← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية. الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك. ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله. ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها. وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضا أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة. الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة. فأين أحدهما من الآخر؟ ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين. السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك. وأما العمل فلقوله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] واعترض بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع. فلا تكون لذة الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ [الأحزاب: ٧٢] الآية. ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب. لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الإنسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها بالمرصاد. السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب. وإنك ترى الخامة اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟ وما يحكى من قوة الشياطين على الأمور

стр. 247

الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم. واعترض بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف. الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكا يسدده ويهديه، ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر. التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح. فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان. وكما أن اختلافات أحوال الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللا ومبادي لها، فهذه هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلا عن الزيادة. وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله تعالى. العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى. واعترض بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد. الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟ أليس أن الملائكة يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟ فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟ وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته. الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم بأفضلية الملك. وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان. فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ونزاع في ترتيب الوجود. وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب.

стр. 248

حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة الأول: أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح، والجواب أن القبح العقلي غير ثابت. الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول «ولدينا مزيد» فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال. الثالث: أنه كان أعلم لقوله أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ والأعلم أفضل. الرابع: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ [آل عمران: ٣٣] والعالم كل ما سوى الله تعالى، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة. ولا يشكل هذا بقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: ٤٧] لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد ﷺ ، وهاهنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم. الخامس: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] والملائكة من العالمين والتقرير ظاهر. السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسبابا للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر. السابع: خلق للملائكة عقولا بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع الأمرين للآدمي. ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الفرقان: ٤٤] . فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك اعتبارا لأحد الطرفين بالآخر. الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ. التاسع: روي أن جبريل ﵇ أخذ بركاب محمد ﷺ حتى أركبه على البراق

стр. 249

ليلة المعراج، ولما وصل محمد ﷺ إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت. العاشر: قوله ﷺ «إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض. أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فأبو بكر وعمر» «١» فدل على أن محمدا ﷺ كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك. ثم إنه تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذرا بيّن أنه غير ذي عذر بقوله أَبى لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد العاطف نحو قولك «أبشر بما يسرك عيني تختلج» لا تقول «فعيني» لأنها بيان، ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه وَاسْتَكْبَرَ ليعرف أن الإباء منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل الظن بقوله وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ. وللعقلاء هاهنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقا كافرا، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمنا قط. وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه مناظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟ وما الحكمة في خلقه إياي؟ الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟ والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟ والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالدا في الجنة؟ والسادس: إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا

стр. 250

يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟ والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم؟ ليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر؟ فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره الله تعالى. فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخلق في الخالق. فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ [الحجر: ٣٣] لا أسجد إلا لك. فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير مظهرها، ولهذا قال تعالى وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ٢٠٨] وشبه النبي ﷺ كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال «القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، والرافضة- يعني الغلاة- نصارها» وقال ﷺ : «لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» «١» القول الثاني أن إبليس كان مؤمنا ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا. فمن قائل معناه «وكان من الكافرين في علم الله» أي كان الله عالما في الأزل بأنه سيكفر. فصيغة «كان» متعلقة بالعلم لا بالمعلوم. ومن قائل إن «كان» بمعنى «صار» . وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمنا فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين. وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقا في ذلك التمرد بدليل قوله أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ [ص: ٧٦] وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا

стр. 251

وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر. نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق. ثم إن قوله مِنَ الْكافِرِينَ هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحدا منهم؟ قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة «من» للتبعيض. وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد. ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إنه تعالى خلق خلقا من الملائكة ثم قال لهم إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ص: ٧١] قالوا: لا تفعل ذلك. فبعث الله نارا فأحرقتهم. وكان إبليس من أولئك. وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، لأن الكفر كان ظاهرا عند نزول الآية، أو لأن الأفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع. فإن الحيوان المخلوق أوّلا يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين. واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [ص: ٧٣] . وأيضا استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم. ومن الناس من أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة. وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة. قوله تعالى وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذونا في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضرا. روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه. فإسكانه موضعا يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف. وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك. فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري. لا تصير الدار ملكا له. وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة. ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النساء: ١] وقال ﷺ «إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها

стр. 252

طلاقها» «١» وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله تعالى عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحما وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة. فسألها من أنت؟ قالت امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ. فقالت له الملائكة امتحانا لعلمه: ما اسمها؟ فقال: حواء. قالوا: ولم؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. قيل: فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها. قال: فما صداقها؟ قالوا: أن تصلي على محمد وآله. قال: ومن محمد؟ قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت. وعن ابن عباس قال: بعث الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء ﵉ على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال. ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء؟ وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى اهْبِطُوا مِصْراً [البقرة: ٦١] قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى [طه: ١٢] ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [الحجر: ٤٨] ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه تعالى خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم. وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض. وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها. واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و «أنت» تأكيد للمستكنّ في «اسكن» ليصح العطف عليه. ورَغَداً وصف للمصدر أي أكلا رغدا واسعا رافها وحَيْثُ

стр. 253

للمكان المبهم أي أيّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن «حيث» قد يعبر به عن زمان مجهول. وإنما قيل هاهنا وَكُلا بالواو وفي الأعراف فَكُلا لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله تعالى في البقرة وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا [البقرة: ٥٨] بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: وإن دخلتموها أكلتم. وفي الأعراف وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا [الأعراف: ١٦١] بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضا، فلهذا لم يعطف هاهنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء. والنهي في لا تَقْرَبا للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز. لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلا على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء. وقيل: نهي تحريم قياسا على قوله وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢] وقوله وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ [الأنعام: ١٥٢] ولقوله فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة. والجواب أن التحريم في وَلا تَقْرَبُوهُنَّ [البقرة: ٢] بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الأكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحا قوله فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما [الأعراف: ٢٢] . وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. قال المبرد: وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجرا، وقد لا يختص بما له ساق قال تعالى وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ [الصافات: ١٤٦] وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف. واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضا إلى بيانه. فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصودا فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثا، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب. كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن هاهنا تقصيرا في البيان.

стр. 254

فَتَكُونا جزم عطفا على تَقْرَبا ونصب جوابا للنهي. مِنَ الظَّالِمِينَ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله. قوله فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ الآية. تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنهما ولفظة عن في هذه الآية كهي في قوله وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [الكهف: ٤٨٢] فالضمير للشجرة. وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت قدمه. فالضمير للجنة، ومن قرأ أزالهما فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في عَنْها الشجرة. واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء ﵈، والنزاع إما في باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في أفعالهم وسيرتهم. أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة. وقالت الفضيلة: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم. وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب والتحريف في ذلك لا عمدا ولا سهوا وإلا ارتفع الوثوق. ومنهم من جوز ذلك سهوا لأن الاحتراز غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمدا، وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون. وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمدا، وأكثر المعتزلة جوّزوا الصغائر عنهم عمدا إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوّز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على التأويل. وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ أقدر. والشيعة لم يجوّزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمدا ولا سهوا ولا على سبيل التأويل والخطأ. وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز من قائل يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠] وصغائر الرجل الكبير كبائر

стр. 255

ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالا من الأمة بالإجماع. والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا يوم القيامة وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣] . الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة. يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرّم إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. [الأحزاب: ٥٧] . الرابع: أنه ﷺ لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به لقوله فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام: ١٥٣] والجمع بين الوجوب والحرمة محال. الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى يستحق اللعن والعذاب. السادس: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة: ٤٤] يكون حينئذ منزلا في شأنه، وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ [هود: ٨٨] . السابع: إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [الأنبياء: ٩٠] واللفظ للعموم فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي. الثامن: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ [ص: ٤٧] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥] والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب. التاسع: أنه تعالى حكى عن إبليس لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [ص: ٨٢، ٨٣] والأنبياء من المخلصين لقوله تعالى في حق يوسف إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤] وفي حق موسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً [مريم: ٥١] فكذا غيرهما. العاشر: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: ٢٠] ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي. الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: ٢٢] وحزب الشيطان أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [المجادلة: ١٩] والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصيا. الثاني عشر: النبي ﷺ أفضل من الملك كما مر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى.

стр. 256

الثالث عشر: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [البقرة: ١٢٤] والإمام من يؤتم به والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه. الرابع عشر: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: ١٢٤] فإن كان عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله ﷺ على وفق دعواه فقال ﷺ : كيف شهدت لي؟ فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟ فصدقه رسول الله ﷺ فيه وسماه بذي الشهادتين، ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة. المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ إلى قوله جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ [الأعراف: ١٩٠] وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما. والجواب ما سيجيء في الأعراف إن شاء الله تعالى، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي. قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالما بالله ولا باليوم الآخر لقوله هذا رَبِّي [الأنعام: ٧٧] وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] والجواب: هذا ربي استفهام منه بطريق الإنكار وقوله لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين اليقين فليس الخبر كالمعاينة. قالوا فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ [يونس: ٩٤] فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٧] يدل على أنه كان شاكا في الوحي قلنا: الخطاب له والمراد الأمة مثل يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] . قالوا في باب التبليغ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦، ٧] هذا الاستثناء يدل على النسيان. والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما يجيء في تفسير قوله تعالى ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها [البقرة: ١٠٦] . قالوا وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج: ٥٢] والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله تعالى: قالوا: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ إلى قوله لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ [الجن: ٢٦- ٢٨] ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط. قالوا في باب الفتيا وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء: ٧٨] وما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [الأنفال: ٦٧] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: ٤٣] قلنا: الجميع محمول على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعرا:

стр. 257

يا سائلي عن رسول الله كيف سها ... والسهو من كل قلب غافل لاهي قد غاب عن كل شيء سره فسها ... عما سوى الله فالتعظيم لله. فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود. قالوا في الأفعال وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [طه: ١٢١] والعصيان يوجب الوعيد وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [الجن: ٢٣] والغي ضد الرشد قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ والظالم ملعون أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة. والجواب، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة. ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسيا، أو في حال كونه ذاكرا، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد. قيل عليه إن قوله ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] وقوله وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله تعالى: أفرارا مني؟ فقال: بل حياء منك. فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما كنت أرى أحدا يحلف بك كاذبا، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكدا. وأيضا لو كان ناسيا لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث. وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالما بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدوا له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش. وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي ﷺ «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» «١» «إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم» «٢» وقيل: إن حواء

стр. 258

سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذونا في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر لا فِيها غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] . الذاهبون إلى أنه فعله عامدا أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق. ومنهم من قال: كان عمدا من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبيا، وقد عرفت فساده. ومنهم من قال: فعله عمدا لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمدا لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك. ومنهم- وهو اختيار أكثر المعتزلة- من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فلفظ هذِهِ قد يشار بها إلى الشخص، وقد يشار بها إلى النوع كما روي أنه ﷺ أخذ حريرا وذهبا بيده وقال «هذان حرامان على ذكور أمتي» «١» . وتوضأ ثم قال «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء. فمراد الله تعالى من كلمة هذِهِ ذلك النوع لا الشخص. وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع. واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئا؟ وأيضا هب أن لفظ هذِهِ متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنبا، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئا. وأيضا الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية. وأيضا هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب. فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطىء فيها معذور بالاتفاق. وأجيب بأن لفظ هذا يستعمل في الإشارة النوعية أيضا كما مر، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا عوتب. وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذرا حتى لا يصير الذنب كبيرا، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن

стр. 259

النبي ﷺ قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة. قيل: وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله لا تَقْرَبا تناولهما معا، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله. فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها؟ قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافيا عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى- وإن كان بعيدا- عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئا خيفة فليس منا. يعني الحيات. وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما. وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة. وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟ ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل. فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟ قلنا: هي التي حكاها الله تعالى ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ [الأعراف: ٢٠] فلما لم يفد عدل إلى اليمين وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف: ٢١] ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله منهم. ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور. اهْبِطُوا خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: خطاب لهما وللحية. وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضا لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه اهْبِطا مِنْها [طه: ١٢٣] وقوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ [طه: ١٢٣] وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم. واهْبِطُوا أمر أو إباحة. والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف. وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم. ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك. ومعنى بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [طه: ١٢٣] ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: ٦]

стр. 260

فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع مُسْتَقَرٌّ استقرار أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت. وَمَتاعٌ تمتع بالعيش إِلى حِينٍ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم. والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو قال: أنت طالق الى حين. فمضت لحظة طلقت. وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل: يا ناظرا يرنو بعيني راقد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي ... درك الجنان ودرك فوز العابد أنسيت أن الله أخرج آدما ... منها الى الدنيا بذنب واحد؟ وعن فتح الموصلي: كنا قوما من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها. تطلب الراحة في دار العنا ... خاب من يطلب شيئا لا يكون قوله فَتَلَقَّى الآية. أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل: ٦] أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما. تقول: بلغني ذاك وبلغته، وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن يكون معنى التلقي من الرب، أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلا عن الأنبياء فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرّفه وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله تعالى رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] الآية. وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم الله آدم وحوّاء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات

стр. 261

التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما إني قبلت توبتكما. وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . وقالت عائشة: لما أراد تعالى أن يتوب على آدم ﵇ طاف بالبيت سبعا، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي. فأوحى الله تعالى إلى آدم: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها. وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها علم، وثانيها حال، وثالثها عمل. فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، وكونه حجابا بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سببا لذلك الفوات. ويسمى ذلك التأسف ندما، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابسا له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبدا. وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك اللاحق كالثمرة، ومنه قوله ﷺ «الندم توبة» «١» وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التّواب الرحيم. والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه، فإذا عاد الى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول التوبة من الله وغفران ذنوب العباد «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» «٢» ومعنى المبالغة في الثواب أن واحدا من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، والله تعالى بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع الى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة

стр. 262

والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض اليه لا محالة. وأيضا يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة. روي عن رسول الله ﷺ أنه قال «لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء» ولذا قال نبينا ﷺ «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» «١» فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا رينا، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها. والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعا بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] . قيل في تأويل الحديث: إن الله تعالى أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غينا في قلبه فاستغفر لأمته. قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان. وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانيا عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة. وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر. وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه. فقال سبحانه: جعلت صدورهم مساكن لك. فقال: رب زدني. فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة. قال: رب زدني. قال: تجري منه مجرى الدم. قال: رب زدني. قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد. قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك. فقال الله تعالى: لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء. قال: رب زدني. قال: الحسنة بعشر أمثالها. قال: رب زدني. قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق. وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل،

стр. 263

وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي. وكان أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غدا بالذنوب مطلوب. وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعا له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك على أنها قد ذكرت في موضع آخر قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] الآية. (قوله) قُلْنَا اهْبِطُوا الآية. قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ عقيب الهبوط الثاني أولى. وأيضا قوله مِنْها يدل على أن الهبوط الثاني أيضا من الجنة والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ثانية ليعلما أن حكمه باق تحقيقا للوعد المتقدم في قوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم عرفة، وتمنيا على الله تعالى المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه المواضع من هذه المعاني. وما في فَإِمَّا مزيدة، لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول. تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه فَمَنِ اتَّبَعَ [طه: ١٢٣] موافقة لقوله فيها يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ [طه: ١٠٨] وفي الهدى وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع. عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله تعالى إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس. أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن

стр. 264

تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به. وقيل: هو رسول وكتاب بدليل وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا [البقرة: ٣٩] في مقابلة فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن. وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئا كثيرا من المعاني، لأن قوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين. وجمع قوله فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ جميع ما أعد الله تعالى لأوليائه، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات. والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات. وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند الصراط إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت: ٣٠] وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله تعالى يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [الحج: ٢] فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً [المزمل: ١٧] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ [المائدة: ١٠٩] فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦] وفي الحديث «تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه» «١» . وحديث الشفاعة وقول كل نبي «نفسي نفسي» إلا نبينا ﷺ فإنه يقول: أمتي أمتي مشهور. قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمنا لا محالة، إلا أن الإنسان خلق ضعيفا لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضا إن جلال الله وعظمته يدهش الإنسان برا كان أو

стр. 265

فاجرا. وأيضا ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله تعالى، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء. ولهذا جاء «والمخلصون على خطر عظيم» وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً [السجدة: ١٦] وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [الأنبياء: ٩٠] وقيل: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [يونس: ٦٢] أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله تعالى ثم سلاهم فقال لهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢] على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا. ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن. وقال ﷺ «خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل» «١» قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئا من المكاره مكروها، وإنما مراده مراد حبيبه فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥] فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا لجحدهم مولاهم وَكَذَّبُوا بِآياتِنا لإثباتهم حكما لهم بحسب مشتهاهم وهواهم أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ وملازموها دائما سرمدا سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا الله منها بعميم فضله وجسيم طوله. التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية اسْجُدُوا لِآدَمَ بخلاف الطبيعة تعبدا ورقا وانقيادا للأمر وامتثالا للحكم، اسجدوا له تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله تعالى كما قال إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثوابا لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعا وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق. وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ

стр. 266

أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملا تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضا فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه «هل من مزيد» ولا تمتلىء حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته «سبقت رحمتي غضبي» «١» . ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] . ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال. وأيضا لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانيا فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسن حريص على ما منع وأيضا إنه تعالى وسع أسباب الانبساط أولا ثم ضيق عليه الأمر آخرا. وأدنيتني حتى إذا ما فتنتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح. تجافيت عني حين لالي حيلة ... وغادرت ما غادرت بين الجوانح. خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض. أيضا كما مر ثم عاتبه بقوله فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجيا حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال رَبِّ أَرِنِي [الأعراف: ١٤٣] عاتبه بسطوة لَنْ تَرانِي [الأعراف: ١٤٣] وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال. فَلَمَّا ذاقَا شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام؟ وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟ فبتنا على رغم الحسود وبيننا ... حديث كطيب المسك شيب به الخمر. فلما أضاء الصبح فرق بيننا ... وأي نعيم لا يكدره الدهر؟.

стр. 267

وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّا بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب. فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة. فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] وقال ﷺ «إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟ فقال: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف» . ثم إنه بعد ما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في المستقبل وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٠ الى ٤٦] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) القراآت: إِسْرائِيلَ بغير همزة حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف نِعْمَتِيَ وكذلك ما بعدها ساكنة الياء: أبو زيد عن المفضل فَارْهَبُونِ فَاتَّقُونِ بالياء في الحالين: يعقوب، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية. وروى مسيح بن حاتم وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل. أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ممالة: قتيبة وأحمد بن فرج الوقوف: فَارْهَبُونِ (هـ) ربع الجزء. كافِرٍ بِهِ (ص) لاتفاق الجملتين وعلى قَلِيلًا أجوز لاختلاف النظم بتقديم المفعول. فَاتَّقُونِ (هـ) تَعْلَمُونَ

стр. 268

(هـ) الرَّاكِعِينَ (هـ) الْكِتابَ (ط) تَعْقِلُونَ (هـ) الصَّلاةِ (ط) الْخاشِعِينَ (لا) لأن «الذين» صفتهم. راجِعُونَ التفسير: أنه تعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته، أردفها الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود، إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيها على نبوة محمد ﷺ من حيث كونه إخبارا بالغيب مدرجا في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عير منصرف للغلمية والعجمية المعتبرة لقب له، ومعناه صفوة الله. وقيل: عبد الله، لأن «إسر» بالعبرية هو العبد، «وإيل» الله. وقوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد ﷺ . وحد النعمة وما يتعلق بها قد سبق في تفسير الفاتحة. والعائد من الصلة محذوف أي أنعمت بها عليكم. قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرة، وعبيد المنعم قليلون، فإن الله تعالى ذكر بني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد ﷺ ذكرهم المنعم فقال فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة: ١٥٢] عن ابن عباس أنه قال: من نعمه تعالى على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم الحجر الذي كان يسقيهم ما شاءوا، وأعطاهم عمودا من النور أضاء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعت وثيابهم لا تبلى، وفي تذكير هذه النعم فوائد: منها أن فيها ما يشهد بصدق محمد ﷺ وهو التوراة والإنجيل والزبور. ومنها أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم إياها ليحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن. ومنها أن تذكر النعم الكثيرة يوجب الحياء من إظهار المخالفة. ومنها أن كثرة النعم تفيد أن المنعم خصهم بها من بين سائر الناس، ومن خص أحدا بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه. فتذكير النعم السالفة مطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة والمخاصمة. والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء إذ لولاها لم يبق نسلهم، ولأن الانتساب إلى آباء خصهم الله تعالى بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، ولأنهم إذا علموا أن آباءهم إنما خصوا بهذه النعم لمكان طاعتهم والإعراض عن الكفر والجحود، رغبوا في هذه الطريقة لأن الابن مجبول على اتباع الأب «من أشبه أباه فما ظلم» . والعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعا. يقال: أوفيت بعهدي أي بما عاهدتك عليه، وأوفيت بعهدك أي بما عاهدتك عليه. والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي أوف بعهدكم أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة حكاه الضحاك عن ابن

стр. 269

عباس. وتحقيقه في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [التوبة: ١١١] وقيل: المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من صفة محمد ﷺ وأنه سيبعثه، وإليه الإشارة في قوله وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً إلى قوله وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [المائدة: ١٢] وفي الأعراف فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [الأعراف: ١٥٦] الآية. وفي آل عمران وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ [آل عمران: ٨١] وفي الصف وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [الصف: ٦] وعن ابن عباس: إن الله كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا، فمن تبعه وصدق بالتوراة الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجرا باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجرا باتباع ما جاء به محمد ﷺ النبي الأمي الذي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨] . وعن أبي موسى الأشعري مرفوعا «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد ﷺ فله أجران، ورجل أدّب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران» «١» فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، فكيف يجوز من جماعتهم جحده ﷺ ؟ قلنا: إما لأن هذا العلم به ﷺ كان حاصلا عند العلماء بكتبهم ولم يكن لهم عدد كثير فجاز منهم كتمانه ﷺ ، وإما لأن ذلك النص كان نصا خفيا لعدم تعيين الزمان والمكان بحيث يعرفه كل أحد، فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه. جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك لله تعالى. فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟ قالت: أهرب من سيدتي سارة. فقال: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك، وستحبلين وتلدين ابنا تسميه إسماعيل، من أجل أن الله سمع خشوعك، وهو يكون عينا بين الناس وتكون يده فوق الجميع، ويد بجميع مبسوطة إليه بالخضوع. فقيل: هذا الكلام خرج مخرج البشارة لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الخافقين بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة.

стр. 270

وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك: زيد أرهبته أي زيدا رهبت رهبته بتقديم المفعول للاختصاص. فتقديره: وإياي ارهبوا فارهبون. وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٤] لمكان الفاء المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها. أي إن كنتم راهبين شيئا فارهبون. ومن قبل التكرير ولأجل الإضمار والتفسير. والرهبة هي الخوف، والخوف إما من العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وإما من الجلال وهو وظيفة أرباب القلوب، والأول يزول، والثاني لا يزول. ومن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس. يروى أنه ينادي مناد يوم القيامة: وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة. قوله وَآمِنُوا معطوف على اذْكُرُوا والمراد بِما أَنْزَلْتُ القرآن ومُصَدِّقاً حال مؤكدة من الراجع المحذوف وفيه تفسيران: أحدهما أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، والتوراة والإنجيل حق، والتوراة أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى، فكان الإيمان بالقرآن مؤكدا للإيمان بالتوراة والإنجيل والثاني أنه حصلت البشارة بمحمد ﷺ وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بمحمد والقرآن تصديقا للتوراة والإنجيل، والتكذيب بمحمد ﷺ والقرآن تكذيبا لهما، وفي هذا التفسير دلالة على نبوة محمد ﷺ من جهة أن شهادة كتب الأنبياء لا تكون إلا حقا، ومن جهة أنه ﷺ أخبر عن كتبهم ولم يكن له ﷺ معرفة بذلك الأمر قبل الوحي وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﷺ أي أوّل من كفر به ﷺ ، أو أوّل فريق أو فوج كافر به ﷺ ، أو ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقوله «كسانا حلة» أي كل واحد منا. (وهاهنا سؤالان) الأول: كيف جعلوا أوّل من كفر به ﷺ وقد سبقهم إلى الكفر به ﷺ مشركو العرب؟ وفي الجواب وجوه: الأوّل: انه تعريض وأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به ﷺ لمعرفتهم به ﷺ وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد ﷺ والمستفتحين به على الذين كفروا، وكانوا يعدّون أتباعه أولى الناس كلهم. فلما بعث كان أمرهم على العكس فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩] . والثاني: ولا تكونوا مثل أوّل كافر به يعني من أشرك من أهل مكة أي ولا تكونوا- وأنتم تعرفونه ﷺ موصوفا في التوراة- مثل من لم يعرفه ﷺ لأنه لا كتاب له. الثالث: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ من أهل الكتاب، لأن هؤلاء كانوا أول من كفر به وبالقرآن من بني إسرائيل. الرابع وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ يعني بكتابكم. يقول ذلك لعلمائهم، لأن تكذيبكم بمحمد ﷺ يوجب تكذيبكم بكتابكم. الخامس: المراد بيان تغليظ كفرهم، وذلك أن السابق الى الكفر كفره

стр. 271

غليظ «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» «١» والكافر عن دليل ومعرفة بما يوجب الإيمان كفره أغلظ ممن كفر ولا دليل له على الإيمان، فاشتركا من هذا الوجه، فصح إطلاق أحدهما على الآخر. السادس: ولا تكونوا أوّل من جحد مع المعرفة. السابع: أوّل فريق كفر من اليهود لأن النبي ﷺ قدم المدينة وبها قريظة والنضير، فكفروا ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر. الثامن: ولا تكونوا أول الكافرين به ﷺ عند سماعكم بذكره ﷺ ، بل تثبتوا وراجعوا عقولكم فيه ﷺ . السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أوّل الجواب ليس في ذكر الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه. وأيضا في قوله وَآمِنُوا دلالة على أن كفرهم أولا وآخرا محظور. وأيضا قوله وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير. وقوله رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها [الرعد: ٢] لا يدل على وجود عمد لا نراها فكذلك هاهنا. قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمد ﷺ فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة. والاشتراء استعارة للاستبدال كما قلنا في اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [البقرة: ١٦] أي لا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم. خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام. وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ مثل وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم بالرهبة. على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب قائم. قوله وَلا تَلْبِسُوا أمر بترك الإغواء والإضلال كما أن قوله وَآمِنُوا أمر بترك الكفر والضلال. ولإضلال الغير طريقان: لأنه إن سمع الدلائل فإضلاله بتشويشها عليه، وإن لم يسمعها فإضلاله بكتمانها ومنعه من الوصول إليها. فقوله وَلا تَلْبِسُوا إشارة إلى القسم الأول، وقوله وَتَكْتُمُوا المجزوم بلا المقدرة للنهي عطفا على المنهي قبله إشارة إلى القسم الثاني. والباء التي في بِالْباطِلِ إما للوصل كما في قولك «لبست الشيء بالشيء» خلطته به، فكان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل

стр. 272

الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما. وإما للاستعانة كما في «كتبت بالقلم» فالمعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسا بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على السامعين. وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد ﷺ كانت نصوصا خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غافر: ٥] قيل: ويجوز أن يكون وَتَكْتُمُوا منصوبا بإضمار «أن» ، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق نحو «لا تأكل السمك وتشرب اللبن» . قلت: هذا التقدير يوهم أن يكون المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى بكل منهما منفردا عن الآخر جاز، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في قوله وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً [الدهر: ٢٤] إذ لا يجوز أن يريد أطع أحدهما لقرينة الإثم والكفر. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة «من سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها» «١» والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم العلم، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضارا أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضارا، والنهي وإن كان خاصا لكنه عام، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه. ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب. وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده: إني آمرك غدا بشيء فلا بد أن تفعله. ويكون الغرض أن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني. ومعنى الصلاة لغة وشرعا قد تقدم في أول البقرة. وأما الزكاة فهي في اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب. قال تعالى خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [التوبة: ١٠٣] فإن المخرج يطهر ما بقي من المال. قال ﷺ «عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فتزيد في

стр. 273

الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار. وأما التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلا فوق الرأس، وتكون سترا من النار» . وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. وفي قوله وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ وجوه: أحدها أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فخص الركوع بالذكر تحريضا لهم على الإتيان بصلاة المسلمين. وثانيها صلوا مع المصلين فلا تكرار لأن الأول أمر بإقامتها، والثاني أمر بالجماعة. وثالثها الركوع والخضوع لغة سواء، فيكون نهيا عن الاستكبار المذموم وأمرا بالتذلل للمؤمنين، ثم إنه سبحانه لما أمرهم بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول. والهمزة في أَتَأْمُرُونَ للتقرير مع التقريع، والتعجيب من حالهم. والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وعمل مبرور مرضي. واختلف في البر هاهنا. قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله ثم يتركونها وينهونهم عن معصية الله ويرتكبونها. وقال ابن جريج. تأمرون الناس بالصلاة والزكاة وتتركونهما. أبو مسلم: كانوا قبل مبعث النبي يخبرون مشركي العرب أن رسولا سيظهر منكم ويدعو إلى الحق ويرغبونهم في اتباعه، فلما بعث الله محمدا ﷺ حسدوه وأعرضوا عن دينه. الزجاج: يأمرون الناس بالصدقة ويشحون بها. وقيل: يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد ﷺ ولا يتبعونه. وقيل: يأمرون غيرهم باتباع التوراة وهم يخالفونها لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد ﷺ ثم ما آمنوا به. وقيل: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباعه في الظاهر وينكرونه ﷺ في الباطن، فوبخهم الله على ذلك. والنسيان هو السهو الحادث بعد حصول العلم، والناسي غير مكلف فكيف يتوجه الذم على ما صدر عنه؟ فإذن المراد وتغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أي التوراة وتدرسونها وتعلمون ما فيها من أعمال البر ومن نعت محمد ﷺ ومن الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ وهو تعجيب للعقلاء من أفعالهم. وكثيرا ما يحذف الفعل بعد همزة الاستفهام للعلم به والتقدير: أفعلتم ذلك فلا تعقلون. وقس على هذا نظائره في القرآن فإنها كثيرة. وللتعجيب وجوه: منها أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى المصالح وتحذيره عن المفاسد، وإرشاد النفس إليها وتحذيرها منها أهم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بما لا يقبله العقل الصحيح. ومنها

стр. 274

أن مثل هذا الوعظ يصير سببا للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي، فيكون داعيا لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء. ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه، فلا خالف إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول. قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالا بهذه الآية، وبقوله تعالى لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ [الصف: ٢] وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ينكر عليها، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين: ترك المعصية، ومنع الغير عنها، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر. والذم في الآية مترتب على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين، قالوا: وحديث القبح ممنوع. قلت: والحق أنه مكابرة، فعن أنس أن النبي ﷺ قال «مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار. فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم» «١» وقال ﷺ «إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه» . فقيل: من هو يا رسول الله؟ قال: عالم لا ينتفع بعلمه» وقال ﷺ «مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه» وعن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: لم دخلتم النار فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله. وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه. وقيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل. روي أن يزيد بن هارون مات- وكان واعظا زاهدا مات- فرؤي في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأوّل ما سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟ فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك. وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله إلا الله. فقال: إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى سرج ولما أمرهم الله تعالى بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة القول للفعل وكان ذلك شاقا عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه، عالج الله تعالى هذا المرض بقوله وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ فكأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد ﷺ بالصبر أي حبس

стр. 275

النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها. ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك كمل الأمر، لأن المشتغل بالصلاة مشتغل بذكر لطفه وقهره، فإذا تذكر لطفه مال إلى الطاعة، وإذا تذكر قهره انتهى عن المعصية. وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس النفس عن المفطرات ومنه يقال: شهر الصبر لشهر رمضان. ومن حبس نفسه عن قضاء شهوتي البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله. وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات. ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء أي استعينوا على البلاء بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال في دفعه إلى فاطر الأرض والسماء. وهذا الخطاب وإن كان خاصا ببني إسرائيل وإلا لزم تفكك النظم، لكن المعنى على العموم فعلى كل مكلف أن يستعين على حوائجه إلى الله بالصلاة والصبر على تكاليفها مراعيا في ذلك ما يجب من الإخلاص وحسن الأدب واستحضار العلم بأنها انتصاب بين يدي الجبار العالم بالطويات والأسرار ومنه قوله وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها [طه: ١٣٢] . ومن خواص الصلاة اندفاع البلايا وانكشاف الغموم والرزايا. كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وإنها أي الصلاة أو الاستعانة أو جميع المأمورات والمنهيات في هذه الآيات لكبيرة لشاقة ثقيلة كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣] إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ يعلمون أنهم ملاقو جزاء ربهم وأنهم إلى حكمه راجعون، فتصدر عنهم الأعمال مع طيب نفس وانشراح صدر، وهذا بخلاف حال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا. فالملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة لا يواتيه طبعه في الاشتغال بها وإن كان زمانا يسيرا فتثقل عليه، والموحد حيث اعتقد في فعلها أعظم المنافع وهو الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم يهون عليه تزجية الأوقات بوظائف العبادات. وكان رسول الله ﷺ يصلي حتى تورّمت قدماه، ومع ذلك يقول: «يا بلال روّحنا» ، «وجعلت قرة عيني في الصلاة» «١» والخشوع والخضوع أخوان وهما التطامن والتواضع، ومنه الخشعة للأكمة المتواضعة. وفي الحديث «كانت الأرض خاشعة على الماء ثم دحيت» وللظن هاهنا تفسيران: أحدهما أنه بمعنى العلم تجوّزا لأن الظن هو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض، وتجويز نقيض لقاء الرب أي البعث والنشور كفر فكيف يمدح به؟ وسبب هذا التجوز أنهما يشتركان في رجحان الاعتقاد، وإن افترقا بتجويز النقيض وعدمه فصح إطلاق

стр. 276

أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقرّبه من العلم. وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب، إما لقاء ثوابه وذلك مظنون لا معلوم، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة وقوعا راجحا عند المؤمن، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ربه إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [الجمعة: ٦] . ويحتمل أن يقال: معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح. وبقي هاهنا بحثان: الأول: استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله تعالى، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله تعالى فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة: ٧٧] والمنافق لا يرى ربه، ولقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة: ٢٢٣] ويشمل الكافر والمؤمن. وقال ﷺ «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» «١» وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس، وهذا اللقاء سبب الإدراك. فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك، لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز. فإن منع من ذلك أيضا مانع أضمر بحسب ذلك، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع. ففي قوله إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ [التوبة: ٧٧] دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ونحوه، وفي الآية لا ضرورة، فحمله على الإدراك أولى. البحث الثاني: المراد من الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك لهم سواه لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] كما كانوا كذلك في أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهرا غير الله تعالى. قال المجسمة: الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه تعالى جسما. وقال أهل التناسخ: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ولا يخفى جوابهما والله أعلم.

стр. 277

[سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٧ الى ٤٨] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) القراآت: ولا تقبل بالتاء الفوقانية، ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الوقوف: الْعالَمِينَ (هـ) يُنْصَرُونَ (هـ) التفسير: إنما أعاد سبحانه هذا الكلام مرة أخرى توكيدا للحجة وتحذيرا من ترك اتباع ﷺ ، كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل. والمراد بالعالمين هاهنا الجم الغفير من الناس كقوله «بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ٧١] . ويقال: رأيت عالما من الناس. يراد الكثرة بقرينة العلم بأنه لم ير كل الناس، ويمكن أن يكون المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك لا يكون من جملة العالمين. ويحتمل أن يكون لفظ الْعالَمِينَ عاما للموجودين ولمن سيوجد لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة. فالآية تدل على أنهم فضلوا على كل العالمين في أمر ما، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، فلعل غيرهم يكون أفضل منهم في أكثرها. وقيل: الخطاب لمؤمني بني إسرائيل لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير، وفي جميع ما يخاطب الله تعالى بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم. وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف: ١١١] . روي عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم. واتقاء اليوم هو اتقاء ما يحصل في ذلك اليوم من الشدائد والأهوال، لأن نفس اليوم لا يتقى. وقوله لا تَجْزِي إلى آخر الآية. الجمل منصوبات المحل صفات متعاقبة لليوم، والراجع منها إلى الموصوف محذوف تقديره: لا تجزي فيه. ومنهم من يقول: اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار وهو «في» فبقي لا تجزيه، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله «أم مال أصابوا» قال: فما أدري أغيرهم تناء ... وطول العهد أم مال أصابوا أي أصابوه. ولا يخفى أن هذا التكلف لا يتمشى في سائر الجمل، بل يتعين تقدير الجار والمجرور العائد. ومعنى لا تجزي لا تقضي عنها شيئا من الحقوق، ومنه الحديث في الجذعة التي ضحاها ابن نيار قبل الوقت «تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك» وشَيْئاً

стр. 278

مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلا من الجزاء مثل «ولا تظلمون شيئا» . ومعنى تنكير النفس أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئا من الأشياء وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع. وكذلك قوله وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي فدية لأنها معادلة للمفدى. وفي الحديث «لا يقبل منه صرف ولا عدل» أي توبة، لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحال الحميدة ولا فداء. والضمير في وَلا يُقْبَلُ مِنْها يرجع إلى النفس الثانية العاصية غير المجزي عنها وهي التي لا يؤخذ منها عدل. ومعنى لا تقبل منها شفاعة أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئا ولو أعطت عدلا منها لم يؤخذ منها ولا هم ينصرون، الضمير عائد إلى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة، والتذكير بمعنى العباد أو الأناسي مثل ثلاثة أنفس. وفي وصف اليوم بهذه الصفات تهويل عظيم تنبيه على أن الخطب شديد، لأنه إذا وقع أحد في كريهة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، فتحمل عنه ما يلزمه وتذب عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوّته ونهاية بطشه. فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة وبذل المال والمنال، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن هذه الأمور تعلل بما أمكنه من نصر الإخوان ومدد الأخدان، فأخبر الله تعالى أن شيئا من هذه لا يدفع يومئذ عن عذابه. وفي هذا تحذير من المعاصي وترغيب في تلافي ما فات بالتوبة، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية، علم أنه لا ينفعه إلا الطاعة وتلافي البوادر. فالآية وإن كانت في بني إسرائيل إلا أنها تعم كل من يحضر ذلك اليوم. فإن قيل: قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الدية، وفي موضع آخر من هذه السورة عكست القضية، فما الحكمة في ذلك؟ قلنا: من الناس من ميله إلى حب المال أشدّ من ميله إلى علو النفس فيتمسك أوّلا بالشفيع ثم يستروح إلى بذل المال، ومنهم من على العكس فيقدم الفدية على الشفاعة، فتغيير الترتيب إشارة إلى الصنفين والله أعلم. واعلم أن الشفاعة هي أن يستوهب أحد لأحد شيئا ويطلب له حاجة من الشفع ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فردا فصار بالشفيع شفعا. ثم إن الأمة أجمعت على أن لمحمد ﷺ رتبة الشفاعة في الآخرة، وعليه يحمل قوله تعالى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [الاسراء: ٧٩] وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [الضحى: ٥] . وأجمعوا على أنه لا شفاعة للكفار. بقي الخلاف فيمن عداهم. فأهل السنة أثبتوا الشفاعة لغير الكفار،

стр. 279

والمعتزلة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب بقي خالدا في النار ولا شفاعة له وسائر الناس لهم الشفاعة. قالوا: إن هذه الآية تدل على نفي الشفاعة مطلقا، والآيات والأحاديث الدالة على وجود الشفاعة كثيرة، فعرفنا أن الآية ليست على عمومها، لكن الآيات الواردة في وعيد صاحب الكبيرة كثيرة كقوله تعالى وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها [الجن: ٢٣] فخرج غير صاحب الكبيرة وبقيت الآية حجة في الكفار وفي صاحب الكبيرة. وزعم أهل السنة أن اليهود كانوا يدعون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا من ذلك. وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسوف يجيء سائر حجج الفريقين في الآيات المناسبة إن شاء الله تعالى. وقالت الفلاسفة في تحقيق الشفاعة: إن واجب الوجود عام الفيض والنقصان من القابل، وجائز أن لا يكون الشيء مستعدا لقبول الفيض من واجب الوجود إلا أن يكون مستعدا لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء متوسطا بين الواجب. وذلك الشيء مثاله في المحسوس الشمس، فإنها لا تضيء إلا القابل المقابل، والسقف لما لم يكن مقابلا لم يكن مستعدا لقبول النور منها، لكنه لو وضع طست مملوء من الماء الصافي انعكس منه الضوء إلى السقف. فأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق كالماء بين الشمس وبين السقف، وهذا يدل على أنه لا واسطة بين الله تعالى وبين عباده أشرف من نبينا محمد ﷺ حيث إنه لا شفاعة إلا له. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٤٩ الى ٥٣] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) القراآت: سُوءَ الْعَذابِ وسُوءُ الْحِسابِ بغير همز حيث وقعتا مفتوحتين: الأصبهاني عن ورش. وعدنا حيث كان أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد. مُوسى بالإمالة المفرطة كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعن أبي عمرو وجهان: إن جعلته «فعلى» فبالإمالة بين الفتح والكسر، وإن جعلته على «مفعل» فبالفتح لا غير ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ وبابه بالإظهار: ابن كثير وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي. وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ مدغما: عباس، وكذلك يدغم إذا كان قبل النون حرف من حروف المد واللين وهي الواو والمضموم ما قبلها مثل وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ والياء المكسور ما قبلها مثل مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما والألف المفتوح ما قبلها مثل وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وما أشبه ذلك.

стр. 280

الوقوف: نِساءَكُمْ (ط) عَظِيمٌ (هـ) تَنْظُرُونَ (هـ) ظالِمُونَ (هـ) تَشْكُرُونَ (هـ) تَهْتَدُونَ (هـ) التفسير: إنه سبحانه لما قدّم ذكر النعمة على بني إسرائيل إجمالا أخذ في تفصيلها واحدة فواحدة ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة كأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، وإذ فرقنا، وإذ كان كذا وكذا. «وإذ» في جميع هذه القصص بمعنى مجرد الوقت مفعول به ل «اذكروا» وأصل الإنجاء والتنجية التخليص، ومنه النجوة للمكان العالي لأن من صار إليه نجا أي تخلص من أن يعلوه سيل، أو لأن الموضع تخلص مما انحط عنه. وأصل آل أهل بدليل أهيل وأهال في تحقيره وتكسيره على الأعرف، فأبدلت إلى «أءل» على خلاف القياس، ثم إلى «آل» وجوبا فالألف فيه بدل عن همزة بدل عن هاء. ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر. يقال «آل النبي» «وآل الملك» ولا يقال: آل الحائك. وإنما يقال أهله، وهكذا لا يقال: آل البلد وآل العلم، وإنما يقال أهلهما. وعند الكسائي، أصله أول بدليل تصغيره على أويل، كأنهم يؤلون إلى أصل قلبت الواو ألفا على القياس. وفِرْعَوْنَ علم لمن ملك العمالقة أولاد عمليق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وخاقان للترك، وتبع لليمن. واختلف في اسمه. فابن جريج: أن اسمه مصعب بن ريان. وابن إسحق: أنه الوليد بن مصعب. ولم يكن من الفراعنة أغلظ وأقسى قلبا منه. وعن وهب بن منبه: أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس وكان من القبط. وقيل: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى. وضعف إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى أكثر من أربعمائة سنة. وقال محمد بن إسحق: هو غير فرعون يوسف وإن اسم فرعون يوسف الريان بن الوليد. والمراد بآل فرعون أتباعه وأعوانه الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل بأمره. ولعتوّ الفراعنة اشتقوا «تفرعن» فلان إذا عتا وتجبر. ويَسُومُونَكُمْ من سامه خسفا إذا أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الخسف فينا وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه. والسوء مصدر السيء يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفجور يراد قبحهما. ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيىء أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، أو المراد عذاب من غير استحقاق، لأن العذاب بالاستحقاق حسن واختلف في سوء العذاب فابن إسحق: إنه جعلهم خدما وخولا وصنفهم في أعماله، فمن بان وحارث وزارع ومن لم يكن

стр. 281

ذا عمل وضع عليه جزية يؤديها. السدي: كان يجعلهم في الأعمال القذرة ككنس الكنيف ونحوه، ولا ريب أن كون الإنسان تحت تصرف الغير كيف شاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة القذرة من غير أن يأخذه بهم رأفة وإشفاق، من أشدّ العذاب، حتى إن من هذه حاله ربما يتمنى الموت. سئل حكيم: أي شيء أصعب من الموت؟ فقال: ما يتمنى فيه الموت. فبين تعالى عظيم نعمته عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم أتبع نعمة أخرى فقال يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ ومعناه هم يقتلون الذكور من أولادكم دون الإناث. والذي دعاهم إلى ذلك أمور منها: أن ذبح الأبناء يقتضي إفناء الرجال وانقطاع النسل بالآخرة. ومنها أن هلاك الرجال يقتضي فساد معيشة النساء حتى يتمنين الموت من النكد والضر. ومنها أن قتل الولد عقيب الحمل والكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب. ومنها أن الأبناء أحب وأرغب من البنات ولهذا قيل: سروران مالهما ثالث ... حياة البنين وموت البنات لقول النبي ﷺ «دفن البنات من المكرمات» ومنها أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان. قال بعضهم: المراد بالأبناء الرجال ليطابق النساء، إذ النساء اسم للبالغات وهو جمع المرأة من غير لفظها. قالوا: وإنما كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره. والأكثرون على أن المراد بالأبناء الأطفال لظاهر اللفظ، ولأنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولأنهم كانوا محتاجين إليهم في الأعمال الشاقة، ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى في اليم معنى. وإنما لم يقل البنات في مقابلة الأبناء لأنهن لما لم يقتلن كن بصدد أن يبلغن، فحسن إطلاق اسم النساء عليهن مثل إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [يوسف: ٣٦] عن ابن عباس: أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على أعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه، فلما رأوا أن كبارهم يموتون، والصغار يذبحون، خافوا فناءهم وأن لا يجدوا من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاما دون عام. وعن السدي: أن فرعون رأى نارا أقبلت من بيت المقدس حتى استولت على بيوت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده. وقيل: إن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم من تلك السنة. قيل: والأقرب هو الأول، لأن المستفاد من علم النجوم والتعبير لا يكون أمرا مفصلا، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار

стр. 282

عن الغيب معجزا، بل يكون أمرا مجملا، والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على هذا الأمر العظيم بسببه (قلت) كون فرعون عاقلا ممنوع، فإن من شك في أجلى البديهيات وهو أنه ممكن الوجود، فعدّه من العقلاء لا يكون من العقل. ثم قال ذلك القائل: لعل فرعون كان عارفا بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافرا كفر الجحود والعناد، أو يقال إنه كان شاكا متحيرا في دينه وكان يجوّز صدق إبراهيم ﵇، وأقدم على ذلك الفعل احتياطا. (قلت) : إذا أخبر الله تعالى عنه بأنه قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] وما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [القصص: ٣٨] فلا ضرورة بنا إلى تجويز كونه عارفا بالله وبصدق الأنبياء وجعل كفره كفر جحود وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢] وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] فإن قلت: لم ذكر يُذَبِّحُونَ هاهنا بلا «واو» ، وفي سورة إبراهيم بواو؟ فالوجه فيه أنه إذا جعل يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ مفسرا بقوله يُذَبِّحُونَ فلا حاجة إلى الواو، وإذا جعل يَسُومُونَكُمْ مفسرا بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح، وجعل الذبح شيئا آخر احتيج إلى الواو. وإنما جاء هاهنا يُذَبِّحُونَ وفي الأعراف يُقَتِّلُونَ بغير واو لأنهما من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم. والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدّ المحن عليهم وكان مأمورا بذلك في قوله وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] وقال بعضهم: إن معنى يستحيون يفتشون حياء المرأة أي فرجها، هل بها حمل أم لا؟ وفيه تعسف. والبلاء المحنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، والحمل على النعمة أولى لأنها هي التي يحسن إضافتها إلى الرب تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم حيث عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم وإذلال من بالغ في إذلالهم. وهاهنا نكتة، وهي أنهم كانوا في نهاية الذل، وخصمهم في غاية الاستيلاء والغلبة، إلا أنهم كانوا محقين وخصومهم مبطلين، فانقلب المحق غالبا والمبطل مغلوبا، فكأنه قيل: لا تغتروا بفقر محمد ﷺ وقلة أنصاره في الحال، فإنه سينقلب العز إلى جانبه ﷺ ، والذل إلى جانب أعدائه. وفيه تنبيه على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا وينسى أمر الآخرة. قال أهل الإشارة: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة تسوم الروح الشريف ذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية ولا ينجيه من ذلك إلا الله تعالى. قوله وَإِذْ فَرَقْنا نعمة أخرى في نعمة أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم على عدد الأسباط وكانوا اثني عشر. ومعنى بكم أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق لماء كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، أو يراد فرقناه بسبب إنجائكم، أو يكون حالا

стр. 283

أي ملتبسا بكم. روي أنه تعالى لما أراد غرق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم، أمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، إما ليخرجوا خلفهم لأجل المال، وإما لتبقى أموالهم في أيديهم. ثم نزل جبريل وقال: أخرج ليلا كما قال تعالى وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي [الشعراء: ٥٢] وكانوا ستمائة ألف، وكل سبط خمسون ألفا. فلما خرجوا وبلغ الخبر فرعون قال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال الراوي: فو الله ما صاح الليلة ديك. فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط. قال قتادة: فاجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف، كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهارا وهو قوله فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء: ٦٠] أي بعد طلوع الشمس. فلما سار بهم موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرك ربك؟ فقال له موسى: إلى أمامك. وأشار إلى البحر- فأقحم يوشع فرسه في البحر وكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه، ثم رجع وقال له يا موسى: أين أمرك ربك؟ فقال: البحر. فقال: والله ما كذبت وما كذب. ففعل ذلك ثلاث مرات فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر، فانشق البحر اثني عشر طريقا. فقال له: ادخل، وكان فيه وحل فهب الصبا نحو البحر حتى صار طريقا يبسا، فاتخذ كل سبط منهم طريقا ودخلوا فيه، فقالوا لنبيهم: أين أصحابنا لا نراهم؟ فقال موسى: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم. فقال: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. فأوحى إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على حيطان المياه فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم. ثم اتبعهم فرعون فلما بلغ شاطىء البحر رأى إبليس واقفا فنهاه عن الدخول فهمّ بأن لا يدخل البحر، فجاء جبريل على مهرة فتقدم وهو كان على فحل، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فصاح ميكائيل بهم ألحقوا آخركم بأوّلكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله تعالى الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله تعالى وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ قيل: ذلك اليوم كان يوم عاشوراء، فصام موسى ﵇ ذلك اليوم شكرا لله تعالى، ومعنى قوله وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه. وقيل: إن قوم موسى سألوا أن يريهم الله تعالى حالهم، فسأل موسى ربه فلفظهم البحر ألف ألف ومائة ألف نفس فنظروا إليهم طافين. وقيل: المراد وأنتم بالقرب منهم. قال الفراء: وهو مثل قولك «لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك» تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم. قال أهل الإشارة: البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتها ولذاتها، وموسى القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، والعصا عصا الذكر، فينفلق بحر الدنيا بتفليق لا إله إلا الله، وينشبك ماء شهواته

стр. 284

يمينا وشمالا، ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابسا من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه وتنجيهم عناية الله إلى ساحل وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٢] ويغرق فرعون النفس وقومه والله تعالى أعلم. ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى. ونسبه: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ﵇. أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي. وقال أهل التحقيق: لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها. ولعدد الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق، ولهذا جاء في الحديث «من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات، قال أبو العالية: وبلغنا أنه لم يحدث حدثا في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. ولا بد من تقدير مضاف أي انقضاء أربعين كقولك «اليوم أربعون يوما منذ خرج فلان» أي تمام الأربعين. ومن قرأ واعَدْنا من المواعدة فمعناه أن الله تعالى وعده الوحي ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور. وذكر الأربعين هاهنا مجمل وتفصيله في الأعراف كقوله: ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦] فصل أولا ثم أجمل. ومعنى «ثم» في قوله ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له، لأنه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيها للحاضرين وتعريفا للغائبين وإظهارا لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل والكفر، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول: إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء. والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه «فعل» «يفعل» وقالوا: يخذ يتخذ، وقد أجرى اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو «جعل» و «صير» والتقدير: اتخذتم العجل إلها إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع أخر منها في طه فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [طه: ٨٨] وقوله من بعده من بعد مضيه إلى الطور. قال أهل السير: لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط، قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها، فجمعوا نارا وأحرقوها. وكان السامري في مسيره مع

стр. 285

موسى ﵇ في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل حين تقدّم في البحر، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة. ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب وصوّر منه عجلا وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت كأنه الخوار فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [طه: ٨٨] فاتخذه إلها لأنفسهم، ولهذا وصفهم الله تعالى بالظلم في قوله وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ كما قال إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] وذلك أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك وضع أخس الأشياء مكان أشرف الموجودات. والواو في وَأَنْتُمْ إما للحال وإما للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الظلم، وقال أهل التحقيق: إن لكل قوم عجلا يعبدونه. قال ﷺ «تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة» «١» وقال «ما عبد إله أبغض إلى الله من الهوى» وفيه تقريع لليهود الذين جادلوا رسول الله ﷺ وعادوه كأنه قال: هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف بهؤلاء الأخلاف؟ وتسلية للنبي ﷺ مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى من الخلاف والمشاقة فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥] وتحذير للعقلاء من الجهل والتقليد إلى هذه الغاية. ما أفظع شأن الجهلة المقلدة، رضوا بأن يكون العجل إلها، وما رضوا بأن يكون البشر نبيا وقد تمعل بعضهم لتصحيح واقعة عبدة العجل حيث استبعد وقوعها منهم مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات الباهرة التي تكاد تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق النبي ﷺ . إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى ﷺ إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية فقال للقوم: أنا أتخذ لكم طلسما مثل طلسمه، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب، وأطمعهم في صيرورتهم مثل موسى في إتيان الخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في الأجسام فوقعوا في تلك الشبهة الركيكة، وهاهنا يظهر التفاوت بين أمة موسى وأمة محمد ﷺ فإنهم بعد مشاهدة الآيات العظام القريبة من الأفهام عبدوا الأصنام بل الأنعام، وأمة محمد ﷺ مع أن معجزتهم القرآن الذي لا يعرف إعجازه إلا بالنظر الدقيق والبحث العميق لم يخالفوا نبيهم طرفة عين رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [النور: ٣٧] لا يزيغون عن سواء السبيل ولا يميلون إلى معتقدات أهل الأباطيل مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ [الفتح: ٢٩] .
следующие страницы →