها زمن من سنين ليس عليها من يوحد وقد خاطبت الدنيا آدم ﵇ فقالت يا آدم جئت وقد انقضى شبابى يعنى انقضى من عمرها ستون الف سنة تقريبا وهى إجمال ما ذكرنا من المدة ولا شك ان ما بين الستين والسبعين دقاقة الرقاب فآدم انما جاء الى الدنيا وقد انقضى عمرها وبقي شيء قليل منها وعلى هذا المعنى يحمل قول من قال ان عمر الدنيا

стр. 4278

سبعون الف سنة فاعرف جدا فالساعة مقتربة عند الله وعند الناس لان كل آت قريب وان طالت مدته فكيف إذا قصرت واما قوله تعالى انهم يرونه بعيدا ونراه قريبا فبالنسبة الى الغافلين المنكرين ولا عبرة بهم والحكمة في ذكر اقتراب الساعة تحذير المكلف وحثه على الطاعة تنبيها لعباده على ان الساعة من أعظم الأمور الكونية على خلقه من اهل السموات والأرض واما تعيين وقت الساعة فقد انفرد الحق تعالى بعلمه وأخفاه عن عباده لانه أصلح لهم ولذا كان كل نبى قد انذر أمته الدجال وفي الحديث (ان بين يدى الساعة كذا بين فاحذر وهم) والمراد بالكذابين الدجاجلة وهم الائمة المضلون يقول الفقير لا شك ان إنذار الأنبياء ﵈ حقيقة من أمثال هؤلاء الدجاجلة من أممهم إذ لم يخل قرن منهم والا فهم يعرفون ان الساعة انما تقوم بعد ظهور ختم النبيين وختم الأمم وان الدجال الأعور الكذاب متأخر عن زمانه وانما يخرج في الالف الثاني بعد المائتين والله اعلم فكل كذاب بين يدى الساعة سوآء كان قبل مبعث النبي ﵇ او بعده فانما هو من مقدمات الدجال المعروف كما ان كل اهل صدق من مقدمات المهدى رضى الله عنه وَانْشَقَّ الْقَمَرُ الانشقاق شكافته شدن دلت صيغة الماضي على تحقق الانشقاق فى زمن النبي ﵇ ويدل عليه قراءة حذيفة رضى الله عنه وقد انشق القمر اى اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها ان القمر قد انشق وقد خطب حذيفة بالمدائن ثم قال الا ان الساعة قد اقتربت وان القمر قد انشق على عهد نبيكم وحذيفة ابن اليمان رضى الله عنه صاحب سر رسول الله ﵇ كابن مسعود رضى الله عنه وعلى هذا القول عامة الصحابة ومن بعدهم وبه أخذ اكثر المفسرين فلا عبرة بقول من قال انه سينشق يوم القيامة كما قال تعالى إذا السماء انشقت والتعبير بالماضي للدلالة على تحققه على انا نقول يجوز أن يكون انشقاقه مرتين مرة في زمانه ﵇ اشارة الى قرب الساعة ومرة يوم القيامة حين انشقاق السماء وفي فتح الباري لابن حجر حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث انتهى وقال الطيبي أسند ابو اسحق الزجاج عشرين حديثا الا واحدا في تفسيره الى رسول الله ﵇ في انشقاق القمر وفي شرح الشريف للمواقف هذا متواتر رواه جمع كثير من الصحابة كابن مسعود وغيره قال سعدى المفتى فيه انهم لم يجعلوا حديث من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وقد رواه ستون او اكثر من الصحابة وفيهم العشرة من المتواتر فكيف يجعل هذا منه انتهى يقول الفقير قد جعل ابن الصلاح ومن تبعه ذلك الحديث اى حديث من كذب إلخ من المتواتر كما في اصول الحديث على انه يجوز أن لا يكون بعض ما رواه جمع كثير من المتواتر لعدم استجماع شرائطه (امام زاهد ﵀ آورده كه شبى ابو جهل وجهودى بحضرت پيغمبر ﵇ رسيدند ابو جهل كفت اى محمد آيتي بمن نماى والاسر تو بشمشير برميدارم آن حضرت فرمود كه چهـ ميخواهى ابو جهل بجب وراست نكريست كه چهـ خواهد كه وقوع آن متعذر باشد يهودى گفت او ساحرست او را بكوى كه ماه را

стр. 4279

بشكافد كه سحر در زمين متحقق ميشود وساحر را در آسمان تصرف نيست ابو جهل كفت اى محمد ماه را براى ما بشكاف آن حضرت انكشت شهادت بر آورد واشارت فرمود ماه را بشكافت في الحال دو نيم شد يك نيم بر جاى خود قرار كرفت ويكى ديكر جايى ديكر رفت وباز كفت بكوى تا ملتئم شود اشارت كرد هر دو نيمه بهم پيوستند شق كشت ماه چارده بر لوح سبز چرخ ... چون خامه دبير ز تيغ بنان او (قال العطار قدس سره) ماه را انكشت او بشكافته ... مهر از فرمانش از پس تافته (وفي المثنوى) پس قمر كه امر بشنيد وشتافت ... پس دو نيمه كشت بر چرخ وشكافت (وقال الجامى) چومه را بر سر تير اشارت ... زد از سبابه معجز بشارت دو نون شد ميم دور حلقه ماه ... چهل را ساخت او شصت از دو پنجاه بلى چون داشت دستش بر قلم پشت ... رقم زد خط شق بر مه بر انكشت يهودى ايمان آورد وابو جهل لعين كفت چشم ما بسحر رفته است وقمر را منشق بما نموده وقال بعض المفسرين اجتمع بعض صناديد قريش فقالوا ان كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين ووعدوا الايمان وكانت ليلة البدر فرفع ﵇ إصبعه وامر القمر بأن ينشق نصفين فانفلق فلقتين اى شقين فلقة ذهبت عن موضع القمر وفلقة بقيت في موضعه وقال ابن مسعود رضى الله عنه رأيت حرآء بين فلقى القمر فعلى هذا فالنصفان ذهبا جميعا عن موضع القمر فقال بعضهم نصف ذهب الى المشرق ونصف الى المغرب واظلمت الدنيا ساعة ثم طلعا والتقيا في وسط السماء كما كان أول مرة فقال ﵇ اشهدوا اشهدوا وعند ذلك قال كفار قريش سحركم ابن ابى كبشة فقال رجل منهم ان محمدا ان كان سحر القمر بالنسبة إليكم فانه لا يبلغ من سحره أن يسحر جميع اهل الأرض فاسألوا من يأتيكم من البلاد هل رأوا هذا يعنى از جماعت مسافران كه از أطراف آفاق برسند سؤال كنيد تا ايشان ديده اند يا نه فسألوا اهل الآفاق فأخبروا كلهم بذلك يعنى چون از آينده ورونده پرسيدند همه جواب دادند كه در فلان شب ماه را دو نيمه ديديم وهذا الكلام كما لا يخفى يدل على انه لم يختص برؤية القمر منشقا اهل مكة بل راه كذلك جميع اهل الآفاق وبه يرد قول بعض الملاحدة لو وقع انشقاق القمر لاشترك اهل الأرض كلهم في رؤيته ومعرفته ولم يختص بها اهل مكة ولا يحسن الجواب عند بأنه طلبه جماعة فاختصت رؤيته بمن اقترح وقوعه ولا بانه قد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض اهل الآفاق دون بعض ولا بقول بعضهم ان انشقاق القمر آية ليلية جرى مع طائفة في جنح ليلة ومعظم الناس نيام كما في انسان العيون وقال في الاسئلة المقحمة لا يستبعد اختفاؤه عن قوم دون قوم بسبب غيم او غيره يمنع من رؤيته اى فكان انشقاق

стр. 4280

القمر صحيحا لكنه لم ينقل بطريق التواتر ولم يشترك فيه العرب والعجم في جميع الأقطار القاصية والدانية ولذا وقع فيه الاختلاف كما وقع في المعراج والرؤية والى انشقاق القمر أشار الامام السبكى في تائيته بقوله وبدر الدياجي انشق نصفين عند ما ... أرادت قريش منك اظهار آية وصاحب القصيدة البردية بقوله ... أقسمت بالقمر المنشق ان له من قلبه نسبة مبرورة القسم يعنى لو أقسم أحد أن للقمر المنشق نسبة وشبها بقلبه المنشق يكون بارا وصادقا وصاحب الهمزية بقوله شق عن صدره وشق له البد ... ر ومن شرط كل شرط جزاء اى شق عن صدره ﵇ وشق لاجله القمر ليلة اربع عشرة وانما شق له لان من شرط كل شرط جزاء لانه لما شق صدره جوزى على ذلك بأعظم مشابه له في الصورة وهو شق القمر الذي هو من أظهر المعجزات بل أعظمها بعد القرآن (كما قال الصائب) هر محنتى مقدمه راحتى بود ... شد همزبان حق چوزبان كليم سوخت موسى كليم را انفلاق بحر بود ومصطفى حبيب را انشقاق قمر بود چهـ عجب كر بحر بر موسى بضرب عصا شكافته شد كه بحر مركوب وملموس است دست آدمي بدو رسد وقصد آدمي بوى اثر دارد اعجوبه مملكت انشقاق قمر است كه عالميان از دريافت آن عاجز ودست جن وانس از رسيدن بوى قاصر وبيان شق الصدر انه قالت حليمة امه ﵇ من الرضاعة وهى من بنات بنى سعد بن بكر أسلمت مع أولادها وزوجها بعد البعثة لما كان يوم من الأيام خرج محمد مع اخوته من الرضاعة وكان يومئذ ابن خمس سنين على ما قال ابن عباس رضى الله عنهما فلما انتصف النهار إذا أنا يا بنى حمزة يعدو وقد علاه العرق باكيا ينادى يا أماه يا أبتاه أدركا أدركا أخي القرشي فما أراكما تلحقانه إلا ميتا قلت وما قصته قال بينا نحن نترامى بالجلة إذا أتاه رجل فاختطفه من بيننا وعلابه ذروة الجبل وشق صدره الى عانته فما أراه الا مقتولا قالت فأقبلت انا وزوجى نسعى سعيا فاذا أنابه قاعد على ذروة الجبل شاخص بعينه نحو السماء يتبسم فانكبيت عليه وقبلت بين عينيه فقلت له فداك نفسى ما الذي دهاك قال خيريا امه بينا انا الساعة قائم مع إخوتي نتقاذق بالجملة إذ أتاني رجلان عليهما نياب بيض وفي رواية فأقبل الى طيران أبيضان كأنهما نسران وفي رواية كركيان والمراد ملكان وهما جبرائيل وميكائيل وفي رواية أتانى ثلاثة رهط اى وهم جبرائيل وميكائيل واسرافيل لان جبريل ملك الوحى الذي به حياة القلوب وميكائيل ملك الرزق الذي به حياة الأجساد واسرافيل مظهر الحياة مطلقا في يد أحدهم إبريق من فضة وفي يد الثاني طست من زمرد اخضر مملوء ثلجا وهو ثلج اليقين فأخذونى من بين أصحابي وانطلقوا بي الى ذروة الجبل وفي رواية الى شفير الوادي فأضجعنى بعضهم على الجبل اضجاعا لطيفا ثم شق صدرى وانا انظر اليه فلم أجد لذلك حسا ولا الما ثم ادخل يده في جوفى فأخرج

стр. 4281

أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها اى بالغ في غسلها ثم أعادها مكانها وقام الثاني وقال للاول تنح فقد أنجزت ما أمرك الله فدنا منى فأدخل يده في جوفى فانتزع قلبى وشقه باثنين فأخرج منه علقة سوداء فرمى بها وقال هذا حظ الشيطان اى محل غمزه ومحل ما يلقيه من الأمور التي لا ننبغى لان تلك العلقة خلقها الله في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه وبعض ورثته الكمل يقيئ دما اسود محترقا من نور التوحيد فيحصل به شرح الصدر وشق القلب ايضا ولا يلزم من وجود القابل لما يلقيه الشيطان حصول الإلقاء بالفعل قبل هذا الشق فانه ﵇ معصوم على كل حال فان قلت فلم خلق الله هذا القابل في هذه الذات الشريفة وكان من الممكن أن لا يخلق فيها قلت لانه من جملة الاجزاء الانسانية فخلقت تكملة للخلق الإنساني ثم تزعت تكرمة له اى لانه لو خلق خاليا عنها لم تظهر تلك الكرامة وفيه انه يرد على ذلك ولادته ﵇ من غير قلفة وهى جلدة الذكر التي يقطعها الخاتن وأجيب بالفرق بينهما لان القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل أحد مع ما يلزم على إزالتها من كشف العورة كان نقص الخلقة الانسانية عنها عين الكمال قال ﵇ ثم حشا قلبى بشيء كان معه وهو الحكمة والايمان ورده مكانه ثم ختمه بخاتم من نوريحا الناظرون دونه وفي رواية واقبل الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه ولا مانع من تعدد الختم فختم القلب لحفظ ما فيه وبين الكتفين مبالغة في حفظ ذلك لان الصدر وعاؤه القريب وجسده وعاؤه البعيد وخص بين الكتفين لانه اقرب اليه من القلب من بقية الجسد وهو موضع نفوذ خرطوم إبليس لان العدو يجيئ من ورلء ولذا سن الحجامة فيه ثم قال ﵇ انا الساعة أجد برد الخاتم في عروقى ومفاصلى وقام الثالث فقال تنحيا فقد أنجز تماما امر الله فيه فدنا منى وأمر يده على مفرق صدرى الى منتهى الشق فالتأم وانا انظر اليه وكانوا يرونه اثرا كأثر المخيط في صدره وهو اثر مرور يد جبريل ثم انهضنى من الأرض إنهاضا لطيفا ثم قال الاول الذي شق صدرى زنه بعشرة من أمته فوزننى فرجحتهم ثم قال زنه بعشرين فرجحتهم ثم قال زنه بمائة فرجحتهم ثم قال زنه بألف فرجحتهم ثم قال دعه فلو وزنتموه بامته كلهم لرجحهم يقول الفقير هذا يدل على انه ﵇ كما انه أفضل من كل فرد فرد من افراد الموجودات فكذا أفضل من المجموع ولا عبرة بقول من قال في كونه أفضل من المجموع توقف لانه جهل بشأنه العالي وانه احدية مجموع الأسماء الالهية وبرزخيتها فاعرف قال ﵇ ثم انكبوا على وقبلوا رأسى وما بين عينى وقالوا ياحبيباه انك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرت عيناك وتركونى قاعدا في مكانى هذا وجعلوا يطيرون حتى دخلوا خلال السماء وانا انظر إليهم ولو شئت لارينك موضع دخولهم واعلم ان صدره الشريف شق مرار امرة لاخراج حظ الشيطان كما مر لانه لا يليق به وعند مجيئ الوحى لتحمل ثقله وعند المعراج لتحمل أسراره ففى شرح الصدر مرارا مزيد تقوية لباطنه وهذا الشرح معنوى لأكامل أمته ولا بد منه في حصول الفيض الإلهي يسره الله لى ولكم ثم انه بقي هنا معنى آخر كما

стр. 4282

قاله البعض وهو ان انشقاق القمر مجاز عن وضوح الأمر ولا يبعد ان يحمل بيت المثنوى على ذلك وهو سايه خواب آرد ترا همچون سمر ... چون بر آيد شمس انشق القمر اى وضح الآمر واستبان وذلك لانه عند اقتراب الساعة ينكشف كل خفى ويظهر كل مستور ويستبين الحق من الباطل من كل وجه ويدل على هذا المعنى قوله ﵇ إذا تقارب الزمان لم تكدرؤيا المؤمن تكذب فان المراد وضوح الأمر في آخر الزمان وظهور حقيقته ولذا يصير الناس بحيث ينكشف لأدنى سالك منهم في مدة قليلة ما لم ينكشف للامم الماضية في مدة طويلة وذلك لان الله تعالى قال في حق يوم القيامة يوم تبلى السرائر فاذا قرب الزمان من ذلك اليوم يأخذ حكمه فيكون كشف الأمور اكثر والخفايا اظهر وقال البقلى ﵀ علم الله انتظار أرواح الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين والأولياء العارفين وجميع الصالحين كشف جماله وقرب وصاله والدخول في جواره فبشرهم الله تعالى بأنه مقرون بقدوم محمد ﵇ فلما خرج بالنبوة شك فيه المشركون فأراهم الله صدق وعده بانشقاق القمر حتى يعرفوا ان الله تعالى يريد بالعالمين إتيان الساعة التي فيها كشوف العجائب وظهور الغرائب من آيات الله وصفاته وذاته وفي التأويلات النجمية اعلم ان الساعة اى القيامة ساعتان الكبرى وهى عامة بالنسية الى جميع الخلائق وهى التي اقتربت والصغرى وهى خاصة بالنسبة الى السالكين الى الله برفع الأوصاف البشرية وقطع العلائق الطبيعية السائرين في الله بالتجلى بالأوصاف الالهية والأخلاق الربانية الراجعين من الحق الى الخلق بالبقاء الحقانى بعد الفناء الخلقاني وبالجمع بعد الفرق وهى أعنى الساعة الصغرى واقعة اليوم فى كل آن ولله تجلى جلالى يفنى وجمالى يبقى واليه اشارة قوله ﵇ من مات فقد قامت قيامته فقد انشق قمر قلب السالك عن ظلمة النفس المظلمة باستيلاء نور شمس فلك الروح عليها فلا جرم وقعت الساعة بالنسبة الى القلب الحي المنور بالنور الإلهي ووقعت القيامة الخاصة الشاملة على الموت والحشر والنشور فافهم ولا تعجب لئلا تكون ممن قال تعالى فيهم أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون والله الموفق والمعين وَإِنْ يَرَوْا يعنى قريشا آيَةً من آيات الله دالة على قدرته وصدق نبوة حبيبه ﵇ مثل انشقاق القمر ونظائره ومعنى تسمية ما جاءت به الأنبياء معجزة هو ان الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها يُعْرِضُوا عن التأمل فيها ليقفو على حقيقتها وعلو طبقتها فيؤمنوا وَيَقُولُوا هذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ مطرد دائم يأتى به محمد ﵇ على ممر الزمان لا يكاد يختلف بحال كسائر انواع السحر فالاستمرار بمعنى الاطراد يقال اطرد الشيء تبع بعضه بعضا وجرى وهو يدل على انهم رأوا قبله آيات اخرى مترادفة حتى قالوا ذلك وفيه تأييد ان انشقاق القمر قد وقع لا انه سينشق يوم القيامة كما قاله بعضهم وذلك لانه لو لم يكن الانشقاق من جنس الآيات لم يكن ذكر هذا القول مناسبا للمقام او مطردا بالنسبة الى جميع الاشخاص والبلاد حيث رأوه منشقا وقال بعضهم آن جاد وييست دائم ورونده از زمين تا بآسمان

стр. 4283

ويجوز أن يكون مستمر من المرة بالكسر بمعنى القوة امررته فاستمر إذا أحكمته فاستحكم فالاستمرار بمعنى الاستحكام اى قوى مستحكم لا يمكن إزالته او قوى شديد يعلو كل سحر وقيل مستمر ذاهب يزول ولا يبقى عن قريب تمنية لأنفسهم وتعليلا فهو من المرور وَكَذَّبُوا اى بالنبي ﵇ وما عاينوه من معجزات التي أظهرها الله على يده وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ التي زينها الشيطان لهم من رد الحق بعد ظهوره او كذبوا الآية التي هى انشقاق القمر واتبعوا أهواءهم وقالوا سحر القمر او سحر أعيننا والقمر بحاله ولم يصبه شيء او انه خسوف في القمر وظهور شيء من جانب آخر من الجو يشبه نصف القمر فهذه أهواؤهم الباطلة بد كمانى لازم بد باطنان افتاده است ... كوشه از خلق جا كردم كمين پنداشتند وذكرهما بلفظ الماضي اى بعد يعرضوا ويقولوا بلفظ المستقبل للاشعار بأنهما من عادتهم القديمة وفيه اشارة الى المحجوبين المستغرقين في بحر الدنيا وشهواتها فانهم إذا ظهر لهم خاطر رحمانى بالإقبال على الله ومتابعة الرسول وترك حب الدنيا ورفع شهواتها يعرضوا عن هذا الخاطر الرحمانى وينفوه ولا يلتفتوا اليه ولا يعتبروه بل يزدادوا فيماهم عليه من حب الدنيا ومتابعة النفس وموافقة الهوى ويرموه بالكذب وربما يرى بعضهم في منامه انه لبس خرقة الفقراء من خارج ولكن تحتها قميص حرير فهذا يدل على ان تجرده ليس من باطنه فتجرده الظاهري وملاحظة الفناء القشرى ليس بنافع له جدا وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ اى وكل امر من الأمور مستقر اى منته الى غاية يستقر عليها لا محالة ومن جملتها امر النبي ﵇ فسيصير الى غاية يتبين عندها حقيقته وعلو شأنه وإبهام المستقر عليه للتنبيه على كمال ظهور الحال وعدم الحاجة الى التصريح به او كل امر من أمرهم وامره ﵇ مستقر اى سيثبت ويستقر على حالة خذلان او نصرة في الدنيا وشقاوة او سعادة في الآخرة فان الشيء إذا انتهى الى غايته ثبت واستقر يعنى ان الاستقرار كناية عن ملزومه وهو الانتهاء الى الغاية فان عنده يتبين حقيقة كل شيء من الخير والشر والحق والباطل والهوى والحجة وينكشف جلية الحال ويضمحل الشبه والالتباس فان الحقائق انما تظهر عند العواقب فهذا وعيد للمشركين ووعد وبشارة للرسول والمؤمنين ونظيره لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون اى كل نبأ وان طالت مدته فلا بد ان ينتهى الى غايته وتنكشف حقيقته من حق وباطل وفي عين المعاني وكل امر وعدهم الله كائن في وقته اى لا يتغير شيء عن مراد الله ولا يغيره أحد دون الله فهو يمضيه على الخلق في وقته لانه مستقر لا يزول وفيه اشارة الى ان امر محمد الروح وامر ابى جهل النفس له نهاية وغاية يستقر فيها اما الى السعادة الابدية بواسطة التخلق بالأخلاق الالهية واما الى الشقاوة السرمدية بسبب الاتصاف بالصفات البشرية الحيوانية وَلَقَدْ جاءَهُمْ اى وبالله لقد جاء اهل مكة في القرآن مِنَ الْأَنْباءِ جمع نبأ وهو خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم او غلبة ظن ولا يقال للخبر في الأصل نبأ حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة اى انباء القرون الخالية او انباء

стр. 4284

الآخرة وما وصف من عذاب الكفار فاللام عوض عن المضاف اليه وهو حال مما بعده ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ اى ازدجار من تعذيب ان أريد بالانباء انباء القرون الخالية او وعيد أريد بها انباء الاخرة او موضع ازدجار على ان في تجريدية والمعنى انه في نفسه موضع ازدجار ومظنة له كقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة اى هو في نفسه أسوة حسنة وتاء الافتعال تقلب دالا مع الدال والذال والزاى للتناسب في المخرج او لتحصيل التناسب فان التاء مهموسة وهذه الحروف مجهورة يعنى ان أصله مزتجر لانه مفتعل من الزجر قلبت التاء ذالا لان الزاى حرف مجهور والتاء حرف مهموس والذال تناسب الزاى في الجهر وتناسب التاء في المخرج يقال زجره وازدجره اى نهاه عن السوء ووعظه غير ان افتعل ابلغ في المعنى من فعل قال الراغب الزجر طرد بصوت يقال زجرته فانزجر ثم يستعمل في الطرد تارة وفي الصوت تارة وقوله تعالى مزدجر اى طرد ومنع عن ارتكاب المأثم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ غايتها متناهية في كونها حكمة لا خلل فيها او قد بلغت الغاية في الانذار والنهى والموعظة وهو بدل من ما او خبر لمحذوف وفي القاموس الحكمة بالكسر العدل والعلم والحلم والنبوة والقرآن وفي المفردات الحكمة إصابة الحق بالعلم والفعل فالحكمة من الله معرفة الأشياء او إيجادها على غاية الاحكام ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات وإذا وصف القرآن بالحكيم فلتضمنه الحكمة وهى علمية وعملية والحكمة المنطوق بها هى العلوم الشرعية والطريقة والحكمة المسكوت عنها هى اسرار الحقيقة التي لا يطلع عليها علماء الرسوم والعوام على ما ينبغى فتضرهم او تهلكهم فَما تُغْنِ النُّذُرُ نفى للاغناء فمفعول تغنى محذوف اى لم تغن النذر شيئا او استفهام انكار فما منصوبة على انها مفعول مقدم لتغنى اى فأى إغناء تغنى النذر إذا خالفو او كذبوا اى لا تنفع كقوله وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون جمع نذير بمعنى المنذر او مصدر بمعنى الانذار وفيه اشارة الى عدم انتفاع النفوس المتمردة بانذار منذر الروح وإنذار منذر القلب إذ الروح مظهر منذر القرآن والقلب مظهر منذر الحقيقة فَتَوَلَّ عَنْهُمْ لعلمك بان الانذار لا يؤثر فيهم البتة ولا ينفع فالفاء للسببية وبالفارسية پس روى بگردان از ايشان تا وقت امر بقتال ومنتظر باش جزاى ايشانرا يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ أصله يوم يدعو الداعي بالواو والياء لما حذف الواو من يدعو في التلفظ لاجتماع الساكنين حذفت في الخط ايضا اتباعا للفظ وأسقطت الياء من الداعي للاكتفاء بالكسرة تخفيفا قال بعضهم حذفت الياء من الداعي مبالغة في التخفيف إجراء لأل مجرى ما عاقبها وهو التنوين فكما يحذف الياء مع التنوين كذلك مع ما عاقبه ويوم منصوب بيخرجون او باذكر والداعي اسرافيل ﵇ ينفخ في الصور قائما على صخرة بيت المقدس ويدعو الأموات وينادى قائلا أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة ان الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء او ان اسرافيل ينفخ وجبريل يدعو وينادى بذلك وعلى كلا القولين فالدعاء على حقيقته وقال بعضهم هو مجاز كالامر في قوله تعالى كن فيكون يعنى ان الدعاء في البعث والاعادة مثل كن في التكوين والابتداء بأن لا يكون ثمة داع من

стр. 4285

اسرافيل او غيره بل يكون الدعاء عبارة عن نفاذ مشيئته وعدم تخلف مراده عن إرادته كما لا يتخلف اجابة دعاء الداعي المطاع يقول الفقير الاولى بقاؤه على حقيقته لان اسرافيل مظهر الحياة وبيده الصور والله تعالى ربط الأشياء بعضها ببعض وان كان الكل بأرادته ومشيئته إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ بضمتين صفة على فعل وقرئ بسكون الكاف وكلاهما بمعنى المنكر اى منكر فظيع ينكره النفوس لعدم العهد بمثله وهو هول يوم القيامة ومنه منكر ونكير لفتانى القبر لانه لم يعهد عند الميت مثلهما خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ حال من فاعل يَخْرُجُونَ والتقديم لان العامل فعل فعل متصرف اى يخرجون مِنَ الْأَجْداثِ جمع جدث محركة وهو القبر اى من قبورهم حال كونهم اذلة أبصارهم من شدة الهول خاضعة عند رؤية العذاب والخشوع ضراعة واكثر ما يستعمل فيما يوجد في الجوارح والضراعة اكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب كما روى إذا ضرع القلب خشعت الجوارح وخص الابصار بالخشوع لانه فيها اظهر منه فى سائر الجوارح وكذلك سائر ما في نفس الإنسان من حياء او خوف ونحوه انما يظهر في البصر كَأَنَّهُمْ جَرادٌ اى يشبهن الجراد وهو بالفارسية ملخ سمى بذلك لجرده الأرض من النبات يقال ارض مجرودة اى أكل ما عليها حتى تجردت كما في المفردات مُنْتَشِرٌ فى الكثرة والتموج والتفرق في الأقطار ومثله قوله كالفراش المبثوث مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ حال ايضا اى مسرعين الى جهة الداعي مادى أعناقهم اليه او ناظرين اليه لا يقلعون بأبصارهم يقال هطع الرجل إذا أقبل ببصره على الشيء لا يقلع عنه وأهطع إذا مد عنقه وصوب رأسه وأهطع في عدوه إذا اسرع كما في الجوهري وفيه اشارة الى ذلة أبصار النفوس وعلتها فأنهار مدت من حب الدنيا وانطفاء أبصار القلوب عن شواهد الحق وانطماس أبصار الأرواح عن شهود الحق والى ان هذه النفوس الرديئة تخرج من قبور صفاتها الرذيلة كالجراد الحريص على أكل زروع مزارع القلب من الأخلاق الروحانية منتشرين في مزارع الروح ومغارس القلب بالفساد والإفساد وترى هذه النفوس الخبيثة مسرعة الى اجابة داعى الشهوات النفسانية واللذات الجسمانية راغبة الى دعوته مقبلة على طلبه يَقُولُ الْكافِرُونَ استئناف وقع جوابا عما نشأ من وصف اليوم بالاهوال واهله بسوء الحال كأنه قيل فماذا يكون حينئذ فقيل يقول الكافرين هذا يَوْمٌ عَسِرٌ اى صعب شديد علينا فيمكثون بعد الخروج من القبور واقفين أربعين سنة يقولون أرحنا من هذا ولو الى النار ثم يؤمرون بالحساب وفي اسناد القول المذكور الى الكفار تلويح بأن المؤمنين ليسوا في تلك المرتبة من الشدة بل ذلك اليوم يوم يسير لهم ببركة ايمانهم وأعمالهم بل المطهرون المحفوظون الذين ما تدنست بواطنهم بالشبه المضلة ولا ظواهرهم ايضا بالمخالفات الشرعية آمنون يغبطهم النبيون في الذي هم عليه من الامن لما هم والنبيون عليه من الخوف على أممهم يعنى ان الأنبياء والرسل ﵈ يخافون على أممهم للشفقة التي جبلهم الله عليها للخلق فيقولون في ذلك اليوم سلم سلم وان كان لا يحزنهم الفزع الأكبر لانهم آمنون من خوف العاقبة وفيه اشارة الى

стр. 4286

كفار النفوس اللئيمة يقولون بلسان الحال ولا ينفعهم المقال يوم قيامة اضطرابهم لما رأوا الفضيحة والقطعية هذا يوم عسر صعب خلاصنا ومناصنا منه لا نجاة لنا ولا منجاة الا الاستمساك بعروة وثقى الروح والقلب وما يقدرون على ما يقولون لافساد استعداد هم بيد الأماني الكاذبة واختيار تلك الأماني الفاسدة الدنيوية على المطالب الصالحة الاخروية فعلى العاقل أن يختار الباقي على الفاني ولا يغتر بالأماني بل يجتهد قبل الموت بأسباب الخلاص والنجاة لكى يحصل له في الآخرة النعيم والدرجات والا فاذا خرج الوقت من اليد وبقيت اليد صفرا في الغد فلا ينفع الأسف والويل نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الذين أجابوا داعى الله ورسوله وتشرفوا بالعمل بالقرءان وقبوله وييسر لنا الفناء المعنوي قبل الفناء الصوري ويهيئ لنا من أمرنا رشدا فانا آمنا به ولم نشرك بربنا أحدا وهو المعين في الآخرة والاولى وبيده الأمور ردا وقبولا كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ اى فعل التكذيب قبل قومك يا محمد قوم نوح او كذبوا نوحا فالمفعول محذوف وهو شروع في تعداد بعض الانباء الموجبة للازدجار وتسلية لرسول الله ﷺ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا تفسير لذلك التكذيب المبهم كما في قوله تعالى ونادى نوح ربه فقال رب إلخ فالمكذب في المقامين واحد والفاء تفسيرية تفصيلية تعقيبية في الذكر فان التفصيل يعقب الإجمال وفي ذكره بعنوان العبودية مع الاضافة الى نون العظمة تفخيم له ﵇ ورفع لمحله وزيادة تشنيع لمكذبيه فان تكذيب عبد السلطان اشنع من تكذيب عبد غيره وفيه اشارة الى انه لا شيء اشرف من العبودية فان الذلة الحقيقية التي يقابلها مقام الربوبية مختصة بالله تعالى فكذا العبودية مختصة بالعبد وهى المرادة بالتواضع وهى غير التملق فان التملق لا عبرة به وفي الحديث (انا سيد ولد آدم ولا فخر) اى ليس الفخر لى بالرسالة وانما الفخر لى بالعبودية وخصوصا بالفقر الذي هو الخروج عن الوجود المجازى بالكلية وَقالُوا فى حقه هو او قالوا له انك مَجْنُونٌ اى لم يقتصروا على مجرد التكذيب بل نسبوه الجنون واختلال العقل وهو مبالغة في التكذيب لان من الكاذبين من يخبر بما يوافق العقل ويقبله والمجنون لا يقول الا مالا يقبله العقل ويأباه وَازْدُجِرَ عطف على قالوا فهو من كلام الله اى وزجر عن التبليغ بأنواع الاذية مثل الشتم والضرب والخنق والوعيد بالرجم قال الراغب وازدجر اى طرد واستعمال الزجر فيه لصياحهم بالمطرود نحو ان يقال اعزب عنى وتنح ووراءك وقيل هو من جملة ما قالوه اى هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته اى أفسدته وتصرفت فيه وذهبت بلبه وطارت بقلبه وفيه اشارة الى ان كل داع حق لا بد وان يكذب لكثرة اهل البطلان وغلبة اهل البدع والأهواء والطغيان وذلك في كل عصر وزمان وايضا قوم نوح الروح وهم النفس الامارة وصفاتها لا يقبلون دعوته الى الله لانهما كهم في الشهوات واللذات وصعوبة الفطام عن المألوفات والله المعين في جميع الحالات والمقامات اين جهان شهوتى بتخانه ايست ... انبيا وكافران را لانه ايست ليك شهوت بنده پاكان بود ... زر نسوزد زانكه نقد كان بود

стр. 4287

ذلة الأرواح من أشباحها ... عزة الأشباح من أرواحها كم نشين بر اسب توسن بي لكام ... عقل ودين را پيشوا كن والسلام فَدَعا رَبَّهُ اى لما زجروا نوحا عن الدعوة وبلغ مدة التبليغ تسعمائة وخمسين سنة دعا ربه أَنِّي اى بأنى مَغْلُوبٌ من جهة قومى مالى قدرة على الانتقام منهم فَانْتَصِرْ اى فانتقم لى منهم وذلك بعد تقرر يأسه منهم بعد الليتا والتي فقد روى ان الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا فيفيق ويقول اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون فلما اذن الله له في الدعاء للاهلاك دعا فاجيب كما قال في الصفات ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ اى طرقها وبالفارسية پس بگشاديم براى عذاب ايشان درهاء آسمان را از طرف مجره كما قال على رضى الله عنه بِماءٍ مُنْهَمِرٍ الهمر صب الدمع والماء يقال همره يهمره ويهمره صبه فانهمر هو وانهمر اى انسكب وسال والمعنى بماء كثير منصب انصبابا شديدا كما ينصب من أفواه القرب لم ينقطع أربعين يوما وكان مثل الثلج بياضا وبردا وهو تمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصبابها سوآء جعل الباء في قوله بماء للاستعانة وجعل الماء كالالة لفتح أبواب السماء وهو ظاهر او للملابسة وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً اى جعلنا الأرض كلها كأنها عيون منفجرة اى جارية وكان ماء الأرض مثل الحميم حرارة وأصله وفجرنا عيون الأرض فغير عن المفعولية الى التمييز قضاء لحق المقام من المبالغة لان قولنا فجرنا عيون الأرض يكفى في صحة تفجر ما فيها من العيون ولا مبالغة فيه بخلاف فجرنا الأرض عيونا فان معناه فجرنا اجزاء الأرض كلها بجعلها عيون الماء ولا شك فى انه ابلغ فَالْتَقَى الْماءُ اى ماء السماء وماء الأرض وارتفع على أعلى جبل في الأرض ثمانين ذراعا والافراد حيث لم يقل الماءان لتحقيق ان التقاء الماءين لم يكن بطريق المجاورة والتقارب بل بطريق الاختلاط والاتحاد عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ اى كائنا على حال قد قدره الله من غير تفاوت او على حالة قدرت وسويت وهو ان قدر ما انزل من السماء على قدر ما اخرج من الأرض او على امر قدره الله وهو هلاك قوم نوح بالطوفان فكلمة على على هذا للتعليل يقول الفقير انما وقع العذاب بالطوفان العام لان الماء اشارة الى العلم فلما لم ينتفعوا بعلم نوح ﵇ في المدة الطويلة ولم تغرق أرواحهم فيه أخذوا بالماء حتى غرقت أجسادهم وتأثير الطوفان يظهر في كل ثلاثين سنة مرة واحدة لكن على الخفة فيقع مطر كثير ويغرق بعض القرى والبيوت من السيل وَحَمَلْناهُ اى نوحا ومن آمن معه عَلى ذاتِ أَلْواحٍ اى سفينة صاحبة أخشاب عريضة فان الألواح جمع لوح وهو كل صحيفة عريضة خشبا او عظما وكانت سفينة نوح من ساج وهو شجر عظيم ينبت في ارض الهند او من خشب شمشاد ويقال من الجوز وَدُسُرٍ ومسامير جمع دسار من الدسر وهو الدفع الشديد بقهر يقال دسره بالرمح (وروى) انه ليس في العنبر زكاة انما هو شى دسره البحر سمى به المسمار لانه يدسر به منفذه اى يدفع قال في عين المعاني دسرت بها السفينة اى شدت أو لأنها تدسراى تدفع بالدق فقوله ذات الواح ودسر صفة للسفينة أقيمت مقامها

стр. 4288

بأن يكنى بها عنها كما يكنى عن الإنسان بقولهم هو مستوى القامة عريض الأظفار تَجْرِي بِأَعْيُنِنا اى تجرى السفينة وتسير بمرأى منا اى محفوظة بحفظنا ومنه قولهم للمودع عين الله عليك وقيل بأوليائنا يقال مات عين من عيون الله اى ولى من أوليائه جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ مفعول له لما ذكر من فتح أبواب السماء وما بعده وكفر من كفران النعمة اى فعلنا ذلك المذكور اجرا وثوابا لنوح لانه كان نعمه كفروها فان كل نبى نعمة من الله على أمته ورحمة اى نعمة ورحمة فكان نوح نعمة مكفورة ومن هذا المعنى ما حكى ان رجلا قال للرشيد الحمد لله عليك فقال ما معنى هذا الكلام فقال أنت نعمة حمدت الله عليها وَلَقَدْ تَرَكْناها اى السفينة آيَةً يعتبر بها من يقف على خبرها وقال قتادة أبقاها الله بباقردى من بلاد الجزيرة وقيل على الجودي دهرا طويلا حتى نظر إليها او آئل هذه الامة وكم من سفينة كانت بعد قد صارت رمادا وفي تفسير ابى الليث قال بعضهم يعنى ان تلك السفينة كانت باقية على الجبل قريبا من خروج النبي ﵇ وقيل بقيت خشبة من سفينة نوح هى في الكعبة الآن وهى ساجة غرست حتى ترعرت أربعين سنة ثم قطعت فتركت حتى يبست أربعين سنة وقيل بقي بعض خشبها على الجودي الى هذه الأوقات يقول الفقير لعل بقاء بعض خشبها لكونها آية وعبرة والا فهو ليس بأفضل من أخشاب منبر نبينا ﷺ في المدينة وقد احترقت او اكلتها الارضة فاتخذت مشطا ونحوه مما يتبرك به ألا ترى ان مقام ابراهيم ﵇ مع كونه حجرا صلدا لم يبق اثره بكثرة مسح الأيدي ثم لم يبق نفسه ايضا على ما هو الأصح والمعروف بالمقام الآن هو مقام ذلك المقام فاعرف وفي عين المعاني ولقد تركناها اى الغرق العام وهو إضمار الآية قبل الذكر كقوله انها تذكرة وقال بعضهم يعنى جنس السفينة صارت عبرة لان الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة واتخذوا السفن بعد ذلك في البحر فلذلك كانت آية للناس يقول الفقير كيف يعرفونها ولم يكن في الدنيا قبل الطوفان الا البحر المحيط وذلك ان الله تعالى امر الأرض بعد الطوفان فابتلعت ماءها وبقي ماء السماء لم تبتلعه الأرض فهذه البحور على وجه الأرض منها واما البحر المحيط فغير ذلك بل هو جرز عن الأرض حين خلق الله الأرض من زبده واليه الاشارة بقوله وكان عرشه على الماء اى العذب والبحور سبعة منها البحر المحيط وبعضهم لم يعد المحيط منها بل هو غير السبعة وكان نوح ﵇ نجارا فجاء جبريل وعلمه صنعة السفينة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ اى معتبر بتلك الآية الحقيقة بالاعتبار فيخاف من الله ويترك المعصية وأصله مذتكر على وزن مفتعل من الذكر فأدغمت الذال في التاء ثم قلبت دالا مشددة فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ استفهام تعظيم وتعجيب اى كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف والنذر جمع نذير بمعنى الانذار أصله نذرى بالياء حذفت اكتفاء بالكسرة وحد العذاب وجمع الانذارات اشارة الى غلبة الرحمة لان الانذار اشفاق ورحمة فقال الانذارات التي هى نعم ورحمة تواترت عليهم فلما لم تنفع وقع العذاب وقعة واحدة فكانت النعم كثيرة والنقمة واحدة وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ إلخ جملة قسمية

стр. 4289

وردت في اواخر القصص الأربع تنبيها على ان كل قصة منها مستقبلة بايجاب الادكار كافية في الازدجار ومع ذلك لم تقع واحدة في حيز الاعتبار اى وبالله لقد سهلنا القرآن لقومك بأن أنزلنا على لغتهم كما قال فانما يسرناه بلسانك ووشحنا بانواع المواعظ والعبر وصرفنا فيه من الوعيد والوعد لِلذِّكْرِ اى للتذكير والاتعاظ وعن الحسن عن النبي ﵇ لولا قول الله ولقد يسرنا القرآن للذكر لما اطاقت الألسن أن تتكلم به فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ انكار ونفى للمتعظ على ابلغ وجه وآكده حيث يدل على انه لا يقدر أحد أن يجيب المستفهم بنعم وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال قرأت على النبي ﵇ فهل من مذكر بالذال فقال ﵇ فهل من مدكر بالدال قال في برهان القرآن قوله فكيف كان إلخ ختم به قصة نوح وعاد وثمود ولوط لما في كل واحدة منها من التخويف والتحذير وما حل بهم فيتعظ به حافظ القرآن وتاليه ويعظ غيره وفي الآيات اشارة الى مغلوبية نوح القلب في يد النفس الامارة بغلبات الصفات البشرية عليه حتى دعا ربه فأجابه الله حتى غلبت صفاته الروحانية النورانية على صفاتها الحيوانية الظلمانية وأفاض من سماء الأرواح العلوية مياه الرأفة والرحمة والكرامة ومن ارض البشرية عيون المعارف والحقائق فأهلك قومه المعبر عنهم بالنفس وصفاتها ونجاه على سفينة صفاته الروحانية وفيه اشارة اخرى وهى انه إذا زاد الكشف والعيان تستشرف الأرواح على الفناء فيدخلها الله في سفن العصمة ويجريها بشمال العناية وايضا ان الأنبياء والأولياء سفن عنايته تعالى يتخلص العباد بهم من الاستغراق في بحار الضلالة وظلمات الشقاوة لانهم محفوظون بحسن عنايته وعين كلاءته ومن استن بسنتهم نجا من الطغيان والنيران ودخل في جوار الرحمن (وفي المثنوى) اينچنين فرمود آن شاه رسل ... كه منم كشتى درين درياى كل يا كسى كودر بصيرتهاى من ... شد خليفه راستى بر جاى من كشتئ نوحيم در دريا كه تا ... رو نگردانى ز كشتى اى فتى نسأل الله سبحانه أن يحفظنا في سفينة الشريعة من الاعتماد على العقل والخيال ويعصمنا من الزيغ والضلال كَذَّبَتْ عادٌ اى هودا ﵇ ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم له روما للاختصار ومسارعة الى بيان ما فيه الازدجار من العذاب فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ هو لتوحيه قلوب السامعين نحو الإصغاء الى ما يلقى إليهم قبل ذكره لالتهويله وتعظيمه وتعجيبهم من حاله بعد بيانه كما قبله وما بعده كأنه قيل كذبت عاد فهل سمعتهم او فاسمعوا كيف كان عذابى وانذاراتى لهم فالنذر جمع نذير بمعنى الانذار إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً استئناف ببيان ما أجمل اولا وصرصر من الصر وهو البرد او من صر الباب والقلم اى صوت اى أرسلنا وسلطنا عليهم ريحا باردة او شديدة الصوت والهبوب وهى ريح الدبور وتقدم تفصيله في فصلت وغيرها فِي يَوْمِ نَحْسٍ النحس ضد السعد اى شؤم مُسْتَمِرٍّ صفة ليوم او نحس اى مستمر شؤمه عليهم او ابد الدهر

стр. 4290

فان الناس يتشاءمون بأربعاء آخر الشهر قال ابن الشيخ واشتهر بين بعض الناس التشاؤم بالأربعاء الذي يكون في آخر الشهر بناء على قوله تعالى في يوم نحس مستمر ومعلوم ان ليس المراد انه نحس على المصلحين بل على المفسدين حيث لم تظهر نحو سنته في حق الأنبياء والمؤمنين وفي الروضة الأربعاء مشؤم عندهم والذي لا يدور وهو آخر أربعاء في الشهر أشأم وعن ابن عباس رضى الله عنهما يرفعه آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر قال الشاعر لقاؤك للمبكر قال سوء ... ووجهك أربعاء لا يدور وقيل يحمد في الأربعاء الاستحمام فانه يقال يخلط في ذلك اليوم ماء من الجنة مع المياه وكذا يحمد ابتداء الأمور والمعنى مستمر عليهم شؤمه ونحو سته ازمنة ممتدة الى أن اهلكهم فاليوم بمعنى الحين والا فاليوم الواحد لا يمكن أن يستمر سبع ليال وثمانية ايام والاستمرار على هذين الوجهين يحسب الزمان او المعنى شامل لجميعهم كبيرهم وصغيرهم فالمستمر بمعنى المطرد بالنسبة الى الاشخاص او مشتد مرارته اى بشاعته وكان ابتداؤه يوم الأربعاء آخر الشهر يعنى كانت ايام العجوز من صبيحة أربعاء آخر الشهر الى غروب الأربعاء الآخر (وروى) انه كان آخر ايامهم الثمانية في العذاب يوم الأربعاء وكان سلخ صغر وهى الحسوم فى سورة الحاقة تَنْزِعُ النَّاسَ صفة لريحا اى ريحا تقلعهم روى انهم دخلوا الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض فنزعتهم الريح وصرعتهم موتى وقال مقاتل تنزع أرواحهم من أجسادهم وقال السهيلي دامت عليهم سبع ليال وثمانية ايام كيلا تنجو منهم أحد ممن في كهف او سرب فأهلكت من كان ظاهرا بارزا وانتزعت من البيوت من كان في البيوت او هدمتها عليهم وأهلكت من كان في الكهوف والأسراب بالجوع والعطش ولذلك قال فهل ترى لهم من باقية اى فهل يمكن أن يبقى بعد هذه الثمانية الأيام باقية منهم كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ حال من الناس والاعجاز جمع عجز وعجز الإنسان مؤخره وبه شبه مؤخر غيره ومنه العجز لانه يؤدى الى تأخر الأمور والنخل من الجنس الذي يفرق بينه وبين واحده بالتاء واللفظ مفرد لكنه كثيرا ما يسمى جمعا نظرا الى المعنى الجنسي والمنقعر المنقلع عن أصله يقال قعرت النخلة قلعتها من أصلها فانقعرت اى انقعلت وفي المفردات منقعر اى ذاهب في قعر الأرض وانما أراد تعالى ان هؤلاء اجتثوا كما اجتث النخل الذاهب في قعر الأرض فلم يبق لهم رسم ولا اثر انتهى والمعنى منقلع عن مغارسه قيل شبهوا بأعجاز النخل وهى أصولها بلا فروع لان الريح كانت تقلع رؤسهم فتبقى أجسادا وجثثا بلا رؤوس وقال بعضهم كانت الريح تقعلهم وتصرعهم على رؤوسهم فتدق رقابهم فيبين الرأس من الجسد وفيه اشارة الى قوتهم وثباتهم في الأرض فكأنهم بحسب قوتهم وجسامتهم يجعلون أرجلهم غائرة نافزة في الأرض ويقصدون به المقاومة على الريح ثم ان الريح لما صرعتهم فكأنها قلعت اعجاز نخل منقعر وقال ابو الليث صرعتهم وكبتهم على وجوههم كأنهم اصول نخل منقلعة من الأرض فشبههم لطولهم بالنخل الساقطة قال مقاتل كان طول كل واحد منهم

стр. 4291

اثني عشر ذراعا وقال في رواية الكلبي كان طول كل واحد منهم سبعين ذراعا فاستهزأوا حين ذكر لهم الريح فخرجوا الى الفضاء وضربوا بأرجلهم وغيبوا في الأرض الى قريب من الركبة فقالوا قالا للريح حتى ترفعنا فجاءت الريح فدخلت تحت الأرض وجعلت ترفع كل اثنين وتضرب أحدهما بالآخر بعد ما ترفعهما في الهواء ثم تلقيهما في الأرض والباقون ينظرون إليهما حتى رفعتهم كلهم ثم رمت بالرمل والتراب عليهم وكان يسمع أنينهم من تحت التراب كذا وكذا يوما وتذكير صفة نخل للنظر الى اللفظ كما ان تأنيثها في قوله اعجاز نخل خاوية للنظر الى المعنى وكذا قوله جاءتها ريح عاصف ولسليمان الريح عاصفة فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ تهويل لهما وتعجيب من أمرهما بعد بيانهما فليس فيه شائبة تكرار كما في الإرشاد وقال في برهان القرآن أعاد في قصة عاد فكيف كان عذابى ونذر مرتين لان الاول في الدنيا والثاني في العقبى كما قال في هذه القصة لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة اخزى وقيل الاول لتحذيرهم قبل هلاكهم والثاني لتحذير غيرهم بعد هلاكهم انتهى وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ الكلام فيه كالذى مر فيما سبق وفيه اشارة الى اهل النفوس الامارة فانهم بواسطة انهما كهم في الشهوات الجسمانية احتجبوا عن الله وموآئد كرمه فأرسل الله عليهم صرصر ريح اهوائهم الظلمانية وبدعهم الشيطانية في يوم نحوسة الاحتجاب وسلطها عليهم فسقطوا على ارض الهوان والخذلان كأنهم اعجاز نخل منقلع عن تخوم الأرض ساقط على وجه الأرض مثل أجساد جامدة بلا رؤوس نعوذ بالله من تجليات قهره وتسلط عذابه وغضبه في يومه وشهره فعلى العاقل أن يتذكر بهذه الذكرى ويعتبر بهذه الآية الكبرى چوبرگشته بختي در افتد به بند ... از ونيكبختان بگيرند پند تو پيش از عقوبت در عفو كوب ... كه سودى ندارد فغان زير چوب فلو آمن ايمان يأس او تاب توبة يأس لم يقبل فراشو چوبينى در صلح باز ... كه ناكه در توبه كردد فراز مرو زير بار كناه اى پسر ... كه حمال عاجز بود در سفر كما ورد خفف الحمل فان العقبة كؤود پى نيك مردان ببايد شتافت ... كه هر كين سعادت طلب كرد يافت وليكن تو دنبال ديو خسى ... ندانم كه در صالحان كى رسى ثم ان سبب هلاك عاد بالريح اعتماد هم على قوتهم والريح أشد الأشياء قوة فاستأصلهم الله بها حتى يحصل الاعتبار لمن بعدهم من القرون فلا يعتمدوا على قواهم وفيه اشارة الى أن الريح هو الهولء المتحرك فالخلاص من ذلك الهولء انما هو بترك الهوى ومتابعة الهدى نسأل الله من فضله ذلك كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ اى الانذارات والمواعظ التي سمعوها من صالح ﵇ او بالرسل فان تكذيب أحدهم تكذيب للكل لاتفاقهم على الشرائع فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا اى كائنا من جنسنا وانتصابه بفعل يفسره ما بعده فأداة الاستفهام

стр. 4292

داخلة على الفعل وان كان تقديرا كما هو الأصل واحِداً اى منفردا لاتبع له او واحد من آحادهم لا من اشرافهم وتأخير هذه الصفة عن منا للتنبيه على ان كلا من الجنسية والوحدة مما يمنع الاتباع ولو قدمت عليه لفاتت هذه النكتة نَتَّبِعُهُ فى امره إِنَّا إِذاً اى على تقدير اتباعنا له وهو منفرد ونحن امة جمة وايضا ليس بملك لما كان في اعتقاد الكفرة من التنافي بين الرسالة والبشرية لَفِي ضَلالٍ عن الصواب وَسُعُرٍ اى جنون فان ذلك بمعزل عن مقتضى العقل وقيل كان يقول لهم ان لم تتبعونى كنتم في ضلال عن الحق وسعراى نيران جمع سعير فعكسوا عليه لغاية عتوهم فقالوا ان اتبعناك كنا اذن كما تقول أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ اى الكتاب والوحى عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا وفينا من هو أحق بذلك والاستفهام للانكار ومن بيننا حال من ضمير عليه اى أخص بالرسالة منفردا من بين آل ثمود والحال ان فيهم من هو اكثر مالا واحسن حالا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ اى ليس الأمر كذلك بل هو كذا وكذا حمله بطره على الترفع علينا بما ادعاه وأشر اسم فاعل مثل فرح بمعنى خود پسند وستيزنده وسبكسار وبابه علم والأشر التجبر والنشاط يقال فرس أشر إذا كان مرحا نشيطا سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ كيست فهو استفهام الْكَذَّابُ الْأَشِرُ حكاية لما قاله تعالى لصالح ﵇ وعدا له ووعيد القومة والسين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده والغد اليوم الذي يلى يومك الذي أنت فيه والمراد به وقت نزول العذاب في الزمان المستقبل لا يوم بعينه ولا يوم القيامة لان قوله انا مرسلوا الناقة استئناف لبيان مبادى الموعود حتما والمعنى سيعلمون البتة عن قريب من الكذاب الأشر الذي حمله أشره وبطره على الترفع والتجبر أصالح أم من كذبه وفيه تشريف لصالح حيث ان الله تعالى سلب عنه بنفسه الوصف الذي أسندوه اليه من الكذب والأشر فان معناه لست أنت بكذاب أشر بل هم إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ مخرجوها من الهضبة التي سألوا والهضبة الجبل المنبسط على الأرض او جبل خلق من صخرة واحدة او الجبل الطويل الممتنع المنفرد ولا يكون الا في حمر الجبال كما في القاموس (روى) انهم سألوه متعنتين ان يخرج من صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة ناقة حمراء جوفاء وبرآء عشراء وهى التي أتت عليها عشرة أشهر من يوم أرسل عليها الفحل فاوحى الله اليه انا مجرجوا الناقة على ما وصفوا فِتْنَةً لَهُمْ اى امتحانا فان المعجزة محنة واختبار إذ بها يتميز المثاب من المعذب فَارْتَقِبْهُمْ فانتظرهم وتبصر ما يصنعون وَاصْطَبِرْ على اذيتهم صبرا بليغا وَنَبِّئْهُمْ أخبرهم أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ مقسوم لها يوم ولهم يوم فالمآء قسمة من قبيل تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير وبينهم لتغليب العقلاء كُلُّ شِرْبٍ اى كل نصيب من الماء ونوبة الانتفاع منه مُحْتَضَرٌ يحضره صاحبه في نوبته فليس معنى كون الماء مقسوما بين القوم والناقة انه جعل قسمين قسم لها وقسم لهم بل معناه جعل الشرب بينهم على طريق المناوبة يحضره القوم يوما وتحضره الناقة يوما وقسمة الماء إما لأن الناقة عظيمة الخلق ينفر منها حيواناتهم او لقلة الماء فَنادَوْا پس بخواندند قوم ثمود صاحِبَهُمْ هو

стр. 4293

قدار بن سالف بضم القاف والدال المهملة وهو مشئوم آل ثمود ولذا كانت العرب تسمى الجزار قدارا تشبيها له بقدار بن سالف لانه كان عاقر الناقة كما سيجيئ وكان قصيرا شريرا أزرق أشقر احمر وكان يلقب بأحيمر ثمود تصغير احمر تحقيرا وفي كشف الاسرار يقال له احمر ثمود وقيل أشأم عاد يعنى عادا الآخرة وهى ارم تشاءم به العرب الى يوم القيامة ومن هذا يظهر الجواب عما قال السجاوندى في عين المعاني وقد ذكره زهير في شعره فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم قيل هو غلط وهو احمر ثمود انتهى فَتَعاطى فَعَقَرَ التعاطي مجاز عن الاجتراء لان التعاطي هو تناول الشيء بتكلف وما يتكلف فيه لا بد أن يكون امرا هائلا لا يباشره أحد الا بالجراءة عليه وبهذا المجاز يظهر وجه التعقيب بالفاء في فعقر والا فالعقر لا يتفرع على نفس مباشرة القتل والخوض فيه والعقر بالفارسية پى كردن يقال عقر البعير والفرس بالسيف فانعقر اى ضرب به قوائمه وبابه ضرب والمعنى فاجترأ صاحبهم قدار على تعاطى الأمر العظيم غير مكترث له فاحدث العقر بالناقة (قال الكاشفى) محرك عقر ناقه دوزن بودند عنيزة أم غنم وصدوق بنت المختار وفي التفاسير صدقة بدل صدوق وذلك لما كانت الناقة قد اضرب بمواشيها پس صدوق ابن عم خود مصدع بن دهر را بوصال خود وعده داد وعنيزه يكى از دختران خود را نامزد قدار كرده وهر دو براه كذر ناقه كمين كردند چون ناقه از آب باز كشت أول بمصدع رسيده او تيرى بيفكند كه پايهاى ناقه بهم دوخت قدار نيز از كمين كاه بيرون آمده بشمشير ناقه را پى كرد فمعنى فنادوا صاحبهم فنبهوه على مجيئها وقربها من مكمنه او انه لما هم بها هابها فناداه أصحابه فشجعوه او نادى مصدع بعد ما رماها بسهم دونك الناقة فاضربها فضربها و چون از پاى در آمد او را قطعه قطعه كردند وميان قوم منقسم ساختند وبچهـ او حنوبر آمده سه بانك كرد واز آنجا بآسمان رفت وكفتند او نيز كشته شد وبعد از سه روز عذاب ثمود نازل شد فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ الكلام فيه كالذى مرفى صدر قصة عاد إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً هى صيحة جبريل ﵇ وذلك لانها هى الجزاء الوفاق لفعلهم فانهم صاروا سببا لصيحة الولد بقتل امه وفي الحديث (لا نوله والدة بولدها) اى لا تجعل والهة وذلك في السبايا بأن يفرق بينها وبين ولدها وفي الحديث (من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) كما في المقاصد الحسنة للسخاوى فَكانُوا اى فصاروا لاجل تلك الصيحة بعد ان كانوا في نضارة وطيب عيش كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ الهشم كسر الشيء الرخو كالنبات والهشيم بمعنى المهشوم اى المكسور وهو اليابس المتكسر من الشجر وغيره والحظر جمع الشيء في حظيرة والمحظور الممنوع والمحتظر بكسر الظاء الذي يعمل الحظيرة ويتخذها قال الجوهري الحظيرة التي تعمل للابل من الشجر لتقيها البرد والريح والمعنى كالشجر اليابس الذي يتخذه من يعمل الحظيرة او كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لما شيته فى الشتاء وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وفي الآيات اشارة الى ثمود

стр. 4294

النفس الامارة بالسوء ومعاملتها مع نذير القلب فانه يدعوها الى الانسلاخ عن الصفات البشرية والتلبس بالصفات الروحانية وهى تدعى المجانسة معه إذ النفس والروح بل النفس اخت القلب من جانب أيسر البطن وكذا تدعى تقدم رتبتها على القلب وتصرفها في القالب وما يحتوى عليه من القوى البشرية والطبيعية وتأخر رتبة القلب لانه حصل بعد ازدواج الروح مع النفس فبسبب تقدم رتبة النفس على القلب استنكفت النفس عن اتباعه وامتثال لاوامره وما عرفت ان تقدم الشرف والحسب أعلى وأفضل من تقدم الشرف والنسب ولذ قالت الحكماء توانكرى بهنرست نه بمال وبزركى بعقلست نه بسال وقال بعضهم وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهله وهى قبيلة عرفت بالدناة والخساسة جدا فخطأت النفس نذير القلب مع ان الخاطئة نفسها وامتحنته بإخراج الناقة وذلك ان حقيقة النفس واحدة غير متعددة لكن بحسب توارد الصفات المختلفة عليها تسمى بالأسماء المختلفة فاذا توجهت الى الحق توجها كليا تسمى بالمطمئنة وإذا توجهت الى الطبيعة البشرية توجها كليا تسمى بالامارة وإذا توجهت الى الحق تارة والى الطبيعة اخرى تسمى اللوامة فثمود النفس الامارة طلبت على جهة المكر والاستكبار من صالح رسول القلب المرسل من حضرة الروح أن يظهر ناقة النفس المطمئنة من شاهق جبل النفس الامارة بان يبدل صفتها من الامارية الى الاطمئنان فسأل صالح رسول القلب من حضرة الروح مسؤلها فأجابته إظهارا للقدرة والحكمة حتى غلبت أنوار الروح وانطمست ظلمة النفس كما ينطمس عند طلوع الشمس ظلام الليل وكان للنفس المطمئنة شرب خاص من المعارف والحقائق كما كان للنفس الامارة شرب خاص من المشارب الجسمانية فنادى الهوى وأعوانه بعضهم بعضا باستخلاص النفس الامارة من استيلاء نور الروح عليها مخافة أن ينغمس الهوى ايضا تحت هذا النور فتعاطى بعض اصحاب الهوى ذلك وكانت النفس الامارة ما تمكنت في مقام الاطمئنان تمكنا مستحكما بحيث لا تتأثر بل كان لها بقية تلوين فقتلوها بابطال طمأنينتها فرجعت القهقرى فانقهرت النفس والهوى تحت صيحة القهر وصارت متلاشية في حضرة القهر والخذلان محترقة بنار القطيعة والهجران كما قال فكيف كان عذابى ونذر فمن كان اهل الذكر والقرآن اى الشهود الجمعى يعتبر بهذا الفراق ويجتهد الى أن يصل الى نهاية الاطمئنان على الإطلاق فان النفس وان تبدلت صفتها الامارية الى المطمئنة لا يؤمن مكرها وتبدلها من المطمئنة الى الامارية ولو وكلت الى نفسها طرفة عين لعادت المشئومة الى طبعها وجبلتها كما كان حال بلعام وبرصيصا ولذا قال ﵇ لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك وقال الجنيد قدس سره لا تألف النفس الحق ابدا ألا ترى ان الذمي وان قبل الخراج فانه لا يألف المسلم الفة مسلم وفرخ الغراب وان ربى من الصغر وعلم فانه لا يخلو من التوحش فالنفس ليست باهل الاصطناع والمعروف والملاطفة ابدا وانما شأنها تضييقها ومجاهدتها ورياضتها الى مفارقة الروح من الجسد (ولذا قال في المثنوى)

стр. 4295

اندرين ره مى خراش ومى تراش ... تا دم آخر دمى فارغ مباش ومنه يعلم سر قولهم ان ورد الاستغفار لا يسقط بحال ولذا قال تعالى فسبح بحمد ربك واستغفره مع ظهور الفتح المطلق نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العلماء العاملين والأدباء الكاملين بسر النبي الامين كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ اى بالإنذارات او بالمنذرين كما سبق إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً اى ريحا تحصبهم اى ترميم بالحصباء وهى حجارة دون ملئ الكف فالحصب الرمي بالحصى الصغار ومنه المحصب موضع الجمار وقول عمر رضى الله عنه حصبوا المسجد والحاصب اسم فاعل بمعنى رامى الحصباء وتذكيره مع اسناده الى ضمير الريح وهى مؤنث سماعى لتأويلها بالعذاب يقول الفقير لعل سر تعذيبهم بالحجارة لانهم حجروا ومنعوا من اللواطة فلم يمتنعوا بل رموا نطفهم الى غير محل الحرث فرماهم الله بالحجر ومن ثمة ذهب احمد بن حنبل ﵀ الى أن حكم اللوطي أن يرجم وان كان غير محصن وايضا انهم يجلسون في مجالسيهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى فاذا مربهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان اولى به واما الريح فلانهم كانوا يضرطون في مجالسهم علانية ولا يتحاشون واما انقلاب قراهم فلانهم كانوا يقلبون المرد عند اللواطة فجازاهم الله بحسب أعمالهم وايضا قلبوا الحقيقة وعكسوها بأن تركوا محل الحرث وأتوا الأدبار إِلَّا آلَ لُوطٍ وهم اهل بيته الذين نجوا من العذاب وكانوا ثلاثة عشر وقيل يعنى لوطا وابنتيه وفي كشف الاسرار يعنى بناته ومن آمن به من أزواجهن نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ اى في سحر من الاسحار وهو آخر الليل او السدس الأخير منه وفي المفردات السحر اختلاط ظلام آخر الليل بصفاء النهار وجعل اسماء لذلك الوقت ويجوز أن يكون حالا اى ملتبسين بسحر (روى) ان الله امره حتى خرج بهم بقطع من الليل فجاء العذاب قومه وقت السحر والاستثناء منقطع لانه مستثنى من الضمير في عليهم وهو للمكذبين من قوم لوط ولا يدخل فيهم آل لوط لان المراد به من تبعه على دينه نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا اى انعاما كائنا منا وهو علة لنجينا ويجوز أن يكون مصدرا من فعله او من معنى نجيناهم لان تحبيتهم انعام كَذلِكَ اى مثل ذلك الجزاء العجيب نَجْزِي مَنْ شَكَرَ نعمتنا بالايمان والطاعة يعنى كذلك ننجى المؤمنين وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لوط بَطْشَتَنا اى أخذتنا الشديدة بالعذاب فَتَمارَوْا فكذبوا بِالنُّذُرِ متشاكين فتماروا ضمن معنى التكذيب فعدى تعديته من المرية وأصله تماريوا على وزن تفاعلوا وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ المراودة أن تنازع غيرك في الارادة فترود غير ما يروده وسبق تحقيقها في وسورة يوسف والضيف بالفارسية مهمان والمعنى ولقد أرادوا من لوط تمكينهم ممن أتاه من أضيافه وهم الملائكة في صورة الشبان ومعهم جبريل وقصدوا الفجور بهم ظنا منهم انهم بشر فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ الطمس المحو واستئصال اثر الشيء اى فمسحناها وسويناها كسائر الوجه بحيت لم ير لها شق (روى) انهم لما دخلوا داره عنوة صفقهم جبريل بجناحه صفقة فتركتهم يترددون لا يهتدون الى الباب حتى أخرجهم لوط والصفق الضرب الذي ليس له صوت فَذُوقُوا اى فقلنا لهم على ألسنة الملائكة ذوقوا

стр. 4296

عَذابِي وَنُذُرِ والمراد به الطمس فانه من جملة ما انذروه من العذاب وفيه اشارة الى أن طمس الابصار كان من نتائج مسح الابصار ولذا ورد في القرآن ونحشره يوم القيامة أعمى لانه اعرض عن ذكر الله ولم يلتفت اليه أصلا وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً التصبيح بامداد بنزديك كسى آمدن اى جاءهم وقت الصبح عَذابٌ اى الخسف والحجارة مُسْتَقِرٌّ يستقر بهم ويثبت لا يفارقهم حتى يفضى بهم الى النار يعنى عذاب دائم متصل بعذاب الآخرة وفي وصفه بالاستقرار ايماء الى ان ما قبله من عذاب الطمس ينتهى به والحاصل ان العذاب الذي هو قلب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها ورميهم بالحجارة غير العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين فانه عذاب دنيوى غير موصول بعذاب الآخرة واما عذاب الخسف والحجارة فموصول به لانهم بهذا العذاب ينتقلون الى البرزخ الموصول بالآخرة كما أشار اليه قوله ﵇ من مات فقد قامت قيامته اى من حيث اتصال زمان الموت بزمان القيامة كما ان ازمنة الدنيا يتصل بعضها ببعض فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ حكاية لما قيل لهم حينئذ من جهته تعالى تشديدا للعذاب وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ مر ما فيه من الكلام وفيه استئناف للتنبيه والإيقاظ لئلا يغلبهم السهو والغفلة وكذا تكرير قوله تعالى فبأى آلاء ربكما تكذبان وويل يومئذ للمكذبين ونحو هما من الانباء والقصص والمواعيد والزواجر والقواطع فان في التكرير تقريرا للمعانى فى الاسماع والقلوب وتثبيتا لها في الصدور وكلما زاد تكرير الشيء وترديده كان أقر له في القلب وأمكن في الصدر وارسخ في الفهم واثبت للذكروا بعد من النسيان وفي القصة اشارة الى معاملة لوط الروح مع قوم النفس الامارة ومعاملة الله بهم من إنجاء لوط الروح بسبب صفاته الروحانية وإهلاك قومه بسبب صفاتهم البشرية الطبيعية وكل من غلب عليه الشهوة البهيمية التي هى شهوة الجماع يجب عليه أن يقهر تلك الصفة ويكسرها بأحجار ذكر لا اله الا الله ويعالج تلك الصفة بضدها وهو العفة التي هى هيئة للقوة الشهوية متوسطة بين الفجور الذي هو افراط هذه القوة والخمود الذي هو تفريطها فالعفيف من يباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة بخلاف اهل الشهوة فان الشهوة حركة للنفس طلبا للملائم وحال النفس اما افراط او تفريط فلابد من إصلاحها من جميع القوى والصفات فانها هى التي حملت الناس على الفجور وإيقاع الفتنة بينهم وتحريك الشرور نمى تازد اين نفس سر كش چنان ... كه عقلش تواند كرفتن عنان نسأل الله العون والتوفيق والثبات في طريق التحقيق وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ اكتفى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه اولى بالنذر اى وبالله لقد جاءهم الانذارات من جهة موسى وهرون ﵉ كأنه قيل فماذا فعلوا حينئذ فقيل كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها يعنى الآيات التسع وهى اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وحل عقدة من لسانه وانفلاق البحر فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب عند التكذيب أَخْذَ عَزِيزٍ لا يغالب يعنى كرفتن غالبى كه مغلوب نكردد در كرفتن مُقْتَدِرٍ لا يعجزه شيء والمقصود

стр. 4297

ان الله تعالى هو العزيز المقتدر ولذا أخذهم بتكذيبهم ولم يمنعه من ذلك مانع والمراد بالعذاب هو الإغراق في بحر القلزم او النيل يقول الفقير لعل سر الغرق ان فرعون وصل الى موسى بسبب الماء الذي ساقه اليه في تابوته فلم يشكر لا نعمة الماء ولا نعمة موسى فانقلب الحال عليه بضد ذلك حيث أهلكه الله وقومه بالماء الذي هو سبب الحياة لغيرهم ووجه إدخال الطمس في العذاب بالنسبة الى قوم لوط ودرج الطوفان ونحوه في الآيات بالاضافة الى آل لوط ظاهر لان المقصود هو العذاب المتعلق بالوجود والطمس كذلك دون بعض آيات فرعون أَكُفَّارُكُمْ يا معشر العرب خَيْرٌ عند الله قوة وشدة وعدة وعدة مِنْ أُولئِكُمْ الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون والمعنى انه أصابهم ما أصابهم مع ظهور خيريتهم منكم فيما ذكر من الأمور فهل تطمعون أن لا يصيبكم مثل ذلك وأنتم شر منهم مكانا وأسوأ حالا أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ إضراب وانتقال من التبكيت بما ذكر الى التبكيت بوجه آخر اى بل الكم براءة وأمن من عذاب الله بمقابلة كفركم ومعاصيكم نازلة في الكتب السماوية فلذلك تصرون على ما أنتم عليه وتأمنون بتلك البراءة والمعنى به الإنكار يعنى لم ينزل لكم في الكتب السماوية ان من كفر منكم فهو فى أمن من عذاب الله أَمْ يَقُولُونَ جهلا منهم نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ تبكيت والالتفات للايذان باقتضاء حالهم للاعراض عنهم وإسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية قبائحهم لغيرهم يقال نصره من عدوه فانتصر اى منعه فامتنع اى بل أيقولون واثقين بشوكتهم نجن أولوا حزم ورأى أمرنا مجتمع لانرام ولا نضام او منتصر من الأعداء منتقم لا نغلب او متناصر بنصر بعضنا بعضا على أن يكون افتعل بمعنى تفعل كاختصم والافراد في منتصر باعتبار لفظ الجميع قال ابو جهل وقد ركب يوم بدر فرسا كميتا كان يعلفه كل يوم فرقا من ذرة وقد حلف انه يقتل محمدا ﷺ نحن تنتصر اليوم من محمد وأصحابه فقتلوه يومئذ وجر رأسه الى رسوله الله ابن مسعود رضى الله عنه وفيه اشارة الى كفار صفات النفس واختلاف أنواعها مثل البهيمية والسبعية والشيطانية والهوائية والحيوانية وتناصر بعضها بنصر بعض وتعاون بعض بمعاونة بعض سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ رد وابطال لذلك والسين للتأكيد اى سيهزم جمع قريش البتة وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ اى الأدبار والتوحيد لارادة الجنس يعنى ينصرفون عن الحرب منهزمين وينصر الله رسوله والمؤمنين وقد كان كذلك يوم بدر قال سعيد بن المسيب سمعت عمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول لما نزلت سيهزم الجمع ويولون الدبر كنت لا أدرى اى جمع فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﵇ يلبس الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر فعرفت تأويلها وهذا من معجزات رسول الله ﵇ لانه اخبر عن غيب فكان كما اخبر قال ابن عباس رضى الله عنهما كان بين نزول هذه الآية وبين يوم بدر سبع سنين فالآية على هذا مكية بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ اى ليس هذا تمام عقوبتهم بل القيامة موعد اصل عذابهم وهذا من طلائعه وَالسَّاعَةُ إظهارها في موقع اضمارها لتربية تهويلها أَدْهى أعظم داهية

стр. 4298

وفي أقصى غاية من الفظاعة والداهية الأمر الفظيع لا يهتدى الى الخلاص منه وَأَمَرُّ أشد مرارة وفي أقصى نهاية من المرارة وحاصله ان موقف القيامة اهول من موقف بدر وعذابها أشد وأعظم من عذابه لان عذاب الدنيا مثل الاسر والقتل والهزيمة ونحوها أنموذج من عذاب الآخرة كما ان نارها جزؤ من سبعين جزأ من نارها إِنَّ الْمُجْرِمِينَ اى المشركين من الأولين والآخرين فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ اى في هلاك ونيران مسعرة والتسعير آتش نيك افروختن وقيل في ضلال عن الحق في الدنيا ونيران في الآخرة يَوْمَ يُسْحَبُونَ منصوب اما بما يفهم من قوله في ضلال اى كائنون في ضلال وسعر يوم يجرون فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ واما بقوله مقدر بعده اى يوم يسحبون يقال لهم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ سقر علم لجهنم ولذلك لم يصرف وقيل اسم لطبقتها الخامسة من سقرته النار إذا بوخته اي غيرته والمس كاللمس وهو ادراك بظاهر البشرة والمعنى قاسوا حرها وألمها فان مسها سبب للتألم بها فمس سقر مجاز عن ألمها بعلاقة السببية وفي القاموس ذوقوا مس سقر اى أول ما ينالكم منها كقولك وجد مس الحمى انتهى وعن النبي ﷺ أول الناس يقضى فيه يوم القيامة رجل استشهد أتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فى سبيلك حتى استشهدت قال كذبت انما أردت أن يقال فلان جريئ فقد قيل فأمربه فسحب على وجه حتى ألقى في النار وجل تعلم العلم وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما عملت فيها فقال تعلمت العلم وقرأت القرآن وعملت قال كذبت انما أردت فلان عالم وفلان قارئ فقد قيل فأمر به فسحب وجهه حتى ألقى في النار ورجل آتاه الله تعالى من انواع المال فأتى به فعرفه نعمة فعرفها فقال ما عملت فيها قال ما تركت من شيء يجب ان ينفق فيه لك قال كذبت انما أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل فأمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار وعن عطاء السلمى قال خرجت يوما مع أصحابي نستسقى فلقينى سعدون فقال يا عطاء هل خرجتم بقلوب سماوية او بقلوب ارضية قلت بل بقلوب سماوية فقال يا عطاء لا تتعوج فان الناقد بصير فخجلت منه فلما دعونا ولم نمطر قلت له ادع الله حتى يسقينا فرفع رأسه الى السماء فقال بسم الله الرحمن الرحيم ثم قال بحرمة ما كان بينى وبينك البارحة أن تسقينا فلم يفرغ من كلامه حتى مطرنا ثم بكى ورجع والكلام في تصحيح النية وتطهير القلب عن الغير والإخلاص لله تعالى ومن بقي في صفات نفسه واعرض عن الحق وأقبل على الدنيا وشهواتها فهو يجر في نار جهنم البعد والطرد ويذوق حر نار الهجران والخذلان إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ من الأشياء وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده خَلَقْناهُ حال كون ذلك الشيء ملتبسا بِقَدَرٍ متعين اقتضته الحكمة التي عليها يدور امر التكوين فقدر بمعنى التقدير وهو تسوية صورته وشكله وصفاته الظاهرة والباطنة على مقدار مخصوص اقتضته الحكمة وترتبت عليه المنفعة المنوطة بخلفه او خلقناه مقدرا مكتوبا في اللوح قبل وقوعه لا يغير ولا يبدل (مصرع) قضى الله امرا وجف القلم ... سر بر خط لوح ازلى دار وخموش

стр. 4299

كز هر چهـ قلم رفته قلم در نكشند فالمراد بالقدر تقديره في علمه الأزلي وكتبه في اللوح المحفوظ وهو القدر المستعمل في جنب القضاء فالقضاء وجود جميع المخلوقات في اللوح المحفوظ مجتمعة والقدر وجودها في الأعيان بعد حصول شرائطها ولذا عبر بالخلق فانه انما يتعلق بالوجود الظاهري في الوقت المعين وفي الحديث (كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين الف سنة وعرشه على الماء) وعنه ﵇ (كل شيء بقدر الله حتى العجز والكيس) وعنه ﵇ (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد لا اله الا الله وانى رسول الله بعثني بالحق ويؤمن بالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر خيره وشره) اى حلوه ومره قال في كشف الاسرار مذهب اهل سنت آنست كه نيكى وبدى هر چند فعل بنده است وبنده بدان مثاب ومعاقب است اما بخواست الله است وبقضا وتقدير او چنانكه رب العزة كفت (قل كل من عند الله) وقال تعالى (انا كل شيء خلقناه بقدر) وقال ﵇ القدر خيره وشره من الله ففى الآية رد على القدرية والمعتزلة والخوارج وفي التأويلات النجمية خلقنا كل شيء اى موجود علمى وعينى في الأزل بمقدار معين مثل ما قال الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى اى كل شيء مخلوق على مقتضى استعداده الذاتي وقابليته الاصلية الازلية لا زائد فيه ولا ناقص كما قال الغزالي ﵀ ليس في الإمكان أبدع من هذا الوجود لانه لو كان ولم يظهر لكان بخيلا وهو جواد ولكان عاجزا وهو قادر وَما أَمْرُنا لشيء نريد تكوينه إِلَّا واحِدَةٌ اى كلمة واحدة لا تثنى سريعة التكوين وهو قوله تعالى كن او إلا فعلة واحدة وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ فى اليسر والسرعة فان اللمح النظر بالعجلة فمعنى كلمح كنظر سريع قال في القاموس لمح اليه كمنع اختلس النظر كألمح وفي المفردات اللمح لمعان البرق ورأيته لمحة برق قال ابن الشيخ لما اشتملت الآيات السابقة على وعيد كفار اهل مكة بالإهلاك عاجلا وآجلا والوعد للمؤمنين بالانتصار منهم جيئ بقوله إنا كل شيء خلقناه بقدر تأكيدا للوعيد والوعيد يعنى ان هذا الوعيد والوعد حق وصدق والموعد مثبت في اللوح مقدر عند الله لا يزيد ولا ينقص وذلك على الله يسير لان قضاءه في خلقه اسرع من لمح البصر وقيل معنى الآية معنى قوله تعالى وما امر الساعة الا كلمح البصر قال بعض الكبار ليس المراد بكلمة كن حرف الكاف والنون انما المراد بها المعنى الذي به كان ظهور الأشياء فكن حجاب للمعنى لمن فهم وكل انسان له في باطنه قوة كن وماله في ظاهره الا المعتاد وفي الآخرة يكون حكم كن منه في الظاهر وقد يعطى الله ذلك لبعض الرجال في هذه الدار بحكم الإرث لرسول الله ﷺ فانه تصرف بها في عدة مواطن منها قوله في غزوة تبوك كن أباذر فكان أباذر ثم لا يخفى انه لم يعط أحد من الملائكة وغيرهم حرف كن انما هى خاصة بالإنسان لما انطوى عليه من الخلافة والنيابة وفي التأويلات النجمية وما امر تجلينا للاشياء كلها علويها وسفليها إلا جعل واحد اى وحداني الوصف لا كثرة فيه لكن يتكثر بحسب المتجلى له ويظهر فيه بحسبه ظهور الصورة

стр. 4300

الواحدة في المرائى المتكثرة يظهر في الكبير كبيرا وفي الصغير صغيرا وفي المستطيل مستطيلا وفي مستدير مسديرا والصورة على حالتها المخلوقة عليها باقية لا تغير ولا تبدل بها كما يلمح الناظر ويرى في اللمحة الواحدة ما يحاذى بصره وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ اى اشباهكم فى الكفر من الأمم جمع شيعة وهو من يتقوى به الإنسان وينشر عنه كما في المفردات وقال فى القاموس شيعة الرجل بالكسر اتباعه وأنصاره والفرقة على حدة ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متعظ يتعظ بذلك فيخاف وفيه اشارة الى انا بقدرتنا الازلية وحكمتنا البالغة أهلكنا وأفنينا اشباهكم وأمثالكم يا ارباب النفوس الامارة ويا اصحاب القلوب الجوالة اما بالموت الطبيعي واما بالموت الإرادي فهل من معتبر يعتبر هذا وهذا ويختار لنفسه الأليق والأحرى وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ من الكفر والمعاصي مكتوب على التفصيل فِي الزُّبُرِ اى في ديوان الحفظة جمع زبور بمعنى الكتاب فهو بمعنى مزبور كالكتاب بمعنى مكتوب وقال الغزالي ﵀ كل شيء فعله الأمم في كتب أنبيائهم المنزلة عليهم كأفعال كفار زماننا في كتابنا وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ من الأعمال مُسْتَطَرٌ مسطور في اللوح المحفوظ بتفاصيله يقال استطره كتبه كما في القاموس قال يحيى بن معاذ ﵀ من علم أن أفعاله تعرض عليه في مشهد الصدق وانه مجازى عليها اجتهد في إصلاح أفعاله واخلاص اعماله ولزم الاستغفار لما سلف من افراطه وقد روى ان النبي ﵇ ضرب لصغائر الذنوب مثلا فقال انما محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض وحضر جميع القوم فانطلق كل واحد منهم يحطب فجعل الرجل يجيئ بالعود والآخر بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا فشووا خبرهم وان الذنب الصغير يجتمع على صاحبه فيهلكه الا أن يغفر الله اتقوا محقرات الذنوب فان لها من الله طالبا ولقدا حسن من قال خل الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى واصنع كماش فوق را ... ض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة ... ان الجبال من الحصى إِنَّ الْمُتَّقِينَ اى من الكفر والمعاصي فِي جَنَّاتٍ اى بساتين عظيمة الشان بحيث لا يوصف نعيمها وما أعد فيها لاهلها وَنَهَرٍ اى انهار كذلك يعنى انهار الماء والخمر والعسل واللبن والافراد للافراد للاكتفاء باسم الجنس مراعاة للفواصل فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ خبر بعد خبر وهو من اضافة والصدق بمعنى الجودة والمعنى في مكان مرضى ومجلس حق سالم من اللغو والتأثيم بخلاف مجالس الدنيا فقل ان سلمت من ذلك عِنْدَ مَلِيكٍ المراد من العندية قرب المنزلة والمكانة دون قرب المكان والمسافة والمليك ابلغ من المالك وهو بالفارسية پادشاه والتنكير للتعظيم والمعنى حال كونهم مقربين عند عزيز الملك واسعه لا يقادر قدر ملكه فلا شيء الا وهو تحت ملكوته فأى منزلة أكرم من تلك واجمع للغبطة كلها والسعادة بأسرها مُقْتَدِرٍ قادر لا يعجزه شيء عال امره في الاقتدار وفي التأويلات النجمية يعنى المتقين بالله عما سواه في جنات الوصلة وانهار مياه المعرفة والحكمة

стр. 4301

ينغمسون فيها ويخرجون منها درر المعارف ولآلئ العوارف في مقعد صدق هو مقام الوحدة الذاتية في مقام العندية كما قال ﵇ أتيت عند ربى يطعمني ويسقينى ودر كشف الاسرار آورده كه كلمة عند رقم تقريب وتخصيص دارد يعنى اهل قرب فردادران سرايدان اختصاص خواهند داشت وحضرت پيغمبر ﵇ امروز درين سرا مخصوص بآن بوده كه (أبيت عند ربى) و چون رتبه كه فردا خواص بأن نازند امروز پاى ادناى وى بوده پس از مرتبه اعلاى فرداى او كه نشان تواند داد اى محرم سر لا يزالى ... مرآت جمال ذى الجلالي مهمان أبيت عند ربى ... صاحب دل لا ينام قلبى از قربت حضرت الهى ... هستى بمثابه كه خواهى قربى كه عبارتش نسنجد ... در حوصله خرد نكنجد كم كشته بود عبارت آنجا ... بلكه نرسد عبارت آنجا وفي الآية اشارة الى ان تقوى توصل العبد الى جنات الدرجات وانهار العلوم والمعارف الحقيقية الالهية ثم الى مقام الصديقين ثم الى مقام الوحدة الذاتية المشار إليها بالعندية قال الامام جعفر الصادق رضى الله عنه مدح الله المكان بالصدق فلا يقعد فيه الا اهل الصدق وهو المقام الذي يصدق الله فيه وعده لاوليائه بأن يبيح لهم النظر الى وجهه الكريم قيمت وعز ان بقعه نه بمرع بريان وجوى روان وحيرات حسان است بلكه بديدار چنانكه قيمت صدف بدر شاهوار كما قيل وما عهدى بحب تراب ارض ... ولكن من يحل بها حبيب اى خوشا عيشا كه مؤمنانراست در ان مجلس انس وحظيره قدس باديه انتظار بريده بكعبه وصال رسيده خلعت رضا پوشيده شربت سرور از چشمه وفا نوشيده عيش بي عتاب ونعمت بي حساب وديدار بي حجاب يافته (روى) صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة انه قال فى هذه الآية ان اهل الجنة يدخلون كل يوم مرتين على الجبار تعالى فيقرأون عليه القرآن وقد جلس كل امرئ منهم مجلسه الذي له ومجلسى على منابر الدر والياقوت والزمرد والذهب والفضة أعمالهم فلم تقر أعينهم بشيء قط كما تقر أعينهم بذلك ولم يسمعوا شيأ أعظم ولا أحسن منه ثم ينصرفون الى رحالهم ناعمين قريرة أعينهم الى مثلها من الغد قال بعضهم المراد بمن في الآية هم الذين لا تحجبهم الجنة ولا النعيم ولا شيء عنه تعالى قال البقلى يا أخى هؤلاء غرباء الله في الدنيا والآخرة أدخلهم في اغرب المنازل وهو مقام المجالسة معه بحيث لا يطلع عليه الا اهل الصدق في طلبه وهم فقراء المعرفة الذين قال ﵇ فيهم الفقراء جلساء الله سئل ابو يزيد البسطامي قدس سره عن الغريب قال الغريب من إذا طالبه الخلق في الدنيا لم يجدوه ولو طالبه مالك في النار لم يجده ولو طالبه رضوان فى الجنة لم يجده فقيل اين يكون يا أبا يزيد فقال ان المتقين في جنات إلخ فلابد من الصدق وحدمة الصادقين حتى يصل الإنسان الى هذا المطلب الجليل وهو على وجوه ومراتب اما الصدق

стр. 4302

فى القول فبصون اللسان عن الكذب الذي هو أقبح الذنوب قال ﵇ التجار هم الكفار فقيل أليس الله قد أحل البيع قال نعم ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون وقال ﵇ الكذب ينقص الرزق وفي الحديث (اربع من كن فيه فهو منافق وان صام وصلّى وزعم انه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا ائتمن خان وإذا خاصم فجر) واما الصدق في الحال فبصون الحال عما ينقصه مثلا إذا عزم على امر وحال من التسليم والتوكل وغير هما فصدقه بالاستمرار على عزيمته والاحتراز عن النقض واهل السلوك تهتمون فى صدق الحال أشد الاهتمام (روى) ان واحدا منهم كان كثير الوجد والزعقات فجاء يوما واوداع خرقته عند الشيخ في الحرم الشريف وقال ان صيحتى الآن لامرأة عشقتها فأنا لا أريد أن أكون كاذبا في حالى بأن ألبس لباس العشاق وانا على تلك الحال ثم انه بعد ايام جاء وأخذ خرقته وقال الحمد الذي خلصنى منها وعدت الى حالى ومن قبيل الصدق في الحال صدق لمريد في إرادته فانه إذا وقع منه حركة مخالفة لارادة الشيخ فهو كاذب في إرادته فان المريد من أفنى إرادته في ارادة الشيخ ففى اى مرتبة من القال والحال وجد الصدق كان سبب النجاة وباعثا لرفع الدرجات قال الشاعر سيعطى الصادقين بفضل صدق ... نجاة في الحياة وفي الممات وسبب هذا الشعران ثلاثة اخوة من الشام كانوا يغزون فأسرهم الروم مرة فقال لهم الملك انى أجعلكم ملوكا وأزوجكم بناتي ان قبلتم النصرانية فأبوا وقالوا يا محمداه فادخل اثنين في الزيت المغلى وأخذ الثالث علج وسلط عليه ابنته وكانت من أجمل النساء فأخذ الشاب فى صيام النهار وقيام الليل فآمنت البنت وخرجا الى الشام فجاء أخواه الشهيدان مع الملائكة ليلة وزوجاه المرأة وسألهما أخوهما عن حالهما فقالا ما كانت الا التي رأيت حتى دخلنا في الفردوس وان الله تعالى أرسلنا إليك نشهد تزويجك بهذه الفتاة وكانا مشهورين بالشام حتى قال الشعراء فيهما أبياتا منها ما ذكرناه (وروى) جنيد البغدادي قدس سره عن امير المؤمنين على رضى الله عنه انه قال الصوف ثلاثة أحرف فالصاد صدق وصبر وصفاء والواو ود وورد وو فاء والفاء فقر وفرد وفناء فاذا لم توجد هذه الصفات في لا يكون صوفيا قال سهل ﵀ أول خيانة الصديقين حديثهم مع أنفسهم وسئل فتح الموصلي ﵀ عن الصادق فأدخل يده في كير الحديد واخرج حديدة محماة ووضعها على كفه وقال هذا هو الصدق قال جنيد البغدادي ﵀ الصادق ينقلب في اليوم أربعين مرة والمرائى يثبت على حالة واحدة أربعين سنة وذلك لان مطلب العارفين من الله الصدق والعبودية والقيام بحق الربوبية من غير مراعاة حظ النفس وكل من عداهم من العابد والزاهد او العالم لا يفارقون الحظوظ والأغراض نسأل الله العافية تمت سورة القمر بعون خالق القوى والقدر في العشر الثالث من العشر الثالث من شوال المنتظم في سلك شهور سنة اربع عشرة ومائة والف

стр. 4303

تفسير سورة الرحمن وتسمى عروس القرآن مكية او مدينة وآيها ست او سبع او ثمان وسبعون بسم الله الرحمن الرحيم الرَّحْمنُ مبتدأ خبره ما بعده اى الذي له الرحمة الكاملة كما جاء في بعض الدعاء رحمان الدنيا ورحيم الآخرة لانه عم الرزق في الدنيا كما قيل أديم زمين سفره عام اوست ... برين خوان يغما چهـ دشمن چهـ دوست وخص المؤمنين بالعفو في الآخرة وبالفارسية خداوند بخشايش بسيار كه رحمت او همه چيز را رسيده والرحمة في الحقيقة العف والحنوا عنى الميل الروحاني ومنه الرحم لانعطافها الحسى على ما فيها وأريد بها بالنسبة الى الله تعالى ارادة الخير او الانعام لان عطف على أحد أصابه بأحدهما قال الامام الغزالي ﵀ الرحمن هو العطوف على العباد بالإيجاد اولا وبالهداية الى الايمان واسباب السعادة ثانيا والإسعاد بالآخرة ثالثا والانعام بالنظر الى وجه الكريم رابعا انتهى ولما كانت هذه السورة الكاملة شاملة لتعداد النعم الدنيوية والاخروية والجسمانية والروحانية طرزها بطراز اسم الرحمن الذي هو اسم الذات المشتمل على جميع الأسماء والصفات ليسند اليه النعم المختلفة بعده ولما كان القرآن أعظم النعم شأنا لانه مدار جميع السعادات ولذا قال ﵇ اشراف أمتي حملة القرآن اى ملازموا قراءته واصحاب الليل وقال خيركم من تعلم القرآن وعلمه وفيه جميع حقائق الكتب السماوية وكان تعليمه من آثار الرحمة الواسعة وأحكامها بدأبه فقال عَلَّمَ محمدا ﷺ الْقُرْآنَ بواسطة جبريل ﵇ وبواسطة محمد ﵇ غيره من الامة (قال الكاشفى) يعنى آسان كردانيده مر او را آموختن وديكر انرا آموزانيدن قال ابن عطاء ﵀ لما قال الله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها أراد ان يخص امة محمد بخاصة مثله فقال الرحمن علم القرآن اى الذي علم آدم الأسماء وفضله بها على الملائكة هو الذي علمكم القرآن وفضلكم به على سائر الأمم فقيل له متى علمهم قال علمهم حقيقة في الأزل واظهر لهم تعليمه وقت الإيجاد وفيه إشارة الى أن تعليم القرآن وان كان في الصورة بواسطة جبريل من الوجه العام لكنه كان بلا واسطة في المعنى من الوجه الخاص على ما سنريد وضوحا في محله ان شاء الله تعالى وقال بعضهم علم القرآن اى أعطى الاستعداد الكامل في الأزل لجميع المستعدين ولذلك قال علم القرآن ولم يقل علم الفرقان كما في قوله تعالى تبارك الذي نزل الفرقان فان الكلام الإلهي قرآن باعتبار الجمع والبداية وفرقان باعتبار الفرق والنهاية فهو بهذا المعنى لا يتوقف على خلق الإنسان وظهوره في هذا العالم وانما الموقوف عليه تعليم البيان ولذا قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان وخلقه على تعليم البيان انتهى وفي الآية اشارة الى أن التعليم والتسهيل انما هو من الله تعالى لا من المعلمين والحافظين وقد علم آدم الأسماء ووفقه لتعلمها وسهله باذنه وعلم داود صنعة الدرع كما قال وعلمناه صنعة لبوس لكم وعلم عيسى علم الطب كما قال ويعلمه الكتاب والحكمة وعلم الخضر العلم اللدني كما قال وعلمناه من لدنا علما

стр. 4304

وعلم نبينا ﵇ القرآن واسرار الالوهية كما قال وعلمك ما لم تكن تعلم وعلم الإنسان البيان قال في فتح الرحمن ومن الدليل على ان القرآن غير مخلوق ان الله تعالى ذكره في كتابه العزيز في اربعة وخمسين موضعا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق ولا أشار اليه وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعا كلها يدل على خلقه وقد اقترنا في هذه السورة على هذا النحو قاله المولى ابو السعود ﵀ ثم قيل خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ تبيينا للمعلم وكيفية التعليم والمراد بخلق الإنسان انشاؤه على ما هو عليه من القوى الظاهرة والباطنة والبيان هو التعبير عما في الضمير قال الراغب البيان الكشف عن الشيء وهو أعم من النطق لان النطق مختص بالإنسان وسمى الكلام بيانا لكشفه عن المعنى المقصود وإظهاره انتهى وليس المراد بتعليمه مجرد تمكين الإنسان من بيان نفسه بل منه ومن فهم بيان غيره ايضا إذ هو الذي يدور عليه تعليم القرآن والمراد به جنس الإنسان الشامل لجميع اصنافه وافراده وفي بحر العلوم خلق الإنسان اى آدم وعلمه الأسماء واللغات كلها وكان آدم يتكلم بسبعمائة الف لغة أفضلها العربية انتهى يقول الفقير فيه اشارة الى ان الله تعالى قد تكلم بجميع اللغات سوآء كان التعليم بواسطة أم لا فان قلت كيف يتكلم الله باللغات المختلفة والكلام النفسي عار عن جميع الاكسية قلت نعم ولكنه في مراتب التنزلات والاسترسالات لا بد له من الكسوة فالعربية مثلا كسوة عارضة بالنسبة الى الكلام في نفسه وقد ذقنا في أنفسنا انه يجيئ الإلهام والخطاب تارة باللفظ العربي واخرى بالفارسي وبالتركى مع كونه بلا واسطة ملك لان الاخذ عن الله لا ينقطع الا يوم القيامة وذلك بلا واسطة وان كان الغالب وساطة الملك من حيث لا يرى فاعرف ذلك الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ مبتدأ وخبر والحسبان بالضم مصدر بمعنى الحساب كالغفران والرجحان يقال حسبه عده وبابه نصر حسابا بالكسر وحسبانا بالضم واما الحسبان بالكسر فبمعنى الظن من حسب بالكسر بمعنى ظن والمعنى يجريان بحساب مقدر في بروجهما ومنازلهما بحيث ينتظم بذلك امور الكائنات السفلية ويختلف الفصول والأوقات ويعلم السنون والحساب فالسنة القمرية ثلاثمائة واربعة وخمسون يوما والشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم او اقل وفيه اشارة الى شمس فلك البروج وفمركرة القلب سيرانهما في بروج التجليات الذاتية ومنازل التجليات الاسمائية والصفاتية وكل ذلك السيران بحسب استعداد كل واحد منهما بحساب معلوم وامر مقسوم وَالنَّجْمُ اى النبات الذي ينجم اى يطلع من الأرض ولا ساق له مثل الكرم والقرع ونحو ذلك وَالشَّجَرُ الذي له ساق وفي المنتقى كل نابت إذا ترك حتى يبرز انقطع فليس بشجر وكل شيء يبرز ولا ينقطع من سنته فهو شجر يَسْجُدانِ اى ينقاد ان له تعالى فيما يريد بهما طبعا انقياد الساجد من المكلفين طوعا او يسجد ظلهما على ما بين في قوله تعالى يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجد الله وكفته اند ما را بر سجود ايشان وقوف نيست چنانچهـ بر تسبيح ايشان كما قال تعالى (وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) ذكر في مقابلة النعمتين السماويتين اللتين هما الشمس والقمر نعمتين ارضيتين وهما النجم والشجر

стр. 4305

وكلاهما من قبيل النبات الذي هو اصل الرزق من الحبوب والثمار والحشيش للدواب واخلاء الجمل الاولى عن العطف لو رودها على منهاج التعديد تنبيها على تقاعده في الشكر كما في قولك زيد أغناك بعد فقر أعزك بعد ذل كثرك بعد قلة فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد واما عطف جملة والنجم على ما قبلها فلتناسبها من حيث التقابل لما ان الشمس والقمر علويان والنجم والشجر سفليان ومن حيث ان كلا من حال علويين وحال السفليين من باب الانقياد لامر الله تعالى ولما كانت هذه الاربعة مغايرة لجنس الإنسان في ذاته وصفاته غير النظم بايرادها فى صورة الاسمية تحقيقا للتغاير بينهما وضعا وطبعا صورة ومعنى وفيه اشارة الى سجود نجم العقل الذي به يهتدى الى معرفة الأشياء واستهلاكه وتلاشية عند النظر الى الحقائق الالهية والمعارف الربانية لعدم قوة إدراكه إياها مستعدا بنفسه غير مستفيض من الفيض الإلهي بطريق الكشف والشهود والى سجود شجر الفكر المتشجر بالقوى الطبيعية والقوى الوهمية والخيالية وانحصاره في القوة المزاجية العنصرية وعدم تمكنه من ادراك الحقائق على ما هى عليه كما قيل العقل والفكر جالا حول سرادق الكون فاذا نظرا الى المكون ذابا وكيف لا وهما مخلوقان محصوران تحت حصر الخلقية والحدوث وانى للخلق المحدث معرفة الخالق القديم وما قدروا الله حق قدره وَالسَّماءَ رَفَعَها انتصابه بمحذوف يفسره المذكور اى خلقها مرفوعة محلا كما هو محسوس مشاهد وكذا رتبة حيث جعلها منشأ أحكامه وقضاياه وتنزل أوامره ومحل ملائكته وقال بعضهم رفعها من السفل الى العلو سقفا لمصالح العباد وجعل ما بينهما مسيرة خمسمائة عام وذلك لان السماء دخان فاربه موج الماء الذي كان في الأرض وَوَضَعَ الْمِيزانَ اى شرع العدل وامر به بأن وفر كل مستحق لما استحقه ووفى كل ذى حق حقه حتى انتظم به امر العالم واستقام كما قال ﵇ بالعدل قامت السموات والأرض قيل فعلى هذا الميزان هو القرآن وقيل هو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان وميكال ونحوهما فالمعنى خلق كل ما توزن به الأشياء ويعرف مقاديرها موضوعا مخفوضا على الأرض حيث علق به احكام عباده وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم واعطائهم قال سعدى المفتى وأنت خبير بأن قوله أن لا تطغوا فى الميزان واقيموا الوزن أشد ملاءمة لهذا المعنى ولهذا اقتصر عليه الزمخشري (قال الكاشفى) ووضع الميزان وبيافريد يا منزل كردانيد ترازو را يا الهام داد خلق را بكيفيت إيجاد آن ليتوصل به الا الانصاف والانتصاف وكان ذلك في زمان نوح ﵇ إذ لم يكن قبله كيل ووزن وذراع قال قتادة في هذه الآية اعدل يا ابن آدم كما تحب أن يعدل عليك وأوف كما تحب أن يوفى لك فأن العدل صلاح الناس أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ ان ناصبة ولا نافية ولام العلة مقدرة متعلقة بوضع الميزان اى وضعه لئلا تطغوا فيه ولا تعتدوا ولا تتجاوزوا الانصاف وبالفارسية از حد نكذريد در ترازو بوقت داد وستد يعنى از عدل تجاوز نكنيد وبراستى معامله نمايد قال ابن الشيخ الطغيان مجاوزة الحد فمن قال الميزان العدل قال طغيانه الجور ومن قال انه الميزان الذي هو آلة التسوية قال طغيانه البخس اى

стр. 4306

النقص چون ترازوى تو كج بود ودغا ... راست چون جويى ترازوى جزا وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ قوموا وزنكم بالعدل اى اجعلوه مستقيما به وفي المفردات الوزن معرفة قدر الشيء والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسطاس والقبان وقوله واقيموا الوزن بالقسط اشارة الى مراعاة المعدلة في جميع ما يتحراه الإنسان من الافعال والأقوال وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ يقال خسرت الشيء بالفتح وأخسرته نقصته وبابه ضرب واما خسر في البيع فبالكسر كما في المختار وقال في القاموس خسر كفرح وضرب ضل والخسر والاخسار النقص اى لا تنقصوه لان من حقه أن يسوى لانه المقصود من وضعه قال سعدى المفتى المراد لا تنقصوا الموزون في الميزان لا الميزان نفسه امر اولا بالتسوية ثم نهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة ثم عن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان وكرر لفظ الميزان تشديدا للتوصية به وتأكيدا للامر باستعماله والحث عليه (قال الكاشفى) اين همه تأكيد اهل ترازو را جهت آنست كه بوقت وضع ميزان قيامت شرمنده نشوند هر جو وهر حبه كه بازوى تو ... كم كند از كيد ترازوى تو هست يكايك همه بر جاى خويش ... روز جزا جمله بيارند پيش با تو نمايند نهانيت را ... كم دهى وبيش ستانيت را روى عن مالك بن دينار ﵀ انه دخل على جار له احتضر فقال يا مالك جبلان من نار بين يدى أكلف الصعود عليهما قال فسألت اهله فقالوا كان له مكيالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فدعوت بهما فضربت أحدهما بالآخر حتى كسرتهما ثم سألت الرجل فقال ما يزداد الأمر على إلا عظما وفي المفردات قوله ولا تخسروا الميزان يجوز أن يكون اشارة الى تحرى العدالة في الوزن وترك الحيف فيما يتعاطاه في الوزن ويجوز أن يكون ذلك اشارة الى تعاطى مالا يكون ميزانه به يوم القيامة خاسرا فيكون ممن قال فيه فمن خفت موازينه وكلا المعنيين يتلازمان وكل خسران ذكره الله في القرآن فهو على هذا المعنى الأخير دون الخسران المتعلق بالقنيات الدنيوية والتجارات البشرية يقول الفقير وجه توسيط الميزان بين رفع السماء ووضع الأرض هو الاشارة الى انه بالعدل قامت السموات والأرض كما ورد في الحديث والى انه لا بد من ميزان العقل بين الروح والجسد حتى يعتدلا ولا يتجاوز أحدهما الآخر والاعتدال الحقيقي هو الوقوف بين طرفى الافراط والتفريط المذمومين عقلا وشرعا وعرفا والموزونات هى الأمور العلمية والعلمية المعدلة بالعقل المبنى على الاستعداد الذاتي وَالْأَرْضَ وَضَعَها اى خفضها مدحوة على الماء اى مبسوطة لِلْأَنامِ اى لمنافع الأنام وهو جمع لا واحد له من لفظه بمعنى الخلق والجن والانس مما على الأرض كما فى القاموس فهى كالمهاد والفراش لهم يتقلبون عليها ويتصرفون فوقها وقال ابن عباس رضى الله عنهما رب الناس ويدل عليه وقوله مبارك الوجه يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا مثل

стр. 4307

وقال قتادة كل ذى روح لانه ينام وقيل من ونم الذباب همس وفيه اشارت الى بسط ارض البشرية لتنتعش كل قبيلة بما يلائم طبعها اما انتعاش اهل النفوس البشرية فبأستيفاء الشهوات الحيوانية واللذات الجسمانية واما انتعاش اصحاب القلوب المعنوية فبالوا إرادات القلبية والإلهامات الغيبية واما انتعاش ارباب الأرواح العلوية فبالتجليات الروحانية والمحاضرات الربانية واما انتعاش صناديد الاسرار اللاهوتية القدسية فبالتجليات الذاتية الاحدية المفنية لكل ما سواه فِيها فاكِهَةٌ ضروب كثيرة مما يتفكه به ويتلذذ ففاكهة تشعر باختلاف الأنواع وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وهى اوعية الثمر وغلفها قبل التفتق يعنى خوشهاى آن در غلاف جمع كم بالكسر وهو الغلاف الذي يكون فيه الثمر أول ظهوره تا مادامكه مغشق نشده در غلاف باشد ومعنى النخل بالفارسية يعنى درخت خرما او هو اى الكم كل ما يكم بضم الكاف من باب نصر اى يغطى من ليف وسعف وكفرى فانه مما ينتفع به كما ينتفع من المكموم من ثمره وجماره وجذوعه فالليف يغطى الجذع والسعف الجمار وهو كرمان شحم النخل بالفارسية دل درخت خرما والكفرى الثمر وَالْحَبُّ ودر زمين دانه است وهو كل ما يتغذى به ويقتات كالحنطة والشعير وغيرهما ذُو الْعَصْفِ هو ورق الزرع او ورق النبات اليابس كالتبن (قال الكاشفى) وعصف كياهيست كه ازو دانه جدا ميشود وفي المفردات العصف والعصيفة الذي يعصف من الزرع قال في تاج المصادر العصف برك كشت ببريدن وَالرَّيْحانُ قال في المفردات الريحان ماله رائحة وقيل الرزق ثم يقال للحب المأكول ريحان كما في قوله والحب ذو العصف وقيل الاعرابى الى اين قال اطلب ريحان الله اى رزقه والأصل ما ذكرنا انتهى قال ابن عباس ومجاهد والضحاك هو الرزق بلغة حمير فالمراد بالريحان هنا اما الرزق او المشموم كما قال الحسن الريحان هو ريحانكم هذا الذي يشم وهو كل ما طابت رائحته من النبات او الشاهسفرم وعند الفقهاء الريحان مالساقه رائحة طيبة كما لورقه كالآس والورد مالورقه رائحة طيبة فقط كالياسمين كذا في المغرب قال ابن الشيخ كل بقلة طيبة الرائحة سميت ريحانا لان الإنسان يراح لها رائحة طيبة اى يشم يقال راح الشيء يراحه ويرحه وأراح الشيء يريحه إذا وجد ريحه وفي الحديث (من قتل نفسا معاهدة لم يرح رائحة الجنة) ويروى لم يرح من راحه يريحه والريحان في الأصل ريوحان كفعيلان من روح فقلبت الواو ياء وادغم ثم خفف بحذف عين الكلمة كما في ميت او كفو علان قلبت واوه ياء للتخفيف او للفرق بينه وبين الروحان وهو ماله روح فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الحطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله تعالى للانام لعمومه لهما واشتماله عليهما وسينطق به قوله تعالى ايها الثقلان وكذا في ذكر أبوي الفريقين بقوله خلق الإنسان وخلق الجان اشعار بأن الخطاب لهما جميعا والآلاء النعم واحدها الى والى والو والى والى كما في القاموس قال في بحر العلوم الآلاء النعم الظاهرة والباطنة الواصلة الى الفريقين وبهذا يظهر فساد ما قيل من ان الآلاء هى النعم الظاهرة فحسب والنعماء هى النعم الباطنة والصواب انهما من الألفاظ المترادفة كالأسود

стр. 4308

والليوث والفلك والسفن وفي التأويلات النجمية الآلاء هى النعمة الظاهرة والنعماء الباطنة والآيات المتوالية تدل على هذا لانها نعمة ظاهرة بالنسبة الى اهل الظاهر ومعنى تكذيبهم بالآلاء كفرهم بها والتعبير عن الكفر بالتكذيب لما أن دلالة الآلاء المذكورة على وجوب الايمان والشكر شهادة منها بذلك فكفرهم بها تكذيب بها لا محالة اى فاذا كان الأمر كما فصل فبأى فرد من افراد آلاء مالككما ومربيكما بتلك الآلاء تكذبان مع ان كلا منها ناطق بالحق شاهد بالصدق فالاستفهام للتقرير اى للحمل على الإقرار بتلك النعم ووجوب الشكر عليها (روى) عن جابر رضى الله عنه انه قال قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها قال مالى أراكم سكوتا للجن كانوا احسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية مرة فبأى آلاى ربكما تكذبان الا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد قال في بحر العلوم وفيه دلالة بينة على ان الآلاء أراد بها النعم المطلقة الشاملة للظاهرة والباطنة لا المقيدة بالظاهرة كما سبق اليه بعض الأوهام انتهى قال في آكام المرجان دلت الآية على ان الجن كلهم مكلفون ولا خلاف فيه بين اهل النظر وزعمت الحشوية انهم مضطرون الى أفعالهم وانهم ليسوا مكلفين والدليل على انهم مكلفون ما في القرآن من ذم الشياطين ولعنهم والتحذير من غوائلهم وشرهم وذكر ما أعده الله لهم من العذاب وهذه الخصال لا يفعلها الله الا لمن خالف الأمر والنهى وارتكب الكبائر وهتك المحارم مع تمكنه من ان لا يفعل ذلك وقدرته على فعل خلافه ويدل على ذلك ايضا انه كان من دين النبي ﵇ لعن الشياطين والبيان عن حالهم وانهم يدعون الى الشر والمعاصي ويوسوسون بذلك وتكرار هذه الآية في هذه الصورة لطرد الغفلة وتأكيد الحجة وتذكير النعمة وتقرير الكرامة من قولهم كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وكقولك لرجل أحسنت اليه بأنواع الأيادي وهو ينكرها ألم تكن فقيرا فأغنيتك أفتنكر هذا ألم تكن عريانا فكسوتك أفتنكر هذا ألم تكن خاملا فعززتك أفتنكر هذا وقال الشاعر لا تقطعن الصديق ما طرفت ... عيناك من قول كاشح أشر ولا تملن من زيارته ... زره وزره زر ثم زر وزر وقال في برهان القرآن تكررت الآية احدى وثلاثين مرة ثمان منها ذكرها عقيب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله وبدائع صنعه ومبدأ الخلق ومعادهم ثم سبع منها عقيب آياب فيها ذكر النار وشدائدها على عدد أبواب جهنم وحسن ذكر الآلاء عقيبها لان في خوفها ودفعها نعما توازى النعم المذكورة أو لأنها حلت بالأعداء وذلك يعد من اكبر النعماء وبعد هذه السبع ثمان في وصف الجنات وأهلها على عدد أبواب الجنة وثمان اخرى بعدها للجنتين اللتين دونها فمن اعتقد الثماني الاولى وعمل بموجبها استحق كلتا الثمانيتين من الله ووقاه الله السبع السابقة يقول الفقير من لطائف اسرار هذا المقام ان لفظ ال في أول اسم الرحمن المعنون به هذه السورة الجليلة دل على تلك الاحدى والثلاثين خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ بيافريد انسان را از كل خشك مانند سفال پخته كه دست

стр. 4309

يروى زنى آواز كند الصلصال الطين اليابس الغير المطبوخ الذي له صلصلة اى صوت يسمع من يبسه وصح عن رسول الله ﵇ انه قال إذا تكلم الله بالوحى سمع اهل السموات لصوته صلصلة كصلصلة الجرس على الصفوان والفخار الخزف اى الطين المطبوخ بالنار وتشبيهه بالفخار لصوته باليبس إذا نقر كأنه صور بصورة من يكثر التفاخر أو لأنه أجوف وقد خلق الله آدم ﵇ من تراب جعله طينا ثم جمأ مسنونا ثم صلصالا ثم صب عليه ماء الأحزان فلا ترى ابن آدم الا يكابد حزنا فلا تنافى بين الآية الناطقة بأحدها وبين ما نطق بأحد الآخرين وَخَلَقَ الْجَانَّ اى الجن او أبا الجن او إبليس وبه قال الضحاك وفي الكشف الجان ابو الجن كما ان الإنسان ابو الانس وإبليس ابو الشياطين مِنْ مارِجٍ اى من لهب صاف من الدخان وقال مجاهد المارج هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا وقدت من مرج امر القوم إذا اختلط واضطرب فمعنى من مارج من لهب مختلط مِنْ نارٍ بيان لمارج فانه في الأصل للمضطرب من مرج إذا اضطرب وفي كشف الاسرار خلق الجن من مارج من نار والملائكة من نورها والشياطين من دخانها وقال بعضهم من النار التي بين الكلة الرقيقة وبين السماء وفيها يكون البرق ولا ترى السماء الا من وراء تلك الكلة در باب نهم از سفر نانئ فتوحات مذكور است كه مارج آتشست ممتزج بهوا كه آنرا هواى مشتعل كويند پس جان مخلوقست إذ دو عنصر آتش وهو وآدم آفريده شده از دو عنصر آب وخاك چون آب وخاك بهم شوند آنرا طين كويند و چون هوا وآتش مختلط كردد آنرا مارج خوانند و چنانكه تناسل در بشر بإلقاء آبست در رحم تناسل در جن بإلقاء هواست در رحم أنثى وميان آفرينش جان وآدم شصت هزار سال بود فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما أفاض عليكما في تضاعيف خلقكما من سوابغ النعم حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات وفيه اشارة الى ان الحق سبحانه تجلى لحقيقة انسان الروح بصورة صفة صلصال اللطف والجمال ولحقيقة إبليس النفس بصورة صفة مارج القهر والجلال فصار أحدهما مظهرا لصورة لطفه والآخر لصورة قهره فبأى آلاء ربكما تكذبان ايها الروح اللطيف والنفس الخبيثة لان كل واحد منكما قد ذاق ما جبل عليه من اللطف والقهر والطيب والخبث رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ خبر مبتدأ محذوف اى الذي فعل ما ذكر من الأفاعيل البديعة رب مشرقى الصيف والشتاء ومغربيهما ومن قضيته ان يكون رب بينهما من الموجودات قاطبة يعنى ان ذكر غاية ارتفاعهما وغاية انحطاطهما اشارة الى ان الطرفين يتناولان ما بينهما كما إذا قلت في وصف ملك عظيم الملك له المشرق والمغرب فانه يفهم منه ان له ما بينهما ايضا قال في كشف الاسرار أحد المشرقين هو الذي تطلع منه الشمس فى أطول يوم من السنة والثاني الذي تطلع منه في اقصر يوم وبينهما مائة وثمانون مشرقا وكذا الكلام في المغربين وقيل أحد المشرقين للشمس والثاني للقمر وكذا المغربان واما قول عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ما بين المشرق والمغرب قبلة يعنى لاهل المشرق وهو

стр. 4310

أن تجعل مغرب الصيف على يمينك ومشرق الشتاء على يسارك فتكون مستقبل القبلة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما في ذلك من فوائد لا تحصى من اعتدال الهولء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل في وقته الى غير ذلك مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ اى أرسلهما من مرجت الدابة إذا أرسلتها وخليتها للرعى والمعنى أرسل البحر الملح والبحر العذب وبالفارسية راه داد دو دريا را كه يكى خوش وشيرين ويكى تلخ وشور يَلْتَقِيانِ حال من البحرين قريبة من الحال المقدرة اى يتجاوران ويتماس سطوحهما لا فصل في مرأى العين وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقة فتجرى في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها وقيل أرسل بحر فارس والروم يلتقيان في المحيط لانهما خليجان يتشعبان منه قال سعدى المفتى وعلى هذا فقوله يلتقيان اما حال مقدرة ان كان المراد إرسالهما الى المحيط او المعنى اتحاد أصليهما ان كان المراد إرسالهما منه فلكل وجه بَيْنَهُما بَرْزَخٌ اى حاجز من قدرة الله او من الأرض والبرزخ الحائل بين الشيئين ومنه سمى القبر برزخا لانه بين الدنيا والآخرة وقيل للوسوسة برزخ الايمان لانها طائفة بين الشك واليقين لا يَبْغِيانِ اى لا يبغى أحدهما على الآخر بالممازجة وابطال الخاصية مع أن شأنهما الاختلاط على الفور بل يبقيان على حالهما زمانا يسيرا مع ان شأنهما الاختلاط وانفعال كل واحد منهما عن الآخر على الفور او لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما من الأرض لتكون الأرض بارزة يتخذها أهلها مسكنا ومهادا فقوله لا يبغيان اما من الابتغاء وهو الطلب اى لا يطلبان غير ما قدر لهما او من البغي وهو مجاوزة كل واحد منهما ما حد له فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وليس من البحرين شيء يقبل التكذيب لما فيه من الفوائد والعبر يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ اللؤلؤ الدر والمرجان الخرز الأحمر المشهور يقال يلقيه الجن في البحر وقال فى خريدة العجائب اللؤلؤ يتكون في بحر الهند وفارس والمرجان ينبت في البحر كالشجر وإذا كلس المرجان عقد الزئبق فمنه ابيض ومنه احمر ومنه اسود وهو يقوى البصر كحلا وينشف رطوبة العين انتهى وقيل اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره واعلم انه ان أريد بالبحرين هنا بحر فارس وبحر الروم فلا حاجة في قوله منهما الى التأويل إذا للؤلؤ والمرجان بمعنييه يخرجان منهما لان كلا منهما ملح ولا عذب في البحار السبعة الأعلى قول من قال فى الآية يخرج من مالح بحرى فارس والروم ومن عذب بحر الصين وفي بحر العلوم ان اللؤلؤ يخرج من بحر فارس والمرجان من بحر الروم يعنى لا من كليهما وان أريد بهما البحر الملح والبحر العذب فنسبة خروجهما حينئذ الى البحرين مع انهما انما يخرجان من البحر الملح او مع انهما لا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه كما يقال يخرج الولد من الذكر والأنثى وانما تلده الأنثى وهو الأظهر أو لأنهما لا يخرجان الا من ملتقى الملح والعذب وهذا يحتمل معنيين أحدهما ان الملتقى اسم مكان والخروج بمعنى الانتقال من الباطن الى الظاهر فانه قال الجمهور يخرج من الأجاج من المواضع التي يقع فيها الأنهار والمياه العذبة فناسب اسناد ذلك إليهما وهذا مشهور عند الغواصين والثاني انه مصدر ميمى
следующие страницы →