أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي بعهده عندك وهو النبوة ف بِما مصدرية والباء يتعلق ب ادْعُ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلا إليه بعهده عندك. أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة. ووجه آخر وهو أن يكون قسما مجابا ب لَنُؤْمِنَنَّ فيكون متعلقا بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العذاب لا مطلقا ولا في جميع الوقائع بل إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ لا محالة ومعذبون فيه إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ جواب «لما» أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ وهو البحر الذي لا يدرك قعره. وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي كان إغراقهم بسبب التكذيب وَبأنهم كانُوا عَنْها أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافِلِينَ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها. ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون. وقوله الَّتِي بارَكْنا فِيها أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام. وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة. قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [القصص: ٥] إلى تمام الآيتين. ومعنى تَمَّتْ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه. وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاما كاملا بِما صَبَرُوا أي بسبب صبرهم.
وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج وَدَمَّرْنا أي أهلكنا والدمار والهلاك ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ قال ابن عباس: يريد المصانع. وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور. ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ [الأنعام: ١٤١] وقيل: وما كانوا يرفعون من
стр. 1612
الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وهاهنا تمت قصة فرعون والقبط. ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ
روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكرا لله
فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ أي فمروا بقوم يَعْكُفُونَ يواظبون عَلى عبادة أَصْنامٍ لَهُمْ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل. وقيل: كانوا قوما من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة.
وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم قالُوا: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة. وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناما وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله تعالى كقول الكفرة ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] . فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا قالَ لهم موسى إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.
وعن علي ﵁ أن يهوديا قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه. ثم قال: قلتم اجعل لنا إلها ولما تجف أقدامكم
إِنَّ هؤُلاءِ يعني عبدة تلك التماثيل مُتَبَّرٌ أي مكسر مهلك ما هُمْ فِيهِ من قولهم إناء متبر إذا كان فضاضا والتبار الهلاك. وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال. وفي إيقاع هؤُلاءِ اسما ل إِنَّ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبرا لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء البتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة. قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً انتصب «غير» على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم إلها غير الله. وانتصب إِلهاً على المفعول به. قال الواحدي: يقال بغيت فلانا شيئا وبغيته له قال تعالى يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [التوبة: ٤٧] والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبودا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم. ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئا يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.
والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها هاهنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم. وإنما قيل هاهنا تقتلون دون يُذَبِّحُونَ لتناسب قوله سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ والله أعلم.
стр. 1613
التأويل:
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس أَتَذَرُ مُوسى الروح وَقَوْمَهُ من القلب والسر والعقل لِيُفْسِدُوا في أرض البشرية وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ من الدنيا والشيطان والطبع قالَ فرعون النفس سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ بالمكر والخديعة والحيلة قالَ مُوسى الروح لِقَوْمِهِ هم القلب والعقل والسر اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ أي أرض البشرية يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها. أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ الكفور لا يرى فضل المنعم.
وكذا الملول إذا أراد قطيعة ... مل الوصال وقال كان وكانا.
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ العلم الكثير وَالْجَرادَ الواردات وَالْقُمَّلَ الإلهامات وَالضَّفادِعَ الخواطر وَالدَّمَ أصناف المجاهدات والرياضات مُفَصَّلاتٍ وقتا بعد وقت وحينا غب حين فَاسْتَكْبَرُوا عن قبولها والعمل بها وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ وهو عذاب القطيعة فَأَغْرَقْناهُمْ في يم الدنيا وشهواتها وَما كانُوا يَعْرِشُونَ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم. يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته وَجاوَزْنا بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح. يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح قالَ لهم موسى الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ يعني صفات الروح مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الربانية وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.
حُلِيِّهِمْ
بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب حُلِيِّهِمْ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي. الباقون: مثله ولكن بضم الحاء. ترحمنا وتغفر لنا بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون: على الغيبة ورفع رَبُّنا على الفاعلية بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. قالَ ابْنَ أُمَّ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الباقون: بفتحها ومثله ابْنَ أُمَ
[الآية: ٩٤] في طه.
الوقوف:
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ج للعطف مع اختلاف القائل الْمُفْسِدِينَ هـ رَبِّهِ لا لأن ما بعده جواب إِلَيْكَ ط فَسَوْفَ تَرانِي ج صَعِقاً ط الْمُؤْمِنِينَ هـ الشَّاكِرِينَ هـ الشَّاكِرِينَ هـ لِكُلِّ شَيْءٍ ج للعدول مع فاء التعقيب بِأَحْسَنِها ج الْفاسِقِينَ هـ بِغَيْرِ الْحَقِّ ج بِها ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف سَبِيلًا ج ذلك سبيلا هـ غافِلِينَ هـ أَعْمالُهُمْ ط يَعْمَلُونَ هـ خُوارٌ ط سَبِيلًا هـ لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ظالِمِينَ هـ ضَلُّوا ج لأن ما بعده جواب. الْخاسِرِينَ هـ أَسِفاً ج لما بَعْدِي ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل أَمْرَ رَبِّكُمْ ج لأن قوله وَأَلْقَى معطوف على قوله قالَ بِئْسَما وقد اعترض بينهما استفهام إِلَيْهِ ط يَقْتُلُونَنِي ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي. الظَّالِمِينَ هـ فِي رَحْمَتِكَ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسينا للدعاء بالثناء الرَّاحِمِينَ هـ الدُّنْيا ط الْمُفْتَرِينَ هـ وَآمَنُوا ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم. رَحِيمٌ هـ الْأَلْواحَ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال يَرْهَبُونَ هـ.
التفسير:
لما أهلك الله سبحانه أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب. وقيل: فائدة التفصيل أنه تعالى أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها. وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى [طه: ٨٣] فلما أعلمه الله تعالى خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة. وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة
стр. 1616
المختارين معه ليسمعوا الكلام. ومن فوائد الفذلكة في قوله فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين. والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدرا أم لا. وانتصب أَرْبَعِينَ على الحال أي تم بالغا هذا العدد. وهارُونَ عطف بيان لِأَخِيهِ وقرىء بالضم على النداء اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي كن خليفتي فيهم وَأَصْلِحْ كن مصلحا أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.
وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: ٣٢] والشريك أعلى حالا من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره. وإنما وصاه بالإصلاح تأكيدا واطمئنانا وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح. وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ للناس في كلام الله مذاهب فقيل:
هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة. وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله تعالى وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة. وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى ﵇ سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت. وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى ﵇ أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة «١» . واختلف العلماء أيضا في أن الله تعالى كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ أي أرني نفسك واجعلني متمكنا من رؤيتك فانظر إليك وأراك. عن ابن عباس: أن موسى ﵇ جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتابا وقربه نجيا. فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك. قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى. فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها. قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفا على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالا من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله
стр. 1617
تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئيا فإنه يجب أن يكون مقابلا أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلا لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلا وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفرا وهو أيضا محال. وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى ﵇ سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥] وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالا لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلها، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله. وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة. وردّ بأنه تعالى أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟ ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله تعالى عن ذلك؟ ولقائل أن يقول:
منعه في الدنيا لحكمة علمها الله تعالى ولا يلزم منه المنع في الآخرة. ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء. وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي. ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق. وفي الآية سؤال وهو أنه تعالى لم قال لَنْ تَرانِي دون لن تنظر إليّ ليناسب قوله أَنْظُرْ إِلَيْكَ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل أَرِنِي ومن حجج الأشاعرة أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز. وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ أي في وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال. ومنها قوله فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته جَعَلَهُ دَكًّا أي مدكوكا كالمصدر بمعنى «مفعول» . والدك والدق أخوان. ومن قرأ بالمد أراد أرضا دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام. والدكاء أيضا اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة. والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحدا لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده. وقالت المعتزلة:
الرؤية أمر محال لقوله لَنْ تَرانِي وكلمة «لن» إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.
وأيضا الاستدراك في قوله وَلكِنِ انْظُرْ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك
стр. 1618
بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟ قالت الأشاعرة هاهنا: لم يبعد أن يخلق الله تعالى حينئذ في الجبل حياة وعقلا وفهما ورؤية. وأيضا قوله وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً أي مغشيا عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلا عن غيرهم.
روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.
وأيضا قوله بعد الافاقة من الصعقة سُبْحانَكَ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس. وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك. ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ف قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ الآية. والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية. قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة. وإنما قال اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ ولم يقل «على الخلق» لأن الملائكة قد تسمع كلام الله تعالى من غير واسطة كما سمعه موسى. والغرض أنه تعالى خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط. وإنما كان الكلام بلا وسط سببا للشرف بناء على العرف الظاهر
وقد جاء في الخبر أن نبينا ﷺ رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.
وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيبا وقرّبه إليه بلطفه تقريبا وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب. والمزاد بالرسالات هاهنا أسفار التوراة فَخُذْ ما آتَيْتُكَ من شرف الرسالة والكلام وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علما وعملا. ثم فصل تلك الرسالة فقال وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ قيل: خر موسى صعقا يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر. وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من زمرد جاء بها جبرائيل، وقيل من زبرجدة خضراء أو ياقوتة حمراء، وقيل كانت من خشب نزلت من السماء. وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله تعالى لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه. وقيل: طولها كان عشرة أذرع. والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك. وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج:
كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضا كما قلنا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مفعول كَتَبْنا و «من» للتبعيض نحو أخذت من الدراهم
стр. 1619
مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد. وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا مفعولين ل كَتَبْنا والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلا لكل شيء. قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.
وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئا ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذبا فإن من حلف باسمي كاذبا فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.
فَخُذْها على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله فَخُذْ ما آتَيْتُكَ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سئل هاهنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأمورا به، فظاهر قوله يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به. وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر: ٥٥] وكقوله الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [الزمر: ١٨] قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن. وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب. وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء. ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضرا في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم. وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشأم ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصيبهم مثل ما أصابهم. وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم. وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله تعالى سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء سأورثكم. وقوله وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ [الأعراف: ١٣٧] .
ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الآية. فاحتجت الأشاعرة بها على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه. وقال الجبائي: قوله سَأَصْرِفُ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر. وأيضا الصرف مذكور
стр. 1620
على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية. وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا ﷺ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ إلى قوله وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:
٦٧] وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جاريا مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله تعالى. وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفهم الله تعالى عنها. وبوجه آخر إن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله تعالى ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.
وعن رسول الله ﷺ : «إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي»
قوله بِغَيْرِ الْحَقِّ أما أن يكون حالا بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة. والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [النساء:
٦] وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله تعالى مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً [الكهف: ٦٦] وسبيل الغي ضد ما ذكرنا. ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا. ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم. ثم قال هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك. قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل. أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء. ورد
стр. 1621
بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كاف في الزجر عن ذلك فكان جزاء. قيل: إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضا تحقق الإضافة وتصححها. والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ. ومن كسر الحاء فللإتباع. فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلا مطاعا فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلها يعبدونه فصاغ السامري لهم عجلا. واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحما ودما وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى. قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفا ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل. وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس. وإنما قال سبحانه وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ [البقرة: ٥١] أي من بعد مضيه إلى الطور.
قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ولو كان غيرهما أهلا للدعاء لأشركهم في ذلك. وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله سبحانه مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف: ١٨١] وهل انقلب ذلك التمثال لحما ودما أو بقي ذهبا كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه تعالى قال عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة. واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح. ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.
وقرأ على كرم الله وجهه جؤار بالجيم والهمزة
من جأر إذا صاح وجَسَداً بدلا من عِجْلًا ثم إنه سبحانه احتج على فساد كون ذلك العجل إلها بقوله أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ومن حق الإله أن يكون متكلما هاديا إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب. قالت المعتزلة:
هاهنا سؤال فمن كان مضلا عن الدين لا يصلح أن يكون إلها. قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلما هاديا لزم أن يكون كل متكلم هاد إلها. والحق أن الملازمة
стр. 1622
ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلما هاديا والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله تعالى. ثم ختم الآية بقوله اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ وهذا كما قال في البقرة ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ [البقرة: ٥١] ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل. واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيها لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين. وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم «مرّ بزيد» وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم. وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ «ذلك منه سقطة» ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.
وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر في عاقبته ولم يحصل على طائل من سعة. وقال بعضهم: الآلة الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز فى حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه. وقيل: إن «في» بمعنى «على» أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه. ثم قال الله تعالى وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم. قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم. ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صوابا أو خطأ فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزما. ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء إن لم ترحمنا ربنا الآية. وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم. وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفا بذلك
стр. 1623
قبل رجوعه بدليل قوله غَضْبانَ أَسِفاً فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ [الآية: ٨٥] وفيه دليل ظاهر على أنه تعالى أخبره بوقوع الواقعة في الميقات. والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج. وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين. وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفا من فتنة ربه بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم- هارون والمؤمنين- حيث لم يكفوا العبدة. وفاعل بِئْسَما مضمر يفسره خَلَفْتُمُونِي والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. ومعنى مِنْ بَعْدِي مع قوله خَلَفْتُمُونِي من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف عن اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلها ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ [مريم: ٥٨] أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته. قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له. وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.
وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.
وروي أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.
وقال الكلبي: أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم. وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال:
عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به وَأَلْقَى الْأَلْواحَ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضبا لله.
عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة» «١»
لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره الله تعالى به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.
وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.
قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة
стр. 1624
عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء. وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذرا عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذرا عن التكسر وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته. واعلم أن موسى ﵇ كان في نفسه حديدا شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانبا ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى. وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة فالَ يَا بْنَ أُمَ
من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيها بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة. وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحد منهم. ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك قالَ موسى رَبِّ اغْفِرْ لِي ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال وَلِأَخِي أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلها سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ كلاهما في الحياة الدنيا. فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى. واعترض بأن قوله سَيَنالُهُمْ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعا. وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقا على وقوعهم في الغضب والذلة. قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض. ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير:
إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي ﷺ سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل
стр. 1625
والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذوا العجل سينال أولادهم وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة. قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإن الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين لَغَفُورٌ ستور عليهم محّاء لما صدر منهم رَحِيمٌ منعم عليهم بالجنة. وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.
ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.
وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجلي وإنما أدخل الرجل في الخف. وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.
أَخَذَ الْأَلْواحَ التي ألقاها منبها على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب وَفِي نُسْخَتِها فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوما فأعاد الله تعالى الألواح وفيها غير ما في الأولى هُدىً من الضلال وَرَحْمَةٌ من العذاب لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفا ونظيره لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣] وقولك: لزيد ضربت.
ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.
التأويل:
ثَلاثِينَ لَيْلَةً لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان وَقالَ مُوسى الروح لِأَخِيهِ هارُونَ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية ووَ أَصْلِحْ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ من الهوى والطبيعة. وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح وَلَمَّا جاءَ مُوسى ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان
стр. 1626
انبساطه عند التمكن على بساطه ف قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الاثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصرا فبي يبصر وَلكِنِ انْظُرْ إلى جبل الأنانية فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ عند التجلي فَسَوْفَ تَرانِي ببصر أنانيتك وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.
قد كان ما كان سرا أبوح به ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم. فَلَمَّا أَفاقَ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية قالَ موسى بلا هويته سُبْحانَكَ تنزيها لك من خلقك واتصال الخلق بك وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك. بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي دون رؤيتي وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] فَخُذْها بِقُوَّةٍ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق. اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس عِجْلًا هو الدنيا لَهُ خُوارٌ يدعو الخلق به إلى نفسه وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا بجذبات العناية رَبُّنا الآية غَضْبانَ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا أَسِفاً على ما فاتها من عبودية الحق أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم. وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق وَأَلْقَى الْأَلْواحَ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي. وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ القلب فإنه أخو الروح يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قسرا عند استيلاء طبيعة الروحانية قالَ ابْنَ أُمَّ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعا وتذللا بالنسبة إلى عالم
стр. 1627
الأمر. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وهم الشيطان والنفس والهوى وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعوناتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي إشارة إلى أن للروح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٥٥ الى ١٥٩]
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)
القراآت
عَذابِي أُصِيبُ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع أصارهم على الجمع:
أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون على التوحيد.
الوقوف
لِمِيقاتِنا ج للابتداء بكلمة الجزاء مع فاء التعقيب وَإِيَّايَ ط مِنَّا ج لتصدر «ان» النافية مع اتحاد القائل فِتْنَتُكَ ج لأن ما بعده مستأنف وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ ط الْغافِرِينَ هـ إِلَيْكَ ط مَنْ أَشاءُ ط للفصل بين الجملتين تعظيما لشأنهما مع الاتفاق
стр. 1628
في اللفظ كُلَّ شَيْءٍ ط للتبيين واختلاف الجملتين والفاء لاستئناف وعد على الخصوص يُؤْمِنُونَ هـ ج لاحتمال ما بعده النصب أو الرفع على المدح والجر على البدل الْإِنْجِيلِ ج لأن يَأْمُرُهُمْ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو يأمرهم، وأن يكون نعتا أي مكتوبا أمرا أو بدلا من مَكْتُوباً أو مفعولا بعد مفعول أي يجدونه أمرا، أو يكون التقدير الأمي الذي يأمرهم فيكون كالبدل من الصلة كانَتْ عَلَيْهِمْ ط أُنْزِلَ مَعَهُ لا لأن ما بعده خبر «فالذين» . الْمُفْلِحُونَ هـ وَالْأَرْضِ ج لاحتمال ما بعده الابتداء والحال أي استحق ملك السموات غير مشارك وَيُمِيتُ ط لطول الكلام وإلا فالفاء للجواب أي إذا كنت رسولا فأمنوا إجابة. تَهْتَدُونَ هـ يَعْدِلُونَ هـ.
التفسير:
الاختيار افتعال من لفظ الخير يقال: اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره ومن هنا سمي فعل الحيوان فعلا اختياريا، وذلك أن صدور الفعل عن الحيوان موقوف على حكمه بكون ذلك الفعل خيرا له من تركه. قال النحويون: أصله واختار موسى من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل، فمن الأفعال ما يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف واحد ثم يتسع فيحذف الحرف. من ذلك قولهم: اخترت من الرجال زيدا ثم يتسع فيقال اخترت الرجال زيدا. وكذا استغفرت الله من ذنبي واستغفرته ذنبي. وجوّز بعضهم في الآية أن يراد بالقوم المعتبرون منهم إطلاقا لاسم الجنس على ما هو المقصود منهم فيكون مفعولا أوّل من غير واسطة ويكون سَبْعِينَ بدلا أو بيانا قيل: اختار من اثني عشر سبطا من كل سبط ستة فصاروا اثنين وسبعين فقال: ليتخلف منكم رجلان فتشاحوا فقال: إن لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد كالب ويوشع.
وروي أنه لم يجد إلا ستين شيخا فأوحى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخا.
وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى أن يتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سينا لميقات ربه. وللمفسرين خلاف في أن هذا الميقات عين ميقات الكلام والرؤية أم غيره؟ الذاهبون إلى الأوّل قالوا: إن موسى كان أمره ربه أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل، فلما سمعوا الكلام طلبوا الرؤية وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي المراد من الرجفة في هذه الآية.
والذاهبون إلى الثاني حملوا القصة على ما مر في البقرة في تفسير قوله وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ وقد ذكرنا هنالك أن منهم من قال هذه الواقعة كانت قبل قتل الأنفس توبة من عبادة العجل، ومنهم من قال إنها كانت بعد القتل. واحتج أصحاب هذا المذهب على المغايرة بأنه تعالى ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية ثم أتبعها ذكر قصة العجل ثم ختم الكلام بهذه القصة، فظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة لتلك
стр. 1629
القصة وإلا انخرم التناسب.
عن علي ﵇ أن موسى وهارون انطلقا إلى سفح جبل فنام هارون فتوفاه الله تعالى، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا إنه قتل هارون فاختار من قومه سبعين فذهبوا إلى هارون فأحياه الله تعالى فقال: ما قتلني أحد فأخذتهم الرجفة هنالك.
قيل: كانت موتا. وقيل أخذتهم الرعدة حتى كادت تبين مفاصلهم وتنقض ظهورهم فخاف موسى عليهم الموت فدعا الله تعالى وقال رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ قال في الكشاف: هذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى كما يقول النادم على الأمر إذا رأى سوء المغبة لو شاء الله لأهلكني قبل هذا أَتُهْلِكُنا جميعا يعني نفسه وإياهم بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا قال أهل العلم: لا يجوز أن يظن موسى أن الله تعالى أهلك قوما بذنوب غيرهم، فهذا الاستفهام بمعنى الجحد أراد أنك لا تفعل ذلك كما تقول: أتهين من يخدمك تريد أنك لا تفعل ذلك، وقال المبرد: إنه استفهام استعطاف أي لا تهلكنا. قيل: لو كان تسفيههم لقولهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [النساء:
١٥٣] ناسب أن يقال: أتهلكنا بما قاله السفهاء. فإذن التسفيه لفعل صدر عنهم كعبادة العجل أو غيرها، ومنه يعلم أن هذا الميقات غير ميقات طلب الرؤية إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ الضمير يعود إلى الفتنة أي كما تقول إن هو إلا زيد وإن هي إلا هند قاله الواحدي. ولعله يعود إلى مقدر ذهني والمعنى أن الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك ابتلاءك ومحنتك حين كلمتني وسمعوا كلامك أو حين أسمعتهم صوت العجل تُضِلُّ بِها أي بالفتنة من تشاء فيفتتن وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ فيثبت على الحق. قالت المعتزلة: إن محنته لما كانت سببا لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم على الاتساع في الكلام أو الضمير يعود إلى الرجفة أي تُضِلُّ على الجنة بسبب عدم الصبر على تلك الرجفة، أو لعدم الإيمان بأنها من عندك مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي إلى الجنة بها الأضداد ما قلنا مَنْ تَشاءُ أو المراد بالإضلال الإهلاك أي تهلك من تشاء بالرجفة وتصرفها عمن تشاء أَنْتَ وَلِيُّنا يفيد الحصر أي لا ولي لنا ولا ناصر إلا أنت فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا قيل: تذكر أن قوله إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ جراءة عظيمة فأشرك نفسه مع قومه في طلب المغفرة والرحمة وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ لأن غفرانك غير متوقف على جلب نفع أو دفع ضر بل لمحض الفضل والكرم. وَاكْتُبْ أوجب لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ نظيره سؤال المؤمنين من هذه الأمة رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً [البقرة: ٢٠١] وقد فسرناها في سورة البقرة. واعلم أن كونه تعالى وليا للعبد يناسبه أن يطلب العبد منه دفع
стр. 1630
المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وإلهيته. وأيضا اشتغال العبد بالتوبة والخضوع يناسب طلب هذه الأشياء. فذكر السبب الأوّل ثم رتب عليه الدعاء وختمه بالسبب الثاني وهو قوله إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قال أهل اللغة: النهود التوبة أي تبنا ورجعنا. وقد تم بذكر السببين عهد عز الربوبية وعهد ذل العبودية فلا يبعد وقوع الإجابة ولأن دفع الضر مقدم على تحصيل النفع، قدم طلب المغفرة والرحمة على طلب إيجاب الحسنة في الدارين قالَ الله تعالى في جواب موسى عَذابِي من حالة وصفته أني أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ إذا ليس لأحد عليّ اعتراض في ملكي. وقالت المعتزلة: أي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لكونه مفسدة. وقرأ الحسن من أساء من الإساءة وَرَحْمَتِي من شأنها أنها وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قالت الأشاعرة: هذا من العام الذي أريد به الخاص. وقال أكثر المحققين: إن رحمته في الدنيا تعم الكل ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمته. وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وذلك قوله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وقيل: الوجود خير من العدم فلا موجود إلا وهو مشمول بنعمته. وقيل: الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب. وقالت المعتزلة: الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة والخير واللذة وإن حصل هناك ألم فله أعواض كثيرة. واعلم أن تكاليف الله تعالى كثيرة ولكنها محصورة في نوعين: التروك والأفعال. فقوله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إشارة إلى التروك. التكليف الفعلي إما ما لي وهو قوله وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وإما غيره وذلك قوله وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فإنه يشمل كل ما يجب على الإنسان علما وعملا. ثم ضم إلى ذلك اتباع النبي الأمي إلى آخره.
وصف محمدا ﷺ في هذه الآية بصفات تسع: الأولى الرسالة. الثانية النبوة. فإن قيل:
النبوة مندرجة تحت الرسالة فلم أفردها بالذكر؟ قلت: لا بل بينهما عموم وخصوص من وجه فقد يكون رسولا ولا يكون نبيا كقوله جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١] وقد يكون نبيا لا رسولا ككثير من الأنبياء، فلا يكون أحد الوصفين على الإطلاق مغنيا عن الآخر.
ولو سلم فذكر الآخر تتميم وتصريح بما علم ضمنا. الثالثة: كونه أميا. قال الزجاج:
معناه أنه على صفة أمة العرب.
قال ﷺ وآله: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» «١» .
وقيل: إنه منسوب إلى الأم أي إنه على هيئته يوم ولد لم يكتسب خطا ودراسة. وكان هذا من جملة معجزات نبينا ﷺ وبيانه من وجوه: الأول أنه كان يقرأ
стр. 1631
عليهم كتاب الله منظوما مرة بعد أخرى من غير تبديل. والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد أن يزيد فيها وينقص، فهذا المعنى من مدد سماوي كقوله سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [الأعلى: ٦] الثاني لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهما بأنه طالع كتب الأوّلين، ولما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على جلائل العلوم من غير تعلم ومطالعة عرف أنه من السماء وإليه الإشارة بقوله وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨] الثالث: أن تعلم الخط لا يفتقر إلا إلى فطنة قليلة ومع ذلك كان الخط مشكلا عليه. ثم إن الله تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وما لم يصل إليه أحد من العالمين، فالجمع بين هاتين الحالتين من الأمور الخارقة للعادة كالجمع بين الضدين. الصفة الرابعة الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ الضمير في يجدون للذين يتبعونه من بني إسرائيل. ثم إن كان المراد أسلافهم فالوجه أن يراد بالاتباع اعتقاد نبوته من حيث وجدوا نعته في التوراة إذ لا يمكن أن يتبعوه في شرائعه قبل بعثه إلى الخلق، ويكون المراد من قوله وَالْإِنْجِيلِ أنهم يجدون نعته مكتوبا عندهم في الإنجيل فمن المحال أن يجدوه في الإنجيل قبل إنزال الإنجيل، وإن كان المراد المعاصرين فالمعنى أن هذه الرحمة لا يفوز بها بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى واتبع نبي آخر الزمان في شرائعه، وفي هذا دليل على أن نعته وصحة نبوّته مكتوب في التوراة والإنجيل، وإلا كان ذكر هذا الكلام من أعظم القوادح والمنفرات لأهل الكتابين عن قبول قوله، لأن الإصرار على الزور والبهتان يوجب نقصان حال المدعي فلا يرتكبه عاقل فلما أصر على ذلك دل على أن الأمر في نفسه كذلك. الخامسة والسادسة يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وقد ذكرنا تفصيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آل عمران ومجامع ذلك محصورة في
قوله ﷺ : «ملاك الدين تعظيم أمر الله والشفقة على خلق الله»
فإن كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلا قاهرا وبرهانا باهرا على توحيد الله وتنزيهه فإنه يجب النظر إليها بعين الاحترام والإشفاق كما يليق بها. السابعة وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ قيل: أي ما يستطاب طبعا لأن تناول ذلك يفيد لذة. وقيل: يعني الأشياء التي حكم الله تعالى بحلها وزيف بأنه يجري مجرى قول القائل: ويحل المحللات وهو تكرار. ويمكن أن يجاب بأن المراد ويبين لهم المحللات. وفائدة العدول أن يعلم أن كل حلال مستطاب طبعا وأن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا الدليل منفصل. وقيل: يعني ما يحرم عليه من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها. الثامنة وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ قال
стр. 1632
عطاء عن ابن عباس: الميتة والدم ونحوهما من المحرمات. وقيل: كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه الحرمة إلا بدليل منفصل. التاسعة وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ الإصر الثقل الذي يأصر حبه أي يحبسه من الحراك لثقله وهو مثل لصعوبة تكاليفهم كاشتراط قتل النفس في صحة التوبة. وكذا الأغلال التي كانت عليهم مثل لما في شرائعهم من الأمور الشاقة كالقصاص بتة من غير شرع الدية، وكقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم جعلها الله تعالى أغلالا لأن التحريم يمنع من الفعل كما أن الغل يمنع من الفعل. عن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها على السارية يحبس نفسه على العبادة. فالأغلال على هذا القول غير مستعارة، وفي الآية دلالة على أن الأصل في المضار والمشاق الحرمة كما
قال ﷺ : «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة»
وهذا أصل عظيم في هذه الشريعة. ثم لما وصفه بالصفات التسع أكد الإيمان به بقوله فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ قال ابن عباس: يعني من اليهود والأولى حمله على العموم وَعَزَّرُوهُ وقروه وعظموه. قال في الكشاف: وأصل العزر المنع ومنه التعزير للضرب دون الحد لأنه منع من معاودة القبيح. فالمراد ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدوّه، وعلى هذا لم يبق بينه وبين قوله وَنَصَرُوهُ فرق كبير وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وهو القرآن أي أنزل مع نبوّته لأن نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن أو يتعلق ب اتَّبَعُوا أي اتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي مصاحبين له في اتباعه أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالمطلوب في الدارين، اعلم أنه سبحانه لما قال فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ بين أن من شروط نزول الرحمة لأولئك المتقين كونهم متبعين لرسول آخر الزمان، ثم أراد أن يحقق عموم رسالته إلى المكلفين فقال قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً وانتصابه على الحال من إِلَيْكُمْ وفيه دليل على أن محمدا صلى الله عليه وآله مبعوث إلى الخلق كافة خلافا لطائفة من اليهود يقال لهم العيسوية أتباع عيسى الأصفهاني، زعموا أن محمدا ﷺ رسول صادق لكنه مبعوث إلى العرب خاصة وفساده ظاهر لأنه من المعلوم بالتواتر من دينه أنه كان يدعي عموم الرسالة فإن كان رسولا حقا امتنع الكذب عليه، وإن لم يكن رسولا حقا فهذا يقتضي القدح في كونه رسولا إلى العرب وإلى غيرهم. وزعم بعض العلماء أنه عام دخله التخصيص لأنه
стр. 1633
غير مبعوث إلى غير المكلفين
بقوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق»
وأيضا يمكن وجود قوم في طرف من أطراف العمارة لم يصل إليهم خبر وجوده فهم لا يكونون مكلفين بالإقرار بنبوّته.
والجواب أن رفع القلم عن الأصناف الثلاثة أيضا حكم عليهم بهذا الاعتبار يدخلون تحت الخطاب وإن وجود قوم كما زعمتم من المستبعدات فلا يستحق الالتفات إليه. قال بعض الأكابر: إن الآية وإن دلت على أنه ﷺ مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء ما كان مبعوثا إلى كلهم. وقد تمسك جمع من العلماء
بالحديث المشهور: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وختم بي النبيون»
ورد بأن مجموع هذه الأمور من خواصه لا كل واحد واحد، وبأن آدم بعث إلى كل أولاده في ذلك الزمان فيكون مبعوثا إلى كل الناس وقتئذ. ولا يخفى ضعف هذا الرد لأنا نعلم من دين محمد أنه خاتم النبيين وحده
في رواية أخرى: «وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي»
وإذا كان بعض هذه الأمور من خواصه لزم أن يكون كل واحد منها كذلك.
وأيضا أن آدم لم يكن مبعوثا إلى حواء لأنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ولا تقربا. ثم لما أمر رسول الله بأن يقول للناس أني رسول الله إليكم أتبعه ذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى وأنها لا تتم إلا بتقرير أصول أربعة: أوّلها إثبات أن للعالم إلها حيا عالما قادرا وأشار إليه بقوله الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إذ لو لم يكن للعالم مؤثر موجب بالذات لا فاعل بالاختيار لم يمكن القول ببعثة الرسول. ومحل الَّذِي نصب أو رفع على المدح أو جر بدلا أو وصفا لله. وثانيها أن إله العالم واحد وذلك قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لو فرض إلهان لم يكن عبادة أحدهما أولى من عبادة الآخر. وثالثها أنه تعالى قادر على الخير والشر والبعث والحساب كما قال يُحيِي وَيُمِيتُ
وإنما لم يوسط العاطف بين هذه الجمل لأن كل واحد منها مبينة لما قبلها، وإذا ثبتت هذه الأصول الثلاثة ثبت أصل رابع وهو أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف. أما بالأصل الأوّل والثاني فلأنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته ولا سيما إذا كان فردا منزها عن الشريك والنظير مستقلا بالأمر والنهي. وأما الأصل الثالث فلأنه يحسن من القادر تكليف المكلف بنوع من طاعته إيصالا له إلى الجزاء وإلى لذة الجزاء، فإن تحصيل لذة الأجر بدون كونه أجر ممتنع وأشار إلى هذا الأصل الرابع بقوله فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ اقتصر من الصفات المذكورة هاهنا على الأمية
стр. 1634
لأنها أجل الأوصاف وأدلها على حقيته، وذلك أنه لم يتفق له مطالعة كتاب ولا مصاحبة معلم لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب عنها رسول الله ﷺ غيبة طويلة يمكن التعلم فيها ومع ذلك فتح الله عليه أبواب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأوّلين والآخرين فليس ذلك إلا بتأييد سماوي وفيض إلهي. ثم وصفه بقوله الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ لأن النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يكون ممن آمن بالله وبكتبه. وإنما لم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قوله إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ بل عدل إلى المظهر ليمكن أن يجري عليه الصفات المذكورة. ولما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائنا من كان، أنا أو غيري إظهارا للنصفة واحترازا عن العصبية. واعلم أن الكمالات إما نظرية وأشار إليها بقوله فَآمِنُوا بِاللَّهِ وإما عملية وإليها الإشارة بقوله وَاتَّبِعُوهُ والأولى إشارة إلى التكاليف المستفادة من أقواله، والثانية إشارة إلى المستفادة من أفعاله، فإن كل فعل يصدر عنه وقد واظب عليه فلا بد أن يكون جانب فعله ذلك الفعل جانب فعله راجحا على تركه. ثم إن ظاهر الأمر للوجوب فيجب علينا اتباعه وإن كان ذلك مندوبا له إلا أن يدل دليل منفصل على أن ذلك الفعل من خصائصه. ومعنى الترجي في لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ قد مر في نظائره ولا سيما في أوّل البقرة في قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:
٢١] ثم لما ذكر الرسول وأنه يجب على الخلق متابعته ذكر أن في قوم موسى من اتبع الحق وهدي إليه فقال وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي يهدون الناس بكلمة الحق وَبِهِ أي بالحق يَعْدِلُونَ بينهم في الحكم لا يجورون. وهذه الآية متى حصلت وفي أي زمان كانت؟ اختلف المفسرون في ذلك. فقيل: هم اليهود الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله كعبد الله بن سلام وابن صوريا وغيرهما. ولفظ الأمة قد يطلق على القليل إذا كان لهم شأن كما أطلق على الواحد في قوله إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل:
١٢٠] وقيل: إنهم قوم ثبتوا على دين الحق الذي جاء به موسى ودعوا الناس إليه وصانوه عن التحريف والتبديل في زمن تفرق بني إسرائيل وإحداثهم البدع، ويجوز أن يكونوا أقاموا على ذلك إلى أن جاء المسيح فدخلوا في دينه، ويجوز أن يكونوا هلكوا قبل ذلك، وقال السدي وجماعة من المفسرين: إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين. ثم من المفسرين من قال: إنهم بقوا متمسكين بدين اليهودية إلى الآن بناء على أن خبر نبينا لم
стр. 1635
يصل إليهم فهم معذورون، ومنهم من استبعد عدم وصول الخبر إليهم مع أن خبر هذه الشريعة طار في كل أفق وتغلغل في كل نفق فقال: إنهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا.
وروي عن النبي ﷺ أن جبرائيل ذهب به ﷺ ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبرائيل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا. قال: هذا محمد ﷺ النبي الأمي فآمنوا به.
وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه مني السلام، فرد محمد على موسى ﵇ ثم أقرأهم عشر سور من القران نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت والله أعلم.
التأويل:
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ المختار من الخلق من اختاره الله تعالى وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص: ٦٨] فالذي اختاره الله كان مثل موسى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ [طه: ١٣] . والذين اختارهم موسى كانوا مستحقين بسوء الأدب للرجفة والصعقة. وهاهنا نكتة هي أن قلب موسى ﵇ لما كان مخصوصا بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله للرؤية شعلة نار المحبة مقرونا بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قدّم عزة الربوبية وأظهر ذلة العبودية، وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فتصاعد دخان الشوق بسوء الأدب فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥] قدّموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهارا فأخذتهم الصاعقة. فصعقة موسى كانت صعقة اللطف مع تجلي صفة الربوبية، وصعقتهم كانت صعقة القهر عند إظهار صفة العزة والعظمة. ولما كان موسى ﵇ ثابتا في مقام التوحيد كان ينظر بنور الوحدة فيرى الأشياء كلها من عند الله، فرأى سفاهة القوم من آثار صفات قهره فتنة واختيارا لهم فقال إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تزيغ بها قلب من تشاء بأصبع صفة القهر، وتقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف. وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً الرؤية كما كتبت لمحمد ﷺ فَسَأَكْتُبُها يعني حسنة الرؤية والرحمة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ بالله عن غيره وَيُؤْتُونَ عن نصاب هذا المقام الزَّكاةَ إلى طلابه والذين هم بأنوار شواهد الآيات بالتحقيق لا بالتقليد يؤمنون. وفي قوله الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعدا لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة، ومعنى الأمي أنه أم الموجودات وأصل المكوّنات كما
قال ﷺ : «أول ما خلق الله روحي» .
وقال حكاية عن الله لولاك لما خلقت الكون. فأما اتباعه في مقام الرسالة فبأن تأخذ منه ما أتاك وتنتهي عما نهاك وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] فالرسالة تتعلق بالظاهر والنبوة بالباطن فللعوام شركة مع الخواص
стр. 1636
في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له ببركة ذلك أحوال النبوة في الباطن فيصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف المملكية، وربما يؤل حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعله يصير مأمورا بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما
قال صلى الله عليه وآله: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»
وأما اتباعه في مقام أميته فذلك لأخص الخواص وذلك أنه صلى الله عليه وآله يرجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد وهو قاب قوسين، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى أو أدنى وهو مقام روحانيته ثم بجذبات النبوة أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة فقد حظي من مقام أميته مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ بالحقيقة هو مكتوب عنده في مقعد صدق يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وهو طلب الحق وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ طلب ما سواه وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ كل ما يقرّب إلى الله فإن الله هو الطيب وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ الدنيا وما فيها وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أي العهد الذي بين الله وبين حبيبه أو لا يوصل أحد إلى مقام أميته إلا أمته وأهل شفاعته كقوله: «الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم» فكان من هذا العهد عليهم شدة وأغلال يمنعهم من الوصول إلى هذا المقام. فقد وضع النبي ﷺ هذا الإصر والأغلال بالدعوة إلى متابعته، وأشار إلى هذه المعاني بقوله فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وقروه باعتقاد اختصاص هذا المقام به دون سائر الأنبياء والرسل ونصروه بالمتابعة وَاتَّبَعُوا نور الوحدة الذي أُنْزِلَ مَعَهُ له ملك سموات القلوب وأرض النفوس لا مدبر فيهما غيره، يحيي قلب من يشاء من عباده بنور الوحدة، ويميت نفسه عن صفات البشرية. وكلماته هي ما أوحى إليه ليلة المعراج بلا واسطة وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ يعني خواصهم الذين يرشدون الخلق بالكتاب المنزل بالحق على موسى وَبِهِ يَعْدِلُونَ في الحكم بين العوام فشتان بين أمة غايتهم القصوى هي هداية الخلق وكان نبيهم محجوبا بحجاب الأنانية عند سؤال الرؤية فأجيب ب لَنْ تَرانِي وبين أمة أمية بلغوا بجذبات أنوار المتابعة إلى مقام الوحدة حتى سموا أمة أميين
وقال في حقهم: «كنت له سمعا وبصرا ولسانا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق» «١»
فلهذا دعا موسى ﵇:
اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ شوقا إلى لقاء ربه فافهم جدا.
стр. 1637
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٦٠ الى ١٧١]
وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦٩)
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)
القراآت:
تغفر بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون: بالنون وكسر الفاء خطاياكم مجموعا جمع التكسير: أبو عمرو خطيئتكم بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر خَطِيئاتِكُمْ بالرفع مجموعا جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث. يَسْبِتُونَ من الإسبات. زيد عن المفضل معذرة بالنصب حفص والمفضل. الباقون: بالرفع يئس مثل رئم: أبو جعفر ونافع بيس على فيعل كسيد: ابن عامر بَئِيسٍ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.
الباقون بَئِيسٍ على فعيل. تَأَذَّنَ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة
стр. 1638
في الوقف تَعْقِلُونَ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص. الباقون بياء الغيبة يُمَسِّكُونَ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.
الوقوف:
أُمَماً ط وإن اتفقت الجملتان لأن أَوْحَيْنا عامل إِذِ اسْتَسْقاهُ دون قَطَّعْناهُمُ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء الْحَجَرَ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست عَيْناً ط مَشْرَبَهُمْ ط وَالسَّلْوى ط ما رَزَقْناكُمْ ط لحذف جمل أي قلنا لهم كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم وَما ظَلَمُونا ط يَظْلِمُونَ هـ خَطِيئاتِكُمْ ط الْمُحْسِنِينَ هـ يَظْلِمُونَ هـ الْبَحْرِ لا كيلا يصير ما بعده ظرفا لقوله وَسْئَلْهُمْ فإنه محال لا تَأْتِيهِمْ ج لاحتمال تعلق كَذلِكَ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتيانا كإتيانهم يوم السبت. والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على كَذلِكَ جائز أيضا يَفْسُقُونَ هـ قَوْماً لا لأن الجملة بعده صفته شَدِيداً ط يَتَّقُونَ هـ يَفْسُقُونَ هـ خاسِئِينَ هـ الْعَذابِ ط رَحِيمٌ هـ وأمما ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفا دُونَ ذلِكَ ز للعطف على قَطَّعْناهُمْ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفا مع عارض يَرْجِعُونَ هـ سَيُغْفَرُ لَنا ج يَأْخُذُوهُ ط يَتَّقُونَ هـ تَعْقِلُونَ هـ الصَّلاةَ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ولا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين. واقِعٌ بِهِمْ ط الحق المحذوف تَتَّقُونَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم. ومعنى قَطَّعْناهُمُ أي صيرناهم قطعا أي فرقا وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج. الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وهاهنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطا؟ وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطا موضع قبيلة كقوله:
بين رماحي مالك ونهشل ... ولهذا أنث اثنتي عشرة.
وقال الزجاج: المميز محذوف وأَسْباطاً نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطا. وقال الفارسي والجوهري: أَسْباطاً بدل من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ والمميز كما قال الزجاج. وقوله أُمَماً بدل من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لأن كل أسباط كانت جماعة
стр. 1639
كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى. وباقي الآية إلى قوله بِما كانُوا يَظْلِمُونَ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم. قوله تعالى وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول ﷺ من قبل الله تعالى، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد ﷺ أول مناكيرهم. وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟ وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابا ولم يتعلم علما كان ذلك مستفادا من الوحي فيكون معجزا. والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية. ومعنى حاضِرَةَ الْبَحْرِ قريبة من البحر وعلى شاطئه إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت. ومحل إِذْ يَعْدُونَ مجرور بدلا عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون منصوبا بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله إِذْ تَأْتِيهِمْ منصوب ب يَعْدُونَ أو مجرور بدلا بعد بدل.
والحيتان جمع الحوت وهو السمكة شُرَّعاً ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض. وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله تعالى به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلاء والمحن. قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله تعالى لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صونا لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور. والنوع الثالث قوله وَإِذْ قالَتْ وهو معطوف على إِذْ يَعْدُونَ وحكمه حكمه في الإعراب أُمَّةٌ مِنْهُمْ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ مدمرهم أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح قالُوا مَعْذِرَةً من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله. والمعذرة
стр. 1640
مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ولأنا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت فَلَمَّا نَسُوا يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ ومعناه على اختلاف القراآت شديد من بؤس يبؤس بأسا إذا اشتد. والظاهر أن هذا العذاب عير المسخ المتأخر في قوله فَلَمَّا عَتَوْا تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولا. وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله فَلَمَّا نَسُوا والعذاب البئيس هو المسخ. عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزيا في الدنيا وأطولها عذابا في الآخرة، هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعدا والساعة أدهى وأمر. وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي هاهنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟
فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة «لم تعظون» فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ بزعمكم. والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية. والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين لِمَ تَعِظُونَ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا. بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء. وعنه أيضا أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى. وقال: إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولا نقول شيئا. وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضا صحيحا لعلمهم بحال القوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي. ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين. ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله تعالى أعلم بالسرائر. النوع الرابع: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو «علم الله» و «شهد الله» . فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك
стр. 1641
وكتب على نفسه لَيَبْعَثَنَّ ومعناه التسليط كقوله بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء: ٥] واختلف في العائد في عَلَيْهِمْ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلا. وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية. وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية. أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمدا ﷺ فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة. وقيل:
الاستخفاف والإهانة. وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره. وقيل:
الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير. وإذ قد أخبر الله تعالى بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذا إخبار عن الغيب فيكون معجز. قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين. النوع الخامس: وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً فرقناهم فيها تفريقا شديدا فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين. وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به. وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد. ومحل دُونَ ذلِكَ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا وَبَلَوْناهُمْ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بِالْحَسَناتِ الخصب والعافية وَالسَّيِّئاتِ بالجدب والشدائد لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ لأن كلا من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم. فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء. قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.
قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفا ونطق خلفا أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ وَرِثُوا الْكِتابَ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على
стр. 1642
ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها. يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر. وفي الإشارة بقوله هذَا الْأَدْنى تحقير وتخسيس. وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل. أو دنو الحال وسقوطها وقلتها. والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا يؤاخذنا الله بما أخذنا. وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه يَأْخُذُونَ، وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزما وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب. وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.
ثم بين نكث عهدهم فقال أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أي التوراة. ومحل أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.
فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.
ويجوز أن يكون أَنْ لا يَقُولُوا مفعولا لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون «أن» مفسرة ولا يَقُولُوا نهيا كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟ وَدَرَسُوا عطف على أَلَمْ يُؤْخَذْ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم لأنهم قد قرأوه ودرسوه. وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ من ذلك العرض الخسيس لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الرشا والمحرمات. ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراة أتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين. النوع السادس: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رميا. والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم. وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.
روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ.
وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم. فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من سقوطه فلذلك لا ترى يهوديا يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة. ولما نشر موسى الألواح وفيها كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهوديا تقرأ عليه التوراة إلا
стр. 1643
اهتز ونغض لها رأسه. خُذُوا على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ما آتَيْناكُمْ من الكتاب بِقُوَّةٍ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه وَاذْكُرُوا ما فِيهِ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا [الرحمن: ٣٣] واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ما أنتم عليه من الإباء.
التأويل:
الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله لأنها أمارة بالسوء وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها يَتَّقُونَ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك بِعَذابٍ بَئِيسٍ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها مَنْ يَسُومُهُمْ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة سُوءَ الْعَذابِ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان وَقَطَّعْناهُمْ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ قابلون لفيض نور الله وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ في القبول وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وهي الطاعات وَالسَّيِّئاتِ وهي المعاصي لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى الحق. وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت. أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم فَخَلَفَ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء وَرِثُوا الْكِتابَ وهو ما ألهم الله تعالى الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس
стр. 1644
وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا استغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئا من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.
وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله تعالى بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٧٢ الى ١٨٣]
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)
ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٧٨) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)
القراآت:
ذُرِّيَّتَهُمْ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل. الباقون: على الجمع يقولوا بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو يَلْهَثْ ذلِكَ بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل يُلْحِدُونَ بفتح الياء والحاء: حمزة. الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد وَلَقَدْ ذَرَأْنا مظهرا: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى ذَرَأْنا بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. الباقون: بالهمز.
الوقوف:
أَنْفُسِهِمْ ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام. بِرَبِّكُمْ ط فصلا بين السؤال والجواب. بَلى ج لأن شَهِدْنا يصلح أن يكون من قولهم
стр. 1645
فيوقف على شَهِدْنا ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون شَهِدْنا من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلا من جملة بلى متصلا بأن تقولوا. غافِلِينَ هـ لا للعطف مِنْ بَعْدِهِمْ ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل. الْمُبْطِلُونَ هـ يَرْجِعُونَ هـ الْغاوِينَ هـ هَواهُ ج لأن قوله فَمَثَلُهُ مبتدأ ولدخول الفاء فيه كَمَثَلِ الْكَلْبِ ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ط بِآياتِنا ط يَتَفَكَّرُونَ هـ يَظْلِمُونَ هـ الْمُهْتَدِي ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه الْخاسِرُونَ هـ وَالْإِنْسِ ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفه ل كَثِيراً، لا يَفْقَهُونَ بِها ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة لَهُمْ في أول كل جملة لا يَسْمَعُونَ بِها ط أَضَلُّ ط الْغافِلُونَ هـ فَادْعُوهُ بِها ص لعطف المتفقتين فِي أَسْمائِهِ ط يَعْمَلُونَ هـ يَعْدِلُونَ هـ لا يَعْلَمُونَ وج وعطف وَأُمْلِي على سَنَسْتَدْرِجُهُمْ أحسن من جعله مستأنفا فيوقف على أُمْلِي، لَهُمْ، مَتِينٌ هـ.
التفسير:
لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين. وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما
روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله ﷺ فقال ﷺ : «إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار»
وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس. وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشرا سويا وخلقا كاملا، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ وكأنهم قالُوا بَلى أنت ربناهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا
وأقررنا بوحدانيتك. وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] وقال الشاعر:
стр. 1646
امتلأ الحوض وقال قطني وهذا القول الثاني غير مناف للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول. والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل مِنْ بَنِي آدَمَ بدل البعض من الكل. فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم. وعلى هذا فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئا. ويمكن أن يجاب بأنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معا صونا للآية والخبر عن الطعن. ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ.
ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهورا امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصول النسيان فيه. ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغا عظيما في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطا في الحياة والعقل. فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهرا فردا. ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟ وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل. وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا هاهنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق. وقيل: إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة. ومنها أنه سبحانه قال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: ١٢] وقال فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [الطارق: ٥، ٦] وكون أولئك الذر أناسا ينافي كون الإنسان مخلوقا من الماء والطين. والجواب لا يجوز أن يخرج الله تعالى من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جرا إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟ وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثها: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد. ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
стр. 1647
[غافر: ١١] لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم. أما قوله أَنْ تَقُولُوا فالتقدير:
وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا المشهود له غافِلِينَ من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ لئلا يقولوا. ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى. أَوْ تَقُولُوا يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ والحاصل أن الله تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر. وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء. وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود. وكذلك قوله وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي على اليهود نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا أما قوله وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ نُفَصِّلُ الْآياتِ لهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد. ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر وَاتْلُ عَلَيْهِمْ على بني آدم أو اليهود خاصة.
قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء وذلك أن موسى ﵇ قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفارا فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه. وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم. فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى ﵇ وبنو إسرائيل بدعائه في التيه. فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعم. فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه. ثم دعا موسى ﵇ أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله تعالى مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.
ويقال أيضا أنه كان نبيا من أنبياء الله تعالى فلما دعا عليه موسى ﵇ انتزع الله تعالى منه الإيمان فكان
стр. 1648
كافرا وهذا بعيد لأنه سبحانه قال الله أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: ١٢٤] وفيه أنه تعالى لا يشرف عبدا من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟
وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولا في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافرا ولم يؤمن بالنبي ﷺ وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : لقد كاد يسلم.
وذلك أنه يوحد الله تعالى في شعره ويذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.
وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي ﷺ بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريدا وحيدا وهو قول سعيد ابن المسيب.
وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي ﷺ نبي الحق عن الحسن والأصم. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة. قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئا آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا:
ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: «أشأم من البسوس» . وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم. ومعنى قوله آتَيْناهُ آياتِنا عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفا بها فَانْسَلَخَ مِنْها فخرج من محبة الله تعالى إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه. يقال لكل من فارق شيئا بالكلية إنه انسلخ منه. وقال أبو مسلم آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر. والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجودا فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلا. وأيضا ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفا بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ أي أدركه ولحقه وصار قرينا له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعا له فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ في علم الله تعالى أو فصار
стр. 1649
منهم وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ إلى منازل الأبرار بِها أي بتلك الآيات وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به. قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا. وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا. وقال الزجاج:
سكن إلى الدنيا. وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله وَاتَّبَعَ هَواهُ أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه. قالت الأشاعرة: لفظة «لو» تدل على أن الله تعالى قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر. وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهرا أو جبرا إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره.
وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون وَلَوْ شِئْنا في معنى ما هو فعله. ثم وضع قوله فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ النصب على الحال كأنه قيل:
كمثل الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيرا للمثل كما مر.
قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة. فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضا لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له. عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.
قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل. واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه
стр. 1650
ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبدا من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية. وأيضا هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث.
ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هاديا يهديهم وداعيا يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه. وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله ﷺ في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. فَاقْصُصِ الْقَصَصَ يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروا نحو سيرته. ثم ذكر تأكيدا آخر في باب التحذير فقال ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلا القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم. وفي ساءَ ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده. وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموما فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله تعالى ذكره؟ والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث. أما قوله وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ فإما أن يكون معطوفا على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاما منقطعا بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها. ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وهو محمول على اللفظ من حيث إن «من» مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ محمول على المعنى لأن من معناه هاهنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال. مطاوع له والخسار لازم اللازم. ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله تعالى، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة. وقال بعضهم:
التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر. وقيل:
من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه