الملائكة. فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم.
وروي أن رجلا من المسلمين بينا هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقيا وشق وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله ﷺ فقال ﷺ : صدقت ذاك من مدد السماء.
وعن أبي داود المازني قال: تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي. قيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كاف في إهلاك أهل الدنيا، وقد أجبنا عن هذه الشبهة في تفسير سورة آل عمران وكذا في تفسير قوله وَما جَعَلَهُ اللَّهُ الآية. وقد مر هنالك وقد بقي علينا بيان المتشابه فنقول: حذف لكم هاهنا لأن المخاطبين معلومون في قوله فَاسْتَجابَ لَكُمْ وقدم قُلُوبُكُمْ وأخر به في «آل عمران» ازدواجا بين الخطابين وعكس هاهنا ازدواجا بين الغائبين. ثم إن قصة بدر سابقة على قصة أحد فقيل في الأنفال إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ليستقر الخبر وجعله في آل عمران صفة لأن الخبر قد سبق والله أعلم.
التأويل:
كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ما تمنوا. وقيل: الأنفال لله والرسول قطعا لطريق الاعتراض والسؤال. وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ بالتسليم والائتمار زادَتْهُمْ إِيماناً بحسب تزايد الأنوار كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ فيه أنه أخرج المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية كَما أَخْرَجَكَ من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال وَإِنَّ فَرِيقاً هم القلب والروح لَكارِهُونَ للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود يُجادِلُونَكَ أي الروح والقلب فِي مجيء الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ مجيئه كأنهم ينظرون إلى الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ أيها السائرون إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية.
وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ أي أردتم أن لا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه
стр. 1682
كما قال وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ أي بجذباته وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ النفوس الأمارة بالسوء. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ يعني استغاثة الروح والقلب من النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ هم الصفات الملكية والروحانية إِلَّا بُشْرى لَكُمْ بتبديل الأخلاق وَمَا النَّصْرُ بإهلاك النفس وصفاتها إلا بتجلي صفته القهارية إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود حَكِيمٌ في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ١١ الى ١٩]
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٣) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (١٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥)
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (١٨) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
القراآت:
يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ ابن كثير وأبو عمرو. يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع. الباقون يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ من باب التفعيل. ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر. والآخرون: بالتشديد رَمى بالإمالة:
حمزة وعلي وخلف ويحيى. مُوهِنُ من الأفعال كَيْدِ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس مُوهِنُ من الأفعال كَيْدِ بالجر للإضافة: حفص. الباقون مُوهِنُ بالتشديد كَيْدِ بالنصب وَأَنَّ اللَّهَ بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل. الباقون: بالكسر.
الوقوف:
الْأَقْدامَ هـ ط لتعلق «إذ» بمحذوف هو «اذكر» . الَّذِينَ آمَنُوا ط كُلَّ بَنانٍ ط رَسُولَهُ
الأوّل جْ عِقابِ
هـ النَّارِ هـ الْأَدْبارَ هـ جَهَنَّمُ ط الْمَصِيرُ هـ ط قَتَلَهُمْ ص لعطف المتفقتين رَمى ج لاحتمال أن تكون الواو
стр. 1683
مقحمة واللام متعلقا بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى حَسَناً ط عَلِيمٌ ط الْكافِرِينَ هـ الْفَتْحُ ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف خَيْرٌ لَكُمْ ج لذلك نَعُدْ ج كَثُرَتْ ط لمن قرأ «وإن» بالكسر الْمُؤْمِنِينَ هـ.
التفسير:
قال في الكشاف إِذْ يُغَشِّيكُمُ «إذ» بدل ثان من إِذْ يَعِدُكُمُ أو منصوب بالنصر أو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا وأَمَنَةً مفعول لأجله ومِنْهُ صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله. ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمنا لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحدا كما هو شريطة انتصاب المفعول له. والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمنا. وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيمانا منه. وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل يُغَشِّيكُمُ أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران. ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان. وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص. وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: ٥] وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة وقد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة. فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلا حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله وَيُثَبِّتَ بِهِ
стр. 1684
أي بالماء الْأَقْدامَ وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله لِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفا فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى «على» أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها. قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين.
روي أن المطر نزل على الكافرين أيضا ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعا لهم من المشي والاستقرار.
فقوله وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك. ومن جملة النعم قوله إِذْ يُوحِي رَبُّكَ وهو بدل ثالث من إِذْ يَعِدُكُمُ ومنصوب ب يُثَبِّتَ أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم. وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار. وقوله فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله سَأُلْقِي فَاضْرِبُوا ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة. وثانيها:
أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين. وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر. ومعنى فَوْقَ الْأَعْناقِ أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد. وقيل:
أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق. والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين. ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيها على كل الأعضاء. بوجه آخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معا. ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال. وجوّز في الكشاف أن يكون قوله سَأُلْقِي إلى قوله كُلَّ بَنانٍ تلقينا للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون واردا على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟ فقيل: قولوا لهم قول سألقي. فالضاربون على هذا هم المؤمنون لِكَ
العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم أَنَّهُمْ شَاقُّوا
بسبب مشاقتهم ومخالفتهم لَّهَ وَرَسُولَهُ
ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في
стр. 1685
الآجل فقال مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
أي له. والكاف في لِكَ
للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في ذلِكُمْ للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيدا فاضربه. قال في الكشاف:
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عطف على ذلِكُمْ في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى «مع» والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة. فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب. قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين. وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة.
قوله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على استه قبل أن يقوم، شبّه بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشيا رويدا إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب. فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالا من الذين كفروا.
والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيبا سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلا عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالا من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمة نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشر ألفا. وفي قوله مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب أَوْ مُتَحَيِّزاً أي منحازا إِلى فِئَةٍ
إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها. وعلى هذا انتصب مُتَحَرِّفاً ومُتَحَيِّزاً على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أو التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاما على أن الموصوف محذوف والتقدير:
ومن يولهم دبره إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا. ووزن متحيزا «متفيعل» لأنه من حاز يجوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان «متفعلا» لقيل «متحوزا» .
عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن
стр. 1686
الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم.
والعكرة البكرة. وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر. واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة. وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو. وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله ﷺ كان حاضرا بنفسه، لأنه تعالى وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء. وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم. والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن ﷺ قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها.
ولما طلعت قريش قال رسول الله ﷺ : «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني» فأتاه جبرائيل ﵇ فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: - لما التقى الجمعان- لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال: «شاهت الوجوه» فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أثبت الرمية للرسول ﷺ لأن صورتها وجدت منه ﵇ ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية.
قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله ﷺ بتلك الحصباء فانهزمنا،
وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي ﷺ يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله ﷺ فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله ﷺ ترقوة أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعا من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال:
والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله ﷺ بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه.
وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا
стр. 1687
بخصوص السبب. وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً وليعطهم عطاء جميلا فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك. قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء هاهنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله تعالى يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لكلامكم عَلِيمٌ بضمائركم. وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور ذلِكُمْ الغرض أي الغرض ذلكم وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ إعرابه كما مر في قوله وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ [الأنفال: ١٤] قال ابن عباس: ينبىء رسول الله ﷺ ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم.
قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله ﷺ من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله تعالى خطابا لهم على سبيل التهكم إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
وقال عكرمة: قال المشركون:
اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت. وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه. وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر. ثم خاطب الكفار بقوله وَإِنْ تَنْتَهُوا أي عن عداوة رسول الله ﷺ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم.
وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم وَإِنْ تَعُودُوا إلى تلك المنازعات نَعُدْ إلى ترك نصرتكم. ثم ختم الآية بقوله وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك.
التأويل:
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] كذلك قال للخوف كن أمنا على محمد وأصحابه فكان يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من دنس الصفات النفسانية والحيوانية وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ وساوس الشيطان وهواجسه وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ على طريق الطلب أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك. إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب إِلَّا مُتَحَرِّفاً إلا قلبا يتحرف ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعا إلى الاستمداد من
стр. 1688
الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله تعالى مستمدا في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال وَلكِنَّ ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال إِذْ رَمَيْتَ لأن الله تعالى كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حال عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام إِنْ تَسْتَفْتِحُوا أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ بالتجلي فأنه تعالى متجل في ذاته أزلا وأبدا فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون وَإِنْ تَنْتَهُوا عن طلب غير الله فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا إلى طلب الدنيا وزخارفها نَعُدْ إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٢٠ الى ٣٠]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)
القراآت:
وَلا تَوَلَّوْا بالإدغام: البزي وابن فليح.
الوقوف:
تَسْمَعُونَ هـ ج للآية وللعطف لا يسمعون هـ لا يَعْقِلُونَ هـ لَأَسْمَعَهُمْ ط مُعْرِضُونَ هـ لِما يُحْيِيكُمْ ج لعطف المتفقتين مع اعتراض الظرف تُحْشَرُونَ هـ خَاصَّةً ج لما مر الْعِقابِ هـ تَشْكُرُونَ هـ تَعْلَمُونَ هـ فِتْنَةٌ
стр. 1689
لا للعطف عَظِيمٌ
هـ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ط الْعَظِيمِ هـ أَوْ يُخْرِجُوكَ ط وَيَمْكُرُ اللَّهُ ط الْماكِرِينَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه بعد ذكر نحو من قصة بدر والغنائم. أدّب المؤمنين أحسن تأديب فأمرهم بطاعته وطاعة رسوله في قسمة الغنائم وغيرها ثم قال وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ فوحد الضمير لأن التولي إنما يصح في حق الرسول بأن يعرضوا عنه وعن قبول قوله وعن معونته في الجهاد، أو لأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٦٢] وكقولك الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان وجوّز أن يرجع إلى الأمر بالطاعة أي لا تولوا عن هذا الأمر وامتثاله وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ لم يبين أنهم ماذا يسمعون إلا أنه يعلم من مساق الكلام في السورة أن المراد وأنتم تسمعون دعاءه إلى الجهاد أو المراد وأنتم تسمعون الأمر المذكور، أو وأنتم تصدقون بدليل قوله وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ لأنهم ليسوا بمصدقين فلا يصح دعوى السماع منهم. وتحقيق ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يقبل التكليف ويلتزمه إلا بعد أن يسمعه، فجعل السماع كناية عن القبول، ثم أكد التكاليف المذكورة بقوله إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ أي إن شر من يدب على الأرض، أو إن شر البهائم. والفرق بين التفسيرين أن الأوّل حقيقة إلا أنه ذكر في معرض الذم كقولك لمن لا يفهم الكلام هو شبح وجسد. والثاني مذكور في معرض التشبيه بالبهائم بل جعلهم شرّها لجهلهم وعدولهم عن الانتفاع بالحواس كقوله بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف: ١٧٩] ومعنى عِنْدَ اللَّهِ أي في حكمه وقضائه. ثم قال وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ أي في هؤلاء الصم البكم خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ عن ابن جريج: هم المنافقون. وعن الحسن: أهل الكتاب، وقيل: بنو عبد الدار بن قصي لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويد بن حرملة كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعا بأحد وكانوا أصحاب اللواء.
وروي أنهم سألوا النبي أن يحيي لهم قصي ابن كلاب وعيره من أمواتهم ليخبروهم بصحة نبوّته، فبيّن تعالى أنه لو علم فيهم خيرا وهو انتفاعهم بقول هؤلاء الأموات لأحياهم حتى يسمعوا كلامهم ولكنه تعالى علم منهم أنهم لا يقولون هذا الكلام إلا على سبيل العناد والتعنت. وأنهم لو أسمعهم الله كلامهم لتولوا عن قبول الحق ولأعرضوا عنه على عادتهم المستمرة.
واعلم أن معلومات الله تعالى على أربعة أقسام:
جملة الموجودات، وجملة المعدومات، وإن كل واحد من الموجودات لو كان معدوما فكيف يكون حاله، وإن كل واحد من المعدومات لو كان موجودا فكيف يكون حاله،
стр. 1690
والأولان علم بالواقع، والآخران الباقيان علم بالمقدر ومن هذا القبيل. قوله تعالى وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وتقدير الكلام لو حصل فيهم خيرا لأسمعهم الله الحجج والمواعظ فعبر عن عدمه في نفسه بعدم علم الله بوجوده، وأورد على الآية أنها على صورة قياس شرطي فإذا حذفنا الحد الأوسط بقيت النتيجة: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا ولكن كلمة «لو» وضعت للدلالة على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيكون التولي منتفيا لأجل انتفاء علم الله الخير فيهم بل لأجل انتفاء الخير فيهم. لكن انتفاء التولي خير من الخيرات فأوّل الكلام يقتضي نفي الخير عنهم وآخره يقتضي. حصول الخير فيهم وهذا تناقض والجواب المنع من أن الحد الأوسط مكرر لأن المراد بالإسماع الأوّل إسماع التفهم وإلزام القبول، والمراد بالإسماع الثاني صورة الإسماع فحسب، وأيضا كلمة «لو» في المقدمة الثانية هي التي تجيء للمبالغة بمعنى «أن»
كقوله ﷺ : «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه»
فإذا لا تعلق لإحدى الجملتين بالأخرى فلا قياس. واستدلت الأشاعرة بالآية على أن صدور الإيمان عن الكافر محال لأن الصادق قد أخبر أنهم على تقدير الإسماع معرضون وخلاف علمه وخبره محال. وقال في الكشاف: لو علم الله فيهم خيرا أي انتفاعا باللطف للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين ولو لطف بهم لما نفع فيهم اللطف فلذلك منعهم ألطافه، أو ولو لطف بهم فصدقوا لارتدوا بعد ذلك وكذبوا ولم يستقيموا وتزييف هذا التفسير سهل. ثم علم المؤمنين أدبا آخر فقال اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ فوحد الضمير كما مر. والمراد بالاستجابة الطاعة والامتثال، وبالدعوة البعث والتحريض.
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ مرّ على باب أبيّ بن كعب فناداه وهو في الصلاة فعجل في صلاته ثم جاء فقال: ما منعك عن إجابتي؟ قال: كنت أصلي. قال: ألم تخبر فيما أوحي إليّ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ؟
قال: لا جرم لا تدعوني إلا أجبتك،
وقد يتمسك الفقهاء بهذا الخبر على أن ظاهر الأمر للوجوب وإلا فلم يتوجه اللوم. ثم قيل: إن هذا مما اختص به رسول الله ﷺ وقيل: إن دعاءه كان لأمر لم يحتمل التأخير وإذا وقع مثله للمصلي فله أن يقطع صلاته. ثم الإحياء لا يمكن أن يحمل على نفس الحياة لأن إحياء الحي محال فذكروا فيه وجوها: قال السدي: هو الإسلام والإيمان لأن الإيمان حياة القلب والكفر موته بدليل قوله يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [الأنعام: ٩٥] أي المؤمن من الكافر. وقال قتادة: يعني القرآن لأن فيه العلم الذي به الحياة الحقيقية. والأكثرون على أنه الجهاد لأن وهن أحد العدوّين سبب حياة الآخر، ولأن الجهاد سبب حصول الشهادة التي توجب الحياة الدائمة لقوله بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [آل عمران: ١٦٩] ، وقيل: إنه عام في كل حق وصواب فيدخل فيه القرآن
стр. 1691
والإيمان والجهاد وكل أعمال البر والطاعة. والمراد لما يحييكم الحياة الطيبة كما قال فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [آل عمران: ١٦٩] ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ اختلف الناس فيه بحسب اختلافهم في مسألة الجبر والقدر فنقل الواحدي عن ابن عباس والضحاك:
يحول بين الكافر وطاعته ويحول بين المطيع ومعصيته. فالسعيد من أسعده الله والشقي من أضله الله، والقلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ويخلق فيها القصود والدواعي والعقائد حسبما يريد، وتقرير ذلك من حيث العقل وجوب انتهاء جميع الأسباب إليه. ثم ختم الآية بقوله وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ليعلم أنهم مع كونهم مجبورين خلقوا مثابين ومعاقبين إما للجنة وإما للنار لا يتركون مهملين معطلين. وقالت المعتزلة: إن من حال الله بينه وبين الإيمان فهو عاجز وأمر العاجز سفه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإنه تعالى أمر بالاستجابة لله وللرسول فلو لم تكن الإجابة ممكنة فكيف يأمر بها، ولو كان الأمر بغير المقدور جائزا لكان القرآن حجة للكفار على الرسول لا له عليهم. فإذا لا يمكن حمل الآية على ما قاله أهل الجبر. فتأويلها أن الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت يدل عليه قوله وَأَنَّهُ أي وأن الشأن أو الله إليه تحشرون والمقصود الحث على الطاعة قبل نزول سلطان الموت، أو أنه تعالى يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه تسمية للشيء باسم محله فكأنه قيل: بادروا إلى الأعمال الصالحة ولا تعتمدوا على طول البقاء فإن الأجل يحول دون الأمل أو المراد سارعوا إلى الطاعة ولا تمتنعوا عنها بسببب ما تجدون في قلوبكم من الضعف والجبن فإن الله مقلب القلوب من حالة العجز والجبن إلى القوة والشجاعة وقد يبدل بالأمن خوفا وبالخوف أمنا، وبالذكر نسيانا وبالنسيان ذكرا، وما أشبه ذلك مما هو جائز على الله تعالى، فأما ما يثاب عليه العبد ويعاقب من أفعال القلوب فلا. وقال مجاهد: المراد بالقلب العقل والمعنى بادروا إلى الأعمال وأنتم تعقلون. ولا تأمنوا زوال العقول التي عند ارتفاعها يبطل التكليف فلا يقدر على الكفر والإيمان. وعن الحسن: إن الغرض التنبيه على أنه تعالى مطلع على بواطن العبد وضمائره، وإن قربه من عبده أشد من قرب قلبه منه كقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] ثم حذرهم الفتن والاختلاف فقال وَاتَّقُوا فِتْنَةً قيل: هو العذاب. وقيل: افتراق الكلمة. وقيل: إقرار المنكر بين أظهرهم. وقوله لا تُصِيبَنَّ إما أن يكون جوابا للأمر وجاز دخول النون المؤكدة فيه مع خلوه من الطلب لأن فيه معنى النهي كقولك: انزل عن الدابة لا تطرحك وإن شئت قلت لا تطرحنك. وعلى هذا «من» في مِنْكُمْ للتبعيض. وقيل: الجواب محذوف والمعنى إن أصابتكم لا تصيب بعضكم وهم الظالمون حال كونهم خَاصَّةً
стр. 1692
ولكنها تعم الظالمين وغيرهم لأنه يحسن من الله تعالى ذلك بحكم المالكية أو لاشتمال ذلك على نوع من الصلاح، وإما أن يكون نهيا بعد أمر و «من» للبيان كأنه قيل: احذروا ذنبا أو عقابا. ثم قيل لا تصيبنكم تلك العقوبة خاصة على ظلمكم كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص على طريق الاستعارة. وهكذا إن جعلت الجملة الناهية صفة للفتنة على إرادة القول أي اتقوا فتنة مقولا فيها لا تصيبن كقوله:
جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط عن الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة على ما قال الزبير: نزلت فينا وقرأناها زمانا وما رأينا أنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها. وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل.
وروي أن الزبير كان يسامر النبي ﷺ يوما إذ أقبل علي فضحك إليه الزبير فقال رسول الله ﷺ : كيف حبك لعلي؟ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني أحبه كحبي لولدي أو أشد حبا. قال: فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله؟
ثم ختم الآية بقوله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ والمراد منه الحث على لزوم الاستقامة. ثم ذكرهم نعمه عليهم فقال وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ وانتصابه على أنه مفعول به أي وقت أنكم قَلِيلٌ يستوي فيه الواحد والجمع مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أرض مكة قبل الهجرة تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ يستلبونكم لكونهم أعداء لكم فَآواكُمْ إلى المدينة وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ بمظاهرة الأنصار وبإمدادكم بالملائكة يوم بدر وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ من الغنائم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي ينقلكم من الشدة إلى الرخاء، ومن البلاء إلى النعماء والآلاء حتى تشتغلوا بالشكر والطاعة فكيف يليق بكم أن تشتغلوا بالمنازعة في الأنفال؟، ثم منعهم من الخيانة في الأمانة.
يروى أن رسول الله ﷺ حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن مروان بن المنذر وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله في أيديهم. فبعثه إليهم فقالوا له: ما ترى هل ننزل على حكم سعد؟ فأشار إلى حلقه إنه أي إن حكم سعد بن معاذ هو الذبح. قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية. فشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال:
والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ. فمكث سبعة أيام حتى خرّ مغشيا عليه ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك في نفسك. فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلني. فجاءه فحله بيده فقال: إن من تمام توبتي أن
стр. 1693
أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي. فقال ﷺ : يجزيك الثلث أن تتصدق به.
وقال السدي: كانوا يسمعون من النبي ﷺ شيئا فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم الله عن ذلك. وقال ابن زيد: نهاهم الله أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.
وعن جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي ﷺ خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فنزلت.
وقال الزهري والكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة بخروج النبي ﷺ إليها حكاه الأصم. قال القاضي: والأقرب أنها في الغنائم. فالخيانة فيها خيانة الله لأنها عطيته، وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمتها، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق. قال: ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدلو الكرب، وخان الشتار السبب.
والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقيّ سمي كربا لأنه يكرب من الدلو أي يقرب منه. واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه. وتخونوا يحتمل أن يكون جزما داخلا في حكم النهي وأن يكون نصبا بإضمار أن كقوله وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [البقرة: ٤٢] ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا الله بأن تعطلوا فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عمدا لا سهوا. وقيل: وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن. ثم لما كان الداعي إلى الخيانة هو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان بسبب ذلك نبه الله سبحانه على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب فقال أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى السعادات الروحانية الباقية. ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل لكونه مفضيا إلى الأجر العظيم عند الله هو أفضل من الاشتغال بالنكاح لأدائه إلى الفتنة. ثم رغب في التقوى التي توجب الإعراض عن محبة الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر ويَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً فارقا بينكم وبين الكفار في الأحوال الباطنة
стр. 1694
بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية، وفي الأحوال الظاهرة بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم، وفي أحوال الآخرة بالثواب الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من الله والملائكة. وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ في دار الجزاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فإذا وعد بشيء وفى به أحسن الإيفاء. ومن عظيم فضله أنه يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل إلا بعد أن يخلق الله فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من الانتفاع بذلك. وبعد أن يكون قد تصوّر فيه ثوابا أو ثناء، أو حمله على ذلك رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا لله سبحانه فلهذا وصفه بالعظم. ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة. والمعنى واذكر وقت مكرهم.
فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين: ذكروا أن قريشا اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول الله ﷺ فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال: أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا. فقالوا: هذا من نجد لا بأس عليكم به. فقال أبو البختري من بني عبد الدار: رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون، فقال إبليس: بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم. فقال هشام بن عمرو: رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم. فقال: بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم. فقال أبو جهل: أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا. فقال الشيخ: صدق هذا الفتى هو أجودكم رأيا. فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله، فأخبر جبريل رسول الله ﷺ وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة فأمر عليا ﵇ فنام في مضجعه وقال له: اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه. وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا عليا فبهتوا وخيب الله سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم.
ومعنى لِيُثْبِتُوكَ قال ابن عباس:
ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري. وقوله أَوْ
стр. 1695
يَقْتُلُوكَ
إشارة إلى رأي أبي جهل. وقوله أَوْ يُخْرِجُوكَ أي من مكة إشارة إلى رأي هشام. وأنكر القاضي حديث إبليس في القصة وتصويره نفسه بصورة الإنس. قال: لأن ذلك التغيير إن كان بفعل الله فهو إعانة للكفار على المكر، وإن كان من فعل إبليس فلذلك لا يليق بحكمة الله تعالى لأن إقدار إبليس على تغيير صورة نفسه إعانة له على الإغواء والتلبيس. هذا ما حكى عن القاضي وذهب عليه أن هذا الاعتراض وارد على خلق إبليس نفسه وعلى خلق سائر أسباب الشرور والآثام وقد أجبنا عن أمثال ذلك مرارا، وقد عرفت تفسير المكر في سورة آل عمران. والحاصل أنهم احتالوا في إبطال أمر محمد والله نصره وقواه فضاع فعلهم وظهر صنع الله. فإن قيل: لا خير في مكرهم فكيف قال والله أنه خير الماكرين؟ وأجيب بأن المراد أقوى الماكرين، أو المراد أنه لو قدر في مكرهم خير لكان الخير في مكره أكثر، أو المراد أنه في نفسه خير.
التأويل:
إن شر من دب في الوجود هم الصُّمُّ عن استماع كلام الحق. يسمع القلب والقبول الْبُكْمُ عن كلام الحق والكلام مع الحق. والأصم لا بد أن يكون أبكم فلذلك خصا بالذكر الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أنهم لماذا خلقوا فلا جرم يؤل حالهم من أن يكونوا خير البرية إلى أن يكونوا شرّ الدواب اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ إنه تعالى يطلب بالمحجة من العبد الإجابة كما يطلب العبد للحاجة منه الإجابة، فالاستجابة لله إجابة الأرواح للشهود وإجابة القلوب للشواهد، وإجابة الأسرار للمشاهدة، وإجابة الخفي للفناء في الله، والاستجابة للرسول بالمتابعة لما يحييكم يفنيكم عنكم ويبقيكم به وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بسطوات أنوار جماله وجلاله بين مرآة قلبه وظلمة أوصاف قالبه وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ بالفناء عنكم والبقاء به وَاتَّقُوا أيها الواصلون فتنة ابتلاء النفوس بحظوظها الدنيوية والأخروية. لا تصيب النفوس الظالمة فقط بل تصيب ظلمتها الأرواح النورانية والقلوب الربانية فتجتذبها من حظائر القدس ورياض الأنس إلى حضائض صفات الإنس وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ يعاقب الواصلين بالانقطاع والاستدراج عند الالتفات إلى ما سواه وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ أيها الأرواح والقلوب قَلِيلٌ لم ينشأ بعد لكما الصفات الأخلاق الروحانية مُسْتَضْعَفُونَ من غلبات صفات النفس لإعواز التربية بألبان آداب الطريقة ولانعدام جريان أحكام الشريعة عليكم إلى أوان البلوغ. يخافون أن تسلبكم النفوس وصفاتها والشيطان وأعوانه فَآواكُمْ إلى حظائر القدس وَأَيَّدَكُمْ بالواردات الربانية وَرَزَقَكُمْ المواهب الطاهرة من لوث الحدوث. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني الأرواح والقلوب المنوّرة بنور الإيمان المستسعدة بسعادات العرفان لا تَخُونُوا اللَّهَ فيما آتاكم من المواهب
стр. 1696
فتجعلوها شبكة لاصطياد الدنيا ولا تخونوا الرسول بترك السنة والقيام بالبدعة وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ التي هي محبة الله، وخيانتها تبديلها بمحبة المخلوقات وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إنكم تبيعون الدين بالدنيا والمولى بالأولى فِتْنَةٌ
يختبركم الله بها بالتمييز الموافق من المنافق، والصديق من الزنديق. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بهذه المقامات والكرامات إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ من غير الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً يفض عليكم من سجال جماله وجلاله القديم ما تفرقون به بين الحدوث والقدم وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سيئات وجودكم الفاني وَيَغْفِرْ لَكُمْ يستركم بأنوار جماله وجلاله وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وهو البقاء بالله بعد الفناء فيه لِيُثْبِتُوكَ أيها الروح في أسفل سافلين الطبيعة أو يعدموك بانعدام آثارك أَوْ يُخْرِجُوكَ من عالم الأرواح وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ يصلح حال أهل الصلاح البتة.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٣١ الى ٤٠]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٣٧) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)
القراآت:
بما تعملون، بَصِيرٌ بتاء الخطاب: يعقوب.
الوقوف:
مِثْلَ هذا لا لأن الابتداء بأن هذا إلا أساطير الأولين قبيح الْأَوَّلِينَ هـ أَلِيمٍ هـ وَأَنْتَ فِيهِمْ ط يَسْتَغْفِرُونَ هـ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ط لا يَعْلَمُونَ هـ وَتَصْدِيَةً ط تَكْفُرُونَ هـ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ط يُغْلَبُونَ ط لأن ما بعده مبتدأ يُحْشَرُونَ هـ لا لتعا اللام فِي جَهَنَّمَ ط الْخاسِرُونَ هـ ما قَدْ سَلَفَ ط لابتداء الشرط
стр. 1697
مع العطف الْأَوَّلِينَ هـ كُلُّهُ لِلَّهِ ط بَصِيرٌ هـ مَوْلاكُمْ ط النَّصِيرُ هـ.
التفسير:
لما حكى مكرهم في ذات محمد صلى الله عليه وآله حكى مكرهم في دينه.
وروي أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجرا واشترى أحاديث كليلة ودمنة وقصة رستم وإسفنديار، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين فيقرأ عليهم ويقول هذا مثل ما يذكره محمد من قصص الأوّلين، ولو شئت لقلت مثل قوله، وهذا منه ومن أمثاله صلف تحت الراعدة لأنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو ساعدتهم الاستطاعة.
ويروى عن النضر أو عن أبي جهل على ما في الصحيحين أن أحدهما قال ما معناه اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ الآية. وهذا أسلوب من العناد بليغ لأن قوله هُوَ الْحَقَّ بالفصل وتعريف الخبر تهكم بمن يقول على سبيل التخصيص والتعيين هذا هو الحق. ومعنى حِجارَةً مِنَ السَّماءِ الحجارة المسوّمة للعذاب أي إن كان القرآن هو المخصوص بالحقية فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل أو بنوع آخر من جنس العذاب الأليم. ومراده نفي كونه حقا فلذلك علق بحقيته العذاب كما لو علق بأمر محال فهو كقول القائل إن كان الباطل حقا فأمطر علينا حجارة.
وعن معاوية أنه قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة. قال: أجهل من قومي قومك قالوا لرسول الله ﷺ حين دعاهم إلى الحق إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له.
ثم شرع في الجواب عن شبهتهم فقال وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ اللام لتأكيد النفي دلالة على أن تعذيبهم بعذاب الاستئصال والنبي بين أظهرهم غير مستقيم عادة تعظيما لشأن النبي وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ قال قتادة والسدي: المراد نفي الاستغفار عنهم أي لو كانوا ممن يؤمن ويستغفر من الكفر لما عذبهم. وقيل: اللفظ عام لأن المراد بعضهم وهم الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ من المستضعفين المؤمنين فهو كقولك: قتل أهل المحلة فلانا وإنما قتله واحد منهم أو اثنان. وقيل: وصفوا بصفة أولادهم والمعنى وما كان الله معذب هؤلاء الكفار وفي علم الله أنه يكون لهم أولاد يؤمنون بالله ويستغفرونه، وفي علم الله أن فيهم من يؤل أمره إلى الإيمان كحكيم بن حزام والحرث بن هشام وعدد كثير ممن آمن يوم الفتح وقبله وبعده. وفي الآية دلالة على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب. قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبي الله والاستغفار. أما النبي فقد مضى وأما الاستغفار فهو باق إلى يوم القيامة. ثم بين أنه يعذبهم إذا خرج الرسول من بينهم فقال وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وأي شيء لهم في انتفاء العذاب عنهم يعني لا حظ لهم في ذلك وهم معذبون لا محالة. قيل: لحقهم هذا العذاب
стр. 1698
المتوعد به يوم بدر. وقيل: يوم فتح مكة بدليل قوله وَهُمْ يَصُدُّونَ أي كيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله عام الحديبية. والأوّلون قالوا: إن إخراجهم رسول الله ﷺ والمؤمنين من الصدّ. وعن ابن عباس أن هذا العذاب عذاب الآخرة والذي نفاه عنهم هو عذاب الدنيا وكانوا يقولون: نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فنفى الله استحقاقهم الولاية بقوله وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ من المسلمين وليس كل مسلم يصلح لذلك فضلا عن مشرك وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ كان فيهم من كان يعلم وهو يعاند ويطلب الرياسة، أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم. ثم ذكر بعض أسباب سلب الولاية عنهم فقال وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً المكاء «فعال» كالثغاء والرغاء من مكا يمكو إذا صفر. والتصدية التصفيق «تفعلة» من الصدى وهو الصوت الذي يرجع من الجبل فيكون في الأصل معتل اللام، أو من صدّ يصدّ مضاعفا أي صاح فقلبت الدال الأخيرة ياء كالتقضي في التقضض، وأنكر هذا الاشتقاق بعضهم وصوّبه الأزهري وأبو عبيدة. قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن المكاء والتصدية فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا. وقيل: هو أن يجعل بعض أصابع اليمين وبعض أصابع الشمال في الفم ثم يصفر به. وقيل: تصويت يشبه صوت المكّاء بالتشديد وهو طائر معروف. عن ابن عمر:
كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون. فالمكاء والتصدية على هذا نوع عبادة لهم فلهذا وضعا موضع الصلاة بناء على معتقدهم. وفيه أن من كان المكاء والتصدية صلاته فلا صلاة له كقول العرب: ما لفلان عيب إلا السخاء أي من كان السخاء عيبه فلا عيب له. وقال مجاهد ومقاتل: كانوا يعارضون النبي ﷺ في الطواف والصلاة عند المسجد الحرام يستهزؤن به ويخلطون عليه فجعل المكاء والتصدية صلاة لهم كقولك: زرت الأمير فجعل جفائي صلتي أي أقام الجفاء مقام الصلة. ثم خاطبهم على سبيل المجازاة بقوله فَذُوقُوا الْعَذابَ عذاب القتل والأسر يوم بدر أو عذاب الآخرة بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بسبب كفركم وأفعالكم التي لا يقدم عليها إلا الكفرة.
ولما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية فقال إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ الآية. قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا: أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ونبيه ومنبه ابنا حجاج وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحرث وحكيم بن حزام وأبيّ بن خلف وزمعة بن أسود والحرث بن عامر بن نوفل والعباس ابن عبد المطلب. وكلهم من
стр. 1699
قريش وكان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر. وقال سعيد بن جبير وابن أبزى:
نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش- والأحبوش جماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة- وأنفق عليهم أربعين أوقية من فضة. والأوقية اثنان وأربعون مثقالا- قاله في الكشاف. وقال محمد بن إسحق عن رجاله: لما أصيب قريش يوم بدر فرجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه لعلنا أن ندرك منه ثأرا لمن أصيب منا فأنزل الله تعالى الآية. ومعنى لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أن غرضهم فى الإنفاق كان هو الصدّ عن اتباع محمد وهو سبيل الله وإن لم يكن عندهم كذلك. ثم أخبر عن الغيب على وجه الإعجاز فقال فَسَيُنْفِقُونَها أي سيقع منهم هذا الإنفاق ثم تكون عاقبة إنفاقها ندما وحسرة فكأن ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة ثم يغلبون آخر الأمر وإن كانت الخرب بينهم وبين المؤمنين سجالا لقوله كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] ومعنى «ثمك» في الجملتين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل المال وعدم حصول المقصود من المباينة. ثم قال وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي الكافرون منهم ولم يقل «ثم يغلبون وإلى جهنم يحشرون» لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه فذكر أن الذي بقوا على الكفر لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم دون من أسلم منهم. ثم بين الغاية والغرض فيما يفعل بهم من الغلبة ثم الحشر إلى جهنم فقال لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ أي الفريق الخبيث من الكفار مِنَ الفريق الطَّيِّبِ وهم المؤمنون وَيَجْعَلَ الفريق الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً عبارة عن الجمع والضم وفرط الازدحام. يقال: ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعض أُولئِكَ الفريق الخبيث هُمُ الْخاسِرُونَ وقيل: الخبيث والطيب صفة المال أي ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة رسول الله ﷺ والمؤمنين من المال الطيب الذي أنفقه المهاجرون والأنصار في نصرته فيركمه فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها على بعض فيلقيه في جهنم ويعذبهم بها كقوله فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ [التوبة: ٣٥] وعلى هذا فاللام في قوله لِيَمِيزَ اللَّهُ يتعلق بقوله ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً قاله في الكشاف. ولا يبعد عندي أن يتعلق ب يُحْشَرُونَ وأُولئِكَ إشارة إلى الذين كفروا. ولما بين ضلالهم في عباداتهم البدنية والمالية أرشدهم إلى
стр. 1700
الطريق المستقيم وما يتبعه من الصلاح فقال قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا عما هم عليه من عداوة الرسول وقتاله بالدخول في السلم والإسلام يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من الكفر والمعاصي. ولو كان المراد خطابهم بهذا القول لقيل: «أن تنتهوا يغفر لكم» . وقد قرأ بذلك ابن مسعود وَإِنْ تَعُودُوا لقتاله فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ منهم الذين حاق بهم مكرهم يوم بدر أو سنة الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم فأهلكوا أو غلبوا كقوله كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة: ٢١] واستدل كثير من العلماء منهم أصحاب أبي حنيفة الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الإسلام لأن الخطاب مع الكفر باطل بالإجماع وبعد زواله لا يؤمر بقضاء العبادات الفائتة، بل ذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد إذا أسلم لم يلزمه قضاء العبادات المتروكة في حال الردة وقبلها وفسر وَإِنْ يَعُودُوا بالعودة إلى الردة. واختلفوا في أن الزنديق هل تقبل توبته أم لا؟ والصحيح أنها مقبولة لشمول الآية جميع الكفار
لقوله ﷺ : «نحن نحكم بالظاهر»
ولأنه يكلف بالرجوع ولا طريق له إلا التوبة، فلو لم تقبل لزم تكليف ما لا يطاق. ثم أمر بقتالهم إن أصروا على الكفر فقال وَقاتِلُوهُمْ الآية. وقد مر تفسيره في سورة البقرة إلا أنه زاد هاهنا لفظة كُلُّهُ في قوله وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ لأن القتال هاهنا مع جميع الكفار وهناك كان مع أهل مكة فحسب فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر وأسلموا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يثيبهم على توبتهم وإسلامهم. ومن قرأ بتاء الخطاب أراد فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله والدعوة إلى دينه بصير يجازيكم عليه أحسن الجزاء. وَإِنْ تَوَلَّوْا ولم ينتهوا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومتولي أموركم يحفظكم ويدفع شر الكفار عنكم فإنه نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ فثقوا بولايته ونصرته.
التأويل:
قالوا قد سمعنا وما سمعوا في الحقيقة وإلا لم يقولوا لو نشاء لقلنا فإن كلام المخلوق لن يكون مثل كلام الله. ثم انظر كيف استخرج الله منهم عقيب دعواهم لَقُلْنا مِثْلَ هذا قولهم اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ ليعلم أن من هذا حاله كيف يكون مثل القرآن مقاله، ولو كان لهم عقل لقالوا إن كان هذا حقا فاهدنا له ومتعنا به وبأنواره وأسراره وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ لأنه رحمة للعالمين والرحمة تنافي العذاب إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يعني أكثر المتقين أو لا يَعْلَمُونَ أنهم أولياؤه لأن الولي قد لا يعرف أنه ولي إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ كذلك دأب كفار النفوس ينفقون أموال الاستعداد الفطري في غير طلب الله وإنما تصرفها في استيفاء اللذات والشهوات فستندم حين لا ينفع الندم ثُمَّ يُغْلَبُونَ لا يظفرون
стр. 1701
بمشتهيات النفس كلها ولأجلها، والذين كفروا من الأرواح والقلوب التابعة والنفوس إِلى جَهَنَّمَ البعد والقطيعة يُحْشَرُونَ، لِيَمِيزَ اللَّهُ الأرواح والقلوب الخبيثة من الطيبة التي لا تركن إلى الدنيا ولا تنخدع بانخداع النفوس. فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فيجعل الأرواح الخبيثة فوق النفوس الخبيثة فيلقي الجميع في جهنم القطعية قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من الأرواح والقلوب أي ستروا النور الروحاني بظلمات صفات النفس إِنْ يَنْتَهُوا عن اتباع الهوى يُغْفَرْ لَهُمْ يستر لهم تلك الظلمات بنور الفرقان والرشاد. وَقاتِلُوهُمْ كفار النفوس حَتَّى لا تَكُونَ آفة مانعة عن الوصول وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ببذل الوجود وفقد الموجود لنيل الوجود وكرامة الشهود والله تعالى أعلم.
تم الجزء التاسع ويليه الجزء العاشر وأوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ..
وَتَذْهَبَ بالجزم للجزاء عن هبيرة وَإِذْ زَيَّنَ وبابه مدغما: أبو عمرو وعلي وحمزة في رواية خلاد ابن سعدان وهشام إِنِّي أَرى، إِنِّي أَخافُ بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. تَراءَتِ الْفِئَتانِ بالإمالة: نصير.
الوقوف:
وَابْنِ السَّبِيلِ ط لتعلق حرف الشرط بمحذوف يدل عليه ما قبلها تقديره: واعلموا واعتقدوا هذه الأقسام إن كنتم. الْجَمْعانِ ط قَدِيرٌ هـ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ط فِي الْمِيعادِ لا لعطف لكن مَفْعُولًا لا لتعلق اللام مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ط عَلِيمٌ لا لتعلق «إذ» قَلِيلًا ط مِنْكُمْ ط الصُّدُورِ هـ مَفْعُولًا ط الْأُمُورُ هـ تُفْلِحُونَ هـ ج للآية وللعطف وَاصْبِرُوا ط الصَّابِرِينَ هـ ج لما ذكر عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ط مُحِيطٌ هـ جارٌ لَكُمْ ط أَخافُ اللَّهَ ط الْعِقابِ هـ دِينُهُمْ ط حَكِيمٌ هـ.
التفسير:
لما أمر سبحانه بالقتال في قوله وَقاتِلُوهُمْ [الأنفال: ٣٩] والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهرا. وقوله مِنْ شَيْءٍ بيان «ما» أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط. وقوله فَأَنَّ لِلَّهِ بالفتح مبتدأ محذوف الخبر. وروى الجعفي عن أبي عمرو فإن الله بالكسر. قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد. عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر. وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة. واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسما بخمسة وعشرين قسما عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضا لما
روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم- وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل- أنهما قالا لرسول الله ﷺ : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك
стр. 1704
الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟
فقال ﷺ : إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد- وشبك بين أصابعه- يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين.
وثلاثة أخماس الخمس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل.
وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله ﷺ ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء. فعلى مذهب الإمامين. معنى قوله سبحانه فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [التوبة:
٦٢] فأن لرسول الله خمسة كقوله وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم. والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل:
إن ذلك السهم لبيت المال. وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما
روي أنه ﷺ كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فبه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله.
وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء.
وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئا،
وروي عن زيد بن علي أنه قال:
ليس لنا أن نبني منه قصورا ولا أن نركب منه البراذين. وقيل: الخمس كله للقرابة لما
روي عن علي ﵇ أنه قيل له: إن الله تعالى قال وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ فقال:
أيتامنا ومساكيننا.
وعن الحسن: في سهم رسول الله ﷺ أنه لولي الأمر من بعده. وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك. فعند هذا يكون معنى قوله فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ أن من حق الخمس أن يكون متقربا به إلى الله لا غير. ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلا لها على غيرها كقوله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علما يتضمن العمل والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة يَوْمَ الْفُرْقانِ يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل. والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فبذلك نصر القليل على الكثير إِذْ أَنْتُمْ بدل
стр. 1705
من يوم الفرقان بِالْعُدْوَةِ بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته. وقال أبو عمرو:
هي المكان المرتفع والدُّنْيا تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن «فعلى» من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضا قليلا والعدوة القصوى مما يلي مكة وَالرَّكْبُ يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير أَسْفَلَ مِنْكُمْ بالساحل وهو نصب على الظرف مرفوع المحل خبرا للمبتدأ أي مكانا أسفل من مكانكم. والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله سبحانه من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان. وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضا لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه. وَلَوْ تَواعَدْتُمْ أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أي ليظهر أَمْراً كانَ مَفْعُولًا مقدرا وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك. وقوله لِيَهْلِكَ بدل من لِيَقْضِيَ بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام. وفي قوله لِيَقْضِيَ ولِيَهْلِكَ دلالة على أن أفعاله تعالى مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة. وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ لدعائكم عَلِيمٌ بنياتكم إِذْ يُرِيكَهُمُ منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم فِي مَنامِكَ أي في رؤياك قَلِيلًا أراه وإياهم في رؤياه قليلا فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتا لهم وتشجيعا على عدوهم. وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف. وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً على ما هم عليه لَفَشِلْتُمْ والفشل الجبن والخور. وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أمر الحرب والإقدام وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ عصم من الفشل والتنازع إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ يبصركم إياهم إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا نصب على الحال لأن
стр. 1706
الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقا لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترىء الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا فعل ما فعل من التقليل وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادا للمعاد. ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما. وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً في مواطن الحرب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة. وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقا أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضاربا بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجرا. وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا منصوب بإضمار «أن» أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير «أن» في قوله
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ على القراءتين. والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها. يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره. وقيل:
الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله.
وفي الحديث: «نصرت بالصبا» «١»
حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله. احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالبا إلى النزاع المنهي عنه. وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس.
قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدرا نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب. فوافوها فسقوا كؤوس
стр. 1707
المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ الآية. وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضا شدّة المرح. والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر. وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطال الكفر. وثالثها قوله وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يمنعون عن قبول دين محمد ﷺ . قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفا للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالا على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون. واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل. ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيها على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد. قلت: لو جعلنا قوله وَيَصُدُّونَ عطفا على صلة «الذين» لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان. وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ فيه زجر عن التصنع والافتخار، ويعلم منه أن المعصية مع الانكسار أقرب إلى الخلاص من الطاعة مع الاستكبار. وَإِذْ زَيَّنَ معناه واذكر إذ زين أو هو معطوف على ما قبله من النعم وأقربها قوله وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ وفي هذا التزيين وجهان: أحدهما. أن الشيطان زين بوسوسته من غير أن يتمثل بصورة إنسان وهو قول الحسن والأصم. وفي الكشاف: زين لهم الشيطان أعمالهم التي عملوها في معاداة رسول الله ﷺ ، ووسوس إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون، وأوهمهم أن اتباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجرئهم. فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرأ منهم أي بطل كيده حين نزلت جنود الله. وثانيهما: أنه ظهر في صورة إنسان وذلك أن المشركين حين أرادوا المسير إلى بدر ذكروا الذي بينهم وبين بني كنانة من الحرب فلم يأمنوا أن يأتوهم من ورائهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني وكان من أشرافهم في جند من الشياطين معه راية وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ أي لا غالب كائن لكم ولو كان لكم مفعولا بمعنى لا غالب إلا إياكم لانتصب كما يقال لا ضاربا زيدا. وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ أي مجيركم من بني كنانة أو
стр. 1708
من كل عدوّ يعرض من البشر. ومعنى الجار هاهنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار. فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي التقى الجمعان بحيث رأت كل واحدة الأخرى نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ والنكوص الإحجام عن الشيء أي رجع. وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ قيل: كانت يده في يد الحرث بن هشام فلما نكص قال له الحرث إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة فقال إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ أي من نزول الملائكة ودفع في صدر الحرث وانطلق وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فلما أسلموا علموا أنه الشيطان.
وفي الحديث: «ما رؤي إبليس يوما أصغر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة لما يرى من نزول الرحمة إلا ما رأى يوم بدر» «١» .
وأما قوله إِنِّي أَخافُ اللَّهَ فقد قيل: إنه لما رأى جبريل خافه، وقيل: لما رأى الملائكة ينزلون من السماء خافهم لأنه ظن أن الوقت الذي أنظر إليه قد حضر. قال قتادة: صدق في قوله إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ وكذب في قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وقوله وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ يجوز أن يكون من بقية حكاية كلام إبليس، ويجوز أن يكون اعتراضا وظرفه إِذْ يَقُولُ أو لا ظرف له وإِذْ يَقُولُ ينتصب بذكر على أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ولهذا فقد العاطف. والْمُنافِقُونَ قوم من الأوس والخزرج بالمدينة وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يجوز أن يكون من صفة المنافقين وأن يراد قوم من قريش أسلموا وما قوي الإسلام في قلوبهم ولم يهاجروا. ثم إن قريشا لما خرجوا إلى رسول الله ﷺ قال: أولئك نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه، وإن كان في قلة أقمنا في قومنا، وقال محمد بن إسحق: ثم قتلوا جميعا مع المشركين يوم بدر. غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلاثمائة وثلاثة عشر إلى زهاء ألف وما ذلك إلا لأنهم اعتمدوا على دينهم. وقيل: المراد أن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت. ثم قال جوابا لهم وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ يكل أمره إليه ويثق بفضله فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يسلط الضعيف القليل على القوي الكثير حَكِيمٌ يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة إلى أوليائه.
التأويل:
وَاعْلَمُوا يا أهل الجهاد الأكبر أَنَّما غَنِمْتُمْ عند رفع الحجب من أنوار المشاهدات وأسرار المكاشفات فلكم أربعة أخماسه تعيشون بها مع الله وتكتمونها عن الأغيار وتنفقون خمسها في الله مخلصا وللرسول متابعا وَلِذِي الْقُرْبى يعني الإخوان في
стр. 1709
الله مواصلا وَالْيَتامى يعني أهل الطلب من الذين غاب عنهم مشايخهم قبل بلوغهم إلى حد الكمال وَالْمَساكِينِ الذين تمسكوا بأيدي الإرادة بأذيال إرشادكم وَابْنِ السَّبِيلِ يعني الصادر والوارد من الصدق والإرادة مراعيا جانب كل طائفة على حسب صدقهم وإرادتهم واستعدادهم. إن كنتم وصلتم في متابعة الرسول إلى الإيمان بالله عيانا وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا في سفر فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[النجم: ١٠] يَوْمَ الْفُرْقانِ الذي فيه الرحمن علم القرآن يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع الصفات الإنسانية وجمع الأخلاق الربانية فصار لمحمد ﷺ مع الله خلوة لا يتبعه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على أن يوصلكم في متابعة رسوله إلى هذا المقام وهو الفناء عن الوجود والبقاء بالمعبود إِذْ أَنْتُمْ أيها الصادقون في الطلب بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا نازلة وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي الأرواح بأقصى عالم الملكوت بارزة وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني الهياكل والقوالب في أسفل سافلي الطبيعة. وَلَوْ تَواعَدْتُمْ أيها الأرواح والنفوس والأجساد لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ لما بينكم من التباين والتضاد وَلكِنْ جمعكم الله بالقدرة والحكمة لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وهو إيصال كل شخص إلى رتبته التي استعد لها لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ عن حجة ثابتة عليه وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فالأشقياء يبقون في سجين الطبيعة ونار القطيعة، وأما السعداء فأرواحهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر، قال ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً [الفجر: ٢٨] ونفوسهم مع الملائكة المقربين كما قال فَادْخُلِي فِي عِبادِي [الفجر: ٢٩] وأبدانهم في جنات النعيم كما قال وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: ٣٠] إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ لمن دعاه للوصول والوصال بالغدو والآصال عَلِيمٌ بمن يستحق الإذلال أو يستأهل الإجلال إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا مع كثرتهم في الصورة ليدل على قلتهم في المعنى لَفَشِلْتُمْ على عادة طبع الإنسان وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ من الخوف البشري وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لأنهم نظروا إليكم بالأبصار الظاهرة فلم يدركوا كثرة معناكم ومددكم بالملائكة. وإِذا لَقِيتُمْ فِئَةً هي النفس وهواها والشيطان وأعوانه والدنيا وزينتها فَاثْبُتُوا على ما أنتم عليه من اليقين والصدق والإخلاص والطلب وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا من ديار أوصافهم وتركوا الدنيا وداروا البلاد وزاروا العباد ليتباهوا بذلك على الإخوان والأقران. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فظنوا أنهم بلغوا مبلغ الرجال وأنه لا يضرهم التصرف في الدنيا وارتكاب بعض المنهيات بل ينفعهم في نفي الرياء والعجب إذ هو طريق أهل الملامة.
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ فئة الأرواح والقلوب وفئة النفوس وصفاتها وأمد الله تعالى فئة
стр. 1710
الأرواح والقلوب بالأوصاف الملكية والواردات الربانية حتى انقادت النفوس لها نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ زهق باطله وصار مخالفا للنفس كما قال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ، إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ لأنه يرى بنظر الروحانية تجلي الأنوار الربانية من القلوب، ولو وقع على الشيطان من ذلك تلألؤ لأحرقه ولهذا قال إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وفيه إشارة إلى أنه غير منقطع الرجاء من رحمة الله إنه أرحم الراحمين.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٥٠ الى ٦٦]
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (٥٩)
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)
القراآت:
تتوفى بتاء التأنيث: شامي. الباقون: بالتذكير وَلا يَحْسَبَنَّ بياء الغيبة: ابن عامر ويزيد وحمزة وحفص والمفضل. الآخرون: بتاء الخطاب. إِنَّهُمْ بالفتح: ابن عامر لِلسَّلْمِ بكسر السين: أبو بكر وحماد تُرْهِبُونَ بالتشديد: رويس.
стр. 1711
الباقون: بالتخفيف من الإرهاب وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ بالياء التحتانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف. الباقون: بالتاء الفوقانية وَعَلِمَ مبنيا للمفعول ضعفاء بالمد جمعا: يزيد وقرأ حمزة وعاصم غير المفضل وخلف لنفسه ضَعْفاً بفتح الضاد. الآخرون بالضم. فإن لم يكن منكم مائة بالتحتانية: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
الوقوف:
كَفَرُوا لا لأن فاعل يَتَوَفَّى الملائكة. وما قيل إن المتوفي هنا الله غير صحيح لاختلال النظم وفساد المعنى لأن الكفار لا يستحقون أن يتوفاهم الله بلا واسطة. وَأَدْبارَهُمْ ج لحق الإضمار أي يقولون ذوقوا الْحَرِيقِ هـ لِلْعَبِيدِ هـ لا لتعلق الكاف فِرْعَوْنَ لا للعطف. مِنْ قَبْلِهِمْ ط بِذُنُوبِهِمْ ط الْعِقابِ هـ بِأَنْفُسِهِمْ لا لعطف «أنّ» على «أنّ» عَلِيمٌ هـ لا للكاف مِنْ قَبْلِهِمْ ط بِآياتِ رَبِّهِمْ ج لاختلاف الجملتين من الفاء آلِ فِرْعَوْنَ ج لأن الواو تصلح للاستئناف والحال ظالِمِينَ هـ لا يُؤْمِنُونَ هـ ج لاحتمال الوصف واحتمال النصب والرفع على الذم لا يَتَّقُونَ هـ يَذَّكَّرُونَ هـ عَلى سَواءٍ ط الْخائِنِينَ هـ سَبَقُوا ط لمن قرأ إِنَّهُمْ بالكسر لا يُعْجِزُونَ هـ مِنْ دُونِهِمْ ج لاحتمال الجملة بعده الوصف والاستئناف لا تَعْلَمُونَهُمُ ج لذلك يَعْلَمُهُمْ ط لا تُظْلَمُونَ هـ عَلَى اللَّهِ ط الْعَلِيمُ هـ حَسْبَكَ اللَّهُ ط بَيْنَ قُلُوبِهِمْ الأول ط بَيْنَهُمْ ط حَكِيمٌ هـ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هـ عَلَى الْقِتالِ ط مِائَتَيْنِ ج لابتداء الشرط مع العطف لا يَفْقَهُونَ هـ ضَعْفاً ج مِائَتَيْنِ ج بِإِذْنِ اللَّهِ ط الصَّابِرِينَ هـ.
التفسير:
لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في حياتهم شرح أحوالهم حين وفاتهم.
وجواب «لو» محذوف، وترى في معنى الماضي الخاصية «لو» ، وكذا يَتَوَفَّى لخاصية «إذ» وإذ نصب على الظرف قاله في الكشاف. ويمكن أن يكون مفعولا به والمعنى لو رأيت أو عاينت أو شاهدت وقت قبض الملائكة أرواح الكفار لرأيت أمرا فظيعا.
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ قال مجاهد: يريد بالأدبار الأستاه ولكن الله كريم يكني.
وفي تخصيص العضوين بالضرب نوع من الخزي والنكال. وعن ابن عباس: المراد ما أقبل منهم وما أدبر. وذلك أن المشركين كانوا إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيف، وإذا ولّوا ضربوا أدبارهم فلا جرم قابلهم الله بمثله في وقت خروج أرواحهم. ومعنى عَذابَ الْحَرِيقِ مقدمة عذاب النار أو عذاب النار نفسها في الآخرة تبشيرا لهم بذلك. وعن ابن عباس أن معهم مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار.
стр. 1712
قوله ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ الآية قد مر تفسيرها في آخر آل عمران، ويحتمل أن تكون هنا حكاية كلام الملائكة. ولما بين سبحانه ما أنزله بأهل بدر من الكفار عاجلا أم آجلا ذكر أن هذه سنة في فرق الكفرة كلهم فقال كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ يريد أن عادتهم وعملهم الذي داموا عليه كعادة آل فرعون فجوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي أولئك بالإهلاك والإغراق. ثم ذكر ما يجري مجرى العلة في العقاب الذي أنزله بهم فقال ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ حذف النون لكثرة الاستعمال. ومعنى الآية أن ذلك العذاب أو الانتقام بسبب أن الله لم يستقم في حكمته وتدبيره أن يغير نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بهم من الأحوال والأخلاق. والغرض أن آل فرعون ومشركي مكة قد فتح الله عليهم أبواب الخيرات وأزال الموانع وسهل السبل ومنّ عليهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل، ثم إنهم قابلوا هذه النعم بالكفر والفسوق والعصيان فلا جرم استحقوا تبديل النعم بالنقم والمنح بالمحن وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ للأقوال عَلِيمٌ بالأحوال فيجزي كل فريق بما يستأهله. ثم ذكر مرة أخرى قوله كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وفي التكرير بعد التأكيد فوائد استنبطها العلماء منها أن الثاني كالتفصيل للأول لأن الإغراق كالبيان للأخذ بالذنوب. ومنها أن الأول لعله في حال الموت والثاني لما بعد الموت. قلت: ويشبه أن يكون بالعكس لأن الإهلاك والإغراق بحال الموت أنسب. ومنها أن الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحدا من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم. والثاني إخبار عن عذاب مكن الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق. ومنها أن المراد في الأول كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ فيما فعلوا وفي الثاني كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ فيما فعل بهم فهم فاعلون في الأول ومفعولون في الثاني. ومنها أن المراد بالأول كفرهم بالله، وبالثاني تكذيبهم الأنبياء لأن التقدير: كذبوا الرسل برد آيات ربهم. ومنها أن يجعل الضمير في كَفَرُوا وكَذَّبُوا لكفار قريش أي كفروا بآيات الله كدأب آل فرعون، وكذبوا بآيات ربهم كدأب آل فرعون. ومنها أن الأول إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل الإلهية فكان لازمه الأخذ، والثاني إشارة إلى أنهم أنكروا دلائل التربية والإحسان فكان لازمه الإهلاك والإغراق. ثم ختم الآية بقوله وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ أي وكل واحد من غرقى القبط وقتلى قريش وممن قبلهم من الكفرة كانوا ظالمي أنفسهم بالكفر والمعاصي، وظالمي غيرهم بالإيذاء والإيحاش، فلا جرم دمرهم الله بسبب ظلمهم.
ثم خص من الظلمة سرهم فقال إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ الآية. جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار وشر الكفار المصرون منهم وأشار إلى هذا بقوله فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وشر
стр. 1713
المصرين الناكثون للعهود وأشار إليهم بقوله الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ و «من» للتبعيض ومفعول عاهَدْتَ محذوف أي الذين عاهدتهم وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف الذين معهم تليق المعاهدة ثُمَّ يَنْقُضُونَ عطف المستقبل على الماضي لفائدة الاستمرار وأن من شأنهم نقض العهد فِي كُلِّ مَرَّةٍ من مرات المعاهدة. ومعنى «ثم» تبعيد النقض عن المعاهدة. قال ابن عباس: هم بنو قريظة نقضوا عهد رسول الله ﷺ وأعانوا عليه المشركين بالسلاح يوم بدر وقالوا: قد نسينا وأخطأنا ثم عاهدهم فنكثوا وأعانوا عليه يوم الخندق وَهُمْ لا يَتَّقُونَ عاقبة الغدر وما فيه من العار والنار. ثم أمر رسوله بالمخاشنة معهم والغلظة عليهم جزاء على قبح فعلهم وسوء عقيدتهم فقال فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ تصادفنهم وتظفرن بهم في الحرب فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ والتشريد التفريق مع الاضطراب أي ففرق عن محاربتك من وراءهم. وقال عطاء: معناه أكثر فيهم القتل حتى يخافك غيرهم. والضمير في لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ لمن خلفهم لأنه إذا نكل بالناكثين وقتلهم شر قتلة لن يجسر عليه أحد بعدهم اتعاظا بحالهم وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ معاهدين خِيانَةً ونكثا بأمارات تلوح لك فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ فاطرح إليهم العهد عَلى سَواءٍ على طريق مستو قصد أي أخبرهم أخبارا مكشوفا بينا أنك قطعت ما بينك وبينهم ولا تناجزهم الحرب وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة منك. وقيل: على استواء في العلم بنقض العهد. وقيل: على استواء في العداوة. قال في الكشاف: الجار والمجرور في موضع الحال كأنه قيل: فانبذ إليهم ثابتا على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء في العلم، أو العداوة على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معا. قلت: ويحتمل أن يكون حالا من المنبوذ أي حال كون المنبوذ وهو العهد واقعا على طريق واضح فيكون كناية عن تحقير شأن العهد إذ ذاك، أو عن انكشاف حاله في النبذ. قال أهل العلم: إن آثار نقض العهد إذا ظهرت فإما أن تظهر ظهورا محتملا أو ظهورا مقطوعا به. فإن كان الأول وجب الإعلام به كما هو مذكور في الآية. وذلك أن قريظة عاهدوا النبي ﷺ ثم أجابوا أبا سفيان ومن معه من المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وآله خوف الغدر منهم به وبأصحابه فههنا يجب على الإمام أن ينبذ إليهم على سواء ويؤذنهم بالحرب، أما إذا ظهر نقض العهد ظهورا قطعيا فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم كما فعل رسول الله ﷺ بأهل مكة لما نقضوا العهد. ثم بيّن حال من فاته في يوم بدر ولم يتمكن من التشفي منه والانتقام كيلا يبقى حسرة في قلبه فقد كان فيهم من بلغ في أذيته مبلغا عظيما فقال وَلا يَحْسَبَنَّ من قرأ بتاء الخطاب فمفعوله
стр. 1714
الأول الَّذِينَ كَفَرُوا وثانيه سَبَقُوا أي فاتوا وأفلتوا من أن يظفر بهم إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ كل من المكسورة والمفتوحة تعليل له إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف كأن سائلا سأل ما لهم لا يحسبون سابقين؟ فأجيب بما أجيب. والمفتوحة تعليل صريح والجار محذوف أي لأنهم يعجزون الله من الانتقام منهم ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم. أو عجزت فلانا وعجزته جعلته أو وجدته عاجزا. والمراد لا تحسبنهم أنهم لما تخلصوا من الأسر والقتل يوم بدر فقد تخلصوا من العقاب عاجلا أم آجلا. ومن قرأ بالياء التحتانية تذكر فيه وجوها منها «أن» فاعله الَّذِينَ كَفَرُوا ومفعولاه سَبَقُوا على أن الأصل أن سبقوا فحذفت «أن» كقوله وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ويؤيده قراءة ابن مسعود أنهم سبقوا. ومنها أن الفعل وقع على أنهم لا يعجزون على أن لا صلة وسبقوا في موضع الحال. ومنها أن المفعول الأول محذوف للعلم به والتقدير لا يحسبنهم أو لا يحسبن أنفسهم الذين كفروا وسبقوا. ومنها أن فاعله محذوف أي لا يحسبن قبيل المؤمنين الذين كفروا سبقوا. ثم إنه لما أنفق لأصحاب النبي ﷺ في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة وعدة، أمرهم الله أن لا يعودوا لمثله ويتأهبوا لقتال الأعداء فقال وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ عن
عكرمة: هي الحصون.
وعن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال: إلا إن القوة الرمي قالها ثلاثا ومات عقبة عن سبعين قوسا في سبيل الله
والأصح أنها عامة في كل ما يتقوى به في الحرب من آلة وعدّة.
وقوله ﷺ : «القوة الرمي» «١»
كقوله: «الحج عرفة» «٢»
وفيه تنبيه على أن المذكور جزء شريف في جملة المقصود وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ هو اسم للخيل التي تربط في سبيل الله الخمس فما فوقها. ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال وفصيل، والظاهر أنه بمعنى المرابطة. ويجوز أن يكون قوله وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تخصيصا للخيل من بين ما يتقوّى به كقوله وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فلا ريب أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد. روي عن ابن سيرين أنه سئل عمن أوصى بثلث ماله في الحصون فقال: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزي عليها. فقيل له: إنما أوصى في الحصون. فقال: ألم تسمع قول الشاعر:
стр. 1715
ولقد علمت على توقّي الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر القرى
وعن عكرمة أن الخيل هاهنا الإناث لأنها أولى بالربط لتفيد النسل. وقيل: هي الفحول لأنها أقوى على الكر والفر. والظاهر العموم. ثم ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء فقال تُرْهِبُونَ بِهِ أي بما استطعتم عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ لأن الكفار إذا علموا تأهب المسلمين للقتال لم يجسروا عليهم وخافوهم وربما يدعوهم ذلك إلى الانقياد والطاعة وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ يريد بالأوّلين أهل مكة وبالآخرين اليهود على قول ولكنه لا يجاريه قوله لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ والمنافقين على قول. واعترض عليه بأنهم لا يرهبون لانخراطهم في سلك المسلمين ظاهرا. وأجيب بأن الخائن خائف فكلما اشتدت شوكة المسلمين ازداد المنافقون في أنفسهم خوفا ورعبا فربما يدعوهم ذلك إلى الإخلاص.
وعن السدي: هم أهل فارس. وروي ابن جريج عن سليمان بن موسى أنهم كفرة الجن
وجاء في الحديث إن الشيطان لا يقرب صاحب فرس ولا دارا فيها فرس عتيق
وروي أن صهيل الخيل يرهب الجن. وقيل: المراد بالآخرين أعداء المرء من دينه فإن المسلم قد يعاديه مسلم آخر. ثم رغبهم في الإنفاق في باب الجهاد فقال وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي ثوابه وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا. ثم رخص في المصالحة إن مال الأعداء إليها فقال وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ الآية جنح له وإليه جنوحا إذا مال. وإنما قيل فَاجْنَحْ لَها لأن السلم تؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، أو بتأويل الخصلة أو الفعلة. عن ابن عباس ومجاهد أن الآية منسوخة بقوله قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة: ٢٩] وبقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] والأولى أن يقال: إنها ثابتة فليس بحتم أن يقاتل المشركون أبدا، أو يجابوا إلى الهدنة أبدا، وإنما الأمر موقوف على ما يرى فيه الإمام صلاح الإسلام وذويه، فإذا رأى الصلاح في الصلح فذاك. والمصلحة قد تظهر عند ضعف المسلمين إما لقلة العدد أو لقلة المال وبعد العدوّ وقد تكون مع القوة للطمع في إسلامهم أو قبولهم الجزية إذا خالطوا المسلمين أو بأن يعينوه على قتال غيرهم. وأما مدة المهادنة فإذا لم يكن بالمسلمين ضعف ورأى الإمام الصلاح في المهادنة فقد قال الشافعي يهادون أربعة أشهر فما دونها لقوله تعالى فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [التوبة: ٢] وذلك كان في أقوى ما كان رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك.
وإن كان بالمسلمين ضعف جازت الزيادة بحسب الحاجة إلى عشر سنين اقتداء برسول الله ﷺ حين صالح أهل مكة بالحديبية على وضع القتال عشر سنين. إلا أنهم
стр. 1716
نقضوا العهد قبل كمال المدة وإن نقضت المدة والحاجة باقية استأنف العقد. ثم قال وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فوض الأمر فيما عقدته معهم إلى الله ليكون عونا لك على السلامة وينصرك عليهم. إذا نقضوا العهد وعدلوا عن الوفاء كما كان من شأن قريظة والنضير.
وعن مجاهد نزلت فيهم إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ للأقوال الْعَلِيمُ بالأحوال. وفيه زجر عن نقض الصلح ما أمكن. ثم ذكر حكما من أحكام المهادنة فقال وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ محسبك وكافيك اللَّهُ والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول ذلك الصلح لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر كما أن أصل الإيمان مبني على الظاهر. ولا تنافي بين هذه الآية وبين ما تقدم من قوله وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ [الأنفال: ٥٨] لأن هذه المخادعة محمولة على أمور خفية تدل على الغل والنفاق، وذلك الخوف محمول على أمارة قوية يدل على كونهم قاصدين للشر وإثارة الفتنة. ثم أكد كون الله تعالى كافيا له بقوله هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ أي من غير واسطة أسباب معتادة. وَبِالْمُؤْمِنِينَ أي بوساطة الأنصار. ثم بين أنه كيف أيده بالمؤمنين فقال وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ قال جمع من المفسرين: هم الأوس والخزرج كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك أشرافهم ودق جماجمهم، فرفع الله تعالى ذلك بلطيف صنعه، والأولى حمله على العموم والتأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله ﷺ من الآيات الباهرة لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية والانطواء على الضغائن في الأمور المستحقرة لم تكد تأتلف أهواؤهم وينتظم شملهم، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله حتى بذلوا دونه المهج والأرواح والأموال فليس ذلك الأمن مقلب القلوب والأحوال.
والتحقيق في الباب أن المحبة لا تحصل إلا عند تصور حصول خير من المحبوب. ثم إن كان سبب انعقاد المحبة أمرا سريع التغير كالمال أو الجاه أو اللذة الجسمانية كانت تلك المحبة بصدد الزوال والاضمحلال، فالمعشوق يريد العاشق لماله، والعاشق يحب المعشوق لاستيفاء لذة بهيمية، فمهما حصل مرادهما كانا متحابين ومتى لم يحصل عادا متباغضين وإن كان سبب انعقاد المودة كمالا حقيقيا روحانيا دائما لم يتصور لها تغير وزوال. ثم إن العرب كانوا قبل مقدم النبي ﷺ مقبلين على المفاخرة والتسابق في المال والجاه والتعصب والتفرق، فلا جرم كانوا متحابين تارة ومتباغضين أخرى، فلما جاءهم النبي ﷺ ودعاهم إلى عبادة الله تعالى والإعراض عن الدنيا والإقبال على تحصيل السعادة الأبدية الروحانية توحد مطلبهم وصاروا إخوانا متراحمين متحابين في الله ولله. إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أي قادر قاهر على تقليب القلوب والدواعي فاعل لكل ما يفعل على وجه الإحكام والإتقان أو على حسب المصالح على اختلاف القولين في مسألة الجبر
стр. 1717
والقدر. قال القاضي: لولا ألطاف الله تعالى ساعة فساعة لما حصلت هذه الأحوال.
ونظيره أنه يضاف علم الولد وأدبه إلى أبيه أنه لم يحصل ذلك إلا بمعونة الأب وتربيته، وأجيب بأنه عدول عن الظاهر والآية صريحة في أن العقائد والإرادات والكراهات كلها بخلق الله تعالى وإيجاده، اللهم يا مصرف القلوب ومقلبها ثبت قلبي على دينك ووفقني لمتابعة نبيك إنك قادر على ما تشاء ولا يكون إلا ما تشاء.
ثم إنه سبحانه لما وعد نبيه النصر والكفاية عند مخادعة الأعداء وعده النصر والكفاية على الإطلاق فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومحل وَمَنِ اتَّبَعَكَ منصوب بمنزلة «زيدا» في قولك «حسبك وزيدا درهم» قال الفراء: وليس بكثير في كلامهم أن يقولوا حسبك وأخيك بل المستعمل أن يقال: حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار. فلو كان قوله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مجرورا لقيل حسبك وحسب من اتبعك. ومعنى الآية كفاك وكفى أتباعك من المؤمنين الله ناصرا. وجوّز أن يكون محل الرفع أي كفاك الله وكفاك المؤمنون فيكون كقوله هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ويؤكده ما
روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ثم أسلم عمر فصاروا أربعين فأنزل الله تعالى الآية.
ثم بيّن سبحانه أن كفايته مشروطة بالجد والاجتهاد في الجهاد فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء. وذكروا في اشتقاقه أنه من الحرض وهو الإشراف على الهلاك من شدّة الضنى كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور، أو كأنه يأمره أن يبالغ فيه وفي تحصيله حتى يدنو من التلف. وفي قوله إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ عدّة من الله وبشارة بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم بعون الله وتأييده. واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين، ويمكن أن يجاب بعد تسليم وقوع مثل ذلك أن الخلل لعله يكون من فقدان الشرط وهو الصبر. قال بعض العلماء: هذا خبر في معنى الأمر كقوله وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ [البقرة: ٢٣٣] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة: ٢٢٨] بدليل قوله الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ والنسخ أبدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو من جهة تعريف الخبر وإقحام الفصل. قال الفراء:
قد جمع بين «إما» و «أن» في هذه الآية بخلاف قوله وإِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ لأن الفعل هاهنا في موضع أمر بالاختيار أعني في موضع نصب كقول القائل: اختر ذا أو ذا. كأنهم قالوا: اختر أن تلقى بخلاف تلك الآية فإن الأمر لا يصلح هناك. قال موسى
стр. 1718
للسحرة ألقوا ما ترغبون فيه ازدراء بشأنهم وقلة مبالاة وثقة بأن الأمر الإلهي يغلب ولن بالكفر كفر. فالجواب من وجوه: أحدها: أنه إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقا فإذا لم يكن كذلك فلا أمر البتة كقول القائل: اسقني الماء من الجرة. فهذا إنما يكون أمرا بشرط حصول الماء من الجرة. والثاني: أن موسى علم أنهم جاءوا لذلك فلا بد أن يفعلوه ودفع النزاع في التقديم والتأخير. الثالث: أنه أذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليتمكن من الإقدام على إبطاله كمن يريد سماع شبهة ملحد ليبحث عنها ويكشف عن ضعفها يقول له: هات وقل ومراده أن يجيب عنها ويبين لكل أحد ضعفها وسقوطها فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ [الأعراف: ١١٦] قال القاضي: لو كان السحر حقا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم فثبت أنهم خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه. وقال الواحدي: بل المراد أنهم قلبوا الأعين عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات.
وروي أنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق دواخل العصي فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض فخيل إلى الناس أنها تسعى
وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف: ١١٦] أي أرهبوهم والسين زائدة كأنهم استدعوا رهبتهم.
وقال الزجاج: اشتدت رهبة الناس فبعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: ١١٦] كما زعموا أن ذلك سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض. عن ابن عباس أنه خيل إلى موسى ﵇ أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى فأوحى الله إليه أن الق عصاك. وفي رواية الواحدي عنه أن المراد بالوحي هاهنا الإلهام وهاهنا إضمار والتقدير: فألقاها فإذا هي تلقف. قال الجوهري: لقفت الشيء بالكسر ألقفه وتلقفته أيضا تناولته بسرعة و «ما» في ما يأفكون موصولة أو مصدرية بمعنى ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه، أو أفكهم نحوه ودنوت منه
وجدت القشعريرة فقال لي: من الرجل؟ قلت له: من العرب سمعت بك وبجمعك ومشيت معه حتى إذا تمكنت منه قتلته بالسيف وأسرعت إلى رسول الله ﷺ وذكرت أني قتلته فأعطاني عصاه وقال: أمسكها فإنها آية بيني وبينك يوم القيامة.
وقال عكرمة: إنما أمر الرجل أن يصبر لعشرة والعشرة لمائة حال ما كان المسلمون قليلين فلما كثروا خفف الله عنهم ولهذا قال ابن عباس: أيما رجل فر من ثلاثة فلم يفر، فإن فر من اثنين فقد فر. والحاصل أن الجمهور ادّعوا أن قوله الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ناسخ لحكم الآية المتقدمة وأنكر ذلك أبو مسلم الأصفهاني قال: لأن لفظ الآية ورد على الخبر. سلمنا أنه بمعنى الأمر لكن لم قلتم إن التقدير ليكن العشرون
стр. 1719
يغلب فإن قيل: إن إلقاءهم الحبال والعصي معارضة المعجز بالسحر وذلك كفر والأمر صابرين في مقابلة المائتين، ولم لا يجوز أن يكون المراد إن حصل عشرون صابرون في مقابلة المائتين فليشتغلوا بجهادهم، وإذا كان الشرط غير حاصل في حق هؤلاء لقوله وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فلا جرم لم يثبت ذلك الحكم فلا يتصور النسخ. ولفظ التخفيف لا يقتضي ورود التثقيل قبله لأن مثل هذا الكلام قد تقوله العرب ابتداء. ومما يدل على عدم النسخ تقارن الآيتين، والناسخ يجب أن يكون بعد المنسوخ بزمان. وهذا حاصل قول أبي مسلم وهو إنما يستحق الجواب لو لم يحصل قبله إطباق على حصول هذا النسخ والله تعالى أعلم. ومعنى قوله وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ظهر معلومه فلا يبقى لهشام حجة في مذهبه أنه تعالى لا يعلم الجزئيات إلا بعد وقوعها. والمراد بالضعف قبل الضعف في البدن وقيل في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك. والظاهر أن المراد الضعف الإنساني المذكور في قوله وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [النساء: ٢٨] .
التأويل:
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ لأن الكافر ذاهب عن الدنيا مع تعلقه بها فيحصل له ألم من جهة الخلف ويقبل على الآخرة ولا نور له يبصر به ما أمامه فيحصل له تألم من قدام ولَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً مبدلا حسن تقديم واستعداد أعطاهم الله بضده حَتَّى يُغَيِّرُوا بالكفر والتكذيب ما بِأَنْفُسِهِمْ من نعم الاستعداد الفطري الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ يا روح في الأزل لأن نورك وصفتك غلب على ظلمة النفس وصفاتها فَشَرِّدْ يا روح بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ أي بالغ في تبديل صفات النفس وفي تزكيتها بحيث يؤثر نور تبدلها في الصفات التي وراءها فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ أي أظهر عداوتك معهم وَجاهِدْهُمْ أنهم لا يعجزون أي النفوس الكافرة تحت تصرفي فلا تقنطوا من رحمتي في إصلاح حالهم من قوة الروح وغلبات صفاتها وإعداده بمداومة الذكر وقطع التعلق وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ومن ربط القلب بطريق المراقبة لئلا يلتفت إلى الدنيا وزينتها تُرْهِبُونَ بالذكر والمراقبة عَدُوَّ اللَّهِ الشيطان وَعَدُوَّكُمْ النفس والهوى وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ من نفوس شياطين الإنس لا تَعْلَمُونَهُمُ أنهم عدوّكم من الأحباب والأصدقاء والأقرباء اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ أنهم عدوّ لكم كقوله إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ [التغابن: ١٤] وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ من شهوات النفس ولذاتها وزينتها بطريق الذكر والمراقبة يُوَفَّ إِلَيْكُمْ فوائد من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بين الروح والقلب والسر وبين النفس وصفاتها. لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ وجودك من السعي والجد والاجتهاد لما بين الروح النوراني والنفس الظلماني من التضاد وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بين الروح والنفس وبين القلب والقالب ليكون الشخص الإنساني طلسما على كنز وجوده لم يكسر الطلسم
стр. 1720
للوصول إلى الكنز والله أعلم.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٦٧ الى ٧٥]
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (٧٣) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)
القراآت:
أن تكون بالتاء الفوقانية: أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد أسارى يزيد والمفضل. الآخرون أَسْرى من الأسارى. يزيد أبو عمرو والمفضل. الباقون من الأسرى. مِنْ وَلايَتِهِمْ بكسر الواو حمزة. والباقون: بفتحها.
الوقوف:
فِي الْأَرْضِ ط لتقدير الاستفهام أي أتريدون الْآخِرَةَ ط حَكِيمٌ هـ عَظِيمٌ هـ وَاتَّقُوا اللَّهَ ط رَحِيمٌ هـ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ط رَحِيمٌ هـ مِنْهُمْ ط حَكِيمٌ هـ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ط حَتَّى يُهاجِرُوا ج مِيثاقٌ ط بَصِيرٌ هـ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ط كَبِيرٌ هـ حَقًّا ط كَرِيمٌ هـ مِنْكُمْ ط فِي كِتابِ اللَّهِ ط عَلِيمٌ هـ.
التفسير:
هذا حكم آخر من أحكام الجهاد ومعنى ما كان ما صح وما استقام والإثخان كثرة القتل وإشاعته من الثخانة التي هي الغلظ والكثافة والمعنى فيه تذليل الكفر وإضعافه وإعزاز الإسلام وإظهاره بإشاعة القتل في الكفرة.
روي أن رسول الله ﷺ أتى بسبعين أسيرا- فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب- فاستشار أبا بكر.
فيهم فقال: قومك وأهلك فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك. وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكن عليا من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان لنسيب