كل ذي عقل أو فرعون وقومه. والواو في وَاسْتَيْقَنَتْها للحال وقد مضمرة وفي زيادة أَنْفُسُهُمْ إشارة إلى أنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا والاستيقان أبلغ من الإيقان. وقوله ظُلْماً وَعُلُوًّا أي كبرا وترفعا مفعول لأجلهما. وقرىء مُبْصِرَةً بفتح الميم نحو «مبخلة» قرأها علي بن الحسين وقتادة والله أعلم.
التأويل:
طا طلب الطالبين، وسين سلامة قلوبهم من تعلقات غير الله، تلك دلالات القرآن وشواهد أنواره وَكِتابٍ مُبِينٍ فيه بيان كيفية السلوك ولذلك قال هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بالوصول إلى الله الذين يستقيمون في المعارج لحقائق الصلوات ويؤتون الزكاة أموالهم وأحوالهم بالإضافة على المستحقين زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ الدنيوية النفسانية فَهُمْ يَعْمَهُونَ لعمي قلوبهم عن رؤية الآخرة ونعيمها، ولا يكون في عالم الآخرة أعمى إلا كان أصم وأبكم ولهذا
قال ﷺ «حبك للشيء يعمي ويصم» «١»
فبحب الدنيا عميت عين القلب وصمت أذنه وصار أبكم عن العلم اللدني والنطق به، وهو سوء العذاب، وهو الموجب لخسران الدارين مع خسران المولى، وإنما يكون خسران الدارين ممدوحا إذا ربح المولى.
وجد أبو زيد في البادية قحفا مكتوبا عليه خسر الدنيا والآخرة فبكى وقبله وقال: هذا رأس صوفي. وحين أخبر عن مقامات المؤمنين ودركات الكافرين أخبر عن مقام النبي ﷺ بقوله وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ لا من عند جبريل بل مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ تجلى لقلبك بحكمة القرآن عَلِيمٍ يعلم حيث يجعل رسالته. ثم ضرب مثالا لذلك وهو أن موسى القلب لما كشف له أنوار شواهد الحق في ليلة الهوى وظلمة الطبيعة قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ وهم النفس وصفاتها إِنِّي آنَسْتُ ناراً بوادي أيمن السر لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ بتلك النار عن جمود الطبيعة فَلَمَّا جاءَها على قدمي الشوق وصدق الطلب نُودِيَ من الشجرة الروحانية أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي نار المحبة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة وَمَنْ حَوْلَها كالفراش يريد أن يقع فيها وَأَلْقِ عن يد همتك كل ما تعتمد عليه سوى فضل الله فإنه جان في الحقيقة وَلَّى مُدْبِراً هاربا إلى الله وَلَمْ يُعَقِّبْ لم يرجع إلى غيره فلذلك نودي ب لا تَخَفْ فإن القلوب الملهمة الموصلة إليها الهدايا والتحف والألطاف لا تخاف سوى الله إلّا من ظلم نفسه بالرجوع إلى الغير وَأَدْخِلْ يد همتك في جيب قناعتك تَخْرُجْ بَيْضاءَ نقية من لوث الدارين فِي تِسْعِ آياتٍ من أسباب هلاك النفس وصفاتها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري والله أعلم.
القراآت:
وادِ النَّمْلِ ممالة: عباس وقتيبة. وقرأ يعقوب وعلي والسرنديبي عن قنبل بالياء في الوقف. لا يَحْطِمَنَّكُمْ بالنون الخفيفة: عباس ورويس. أَوْزِعْنِي بفتح الياء: ابن كثير وكذلك في «الأحقاف» ما لِيَ لا بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وعلي وعاصم لَيَأْتِيَنِّي بنون الوقاية بعد الثقيلة: ابن كثير. فَمَكَثَ بفتح الكاف: عاصم وسهل ويعقوب غير رويس. الآخرون بضمها مِنْ سَبَإٍ بفتح الهمزة لامتناع الصرف:
البزي وأبو عمرو وعن قنبل بهمزة ساكنة. وفي رواية أخرى عنه وعن ابن فليح وزمعة بغير همز. الباقون بهمزة منونة مكسورة، وكذلك في سورة سبأ. أَلَّا يَسْجُدُوا مخففا: يزيد وعلي ورويس. الآخرون بالتشديد. وقال ابن مجاهد: إذا وقفوا على أَلَّا وقفوا على «ألا يا» والابتداء اسجدوا تُخْفُونَ وتُعْلِنُونَ بتاء الخطاب فيهما: علي وحفص والباقون على الغيبة فَأَلْقِهْ بسكون الهاء: حمزة وعاصم غير المفضل وأبو عمرو غير عباس، وقرأ باختلاس حركة الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد وأبو عمرو من طريق الهاشمي عن اليزيدي الباقون بالإشباع إِنِّي أُلْقِيَ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع أتمدونني بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل وافق به أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل اتمدوني بتشديد النون وبالياء في الحالين: حمزة ويعقوب. الآخرون بإظهار النونين وحذف الياء أتاني الله بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وحفص. فمن فتح الياء فالوقف بالياء لا غير، من حذف الياء فإنه يقف بغير الياء إلا سهلا ويعقوب فإنهما يقفان بالياء. وقرأ علي آتانِيَ اللَّهُ بالإمالة أَنَا آتِيكَ بالإمالة وكذلك ما بعده: حمزة في رواية خلف وابن سعدان والعجلي وأبي عمرو وخلف لنفسه فلما رأيه بكسر الراء: نصير لِيَبْلُوَنِي بفتح الياء: أبو جعفر ونافع. اقَيْها
وبابه بالهمز: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل والأحسن تركها. قال في الكشاف: من همز فوجهه أنه سمع سؤقا فأجرى عليه الواحد.
الوقوف:
عِلْماً ج للعدول عن بيان إيتاء الفضل ابتداء إلى ذكر قول المنعم عليهما شكرا ووفاء الْمُؤْمِنِينَ هـ شَيْءٍ ط الْمُبِينُ هـ يُوزَعُونَ هـ النَّمْلِ لا لأن ما بعده جواب «إذا» مَساكِنَكُمْ ج لانقطاع النظم لنهي الغائب مع اتحاد القائل وَجُنُودُهُ لا لأن الواو للحال لا يَشْعُرُونَ هـ الصَّالِحِينَ هـ الْهُدْهُدَ ز على معنى بل أكان من الغائبين على معنى التهديد والأصح أن «أم» متصل بمعنى الاستفهام في ما لِيَ أي أنا لا أراه أو هو غائب الْغائِبِينَ هـ مُبِينٍ هـ يَقِينٍ هـ عَظِيمٌ هـ لا يَهْتَدُونَ هـ لا ومن خفف
стр. 2804
أَلَّا وقف مطلقا تُعْلِنُونَ هـ الْعَظِيمِ هـ سجدة الْكاذِبِينَ هـ يَرْجِعُونَ هـ كَرِيمٌ هـ الرَّحِيمِ هـ لا لتعلق «أن» مُسْلِمِينَ هـ أَمْرِي ج لانقطاع النظم مع اتحاد القائل تَشْهَدُونِ هـ تَأْمُرِينَ هـ أَذِلَّةً ج لأن قوله وَكَذلِكَ يحتمل أن يكون من تتمة قولها أو هو تصديق من الله لما قالت يَفْعَلُونَ هـ الْمُرْسَلُونَ هـ بِمالٍ ز لانتهاء الاستفهام مع فاء التعقيب وبيان الاستغناء على التعجيل آتاكُمْ ج لاختلاف الجملتين على أن «بل» ترجح جانب الوقف تَفْرَحُونَ هـ صاغِرُونَ هـ مُسْلِمِينَ هـ مَقامِكَ ج للابتداء بإن مع اتحاد القائل أَمِينٌ هـ طَرْفُكَ ط للعدول أَمْ أَكْفُرُ
هـ لِنَفْسِهِ ج كَرِيمٌ هـ لا يَهْتَدُونَ هـ عَرْشُكِ ط هُوَ ج لاحتمال أن يكون ما بعده من كلامها أو من كلام سليمان مُسْلِمِينَ هـ مِنْ دُونِ اللَّهِ ط كافِرِينَ هـ صَّرْحَ
ج اقَيْها
طوارِيرَ
هْ عالَمِينَ
هـ.
التفسير:
لما فرغ من قصة موسى شرع في قصة ثانية وهي قصة داود وابنه سليمان.
والتنوين في عِلْماً إما للنوع أي طائفة من العلم أو للتعظيم أي علما غزيرا. قال علماء المعاني: الواو في وَقالا للعطف على محذوف لأن هذا مقام الفاء كقولك: أعطيته فشكر. فالتقدير: ولقد آتيناهما علما فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة والفضيلة فيه وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ وبيانه أن الشكر باللسان إنما يحسن إذا كان مسبوقا بعمل القلب وهو العزم على فعل الطاعة وترك المعصية، وبعمل الجوارح وهو الاشتغال بالطاعات فكأنه قال: ولقد آتيناهما علما فعملا به قلبا وقالبا وَقالا باللسان الْحَمْدُ لِلَّهِ قلت: لقائل أن يقول:
الأصل عدم الإضمار وقوله هذا مقام الفاء ممنوع، وإنما يكون كذلك إذا أريد التعقيب والتسبيب فإن كان المراد مجرد الإخبار عما فعل بهما وعما فعلا فالواو كقولك «أعطيته وشكر» . وقوله عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ يجوز أن يكون واردا على سبيل التواضع وإن كانا مفضلين على جميع أهل زمانهما. ويجوز أن يكون واردا على الحقيقة بالنسبة إلى زمانهما أو بالنسبة إلى سائر الأزمنة وهذا أظهر. وإنما وصف العباد بالمؤمنين لئلا يظن أن سبب الفضيلة هو مجرد الإيمان ولكن ما يزيد عليه من الاستغراق في بحر العبودية والعرفان. وفي الاية دليل على شرف العلم وأن العالم يجب أن يتلقى علمه بشكر الله تعالى قلبا وقالبا وما التوفيق إلا منه. قوله وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ عن الحسن أنه المال لأن النبوة عطية مبتدأة، وزيف بأن المال أيضا عطية مبتدأة ولذلك يرث الولد إذا كان مؤمنا ولا يرث إذا كان كافرا أو قاتلا. وما المانع من أن يوصف بأنه ورث النبوة لما قام بها عند موته كما يرث الولد المال إذا قام به عند موته. والظاهر أنه أراد وراثة النبوة والملك معا دليله قوله تشهيرا لنعمة الله
стр. 2805
ودعاء للناس إلى تصديق المعجزة يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ والمنطق يشمل كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف مفيدا وغير مفيد، ومنه قولهم «نطقت الحمامة» . قال المفسرون: إنه تعالى جعل الطير في أيامه مما له عقل وليس كذلك حال الطيور في أيامنا وإن كان فيها ما ألهمه الله تعالى الدقائق التي خصت بالحاجة إليها. يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال لأصحابه: إنه يقول: إني أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا أي التراب.
وصاحت فاختة فأخبر أنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا. وصاح طاوس فقال: يقول: كما تدين تدان. وأخبر أن الهدهد يقول: استغفروا الله يا مذنبون. والخطاف يقول: قدموا خيرا تجدوه. والرخمة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه. والقمريّ يقول: سبحان ربي الأعلى. والقطاة تقول: من سكت سلم. والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه. والديك يقول: اذكروا الله يا غافلون. والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت.
والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس. ومعنى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بعض كل شيء. وقال في الكشاف: أراد كثرة ما أوتي كما تقول «فلان يقصده كل أحد» تريد كثرة قاصديه. وإنما قال عُلِّمْنا وَأُوتِينا لأنه أراد نفسه وأباه، ويجوز أن يريد نفسه فقط لا على طريق التكبر بل على عادة الملوك يعظمون أنفسهم لمصلحة التهييب. وقوله إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ قول وارد على سبيل الشكر والتحدث بالنعم كما
قال رسول الله ﷺ «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» «١»
أي أقول هذا شكرا لا فخرا. يروى أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة فرسخ.
خمسة وعشرون للجن ومثله للإنس ومثله للطير ومثله للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة منكوحة وسبعمائة سرية، وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ، وكان يوضع منبره في وسطه وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة، فتقعد الأنبياء ﵈ على كراسيّ الذهب والعلماء على كراسيّ الفضة وحولهم الناس وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس وترفع ريح الصبا البساط فتسير به مسيرة شهر، وإنه كان يقول مع ذلك: لتسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أوتي آل داود. ومعنى يُوزَعُونَ يحبسون. قيل: كانوا يمنعون من يتقدم من عسكره ليكون مسيره مع جنوده على ترتيب، ومنه يعلم أنه كان في كل قبيل منها وازع يكون له تسلط على الباقين يكفهم ويصرفهم.
ومعنى أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قطعوه وبلغوا آخره من قولهم «أتى على الشيء» إذا أنفذه
стр. 2806
وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي. ويجوز أن يقصد إتيانهم من فوق لأن الريح كانت تحملهم في الهواء فلذلك عدي ب «على» عن قتادة أنه دخل الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضرا وهو غلام حدث فقال: سلوه عن نملة سليمان أكانت ذكرا أم أنثى؟ فسألوه فأفحم فقال أبو حنيفة: كانت أنثى لقوله تعالى قالَتْ نَمْلَةٌ ولو كان ذكرا لم تجز التاء لأن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى فلا بد من التمييز بالعلامة.
وحين عبر عن تفاهم النمل بلفظ التقاول جعل خطابهم خطاب أولي العقل فحكى أنها قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ أما جواب للأمر وإما نهي بدلا من الأمر أي لا تكونوا بحيث يحطمكم أي يكسركم سليمان وجنوده على طريقة «لا أرينك هاهنا» . وفي قوله سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ دون أن يقول جنود سليمان مبالغة أخرى كما تقول:
أعجبني زيد وكرمه. وفي الآية دلالة على أن من يسير في الطريق لا يلزمه التحرز وإنما يلزم من في الطريق التحرز. وفي قوله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ تنبيه على وجود الجزم بعصمة الأنبياء كأنها عرفت أن النبي لعصمته لا يقع منه قتل هذه الحيوانات إلا على سبيل السهو. وعن بعضهم أنها خافت على قومها أن يقعوا في كفران نعمة الله تعالى إذا رأوا جلالة سليمان، وهذا معنى الحطم فلذلك أمرتهم بدخول المساكن. وفيه تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة. قيل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً أي شارعا في الضحك آخذا فيه ولكن لم يبلغ حدّ القهقهة وكمال الضحك. وما
روي أنه ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه
فعلى وجه المبالغة في الضحك النبوي. وإنما أضحكه من قولها شفقتها على قومها وسروره بما آتاه الله من إدراك الهمس واشتهاره بالتحرز والتقوى ولذلك مال إلى الدعاء قائلا: رَبِّ أَوْزِعْنِي قال جار الله: حقيقته اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأربطه لا ينفلت عني فلا أزال شاكرا لك. وإنما أدرج ذكر الوالدين لأن النعمة على الولد نعمة عليهما وبالعكس. ثم طلب أن يضيف لواحق نعمه إلى سوابقها ولا سيما النعم الدينية فقال: وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ ثم دعا أن يجعله في الآخرة من زمرة الصالحين لأن ذلك غاية كل مقصود. يروى أن النملة أحست بصوت الجنود ولم تعلم أنها في الهواء فأمر سليمان الريح فوقفت لئلا يذعرن حتى دخلن مساكنهن، ثم دعا بالدعوة.
القصة الثالثة قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد،
يروى أن سليمان حين تم له بناء بيت المقدس تجهز للحج مع حشمه فأتى الحرم ومكث به أياما يقرب كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة. ثم عزم على السير
стр. 2807
إلى اليمن فخرج من مكة صباحا فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضا أعجبته بهجتها إلا أنهم لم يجدوا الماء فطلب الهدهد لأنه يرى الماء من تحت الأرض.
وعن وهب أنه أخل بالنوبة التي كانت تنوبه فلذلك تفقده. وقيل: إنه وقعت نفحة من الشمس على رأس سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عفريت الطير- وهو النسر- فسأله عنه فلم يجد عنده علمه. ثم قال لسيد الطير- وهو العقاب- عليّ به فارتفعت فنظرت فإذا هو مقبل فقصدته فأقسم عليها بالله لتتركنه فتركته. وقالت: إن نبي الله قد حلف ليعذبنك قال: وما استثنى؟ قالت: بلى قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بعذر واضح.
فلما قرب من سليمان أرخى ذنبه وجناحيه يجرها على الأرض تواضعا له، فلما دنا منه أخذ سليمان برأسه فمده إليه فقال: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله فارتعد سليمان وعفا عنه ثم سأله عما لقي في غيبته. وفي تفقد الهدهد إشارة إلى أن الملوك يجب عليهم التيقظ وعدم الغفلة عن أصغر رعيتهم. وأرجع إلى التفسير. قوله ما لِيَ لا أَرَى استبعاد منه أنه لا يراه وهو حاضر في الجند كأن ساترا ستره ثم لاح له أنه غائب فقال أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ وقد مر في الوقوف قوله لَأُعَذِّبَنَّهُ لا شك أن تعذيبه إنما يكون بما يحتمله حاله. فقيل: أراد أن ينتف ريشه ويشمسه وكان هذا عذابه للطير. وقيل: كان يطلي بالقطران ويشمس. وقيل: هو أن يلقيه للنمل لتأكله. وقيل: إيداعه القفص. وقيل: التفريق بينه وبين إلفه. وقيل: أراد لألزمنه صحبة الأضداد كما قيل: أضيق السجون مجالسة الأضداد. وقيل: لألزمنه خدمة أقرانه. ولعل تعذيب الهدهد وذبحه في عصره جائز لمصلحة السياسة كما أباح لنا ذبح كل مأكول لحمه لمصلحة التغذي. وحاصل القسم يرجع إلى قوله ليكونن أحد هذه الأمور الثلاثة: التعذيب أو الذبح أو الإتيان بعذر بين وحجة واضحة.
ويحتمل أن يكون قد عرف إتيانه بالعذر بطريق الوحي فلذلك أدرجه في سلك ما هو قادر على فعله فأقسم عليه. ثم أخبر الله سبحانه أنه أتى بسلطان مبين وذلك قوله فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ أي غير زمان بعيد فَقالَ مخاطبا لسليمان أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ قالوا: فيه إبطال قول من زعم أن إمام الزمان لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.
وفيه دليل على شرف العلم وأن صاحبه له أن يكافح به من هو أعلى حالا منه. والإحاطة بالشيء علما هو أن يعلمه من جميع جهاته. وقوله مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ من جملة صنائع البديع على أن النبأ خبر له شأن فذكره في هذا الموضع دون أن يقول «من سبا بخبر» حسن على حسن. وسبأ اسم للقبيلة فلا ينصرف أو اسم للحي أو الأب الأكبر فينصرف، وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث.
ويحتمل أن يراد بسبأ المدينة أو القوم. ثم شرع في النبأ وهو قوله إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً
стр. 2808
واسمها بلقيس بنت شراحيل ملك اليمن كابرا عن كابر إلى تبع الأول، ولم يكن له ولد غيرها فورثت الملك وكانت هي وقومها مجوسا عبدة الشمس. والضمير في تَمْلِكُهُمْ يعود إلى سبأ إن أريد به القوم وإلى الأهل المحذوف إن أريد به المدينة. وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي بعض كل ما يتعلق بالدنيا من الأسباب. وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ كأنه استعظم لها ذلك مع صغر حالها إلى حال سليمان، أو استعظمه في نفسه لأنه لم يكن لسليمان مثله مع علو شأنه، وقد يتفق لبعض الأمراء شيء لا يكون مثله لمن فوقه في الملك، وقد يطلع بعض الأصاغر على مسألة لم يطلع عليها أحد كما اطلع الهدهد على حال بلقيس دون سليمان. ووصف عرش الله بالعظم إنما هو بالإضافة إلى سائر ما خلق من السموات والأرض. يحكى من عظم شأنه أنه كان مكعبا ثلاثين في ثلاثين أو ثمانين وكان من ذهب وفضة مكللا بأنواع الجواهر وكذا قوائمه، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق، قال بعض المعتزلة: في قوله وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ دليل على أن المزين للكفر والمعاصي هو الشيطان. وأجيب بأن قول الهدهد لا يصلح للحجة والتحقيق فيه قد مر ولا يبعد أن يلهم الله الهدهد وجوب معرفته والإنكار على من يعبد غيره خصوصا في زمن سليمان ﵇.
قوله أَلَّا يَسْجُدُوا من قرأ بالتشديد على أن الجار محذوف فإن كان متعلقا بالصد فالتقدير صدهم لأن أَلَّا يَسْجُدُوا وإن كان متعلقا ب لا يَهْتَدُونَ ف أَلَّا مزيدة أي لا يهتدون إلى أن يسجدوا. ومن قرأ بالتخفيف فقوله أَلَّا حرف تنبيه ويا حرف النداء والمنادى محذوف والتقدير: ألا يا قوم اسجدوا كقوله:
ألا يا أسلمي يا دارميّ على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
قال الزجاج: السجدة في الآية على قراءة التخفيف دون التشديد. والحق عدم الفرق لأن الذم على الترك كالأمر بالسجود في الاقتضاء. والخبء مصدر بمعنى المخبوء وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه الله من غيوبه، ومن جملة ذلك اطلاع الكواكب من أفق الشرق بعد اختفائها في أفق الغرب، ومنها الأقضية والأحكام والوحي والإلهام، ومنها إنزال الملك وكل أثر علوي. وفي تخصيص وصف الله تعالى في هذا المقام بإخراج الخبء إشارة إلى ما عهده الهدهد من قدرة الله تعالى في إخراج الماء من الأرض، ألهمه هذا التخصيص كما ألهمه تلك المعرفة. ولما انجر كلام الهدهد إلى هذه الغاية قالَ سليمان سَنَنْظُرُ أي نتأمل في صفحات حالك أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ وهذا أبلغ من أن لو قال له
стр. 2809
«كذبت» لأنه إذا كان معروفا بالكذب كان متهما في كل ما أخبر به. ثم ذكر كيفية النظر في أمره فقال اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ لم يقل إليها لأنه كان قد قال وَجَدْتُها وَقَوْمَها فكأن سليمان قال: فألقه إلى الذين هذا دينهم اهتماما فيه بأمر الدين. ولمثل هذا قال في الكتاب أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ومعنى ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه تسمع ما يقولون يَرْجِعُونَ من رجع القول كقوله يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ: ٣١]
يروى أنها كانت إذا رقدت غلقت الأبواب ووضعت المفاتيح تحت رأسها، فدخل من كوة وطرح الكتاب على حجرها وهي مستلقية نائمة.
وقيل: نقرها فانتبهت فزعة. وقيل: أتاها والجنود حواليها من فوق والناس ينظرون حتى رفعت رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقيل: كان في البيت كوة تقع الشمس فيها كل يوم فإذا نظرت إليها سجدت فجاء الهدهد فسد تلك الكوة بجناحيه، فلما رأت ذلك قامت إليه فألقى الكتاب إليها. وهاهنا إضمار أي فذهب فألقى ثم توارى ثم كأن سائلا سأل فماذا قالت بلقيس؟ فقيل قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ مصدر بالتسمية أو حسن مضمونه أو هو من عند ملك كريم أو هو مختوم.
يروى أنه طبع الكتاب بالمسك وختمه بخاتمه وقال ﷺ «كرم الكتاب ختمه» .
وعن ابن المقفع: من كتب إلى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخف به. ثم إن سائلا كأنه قال لها ممن الكتاب وما هو؟ فقالت إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ كيت وكيت.
سؤال: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟ والجواب أنها لما وجدت الكتاب على وسادتها ولم يكن لأحد إليها طريق ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان وحين فتحت الكتاب رأت التسمية، ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ فقرأت عنوانه أوّلا ثم أخبرت بما في الكتاب. أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها حصل الشتم لسليمان لا لله تعالى. و «أن» في أَنْ لا تَعْلُوا مفسرة لما ألقي إليها أي لا تتكبروا كما تفعل الملوك.
يروى أن نسخة الكتاب: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين.
وكان كتب الأنبياء ﵈ جملا وأنه مع وجازته مشتمل على تمام المقصود لأن قوله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مشتمل على إثبات الصانع وصفاته، والباقي نهي عن الترفع والتكبر وأمر بالانقياد للتكاليف، كل ذلك بعد إظهار المعجز برسالة الهدهد. قوله قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ استئناف آخر وهكذا إلى تمام القصة. ومعنى أَفْتُونِي أشيروا عليّ بما يحدث لكم من الرأي. والفتوى الجواب في الحادثة وأصلها من الفتاء في
стр. 2810
السن وقطع الأمر فصله والقضاء فيه، أرادت بذلك استعطافهم وتطييب نفوسهم واستطلاع آرائهم، فأجابوا بأنهم أصحاب القوى الجسدانية والخارجية، ولهم النجدة والبلاء في الحرب، ومع ذلك فوضوا الأمر إليها فما أحسن هذا الأدب. ويحتمل أن يراد نحن من أبناء الحرب لا من أرباب الرأي والمشورة وإنما الرأي إليك، وحيث كان يلوح من وصفهم أنفسهم بالشجاعة والعلم بأمور الحرب أنهم مائلون إلى المحاربة، أرادت أن تنبههم إلى الأمر الأصوب وهو الميل إلى الصلح فلذلك قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وذلك إذا أرادوا قهرها والتسلط عليها ابتداء وإلا فالإفساد غير لازم، بل لعل الإصلاح ألزم إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف فليس للظلمة في الآية حجة. ومفعول مُرْسِلَةٌ محذوف أي مرسلة رسلا مع هدية وهي اسم المهدي كالعطية اسم المعطي. وإنما رأت الإهداء أوّلا لأن الهدية سبب استمالة القلوب.
قال ﷺ «تهادوا تحابوا»
قال في الكشاف: روي أنها بعثت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن الأساور والأطواق والقرطة راكبي خيل مغشاة بالديباج مرصعة اللجم والسروج بالجواهر، وخمسمائة جارية على رماك في زي الغلمان، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجا مكللا بالدر والياقوت، وحقا فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب: وبعثت رجلين من أشراف قومها- المنذر بن عمرو وآخر ذا رأي وعقل- وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبا مستويا وسلك في الخرزة خيطا. ثم قالت: للمنذر: إن نظر إليك نظر غضبان فهو ملك فلا يهولنك، وإن رأيته بشا لطيفا فهو نبي. فأقبل الهدهد فأخبر سليمان فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة وفرشوه في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ وجعلوا حول الميدان حائطا شرفه من الذهب والفضة، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر فربطوها عن يمين الميدان وعن يساره على اللبنات، وأمر بأولاد الجن وهم خلق كثير فأقيموا عن اليمين وعن اليسار، ثم قعد على سريره والكراسي من جانبيه، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ والأنس كذلك، والوحش والطير كذلك.
فلما دنا القوم ونظروا بهتوا ورأوا الدواب على اللبنات فتقاصرت إليهم نفوسهم ورموا بما معهم، ولما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ وقال: أين الحق؟
وأخبرهم بما فيه. ثم أمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة فجعل رزقها في الشجر، وأخذت دودة بيضاء الخيط فأدخلته في الجزعة، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الاخرى ثم تضرب به وجهها، والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية
وذلك قوله على سبيل الإنكار أتمدونني بمال ثم قال على سبيل الإعلام وتعليل الإنكار فَما آتانِيَ اللَّهُ من الكمالات والقربات والدرجات خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ ثم أضرب
стр. 2811
عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه وهو أنهم لا يعرفون الفرح إلا في أن يهدي إليهم حظ من الدنيا، فعلى هذا تكون الهدية مضافة إلى المهدي إليه. والمعنى بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ هذه التي أهديتموها تَفْرَحُونَ فرح افتخار على الملوك. ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن الرد كأنه قال: بل أنتم من حقكم أن تأخذوا هديتكم وتفرحوا بها ثم قال للرسول أو للهدهد معه كتاب آخر ارْجِعْ إِلَيْهِمْ ومعنى لا قِبَلَ لا طاقة ولا مقابلة.
والذل أن يذهب عنهم ما كانوا فيه من العز والملك، والصغار أن يقعوا مع ذلك في أسر واستعباد
يروى أنه لما رجعت إليها الرسل عرفت أن سليمان نبي وليس لهم به طاقة، فشخصت إليه في أثني عشر ألف
قيل. مع كل قيل ألوف. وأمرت عند خروجها أن يجعل عرشها في آخر سبعة أبيات في آخر قصر من قصور سبعة، وغلقت الأبواب ووكلت به حرسا فلعل سليمن أوحي إليه ذلك فأراد أن يريها بعض ما خصه الله به من المعجزات فلذلك قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها وعن قتادة: أراد أن يأخذه قبل أن تسلم لعلمه أنها إذا أسلمت لم يحل له أخذ مالها. وقيل: أراد بذلك اختبار عقلها كما يجيء. وقيل: أراد أن يعرف تجملها ومقدار مملكتها قبل وصولها إليه. والعفريت من الرجال الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه، ومن الشياطين الخبيث المارد، ووزنه «فعليت» . قالوا: كان اسمه ذكوان. وآتِيكَ بِهِ في الموضعين يجوز أن يكون فعلا مضارعا وأن يكون اسم فاعل.
ومعنى. أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ إما على ظاهره وهو أن يقوم فيقعد، وإما أن يكون المقام هو المجلس ولا بد فيه من عادة معلومة حتى يصح أن يؤقت به. وعلى هذا فقيل: المراد مجلس الحكم. وقيل: مقدار فراغه من الخطبة. وقيل: إلى انتصاف النهار. وَإِنِّي عَلَيْهِ أي على حمله لَقَوِيٌّ أَمِينٌ آتي به على حاله لا أتصرف فيه بشيء. واختلفوا في الذي عنده علم من الكتاب فقيل: هو الخضر ﵇. وقيل: جبرائيل. وقيل: ملك أيد الله به سليمان. وقيل: آصف بن برخيا وزيره أو كاتبه. وقيل: هو سليمان نفسه استبطأ العفريت فقال له: أنا أريك ما هو أسرع مما تقول. وقد يرجح هذا القول بوجوه منها: أن الشخص المشار إليه بالذي يجب أن يكون معلوما للمخاطب وليس سوى سليمان، ولو سلم أن آصف أيضا كان كذلك فسليمان أولى بإحضار العرش في تلك اللمحة والإلزام تفضيل آصف عليه من هذا الوجه. ومنها قول سليمان. هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ويمكن أن يقال: الضمير راجع إلى استقرار العرش عنده، ولو سلم رجوعه إلى الإتيان بالعرش فلا يخفى أن كمال حال التابع والخادم من جملة كمالات المتبوع والمخدوم، ولا يلزم من أن يأمر الإنسان غيره بشيء أن يكون الآمر عاجزا عن الإتيان بذلك الشيء. واختلفوا أيضا في الكتاب فقيل: هو
стр. 2812
اللوح. وقيل: الكتاب المنزل الذي فيه الوحي والشرائع. وقيل: كتاب سليمان أو كتاب بعض الأنبياء. وما ذلك العلم؟ قيل: نوع من العلم لا يعرف الآن. والأكثرون على أنه العلم باسم الله الأعظم وقد مر في تفسير البسملة كثير مما قيل فيه. ومما وقفت عليه بعد ذلك أن غالب بن قطان مكث عشرين سنة يسأل الله الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى فأري في منامه ثلاث ليال متواليات: قل يا غالب يا فارج الهم يا كاشف الغم يا صادق الوعد يا موفيا بالعهد يا منجز الوعد يا حي يا لا إله إلا أنت صل اللهم على محمد وآل محمد وسلم. والطرف تحريك الأجفان عند النظر فوضع موضع النظر فإذا فتحت العين توهمت أن نور العين يمتد إلى المرئي وإذا غمضت توهمت أن ذلك النور قد ارتدّ، فمعنى الآية أنك ترسل طرفك إلى شيء فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك. يروى أن آصف قال له: مدّ عينك حتى ينتهي طرفك فمدّ عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف فغاص العرش في مكانه ثم ظهر عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتدّ طرفه. ومن استبعد هذا في قدرة الله فليتأمل في الحركات السماوية على ما يشهد به علم الهيئة حتى يزول استبعاده.
وقال مجاهد: هو تمثيل لاستقصار مدة الإتيان به كما تقول لصاحبك: افعل هذا في لحظة أو لمحة. وحين عرف سليمان نعمة الله في شأنه وأن ذلك صورة الابتلاء بين أن شكر الشاكر إنما يعود إلى نفس الشاكر لأنه يرتبط به العتيد ويطلب المزيد كما قيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وروي في الكشاف عن بعضهم أن كفران النعمة بوار وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار. قوله «أقشعت نافرة» أي ذهبت في حال نفارها وراهنها أي ثابتها. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن عبادة كل عابد فضلا عن شكر شاكر كَرِيمٌ لا يقطع إمداد نعمه عنه لعله يتوب ويصلح حاله. زعم المفسرون أن الجن كرهوا أن يتزوّجها سليمان فتفضي إليه بإسرارهم لأنها كانت بنت جنية، أو خافوا أن يولد له منها ولد تجمع له فطنة الجن والإنس فيخرجون من ملك سليمان إلى ملك هو أشد فقالوا له: إن في عقلها شيئا وهي شعراء الساقين ورجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش وذلك قوله نَكِّرُوا لَها عَرْشَها أي اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل لغيره لئلا يعرفه. قالوا:
وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه أسفله. وقوله نَنْظُرْ بالجزم جواب للأمر وقرىء بالرفع على الاستئناف. أَتَهْتَدِي لمعرفة العرش أو للجواب الصائب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك الخوارق. وقوله أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ أبلغ من أن لو قال «أم لا تهتدي» كما مر في قوله أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ
стр. 2813
أَهكَذا
أي مثل ذا عَرْشُكِ لئلا يكون شبه تلقين فقالت كَأَنَّهُ هُوَ ولم تقل: هو هو مع أنها عرفته ليكون دليلا على وفور عقلها حيث لم تقطع في المحتمل وتوقفت في مقام التوقف. أما قوله وَأُوتِينَا الْعِلْمَ فمعطوف على مقدر كأنهم قالوا عند قولها كأنه هو قد أصابت في جوابها وطابقت المفصل وهي عاقلة لبيبة وقد رزقت الإسلام وعلمت قدرة الله وصحة نبوة سليمان بهذه الخوارق. وَأُوتِينَا نحن الْعِلْمَ بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام وَصَدَّها عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس وكونها بين ظهراني الكفرة. والغرض تلقي نعمة الله بالشكر على سابقة الإسلام. وقيل: هو موصول بكلام بلقيس. والمعنى وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان قبل هذه المعجزة أو الحالة وذلك عند وفدة المنذر. ثم قال سبحانه وَصَدَّها قبل ذلك عما دخلت فيه ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وقيل: الجار محذوف أي وصدها الله أو سليمان عما كانت تعبد، واختبر ساقها بأن أمر أن يبني على طريقها قصر من زجاج أبيض فأجرى من تحته الماء وألقى فيه من دواب البحر السمك وغيره، ووضع سريره في آخر فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس. ثم يلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ
أي القصر أو صحن الدارلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً
أي ماء غامرا كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها
لتخوض في الماء فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلا أنها شعراء، فصرف سليمان بصره وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ
أي مملس نْ قَوارِيرَ
هذا عند من يقول: تزوجها وأقرها على ملكها وأمر الجن فبنوا له همدان وكان يزورها في الشهر مرّة فيقيم عندها ثلاثة أيام وولدت له. قالوا: كون ساقها شعراء هو السبب في اتخاذ النورة، أمر به الشياطين فاتخذوها. وقال آخرون: المقصود من الصرح تهويل المجلس، وحصل كشف الساق على سبيل التبع. عن ابن عباس: لما أسلمت قال لها:
اختاري من أزوّجكه؟ فقالت: مثلي لا ينكح الرجال مع سلطان. فقال: النكاح من الإسلام.
فقالت: إن كان كذلك فزوّجني ذا تبع ملك همدان فزوجها إياه ثم ردهما إلى اليمن ولم يزل بها ملكاالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
أي بالكفر في الزمن السالف أو بسوء ظني بسليمان إذ حسبت أنه يغرقني في الماء. وهذا التفسير أنسب بما قبله ولعل في قولهاعَ سُلَيْمانَ
أي مصاحبة له إشارة إلى إسلامها تبع لإسلام سليمان وأنها تريد أن تكون معه في الدارين جميعا والله أعلم.
التأويل:
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ الروح وَسُلَيْمانَ القلب عِلْماً لدنيا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ وهم الأعضاء والجوارح المستعملة في العبودية. وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ لأن كل إلهام وفيض يصدر من الحضرة الإلهية يكون عبوره على داود الروح إلا أنه للطافته لا
стр. 2814
يحفظها وإنما يحفظها القلب لكثافته، ولذلك كان سليمان أقضى من داود. قوله مَنْطِقَ الطَّيْرِ يعني الرموز والإشارات التي يحفظها بلسان الحال أرباب الأحوال الطائرين في سماء سناء الفناء. وقيل: أراد الخواطر الملكية الروحانية. قوله مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ أي من الصفات الشيطانية والإنسانية والملكية فَهُمْ يُوزَعُونَ على طبيعتهم بالشريعة وادي النمل هوى النفس الحريصة على الدنيا وشهواتها قالَتْ نَمْلَةٌ هي النفس اللوامة يا أيها النمل هي الصفات النفسانية ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ محالكم المختلفة وهي الحواس الخمس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنهم على الحق وأنتم على الباطل لأن الشمس لاحس عندها من نورها ولا من الظلمة التي تزيلها نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بتسخير جنودي لي وعلى والديّ وهما الروح والجسد. أنعم على الروح بإفاضة الفيوض، وعلى الجسد باستعماله في أركان الشريعة. وفي قوله بِنَبَإٍ يَقِينٍ إشارة الى أن من أدب المخبر أن لا يخبر إلا عن يقين وبصيرة ولا سيما عند الملوك. وفي قول سليمان سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ إشارة إلى أن خبر الواحد وإن زعم اليقين لا يعوّل عليه إلا بأمارات أخر. كِتابٌ كَرِيمٌ كأنها عرفت أنها بكرامته تهتدي إلى حضرة الكريم: إن ملوك الصفات الربانية إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً الشخص الإنساني أَفْسَدُوها بإفساد الطبيعة الحيوانية وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها وهم النفس الأمارة وصفاتها أَذِلَّةً بسطوات التجلي وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ مع الأنبياء والأولياء. وفي قوله أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها إشارة إلى أن سليمان كان واقفا على أن في قومه من هو أهل لهذه الكرامة وكرامات الأولياء من قوة إعجاز الأنبياءيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ
فيه دليل على أن سليمان أراد أن ينكحها وإلا لم يجوّز النظر إلى ساقيها. أَسْلَمْتُ
نفسي للنكاح عَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ
وفي الله.
تأويل آخر: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ هم أهل العشق الطيارة في فضاء سماء القدس وجوّ عالم الإنس. والهدهد الرجل العلمي الذي عول على فكره وإعمال قريحته في استنباط خبايا الأسرار وكوامن الأستار. عَذاباً شَدِيداً بالرياضة والمجاهدة. أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ بسكين مخالفات الإرادة. سبأ مدينة الاختلاط والإنس بالإنس والمرأة الدنيا وبهجتها، وعرشها العظيم حب الجاه والمناصب يسجدون لشمس عالم الطبيعة وهو الهوى، والهدية عرض الدنيا وزينتها، والإتيان بالعرش قبل إتيانهم هو إخراج حب الجاه من الباطن حتى تنقاد الأعضاء والجوارح بالكلية لاشتغال العبودية. آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الجاه. والعفريت الرياضة الشديدة والذي عنده علم من الكتاب هو الجذبة التي توازي عمل الثقلين، وتنكير العرش تغيير حب الجاه للهوى بحبه للحق، والقصر قصر التصرف في
стр. 2815
الدنيا للحق بالحق، وكشف الساق كناية عن اشتداد الأمر عليه، والقوارير عبارة عن رؤية بواطن الأمور مع الاشتغال بظواهرها، وهذه من جملة منطق الطير يفهم إن شاء العزيز وحده والله أعلم.
تم الجزء التاسع عشر، ويليه الجزء العشرون وأوله: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...
القراآت:
لتنبيه على الجمع المخاطب وهكذا لتقولن: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالنون فيهما على التكلم مهلك بفتح الميم واللام: أبوبكر غير البرجمي وحماد والمفضل. وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام. الباقون بضم الميم وفتح اللام والكل يحتمل المصدر والمكان والزمان أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وأن الناس بالفتح فيهما: عاصم وحمزة وعلي وخلف وسهل ورويس أَإِنَّكُمْ مذكور في «الأنعام» يُشْرِكُونَ بياء الغيبة:
أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم أَإِلهٌ مثل أَإِنَّكُمْ الريح على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف يذكرون بياء الغيبة: أبو عمرو وهشام. الآخرون بتاء الخطاب بل أدرك بقطع الهمزة وسكون الدال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد المفضل بل ادّرك بهمزة موصولة ودال مشددة: الشموني. الباقون مثله ولكن بألف بعد الدال.
الوقوف:
يَخْتَصِمُونَ هـ الْحَسَنَةِ ج لابتداء استفهام آخر مع اتحاد القائل.
تُرْحَمُونَ هـ مَعَكَ ط تُفْتَنُونَ هـ وَلا يُصْلِحُونَ هـ لَصادِقُونَ هـ لا يَشْعُرُونَ هـ مَكْرِهِمْ ط لمن قرأ. «إنا» بكسر الألف على الاستئناف. أَجْمَعِينَ هـ ظَلَمُوا ط يَعْلَمُونَ هـ يَتَّقُونَ هـ تُبْصِرُونَ هـ النِّساءِ ط تَجْهَلُونَ هـ قَرْيَتِكُمْ ج لاحتمال تقدير لام التعليل يَتَطَهَّرُونَ هـ إِلَّا امْرَأَتَهُ ز لاحتمال أن ما بعده مستأنف والأظهر أنه حال تقديره استثناء امرأته مقدرة في الْغابِرِينَ هـ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ هـ اصْطَفى ط يُشْرِكُونَ هـ ط لأن ما بعده استفهام مستأنف و «أم» منقطعة تقديره بل أمن خلق السموات خير أمّا يشركون وكذلك نظائره ماءً ج للعدول مع اتحاد المقول بَهْجَةٍ ط ولاحتمال الحال أي وقد رد خَيْراً ط الْقِتالُ ط عَزِيزاً هـ ج للآية والعطف فَرِيقاً هـ ج لاحتمال أن يكون ما بعده استئنافا أو حالا تَطَؤُها ط قَدِيراً هـ جَمِيلًا هـ عَظِيماً هـ ضِعْفَيْنِ ط يَسِيراً هـ مرتين لا لأن التقدير وقد أعتدنا كَرِيماً هـ مَعْرُوفاً ج للعطف وَرَسُولِهِ ط تَطْهِيراً هـ لوقوع العوارض بين المعطوفين وَالْحِكْمَةَ ط خَبِيراً هـ عَظِيماً هـ مِنْ أَمْرِهِمْ ط مُبِيناً هـ النَّاسِ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال تَخْشاهُ ط مِنْهُنَّ وَطَراً ط مَفْعُولًا هـ لَهُ ط مِنْ قَبْلُ لا مَقْدُوراً هـ لا بناء على أن الَّذِينَ وصف أو بدل إِلَّا اللَّهَ ط حَسِيباً هـ النَّبِيِّينَ ط عَلِيماً هـ.
التفسير:
القصة الرابعة قصة ثمود، والفريقان المؤمن والكافر. وقيل: صالح وقومه قبل أن يؤمن منهم أحد. والاختصام قول كل فريق الحق معي، وفيه دليل على أن الجدال
стр. 2818
في باب الدين حق. ومعنى استعجالهم بالسيئة قبل الحسنة أنه تعالى قد مكنهم من التوصل إلى رحمة الله وثوابه فعدلوا إلى استعجال عذابه. وقال جار الله: خاطبهم صالح على حسب اعتقادهم وذلك أنهم قدروا في أنفسهم إن التوبة مقبولة عند رؤية العذاب فقالوا: متى وقعت العقوبة تبنا حينئذ، فالسيئة العقوبة، والحسنة التوبة، و «لولا» للتحضيض أي هلا تستغفرون قبل عيان عذابه لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بأن يكشف العذاب عنكم. والحاصل أن التوبة يجب أن تقدم على رؤية العذاب ولا يجوز أن تؤخر، وفيه تنبيه على خطئهم وتجهيل لهم قالُوا اطَّيَّرْنا أي تشاء منا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وكانوا قد قحطوا قالَ طائِرُكُمْ أي سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عِنْدَ اللَّهِ وهو قضاؤه وقدره أو أراد عملكم مكتوب عنده ومنه ينزل بكم العذاب. ومعنى التطير والطائر قد مر في «الأعراف» وفي «سبحان» . ثم جزم بنزول العذاب بقوله بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ أي تعذبون أو تختبرون أو يفتنكم الشيطان بوسوسة الطيرة. ثم حكى سوء معاملتهم مع نبيهم بقوله وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعنى منزلهم المسمى بالحجر وكان بين المدينة والشام تِسْعَةُ رَهْطٍ لم يجمع المميز لأن الرهط في معنى الجمع وهو من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة. والتقاسم التحالف فإن كان أمرا فظاهر وإن كان خبرا فمحله نصب بإضمار «قد» أي قالوا متقاسمين. والتبييت العزم على إهلاك العدوّ ليلا. وأشير على الإسكندر بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر. قال في الكشاف: كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين. ثم قالوا لولاة دمه: ما شهدنا مهلك أهله فإذا ذكروا أحدهما كانوا صادقين لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما. قلت: إنما ارتكب هذا التكلف لأنه استقبح أن يأتي العاقل بالخبر على خلاف المخبر عنه.
يروى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلي فيه فقالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب مبادرين وقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم فهذا مكرهم، فبعث الله صخرة فطبقت عليهم فم الشعب فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب الله كلا في مكانه ونجى صالحا ومن معه وهذا مكر الله.
وقيل: جاؤا بالليل شاهري سيوفهم وقد أرسل الله الملائكة فدمغوهم بالحجارة يرون الحجارة ولا يرون راميا. من قرأ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ بالفتح فمرفوع المحل بدلا من العاقبة أو خبرا لمحذوف أي هي تدميرهم، أو منصوب على أنه خبر «كان» أي كان عاقبة مكرهم الدمار، أو مجرور تقديره: لأنا وجوز في الكشاف على هذا التقدير أن يكون منصوبا بنزع الخافض. وانتصب خاوِيَةً على الحال والعامل معنى الإشارة في تلك. وإنما قال في هذه السورة وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا موافقة لما بعده فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ وَأَمْطَرْنا وكله على «أفعل» . وقال في «حم السجدة» وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [فصلت: ١٨] موافقة لما قبله وما بعده وزينا وقيضنا والله أعلم.
стр. 2819
القصة الخامسة قصة لوط وَانتصب لُوطاً بإضمار «اذكر» أو بما دل عليه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا و «إذ» بدل على الأول بمعنى مجرد الوقت ظرف على الثاني، ويبصرون إما من بصر الحاسة فكأنهم كانوا معلنين بتلك المعصية في ناديهم، أو أراد ترون آثار العصاة قبلكم، أو من بصر القلب والمراد تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا بمثلها، وعلى هذا فمعنى قوله بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أنكم تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو أراد جهلهم بالعاقبة، أو أراد بالجهل السفاهة والمجانة التي كانوا عليها. أو الخطاب في قوله تَجْهَلُونَ تغليب ولو قرىء بياء الغيبة نظرا إلى الموصوف وهو قوم لجاز من حيث العربية، وباقي القصة مذكور في «الأعراف» قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قيل: هو خطاب للوط ﵇ أن يحمد الله على هلاك كفار قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الذنوب وبالنجاة من العذاب. وقيل: أمر لنبينا ﷺ بالتحميد على الهالكين من كفار الأمم وبالتسليم على الأنبياء وأشياعهم الناجين، والأكثرون على أنه خطاب مستأنف لأنه ﷺ كان كالمخالف لمن تقدمه من الأنبياء من حيث إن عذاب الاستئصال مرتفع عن قومه، فأمره الله سبحانه بأن يشكر ربه على هذه النعمة ويسلم على الأنبياء الذين صبروا على مشاق الرسالة. ثم شرع في الدلالة على الوحدانية والرد على عبدة الأوثان، وفيه توقيف على أدب حسن وبعث على التيمن بالحمد والصلاة قبل الشروع في كل كلام يعتد به، ولذا توارثه العلماء خلفا عن سلف فافتتحوا بهما أمام كل كتاب وخطبة، وعند التكلم بكل أمر له شأن. قال جار الله:
معنى الاستفهام «وأم» المتصلة في قوله آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ إلزام وتبكيت وتهكم بحالهم وتنبيه على الخطأ المفرط والجهل المفرط فمن المعلوم أنه لا خير فيما أشركوه أصلا حتى يوازن بينه وبين من هو خالق كل خير ومالكه. قلت: يحمل أن يكون هذا من قبيل الكلام المنصف.
عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قرأها قال: بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم.
ثم عدل عن الاستفهام بذكر الذات إلى الاستفهام بذكر الصفات مبتدئا بما هو أبين الحسيات فقال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وإنما قال هاهنا وَأَنْزَلَ لَكُمْ واقتصر في إبراهيم على قوله وَأَنْزَلَ [إبراهيم: ٣٢] لأن لفظة لَكُمْ وردت هناك بالآخرة، وليس قوله ما كانَ لَكُمْ مغنيا عن ذكره لأنه نفي لا يفيد معنى الأول. ومعنى الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله فَأَنْبَتْنا تأكيد معنى اختصاص الإنبات بذاته لأن الإنسان قد يتوهم أن له مدخلا في ذلك من حيث الغرس والسقي. والحدائق جمع حديقة البستان عليه حائط من الإحداق والإحاطة. والبهجة الحسن والنضارة لأن الناظر يبتهج به. وإنما لم يقل ذوات بهجة على الجمع لأن المعنى جماعة حدائق كما يقال: النساء ذهبت. ومعنى أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أغيره يقرن به ويجعل شريكا له. قال في الكشاف: قوله بَلْ هُمْ بعد الخطاب أبلغ في
стр. 2820
تخطئة رأيهم. قلت: إنما تعين الغيبة هاهنا لأن الخطاب في قوله ما كانَ لَكُمْ إنما هو لجميع الناس أي ما صح وما ينبغي للإنسان أن يتأتى منه الإنبات. ولو قال بعد ذلك بل أنتم لزم أن يكون كل الناس مشركين وليس كذلك. وقوله يَعْدِلُونَ من العدل أو من العدول أي يعدلون به غيره أو يعدلون عن الحق الذي هو التوحيد.
ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها. والقرار المستقر أي دحاها وسواها بحيث يمكن الاستقرار عليها. والحاجز البرزخ كما في «الفرقان» . ثم استدل بحاجة الإنسان إليه على العموم. والمضطر الذي عراه ضر من فقر أو مرض فألجأه إلى التضرع إلى الله سبحانه، وإنه افتعال من الضر. وعن ابن عباس: هو المجهود. وعن السدي: الذي لا حول له ولا قوة. وقيل: هو المذنب ودعاؤه استغفاره. والمضطر اسم جنس يصلح للكل وللبعض فلا يلزم من الآية إجابة جميع المضطرين، نعم يلزم الإجابة بشرائط الدعاء كما مر في «البقرة» وفي ادعوني وقوله وَيَكْشِفُ السُّوءَ كالبيان لقوله يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ والخلافة في الأرض إما بتوارث السكنى وإما بالملك والتسلط وقد مر في آخر «الأنعام» .
وقوله قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ معناه تذكرون تذكرا قليلا، ويجوز أن يراد بالقلة العدم. ثم استدل لحاجة الناس وخصوصا الهداية في البر والبحر بالعلامات وبالنجوم، ثم استدل بأحوال المبدأ والمعاد وما بينهما وذلك أنهم كانوا معترفين بالإبداء ودلالة الإبداء على الإعادة دلالة ظاهرة فكأنهم كانوا مقرين بالإعادة أيضا، فاحتج عليهم بذلك لذلك. والرزق من السماء الماء ومن الأرض النبات. واعلم أن الله سبحانه ذكر قوله أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ في خمس آيات على التوالي وختم الأولى بقوله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ثم بقوله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ثم بقوله قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ثم بقوله تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ والسر فيه أن أول الذنوب العدول عن الحق، ثم لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكروا فيعلموا بالنظر والاستدلال فأشركوا من غير حجة وبرهان.
قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين أن مع الله إلها آخر. وحين بين اختصاصه بكمال القدرة أراد أن يبين اختصاصه بعلم الغيب. قال في الكشاف: هذا على لغة بني تميم يرفعون المستثنى المنقطع على البدل إذا كان المبدل منه مرفوعا يقولون: ما في الدار أحد إلا حمار كأن أحدا لم يذكر كقوله:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
والمعنى إن كان الله ممن في السموات والأرض فهم يعلمون الغيب كما أن معنى البيت إن كانت اليعافير أنيسا ففيها أنيس بتا للقول بخلوها عن الأنيس. قلت: لقائل أن يقول: إن
стр. 2821
استثناء نقيض المقدم غير منتج فلا يلزم من استحالة كون الله سبحانه في كل مكان ممن في السموات والأرض أنهم لا يعلمون الغيب، ولا من امتناع كون اليعافير أنيسا القطع بخلوّ البلدة عن الأنيس. وقال غيره: إن الاستثناء متصل لأن الله سبحانه في كل مكان بالعلم فيصح الرفع عند الحجازيين أيضا. وزيفه في الكشاف بأن كونه في السموات والأرض بالعلم مجاز، وكون الخلق فيهن حقيقة من حيث حصول ذواتهم في تلك الأحياز، ولا يصح أن يريد المتكلم بلفظ واحد حقيقة ومجازا معا. وأجيب بأنا نحمل كون الخلق فيهن على المعنى المجازي أيضا لأنهم أيضا عالمون بتلك الأماكن لا أقل من العلم الإجمالي.
وضعفه في الكشاف بأن فيه إيهام تسوية بين الله وبين العبد في العلم وهو خروج عن الأدب. ومن هنا
قال ﷺ : بئس خطيب القوم أنت.
لمن قال: ومن يعصهما فقد غوى.
والحق أن وقوع اللفظ على الواجب وعلى الممكن بمعنى واحد لا بد أن يكون بالتشكيك إذ هو في الواجب أدل وأولى لا محالة، فهذا الوهم مدفوع عند العاقل ولا يلزم منه سوء الأدب، ولهذا جاز إطلاق العالم والرحيم والكريم ونحوهما على الواجب وعلى الممكن معا من غير محذور شرعي ولا عقلي، وليس هذا كالجمع بين الضميرين إذا كان يمكن للقائل أن يفرق بينهما فيزداد الكلام جزالة وفخامة. عن عائشة: من زعم أنه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية والله تعالى يقول قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق ولم يطلع عليه أحدا لئلا يأمن الخلق مكره.
قال المفسرون: سأل المشركون رسول الله ﷺ عن وقت الساعة فنزلت.
وأيان بمعنى متى. إلا أنه لا يسأل به إلا عن أمر ذي بال وهو «فعال» من آن يئين فلو سمي به لانصرف، وحين ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ولا يشعرون البعث الكائن ووقته بين أن عندهم عجزا آخر أبلغ منه وهو أنهم ينكرون الأمر الكائن مع أن عندهم أسباب معرفته فقال بَلِ ادَّارَكَ أي تدارك. ومن قرأ بغير الألف فهو «افتعل» من الدرك أي تتابع واستحكم. ومعنى أدرك بقطع الهمزة انتهى وتكامل علمهم في الآخرة أي في شأنها ومعناها، ويمكن أن يكون وصفهم باستحكام العلم وتكامله تهكما بهم كما يقول لأجهل الناس: ما أعلمك. وإذا لم يعرفوا نفس البعث يقينا فلأن لا يعرفوا وقته أولى. ويحتمل أن تكون أدرك بمعنى انتهى وفني من قولهم «أدركت الثمرة» لأن تلك غايتها التي عندها تعدم. وقد فسره الحسن باضمحل علمهم وتدارك من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك، وصفهم أوّلا بأنهم لا يشعرون وقت البعث ثم أضرب عن ذلك قائلا إنهم لا يعلمون القيامة فضلا عن وقتها ثم إن عدم العلم قد يكون مع الغفلة الكلية فأضرب عن ذلك قائلا إنهم ليسوا غافلين بالكلية ولكنهم في شك ومرية، ثم إن الشك قد يكون بسبب عدم الدليل فأضرب عن ذلك قائلا إنهم عمون
стр. 2822
عن إدراك الدليل مع وضوحه، وقد جعل الآخرة مبدأ أعمالهم ومنشأه فلهذا عداه بمن دون «عن» والضمائر تعود إلى من في السموات والأرض. وذلك أن المشركين كانوا في جملتهم فنسب فعلهم إلى الجميع كما يقال: بنو فلان فعلوا. وإنما فعله ناس منهم قاله في الكشاف. قلت: قد تقدّم ذكر المشركين في قوله بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ وغيره فلا حاجة إلى هذا التكلف ولو لم يتقدّم جاز للقرينة.
التأويل:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا صالح القلب بالإلهام الرباني إلى صفات القلب وهو الفريق المؤمن، وإلى النفس وصفاتها وهو الفريق الكافر. والسيئة طلب الشهوات واللذات الفانية، والحسنة طلب السعادات الباقية. وكان في مدينة القالب الإنساني تِسْعَةُ رَهْطٍ هم خواص العناصر الأربعة والحواس الخمس يُفْسِدُونَ في أرض القلب بإفساد الاستعداد الفطري تَقاسَمُوا بالموافقة على السعي في إهلاك القلب وصفاته وأن يقولوا لوليه وهو الحق سبحانه. ما أهلكناهم وما حضرنا مع النفس الأمّارة حين قصدت هلاكهم وَمَكَرُوا مَكْراً في هلاك القلب بالهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية وَمَكَرْنا مَكْراً بتوارد الواردات الربانية وتجلي صفات الجمال والجلال وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أن صلاحهم في هلاكهم. فمن قتلته فأنا ديته فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنا أفنينا خواص التسعة وآفاتها وأفنينا قومهم أجمعين وهم النفس وصفاتها فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ وهي القالب والأعضاء التي هي مساكن الحواس خالية عن الحواس المهلكة والآفات الغالبة بِما ظَلَمُوا أي وضعوا من نتائج خواص العناصر وآفات الحواس في غير موضعها وهو القلب، وكان موضعها النفس بأمر الشارع لا بالطبع لصلاح القالب وبقائه وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وهم القلب وصفاته من شر النفس وصفاتها. ولوط الروح إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ وهم القلب والسر والعقل عند تبدل أوصافهم بمجاورة النفس أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهي كل ما زلت به أقدامهم عن الصراط المستقيم وأماراتها في الظاهر إتيان المناهي على وفق الطبع، وفي الباطن حب الدنيا وشهواتها وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ تميزون الخير من الشر. وإتيان الرجال دون النساء عبارة عن صرف الاستعداد فيما يبعد عن الحق لا فيما يقرب منه فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ وهم القلب المريض بتعلق حب الدنيا والسر المكدر بكدورات الرياء والنفاق والعقل المشوب بآفة الوهم والخيال أَخْرِجُوا الصفات الروحانية من قرية الشخص الإنساني إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من لوث الدنيا وشهواتها فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ وهم السر والعقل وصفاتهما من عذاب تعلق الدنيا إِلَّا امْرَأَتَهُ وهي النفس الأمارة بالسوء وَأَمْطَرْنا على النفس وصفاتها مطرا بترك الشهوات فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ أي صعب فإن الفطام من المألوفات شديد وهذه
стр. 2823
حالة مستدعية للحمد والشكر فلهذا قال قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ من تعلقات الكونين وآفات الوجود المجازي عَلى عِبادِهِ أَمَّنْ خَلَقَ سموات القلوب وأرض النفوس وأنزل من سماء القلب ماء نظر الرحمة فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ من العلوم والمعاني والأسرار أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ من الهوى أَمَّنْ جَعَلَ أرض النفس قَراراً في الجسد وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً من دواعي البشرية وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ من القوى والحواس وَجَعَلَ بَيْنَ بحر الروح وبحر النفس حاجِزاً القلب فإن في اختلاطهما فساد حالهما أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ كما زعمت الطبائعية أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ في العدم بلسان الحال وَيَجْعَلُكُمْ مستعدين لخلافته في الأرض أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ كما يزعم أرباب الحلول والاتحاد أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ بر البشرية وبحر الروحانية وإن كانت الروحانية نورانية بالنسبة إلى ظلمة البشرية والمراد يهديكم بإخراجكم من ظلمات البشرية إلى نور الروحانية، ومن ظلمات خلقته الروحانية إلى نور الربوبية وذلك حين يرسل رياح العناية بين يدي سحاب الهداية أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ كما يقول المنجمون: مطرنا بنوء كذا. وكما يقوله قاصروا النظر: هدانا الشيخ والمعلم إلى كذا أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ بالوجود المجازي ثُمَّ يُعِيدُهُ بالوجود الحقيقي إلى عالم الوحدة وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ من سماء الربوبية لتربية الأرواح ومن أرض بشرية الأشباح أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ كائنا من كان دليله أنه لا يعلم الغيب إلا هو ومن جملته علم قيام الساعة والله أعلم.
[سورة النمل (٢٧) : الآيات ٦٧ الى ٩٣]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)
قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)
وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)
وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)
وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)
стр. 2824
القراآت:
أيذا أينا بياء مكسورة بعد همزة مفتوحة: ابن كثير ويعقوب غير زيد.
مثله ولكن بالمد: أبو عمرو وزيد أيذا بهمزة مفتوحة ثم ياء مكسورة إِنَّا بكسر الهمزة وبعدها نون مشددة: سهل إِذا من غير همزة الاستفهام آينا بهمزة ممدودة بعدها ياء مكسورة: يزيد وقالون، مثله ولكن من غير مد: نافع غير قالون أَإِذا بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة إِنَّا بهمزة مكسورة بعدها نون مشددة: علي وابن عامر هشام يدخل بينهما مدة أَإِذا أَإِنَّا بهمزتين مفتوحة ثم مكسورة فيهما: حمزة وخلف وعاصم. ولا يسمع بفتح الياء التحتانية الصُّمَّ بالرفع: ابن كثير وعباس وكذلك في «الروم» . الآخرون بضم التاء الفوقانية وكسر الميم ونصب الصمّ وما أنت تهدي على أنه فعل العمى بالنصب وكذلك في «الروم» حمزة. الباقون بِهادِي على أنه اسم فاعل العمى بالجر أتوه مقصورا على أنه فعل ماض: حمزة وخلف وحفص والمفضل. الآخرون بالمد على أنه اسم فاعل بما يفعلون على الغيبة: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحماد والأعشى والبرجمي والحلواني عن هشام. فَزَعٍ بالتنوين: عاصم وحمزة وعلي وخلف يَوْمَئِذٍ بفتح الميم: حمزة وأبو جعفر ونافع، الباقون بكسرها تَعْمَلُونَ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر ويعقوب وحفص.
الوقوف:
لَمُخْرَجُونَ هـ مِنْ قَبْلُ لا تحرزا عن الابتداء بمقول الكفار الْأَوَّلِينَ هـ الْمُجْرِمِينَ هـ يَمْكُرُونَ هـ صادِقِينَ هـ تَسْتَعْجِلُونَ هـ لا يَشْكُرُونَ هـ وَما يُعْلِنُونَ هـ مُبِينٍ هـ يَخْتَلِفُونَ هـ لِلْمُؤْمِنِينَ هـ بِحُكْمِهِ ج تعظيما للابتداء بالصفتين مع اتفاق الجملتين الْعَلِيمُ هـ ج للآية واختلاف الجملتين وللفاء واتصال المعنى
стр. 2825
أي إذا كان الحكم لله فأسرع التوكل عَلَى اللَّهِ ط الْمُبِينِ هـ مُدْبِرِينَ هـ ضَلالَتِهِمْ ط مُسْلِمُونَ هـ تُكَلِّمُهُمْ ج لمن قرأ بكسر الألف فإنه يحتمل أن يكون الكسر للابتداء ولكونها بعد التكليم لأنه في معنى القول، ومن فتح فلا وقف إذ التقدير تكلمهم بأن لا يُوقِنُونَ هـ يُوزَعُونَ هـ تَعْمَلُونَ هـ لا يَنْطِقُونَ هـ مُبْصِراً ط يُؤْمِنُونَ هـ مَنْ شاءَ اللَّهُ ط داخِرِينَ هـ السَّحابِ ط كُلَّ شَيْءٍ ط تَفْعَلُونَ هـ خَيْرٌ مِنْها لا لأن ما بعده من تتمة الجزاء آمِنُونَ هـ لا لعطف جملتي الشرط فِي النَّارِ هـ تَعْمَلُونَ هـ شَيْءٍ ز للعارض وطول الكلام مع العطف الْمُسْلِمِينَ هـ لا للعطف الْقُرْآنَ ج لِنَفْسِهِ ج الْمُنْذِرِينَ هـ فَتَعْرِفُونَها ط تَعْمَلُونَ هـ.
التفسير:
لما ذكر أن المشركين في شك من أمر البعث عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين عامة شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الأموات بعد صيرورتهم ترابا عند الحس.
قال النحويون: العامل في «إذا» ما دل عليه أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ وهو نخرج والمراد الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى حال الحياة. وإنما ذهبوا إلى هذا التكلف بناء على أن ما بعد همزة الاستفهام وكذا ما بعد «أن» واللام لا يعمل فيما قبلها لأن هذه الأشياء تقتضي صدر الكلام، وتكرير حرف الاستفهام في «إذا» و «أن» جميعا إنكار على إنكار. والضمير في «أنا» لهم ولآبائهم جميعا وقد مر في سورة المؤمنين تفسير قوله لَقَدْ وُعِدْنا وبيان المتشابه فليدّكر. ثم أوعدهم على عدم قبول قول الأنبياء بالنظر في حال الأمم السالفة المكذبة. ولم تؤنث «كان» لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي، أو لأن المراد كيف كان عاقبة أمرهم. والمراد بالمجرمين الكافرون لأن الكفر جرم مخصوص وفيه تنبيه على قبح موقع الجرم أياما كان فعلى المؤمن أن يتخوّف عاقبتها ويترك الجرائم كلها كيلا يشارك الكفرة في هذا الاسم الشنيع. ومعنى قوله وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ الآية. قد مر في آخر «النحل» . وفي هذه الآي تسلية لرسول الله ﷺ على ما كان يناله من قومه. ثم إنهم استعجلوا العذاب الموعود على سبيل السخرية فأمره أن يقول لهم عَسى أَنْ يَكُونَ وهذه على قاعدة وعد الملوك ووعيدهم يعنون بذلك القطع بوقوع ذلك الأمر مع إظهار الوقار والوثوق بما يتكلمون. وإن كان على سبيل الرجاء والطمع ولمثل هذا قال رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي دون أن يقول «ردف لكم الذي» . واللام زائدة للتأكيد كالباء في وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ [البقرة:
١٩٥] أو أريد أزف لكم ودنا لكم بتضمن فعل يتعدى باللام ومعناه تبعكم ولحقكم. وقال بعضهم: المقتضي للعذاب والمؤثر فيه حاصل في الدنيا إلا أن الشعور به غير حاصل كما للسكران أو النائم، فتمام العذاب إنما يحصل بعد الموت وإن كان طرف منه حاصلا في
стр. 2826
الدنيا فلهذا ذكر البعض. ثم ذكر أنه متفضل عليهم بتأخير العقوبة في الدنيا ولكنهم لا يشكرون هذه النعمة فيستعجلون وقوع العقاب بجهلهم، وفيه دليل على أن نعمة الله تعم الكافر والمؤمن. ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم مما يخفون كالقصود والدواعي وعلى ما يظهرون من أفعال الجوارح وغيرها، ولعل الغرض أنه يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله ﷺ ومكايدهم وهو معاقبهم على ذلك. ثم أكد ذلك بأن المغيبات كلها ثابتة في اللوح المحفوظ، والعاقبة إما مصدر كالعافية، وإما اسم غير صفة كالذبيحة والربيئة، وإما صفة والتاء للمبالغة كالراوية في قولهم «ويل للشاعر من راوية السوء» كأنه قيل: وما من شيء شديد الغيبوبة إلا وهو مثبت في الكتاب الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة. ثم بين لدفع شبه القوم إعجاز القرآن المطابق قصصه لما في التوراة والإنجيل مع كونه ﷺ أميا، والمطابق غرضه لما هو الحق في نفس الأمر، وقد حرفه بنوا إسرائيل وجهه كاختلافهم في شأن المسيح في كثير من الشرائع والأحكام، وذكر أنه هدى ورحمة لمن آمن منهم وأنصف أو منهم ومن غيرهم.
ثم ذكر أن من لم ينصف منهم فالله يقضي بينهم بحكمه أي بما يحكم به وهو عدله لأنه لا يقضي إلا بالعدل فسمى المحكوم به حكما وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغالب فيما يريد الْعَلِيمُ بما يحكم وبمن يحكم لهم أو عليهم. ثم أمره بالتوكل وقلة المبالاة بأعداء الدين وعلل ذلك بأمرين: أحدهما أنه على الحق الأبلج وفيه أن صاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله، وثانيهما قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى لأنه إذا علم أن حالهم لانتفاء جدوى السماع كحال الموتى أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهمون والعمي الذين لا يبصرون ولا يهتدون، صار ذلك سببا قويا في إظهار مخالفتهم وعدم الاعتداد بهم. وقوله إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ تأكيد لأن الأصم إذا توجه إلى الداعي لم يرج منه سماع فكيف إذا ولى مدبرا وهداه عن الضلالة كقولك «سقاه عن العمية» . ثم بين أن إسماعه لا يجدي إلا على الذين علم الله أنهم يصدقون بآياته فَهُمْ مُسْلِمُونَ أي مخلصون منقادون لأمر الله بالكلية.
ثم هدد المكلفين بذكر طرف من أشراط الساعة وما بعدها فقال وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ أي دنا وشارف أن يحصل مؤاده ومفهومه عَلَيْهِمْ وهو ما وعدوا به من قيام الساعة والعذاب أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ وهي الجساسة. وقد تكلم علماء الحديث فيها من وجوه:
أحدها في مقدار جسمها. فقيل: إن طولها ستون ذراعا. وقيل: إن رأسها يبلغ السحاب.
وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب. وثانيها في كيفية خلقتها فروي لها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان. وعن ابن جريج في وصفها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل وقرن
стр. 2827
أيل وعنق نعامة وصدر أسد ولون نمر وخاصرة هر وذنب كبش وخف بعير وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعا. وثالثها في كيفية خروجها
عن علي ﵁ أنها تخرج ثلاثة أيام والناس ينظرون فلا يخرج إلا ثلثها.
وعن الحسن: لا يتم خروجها إلا بعد ثلاثة أيام. ورابعها مكان خروجها،
سئل النبي ﷺ من أين تخرج الدابة؟ فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله
يعني المسجد الحرام. وقيل: تخرج من الصفا فتكلمهم بالعربية.
وخامسها في عدد خروجها روي أنها تخرج ثلاث مرات تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن ثم تخرج بالبادية، ثم تكمن دهرا طويلا فبينا الناس في أعظم المساجد حرمة وأكرمها على الله فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون وقوم يقفون نظارة. وسادسها فيما يصدر عنها من الآثار والعجائب فظاهر الآية أنها تكلم الناس، وفحوى الكلام أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ قال جار الله: معناه أن الناس كانوا لا يوقنون بخروجي لأن خروجها من الآيات. ومن قرأ (إن) مكسورة فقولها حكاية قول الله فلذلك قالت بِآياتِنا أو المعنى بآيات ربنا فحذف المضاف أو سبب الإضافة اختصاصها بالله كما يقول بعض خاصة الملك: خيلنا وبلادنا. وإنما هي خيل مولاه وبلاده. عن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام. وعن ابن عمر:
تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه ثم تستقبل المشرق ثم الشام ثم اليمن فتفعل مثل ذلك.
روي بينا عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون وإذ تضطرب الأرض تحتهم تحرك القنديل وينشق الصفا مما يلي المسعى فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه ويكتب بين عينيه «مؤمن» وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه ويكتب بين عينيه «كافر» .
وروي أنها تقول لهم: يا فلان أنت من أهل الجنة ويا فلان أنت من أهل النار. وقيل: تكلمهم من الكلم على معنى التبكيت والمراد به الجرح وهو الوسم بالعصا والخاتم.
ثم ذكر طرفا مجملا من أهوال يوم القيامة قائلا وَيَوْمَ أي واذكر يوم نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً أي جماعة كثيرة مِمَّنْ يُكَذِّبُ هذه للتبيين والأولى للتبعيض وقوله بِآياتِنا يحتمل معجزات جميع الرسل أو القرآن خاصة. وقد مر معنى قوله فَهُمْ يُوزَعُونَ في وصف جنود سليمان أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا فيكبكبوا في النار. وعن ابن عباس: الفوج أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يحشر قادة سائر الأمم بين أيديهم إلى النار. والواو في قوله وَلَمْ
стр. 2828
تُحِيطُوا
للحال كأنه قيل: أكذبتم بآياتي بادي الرأي من غير الوقوف على حقيقتها وأنها جديرة بالتصديق أو بالتكذيب. ويجوز أن تكون الواو للعطف والمعنى أجحدتموها ومع جحودكم لم تلقوا أذهانكم لتفهمها، فقد يجحد المكتوب إليه كون الكتاب من عند من كتبه ومع ذلك لا يدع تفهم مضمونه وأن يحيط بمعانيه. قال جار الله: أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ للتبكيت لا غير لأنهم لم يعملوا إلا التكذيب ولم يشتهر من حالهم إلا ذلك. وجوّز أن يراد ما كان لكم عمل في الدنيا إلا الكفر والتكذيب أم ماذا كنتم تعملون من غير ذلك كأنكم لم تخلقوا إلا لأجله. وقال غيره: أراد لما لم يشتغلوا بذلك العمل المهم وهو التصديق فأيّ شيء يعملونه بعد ذلك؟ لأن كل عمل سواه فكأنه ليس بعمل. قال المفسرون: يخاطبون بهذا قبل كبهم في النار ثم يكبون فيها وذلك قوله وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أي العذاب الموعود يغشاهم بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فيشغلهم عن النطق والاعتذار. ثم بعد أن خوّفهم بأهوال القيامة وأحوالها ذكر ما يصلح أن يكون دليلا على التوحيد وعلى الحشر وعلى النبوّة مبالغة في الإرشاد إلى الإيمان والمنع من الكفر فقال أَلَمْ يَرَوْا الآية.
ووجه دلالته على التوحيد أن التقليب من النور إلى الظلمة وبالعكس لا يتم إلا بقدرة قاهرة، ودلالته على الحشر أن النوم يشبه الموت والانتباه يشبه الحياة، ودلالته على النبوّة أن كل هذا لمنافع المكلفين وفي بعثة الرسل إلى الخلق أيضا منافع جمة، فما المانع لمفيض الخيرات من إيصال بعض المنافع دون البعض، أو من رعاية بعض المصالح دون البعض؟
ووصف النهار بالإبصار إنما هو باعتبار صاحبه وقد مر في «يونس» . والتقابل مراعى في الآية من حيث المعنى كأنه قيل: ليسكنوا فيه وليبصروا فيه طرق التقلب في المكاسب. ثم عاد إلى ذكر علامة أخرى للقيامة فقال وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وقد تقدم تفسيره في «طه» و «المؤمنين» . وقوله فَفَزِعَ كقوله وَنادى [الأعراف: ٤٨] وَسِيقَ [الزمر: ٧٣] والمراد فزعهم عند النفخة الأولى حين يصعقون إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال أهل التفسير: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة. وهم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وقيل: هم الشهداء. وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش. وعن جابر أن منهم موسى لأنه صعق مرة. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة فَفَزِعَ موافقة لقوله وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وفي «الزمر» قال فَصَعِقَ [الزمر: ٦٨] لأن معناه فمات وقد سبق إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] .
ومعنى داخِرِينَ صاغرين أذلاء. وقيل: معنى الإتيان حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية. وجوّز أن يراد رجوعهم إلى أمره وانقيادهم له. قال أهل المناظرة: إن الأجسام
стр. 2829
الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مرا حثيثا، فأخبر الله سبحانه أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ قال جار الله صُنْعَ اللَّهِ من المصادر المؤكدة كقوله «وعد الله» إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ل يَوْمَ يُنْفَخُ والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت، أثاب الله المحسنين وعاقب المجرمين صنع الله، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب. قلت: لا يبعد أن يكون الناصب ل يَوْمَ يُنْفَخُ هو «اذكر» مقدرا، ويكون صُنْعَ اللَّهِ مصدرا مؤكدا لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع الله. قال القاضي عبد الجبار: في قوله أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه. وأجيب بأن الآية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات. قلت: ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ وإذا كان خبيرا بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الأشعري، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان والله أعلم. ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها إلى آخر الآيتين. وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية، وأما الأعمال القلبية من المعرفة والإخلاص فلا جزاء لها سوى الالتذاذ بلقاء الله والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا الله أهلا لذلك. وقيل: المراد فله خير حاصل منها. وعن ابن عباس: أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان. واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم.
وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلدا. ثم وعد المحسنين أمرا آخر وهو قوله وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وآمن يعدّى بالجار وبنفسه. والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون. وأما حال العصاة فأن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين. وقوله هَلْ
стр. 2830
تُجْزَوْنَ
الخطاب فيه إما على طريقة الالتفات وإما على سبيل الحكاية بإضمار القول أي يقال لهم عند الكب هذا القول. ثم ختم السورة بخلاصة ما أمر به رسوله وذلك أشياء منها:
عبادة الرب سبحانه. ثم وصف الرب بأمرين احترازا من أرباب أهل الشرك أولهما كونه ربا لما هو أقرب في نظر قريش وهو بلدة مكة حرسها الله. وفيه نوع منة عليهم كقوله حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] وثانيهما عام وهو قوله وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ومنها أمره بالإسلام وهو الإذعان الكلي لأوامر الله بجميع أعضائه وجوارحه. ومنها أمره بتلاوة القرآن أي بتلوّه أي أتباعه وقد قام رسول الله ﷺ بكل ما أمر به أتم قيام حتى خوطب بقوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ٢] ثم لما بين سيرته ذكر أن نفع الاهتداء ووبال الضلال لا يعود إلا إلى المكلف أو عليه وليس على الرسول إلا البلاغ والإنذار. ثم جعل ختم الخاتمة الأمر بالحمد كما هو صفة أهل الجنة وبعد أمره بالحمد على نعمة النبوة والرسالة هدّد أعداءه بما سيريهم في الآخرة من الآيات الملجئة إلى الإقرار وذلك حين لا ينفعهم الإيمان. قاله الحسن. وعن الكلبي: هي الدخان وانشقاق القمر وما حل بهم من العقوبات في الدنيا. وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ولكنه من وراء جزاء العاملين.
التأويل:
قُلْ سِيرُوا في أرض البشرية فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ لأن خواص نفوسهم أنموذج من جهنم كما أن خواص أهل القلوب أنموذج من الجنة وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ لأنه خمر طينة آدم بيديه أربعين صباحا ونفخ فيه من روحه فهو مطلع على قالبه وعلى قلبه ولهذا قال وَما مِنْ غائِبَةٍ من الخواص في سماء القلب وأرض القالب إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو علم الله تعالى أن هذا القرآن يقص لأن كل كتاب كان مشتملا على شرح مقام ذلك النبي ولم يكن لنبي مقام في القرب مثل نبينا، فلا جرم لم يكن في كتبهم من الحقائق مثل ما في القرآن ولهذا قال إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين هذه الأمة وبين أمة كل نبي بحكمه أي بحكمته بأن يبلغ متابعي كل نبي إلى مقام نبيهم ويبلغ متابعي نبينا ﷺ إلى مقام المحبة. فاتبعوني يحببكم الله وَهُوَ الْعَزِيزُ الذي لعزته لا يهدي كل مثمن إلى مقام حبيبه الْعَلِيمُ بمن يستحق هذا المقام. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ في دعوة الخلق إلى الله وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ وذلك بعد البلوغ ومضى زمان الرعي في مراتع البهيمية أَخْرَجْنا لَهُمْ من تحت أرض البشرية دَابَّةً تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ وهي النفس الناطقة فإنها إلى الآن كانت موصوفة بصفة الصمم والبكم بتبعية النفس الأمارة التي لا توقن هي وصفاتها بالدلائل. وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ
стр. 2831
كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ
من كلامه وهي صفات الروح والقلب وذلك بعد التصفية والمداومة على الذكر والفكر، حتى إذا رجعوا إلى الحضرة قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بعد أن كنتم مصدقيها عند خطاب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] وهذا خطاب فيه استبطاء وعتاب وقع قول يحبهم عليه بدل ما ظلموا فهم لا ينطقون
كقوله «من عرف الله كل لسانه»
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً جعلنا ليل البشرية سببا لاستجمام القلب ونهار الروحانية بتجلي شمس الربوبية مبصرا يبصر به الحق من الباطل. وَيَوْمَ يُنْفَخُ إسرافيل المحبة في صور القلب فَفَزِعَ من في سموات الروح من الصفات الروحانية ومن في أرض البشرية من الصفات النفسانية إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ من أهل البقاء الذين أحيوا بحياته وأفاقوا بعد صعقة الفناء وهي النفخة الأولى في بداية تأثير العناية للهداية وإلقاء المحبة التي تظهر القيامة في شخص المحب. وفزع الصفات هيجانها للطلب بتهييج أنوار المحبة إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وهو الخفي وهي لطيفة في الروح بالقوة وإنما تصير بالفعل عند طلوع شموع الشواهد وآثار التجلي فلا يصيبه الفزع بالنفخة الأولى ولا تدركه الصعقة بالنفخة الثانية وَتَرَى جبال الأشخاص جامِدَةً على حالها وَهِيَ تَمُرُّ بالسير في الصفات وتبديل الأخلاق مَرَّ السَّحابِ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ وهي القلب والرب هو الله كما أن رب بلدة القالب هو النفس الأمارة وأنه تعالى حرم بلدة القلب على الشيطان كما قال يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: ٥] دون أن يقول «في قلوب الناس» سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها فيه إذا لم ير الآيات لم يمكن عرفانها اللهم اجعلنا من العارفين واكشف عنا غطاءنا بحق محمد وآله صلى الله وسلم عليهم.
القراآت:
ويرى بفتح الياء وإمالة الراء فرعون وهامان وجنودهما مرفوعات:
حمزة وعلي وخلف وهكذا قرؤا قوله وحزنا بضم الحاء وسكون الزاي الباقون بفتحها.
الوقوف:
طسم كوفي. الْمُبِينِ هـ يُؤْمِنُونَ هـ نِساءَهُمْ ط الْمُفْسِدِينَ هـ الْوارِثِينَ هـ لا للعطف يَحْذَرُونَ هـ أَرْضِعِيهِ ج للفاء مع احتمال الابتداء بإذا الشرطية وَلا تَحْزَنِي ج للابتداء بإن مع أن التقدير فإنا. مِنَ الْمُرْسَلِينَ هـ وَحَزَناً ط خاطِئِينَ هـ وَلَكَ ط لا تَقْتُلُوهُ ق والوجه الوصل لأن الرجاء بعده تعليل للنهي.
لا يَشْعُرُونَ هـ فارِغاً ط الْمُؤْمِنِينَ هـ قُصِّيهِ ز بناء على أن التقدير فتبعته فبصرت لا يَشْعُرُونَ هـ لا بناء على أن الواو للحال أي وقد حرمنا وقوله فَقالَتْ عطف على قوله فَبَصُرَتْ والحال معترض ناصِحُونَ هـ لا يَعْلَمُونَ هـ وَعِلْماً هـ الْمُحْسِنِينَ هـ يَقْتَتِلانِ لا لأن ما بعده صفة الرجلين ظاهرا ولكن مع إضمار أي يقال لهما هذا من شيعته وهذا من عدوّه، وليس ببعيد أن يكون مستأنفا من عَدُوِّهِ الأول ج لأن ما يتلوه معطوف على قوله فوجد مع اعتراض عارض من عَدُوِّهِ الثاني لا للعطف عليه مع عدم اتحاد القائل الشَّيْطانِ ط مُبِينٌ هـ فَغَفَرَ لَهُ ط الرَّحِيمُ هـ لِلْمُجْرِمِينَ هـ يَسْتَصْرِخُهُ ط مُبِينٌ ط لَهُما لا لأن ما بعده جواب «لما» بِالْأَمْسِ ط للابتداء بالنفي والوصل أوجه لاتحاد القائل الْمُصْلِحِينَ هـ يَسْعى ز لعدم العاطف مع اتحاد القول مِنَ النَّاصِحِينَ هـ يَتَرَقَّبُ ز لما قلنا في يَسْعى الظَّالِمِينَ هـ.
التفسير:
فاتحة هذه السورة كفاتحة سورة الشعراء. نَتْلُوا عَلَيْكَ على لسان جبرائيل مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ أي طرفا من خبرهما متلبسا بِالْحَقِّ أو محقين لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لأن التلاوة إنما تنفع هؤلاء. ثم شرع في تفصيل هذا المجمل وفي تفسيره كأن سائلا سأل:
وكيف كان نبؤهما؟ فقال مستأنفا إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ أي طغى وتكبر في أرض مملكته وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا يشيعونه على ما يريد ويطيعونه أو جعلهم أصنافا في استخدامه فمن بان وحارث وغير ذلك، أو فرقا مختلفة بينهم عداوة ليكونوا له أطوع وهم
стр. 2834
بنو إسرائيل والقبط. وقوله يَسْتَضْعِفُ حال من الضمير في جَعَلَ أو صفة شِيَعاً أو مستأنف. ويُذَبِّحُ بدل منه. وقوله إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ بيان أن القتل من فعل أهل الفساد لا غير لأن الكهنة إن صدقوا فلا فائدة في القتل، وإن كذبوا فلا وجه للقتل اللهم إلا أن يقال: إن النجوم دلت على أنه يولد ولد لو لم يقتل لصار كذا وكذا، وضعفه ظاهر لأن المقدر كائن البتة وَنُرِيدُ حكاية حال ماضية معطوفة على قوله إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فهذه أيضا تفسير للنبأ. وجوز أن يكون حالا من الضمير في يَسْتَضْعِفُ أي يستضعفهم هو ونحن نريد أن نمنّ عليهم في المآل، فجعلت إرادة الوقوع كالوقوع. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً مقدمين في أمور الدين والدنيا. وعن ابن عباس: قادة يقتدى بهم في الخير. وعن مجاهد:
دعاة إلى الخير وعن قتادة: ولاة أي ملوكا. ومعنى الوراثة والتمكين في أرض مصر والشام هو أن يرثوا ملك فرعون وينفذ فيه أمرهم، والذي كانوا يحذرون منه هو ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم. يروى أنه ذبح في طلب موسى تسعون ألف وليد.
قال ابن عباس: إن أم موسى لما قربت ولادتها أرسلت إلى قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بالحبالى وكانت مصافية لأم موسى وقالت لها: قد نزل بي ما نزل ولينفعني حبك، فعالجتها فلما وقع على الأرض هالها نور بين عينيه، وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها، ثم قالت: ما جئتك إلا لأخبر فرعون ولكن وجدت لابنك هذا حبا شديدا فاحفظيه. فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها نفر من بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخل على أم موسى فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس فلفته في خرقة ووضعته في تنور مسجور لم تعقل ما تصنع لما طاش من عقلها. فدخلوا فإذا التنور مسجور وإذا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن فقالوا:
لم دخلت القابلة عليك؟ قالت: إنها حبيبة لي دخلت للزيارة. فخرجوا من عندها ورجع إليها عقلها فقالت: يا أخت موسى أين الصبي؟ فقالت: لا أدري سمعت بكاءه في التنور، فانطلقت إليه وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما. فلما ألح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها أن يذبح فألهمها الله تعالى أن تتخذ له تابوتا ثم تقذف التابوت في النيل. فجاءت إلى النجار وأمرته بنجر تابوت طوله خمسة أشبار في عرض خمسة فعلم النجار بذلك فجاء إلى موكل بذبح الأبناء فاعتقل لسانه فرجع ثم عاد مرات فعلم أنه من الله فأقبل على النجر.
وقيل: لما فرغ من صنعة التابوت ثم أتى فرعون يخبره فبعث معه من يأخذه فطمس الله على عينيه وقلبه بألم فلم يعرف الطريق، وأيقن أنه من الله وأنه هو المولود الذي يخافه فرعون فآمن في الوقت وهو مؤمن آل فرعون. وانطلقت أم موسى وألقته في النيل، وكانت لفرعون بنت لم يكن له ولد غيرها، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى أبيها، وكان بها برص شديد وكان فرعون قد شاور الأطباء والسحرة في أمرها فقالوا: يا أيها الملك لا تبرأ
стр. 2835
هذه إلا من قبل البحر يوجد منه شبيه الإنس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك في يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس. فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومع آسية زوجته، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على الشاطئ إذ أقبل النيل بتابوت تضربه الأرياح والأمواج وتعلق بشجرة فقال فرعون: ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فنظرت آسية فرأت نورا في جوف التابوت لم يره غيرها فعالجته ففتحته فإذا هو صبي صغير في مهده يمص إبهامه لبنا، وإذا نور بين عينيه فألقى الله محبته في قلوب القوم، وعمدت ابنة فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرئت وضمته إلى صدرها. فقال الأعزة من قوم فرعون: إنا نظن أن هذا هو الذي تحذر منه، فهمّ فرعون بقتله فاستوهبته امرأة فرعون وتبنته فترك قتله.
قال علماء البيان: اللام في قوله لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا لام العاقبة وأصلها التعليل إلا أنه وارد هنا على سبيل المجاز استعيرت لما يشبه التعليل من حيث إن العداوة والحزن كان نتيجة التقاطهم كما أن الإكرام مثلا نتيجة المجيء في قولك «جئتك لتكرمني» وبعبارة أخرى، إن مقصود الشيء والغرض منه هو الذي يؤل إليه أمره فاستعملوه هذه اللام فيما يؤل إليه الأمر على سبيل التشبيه وإن لم يكن غرضا. ومعنى كونهم خاطئين هو أنهم أخطؤا في التدبير حيث ربوا عدوّهم في حجرهم أو أنهم أذنبوا وأجرموا، وكان عاقبة ذلك أن يجعل الله في تربيتهم من على يديه هلاكهم. قال النحويون قُرَّتُ عَيْنٍ خبر مبتدأ محذوف أي هو قرة عين ولا يقوى أن يجعل مبتدأ ولا تَقْتُلُوهُ خبرا لأن الطلب لا يقع خبرا إلا بتأويل، ولو نصب لكان أقوى لأن الطلب من مظان النصب.
روي في حديث أن آسية حين قالت قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ قال فرعون: لك لا لي،
ولو قال هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها. ثم إنها رأت فيه مخايل اليمن ودلائل النفع وتوسمت فيه أمارات النجابة فقالت عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً فإنه أهل للتبني وذلك لما عاينت من النور وارتضاع الإبهام وبرء البرصاء. قال في الكشاف وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حال من آل فرعون. وقوله إِنَّ فِرْعَوْنَ الآية. جملة اعتراضية واقعة بين المعطوف والمعطوف عليه مؤكدة لمعنى خطئهم والتقدير: فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا. وقالت امرأة فرعون كذا وهم لا يشعرون أنهم على خطأ عظيم في التقاطه ورجاء النفع منه وتبنيه. قلت: لا يبعد أن تكون الجملة حالا من فاعل قالَتْ أي قالت كذا وكذا في حال عدم شعورهم بالمئال وهو أن هلاكهم على يده وبسببه. وقال الكلبي: أي لا يشعرون بنو إسرائيل وأهل مصر أنا التقطناه.
стр. 2836
قوله سبحانه وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً قال الحسن: أي فارغا من كل هم إلا من هم موسى. وقال أبو مسلم: فراغ الفؤاد هو الخوف والإشفاق كقوله وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ [إبراهيم: ٤٣] أي جوف لا عقول فيها وذلك أنها حين سمعت بوقوعه عند فرعون طار عقلها جزعا ودهشا. وقال محمد بن إسحاق والحسن في رواية: أي فارغا من الوحي الذي أوحينا إليها وذلك قولنا فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي الغرق وسائر المخاوف وَلا تَحْزَنِي والخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع فنهيت عنهما جميعا، فجاءها الشيطان وقال لها: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجر فتوليت إهلاكه. ولما أتاها خبر موسى أنه وقع إلى يد فرعون أنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: فارغا من الخوف فالله تعالى يقول لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها وهل يربط إلا على قلب الجازع المحزون؟ أما من فسر الفراغ بحصول الخوف فعنده معنى قوله إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ هو أنها كادت تحدث بأن الذي وجدتموه ابني قاله ابن عباس. وفي رواية عكرمة كادت تقول وابناه من شدة وجدها به، وذلك حين رأت الموج يرفع ويضع. وقال الكلبي:
ذلك حين سمعت الناس يقولون إنه ابن فرعون. ثم قال لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها بإلهام الصبر كما يربط على الشيء المتفلت ليستقر ويطمئن لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين بوعد الله وهو قوله إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ. وأما من فسره بعدم الخوف فالمعنى عنده أنها صارت مبتهجة مسرورة حين سمعت أن فرعون تبناه وعطف عليه، وأن الشأن أنها قاربت أن تظهر أنه ولدها لولا أن ألهمناها الصبر لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لتبني فرعون وتعطفه. والأول أظهر بدليل قوله وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ أي اقتفي أثره وانظري أين وقع وإلى من صار، وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم فَبَصُرَتْ بِهِ أي أبصرته عَنْ جُنُبٍ عن بعد أي نظرت إليه مزورّة متجانفة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بحالها وغرضها. والتحريم هاهنا لا يمكن حمله على النهي والتعبد ظاهرا فلذلك قيل: إنه مستعار للمنع لأن من حرم عليه شيء فقد منعه. وكان لا يقبل ثدي مرضع إما لأنه تعالى منع حاجته إلى اللبن وأحدث فيه نفار الطبع عن لبن سائر النساء، وإما لأنه أحدث في ألبانهن من الطعم ما ينفر عنه طبعه.
وعن الضحاك: أن أمه أرضعته ثلاثة أشهر فعرف ريحها. والْمَراضِعَ جمع مرضعة وهي المرأة التي تصلح للإرضاع، أو جمع مرضع وهو الثدي، أو الرضاع، فالأول مكان والثاني مصدر ومِنْ قَبْلُ أي من قبل قصصها أثره، أو من قبل أن رددناه إلى أمه، أو من قبل ولادته في حكمنا وقضائنا.
روي أنها لما قالت وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ قال هامان: إنها لتعرفه وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت وهم للملك ناصحون.
والنصح إخلاص العمل من شائبة
стр. 2837
الفساد. والمراد أنهم يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ولا يمنعون ما ينفعه في تربيته وغذائه. فانطلقت إلى أمها بأمرهم فجاءت بها والصبي يعلله فرعون شفقة عليه وهو يبكي يطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس والتقم ثديها. فقال لها فرعون: ومن أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ قالت: إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وعين أجرها. قال في الكشاف: إنما أخذت الأجر على إرضاع ولدها لأنه مال حربي استطابته على وجه الاستباحة. قلت: ولعل ذلك لدفع التهمة فإن مال الحربي لم يكن مستطابا بدليل قوله وأحلت لي الغنائم قالوا: كانت عالمة بأن الله تعالى سينجز وعده ولكن ليس الخبر كالعيان فلهذا قال سبحانه وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي أكثر الناس لا يَعْلَمُونَ حقية وعده في ذلك العهد وبعده لإعراضهم عن النظر في آيات الله. وقال الضحاك ومقاتل: يعني أهل مصر لا يعلمون أن الله وعد رده إليها. قلت: ويؤيد هذا القول أنه اقتصر على الضمير دون أن يقول «ولكن أكثر الناس» كما قال في سورة يوسف وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] وقيل: هذا تعريض بما فرط منها حين سمعت بخبر موسى فجزعت وأصبح فؤادها فارغا، وعلى هذا يحتمل أن يكون قوله وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ من جملة ما يعلمها أي ولتعلم حقية وعد الله وهذا الاستدراك. وجوز في الكشاف أن يتعلق الاستدراك بقوله وَلِتَعْلَمَ المقصود أن الرد به إنما كان لهذا الغرض الديني وهو العلم بصدق وعد الله وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أن هذا هو الغرض الأصلي الذي ما سواه تبع له من قرة العين وذهاب الحزن.
ثم بين سبحانه كمال عنايته في حقه كما بين في قصة يوسف قائلا: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وزاد هاهنا قوله وَاسْتَوى فقيل: بلوغ الأشد والاستواء بمعنى واحد. والأصح أنهما متغايران. والأشد عبارة عن البلوغ، والاستواء إشارة إلى كمال الخلقة. وعن ابن عباس:
الأشد ما بين الثمانية عشر إلى ثلاثين، والاستواء من الثلاثين إلى الأربعين. وهو عند الأطباء سن الوقوف. فلعل يوسف أعطى النبوة في سن النمو وأعطى موسى إياها في سن الوقوف. والعلم التوراة، والحكم السنة، وحكمة الأنبياء سنتهم- قيل: ليس في الآية دلالة على أن هذه النبوة كانت قبل قتل القبطي أو بعده لأن الواو في قوله وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ لا تفيد الترتيب. قلت: يشبه أن يستدل على أن النبوة كانت بعد قتل القبطي بأنها كانت بعد تزوجه بنت شعيب، والتزوج كان بعد فراره منهم إلى مدين كما قرره تعالى في هذه السورة.
وقد أجمل ذلك في الشعراء حيث قال حكاية عن موسى فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً [الشعراء: ٢١] وعلى هذا يمكن أن يراد بالواو
стр. 2838
الترتيب ويكون المعنى: آتيناه سيرة الحكماء والعلماء قبل البعث فكان لا يفعل فعلا يستجهل فيه. أما المدينة فالجمهور على أنها القرية التي كان يسكنها فرعون عن فرسخين من مصر. وقال الضحاك: هي عين شمس. وقيل: هي مصر. وحين غفلتهم بين العشاءين أو وقت القائلة أو يوم عيد اشتغلوا فيه باللهو. وقيل: أراد غفلتهم عن ذكر موسى وأمره، وذلك أنه حين ضرب رأس فرعون بالعصا ونتف لحيته في الصغر أمر فرعون بقتله فجيء بجمر فأخذه في فيه فقال فرعون لا أقتله ولكن أخرجوه عن الدار والبلد فأخرج ولم يدخل عليهم حتى كبر والقوم نسوا ذكره. قاله السدي. وقيل: إن الغفلة لموسى من أهلها وذلك أنه لما بلغ أشده وآتاه الله الرشد علم أن فرعون وقومه على الباطل فكان يتكلم بالحق ويعيب دينهم وينكر عليهم، فأخافوه فلا يدخل قرية إلا على تغفل وتستر. قال الزجاج: قوله هذا وَهذا وهما غائبان على جهة الحكاية أي وجد فيها رجلين يقتتلان إذا نظر الناظر إليهما قال: هذا من شيعته وهذا من عدوه. عن مقاتل: أن الرجلين كانا كافرين إلا أن أحدهما من بني إسرائيل والآخر من القبط. واحتج عليه بأن موسى قال له إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ والمشهور أن الذي من شيعته كان مسلما كأنه قال ممن شايعه على دينه. وإنما وصفه بالغي لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر على أن بني إسرائيل فيهم غلظة الطباع فيمكن أن ينسبوا إلى الغواية بذلك الاعتبار، ألا ترى أنهم قالوا بعد مشاهدة الآيات: اجعل لنا إلها.
يروى أن القبطي أراد أن يتسخر الإسرائيلي في حمل الحطب إلى مطبخ فرعون.
وقيل: إن الإسرائيلي هو السامري فَاسْتَغاثَهُ سأله أن يخلصه منه فَوَكَزَهُ أي دفعه بأطراف الأصابع أو بجمع الكف فَقَضى عَلَيْهِ أي أماته وقتله. الطاعنون في عصمة الأنبياء قالوا: إن كان القبطي مستحق القتل فلم قال هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ وقال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وإن لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنبا؟ وأيضا قوله هذا مِنْ عَدُوِّهِ يدل على أنه كان كافرا حربيا وكان دمه مباحا والاستغفار من القتل المباح غير جائز.
وأجيب أنا نختار أنه للكفرة كان مباح الدم إلا أن الأولى تأخير قتله إلى زمان آخر. فقوله هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان، أو هذا إشارة إلى عمل المقتول وهو كونه مخالفا الله، أو هو إشارة إلى المقتول يعني أنه من جند الشيطان وحزبه، والاستغفار من ترك الأولى سنة المرسلين، أو أراد أني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الكافر ولو عرف ذلك فرعون لقتلني به فَاغْفِرْ لِي فاستره على هذا كله. إذا سلم أنه كان نبيا في ذلك الوقت وفيه ما فيه قالت المعتزلة: في قوله هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ دليل على أن المعاصي ليست بخلق الله. ولقائل أن يقول: الشيطان من خلق الله فضلا عما يصدر عن الشيطان على أن المشار إليه يحتمل أن يكون شيئا آخر كما قررنا.
стр. 2839
قوله بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ قيل: أراد به القوة وأنه لن يستعملها إلا في مظاهرة أولياء الله وعلى هذا يكون ما أقدم عليه من إعانة الإسرائيلي على القبطي طاعة، إذ لو كانت معصية لصار حاصل الكلام بما أنعمت عليّ بقبول توبتي فإني أكون مواظبا على مثل تلك المعصية.
وقال القفال: الباء للقسم كأنه أقسم بما أنعم الله عليه من المغفرة أن لا يظاهر مجرما. وأراد بمعاونة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون، وإما مظاهرة من تؤدي مظاهرته إلى ترك الأولى. وقال الكسائي والفراء: إنه خبر ومعناه الدعاء كأنه قال: فلا تجعلني ظهيرا والفاء للدلالة على تلازم ما قبلها وما بعدها. وفي الآية دلالة على عدم جواز إعانة الظلمة والفسقة حتى بري القلم وليق الدواة. عن ابن عباس: أنه لم يستثن أي لم يقل. فلن أكون إن شاء الله فابتلي به مرة أخرى. وفي هذه الرواية نوع ضعف فإنه ترك الإعانة في المرة الثانية، ولئن صحت فلعله أراد أنه جرت صورة تلك القضية عليه إلا أن الله عصمه، وبعد موت القبطي من الوكز فَأَصْبَحَ موسى من غد ذلك اليوم خائِفاً يَتَرَقَّبُ الأخبار وما يقال فيه فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يطلب نصرته بصياح وصراخ فنسبه موسى لذلك إلى الغواية، فإن كثرة المخاصمة على وجه يؤدّي إلى الاستنصار خلاف طريقة الرشد. فغويّ بمعنى غاو. وجوز بعض أهل اللغة أن يكون بمعنى مغو لأنه أوقع موسى فيما أوقع ثم طلب منه مثل ذلك وهو نوع من الإغواء. قال بعضهم: لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غويّ ورأى فيه الغضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده فقال أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس إلا هو وصار ذلك سببا لظهور القتل ومزيد الخوف. وقال آخرون: بل هو قول القبطي وقد كان عرف القضية من الإسرائيلي وهذا القول أظهر لأن قوله إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ لا يليق إلا أن يكون قولا للكافر. قال جار الله:
الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن. وقيل: هو العظيم الذي لا يتواضع لأمر الله . وحين وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وهموا بقتل موسى فأخبره بذلك رجل وهو قوله وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ أي من أبعد مسافاتها إليه. وقوله يَسْعى صفة أخرى لرجل أو حال لأنه قد تخصص بالوصف، وإن جعل الظرف صلة لجاء حتى يكون المجيء من هنالك تعين أن يكون يسعى وصفا. قال العلماء: الأظهر في هذه السورة أن يكون الظرف وصفا وفي «يس» أن يكون صلة، ولذلك خصت بالتقدم ويؤيده ما جاء في التفسير أنه كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرسل سعى مستعجلا. والائتمار التشاور لأن كل واحد من المتشاورين يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمره ومعنى يَأْتَمِرُونَ بِكَ يتشاورون بسببك. وقوله لَكَ مِنَ
стр. 2840
النَّاصِحِينَ
كقوله فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف: ٢٠] وقد مر أن الجار في مثل هذه الصورة بيان لا صلة. فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ المكروه من جهتهم وأن يلحق به قالَ ملتجئا إلى الله رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وفيه دليل على أن قتله القبطي لم يكن ذنبا وإلا لم يكونوا ظالمين بطلب القصاص.
التأويل:
إِنَّ فِرْعَوْنَ النفس الأمارة استولى على من في الأرض الإنسانية وَجَعَلَ أَهْلَها وهم الروح والسر والعقل أصنافا في الاستخدام لاستيفاء الشهوات يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً وهم صفات القلب، الأبناء الصفات الحميدة المتولدة من ازدواج الروح والقلب، والنساء الصفات الذميمة المتولدة من ازدواج النفس والبدن إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ للاستعداد الفطري. وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ النفس وَهامانَ الهوى وَجُنُودَهُما من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية. أُمِّ مُوسى السر لأن القلب تولد من ازدواج الروح والسر أَنْ أَرْضِعِيهِ من لبن الروحانية فقد حرم عليه مراضع الحيوانية أو الدنيوية. فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ في الدنيا في تابوت القالب وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ أي من القلوب المحدّثين كما قال بعضهم: حدثني قلبي عن ربي فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ وهم صفات النفس والقوى البشرية من الجاذبة والماسكة والهاضمة وغيرها فإنها أسباب لتربية الطفل لِيَكُونَ لَهُمْ في العاقبة عَدُوًّا يجادلهم بطريق الرياضات والمخالفات. وَحَزَناً بترك الشهوات واللذات وبالدعوة إلى ما لا يلائم هواهم من طاعة الله. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ النفس وهي الجثة لا تقتلوا القلب بسيف الشهوات والانهماك في أسباب اللذات الحسيات. عَسى أَنْ يَنْفَعَنا بأن ينجينا من النار. قال أهل التحقيق: لما كان اعتقاد الجثة في تربية موسى القلب أنه يكون قرة عينها وولدها فلا جرم نفعها الله بالنجاة ورفع الدرجات، وحين لم يكن لفرعون النفس في حقه هذا الاعتقاد بل كان يتوقع الهلاك منه كان هلاكه على يده بسيف الصدق وسم الذكر. وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنه لو لم يوفق لإهلاكهم لكان هلاكه على أيديهم. فُؤادُ أُمِّ مُوسى هو سر السر، أخت موسى القلب هو العقل. ودخل مدينة القالب عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها وهم الصفات النفسانية فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ صفتين. إحداهما من صفات القلب والأخرى من صفات النفس. وفي قوله هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إشارة إلى أن قتل كافر صفات النفس بالجهاد معها إن لم يكن بأمر الحق وعلى سبيل المتابعة لم يعتدّ به فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ الذين أجرموا بأن جاهدوا كفار صفات النفس بالطبع والهوى لا بالشرع كالفلاسفة والبراهمة إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ لأنك تنازع ذا سلطان قويّ قبل أوانه وهو فرعون النفس. وَجاءَ رَجُلٌ هو العقل مِنْ أَقْصَى مدينة الإنسانية أي من أعلى مرتبة