← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

القراآت: تجحدون بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد. الآخرون على الغيبة. مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ. أُمَّهاتِكُمْ بكسرهما: حمزة. الباقون بضم الهمزة وفتح الميم. الم تروا على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ظَعْنِكُمْ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. الباقون بفتحها. الوقوف: فِي الرِّزْقِ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء سَواءٌ ط يَجْحَدُونَ هـ مِنَ الطَّيِّباتِ ط يَكْفُرُونَ هـ لا للعطف وَلا يَسْتَطِيعُونَ هـ ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب الْأَمْثالَ ط لا تَعْلَمُونَ هـ وَجَهْراً ط هَلْ يَسْتَوُونَ ط الْحَمْدُ لِلَّهِ ط لأن «بل» للإعراض عن الأول. لا يَعْلَمُونَ هـ مَوْلاهُ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما بِخَيْرٍ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام وَالْأَرْضِ ط أَقْرَبُ ط قَدِيرٌ هـ شَيْئاً لا للعطف وَالْأَفْئِدَةَ لا لتعلق لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ هـ السَّماءِ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار إِلَّا اللَّهُ ط يُؤْمِنُونَ هـ إِقامَتِكُمْ لا لوقوع جَعَلَ على أَثاثاً إِلى حِينٍ هـ بَأْسَكُمْ ط تُسْلِمُونَ هـ الْمُبِينُ هـ الْكافِرُونَ هـ. التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفا من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصا بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنسانا كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاما. وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقا للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من

стр. 2207

عندهم شيئا من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم. وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكا كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلا فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس. فالفاء في قوله: فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ للتعليل. ولك أن تقول بمعنى «حتى» أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟! عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في العبيد: «إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون» «١» . فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيدا مفضولين يَجْحَدُونَ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفرا بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء. قال أبو عبيدة وأبو حاتم: قراءة الغيبة- وهي الكثرى- أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطابا كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة. الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم أَزْواجاً ليكون الأنس به أتم. ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه. والطبيعيون قد يذكرون له وجها قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكرا تاما في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مزاجا وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاما في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكرا في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس. قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة. ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً أصل الحفد الإسراع في الخدمة. والفاعل حافد والجمع حفدة. فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات. وقيل: أولاد الأولاد. وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل. وقيل: الخدم والأعوان. وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين

стр. 2208

الأمرين البنوّة والخدمة. وقيل: الأولى دخول الكل فيه. ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها، وأورد «من» التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة. ثم ختم الآية بقوله: أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة. وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم. وإنما قال هاهنا: وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ وفي آخر «العنكبوت» وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [الآية: ٦٧] . لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب، وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب. ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلا وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً. قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئا أي لا يملك أن يرزق شيئا، وإن أردت المرزوق كان شيئا بدلا منه بمعنى قليلا أو يكون تأكيدا للا يملك أي لا يملك شيئا من الملك. ومِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صلة للرزق إن كان مصدرا بمعنى لا يرزق من السموات مطرا ولا من الأرض نباتا وصفة إن كان اسما لما يرزق. أما الضمير في وَلا يَسْتَطِيعُونَ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة. والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن تعالى أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك. وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالا بحال وقصة بقصة. وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلا لأنه واحد لا مثل له. وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص. وعلل النهي بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما عليكم من العقاب وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما في عبادتها من العذاب. وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك. وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون. ثم علمهم كيف تضرب فقال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ثم أبدل من المثل قوله: عَبْداً مَمْلُوكاً لا حرا فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبدا كونه مملوكا. وقوله: لا يَقْدِرُ عَلى

стр. 2209

شَيْءٍ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف. احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئا وإن ملكه السيد لأن قوله: لا يَقْدِرُ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف. وأيضا قوله: وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف. فلو ملك العبد شيئا ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز. والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال. وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضا. قال جار الله: الظاهر أن «من» في قوله: وَمَنْ رَزَقْناهُ موصوفة كأنه قيل: وحرا رزقناه ليطابق عبدا. ولا يمتنع أن تكون موصولة. وجمع قوله: هَلْ يَسْتَوُونَ لأنه أراد الأحرار والعبيد. وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء، وفرضنا حرا كريما غنيا كثير الإنفاق سرا وجهرا، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر البتة؟! وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله. وقيل: العبد هو الصنم لقوله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: ٩٣] . والثاني عابد الصنم. والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف، لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساو لرب العالمين؟!. الْحَمْدُ لِلَّهِ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد. وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن كل الحمد لي. وقيل: أراد قل الحمد لله. والخطاب إما للرسول ﷺ وإما لمن رزقه الله رزقا حسنا وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف. وقيل: لما ذكر مثلا مطابقا للغرض كاشفا عن المقصود قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ قوّتها وظهورها. ثم ضرب مثلا ثانيا لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار. أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكما وبكامة. وقيل: هو الأقطع اللسان

стр. 2210

الذي لا يحسن الكلام. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر. وقوله: وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة. يقال: كلّ السكين إذا غلظت شفرته، وكلّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكلّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كلّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره. وقوله: أَيْنَما يُوَجِّهْهُ حيثما يرسله لا يَأْتِ بِخَيْرٍ لم ينجح في مطلبه. والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق هَلْ يَسْتَوِي هُوَ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة. وَمَنْ يَأْمُرُ الناس بِالْعَدْلِ وَهُوَ في نفسه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط. ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالما حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور، قادرا حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر. قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه. أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق البتة ولا يقدر على شيء وهو كلّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله سبحانه. وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سرا وجهرا، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه. وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه. والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة. ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله سبحانه فلذلك مدح نفسه بقوله: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يختص به علم ما غاب عن العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله. ثم أكده بقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً قال جار الله: هو في موضع الحال أي

стр. 2211

غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة. وقوله: وَجَعَلَ لَكُمُ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم. وَالْأَفْئِدَةَ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضا لعدم ورود غيرها. واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافيا في جزم الذهن بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعا للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية. وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله تعالى أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية. وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارها عليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئا فشيئا وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية. فالمراد بقوله: لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً أنه لا يظهر أثر العلم عليكم. ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق. ومعنى لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله. وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف جَعَلَ على أَخْرَجَكُمْ أن يكون جعل السمع والبصر متأخرا عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ [البقرة: ٧] أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟ ثم ذكر دليلا آخر على كمال قدرته فقال: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء. وفي جَوِّ السَّماءِ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران. ومن جملة أحوال الإنسان قوله: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع تَسْتَخِفُّونَها أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل يَوْمَ ظَعْنِكُمْ أي في وقت ارتحالكم. والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل

стр. 2212

البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر. وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها وَمِنْ أَصْوافِها وهي للضأن وَأَوْبارِها وهي للإبل وَأَشْعارِها وهي للمعز أَثاثاً وهو متاع البيت. قال الفراء: لا واحد له. وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة. قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطا وثيابا وكسوة. وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر. قيل: إنه تعالى عطف قوله: وَمَتاعاً على أَثاثاً فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟ وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء. والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به. قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثا وكونه مما يتمتع به إِلى حِينٍ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة. ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فلذلك قال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً هي جمع «كن» وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوتة في الجبال وكالغيران والكهوف وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها. وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالبا بشهادة الوجدان. قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كالدروع والجواشن كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه. وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب. وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع فَإِنْ تَوَلَّوْا فقد تمهد عذرك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ وليس إليك الهداية. ثم ذمهم بأنهم يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ثُمَّ يُنْكِرُونَها بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة

стр. 2213

آلهتنا. ومعنى «ثم» تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان. وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله. وقيل: نعمة الله نبوّة محمد ﷺ كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عنادا. وإنما قال: وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون. قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله تعالى أعلم. التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة. فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان. أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني ازدواج الأرواح والأشباح وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وهم القلوب وَحَفَدَةً وهن النفوس أَفَبِالْباطِلِ وهو الزخارف والوساوس يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ التي أنعم بها على أرباب القلوب يَكْفُرُونَ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً من سموات القلوب وأرض النفوس شيئا من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطيعون استخراجها بعبادة غير الله فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً للهوى وللدنيا وَمَنْ رَزَقْناهُ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره. أَحَدُهُما أَبْكَمُ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة. لا يَأْتِ بِخَيْرٍ لأنها أمارة بالسوء وَلِلَّهِ غَيْبُ سموات الأرواح وأرض النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلا منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: أَوْ هُوَ

стр. 2214

أَقْرَبُ وحينئذ يكون فانيا عن وجوده باقيا ببقائه وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] وجواب بَلى [الأعراف: ١٧٢] وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة، ولأسراركم سمعا يسمع به من الله وبصرا يبصر به الله وفؤادا يعرف به الله سبحانه أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعا تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصرا تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤادا تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لسانا تجيبونه بقولكم «بلى» لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلا معه أَلَمْ يَرَوْا إِلَى طير الأرواح مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ سماء القلوب ما يُمْسِكُهُنَّ في سفل الأجساد إِلَّا اللَّهُ بحكمته فلذلك قال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ أيها الأرواح مِنْ بُيُوتِكُمْ وهي الأجساد سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات بُيُوتاً تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والقفة للاستراحة والتربية وَمِنْ أَصْوافِها هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى أَثاثاً آلات للسير وَمَتاعاً ينتفع بها إِلى حِينٍ الوصول والوصال. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره. وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات ويربيكم بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ بتعريفك وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ بك وبنعمة الله إظهارا للقهر والله أعلم. [سورة النحل (١٦) : الآيات ٨٤ الى ١٠٠] وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)

стр. 2215

القراآت: وَلَنَجْزِيَنَّ بالنون: ابن كثير وعاصم ويزيد وعباس والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون بالياء. قَرَأْتَ الْقُرْآنَ مثل أَنْشَأْنا. الوقوف: يُسْتَعْتَبُونَ هـ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ هـ مِنْ دُونِكَ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء لَكاذِبُونَ هـ ج للعطف مع أنه رأس آية يَفْتَرُونَ هـ يُفْسِدُونَ هـ عَلى هؤُلاءِ ط لواو الاستئناف لِلْمُسْلِمِينَ هـ وَالْبَغْيِ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف تَذَكَّرُونَ هـ ط كَفِيلًا هـ ط تَفْعَلُونَ هـ أَنْكاثاً ط بناء على أن التقدير أتتخذون مِنْ أُمَّةٍ ط بِهِ ط تَخْتَلِفُونَ هـ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ط تَعْمَلُونَ هـ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى عَظِيمٌ هـ قَلِيلًا ط تَعْلَمُونَ هـ باقٍ ط يَعْمَلُونَ هـ طَيِّبَةً ج للعدول عن الوحدان إلى الجمع مع أنهما ضميرا من يَعْمَلُونَ هـ الرَّجِيمِ هـ يَتَوَكَّلُونَ هـ مُشْرِكُونَ هـ.

стр. 2216

التفسير: لما بين من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وأن أكثرهم كافرون أتبعه أصناف وعيد يوم القيامة والتقدير وَاذكر يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً أو يوم وقعوا فيما وقعوا فيه. وشهيد كل أمة نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي في الاعتذار إذ لا حجة لهم ولا عذر، أو في كثرة الكلام، أو في الرجوع إلى دار الدنيا، أو إلى التكليف ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمة الله تعالى، أو المراد أن يسكت أهل الجمع كلهم حتى يشهد الشهود. وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ لأن العتاب إنما بطلب لأجل العود إلى الرضا، فإذا كان على عزم السخط فلا فائدة في العتاب فلهذا قيل: إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب وقال في الكشاف: أي لا يقال لهم أرضوا ربكم لأن الآخرة ليست بدار عمل. ومعنى «ثم» أن المنع من الكلام أصعب من شهادة الأنبياء عليهم. وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم المشركون الْعَذابَ بعينهم وثقل عليهم فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ليتوبوا فإن التوبة هناك غير موجودة أو غير مقبولة وفيه أنت عذابهم خالص عن النفع دائم كما يقوله المتكلمون. وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ وهي الأصنام أو الشياطين الذين دعوا الكفار إلى الكفر وكانوا قرناءهم في الغي. قاله الحسن. قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا أي نعبدهم من دونك. قال أبو مسلم الأصبهاني: مقصود المشركين إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ظنا منهم أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو ينقص منه، وزيفه القاضي بأن الكفار يعلمون في الآخرة علما ضروريا أن العذاب ينزل بهم ولا نصرة ولا شفاعة فما الفائدة في هذا القول؟ والإنصاف أن الغريق يتعلق بكل شيء والمبهوت قد يقول ما لا فائدة فيه، على أن العلم الضروري الذي ادعاه القاضي ممنوع. وقيل: إن المشركين يقولون هذا الكلام تعجبا من حضور تلك الأصنام مع أنه لا ذنب لها واعترافا بأنهم كانوا خاطئين في عبادتها. فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ أي قال الأصنام أو الشياطين للكفار إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ فإن قيل: إن المشركين أشاروا إلى الأصنام أن هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوهم من دونك وقد كانوا صادقين في ذلك فكيف كذبتهم الأصنام؟ فالجواب أن المراد من قولهم: هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا هؤلاء شركاء الله في المعبودية فكذبتهم الأصنام في إثبات هذه الشركة وفي قولهم إنها تستحق العبادة. قال جار الله: إن أراد بالشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في قوله: إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ كما يقول الشيطان إني كفرت بما أشركتموني من قبل [إبراهيم: ٢٢] . وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ عن

стр. 2217

الكلبي: استسلم العابد والمعبود وأقروا لله بالربوبية وبالبراءة من الشركاء والأنداد. وقال آخرون: الضمير للذين ظلموا. وإلقاء السلم والاستسلام لأمر الله بعد الإباء في الدنيا وَضَلَّ أي غاب عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من أن لله شريكا أو أن آلهتهم تشفع لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قيل: معناه الصد عن المسجد الحرام والأصح العموم زِدْناهُمْ عَذاباً لأجل الإضلال. فَوْقَ الْعَذابِ الذي استحقوه للضلال. وأيضا عذاب الاستنان «من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها» . ومن المفسرين من فصل تلك الزيادة فعن ابن عباس: هي خمسة أنهار من نار تسيل من تحت العرش يعذبون بها، ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار. وقيل: حيات أمثال البخت وعقارب أشباه البغال أنيابها كالنخل الطوال تلسع إحداهن اللسعة فيجد صاحبها حمتها أربعين خريفا. وقيل: يخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار. ثم علل زيادة عذابهم بكونهم مفسدين أمور الناس بالصد والإضلال فيعلم منه أن من دعا إلى الدين القويم باليد واللسان فإنه يزيده الله تعالى أجرا على أجر. ثم أعاد حكاية بعث الشهداء لما نيط بها من زيادة فائدتين: إحداهما كون الشهداء من أنفسهم لأن كل نبي فهو من جنس أمته، والأخرى أن الشهيد يكون وقتئذ في الأمة لا مفارقا إياهم. وفسر الأصم الشهيد في هذه الآية بأنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى تشهد عليه وهن: الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان. ولهذا ذكر لفظة «في» ووصف الشهيد بكونه من أنفسهم. ثم شرف نبينا ﷺ بقوله: وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ أي على أمتك. ولا ريب أن في تخصيصه بعد التعميم دلالة على فضله نظيره قوله في سورة النساء: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] . قال الإمام فخر الدين الرازي: الأمة عبارة عن القرن والجماعة فيلعم من الآية أنه لا بد في كل عصر من أقوام تقوم الحجة بقولهم ويكونون شهداء على غيرهم وهم أهل الحل والعقد فيكون إجماعهم حجة. ولقائل أن يقول: الأمة في الآية هي الجماعة الذين بعث النبي إليهم وإلى من سيوجد منهم إلى آخر زمان دينه، فيكون نبي تلك الأمة وحده شهيدا عليهم. ولا دلالة للآية إلا على هذا القدر فمن أين حصل لك أن إجماع أهل الحل والعقد في كل عصر حجة؟ ثم بين أنه أزاح علتهم فيما كلفوا فيه فلا حجة لهم ولا معذرة فقال: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ أي بيانا له والتاء للمبالغة ونظيره من المصادر «التلقاء» ولم يأت غيرهما وقد مر في «الأعراف» . قال الفقهاء: إنما كان القرآن بيان جميع

стр. 2218

الأحكام لأن الأحكام المستنبطة من السنة والإجماع والقياس والاجتهاد كلها تستند إلى الكتاب حيث أمر فيه باتباع رسول الله ﷺ وطاعته، وورد فيه: وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥] وجاء فَاعْتَبِرُوا [الحشر: ٢] . وقال آخرون: إن علم أصول الدين كلها في القرآن. وأما علم الفروع فالأصل براءة الذمة إلا ما ورد به نص القرآن فإذن القرآن واف ببيان جميع الأحكام، والقياس ضائع ولعل التبيان إنما هو للعلماء خاصة، والهدى لجميع الخلق في أوّل أحوالهم، والرحمة في وسطها وهو مدة العمر بعد الإسلام، والبشرى في أوان الأجل كما قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ [فصلت: ٣٠] إلى قوله: وَأَبْشِرُوا [فصلت: ٣٠] والله أعلم بمراده. ولما ذكر أن في القرآن تبيان كل شيء ذكر عقيبه آية جامعة لأصول التكاليف كلها تصديقا لذلك فقال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الآية، عن ابن عباس أن عثمان بن مظعون الجمحي قال: ما أسلمت أوّلا إلا حياء من رسول الله ﷺ ولم يتقرر الإسلام في قلبي. فحضرته ذات يوم فبينا هو يحدثني إذ رأيت بصره شخص إلى السماء ثم خفضه عن يمينه ثم عاد لمثل ذلك فسألته فقال: بينا أنا أحدثك إذا جبرائيل ﵇ نزل عن يميني فقال: يا محمد إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ الآية. قال عثمان: فمن وقته استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا ﷺ . وعن ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن. وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان في الجاهلية يعمل ويستحسن إلا أمر الله تعالى به في هذه الآية، وليس من خلق سيء إلا وقد نهى الله تعالى عنه فيها. قال المفسرون: العدل هو أداء الفرائض. وعن ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله وَالْإِحْسانِ هو الإتيان بالمندوبات والمستحسنات شرعا وعرفا وأقربها صلة الرحم بالمال فلذلك أفردها بالذكر بقوله: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى والفحشاء هي الأمور المتزايدة في القبح فلذلك أفردها بالذكر وهي الكبائر. وقد يخص بالزنا أو بالبخل والمنكر ما تنكره العقول ولا يعرف في شريعة ولا سنة والبغي هو الاستطالة. قال جار الله: حين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين علي ﵁ وعلى نبينا الصلاة والسلام أقيمت هذه الآية مقامها. واعلم أن العدل عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وأنه واجب الرعاية في جميع الأشياء ولنذكر له أمثلة: أما في الاعتقادات فالقول بنفي الإله تعطيل محض، وإثبات أكثر من إله واحد تشريك وتعجيز، والعدل هو قول: «لا إله إلا الله» . كما نقل عن ابن عباس، هذا ما اتفق عليه أرباب المذاهب. ثم إن الأشعري يقول: القول بنفي الصفات عنه سبحانه

стр. 2219

تعطيل، والقول بإثبات المكان والأعضاء تشبيه، والعدل إثبات صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام ونفي غيرها. وبوجه آخر: نفي الصفات تعطيل، وإثبات الصفات الحادثة تشبيه، والعدل إثبات صفات أزلية قديمة غير متغيرة. وأيضا القول بأن العبد لا قدرة له أصلا جبر محض، والقول بأنه مستقل في التصرف قدر محض وتفويض، والعدل أمر بين الأمرين وهو أن العبد يفعل الأفعال ولكن بواسطة قدرة وداعية يخلقها الله تعالى فيه. وأيضا القول بأن الله لا يؤاخذ عبده بشيء من الذنوب مساهلة عظيمة، والقول بأنه يخلد في النار عبده العارف به بالمعصية الواحدة تشديد عظيم، والعدل أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان. والمعتزلي يقول: العدل في هذه الأصول بنوع آخر وقد مر مرارا. وأما رعاية العدل فيما يتعلق بأفعال الجوارح فإن قوما من نفاة التكليف يقولون: لا يجب على العبد الاشتغال بشيء من الطاعات ولا الاحتراز عن شيء من المعاصي. وقال: قوم من الهند وطائفة من المانوية: يجب على الإنسان أن يجتنب عن أكل الطيبات ويبالغ في تعذيب نفسه، وأن يحترز عن كل ما يميل الطبع إليه حتى التزوّج، والأولى بالمرء أن يختصي فهذان الطريقان مذمومان والوسط هو ما جاء به محمد ﷺ لأن التشديد غالب في دين موسى فليس في شرعه على القاتل إلا القصاص ويحرم مخالطة الحائض، والتساهل في دين عيسى غالب فلا قصاص على القاتل ولا يحرم وطء الحائض، والعدل ما حكم به شرعنا من جواز العفو وأخذ الدية وحرمة وطاء الحائض دون مخالطتها، ولذلك قال: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [البقرة: ١٤٣] ، وقال: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [الفرقان: ٦٧] ولما بالغ رسول الله ﷺ في العبادات قيل له: طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ١] ولما أخذ قوم في المساهلة نزل: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [المؤمنون: ١١٥] . والمراد رعاية الوسط في كل الأمور وقد ورد في شرعنا الختان فقال بعض العقلاء: الحكمة فيه أن رأس ذلك العضو جسم شديد الحس فإذا قطعت تلك الجلدة بقي رأسه عاريا فيصلب بكثرة ملاقاة الثياب وغيرها فيضعف حسه ويقل شعوره فتقل لذة الوقاع فتقل الرغبة فيه. فالاختصاء وقطع الآلات كما ذهب إليه المانوية مذموم، وإبقاء تلك الجلدة مبالغة في تقوية تلك اللذة مذموم، والوسط العدل هو الختان. هذا ما قيل. وعندي أن الحكمة في الختان بعد العبد هو التنظيف وسهولة غسل الحشفة وإلا فلعل اللذة بعد الختان أكثر لملاقاة الحاس والمحسوس بلا حائل. ومن الكلمات المشهورة قولهم: «بالعدل قامت السموات والأرضون» ومعناه أن مقادير العناصر لو لم

стр. 2220

تكن معادلة مكافية بحسب الكمية والكيفية لاستولى الغالب على المغلوب وتنقلب الطبائع كلها إلى طبيعة الجرم الغالب، ولو كان بعد الشمس من الأرض أقل مما هو الآن لاحتراق كل ما في هذا العالم، وإن كان أكثر استولى البرد والجمود، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وإبطائها فإن كلا منها مقدر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه. فهذه إشارة مختصرة إلى تحقيق العدل. وأما الإحسان فهو المبالغة في أداء الطاعات بحسب الكمية وبحسب الكيفية ومن هنا قال: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه» فكأن المبالغ المخلص في أداء الطاعات يوصل الفعل الحسن إلى نفسه وبالحقيقة يدخل في الإحسان أنواع التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، وأشرف أنواع الإشفاق صلة الرحم بالمال فلا جرم أفرد بالذكر كما مر. ثم إنه تعالى أودع في النفس البشرية قوى أربعا: الشهوية البهيمية والغضبية السبعية والوهمية الشيطانية والعقلية الملكية. وهذه الأخيرة لا تحتاج إلى التهذيب لأنها من نتائج الأرواح القدسية، وأما الثلاث الأول فتحتاج إلى التأديب والتهذيب بمقتضى الشريعة وقانون العقل والطريقة أو النهي عن الفحشاء عبارة عن المنع من تحصيل اللذات الشهوية الخارجة عن إذن الشريعة، والنهي عن المنكر عبارة عن الإفراط الحاصل في آثار القوة الغضبية من إيذاء الناس وإيصال الشر إليهم من غير ما استحقاق، والنهي عن البغي إشارة إلى المنع من إفراط القوة الوهمية كالاستعلاء على الناس والترفع وحب الرياسة والتقدم ممن ليس أهلا لذلك، وأخس هذه المراتب عند العقلاء القوة الشهوانية، وأوسطها الغضبية، وأعلاها الوهمية فلهذا بدأ سبحانه بالفحشاء ثم بالمنكر ثم بالبغي، ولأن أصول الأخلاق والتكاليف كلها مذكورة في الآية لا جرم ختمها بقوله: يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ لأنها كافية في باب العظة والتذكر والارتقاء من حضيض عالم البشرية إلى ذروة عالم الأرواح المقدسة. قال الكعبي: في الآية دلالة على أنه تعالى لا يخلق الجور والفحشاء وإلا فكيف ينهاهم عما يخلقها فيهم؟ وعورض بالعلم والداعي كما مر مرارا. واعلم أنه لا يلزم من إرادة الله تذكر العبد- والتذكر من فعل الله بالاتفاق لا من فعل العبد- أن يطلب الله منه التذكر فإن طلب ما ليس في وسعه محال. فمعنى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ إرادة أن تكونوا على حالة التذكر لا إرادة أن تحصلوا التذكر. ثم خص من جملة المأمورات الوفاء بالعهد فقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ خصصه جار الله بالبيعة لرسول الله ﷺ لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] . وقال الأصم: المراد منه الجهاد وما فرض الله في الأموال من حق الشرائع. وقيل: هو

стр. 2221

اليمين والأصح العموم وهو كل عهد يلتزمه الإنسان باختياره بدليل قوله: إِذا عاهَدْتُمْ وقول من قال: العهد هو اليمين يلزم منه أن يكون قوله سبحانه: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها أي بعد توثيقها باسم الله تكرارا. وأكد ووكد لغتان فصيحتان. قال الزجاج: الأصل الواو والهمزة بدل. وفي الآية دلالة على الفرق بين الأيمان المؤكدة وبين لغو اليمين كقولهم «لا والله» و «بلى والله» . وأيضا الآية من العمومات التي دخلها التخصيص لما روي أنه ﷺ قال: «من حلف على يمين ورأى غيرها خيرا منها فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر» «١» . وقد مر بحث الأيمان في «البقرة» وفي «المائدة» في قوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [الآية: ٢٢٥] الآية. وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا أي شاهدا ورقيبا لأن الكفيل مراع لحال المكفول به. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ فيجازيكم بحسب ذلك خيرا وشرا. وفيه ترغيب وترهيب. ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض بقوله: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أي من بعد قوّة الغزل بإمرارها وفتلها. قال الزجاج: انتصب أَنْكاثاً على المصدر لأن معنى نقضت نكثت. وزيف بأن أَنْكاثاً ليس مصدرا وإنما هو جمع نكث بكسر النون وهو ما ينكث فتله. وقال الواحدي: هو مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعا وفرقه أجزاء أي جعله أقطاعا وأجزاء فكذا هاهنا أي جعلت غزلها أنكاثا. قلت: ويحتمل أن يكون حالا مؤكدة. قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلا وأحكمته ثم جعلته أنكاثا. فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة، ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج. وقيل: المراد امرأة معينة من قريش ريطة بنت سعد بن تيم وكانت خرقاء، اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكة عظيمة على قدرها، وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. قال جار الله: تَتَّخِذُونَ حال ودَخَلًا مفعول ثان لتتخذ أي لا تنقضوا أيمانكم متخذيها دخلا بينكم أي مفسدة ودغلا. وقال الواحدي: أي غشا وخيانة. وقال الجوهري: أي مكرا وخديعة. وقال غيره: الدخل ما أدخل في الشيء على فساد. وقوله: أَنْ تَكُونَ أي لأن تكون أُمَّةٌ يعني جماعة قريش هي أربى أزيد وأوفر عددا ومالا مِنْ أُمَّةٍ هي جماعة المؤمنين. قال مجاهد: كانوا

стр. 2222

يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأولين ويحالفون الذين هم أعز وأمنع. إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ أي بما يأمركم وينهاكم. وقد تقدم ذكر الأمر والنهي. وقال جار الله: الضمير لقوله: أَنْ تَكُونَ لأنه في معنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء مع قلة المؤمنين وفقرهم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم. ثم حذرهم من مخالفة ملة الإسلام وأنذرهم بقوله: وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بإظهار الدرجات والكرامات للأولياء وتعيين الدركات والبليات للأشقياء. ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ حيث تدعون أنكم على الحق والمؤمنون على الباطل فتنقضون عهودهم. ثم بين أنه سبحانه قادر على أن يجمع المؤمنين والكافرين على الوفاء وسائر أبواب الإيمان ولكنه بحكم الإلهية يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ والمعتزلة حملوا المشيئة على مشيئة الإلجاء بدليل قوله: وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ولو كانت أعمال العباد بخلق الله تعالى لكان سؤالهم عبثا. أجابت الأشاعرة بأنه لا يسأل عما يفعل. روى الواحدي أن عزيرا قال: يا رب خلقت الخلق فتضل من تشاء وتهدي من تشاء. فقال: يا عزير أعرض عن هذا فأعاده ثانيا فقال: أعرض عن هذا وإلا محوت اسمك من النبوّة. قال المفسرون: لما نهاهم عن نقض مطلق الأيمان أراد أن ينهاهم عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها وهو نقض بيعة رسول الله ﷺ ، والدليل على هذا التخصيص قوله: فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها لأن هذا الوعيد لا يليق بنقض عهد قبيله وإنما يليق بنقض عهد النبي ﷺ . قال جار الله: وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة. وهذا مثل يضرب لمن وقع في بلاء بعد عافية، ولا ريب أن من نقض عهد الإسلام وزلت قدمه عن محجة الدين القويم فقد سقط من الدرجات العالية إلى الدركات الهاوية بيانه قوله: وَتَذُوقُوا السُّوءَ في الدنيا بِما صَدَدْتُمْ بصدودكم أو بصدكم غيركم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لأن المرتد قد يقتدي به غيره. وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة. ويحتمل أن يراد أن ذلك السوء الذي تذوقونه هو عذاب عظيم. قال جار الله: كان قوم أسلموا بمكة ثم زين لهم الشيطان نقض البيعة لكونهم مستضعفين هناك فأوعدهم الله على ذلك، ثم نهاهم عن الميل إلى ما كان يعدهم قريش من عرض الدنيا إن رجعوا عن الإسلام فقال: وَلا تَشْتَرُوا الآية. ثم ذكر دليلا قاطعا على أن ما عند الله خير فقال: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ من خزائن رحمته باقٍ وفيه دليل على أن نعيم الجنة باق لأهلها لا ينقطع. وقال جهم بن صفوان: إنه منقطع والآية حجة عليه وَلَنَجْزِيَنَّ

стр. 2223

الَّذِينَ صَبَرُوا على ما التزموه من شرائع الإسلام أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بالواجبات والمندوبات لا بالمباحات فإنه لا ثواب على فعلها ولا عقاب، أو نجزيهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم كقوله: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠] . ثم عمم الوعد على أي عمل صالح كان فقال: مَنْ عَمِلَ صالِحاً ولا كلام في عمومه إلا أنه زاد قوله: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى تأكيدا وإزالة لوهم التخصيص، والمبالغة في تقرير الوعد من أعظم دلائل الكرم. ثم جعل الإيمان شرطا في كون العمل الصالح منتجا للثواب حيث قال: وَهُوَ مُؤْمِنٌ فاستدل به على أن الإيمان مغاير للعمل الصالح فإن شرط الشيء مغاير لذلك الشيء. واختلف في الحياة الطيبة فقيل: هي في الجنة. عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة، لأن الإنسان في الدنيا لا يخلو من مشقة وأذية ومكروه لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [الانشقاق: ٦] . بيّن أن هذا الكدح- وهو التعب في العمل- باق إلى أن يصل إلى ربه، وأما بعد ذلك فحياة بلا موت وغنى بلا فقر وصحة بلا مرض وملك بلا زوال وسعادة بلا انتقال. وقال السدي: إن هذه الحياة في القبر. والأكثرون على أنها في الدنيا لقوله بعد ذلك وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وعلى هذا فما سبب طيب الحياة قيل: هو الرزق الحلال. وقيل: عبادة الله مع أكل الحلال. وقيل: القناعة أو رزق يوم كان النبي ﷺ يدعو: «اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا» «١» . قال المحققون: وهذا هو المختار لأن المؤمن الذي صلح عمله إن كان موسرا فذاك، وإن كان معسرا فمعه من القنوع والعفة والرضا بالقضاء ما يطيب عيشه. وأما الكافر والفاجر فإن الحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه أبدا ويعظم أسفه على ما يفوته لأنه عانق الدنيا معانقة العاشق لمعشوقه، بخلاف المؤمن المنشرح قلبه بنور المعرفة والجمال فإنه قلما ينزع لحب الدنيا مالها وجاهها ويستوي عنده وجودها وفقدها وخيرها وشرها ونفعها وضرها. وبركة الصلاح والقنوع مما لا ينكرها عاقل اللهم اجعلنا من أهلها. ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن العمل الصالح إنما يفيد الأثر المخصوص بشرط الإيمان وظاهر قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: ٧] يدل على أن العمل الخير مطلقا يفيد أثرا مطلقا فلا منافاة بينهما. ثم ذكر الاستعاذة التي هي من جملة الأعمال الصالحة وبها تخلص الأعمال عن الوساوس فقال: وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ أي أردت قراءته إطلاقا لاسم المسبب على السبب. وقد مر بحث الاستعاذة مستوفى في أول هذا الكتاب. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ

стр. 2224

سُلْطانٌ تسلط وولاية عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وهذا معنى الاستعاذة. فإن معناها بالحقيقة راجع إلى التبري عما سوى الله والتوجه بالكلية إليه والاعتماد في جميع الأمور عليه. إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ عن ابن عباس: أي يطيعونه. يقال: توليته أي أطعته. وتوليت عنه أي أعرضت عنه. أما الضمير الواحد في قوله: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ فقيل: راجع إلى الرب. وقيل: إلى الشيطان أي بسببه. التأويل: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فيه إشارة إلى أن لأرواح الأنبياء إشرافا على أممهم في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وفيه أن الدنيا مزرعة الآخرة فلا يقبل في القيامة اعتذار وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي وضعوا الكفر وأعمال الطبيعة موضع الإيمان وأعمال الشريعة فَلا يُخَفَّفُ عن أرواحهم أثقال الأخلاق الذميمة وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ لتبديل مذمومها بمحمودها وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا وهم عبدة الدنيا والهوى إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ في أنا دعوناكم إلى عبادتنا فإنا كنا مشغولين بتسبيح الله سبحانه وطاعته وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ منعوا الأرواح والقلوب عن طلب الله زِدْناهُمْ عذاب الحرمان عن الكمال فوق خسران النسيان بإفساد الاستعداد الفطري. وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً لأن روحه شاهد على جميع الأرواح والقلوب والنفوس لقوله: «أول ما خلق الله روحي» تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه السالك في أثناء سلوكه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وهو وضع الآلات وأسباب تحصيل الكمال في مواضعها بحيث يؤدي إلى مقام الوصال والكمال وَالْإِحْسانِ وهو أن تحسن إلى الخلق بما أعطاك الله كقوله: وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧] . وفي قوله: وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى إشارة إلى أن من جملة العدالة رعاية حال الأقرب فالأقرب. فيبدأ بتكميل نفسه ثم بما هو أقرب إليه قربا معنويا لا صوريا وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وهو صرف ما آتاه الله في غير مصرفها وَالْمُنْكَرِ وهو ضد المعروف وهو أن لا يحسن إلى غيره وَالْبَغْيِ وهو أن لا يراعي الترتيب المذكور في باب الإرشاد والتكميل. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ يوم الميثاق. وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا بجزاء وفائكم وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها فيه إشارة إلى حال المريد المرتد أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أهل الدنيا في الدنيا أعلى حالا من أمتهم أهل الآخرة. وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ عهودكم مع المشايخ شبكة تصطادون بها الدنيا وقبول الخلق فتزل أقدامكم عن صراط الطلب مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى هما القلب والنفس. والعمل الصالح من النفس استعمال الشريعة والطريقة، ومن القلب التوجه إلى الله بالكلية، والحياة الطيبة للنفس أن تصير مطمئنة مستعدة لقبول فيض ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] وللقلب أن يصير فانيا عن أنانيته باقيا بشهود الحق وجماله، وحينئذ يطيب عن دنس

стр. 2225

الاثنينية ولوث الحدوث. فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله ظاهرا وبالحقيقة هو لأمته، لأن شيطانه أسلم على يده فلم يحتج إلى الاستعاذة من شيطانه بل هو وخواص أمته كقوله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [النحل: ٩٩] وفيه أن الشيطان ليس له تسلط على أولياء الله إلا بالوسوسة، وفيها صلاح المؤمن فإن إبريز إخلاص قلبه لا يتخلص عن غش صفات نفسه إلا بنار الوسوسة، لأن المؤمن يطلع على بقايا صفات نفسه، بما تكون الوسوسة من جنسه فيزيد في الرياضة وملازمة الذكر حتى تنمحي تلك البقايا والله تعالى أعلم بالصواب. [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٠١ الى ١٢٨] وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)

стр. 2226

القراآت: بِما يُنَزِّلُ من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو يُلْحِدُونَ بفتح الياء والحاء: حمزة وعلي وخلف. فُتِنُوا مبنيا للفاعل: ابن عامر. وَالْخَوْفِ بالنصب: عباس إبراهام هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان. فِي ضَيْقٍ بالكسر: ابن كثير وكذلك في «النمل» . الآخرون بالفتح. الوقوف: مَكانَ آيَةٍ لا لأن جواب «إذا» هو «قالوا» وقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ جملة معترضة مُفْتَرٍ ط لا يَعْلَمُونَ هـ لِلْمُسْلِمِينَ هـ بَشَرٌ ط مُبِينٌ هـ بِآياتِ اللَّهِ لا لأن ما بعده خبر «إن» أَلِيمٌ هـ بِآياتِ اللَّهِ ج لاختلاف الجملتين مع العطف الْكاذِبُونَ هـ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى. عَظِيمٌ هـ عَلَى الْآخِرَةِ لا للعطف الْكافِرِينَ هـ وَأَبْصارِهِمْ ط لاختلاف الجملتين الْغافِلُونَ هـ الْخاسِرُونَ هـ وَصَبَرُوا لا لأن «إن» الثانية تكرار الأولى لطول الكلام بصلته وخبر هما واحد رَحِيمٌ هـ لا يُظْلَمُونَ هـ يَصْنَعُونَ هـ ظالِمُونَ هـ طَيِّباً ص لعطف المتفقتين تَعْبُدُونَ هـ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ج رَحِيمٌ هـ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ط لا يُفْلِحُونَ ط، هـ قَلِيلٌ ص لعطف المتفقتين ولا سيما إذا قدر لهم متاع أَلِيمٌ هـ مِنْ قَبْلُ ج لابتداء النفي مع العطف يَظْلِمُونَ هـ وَأَصْلَحُوا لا لما مر رَحِيمٌ هـ حَنِيفاً ط مِنَ الْمُشْرِكِينَ هـ لا لأن شاكِراً وصف آخر أو بدل من حَنِيفاً لِأَنْعُمِهِ ط مُسْتَقِيمٍ هـ حَسَنَةً ط الصَّالِحِينَ ط هـ لأن «ثم» لترتيب الأخبار. حَنِيفاً ط هـ الْمُشْرِكِينَ ط هـ اخْتَلَفُوا فِيهِ ط يَخْتَلِفُونَ هـ أَحْسَنُ ط بِالْمُهْتَدِينَ هـ

стр. 2227

عُوقِبْتُمْ بِهِ ط لِلصَّابِرِينَ هـ يَمْكُرُونَ هـ مُحْسِنُونَ هـ. التفسير: هذا شروع في حكاية شبهات منكري نبوة محمد ﷺ . قال ابن عباس: كان إذا أنزلت آية فيها شدة ثم نزلت آية ألين منها قالت كفار قريش: إن محمدا يسخر من أصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه فنزل: وَإِذا بَدَّلْنا ومعنى التبديل رفع الشيء مع وضع غيره مكانه، وتبديل الآية رفعها بآية أخرى غيرها وهو نسخها بآية سواها. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ شيئا فشيئا على حسب المصالح مغلظا ثم مخففا أو بالعكس بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ فوائد النسخ والتبديل. قال أبو مسلم: أراد تبديل آية مكان آية في الكتب المتقدمة مثل آية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وسائر العلماء أطبقوا على أن المراد بهذا التبديل النسخ. ونقل عن الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لأنه تعالى أخبر بتبديل مكان الآية. وضعف بأنه لا يلزم من وجود التبديل بالآية نفي التبديل بغيرها كالسنة المتواترة إذ لا دلالة في الآية على الحصر، وقد مر مباحث النسخ مفصلة مستوفاة في سورة البقرة. قُلْ نَزَّلَهُ أي القرآن رُوحُ الْقُدُسِ هو جبرائيل والإضافة للمبالغة مثل «حاتم الجود» . والمراد الروح المقدس المطهر عن دنس المأثم مِنْ رَبِّكَ صلة نزله أي ابتداء تنزيله من عنده. وقوله: بِالْحَقِّ حال أي متلبسا بالحكمة والصواب. لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا كقوله: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً [الأنفال: ٢] فيقول كل من الناسخ والمنسوخ من عند ربنا وكل منهما في وقته خير وصلاح لأن الذي نزله حكيم لا يفعل إلا ما هو خير في أوانه وصواب بالنسبة إلى المكلف حين ما يكلف به. وَهُدىً وَبُشْرى معطوفان على محل لِيُثَبِّتَ أي تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم. ثم حكى شبهة أخرى عنهم. كانوا يقولون: إن محمدا يستفيد القصص والأخبار من إنسان آخر ويتعلمها منه. واختلف في ذلك البشر فقيل كان غلاما لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش ويعيش وكان صاحب كتب. وقيل: هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي. وقيل: عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله ﷺ إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن فقالوا يعلمانه. وقيل: هو سلمان الفارسي. ثم أجاب عن شبهتهم فقال مستأنفا لِسانُ الَّذِي واللسان اللغة والمعنى لسان الرجل الذي يُلْحِدُونَ يميلون قولهم عن الاستقامة إِلَيْهِ لسان أَعْجَمِيٌّ غير بيّن وَهذا القرآن لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ذو بيان وفصاحة وقد مر في آخر «الأعراف» أن تركيب الإلحاد يدل على الإمالة ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان

стр. 2228

كلها. قال أبو الفتح الموصلي: تركيب ع ج م يدل على الإبهام والخفاء ضد البيان والإفصاح، ومنه «عجم الزبيب» لاستتاره وخفاته، والعجماء البهيمة، وصلاة الظهر والعصر عجماوان لأن القراءة فيهما سرية، وأعجمت الكتاب أي أزلت عجمته. ثم إن العرب تسمي كل من لا يعرف لسانهم ولا يتكلم بلغتهم أعجميا وقالوا: زياد الأعجم لأنه كان في لسانه عجمة مع أنه كان عربيا. وحاصل الجواب هبوا أن محمدا يتعلم المعاني من ذلك الرجل إلا أنه لا يقدح في المقصود لأن القرآن بفصاحته اللفظية أيضا معجز. ولما ذكر جوابهم وبخهم وهددهم بقوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ يعني أن سبب عدم إيمانهم هو أن الله لا يهديهم كقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة: ٧] . وفسره الإمام فخر الدين بأن الله لا يهديهم إلى طريق الجنة بل يسوقهم إلى النار. وهذا التفسير يناسب أصول المعتزلة فلا أدري كيف مال إليه. ثم لما بين أنهم ليسوا مظاهر اللطف وكان قد بنى الأمر في جوابهم على تسليم ما ادعى الخصم من أنه يتعلم من ذلك البشر، أراد أن يبين أن الذي قالوا غير صحيح ولا صادق في نفس الأمر فقال: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ وفيه أيضا رد لقولهم إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النحل: ١٠١] . يعني إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يترقب عقابا على الافتراء وَأُولئِكَ إشارة إلى قريش أو إلى الذين لا يؤمنون أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون أي هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو هم الذين من شأنهم الكذب وذلك هجيراهم لا يحجبهم عنه مروءة ولا دين، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم: إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ [النحل: ١٠١] ومما يدل على كذبهم عقلا أنهم أعداء له وكلام العدا ضرب من الهذيان ولا شهادة لمتهم. وأيضا إن أمر التعليم والتعلم لا يتم في مجلس واحد ولكنه يحتاج إلى أزمنة متمادية، ولو كان كذلك لاشتهر وانتشر. وأيضا إن العلوم الموجودة في القرآن كثيرة، والمعلم يجب أن يكون أعلى حالا من المتعلم. فلو كان مثل هذا العالم الذي يتعلم منه مثل النبي ﷺ موجودا في ذلك العصر لم يخف حاله ومال الناس إليه دون النبي. قال بعض علماء المعاني: عطف الجملة الاسمية التي هي قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ على ما قبلها وهي فعلية، دالة على أن من أقدم على الكذب فإنه دخل في الكفر تنبيها على أن صفة الكفر فيهم ثابتة راسخة كما تقول: كذبت وأنت كاذب. زيادة في الوصف بالكذب على سبيل الاستمرار والاعتياد، ولا افتراء أعظم من إنكار الإلهية والنبوة. روي أن النبي ﷺ قيل له: هل يكذب المؤمن؟ قال: لا. وقرأ هذه الآية. ثم إنه سبحانه من كمال عنايته أراد أن يفرق

стр. 2229

بين الكفر اللساني وحده وبين اللساني المنضم إليه القلبي فقال: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اختلف العلماء في إعرابه فالأكثرون على أنه بدل إما من الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وما بينهما اعتراض والمعنى إنما يفتري الكذب من كفر. واستثنى منهم المكره فلم يدخل تحت حكم الافتراء، ثم قال: وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً أي طاب منه نفسا واعتقده فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وإما من المبتدأ الذي هو أُولئِكَ أو من الخبر الذي هو الْكاذِبُونَ. وقيل: منصوب على الذم أي أخص وأعني من كفر. وجوّز بعضهم أن تكون «من» شرطية والجواب محذوف لأن جواب من شرح دال عليه كأنه قيل: من كفر فعليه غضب إلا من أكره ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب. وإنما صح استثناء المكره من الكافر مع أنه ليس بكافر لأنه ظهر منه بعد الإيمان ما مثله يظهر من الكافر طوعا فلهذه المشاكلة صح الاستثناء. قال ابن عباس: نزلت في عمار بن ياسر، وذلك أن المشركين أخذوه وأباه ياسرا وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم. فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قبلها بحربة وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال وقتلت وقتل زوجها ياسر وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها فأخبر رسول الله ﷺ بأن عمارا كفر فقال: كلا إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه. فأتى عمار رسول الله ﷺ وهو يبكي فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه وقال ﷺ : إن عادوا لك فعد لهم بما قلت. فمن هنا حكم العلماء بأن الإكراه يجوّز التلفظ بكلمة الكفر. وحدّ الإكراه أن يعذبه بعذاب لا طاقة له به كالتخويف بالقتل والضرب الشديد وسائر الإيلامات القوية. وأجمعوا على أن قلبه عند ذلك يجب أن يكون متبرئا عن الرضا بالكفر وأن يقتصر على التعريض ما أمكن مثل أن يقول: إن محمدا كذاب يعني عند الكفار. أو يعني به محمدا آخر، أو يذكره على نية الاستفهام بمعنى الإنكار. وإذا أعجله من أكرهه عن إحضار هذه النية أو لأنه لما عظم خوفه زال عن قلبه ذكر هذه النية كان ملوما وعفو الله متوقع. ولو ضيق المكره عليه حتى صرح بالكفر من غير تورية وطلب منه أن يقول لا أريد بقلبي سوى ما أذكره بلساني فههنا يتعين إما الكذب وإما توريط النفس للعذاب. فمن الناس من قال: يباح له الكذب حينئذ. ومنهم من قال: ليس له ذلك. واختاره القاضي لأن الكذب إنما يقبح لكونه كذبا فوجب أن يقبح على كل حال. ولو خرج الكذب عن القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل الله الكذب لمصلحة ما فلا يبقى وثوق بوعده وبوعيده. وللإكراه مراتب منها: أن يجب الفعل المكره عليه كما لو

стр. 2230

أكرهه على شرب الخمر وأكل الميتة لما فيه من صون النفس مع عدم إضرار بالغير ولا إهانة لحق الله. ومنها أن يصير الفعل مباحا لا واجبا كما لو أكره على التلفظ بكلمة الكفر لما روي أن بلالا صبر على العذاب وكان يقول: أحد أحد حتى ملوه وتركوه ولم يقل رسول الله ﷺ بئسما فعلت بل عظمه، ولأن في ترك التقية والصبر على القتل أو التعذيب إعزازا للإسلام. ومنها أنه لا يجب ولا يباح بل يحرم كما إذا أكره على قتل إنسان أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية. وحينئذ لو قتل فللعلماء قولان: أحدهما لا يلزم القصاص وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه لأنه قتل دفعا عن نفسه فأشبه قتل الصائل، ولأنه كالآلة للمكره ولذلك وجب القصاص على المكره وثانيهما- وبه قال أحمد والشافعي في أصح قوليه- أن عليه القصاص لأنه قتله عدوانا لاستبقاء نفسه فصار كما لو قتل المضطر إنسانا فأكله. ومن الأفعال ما لا يمكن الإكراه عليه وهو الزنا لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة، فلو دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا بالإكراه. والأصح أن الإكراه فيه متصوّر، وأن الحد يسقط حينئذ، وعن أبي حنيفة أنه إن أكرهه السلطان لم يجب الحد، وإن أكرهه بعض الرعية وجب. قال بعض الأصوليين: في قوله: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ دلالة على أن محل الإيمان هو القلب فهو إما الاعتقاد إن كان الإيمان معرفة، وإما كلام النفس إن كان تصديقا. وانتصاب صَدْراً على التمييز وأصله. ولكن من شرح بالكفر صدره. فعدل إلى النصب للمبالغة ولبناء الكلام على الإبهام ثم التفسير. قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمُ أي ذلك الارتداد بسبب أنهم رجحوا الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ ولأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان ولم يعصمهم عن الكفر. وقال جار الله: ذلك الوعيد والغضب والعذاب بسبب استحقاقهم خذلان الله بكفرهم. وهذا البحث وكذا بحث الطبع والختم والخلاف في تفسيره بين الأشاعرة والمعتزلة قد مر في أول سورة البقرة وفي غيرها فلا حاجة إلى الإعادة. وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي الكاملون في الغفلة إذ غفلوا عن تدبر العواقب لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ وقال في أوائل سورة هود هُمُ الْأَخْسَرُونَ [الآية: ٢٢] لأن أولئك صدوا عن سبيل الله وصدوا غيرهم فضلوا وأضلوا لذلك ضوعف لهم العذاب فهم الأخسرون، وهؤلاء صدوا بأنفسهم فهم الخاسرون. ويمكن أن يقال: إن ما قبل الفواصل في تلك السورة لم يعتمد على ألف قبلها مثل «يبصرون» «يفترون» . وفي هذه السورة اعتمدت على الألف مثل «الكافرين» «الكاذبون» فجاء في كل سورة على ما يناسبها. ولما

стр. 2231

ذكر حال من أكره أتبعه حال من هاجر من بعد ما فتن. قال جار الله: معنى ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ تباعد حال هؤلاء من حال عمار وأصحابه. ومعنى إِنَّ رَبَّكَ لهم أنه لهم لا عليهم فينصرهم ولا يخذلهم. ويحتمل أن يكون الجار متعلقا بالخبر على نية التأخير. وتكرير «إن» لطول الكلام. من قرأ مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا بفتح الفاء مبنيا للفاعل فوجهه أن فتن وافتتن بمعنى واحد والمراد أن أولئك الضعفاء لما ذكروا كلمة الكفر على سبيل التقية فكأنهم فتنوا أنفسهم لأن الرخصة في إظهار كلمة الكفر ما نزلت بعد، أو أراد أن أكابر المشركين الذين آذوا فقراء المسلمين لو تابوا وهاجروا وصبروا فإن الله يقبل توبتهم، ومعنى «ثم» على هذا التفسير ظاهر. ومن قرأ بضم الفاء مبنيا للمفعول فالمراد أن المستضعفين المعذبين الذين حملهم أقوياء المشركين على الردة والرجوع عن الإيمان إن هاجروا وجاهدوا وصبروا فإن الله يغفر لهم تكلمهم بكلمة الكفر. وقال الحسن: هؤلاء الذين هاجروا من المؤمنين كانوا بمكة فعرضت لهم فتنة فارتدوا وشكوا في الرسول ثم أسلموا وهاجروا فنزلت الآية فيهم. فمعنى «ثم» تبعيد حالة الغفران والرحمة عن حالة الارتداد والشك في أمر الرسول إلا أنه سبحانه بكرمه يغفر لهم إذا تابوا. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي سرح ارتد، فلما كان يوم الفتح أمر النبي ﷺ بقتله فاستجار له عثمان فأجاره رسول الله ﷺ ، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه. وهذه الرواية إنما تصح لو جعلنا الآية مدنية، ومثله ما روي عن قتادة أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة، فلما جاءهم ذلك خرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢] فكتبوا بها إليهم فتبايعوا بينهم على أن يخرجوا فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله، فأدركهم المشركون فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فأنزلت هذه الآية. والضمير في قوله: مِنْ بَعْدِها يرجع إلى الأفعال المذكورة من الهجرة والجهاد والصبر. فالحاصل أن الآية إما نازلة فيمن عذب فلم يرتد ومع ذلك هاجر وجاهد، وإما نازلة فيمن أظهر الكفر تقية فبين تعالى أن حاله إذا هاجر وجاهد وصبر كحال من لم يكن كذلك، وإما نازلة فيمن ارتد ثم تاب وقام بما يجب القيام به فوعده الله المغفرة والرحمة. قال الزجاج يَوْمَ تَأْتِي منصوب بقوله: رَحِيمٌ أو بإضمار «اذكر» أو «ذكرهم وأنذرهم» ومعنى الآية ظاهر إلا أن في قوله: عَنْ نَفْسِها إشكالا من حيث إضافته النفس إلى ضمير النفس. وأجيب بأن المراد بالنفس الأولى جملة بدن الحي، وبالنفس الثانية الذات

стр. 2232

فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره. ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم هؤُلاءِ أَضَلُّونا [الأعراف: ٣٨] ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] ونحو ذلك. عن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي حتى إن إبراهيم الخليل ﷺ يفعل ذلك. ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضا فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً يحتمل أن تكون مقدرة وأن تكون معينة موجودة إما مكة أو غيرها. وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة والأقرب أنها غيرها لأن مثل مكة يكون غير مكة فضربها الله مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها. قال العقلاء: ثلاثة ليس لها نهاية: الأمن والصحة والكفاية. فوصف الله تعالى تلك القرية بالأمن ثم بالاطمئنان إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلبا للصحة. ثم قال: يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه. قال في الكشاف: الأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس. قلت: لعله حمله على ذلك طلب الضبط وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف. وكذا أطلق الأكثرون أن جمع «فعلة» يجيء على «أفعل» . قيل: إنما ذكر جمع القلة تنبيها بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة. وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة- وهو محمد ﷺ فكفروا بها وبالغوا في إيذائه فسلط الله عليهم البلاء. عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي ﷺ يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم. نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟ قال ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس هب أن محمدا ﷺ ما كان نبيا أما كان عربيا؟! كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل: «فكساها الله لباس الجوع» أو «فأذاقها الله طعم الجوع» فردّ عليه ابن الأعرابي. والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائما للمستعار له وهو الجوع والخوف، لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره. فكانت الاستعارة مجردة. ولو قال: «فكساها» كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب. وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسنا من جهة المبالغة إلا أن للتجريد

стр. 2233

ترجيحا من حيث إنه روعي جانب المستعار له فازداد الكلام وضوحا. وقيل: إن أصل الذوق بالفم ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول: أناظر فلانا فأذوق ما عنده: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها ... وسيق إلينا عذبها وعذابها فمعنى ذقت لباس الجوع والخوف على فلان تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال. ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع. وقيل: حمل اللباس على المماسة والتقدير فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. قال ابن عباس: يريد بفعلهم بالنبي ﷺ من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة. قال الفراء: كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله: يَصْنَعُونَ تنبيها على أن المراد في الحقيقة أهلها. ولما ذكر المثل ذكر الممثل فقال: وَلَقَدْ جاءَهُمْ يعني أهل مكة رَسُولٌ مِنْهُمْ من أنفسهم يعرفونه بأصله ونسبه فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ متلبسون بالظلم. قال ابن عباس: يعني بالعذاب الجوع الذي كان بمكة. وقيل: القتل يوم بدر. وقيل: إن قول ابن عباس أولى. والمراد أن ذلك الجوع بسبب كفركم فاتركوا الكفر. فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من الغنائم. فأكل الغنائم مسبب عن ترك الكفر فلذلك وصله بالفاء. وقال الكلبي: إن رؤساء مكة كلموا رسول الله ﷺ حين جهدوا وقالوا: عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان؟ وكانت الميرة قد قطعت عنهم بإذن رسول الله ﷺ فأذن في الحمل فحمل الطعام إليهم فذلك قوله: فَكُلُوا. ورجح قول ابن عباس بأنه تعالى قال بعد ذلك: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ فالمراد أنكم لما آمنتم وتركتم الكفر فكلوا الحلال الطيب- وهو الغنيمة- واتركوا الخبائث- وهو الميتة والدم- أو أنه سبحانه أعاد تحريم هذه الأشياء في «البقرة» وفي «المائدة» و «الأنعام» وفي هذه السورة قطعا للأعذار وإزالة للشبهة. ثم زيف طريقة الكفار في الزيادة على هذه المحرمات كالبحيرة والسائبة، وفي النقصان عنها كتحليل الميتة والدم فقال: وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ قال الكسائي والزجاج «ما» مصدرية وانتصاب الْكَذِبَ ب لا تَقُولُوا أي ولا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم. وقوله: هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ بدل من الكذب ولك أن تنصب الْكَذِبَ ب تَصِفُ وتجعل «ما» مصدرية أيضا أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب. ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجة ودليل. ويجوز أن تكون «ما» موصولة أي ولا تقولوا للذي تصف ألسنتكم الكذب فيه هذا

стр. 2234

حلال وهذا حرام، فحذف لفظ فيه لكونه معلوما. وقوله: تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ من فصيح الكلام وبليغه كأن ماهية الكذب مجهولة وكلامهم يكشف عن حقيقته نظيره قولهم: «وجهه يصف الجمال وعينه تصف السحر» . واللام في قوله: لِتَفْتَرُوا لام العاقبة لا الغرض. والمقصود من ذكره بيان أنه كذب على الله فإن قوله: لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ لم يكن فيه هذا البيان. ثم أوعد المفترين بقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ الآية. وقوله: مَتاعٌ قال الزجاج: أي متاعهم. وعن ابن عباس: أراد أن متاع كل الدنيا قليل. والمعنى أن منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية، أو أن نعيم الدنيا كلها يزول عنهم عما قريب ويبقى العقاب الدائم الأليم. ثم خص محرمات اليهود بالذكر فقال: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ يعني في سورة الأنعام عند قوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [الأنعام: ١٤٦] ثم قال: وَما ظَلَمْناهُمْ كقوله هناك: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ [الأنعام: ١٤٦] . ثم بين أن الافتراء على الله ومخالفة أمره لا يمنعهم من التوبة وحصول المغفرة والرحمة. وقوله: بِجَهالَةٍ في موضع الحال أي عملوا السوء جاهلين غير عارفين بالله وبعقابه أو غير متأملين في وخامة عاقبته لغلبة الشهوة عليهم. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها من بعد تلك السيئة أو التوبة أو الجهالة. ولما بالغ في إبطال مذاهب المشركين وفي الجواب عن شبههم ومطاعنهم وكان إبراهيم ﷺ رئيس الموحدين وقدوة أكابر النبيين ذكره الله تعالى في آخر هذه السورة قائلا: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أي هو وحده أمة من الأمم لكماله في جميع صفات الخير: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد وعن مجاهد: كان مؤمنا وحده والناس كلهم كفار فلهذا قيل: إنه أمة. وكان رسول الله ﷺ يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده. وعن شهر بن حوشب: لم يكن زمن إلا وفيه أربعة عشر يدفع بهم الله عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم فإنه وحده. وقيل: أمة بمعنى مأموم أي يؤمه الناس ليأخذوا منه أفعال الخير أو بمعنى مؤتم به كقوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [البقرة: ١٢٤] . وقيل: إنه من باب إطلاق المسبب على السبب لأنه حصل لأمته الامتياز عمن سواهم قانِتاً لِلَّهِ قائما بما يأمره الله. وعن ابن عباس: مطيعا لله حَنِيفاً مائلا إلى ملة الإسلام ميلا لا يزول عنه. وقال ابن عباس: المراد أنه أول من اختتن وأقام مناسك الحج وضحى. وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قط لا في الصغر ولا في الكبر شاكِراً لِأَنْعُمِهِ وإن كانت قليلة فضلا عن النعم الكثيرة.

стр. 2235

يروى أنه كان لا يتغدّى إلا مع ضيف فلم يجد ذات يوم ضيفا فأخلا غداءه فإذا هو بفوج من الملائكة في صورة البشر فدعاهم إلى الطعام فخيلوا له أن بهم جذاما فقال: الآن وجبت مؤاكلتكم شكرا لله على أنه عافاني وابتلاكم اجْتَباهُ اختصه واصطفاه للنبوّة وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إلى ملة الإسلام وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً عن قتادة: هي أن الله تعالى حببه إلى أهل الأديان كلها. وقيل: الأموال والأولاد. وقيل: قول المصلي منا «كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ في أعلى مقاماتهم من الجنة تحقيقا لدعائه وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١] . قال في الكشاف: معنى «ثم» في قوله: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ تبعيد هذا النعت من بين سائر النعوت التي أثنى الله بها على إبراهيم، ليعلم أن أجل ما أوتي خليل الله اتباع نبينا ملته في الأصول من التوحيد والمعاد وغيرهما كاختيار يوم الجمعة للفراغ وترك العمل. قال أهل النظم: كان لسائل أن يسأل: لم اختار اليهود السبت مع أن إبراهيم كان اختار الجمعة؟ فأجاب الله سبحانه بقوله: إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ فاختاره بعضهم للفراغ واختار بعضهم الجمعة. روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: أمرهم موسى بالجمعة وقال تفرغوا في كل سبعة أيام يوما واحدا فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق وهو يوم السبت، فجعل عليهم السبت وشدد عليهم. ثم جاءهم عيسى بالجمعة أيضا فقالت النصارى: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا فاتخذوا الأحد. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ : «إن الله كتب يوم الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيه وهدانا الله له فالناس لنا تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد» «١» . وقال صاحب الكشاف: السبت مصدر سبت اليهود إذا عظمت سبتها. والمعنى إِنَّما جُعِلَ وبال السَّبْتُ وهو المسخ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ واختلافهم فيه أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة، وكان الواجب عليهم أن يتفقوا في تحريمه على كلمة واحدة. وضعف القول الأول بأن اليهود متفقون على تعيين يوم السبت للفراغة. ويمكن أن يقال: لعل فيهم من اختار الجمعة في قديم الدهر ثم وقع الاختلاف. سؤال: النصارى يقولون: إن يوم الأحد مبتدأ الخلق، والتكوين على ما اتفق عليه أهل الملل أنه تعالى خلق العالم في ستة أيام أوّلها الأحد فجعله عيدا معقول. واليهود قالت:

стр. 2236

إن يوم السبت هو اليوم الذي قد فرغ الله فيه من الأعمال فنحن نوافق ربنا. فما وجه جعل الجمعة عيدا؟ والجواب بعد التعبد هو أن يوم الجمعة يوم التمام والكمال وذلك يوجب الفرح والسرور فجعله عيدا أولى. ثم أوعد اليهود بقوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ إلخ. ولما أمر محمدا باتباع إبراهيم ﷺ بين وجه المتابعة فقال: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ الآية. وفيه أن طريقة إبراهيم ﷺ في الدعوة كانت هكذا. وتقرير ذلك أن الداعي إلى مذهب ونحلة لا بد أن يكون قوله مبنيا على حجة وهي إما أن تكون يقينية قطعية مبرأة من شائبة احتمال النقيض، وإما أن تكون مفيدة للظن القوي والإقناع التام وإلا لم يكن ملتفتا إليها في العلوم. وقد يكون الجدال والخصام غالبا على المدعو فيحتاج حينئذ إلى إلزامه وإفحامه بدليل مركب من مقدمات مشهورة مسلمة عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند الخصم. فقوله: بِالْحِكْمَةِ إشارة إلى استعمال الحجج القطعية المفيدة لليقين، والمكالمة بهذا الطريق إنما تكون مع الطالبين البالغين في الاستعداد إلى درجة الكمال. وقوله: وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ إشارة إلى استعمال الدلائل الإقناعية الموقعة للتصديق بمقدمات مقبولة، وأهل هذه المكالمة أقوام انحطت درجتهم عن درجة الطائفة الأولى إلا أنهم باقون على الفطرة الأصلية طاهرون عن دنس الشغب وكدورات الجدال وهم عامة الخلق. وليس للدعوة إلا هذان الطريقان، ولكن الداعي قد يضطر مع الخصم الألد إلى استعمال الحجج الملزمة المفحمة كما قلنا فلهذا السبب عطف على الدعوة قوله: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي أي بالطريقة بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فكان طريق الجدال لم يكن سلوكه مقصودا بالذات وإنما اضطر الداعي إليه لأجل كون الخصم مشاغبا. وإنما استحسن هذا الطريق لكون الداعي محقا وغرضه صحيحا، فإن كان مبطلا وأراد تغليط السامع لم يكن جداله حسنا ويسمى دليله مغالطة. هكذا ينبغي أن يتصوّر تفسير هذه الآية فإن كلام المفسرين الظاهريين فيه غير مضبوط. وجوّز في الكشاف أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة حسنة وجادلهم بأحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. ولما حث على الدعوة بالطرق المذكورة بين أن الهداية والرشد ليس إلى النبي وإنما ذلك إلى الله تعالى فقال: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ الآية. أي هو العالم بضلال النفوس واهتدائها وكدورتها وبمن جعل الدعوة سببا لسعادتها أو واسطة لشقائها. ثم إن الدعوة تتضمن تكليف المدعوّين بالرجوع عن الدين المألوف، والفطام منه شديد وربما تنجر المقاولة إلى المقاتلة، فحينئذ أمر الداعي وأتباعه برعاية العدل والإنصاف في حال القتال قائلا وَإِنْ عاقَبْتُمْ أي إن رغبتم في استيفاء القصاص إن وقع قتل فاقنعوا بالمثل ولا

стр. 2237

تزيدوا عليه. والآية عامة وقد يخصصها رواة أسباب النزول بقصة حمزة قالوا: إن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيرهم، ما تركوا أحدا غير ممثول به إلا حنظلة بن الراهب. فوقف رسول الله ﷺ على حمزة وقد مثل به. وروي فرآه مبقور البطن فقال: أما والذي أحلف به إن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده. قاله ابن عباس في رواية عطاء وأبيّ بن كعب. ومن هذا ذهبوا إلى أن خواتيم سورة النحل مدنية. ولا خلاف في تحريم المثلة، وقد وردت الأخبار بالنهي عنها حتى بالكلب العقور. وقيل: نزلت حين كان المسلمون قد أمروا بالقتال مع من يقاتلهم ولا يبدأوا بالقتال فهو كقوله: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [البقرة: ١٩٠] أمر الله تعالى أن يعاقبوا بمثل ما يصيبهم من العقوبة ولا يزيدوا. وقال مجاهد والنخعي وابن سيرين: إنه نهى المظلوم عن استيفاء الزيادة من الظالم. وفي قوله: إِنْ عاقَبْتُمْ رمز إلى أن الأولى له أن لا يفعل كقول الطبيب للمريض: إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح. ثم انتقل من التعريض إلى بعض التصريح قائلا. وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ أي صبركم خير لكم. فوضع المظهر موضع المضمر ثناء من الله عليهم أو وصفا لهم بالصفة التي تحصل لهم أو جنس الصبر خير لِلصَّابِرِينَ من جنسهم. ثم صرح كل التصريح فقال: وَاصْبِرْ ثم ذكر ما يفيد سهولة الصبر على النفس فقال: وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بتوفيقه وتثبيته وربطه على قلبه وهذا سبب كلي مفيد للصبر. وأما السبب الجزئي القريب فذلك قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ وذلك أن إقدام الإنسان على الانتقام لا يكون إلا عند هيجان الغضب وإنه لا يهيج إلا عند فوات نفع. وأشار إليه بقوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ قيل: أي على قتلى أحد. وقيل: على الكافرين كقوله: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [المائدة: ٦٨] وإلا حين توقع مكروه في المستقبل وأشار إلى ذلك بقوله: وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ من قرأ بكسر الضاد فظاهر وهو من الكلام المقلوب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، لأن الضيق وصف فهو يكون في الإنسان ولا يكون الإنسان فيه. وفيه لطيفة أخرى وهي أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب، ومن قرأ بفتحها فإما على أنه مصدر أيضا أو على أنه مخفف ضيق فمعناه في أمر ضيق. وإنما لم يقل «ولا تكن» بالنون كما في آخر النمل موافقة لما قبله وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ولأن الحزن هاهنا أكثر بناء على أنها وردت في قتل حمزة فبولغ بالحذف في النهي عن الحزن. ثم ختم السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا المعاصي كلها وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ في الطاعات بأن يعبدوا الله مخلصين عن

стр. 2238

شوائب الرياء. وقيل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا استيفاء الزيادة وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ في ترك أصل الانتقام. فإن أردت أن أكون معك بالنصر والتأييد فكن من المتقين ومن المحسنين، وفيه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن يكون بالرفق واللين مرتبة مرتبة. وقيل: الذين اتقوا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والذين هم محسنون إشارة إلى الشفقة على خلق الله ومنه قال بعض المشايخ: كمال الطريق صدق مع الحق وخلق مع الخلق. واحتضر هرم بن حبان فقيل له: أوص. فقال: إنما الوصية من المال ولا مال لي أوصيكم بخواتيم سورة النحل. التأويل: وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً إنه تعالى يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة. إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقل لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر ولهذا قال إبراهيم ﷺ : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء: ٨٠] اللهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله: وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: ١١٣] ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ [مريم: ٩٧] . إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله. وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ أي هم الذين استمروا على الكذب لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله. قال النبي ﷺ : «ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» «١» . مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض

стр. 2239

النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فلما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشئوم إلى طبعه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم اسْتَحَبُّوا اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي إلى حضرته الْقَوْمَ الْكافِرِينَ بنعمته وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ عما أعدّ الله لعباده الصالحين. هُمُ الْخاسِرُونَ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا نفوسهم وهواهم مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا بمخالفة أوامر الحق ونواهيه ثُمَّ جاهَدُوا النفوس بسيوف الرياضات وَصَبَرُوا على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ يَوْمَ تَأْتِي أرباب النفوس تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها على قدر بقاء وجودها دفعا لمضارّها وجذبا لمنافعها حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمدا ﷺ فإنه فان بالكلية عن نفسه باق ببقاء ربه فيقول: أمتي أمتي لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب «سلام عليك أيها النبي» ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. يعني الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود قَرْيَةً هي قرية شخص الإنسان كانَتْ آمِنَةً أي آهلة وهو الروح الإنساني مُطْمَئِنَّةً بذكر الله يَأْتِيها رِزْقُها من المواهب مِنْ كُلِّ مَكانٍ روحاني وجسماني فَكَفَرَتْ النفس الأمارة فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات وَالْخَوْفِ وهو خوف الانقطاع عن الله وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ الوارد الرباني فما تخلقوا بأخلاقه وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ على عادة أهل الإباحة وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا أي تابوا حَرَّمْنا من موانع الوصول ما قَصَصْنا عَلَيْكَ في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزا عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعا أو أسبوعين. وَما ظَلَمْناهُمْ بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ممن له شركة مع الله في الوجود اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشيا إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [الصافات: ٩٩] وأسري بمحمد راكبا سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء: ١]

стр. 2240

فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا فيتبعك الخليل في الآخرة «الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم ﵇» . وَإِنْ عاقَبْتُمْ النفس الأمارة فَعاقِبُوا أي بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب. وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ على معاقبتهم لَهُوَ خَيْرٌ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك. وَاصْبِرْ على معاقبة النفس ومخالفة الهوى. وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له. وَلا تَحْزَنْ على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم. وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم. تم الجزء الرابع عشر، ويليه الجزء الخامس عشر أوله تفسير سورة الإسراء

стр. 2241

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس عشر من أجزاء القرآن (سورة بني إسرائيل مكية إلا قوله وإن كادوا ليفتنونك إلى قوله وقل جاء الحق حروفها ٦٤٦٠ كلمها ١٥٦٣ آياتها ١١١) [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١ الى ٢١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١)

стр. 2242

القراآت: يتخذوا بياء الغيبة: أبو عمرو وعباس مخيرا. الباقون بتاء الخطاب أَسَأْتُمْ بالمد: أبو عمرو ويزيد الأصبهاني عن ورش والأعشى وحمزة في الوقف. ليسوء بياء الغيبة على التوحيد: ابن عامر وحمزة وأبو بكر وحماد ولنسوء بالنون: علي. الباقون لِيَسُوؤُا على الجمع وَيُبَشِّرُ مخففا: حمزة وعلي. ويخرج بالياء مجهولا: يزيد ويخرج لازما: يعقوب الآخرون بالنون متعديا تلقاه مشددا: ابن عامر ويزيد، وروى النقاش عن ابن ذكوان بالإمالة. الباقون مخففة، وقرأ حمزة وعلي وخلف بالإمالة اقْرَأْ كِتابَكَ بغيرهم: الأعشى وأوقية وحمزة في الوقف: أمرنا من باب المفاعلة: يعقوب. الوقوف: آياتِنا ط الْبَصِيرُ هـ وَكِيلًا ط لمن قرأ تَتَّخِذُوا بتاء الخطاب لإمكان أن يجعل ذُرِّيَّةَ منادى نُوحٍ ط شَكُوراً هـ كَبِيراً هـ الدِّيارِ ط مَفْعُولًا هـ نَفِيراً هـ فَلَها ط لأن ما بعد عائد إلى قوله فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما مع اعتراض العوارض تَتْبِيراً هـ يَرْحَمَكُمْ هـ للابتداء بالشرط مع العطف عُدْنا هـ حذرا من توهم العطف حَصِيراً هـ كَبِيراً هـ لا للعطف أَلِيماً هـ بِالْخَيْرِ ط عَجُولًا هـ وَالْحِسابَ، ط تَفْصِيلًا هـ عُنُقِهِ ط مَنْشُوراً هـ كِتابَكَ ط حَسِيباً هـ ط للابتداء بعد بالشرط لِنَفْسِهِ ج للشرط مع العطف عَلَيْها ط أُخْرى ط رَسُولًا هـ تَدْمِيراً هـ نُوحٍ ط بَصِيراً هـ جَهَنَّمَ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف مَدْحُوراً هـ مَشْكُوراً هـ عَطاءِ رَبِّكَ ط مَحْظُوراً هـ بَعْضٍ ط تَفْضِيلًا. التفسير: لما عزم على نبيه في خواتيم النحل جوامع مكارم الأخلاق حكى طرفا مما خصه به من المعجزات فقال: سُبْحانَ الَّذِي وهو اسم علم للتسبيح وقد مر إعرابه في قوله: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [البقرة: ٣٢] والمراد تنزيه الله من كل ما لا يليق بجلاله وأَسْرى وسرى لغتان. يروى أنه لما وصل النبي ﷺ إلى المراتب العلية في معراجه أوحى الله إليه يا محمد: بم أشرّفك؟ فقال: يا رب تنسبني إلى نفسك بالعبودية. فأنزل فيه: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ وقوله: لَيْلًا نصب على الظرف وفيه تأكيد الإسراء، وفي تنكيره تقليل مدة الإسراء لأن التنكير فيه معنى البعضية،

стр. 2243

أخبر أنه أسرى به في بعض الليل مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عن النبي ﷺ : بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق. وقيل: المراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به. وعن ابن عباس: الحرم كله مسجد وإلى هذا القول ذهب الأكثرون. قالوا: إنه أسرى به من دار أم هانيء بنت أبي طالب قبل الهجرة بسنة. وعن أنس والحسن أنه كان قبل البعثة. إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى هو بيت المقدس بالإتفاق سمي بالأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام ولم يكن حينئذ وراءه مسجد. الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ يريد بركات الدين والدنيا لأنه متعبد الأنبياء من وقت موسى ﵇، ومهبط الوحي وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة. وقوله: أَسْرى مع قوله: بارَكْنا سلوك لطريقة الالتفات لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا بيان لحكمة الإسراء. سؤال: أرى إبراهيم ﵇ ملكوت السموات والأرض، وأرى محمدا ﷺ بعض آياته فيلزم أن يكون معراج إبراهيم أفضل؟ الجواب: لعل بعض الآيات المضافة إلى الله تعالى أشرف وأجل من ملكوت السموات والأرض كلها ولهذا ختم الآية بقوله: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لأقوال محمد الْبَصِيرُ بأفعاله المهذبة الخالصة فيكرمه على حسب ذلك. واعلم أن الأكثرين من علماء الإسلام اتفقوا على أنه أسري بجسد رسول الله ﷺ ، والأقلون على أنه ما أسرى إلا بروحه. حكى محمد بن جرير الطبريّ في تفسيره عن حذيفة أنه قال: كان ذلك رؤيا وأنه ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكنه عرج بروحه. وحكى هذا القول عن عائشة أيضا. وقد احتج بعض العقلاء على هذا القول بوجوه منها: أن الحركة الجسمانية البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة: ومنها أن صعوده إلى السموات يوجب انخراق الفلك. ومنها أنه لو صح ذلك لكان من أعظم معجزاته فوجب أن يكون بمحضر من الجم الغفير حتى يستدلوا بذلك على صدقه، وما الفائدة في إسرائه ليلا على حين غفلة من الناس. ومنها أن الإنسان عبارة عن الروح وحده لأنه باق من أول عمره إلى آخره، والأجزاء البدنية في التغير والانتقال والباقي مغاير للمتغير، ولأن الإنسان يدرك ذاته حين ما يكون غافلا عن جميع جوارحه وأعضائه. ومنها قوله سبحانه: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] وما تلك الرؤيا إلّا حديث المعراج. وإنما كانت فتنة للناس لأن كثيرا ممن آمن به حين سمعها

стр. 2244

ارتد وكفر به. ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته، وأنه يوجب البداء. أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول ﷺ من مكة إلى فوق الفلك الأعظم لم يكن إلّا نصف قطر الفلك، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته، وإذا كان الأكثر واقعا فالأقل بالإمكان أولى، ولو كان القول بمعراج محمد ﷺ في ليلة واحدة ممتنعا لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعا، لأن الملائكة أيضا أجسام عند جمهور المسلمين، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر الله تعالى لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، وقد قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠] . وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام. وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد، فيثبت أن المعراج أمر ممكن في نفسه. أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصا بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات. وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز. وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة. وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد. وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية. وعن السادس أنه لا اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير. واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السموات وإلى ما فوق العرش إلّا أنه ورد الحديث به. ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [الإنشقاق: ١٩] وتفسير هما مذكور في موضعه. يروى أنه ﷺ نائما في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانىء وقال: مثل لي النبيون وصليت بهم. وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانىء بثوبه فقال: مالك؟ قالت: أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال: وإن كذبوني. فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 2245

بحديث الإسراء به وأنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس ومنه عرج إلى السماء ورأى ما فيها من العجائب ولقي الأنبياء وبلغ البيت المعمور وسدرة المنتهى. فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا، وارتد ناس ممن كان آمن به، وسعى رجال إلى أبي بكر ﵁ فقال: إن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق. وكان فيهم من سافر إلى الشام فاستنعتوه المسجد فجلى له ﷺ بيت المقدس فطفق ينظر إليه وينعته لهم فقالوا: أما النعت فقد أصاب. فقالوا: أخبرنا عن عيرنا فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال: تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق، فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد شرقت، وقال آخر: وهذه والله العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد ﷺ ، ثم لم يؤمنوا وقالوا: ما هذا إلّا سحر مبين. ولما حكى طرفا من إكرام محمد ﷺ ذكر شيئا من إكرام موسى فقال: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ أي التوراة وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أخرجناهم بواسطته من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والدين أَلَّا تَتَّخِذُوا من قرأ على الغيبة ف «أن» ناصبة ولام العاقبة محذوفة أي لئلا يتخذوا، ومن قرأ على الخطاب ف «أن» مفسرة معناها أي لا تتخذوا كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا، وزائدة والقول مضمر يعني قلنا لهم لا تتخذوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ربا تكلون إليه أمركم يا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ قال قتادة: الناس كلهم ذرية نوح ﵇ لأنه كان معه في السفينة ثلاثة بنين: سام وحام ويافث، والناس كلهم من ذرية أولئك. فقوله «يا ذرية» قائم مقام قوله: يا أيها الناس وعلى القراءة الأولى انتصب ذُرِّيَّةَ على الاختصاص، وعلى القراءتين احتمل أن ينتصب على أنه مفعول آخر ليتخذوا أي لا تجعلوهم أربابا كقوله: وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً [آل عمران: ٨٠] من ذرية المحمولين مع نوح وعيسى وعزيز. ثم علل النهي عن الإشراك بقوله: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً أي أنتم ذرية من آمن به وحمل معه فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم في الشكر لله وعدم اتخاذ الشريك له. ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاص بني إسرائيل والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح فهم متصلون به، فلهذا استأهلوا الاختصاص. وجوز في الكشاف أن يكون ثناء على نوح بطريق الاستطراد. يروى من شكره أنه كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني، وإذا اكتسى قال:
следующие страницы →