كان في مدة أكثر كان حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟ فلا فرق على هذا بين ألف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في «المعارج» . وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة أيام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور. وخصت السورة بقوله أَلْفَ سَنَةٍ موافقة لما قبله وهو قوله فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم. وخصت سورة المعارج بقوله خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [الآية: ٤] لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها. وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله .
وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه. ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وفي قوله الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر الرَّحِيمُ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ نظيره الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [طه:
٥٠] وقد مر في «طه» . وعطف عليه تخصيصا بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول «المؤمنين» ، وقوله مِنْ ماءٍ بدل من سلالة والمهين الحقير. ومعنى سَوَّاهُ قوّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله وَجَعَلَ لَكُمُ تنبيها على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخا على قلة الشكر عليها. ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.
والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمدا مفتر وقالوا: الله ليس بواحد وَقالُوا أَإِذا يعني أنهم وأسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.
ومعنى ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها. والعامل في أَإِذا ما يدل عليه قوله أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو نبعث أو يجدد خلقنا. ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة. ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده. ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله وَلَوْ تَرى أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ خجلا وندامة قائلين رَبَّنا أَبْصَرْنا ما كنا شاكين في وقوعه وَسَمِعْنا منك تصديق رسلك وجواب «لو» محذوف
стр. 2942
وهو لرأيت أمرا فظيعا، وجوزوا أن يكون «لو» للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم. ثم إنه سبحانه ألزمهم وألجمهم بقوله وَلَوْ شِئْنا الآية. وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر «هود» . ثم أكد إهانتهم بقوله فَذُوقُوا وانتصب هذا على أنه مفعول فَذُوقُوا وقوله لِقاءَ مفعول نَسِيتُمْ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون هذا صفة يَوْمِكُمْ ومفعول ذُوقُوا محذوف وهو العذاب ولِقاءَ مفعول نَسِيتُمْ أو هو مفعول فَذُوقُوا على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون نَسِيتُمْ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة. وقوله إِنَّا نَسِيناكُمْ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] وقوله عَذابَ الْخُلْدِ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق. أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكرا وتواضعا حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له خَوْفاً من أليم عقابه وَطَمَعاً في عظيم ثوابه،
وفسره رسول الله ﷺ بقيام الليل وهو التهجد. قال: «إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس.» »
عن علي ﵁: جنبي تجافى عن الوساد خوفا من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا لم يدر ما لذة الرقاد قد بلغ الزرع منتهاه لا بد للزرع من حصاد
عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي ﷺ يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم. وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.
стр. 2943
و «ما» في قوله ما أُخْفِيَ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى أي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غيره ولا تطلب الفرح بما عداه.
عن النبي ﷺ «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» «١»
وعن الحسن: أخفى القوم أعمالا في الدنيا فأخفى الله لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله تعالى أن يقول: أنا أحسنت أولا، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض. وله أن يقول: الذي فعلته أولا تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيرا لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبدا، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.
يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب ﵁ والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإنك صبي. فقال له علي: اسكت فإنك فاسق. فأنزل الله تعالى فيهما خاصة
وفي أمثالهما من الفريقين عامة أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً إلى آخر ثلاث آيات أو أربع. ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله لا يَسْتَوُونَ محمول على المعنى. ثم فصل عدم استوائهما بقوله أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا وجَنَّاتُ الْمَأْوى نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس. وقال بعضهم: هي عن يمين العرش. وفي لام التمليك في فَلَهُمْ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار. فإنه يحمل على الإعارة وإنه تعالى قال لأبينا آدم اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة: ٣٥] لأنه كان في علمه أنه يخرج منها. وإنما قيل هاهنا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ وفي «سبأ» عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها [الآية: ٤٢] لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، الكنايات لا توصف فوصف العذاب. وفي «سبأ» لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.
стр. 2944
وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألما على ألم وهو قوله كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق أقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولا، ثم إذا صبر زمانا طويلا زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه. ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة. وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.
وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد. ومعنى قوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله إِنَّا نَسِيناكُمْ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلا أي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدريج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه. قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله تعالى وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوما بينا. قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعيا لذلك لا يكفي للسائل. وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر. وإنما يقدح في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل. وجوّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً سميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: ٦] ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولا والنقم ثانيا وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.
ومعنى ثُمَّ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة أَعْرَضَ عَنْها والفاء في سورة الكهف تدل على
стр. 2945
الإعراض عقيب التذكير وقد سبق. وقال أهل المعاني: «ثم» هاهنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول. قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلّا إلى الله عدل كقوله أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] كما قال بعضهم: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله. والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [الروم: ٣٣] والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه. وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام. ولو قال «إنا منهم منتقمون» لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة. ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي ﷺ فقال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ قال جار الله:
اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان. والضمير في لِقائِهِ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله. واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ [النمل: ٦] وقيل: الضمير في لِقائِهِ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول. والضمير في جَعَلْنا للكتاب على أنه منزل على موسى.
واستدل به على أن الله تعالى جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل. ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من أئمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به. وفيه أن الله تعالى سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضا سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر. ومثله
إخبار النبي ﷺ «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»
ولا يخفى أن «من» التبعيضية في قوله وَجَعَلْنا مِنْهُمْ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ الآية. وفيه إشارة إلى أنه سبحانه سيميز المحق في كل دين من المبطل. ثم أعاد أصل التوحيد مقرونا بالوعيد قائلا أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ وقد مر نظيره في آخر «طه» وإنما قال في آخر الآية إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ على الجمع ليناسب القرون والمساكن. وإنما قال أَفَلا يَسْمَعُونَ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع. وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة. ومعنى نَسُوقُ الْماءَ نسوق السحاب وفيه المطر إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل. قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً وعن ابن عباس أنها أرض اليمن،
стр. 2946
والضمير في «به» للماء. وإنما قدم الأنعام هاهنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره. قال في «طه» كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ [الآية:
٥٤] لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله أَفَلا يُبْصِرُونَ تأكيدا لقوله في أول الآية أَوَلَمْ يَرَوْا ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب. قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك. ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن. فإن قلت: كيف ينطبق قوله قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ إلخ جوابا عن سؤالهم عن وقت الفتح؟ فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا. ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناسا يوم بدر. ثم أمر نبيه ﷺ بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور: ٣١] .
التأويل:
الألف المحبون لقربي والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري. اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي. الميم ترك أوليائي مرادهم لمرادي فلذلك اخترتهم على جميع عبادي تَنْزِيلُ الْكِتابِ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله رَبِّ الْعالَمِينَ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا افْتَراهُ. خلق سموات الأرواح وأرض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الخفي وهو لطيفة ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة فَلا تَتَذَكَّرُونَ كيف خلقكم في أطوار مختلفة يُدَبِّرُ الْأَمْرَ من سماء الروح إلى أرض النفس البدن ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ النفس المخاطبة بخطاب ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق كانَ مِقْدارُهُ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما
قال ﷺ «جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين»
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ وخمره بيده في أربعين
стр. 2947
صباحا فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ سلها من أجناس عالم الشهادة. ثُمَّ سَوَّاهُ شخص إنسان جديد المرآة وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله. ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ضَلَلْنا في أرض البشرية يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ارْجِعِي [الفجر: ٢٨] ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق. تَتَجافى جُنُوبُهُمْ همتهم عن مضاجع الدارين جَنَّاتُ الْمَأْوى التي هي مأوى الأبرار تكون نزلا للمقربين السائرين إلى الله كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات الْعَذابِ الْأَدْنى إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران فلا تك في مرية من لقائه أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد ﷺ فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك. ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في لِقائِهِ لله. وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً هم السر الخفي إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ الآية. لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب. ويقول المنكرون لهذه الطائفة مَتى هذَا الْفَتْحُ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.
القراآت:
بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ على الغيبة والضمير للمنافقين: أبو عمرو اللَّائِي بهمزة بعدها ياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم وابن عامر. بهمزة مكسورة فقط: سهل ويعقوب ونافع غير ورش من طريق النجاري وابن مجاهد وابن عون عن قنبل اللاي بياء مكسورة فقط: أبو عمرو وورش من طريق النجاري ويزيد وسائر الروايات عن ابن كثير وكذلك في «المجادلة» و «الطلاق» تُظاهِرُونَ من المظاهرة عاصم تُظاهِرُونَ بحذف إحدى تاءي الفاعل: حمزة وعلي وخلف. مثله ولكن بإدغام التاء في الظاء: ابن عامر الباقون تظهرون بتشديد الظاء والهاء بما يعملون بصيرا على الغيبة: أبو عمرو وعباس مخير وَإِذْ زاغَتِ مدغما: أبو عمرو وعلي وهشام وحمزة في رواية ابن سعدان وخلاد وابن عمرو وزاغَتِ ممالة: نصير وحمزة في رواية خلاد ورجاء الظُّنُونَا والرَّسُولَا والسَّبِيلَا في الحالين: أبو عمرو ونافع وابن عامر وعباس والخراز وأبو بكر وحماد والمفضل. وقرأ أبو عمرو غير عباس وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين. الباقون:
بالألف في الوقوف وبغير ألف في الوصل لا مُقامَ بضم الميم: حفص الآخرون:
بفتحها. لأتوها مقصورا من الإتيان: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الآخرون: بالمد من الإيتاء والإعطاء ويسائلون بإدغام التاء في السين من التفاعل: يعقوب الباقون يَسْئَلُونَ ثلاثيا.
الوقوف:
وَالْمُنافِقِينَ ط حَكِيماً هـ رَبِّكَ ط خَبِيراً هـ عَلَى اللَّهِ ط وَكِيلًا ط هـ فِي جَوْفِهِ ج فصلا بين بيان الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين
стр. 2950
أُمَّهاتِكُمْ ج لذلك أَبْناءَكُمْ ط بِأَفْواهِكُمْ ط السَّبِيلَ هـ عِنْدَ اللَّهِ ج للشرط مع العطف وَمَوالِيكُمْ ط أَخْطَأْتُمْ بِهِ لا لأن التقدير ولكن فيما تعمدت قلوبكم وكذا إن كان خبر مبتدأ محذوف أي ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح وذلك للاستدراك رَحِيماً هـ ط أُمَّهاتُهُمْ ط مَعْرُوفاً هـ مَسْطُوراً هـ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ص للعطف غَلِيظاً هـ صِدْقِهِمْ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولكن التقدير: وقد أعاد أَلِيماً هـ تَرَوْها ط بَصِيراً هـ ج لاحتمال أن يكون المراد واذكر إذ جاؤكم ولا سيما على قراءة يعملون على الغيبة الظُّنُونَا ط شَدِيداً هـ غُرُوراً هـ فَارْجِعُوا ج لظاهر الواو وإن كانت للاستئناف بِعَوْرَةٍ ط بناء على أن ما بعده ابتداء إخبار من الله، ومن وقف على عَوْرَةٌ وجعل ابتداء الإخبار من هناك لم يقف فِراراً هـ يَسِيراً هـ الْأَدْبارَ ط مَسْؤُلًا هـ قَلِيلًا هـ رَحْمَةً ط وَلا نَصِيراً هـ إِلَيْنا ج لاحتمال كون ما بعده استئنافا أو حالا قَلِيلًا لا لأن ما بعده حال عَلَيْكُمْ ج لعطف الجملتين المختلفتين الْمَوْتِ ج فصلا بين تناقض الحالين الْخَيْرِ ط أَعْمالَهُمْ ط يَسِيراً هـ لَمْ يَذْهَبُوا ج أَنْبائِكُمْ ط قَلِيلًا هـ.
التفسير:
لما أمره في آخر السورة المتقدمة بانتظار الفرج والنصر أمره في أول هذه السورة بأن لا يتقي غير الله ولا يطيع سواه. قال جار الله عن زر قال: قال أبي بن كعب: كم تعدون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثا وسبعين آية. قال: فو الذي يحلف به أبي بن كعب إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول، ولقد قرأنا منها آية الرجم «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» إلى آخره. أراد أبي بن كعب أنها من جملة ما نسخ من القرآن. وأما ما يحكى أن تلك الزيادة كانت في صحيفة في بيت عائشة فأكلتها الداجن فمن تأليفات المبتدعة. ومن تشريفات الرسول ﷺ أنه نودي في جميع القرآن بالنبي أو الرسول دون اسمه كما جاء يا آدَمُ [البقرة: ٣٥] يا مُوسى [طه: ١١] يا عِيسى [آل عمران: ٥٥] يا داوُدُ [ص: ٢٦] وإنما جاء في الأخبار مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٩] تعليما للناس وتلقينا لهم أنه رسول وجاء ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٤٠] وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ [محمد: ٢] لأن المقام مقام تعيين وتشخيص وإزالة اشتباه مع قصد أن لا يكون القرآن خاليا عن بركة اسمه العلم وحيث لم يقصد هذا المعنى ذكره بنحو ما ذكره في النداء كقوله لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ [التوبة: ١٢٨] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ [الأحزاب: ٢١] والمراد بقوله اتَّقِ اللَّهَ
стр. 2951
واظب على ما أنت عليه من التقوى ولو أريد الازدياد جاز لأن التقوى باب لا يبلغ آخره ولا يأمن أحد أن يصدر عنه ما لا يوافق التقوى ولا يطابق الدعوى ولهذا جاء قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠] يعني إنما يرفع عني الحجاب فينكشف لي الوحي، وإذا أرخى لدي الستر فإني كهيئتكم.
يروى أنه ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وغيرهم وقد تابعه ناس منهم على النفاق كان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم فنزلت.
وروي أن أبا سفيان بن حرب وأشياعه قدموا المدينة أيام المصالحة فقالوا:
يا رسول الله ارفض ذكر آلهتنا وندعك وربك، فشق ذلك على المؤمنين فهموا بقتلهم فنزلت.
أي اتق الله في نقض العهد. وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ من أهل مكة وَالْمُنافِقِينَ من أهل المدينة فيما طلبوا إليك وكانوا يقولون له أن يعطوه شطر أموالهم إن رجع عن دينه.
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالصواب حَكِيماً فيما أمرك به من عدم اتباع آرائهم وأهوائهم، وحين نهاه عن اتباع الغي أمره باتباع ما هو رشد وصلاح وهو القرآن، وبأن يثق بالله ويفوّض إليه أموره فلا يخاف غيره ولا يرجو سواه. ولما أمر رسوله بما أمر من اتقاء الله وحده وقد ابتدر منه ﷺ في حكاية زينب زوجة دعيه زيد ما ابتدر قال على سبيل المثل ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ كأنه قال: يا أيها النبي اتق الله حق تقاته وهو أن لا يكون في قلبك تقوى غير الله فإن المرء ليس له قلبان حتى يتقي بأحدهما الله وبالآخر غيره كما جاء في قصة زيد وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ ثم أراد أن يدفع عنه مقالة الناس بأنه تعالى لم يجعل دعي المرء ابنه فقدم على ذلك مقدمة وهي قوله وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ إلى آخرها أي إنكم إذا قلتم لأزواجكم: أنت عليّ كظهر أمي لا تصير أما بإجماع الكل، أما في الإسلام فإنه ظهار لا يحرم الوطء كما سيجيء في سورة المجادلة. وأما في الجاهلية فلأنه كان طلاقا حتى كان يجوز للزوج أن يتزوج بها ثانيا. فكذلك قول القائل للدعيّ إنه ابني لا يوجب كونه ابنا فلا تصير زوجته زوجة الابن، فلم يكن لأحد أن يقول في ذلك شيئا، فلم يكن لخوفك من الناس وجه ولو كان أمرا مخوفا ما كان يجوز أن تخاف غير الله إذ ليس لك قلبان في الجوف. والفائدة في ذكر هذا القيد كالفائدة في قوله الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:
٤٦] من زيادة التصوير للتأكيد. ومعنى ظاهر من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي. كأنه قال: تباعدي مني بجهة الظهار. وعدى ب «من» لتضمين معنى التباعد. وإنما كنوا عن البطن بالظهر لئلا يذكروا البطن الذي يقارب الفرج فكنوا عنه بالظهر الذي يلازمه لأنه عموده وبه قوامه. وقيل: إن إتيان المرأة في قبلها من جانب ظهرها كان محذورا عندهم زعما منهم بأن الولد حينئذ يجيء أحول، فلقصد التغليظ شبهها المطلق منهم بالظهر، ثم لم يقنع بذلك
стр. 2952
حتى جعله ظهر أمه. والدعي «فعيل» بمعنى «مفعول» وهو المدعو ولد أشبه بفعيل الذي هو بمعنى «فاعل» كتقي وأتقياء فجمع على «أفعلاء» .
واعلم
أن زيد بن حارثة كان رجلا من قبيلة كلب سبي صغيرا فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله وهبته له وطلبه أبوه وعمه فخير فاختار رسول الله ﷺ فأعتقه وكانوا يقولون زيد بن محمد فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقوله ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب: ٤٠] وقيل: كان أبو معمر رجلا من أحفظ العرب وكان يقال له ذو القلبين. وقيل: هو جميل الفهري كان يقول: إن لي قلبين أفهم بأحدهما أكثر مما يفهم محمد، فأكذب الله قولهما وضربه مثلا في الظهار والتبني. وقيل: سها في صلاته فقالت اليهود وأهل النفاق: لمحمد قلبان، قلب مع أصحابه وقلب معكم. وعن الحسن: نزلت فيمن يقول: نفس تأمرني ونفس تنهاني ومعنى التنكير في لِرَجُلٍ وزيادة من الاستغراقية التأكيد كأنه قيل: ما جعل الله لنوع الرجال ولا لواحد منهم قلبين البتة ذلِكُمْ النسب قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ إذ لا أصل شرعا لقول القائل: هذا ابني. وذلك إذا كان معروف النسب حرا، أما إذا كان مجهول النسب فإن كان حرا ثبت نسبه من المتبني ظاهرا إن أمكن ذلك بحسب السن، وإن كان عبدا له عتق وثبت النسب. وإن كان العبد معروف النسب عتق ولم يثبت النسب. ثم بين ما هو الحق والهدى عند الله فقال ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ أي انسبوهم إليهم فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فهم إخوانكم في الدين ومواليكم فقولوا: هذا أخي أو مولاي يعني الولاية في الدين. ثم رفع الجناح إذا صدر القول المذكور خطأ على سبيل سبق اللسان وكذا ما فعلوه من ذلك قبل ورود النهي. ويجوز أن يراد العفو عن الخطأ على طريق العموم فيتناول لعمومه خطأ النبي وعمده وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً للخاطيء رَحِيماً للعامل ولا سيما إذا تاب. ثم إنه كان لقائل أن يقول: هب أن الدعي لا يسمى ابنا، أما إذا كان لدعيه شيء حسن فكيف يليق بالمروءة أن تطمح عينه إليه وخاصة إذا كان زوجته فلذلك قال في جوابه النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ والمعقول فيه أنه رأس الناس ورئيسهم فدفع حاجته والاعتناء بشأنه أهم كما أن رعاية العضو الرئيس وحفظ صحته وإزالة مرضه أولى وإلى هذا أشار النبي ﷺ
بقوله «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» «١»
ويعلم من إطلاق الآية أنه أولى بهم من أنفسهم في كل شيء من أمور الدنيا والدين. وقيل: إن أولى بمعنى أرأف وأعطف
كقوله ﷺ
стр. 2953
«ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤا إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن هلك وترك مالا فلترثه عصبته من كانوا وان ترك دينا أو ضياعا أي عيالا فإليّ» «١»
وكما رفع قدره بتحليل أزواج غيره له إذا تعلق قلبه بإحداهن رفع شأنه بتحريم أزواجه على أمته ولو بعد وفاته فقال وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن. ومن كمال عناية الله سبحانه بأمة محمد ﷺ أن لم يقل وهو أب لهم وإن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبدا، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته. ولذلك صار المؤمنون أخوة. قال المفسرون: كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة فنسخه الله بقوله وَأُولُوا الْأَرْحامِ الآية.
وجعل التوارث بحق القرابة ومعنى فِي كِتابِ اللَّهِ في اللوح أو في القرآن وهو هذه الآية وآية المواريث وقد سبق نظيره في آخر «الأنفال» . وقوله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إما ان يتعلق ب أُولُوا الْأَرْحامِ أي الأقارب من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب، وإما أن يتعلق ب أَوْلى أي أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الولاية الدينية ومن المهاجرين بحق الهجرة. ثم أشار إلى الوصية بقوله إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا أي إلا أن يسدوا ويوصلوا إلى أوليائهم في الدين وهم المؤمنون والمهاجرون معروفا برا بطريق التوصية. والحاصل أن الأقارب أحق من الأجانب في كل نفع من ميراث وهبة وهدية وصدقة وغير ذلك إلا في الوصية فإنه لا وصية لوارث. قال أهل النظم: كأنه سبحانه قال:
بينكم هذا التوارث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فلذلك جعلنا له بدل هذا أنه أولى في حياته بما في أيديكم، أو لعله أراد دليلا على قوله أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ فذكر أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض، ثم لو أراد أحد برا مع صديقه صار ذلك الصديق أولى من قريبه كأنه بالوصية قطع الإرث وقال: هذا مالي لا ينتقل مني إلا إلى من أريده، فالله تعالى كذلك جعل لصديقه من الدنيا ما أراده. ثم ما يفضل منه يكون لغيره كانَ ذلِكَ الذي ذكر في الآيتين فِي الْكِتابِ وهو القرآن أو اللوح مَسْطُوراً والجملة مستأنفة كالخاتمة للأحكام المذكورة.
ثم أكد الأمر بالاتقاء بقوله وَإِذْ أَخَذْنا أي اذكر وقت أخذنا في الأزل مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القويم من غير تفريط وتوان. وقد خصص بالذكر
стр. 2954
خمسة لفضلهم وقدم نبينا ﷺ لأفضليته. وإنما قدم نوحا في قوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] لأن المقصود هنالك وصف دين الإسلام بالأصالة والاستقامة فكأنه قال: شرع لكم من الدين الأصلي الذي بعث عليه نوح في العهد القديم، ومحمد خاتم الأنبياء في العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير. وإنما نسب الدين القديم إلى نوح لا إلى آدم لأن نوحا كان أصلا ثانيا للناس بعد الطوفان، وخلق آدم كان كالعمارة ونبوته كانت إرشادا للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب كما في زمن نوح والله أعلم. قال أهل البيان: أراد بالميثاق الغليظ ذلك الميثاق بعينه أي وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا أي عظيما وهو مستعار من وصف الأجرام. وقال آخرون: هو سؤالهم عما فعلوا في الإرسال كما قال وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦] وهذا لأن الملك إذا أرسل رسولا وأمره بشيء وقبله كان ميثاقا فإذا أعلمه بأنه يسأل عن حاله في أفعاله وأقواله يكون تغليظا في الميثاق عليه حتى لا يزيد ولا ينقص في الرسالة، وعلى هذا يحق أن يقال: قوله في سورة النساء وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً [الآية: ٢١] هو الإخبار بأنهم مسؤولون عنهن كما
قال ﷺ «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» «١»
ثم بين الغاية من إرسال الرسل فقال لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ الآية. وفيه أن عاقبة المكلفين إما حساب وإما عذاب لأن الصادق محاسب والكاذب معاقب كما
قال علي ﵁: حلالها حساب وحرامها عقاب.
فالصادقون على هذا التفسير هم الذين صدقوا عهدهم يوم الميثاق حين قالوا بَلى في جواب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] ثم أقاموا على ذلك في عالم الشهادة، أو هم المصدقون للأنبياء فإن من قال للصادق صدقت كان صادقا. ووجه آخر وهو أن يراد بهم الأنبياء فيكون كقوله وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦] وكقوله يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ [المائدة: ١٠٩] وفائدة مسألة الرسل تبكيت الكافرين كما مر. قال جار الله: قوله وَأَعَدَّ معطوف على أخذنا كأنه قال: أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد أو على ما دل ليسأل كأنه قيل: فأثاب للمؤمنين وأعد للكافرين. وفيه وجه آخر عرفته في الوقوف. ثم أكد الأمر بالاتقاء من الله وحده مرة أخرى فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا الآية. وذلك أن في وقعة الأحزاب اشتد الأمر على الأصحاب لاجتماع المشركين بأسرهم واليهود بأجمعهم، فأمنهم الله وهزم عدوهم فينبغي أن لا يخاف العبد غير الله القدير
стр. 2955
البصير.
وذكروا في القصة أن قريشا كانت قد أقبلت في عشرة آلاف من أحزاب بني كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان وقد خرج غطفان في ألف ومن تابعهم من نجد وقائدهم عيينة بن حصن وعامر بن الطفيل في هوازن وضامتهم اليهود من قريظة والنضير. وحين سمع رسول الله ﷺ بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء أن يرفعوا في الآطام واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ونجم النفاق من المنافقين حتى قال معتب بن قشير: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا نقدر أن نذهب إلى الغائط. ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى أنزل الله النصر،
وذلك بأن أرسل على أولئك الجنود المتحزبة ريح الصبا في ليلة باردة شاتية فسفت التراب في وجوههم وَأرسل جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة وكانوا ألفا فقلعوا الأوتاد وقطعوا الأطناب وأطفأوا النيران وأكفئوا القدور وتفرقت الخيول وكثرت الملائكة في جوانب عسكرهم وقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا. ومعنى مِنْ فَوْقِكُمْ من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش تحزبوا وقالوا: سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمدا. ومعنى زيغ الأبصار ميلها عن سننها واستوائها حيرة، أو عدولها عن كل شيء الا عن العدو فزعا وروعا. والحنجرة منتهى الحلقوم، وبلوغ القلوب الحناجر إما أن يكون مثلا لاضطراب القلوب وقلقها وإن لم تبلغها في الحقيقة، وإما أن يكون حقيقة لأن القلب عند الخوف يجتمع فيتقلص ويلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فيموت وإنما جمع الظنون مع أن الظن مصدر لأن المراد أنواع مختلفة، فظن المؤمنون الابتلاء والفتنة فخافوا الزلل وضعف الاحتمال، وظن المنافقون وضعاف اليقين الذين في قلوبهم مرض وهم على حرف ما حكى الله عنهم وهو قوله ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً كما حكينا عن معتب.
ومن فوائد جمع الظن أن يعلم قطعا أن فيهم من أخطأ الظن فإن الظنون المختلفة لا تكون كلها صادقة. فأما أن تكون كلها كاذبة أو بعضها فقط والمقام مقام تقرير نتائج الخوف.
وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ كعبد الله بن أبي وأصحابه ويثرب اسم المدينة أو أرض وقعت المدينة في ناحية منها لا مُقامَ لَكُمْ أي لاقرار لكم ولا مكان هاهنا تقومون أو تقيمون فيه على القراءتين، فارجعوا إلى المدينة واهربوا من عسكر رسول الله، أو ارجعوا كفارا واتركوا دين محمد وإلا فليست لكم يثرب بمكان، ثم إن السامعين عزموا على الرجوع فاستأذنوا النبي ﷺ وتعللوا بأن بيوتنا عورة أي ذات خلل لا يأمن أصحابها بها السراق على
стр. 2956
متاعهم، أو أنها معرضة للعدو فأكذبهم الله تعالى بقوله وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ ثم أظهر ما تكن صدورهم فقال إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً ثم بين مصداق ذلك بقوله وَلَوْ دُخِلَتْ أي المدينة عليهم من أقطارها أو دخلت عليهم بيوتهم من جوانبها وأكنافها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ أي الارتداد والرجوع إلى الكفر وقتال المسلمين لَآتَوْها والحاصل أنهم يتعللون بأعوار بيوتهم ليفروا عن نصرة رسول الله ﷺ ولو دخلت عليهم هؤلاء العساكر المتحزبة التي يفرون منها مدينتهم وبيوتهم من نواحيها كلها لأجل النهب والسبي ثم عرض عليهم الكفر ويقال لهم كونوا على المسلمين لتسارعوا إليه وما تعللوا بشيء. ويمكن أن يراد أن ذلك الفرار والرجوع ليس لأجل حفظ البيوت لأن من يفعل فعلا لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله كمن يبذل المال لكيلا يؤخذ منه بيته فإذا أخذ منه البيت لا يبذله، فأكذبهم الله تعالى بأن الأحزاب لو دخلت بيوتهم وأخذوها منهم لرجعوا عن نصرة المسلمين فتبين أن رجوعهم عنك ليس إلا لكفرهم ومقتهم الإسلام. والضمير في قوله وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً يرجع إلى الفتنة أي لم يلبثوا بإتيان الفتنة أو بإعطائها إلا زمانا يسيرا ريثما يكون السؤال والجواب أو لم يقيموها إلا قليلا ثم تزول وتكون العاقبة للمتقين. ويحتمل عود الضمير إلى المدينة أي وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا قليلا فإن الله يهلكهم. قوله وَلَقَدْ كانُوا الآية.
عن ابن عباس: عاهدوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم.
وقيل: هم قوم غابوا عن بدر فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن. وعن محمد بن اسحق: عاهدوا يوم أحد أن لا يفروا بعد أن نزل فيهم ما نزل. ثم ذكر أن عهد الله مسؤول عنه وأن ما قضى الله وقدر من الموت حتف الأنف أو من القتل فهو كائن والفرار منه غير نافع، ولئن فرض أن الفرار منه فتمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتع في مراتع الدنيا إلا زمانا قليلا. عن بعض المروانية أنه مر بحائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال: ذلك القليل نطلب. ثم أكد التقرير المذكور بقوله قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ الآية. قال جار الله: لا عصمة إلا من السوء فتقدير الكلام: من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو من يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كقوله متقلدا سيفا ورمحا. أي ومعتقلا رمحا. أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع. والمعوقون الذين يمنعون الناس من نصرة الرسول ﷺ وهم المنافقون واليهود هَلُمَّ إِلَيْنا معناه قربوا أنفسكم إلينا وقد مر في «الأنعام» في قوله قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ [الآية: ١٥] وقوله وَلا يَأْتُونَ معطوف على الْقائِلِينَ لأنه في معنى الذين يقولون. وقوله إِلَّا قَلِيلًا أي إلا إتيانا قليلا كقوله ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا لقلة الرغبة. وعوز الجد والأشحة جمع شحيح قيل: معناه أضناء بكم أي
стр. 2957
يظهرون الإشفاق على المسلمين قبل شدة القتال، فإذا جاء البأس ارتعدت فرائصهم وتدور أعينهم كدوران عين من يغشى عليه من سكرات الموت. وقيل: أراد أنهم يبخلون بأموالهم وأنفسهم فلا يبذلونهما في سبيل الله فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ وجمعت الغنائم سَلَقُوكُمْ أي بسطوا إليكم ألسنتهم قائلين وفروا قسمتنا فإنا قد شاهدناكم وقاتلنا معكم وبنا نصرتم وبمكاننا غلبتم عدوكم، فهم عند البأس أجبن قوم وأخذلهم للحق، وأما عند حيازة الغنيمة فأشحهم وأوقعهم والحداد جمع حديد، وكرر أشحة لأن الأول مطلق والثاني مقيد بالخير وهو المال والثواب أو الدين أو الكلام الجميل. أُولئِكَ المنافقون لَمْ يُؤْمِنُوا حقيقة وإن آمنوا في الظاهر فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ التي لها صورة الصلاح بأن أعلم المسلمين أحوال باطنهم وَكانَ ذلِكَ الذي ذكر من أعمال أهل النفاق يَسِيراً على الله لا وزن لها عنده أو وكان ذلك الإحباط عليه سهلا. قال في الكشاف: لأن أعمالهم حقيقة بالإحباط تدعو إليه الدواعي ولا يصرف عنه صارف. ويمكن أن يقال: إعدام الجواهر هين على الله فإعدام الإعراض ولا سيما بمعنى عدم اعتبار نتائجها أولى بأن يكون هينا. ثم قرر طرفا آخر من جبنهم وهو أنهم يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وقد ذهبوا فانصرف المنافقون إلى المدينة منهزمين بناء على هذا الحسبان. ومن جملة جبنهم وضعف احتمالهم أنه إِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ كرة ثانية تمنوا أَنَّهُمْ بادُونَ أي خارجون إلى اليد وحاصلون فيما بين الأعراب حذرا من عيان القتال فيكون حالهم إذ ذاك أنهم يسئلون عن أخباركم قانعين من العيان بالأثر ومن الحضور بالخبر وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ولم ينصرفوا إلى المدينة وكان قتال لم يقاتلوا إِلَّا قَلِيلًا
إبداء للعذر على سبيل الرياء والضرورة.
التأويل:
«اتق الله» من التكوين وكان ﵇ متقيا من الأزل إلى الأبد، وكذا الكلام فيما يتلوه من النواهي والأوامر ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ لأن القلب صدف درة المحبة ومحبة الله لا تجتمع مع محبة الدنيا والهوى وغيرهما، فالقلب واحد كما أن المحبة واحدة والمحبوب واحد وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ ووَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ فيه أن الحقائق لا تنقلب لا عقلا ولا طبعا ولا شرعا وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ من معرفة الأنساب فإن النسب الحقيقي ما ينسب إلى النبي ﷺ فإنه النسب الباقي كما
قال «كل حسب ونسب ينقطع إلا حسبي ونسبي»
فحسبه الفقر ونسبه النبوة وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ بقطع الرحم عن النبوة بترك سنته وسيرته النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لأنهم لا يقتدرون على توليد أنفسهم في النشأة الثانية كما لم يقدروا على توليد أنفسهم في النشأة الأولى، وكان أبوهم أحق بهم من أنفسهم في توليدهم من صلبه وأزواجه وهن
стр. 2958
قلوبهم أمهاتهم لأنه يتصرف في قلوبهم تصرف الذكور في الإناث بشرط كمال التسليم ليقع من صلب النبوة نطفة الولاية في أرحام القلوب، وإذا حملوا النطفة صانوها عن الآفات لئلا تسقط بأدنى رائحة من روائح حب الدنيا وشهواتها فيرتدوا على أعقابهم. وبعد النبي ﷺ سائر أقارب الدين بعضهم أولى ببعض لأجل التربية ومن المؤمنين بالنشأة الأخرى والمهاجرين عن أوطان البشرية إلا إذا تزكت النفس بالأخلاق الحميدة وصارت من الأولياء بعد أن كانت من الأعداء فيعمل معها معروفا برفق من الإزهاق وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ في الأزل وَمِنْكَ يا محمد أولا بالحبيبية وَمِنْ نُوحٍ بالدعوة ومن إبراهيم بالخلة ومن موسى بالمكالمة ومن عيسى بن مريم بالعبدية، وغلظنا الميثاق بالتأييد والتوثيق لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ سؤال تشريف لا سؤال تعنيف. والصدق أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب، ولا في اعتقادك ريب، ومن أماراته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب، وسلامة القول من المعاريض، والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس، وإدامة التبري من الحول والقوة، بل الخروج من الوجود الحقيقي إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ الشياطين وصفات النفس الدنيا وزينتها مِنْ فَوْقِكُمْ وهي الآفات السماوية وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وهي المتولدات البشرية. أو مِنْ فَوْقِكُمْ وهي الدواعي النفسانية في الدماغ، وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ هي الدواعي الشهوانية فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً من نكبات قهرنا وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها من حفظنا وعصمتنا وعاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ الشروع في الطلب أنهم لا يولون أدبارهم عند الجهاد مع الشيطان والنفس لإخوانهم وهم الحواس والجوارح كونوا أتباعا لنا والله أعلم.
تم الجزء الحادي والعشرون ويليه الجزء الثاني والعشرون وأوله: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..
القراآت:
أُسْوَةٌ بضم الهمزة حيث كان: عاصم وعباس. الآخرون: بكسرها نضعف بالنون وكسر العين العذاب بالنصب: ابن كثير وابن عامر، وقرأ أبو عمرو ويزيد ويعقوب بالياء المضمومة والعين مفتوح وبرفع العذاب. الآخرون: مثله ولكن بالألف من المضاعفة ويعمل صالحا يؤتها على التذكير والغيبة: حمزة وعلي وخلف وافق المفضل في ويعمل الباقون: بتأنيث الأول وبالنون في الثاني. وَقَرْنَ بفتح القاف: أبو جعفر ونافع وعاصم غير هبيرة. الباقون: بكسرها. وَلا تَبَرَّجْنَ أَنْ تَبَدَّلَ بتشديد التاءين:
البزي وابن فليح أن يكون على التذكير: عاصم وحمزة وعلي وخلف وهشام. وَخاتَمَ بفتح التاء بمعنى الطابع: عاصم. الباقون: بكسرها.
الوقوف:
كَثِيراً هـ لإبتداء القصة الْأَحْزابَ لا لأن قالُوا جواب «لما» رَسُولُهُ الثاني ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه وَتَسْلِيماً ط عَلَيْهِ ج لابتداء التفصيل مع الفاء يَنْتَظِرُ لا لاحتمال الحال وجانب الابتداء بالنفي أرجح تَبْدِيلًا هـ لا إلا عند أبي حاتم عَلَيْهِمْ ط رَحِيماً هـ لا للآية لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافا شجرها ط مع الله ط يعدلون هـ حاجِزاً ط مع الله ط لا يعلمون هـ ط خلفاء الأرض هـ ط مع الله ط ما تذكرون هـ ط رحمته ط مع الله ط يشركون ط والأرض ط مع الله ط صادقين هـ إِلَّا اللَّهَ ط يبعثون هـ عمون هـ.
التفسير:
لما فرغ من توبيخ المنافقين حث جمع المكلفين على مواساة الرسول وموازرته كما واساهم بنفسه في الصبر على الجهاد والثبات في مداحض الأقدام. والأسوة القدوة وهو المؤتسى به أي المقتدى به، فالمراد أنه في نفسه قدوة كما تقول في البيضة
стр. 2961
عشرون منا حديدا أي هي في نفسها هذا المبلغ من الحديد. والمراد أن فيه خصلة هي المواساة بنفسه فمن حقها أن يؤتسى بها وتتبع. قال في الكشاف: قوله لِمَنْ كانَ بدل من قوله لَكُمْ وضعف بأن بدل الكل لا يقع من ضمير المخاطب فالأظهر أنه صفة الأسوة.
والرجاء بمعنى الأمل أو الخوف. وقوله يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ كقولك: رجوت زيدا وفضله أي رجوت فضل زيد، أو أريد يرجو أيام الله واليوم الآخر خصوصا. وقوله وَذَكَرَ معطوف على كانَ وفيه أن المقتدي برسول الله ﷺ هو الذي واظب على ذكر الله وعمل ما يصلح لزاد المعاد. ثم حكى أن ما ظهر من المؤمنين وقت لقاء الأحزاب خلاف حال المنافقين. وقوله هذا إشارة إلى الخطب أو البلاء.
عن ابن عباس: كان النبي ﷺ قال لأصحابه: إن الأحزاب سائرون إليكم تسعا أو عشرا
أي في آخر تسع ليال أو عشر، فلما رأوهم قد أقبلوا للميعاد قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وقد وقع. وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ في كل ما وعد وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً بمواعيده إلا فساد همهم بقتل نبيهم. وقد عدّ في الكشاف أسماءهم منهم قدار بن سالف عاقر الناقة، وكانوا مفسدين لا يخلطون الإفساد بشيء من الإصلاح ومن جملة وَتَسْلِيماً لقضائه. وقيل: هذا إشارة إلى ما أيقنوا من أن عند الفزع الشديد يكون النصر والجنة كما قال أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا [البقرة: ٢١٤] إلى آخره. كان رجال من الصحابة نذروا أنهم إذا لقوا حربا ثبتوا مع رسول الله ﷺ حتى يستشهدوا، فمدحهم الله تعالى بأنهم صدقوا ما عاهدوا أي صدقوا الله فيما عاهدوه عليه. ويجوز أن يجعل المعاهد عليه مصدوقا على المجاز كأنهم قالوا للمعاهد عليه: سنفي بك فإذا وفوا به صدقوه فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ أي نذره فقاتل حتى قتل كحمزة ومصعب، وقد يقع قضاء النحب عبارة عن الموت لأن كل حي لا بد له من أن يموت فكأنه نذر لازم في رقبته. وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الشهادة كعثمان وطلحة وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ما غير كل من الفريقين عهده. وفيه تعريض بمن بدلوا من أهل النفاق ومرضى القلب فكأنه قال: صدق المؤمنون ونكث المنافقون، فكان عاقبة الصادقين الجزاء بالخير بواسطة صدقهم، وعاقبة أصحاب النفاق التعذيب إن شاء الله إلا أن يتوبوا. وإنما استثنى لأنه آمن منهم بعد ذلك ناس وإلى هذا أشار بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً حيث رحمهم ورزقهم الإيمان، ويجوز أن يراد يعذب المنافقين مع أنه كان غفورا رحيما لكثرة ذنبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم الأحزاب ملتبسين
стр. 2962
بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً أي غير ظافرين بشيء من مطالبهم التي هي عندهم خير من كسر أو أسر أو غنيمة. وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بواسطة ريح الصبا وبإرسال الملائكة كما قصصنا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهروا الأحزاب مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ والصيصية ما تحصن به ومنه يقال لقرن الثور والظبي ولشوكة الديك التي في ساقه صيصية لأن كلا منها سبب التحصن به.
روي أن جبرائيل ﵇ أتى رسول الله ﷺ صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب على فرسه الحيزوم والغبار على وجه الفرس وعلى السرج فقال: ما هذا يا جبرائيل؟ فقال: من متابعة قريش: فجعل رسول الله ﷺ يمسح الغبار عن وجه الفرس وعن سرجه فقال: يا رسول الله إن الملائكة لم تضع السلاح إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة وأنا عائد إليهم فإن الله داقهم دق البيض على الصفا، وإنهم لكم طعمة. فأذن في الناس ان من كان سامعا مطيعا فلا يصلي العصر إلا في بني قريظة، فما صلى كثير من الناس العصر إلا هناك بعد العشاء الآخرة فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار فقال لهم رسول الله ﷺ : تنزلون على حكمي. فأبوا فقال: على حكم سعد بن معاذ فرضوا به، فقال سعد: حكمت فيهم أن تقتل مقاتلهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فكبر رسول الله ﷺ وقال:
لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ثم أنزلهم وخندق في سوق المدينة خندقا فقدمهم وضرب أعناقهم وهم ثمانمائة إلى تسعمائة.
وقيل كانوا ستمائة مقاتل وسبعمائة أسير. وإنما قدم مفعول تَقْتُلُونَ لأن القتل وقع على الرجال وكانوا مشهورين، وكان الاعتناء بحالهم أشد ولم يكن في المأسورين هذا الاعتناء بل بقاؤهم هناك بالأسر أشد لأنه لو قال و «فريقا تأسرون» فإذا سمع السامع قوله «وفريقا» ربما ظن أنه يقال بعده يطلقون أو لا يقدرون على أسرهم ولمثل هذا قدم قوله وَأَنْزَلَ على قوله وَقَذَفَ وإن كان قذف الرعب قبل الإنزال وذلك أن الاهتمام والفرح بذكر الإنزال أكثر.
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ التي استوليتم عليها ونزلتم فيها أولا وَدِيارَهُمْ التي كانت في القلاع فسلموها إليكم وَأَمْوالَهُمْ التي كانت في تلك الديار وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها قيل: هي القلاع أنفسها. وعن مقاتل: هي خيبر. وعن قتادة: كنا نحدّث أنها مكة. وعن الحسن:
فارس والروم. وعن عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. وعن بعضهم: أراد نساؤهم وهو غريب. ثم أكد الوعد بفتح البلاد بقوله وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً قال أهل النظم: إن مكارم الأخلاق ترجع أصولها إلى أمرين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإليها الإشارة
بقوله ﵇ «الصلاة وما ملكت أيمانكم» «١»
ولما أرشد نبيه إلى القسم
стр. 2963
الأول بقوله اتَّقِ اللَّهَ أرشده إلى القسم الآخر وبدأ بالزوجات لأنه أولى الناس بالشفقة ولهذا قدّمهنّ في النفقة. لنبن تفسير الآية على مسائل منها: أن التخيير هل كان واجبا على النبي ﷺ أم لا؟ فنقول: التخيير قولا كان واجبا بالاتفاق لأنه إبلاغ الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا. ومنها أن واحدة منهن لو اختارت الفراق هل كان يعتبر اختيارها فراقا؟ والظاهر أنه لا يعتبر فراقا وإنما تبين المختارة نفسها بإبانة من جهة النبي ﷺ لقوله فَتَعالَيْنَ وعلى هذا التقرير فهل كان يجب على النبي ﷺ الطلاق أم لا؟
الظاهر الوجوب، لأن خلف الوعد منه غير جائز بخلاف الحال فينا فإنه لا يلزمنا الوفاء بالوعد شرعا. ومنها أن المختارة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره الظاهر نعم ليكون التخيير ممكنا لها من التمتع بزينة الدنيا. ومنها أن المختارة لله ورسوله هل يحرم طلاقها؟ الظاهر نعم بمعنى أنه لو أتى بالطلاق لعوتب. وفي تقديم اختيار الدنيا إشارة إلى أنه كان لا يلتفت إليهن كما ينبغي اشتغالا بعبادة ربه. وكيفية المتعة وكميتها ذكرناهما في سورة البقرة. والسراح الجميل كقوله أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ [الآية: ٢٢٩] وفي ذكر الله والدار الآخرة مع ذكر الرسول ﷺ وفي قوله لِلْمُحْسِناتِ إشارات إلى أن اختيار الرسول ﷺ سبب مرضاة الله وواسطة حيازة سعادات الآخرة، وأنه يوجب وصفهن بالإحسان. والمراد بالأجر العظيم كبره بالذات وحسنه بالصفات ودوامه بحسب الأوقات، فان العظيم لا يطلق إلا على الجسم الطويل العريض العميق الذاهب في الجهات في الامتدادات الثلاثة، وأجر الدنيا في ذاته قليل، وفي صفاته غير خال عن جهات القبح كما في قوله من الضرر والثقل، وكذلك في مشروبه وغيرهما من اللذات ومع ذلك فهو منغص بالانقطاع والزوال.
ويروى أنه حين نزلت الآية بدأ بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فرؤي الفرح في وجه رسول الله ﷺ ، ثم اختار جميعهن اختيارها فشكر ذلك لهنّ الله فأنزل لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: ٥٢]
وروى أنه قال لعائشة إني ذاكر لك أمرا ولا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ عليها القرآن فقالت: أفي هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ثم قالت: لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: إنما بعثني الله مبلغا ولم يبعثني متعنتا أما حكم التخيير في الطلاق فإذا قال لها: اختاري. فقالت: اخترت نفسي.
أو قال: اختاري نفسك فقالت: اخترت.
لا بد من ذكر النفس في أحد الجانبين. وقعت طلقة بائنة عند أبي حنيفة وأصحابه إذا كان في المجلس أو لم يشتغل بما يدل على الإعراض. واعتبر الشافعي اختيارها على الفور وهي عنده طلقة رجعية وهو مذهب عمر وابن
стр. 2964
مسعود. وعن الحسن وقتادة والزهري: أمرها بيدها في ذلك المجلس وفي غيره. وإذا اختارت زوجها لم يقع شيء بالاتفاق لأن عائشة اختارت رسول الله ﷺ ولم يعد ذلك طلاقا.
وعن علي ﵁ مثله في رواية، وفي أخرى أنه عد ذلك واحدة رجعية إذا اختارته، وإذا اختارت نفسها فواحدة بائنة.
وحين خيرهن النبي ﷺ واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهدّدهن على الفاحشة التي هي أصعب على الزوج من كل ما تأتي به زوجته، وأوعدهن بتخفيف العذاب لأن الزنا في نفسه قبيح ومن زوجة النبي أقبح ازدراء بمنصبه، ولأنها تكون قد اختارت حينئذ غير النبي فلا يكون النبي عندها أولى من الغير ولا من نفسها، وفيه إشارة إلى شرفهن فإن الحرة لشرفها كان عذابها ضعف عذاب الأمة. وأيضا نسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادة إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم، فكذلك زوجاته اللواتي هن أمهات المؤمنين.
وليس في قوله مَنْ يَأْتِ دلالة على أن الإتيان بالفاحشة منهن ممكن الوقوع فإن الله تعالى صان أزواج الأنبياء من الفاحشة ولكنه في قوة قوله لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ [البقرة: ١٢٠] وقوله مِنْكُنَّ للبيان لا للتبعيض لدخول الكل تحت الإرادة. وقيل: الفاحشة أريد بها كل الكبائر. وقيل: هي عصيانهن رسول الله ﷺ ونشوزهن وطلبهن منه ما يشق عليه. وفي قوله وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً إشارة إلى أن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئا، كيف وإنه سبب مضاعفة العذاب؟
وحين بين مضاعفة عقابهن ذكر زيادة ثوابهن في مقابلة ذلك. والقنوت الطاعة، ووصف الرزق بالكرم لأن رزق الدنيا لا يأتي بنفسه في العادة وإنما هو مسخر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، ورزق الآخرة بخلاف ذلك. ثم صرح بفضيلة نساء النبي بأنهن لسن كأحد من النساء كقولك: ليس فلان كآحاد الناس أي ليس فيه مجرد كونه إنسانا بل فيه وصف أخص يوجد فيه ولا يوجد في أكثرهم كالعلم أو العقل أو النسب أو الحسب. قال جار الله: أحد في الأصل بمعنى وحد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستويا فيه المذكر والمؤنث.
والواحد وما وراءه. والمعنى، إذا استقريت أمة النساء جماعة جماعة لم توجد منهن من جماعة واحدة تساويكن في الفضل. وقوله إِنِ اتَّقَيْتُنَّ احتمل أن يتعلق بما قبله وهو ظاهر، واحتمل أن يتعلق بما بعده أي إن كنتن متقيات فلا تجبن بقولكن خاضعا لينا مثل كلام المريبات فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي ريبة وفجور. وحين منعهن من الفاحشة ومن مقدماتها ومما يجرّ إليها أشار إلى أن ذلك ليس أمرا بالإيذاء والتكبر على الناس بل القول المعروف عند الحاجة هو المأمور به لا غير. ثم أمرهن بلزوم بيوتهن بقوله وَقَرْنَ
стр. 2965
بفتح القاف أمر من القرار بإسقاط أحد حرفي التضعيف كقوله فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة:
٦٥] وأصله «اقررن» . من قرأ بكسرها فهو أمر من قر يقر قرارا أو من قر يقر بكسر القاف.
وقيل: المفتوح من قولك قار يقار إذا اجتمع. والتبرج إظهار الزينة كما مر في قوله غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ [النور: ٦٠] وذلك في سورة النور. والجاهلية الأولى هي القديمة التي كانت في أول زمن إبراهيم ﵇، أو ما بين آدم ونوح، أو بين إدريس ونوح، أو في زمن داود وسليمان. والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد ﷺ . وقيل: الأولى جاهلية الكفر، والأخرى الفسق والابتداع في الإسلام. وقيل: إن هذه أولى ليست لها أخرى بل معناه تبرج الجاهلية القديمة، وكانت المرأة تلبس درعا من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال. ثم أمرهن أمرا خاصا بالصلاة والزكاة ثم عاما في جميع الطاعات، ثم علل جميع ذلك بقوله إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ فاستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر. وإنما أكد إزالة الرجس بالتطهير لأن الرجس قد يزول ولم يطهر المحل بعد وأَهْلَ الْبَيْتِ نصب على النداء أو على المدح وقد مر في آية المباهلة أنهم أهل العباء النبي ﷺ لأنه أصل، وفاطمة ﵄ والحسن والحسين ﵄ بالاتفاق. والصحيح أن عليا ﵁ منهم لمعاشرته بنت النبي ﷺ وملازمته إياه.
وورود الآية في شأن أزواج النبي ﷺ يغلب على الظن دخولهن فيهن، والتذكير للتغليب.
فإن الرجال وهم النبي وعلي وأبناؤهم غلبوا على فاطمة وحدها أو مع أمهات المؤمنين. ثم أكد التكاليف المذكورة بأن بيوتهن مهابط الوحي ومنازل الحكم والشرائع الصادرة من مشرع النبوة ومعدن الرسالة. ثم ختم الآية بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً إيذانا بأن تلك الأوامر والنواهي لطف منه في شأنهن وهو أعلم بالمصطفين من عبيده المخصوصين بتأييده.
يروى أن أم سلمة أو كل أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء فنحن نخاف أن لا يقبل منا طاعة فنزلت إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ
وذكر لهن عشر مراتب: الأولى التسليم والانقياد لأمر الله، والثانية الإيمان بكل ما يجب أن يصدّق به فإن المكلف يقول أولا كل ما يقول الشارع فأنا أقبله فهذا إسلام، فإذا قال له شيئا وقبله صدق مقالته وصحح اعتقاده. ثم إن اعتقاده يدعوه إلى الفعل الحسن والعمل الصالح فيقنت ويعبد وهو المرتبة الثالثة، ثم إذا آمن وعمل صالحا كمل غيره ويأمر بالمعروف وينصح أخاه فيصدق في كلامه عند النصيحة وهو المراد بقوله وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ ثم إن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يصيبه أذى فيصبر عليه كما قال في قصة لقمان وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [الآية: ١٧] أي بسببه. ثم إنه إذا كمل في نفسه وكمل غيره قد يفتخر بنفسه
стр. 2966
ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [المؤمنون:
١، ٢] فلذلك أردفها بالصدقة. ثم بالصيام المانع من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقا وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري. ثم ختم الأوصاف بقوله وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون الله يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم لله.
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً وقال في الآية وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً ويجيء بعد ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب، ولكن لا مانع من أن يذكر الله وهو آكل أو شارب أو ماش أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر الله تعالى وهي النية. قال علماء العربية: في الآية عطفان: أحدهما عطف الإناث على الذكور، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله. والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيؤل معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم.
وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى هاهنا عاد إلى حديثه.
قال الراوي: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت حجش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد الله فنزلت وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الآية. فقالا: رضينا يا رسول الله فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر.
وقيل: نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي ﷺ فقال: قد قبلت، وزوّجها زيدا فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله ﷺ فزوّجها عبده.
وقال أهل النظم: إنه تعالى لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي ﷺ لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم الله ورسوله، فأمر الله هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق، ومن خالف الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا، لأن المقصود هو الله والهادي هو النبي، فمن ترك المقصد
стр. 2967
وخالف الدليل ضل ضلالا لا يرعوي بعده.
ثم إن رسول الله ﷺ أبصر زينب ذات يوم بعد ما أنكحها زيدا فوقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلب القلوب،
وذلك أنه ﷺ لم يردها أولا، لعله أي لم يلده إلخ تأمل ولو أرادها لاختطبها.
وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لأجل رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي. فقال: ما لك أرى بك شيء منها؟ قال: لا والله ما رأيت منها إلا خيرا ولكنها تتكبر عليّ لشرفها. فقال له: أمسك عليك زوجك واتق الله ثم طلقها بعد. فلما اعتدت قال رسول الله ﷺ : ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك اخطب عليّ زينب. قال زيد:
فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله ﷺ ذكرها فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري إن رسول الله يخطبك. ففرحت وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوّجها رسول الله ﷺ ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار
ولنرجع إلى ما يتعلق بتفسير الألفاظ. قوله لِلَّذِي يعني زيدا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالإيمان الذي هو أجل النعم وبتوفيق الأسباب حتى تبناه رسوله وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أي بالإعتاق وبأنواع التربية والاختصاص. وقوله وَاتَّقِ اللَّهَ أي في تطليقها فلا تفارقها. نهي تنزيه لا تحريم، أو أراد اتق فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وإيذاء الزوج. والذي أخفى النبي ﷺ في نفسه هو تعلق قلبه بها أو مودّة مفارقة زيد إياها أو علمه بأن زيدا سيطلقها. وعن عائشة لو كتم رسول الله ﷺ شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية، وذلك أن فيه نوع تخالف الظاهر والباطن في الظاهر وليس كذلك في الحقيقة، لأن ميل النفس ليس يتعلق باختيار الآدمي فلا يلام عليه، ولا هو مأمور بإبدائه. والذي أبداه كان مقتضى النصح والإشفاق والخشية والحياء من قالة الناس إن قلب النبي مال إلى زوجة دعيه فبهذا القدر عوتب بقوله وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. فلعل الأولى بالنبيّ أن يسكت عن إمساكه حذرا من عقاب الله على ترك الأولى كما سكت عن تطليقه حياء من الناس. قال جار الله: الواوات في قوله وَتُخْفِي وَتَخْشَى وَاللَّهُ للحال. ويجوز أن تكون للعطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك أمسك وإخفاء خلافه وخشية الناس وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ حتى لا تفعل مثل ذلك.
قوله فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها حاجته ولم يبق له فيها رغبة وطلقها وانقضت عدتها زَوَّجْناكَها نفيا للحرج عن المؤمنين في مثل هذه القضية فإن الشرع كما يستفاد من قول النبي ﷺ يستفاد من فعله أيضا، بل الثاني يؤكد الأول. ألا ترى أنه لما ذكر ما فهم منه حلّ
стр. 2968
الضب ثم لم يأكل بقي في النفوس شيء، وحيث أكل لحم الجمل طاب أكله مع أنه لا يؤكل في بعض الملل وكذلك الأرنب. وقوله إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً يفهم منه نفي الحرج عند قضاء الوطر بالطريق الأولى. عن الخليل: قضاء الوطر بلوغ كل حاجة يكون فيها همة وأراد بها في الآية الشهوة. وقيل: التطليق. فلا إضمار على هذا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا مكونا لا محالة. ومن جملة أوامره ما جرى من قصة زينب، ثم نزه جانب النبي ﷺ عن قالة الناس بقوله ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ أي قسم وأوجب لَهُ وسُنَّةَ اللَّهِ مصدر مؤكد لما قبله أي سن الله نفي الحرج سنة في الأنبياء الذين خلوا فكان من تحته أزواج كثيرة كداود وسليمان وسيجيء قصتهما في سورة ص. ومعنى قَدَراً مَقْدُوراً قضاء مقضيا هكذا قاله المفسرون ولعل قوله وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا إشارة إلى القضاء، وهذا الأخير إشارة إلى القدر وقد عرفت الفرق بينهما مرارا. وفي قوله وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ تعريض بما صرح به في قوله وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ والحسيب الكافي للمخاوف أو المحاسب على الصغائر والكبائر فيجب أن لا يخشى إلا هو. ثم أكد مضمون الآي المتقدمة وهو أن زيدا لم يكن ابنا له فقال ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ فكان لقائل أن يقول: أما كان أبا للطاهر والطيب والقاسم وإبراهيم فلذلك قيل مِنْ رِجالِكُمْ فخرجوا بهذا القدر من جهتين: إحداهما أن هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال، وبهذا الوجه يخرج الحسن والحسين أيضا من النفي لأنهما لم يكونا بالغين حينئذ. والأخرى أنه أضاف الرجال إليهم وهؤلاء رجاله لا رجالهم وكذا الحسن والحسين، أو أراد الأب الأقرب. ومعنى الاستدراك في قوله وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هو إثبات الأبوة من هذه الجهة لأن النبي كالأب لأمته من حيث الشفقة والنصيحة ورعاية حقوق التعظيم معه، وأكد هذا المعنى بقوله وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ لأن النبي إذا علم أن بعده نبيا آخر فقد ترك بعض البيان والإرشاد إليه بخلاف ما لو علم أن ختم النبوة عليه وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ومن جملة معلوماته أنه لا نبي بعد محمد ﷺ ومجيء عيسى ﵇ في آخر الزمان لا ينافي ذلك لأنه ممن نبىء قبله وهو يجيء على شريعة نبينا مصليا إلى قبلته وكأنه بعض أمته.
التأويل:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ أي كان في الأول مقدرا لكم متابعة رسول الله ﷺ فتعلقت قدرتنا بإخراج أرواحكم من العدم إلى الوجود عقيب إخراج روح الرسول من العدم إلى الوجود
«أول ما خلق الله نوري أو روحي»
وبحسب القرب إلى روح الرسول والبعد عنه يكون حال الأسوة، وكل ما يجري على الإنسان من بداية عمره إلى نهاية عمره من الأفعال والأقوال والأخلاق والأحوال. فمن كان يرجو الله كان عمله خالصا لوجه
стр. 2969
الله تعالى، ومن كان يرجو اليوم الآخر يكون عمله للفوز بنعيم الحنان. وكل هذه المقامات مشروط بالذكر وهو كلمة «لا اله الا الله محمد رسول الله» نفيا وإثباتا، وهما قدمان للسائرين إلى الله وجناحان للطائرين بالله. وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ المجتمعين على إضلالهم وإهلاكهم من النفس وصفاتها، والدنيا وزينتها، والشيطان واتباعه قالُوا متوكلين على الله هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أن البلاء موكل بالأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ يتصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ أن لا يعبدوا غيره في الدنيا والعقبى. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ فوصل إلى مقصده وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الوصول وهو في السير وهذا حال المتوسطين وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بريح القهر أذهبت على النفوس فأبطلت شهواتها، وعلى الشيطان فردت كيده، وعلى الدنيا فأزالت زينتها. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ أي أعانوا النفس والشيطان والهوى على القلوب من أهل الكتاب طالبي الرخص لأرباب الطلب المنكرين أحوال أهل القلوب مِنْ صَياصِيهِمْ هي حصون تكبرهم وتجبرهم، وأنزل وقعهم من حصون اعتقاد أرباب الطلب كيلا يقتدوا بهم ولا يغتروا بأقوالهم، وقذف بنور قلوبهم في قلوب النفوس والشياطين الرعب فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وهم النفس وصفاتها والشيطان وأتباعه وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وهم الدنيا وجاهها وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ لتنفقوا في سبيل الله وتجعلوها بذر مزرعة الآخرة وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها يشير إلى مقامات وكمالات لم يبلغوها فيبلغوها باستعمال الدنيا فإن ذلك بعد الوصول لا يضر لأنه يتصرف بالحق للحق. قُلْ لِأَزْواجِكَ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا يمنعهن من صحبة النبي ﷺ مع أنهن محال النطفة الإنسانية في عالم الصورة، فكيف لا يضر حب الدنيا لأهل القلوب الذين قلوبهم أرحام النطفة الروحانية الربانية، والأجر العظيم هو لقاء الله العظيم فمن أحب غير الله وإن كان الجنة نقص من الأجر بقدر ذلك إلا محبة النبي ﷺ ، لأن محبة الجنة بالحظ دون الحق فيها ما تشتهي الأنفس، ومحبة النبي ﷺ بالحق لا الحظ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] ومضاعفة العذاب سقوطهن عن قرب الله وعن الجنة كما أن إيتاء الأجر مرتين عبارة عن هذين، وكان من دعاء السري السقطي: اللهم إن كنت تعذبني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب. والرزق الكريم رزق المشاهدات الربانية يا نِساءَ النَّبِيِّ هم الذين أسلموا أرحام قلوبهم لتصرفات ولاية الشيخ ليست أحوالهم كأحوال غيرهم من الخلق إِنِ اتَّقَيْتُنَّ بالله من غيره فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ لشيء من الدارين فإن كثيرا من الصادقين خضعوا بالقول لأرباب الدنيا الذين في قلوبهم مرض حب المال والجاه فاستجروهم ووقعوا في ورطة الهلاك والحجاب. فالقول المعروف وهو المتوسط الذي لا
стр. 2970
يكون فيه الميل الكلي إلى أهل الدنيا أصوب وإلى الحق أقرب. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ من عالم الملكوت وَلا تَبَرَّجْنَ في عالم الحواس راغبين في زينة الدنيا كعادة الجهلة وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ التي هي معراج المؤمن يرفع يده من الدنيا ويكبر عليها ويقبل على الله بالإعراض عما سواه، ويرجع من مقام تكبر الإنسان إلى خضوع ركوع الحيوان، ومنه إلى خشوع سجود النبات، ثم إلى قعود الجماد فإنه بهذا الطريق أهبط إلى أسفل القالب فيكون رجوعه بهذا الطريق إلى أن يصل إلى مقام الشهود الذي كان فيه في البداية الروحانية، ثم يتشهد بالتحية والثناء على الحضرة، ثم يسلم عن يمينه على الآخرة وما فيها وعن شماله على الدنيا وما فيها. وإيتاء الزكاة بذل الوجود المجازي لنيل الوجود الحقيقي. الرجس لوث الحدوث، والبيت لأهل الوحدة بيت القلب يتلى فيه آيات الواردات والكشوف. إن الذين استسلموا للأحكام الأزلية وآمنوا بوجود المعارف الحقيقية، وقتنوا أي أغرقوا الوجود في الطاعة والعبودية، وصدقوا في عهدهم وصبروا على الخصال الحميدة وعن الأوصاف الذميمة، وخشعوا أي أطرقت سريرتهم عند بواده الحقيقة، وتصدقوا بأموالهم وأعراضهم حتى لم يبق لهم مع أحد خصومة، وصاموا بالإمساك عن الشهوات وعن
رؤية الدرجات، وحفظوا فروجهم في الظاهر عن الحرام وفي الباطن عن زوائد الحلال، وذكروا الله بجميع أجزاء وجودهم الجسمانية والروحانية. وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ
إذا صدر أمر المكلف أو عليه، فإن كان مخالفا للشرع وجب عليه الإنابة والاستغفار، وإن كان موافقا للشرع فإن كان موافقا لطبعه وجب عليه الشكر، وإن كان مخالفا لطبعه وجب أن يستقبله بالصبر والرضا. وفي قوله وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ دلالة على أن المخلصين على خطر عظيم حتى إنهم يؤاخذون بميل القلب وحديث النفس وذلك لقوة صفاء باطنهم، فاللطيف أسرع تغيرا.
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً قضاء شهوته بين الخلق إلى قيام الساعة ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فيما فيه أمان هو نقصان في نظر الخلق فإنه كمال عند الحق إلا إذا كان النظر للحق وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فيه أن نسبة المتابعين إلى حضرة الرسول ﷺ كنسبة الابن إلى الأب الشفيق ولهذا
قال «كل حسب ونسب ينقطع إلّا حسبي ونسبي» .
[سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤١ الى ٧٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥)
وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠)
تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٥٥)
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠)
مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٦٢) يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥)
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠)
يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)
стр. 2971
القراآت:
تُرْجِي بغير همز: أبو جعفر ونافع وحمزة وعلي وحفص وخلف والأعشى والمفضل وعباس لا تحل بتاء التأنيث: أبو عمرو ويعقوب إِناهُ بالامالة وغيرها مثل الْحَوايا في «الأنعام» وافق الخزاز عن هبيرة هاهنا بالإمالة ساداتنا بالألف وبكسر التاء: ابن عامر وسهل ويعقوب وجبلة. الباقون: على التوحيد كَبِيراً بالباء الموحدة:
عاصم وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان. الآخرون: بالثاء المثلثة.
الوقوف:
كَثِيراً لا وَأَصِيلًا هـ النُّورِ ط رَحِيماً هـ سَلامٌ ج لاحتمال الجملة حالا واستئنافا كَرِيماً هـ نَذِيراً لا مُنِيراً هـ كَبِيراً هـ عَلَى اللَّهِ ط وَكِيلًا هـ تَعْتَدُّونَها ج لانقطاع النظم مع الفاء جَمِيلًا هـ مَعَكَ ج لاحتمال ما بعده العطف والنصب على المدح مع أن طول الكلام يرجح جانب الوقف يَسْتَنْكِحَها ق للعدول على تقدير جعلناها خالصة الْمُؤْمِنِينَ هـ حَرَجٌ ط رَحِيماً هـ إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ ط لأن ما بعده واو استئناف دخل على الشرط عَلَيْكَ ط كُلُّهُنَّ ط قُلُوبِكُمْ ط حَلِيماً هـ يَمِينُكَ ط رَقِيباً هـ إِناهُ لا للعطف مع الإستدراك لِحَدِيثٍ ط مِنْكُمْ ط فصلا بين وصف الخلق وحال الحق مع اتفاق الجملتين مِنَ الْحَقِّ ط لإبتداء حكم آخر حِجابٍ ط وَقُلُوبِهِنَّ ط أَبَداً ط عَظِيماً هـ عَلِيماً هـ أَيْمانُهُنَّ لا والوقف أجوز لتكون الواو للاستئناف وَاتَّقِينَ اللَّهَ ط شَهِيداً هـ النَّبِيِّ ط تَسْلِيماً
стр. 2972
هـ مُهِيناً هـ مُبِيناً هـ جَلَابِيبِهِنَّ ط يُؤْذَيْنَ ط رَحِيماً هـ قَلِيلًا هـ ج لأن قوله مَلْعُونِينَ يحتمل أن يكون حالا أو منصوبا على الشتم مَلْعُونِينَ هـ ج لأن الجملة الشرطية تصلح وصفا واستئنافا تَقْتِيلًا هـ قَبْلُ ط تَبْدِيلًا هـ السَّاعَةِ ط عِنْدَ اللَّهِ ط قَرِيباً هـ سَعِيراً لا أَبَداً ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف نَصِيراً هـ ج لاحتمال تعلق الظرف ب لا يَجِدُونَ أو ب يَقُولُونَ أو باذكر الرَّسُولَا هـ السَّبِيلَا هـ كَبِيراً هـ قالُوا ط وَجِيهاً هـ سَدِيداً هـ لا ذُنُوبَكُمْ هـ عَظِيماً هـ الْإِنْسانُ ط جَهُولًا هـ لا وَالْمُؤْمِناتِ ط رَحِيماً هـ.
التفسير:
اعلم أن مبنى هذه السورة على تأديب النبي ﷺ ، وقد مر أنه سبحانه بدأ بذكر ما ينبغي أن يكون عليه النبيّ مع الله وهو التقوى، وذكر ما ينبغي أن يكون عليه مع أهله فأمر بعد ذلك عامة المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين. وبدأ بما يتعلق بجانب التعظيم لله وهو الذكر الكثير، وفيه لطيفة وهي أن النبيّ لكونه من المقربين لم يكن ناسيا فلم يؤمر بالذكر بل أمر بالتقوى والمحافظة عليها فإنها تكاد لا تتناهى. والتسبيح بكرة وأصيلا عبارة عن الدوام لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين ويفهم منهما الوسط
كقوله ﷺ «ولو أن أوّلكم وآخركم» «١»
قال جار الله: خص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه. ولقائل أن يقول: هذا لا يطابق
قوله ﷺ «أفضل الذكر لا إله إلا الله» «٢»
وجوّز أن يراد بالذكر الكثير الإقبال على العبادات كلها، ويراد بالتسبيح الصلاة، وبالوقتين العموم كما مر، أو صلاة الفجر والعشاءين، لأن أداءها أشق ومراعاتها أشد. ثم حرض المؤمنين على ذكره بأنه أيضا يذكرهم والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، فلعله أراد باللفظ المشترك كلا مفهومية كما ذهب إليه الشافعي، أو في الكلام حذف أي وملائكته تصلي، أو المراد بصلاة الملائكة هي قولهم: اللهم صل على المؤمنين.
جعلوا لاستجابة دعوتهم كأنهم فعلوا الرحمة، أو المراد القدر المشترك وهو العناية بحال المرحوم والمستغفر له. وأصل الصلاة التعطف وذلك أن المصلي يتعطف في ركوعه وسجوده فاستعير لمن يتعطف على غيره وحنوّا وترؤفا. ثم بين غاية الصلاة وهي إخراج المكلف من ظلمات الضلال إلى نور الهدى. وفي قوله وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً بشارة لجميع المؤمنين وإشارة إلى أن تلك الرحمة لا تخص السامعين وقت الوحي. ومعنى
стр. 2973
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ مذكور في أول «يونس» وفي «إبراهيم» . وأراد بيوم اللقاء يوم القيامة لأن الخلق مقبلون على الله بكليتهم بخلاف الدنيا. والأجر الكريم هو ما يأتيه عفوا صفوا من غير شوب نغص. ثم أشار إلى ما ينبغي أن يكون النبي ﷺ مع عامة الخلق فقال إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وهي حال مقدرة أي مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وفيه أن الله تعالى جعل النبي شاهدا على وجوده بل على وحدانيته لأن المدعي هو الذي يذكر شيئا بخلاف الظاهر والوحدانية أظهر من الشمس فلا ينبغي أن يقال:
إن النبي ﷺ مدع لها. بل يقال: إنه شاهد عليها كما
قال «على مثل الشمس فاشهد»
وإنه قد جازاه بشهادته لله شهادته على نبوته كما قال والله يشهد انك لرسوله [المنافقون: ١] والحاصل أنه شاهد في الدنيا بأحوال الآخرة من الجنة والنار والميزان والصراط، وشاهد في الآخرة بأحوال الدنيا من الطاعة والمعصية والصلاح والفساد. وإنما قال وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ لأن الشهادة للمرء لا تفتقر إلى إذنه وكذلك الإنذار والتبشير إذا قال من يطع الملك أفلح ومن عصاه لم يربح. أما إذا قال: تعالوا إلى سماطه واحضروا على خوانه احتاج إلى رضاه. ويمكن أن يكون قوله بِإِذْنِهِ متعلقا بمجموع الأحوال أي بتسهيله أو تيسيره.
ووصف النبي ﵇ بالسراج بأن ظلمات الضلال تنجلي به كما ينجلي ظلام الليل بالسراج، وقد أمدّ الله بنور نبوته نور البصائر كما يمدّ بنور السراج نور الأبصار. وإنما لم يشبه بالشمس لأن الشمس لا يؤخذ منه شيء ويؤخذ من السراج سرج كثيرة وهم الصحابة والتابعون في المثال ولهذا
قال «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم»
وصفهم بالنجم لأن النجم لا يؤخذ منه شيء، والتابعي لا يأخذ من الصحابي في الحقيقة وإنما يأخذ من النبيّ. ووصف السراج بالإنارة لأن السراج قد يكون فاترا ومنه قولهم «ثلاثة تضني: رسول بطيء، وسراج لا يضيء، ومائدة ينتظرها من يجيء» . ويجوز أن يكون سراجا معطوفا على الكاف ويراد به القرآن، ويجوز أن يكون المعنى وذا سراج أو تاليا سراجا. قوله وَدَعْ أَذاهُمْ أي خذ بظاهرهم وادفع عنهم الأسر والقتل وحسابهم على الله، وإضافة أذاهم يحتمل أن يكون إلى الفاعل وإلى المفعول.
ثم أمر المؤمنين بما يتعلق بجانب الشفقة على الخلق واكتفى بذكر الزوجات المطلقات قبل المسيس لأنه إذا لزم الإحسان إليهنّ بمجرد العقد وهو المراد بالنكاح هاهنا، فبالوطء يكون أولى وقد مر حكمهنّ في سورة البقرة. في قوله وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [الآية: ٢٣٧] وذلك لأجل تشطير الصداق. وإنما أعاد ذكرهن هاهنا لبيان عدم وجوب العدة عليهن. وتخصيص المؤمنات بالذكر دون الكتابيات إيذان بأنهن أولى بتخيرهن
стр. 2974
للنطفة. وفي قوله ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ تنبيه على أنه لا تفاوت في هذا الحكم بين قريبة العهد من النكاح وبين بعيدة العهد منه، فإذا لم تجب العدّة على البعيدة العهد فلأن لا تجب على القريبة العهد أولى. وقد يستدل بكلمة «ثم» على أن تعليق الطلاق بالنكاح لا يصح لأن المعية تنافي التراخي. وفي قوله فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء وإن كان لا يسقط بإسقاطه لما فيها من حق الله تعالى أيضا. ومعنى تَعْتَدُّونَها تستوفون عددها تقول: عددت الدراهم فاعتدها نحو: كلته فاكتاله. ثم عاد إلى تعليم النبي ﷺ . وفائدة قوله اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وقوله مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وقوله اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ هي أن الله تعالى اختار لرسوله الأفضل الأولى، وذلك أن سوق المهر إليها عاجلا أفضل من أن تسميه وتؤجله. وكان التعجيل ديدن السلف ومن الناس من قال: ان النبي ﷺ كان يجب عليه إعطاء المهر لأن المرأة لها الامتناع إلى أن تأخذ مهرها، والنبي ﵇ لم يكن يستوفي ما لا يجب له كيف وإنه إذا طلب شيئا حرم الامتناع على المطلوب منه. والظاهر أن طالب الوطء ولا سيما في المرة الأولى يكون هو الرجل لحياء المرأة، ولو طلب النبيّ ﷺ من المرأة التمكين قبل المهر لزم أن يجب وأن لا يجب، ولا كذلك أحدنا. ومما يؤكد هذا قوله وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ يعني حينئذ لا يبقى لها صداق فتصير كالمستوفية مهرها. والجارية إذا كانت سبية مالكها ومخطوبة سيفه ورمحه فإنها أحل وأطيب من المشتراة لكونها غير معلومة الحال. قال جار الله: السبي على ضربين: سبي طيبة وهي ما سبي من أهل الحرب، وسبي خبيثة وهي ما سبي ممن له عهد، فلا جرم قال سبحانه مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ لأن فيء الله لا يطلق إلا على الطيب دون الخبيث، وكذلك اللاتي هاجرن مع رسول الله ﷺ من أقاربه غير المحارم أفضل من غير المهاجرات معه. وإنما لم يجمع العم والخال اكتفاء بجنسيتها مع أن لجمع البنات دلالة على ذلك لامتناع اجتماع أختين تحت واحد، ولم يحسن الاقتصار في العمة والخالة لإمكان سبق الوهم إلى أن التاء فيهما للوحدة وشرط في استحلال الواهبة نفسها إرادة استنكاح رسول الله ﷺ كأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها. وفيه أنه لا بد من قبول الهبة حتى يتم النكاح، وبه استدل أبو حنيفة على جواز عقد النكاح بلفظ الهبة، وحملها الشافعي على خصائص النبي ﷺ . وعن أبي الحسن الكرخي أن عقد النكاح بلفظ الإجارة جائز لقوله اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ قال أبو بكر الرازي: لا يصح لأن الإجارة عقد مؤقت وعقد النكاح مؤبد. والظاهر أن خالِصَةً حال من امْرَأَةً وقال جار الله: هي مصدر مؤكد كوعد الله أي خلص لك الإحلال خلوصا. وفائدة هذا الحال على مذهب الشافعي ظاهرة. وقال أبو حنيفة: أراد بها أنها زوجته وهي من أمهات المؤمنين فأورد عليه
стр. 2975
أن أزواجه كلهن خالصات له فلا يبقى لتخصيص الواهبة فائدة. وقوله قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ جملة اعتراضية معناها أن الله قد علم ما يجب على المؤمنين في حق الأزواج وفي الإماء على أي حدّ وصفة ينبغي أن يكون. ثم بين غاية الإحلال بقوله لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ أي لئلا يكون عليك ضيق في دينك ولا في دنياك حيث أحللنا لك أصناف المنكوحات وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً للذي وقع في الحرج رَحِيماً بالتوسعة والتيسير على عباده.
ثم بيّن أنه أحل له وجوه المعاشرة بهن من غير إيجاب قسم بينهنّ، لأنه ﷺ بالنسبة إلى أمته كالسيد المطاع فزوجاته كالمملوكات فلا قسم لهن. والإرجاء التأخير، والإيواء الضم وهما خبران في معنى الأمر. وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ يعني إذا طلبت من كنت تركتها فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في شيء من ذلك وهذه قسمة جامعة للغرض لأنه إما أن يطلق وإما أن يمسك، وإذا أمسك ضاجع أو ترك، وإذا ضاجع قسم أو لم يقسم، وإذا طلق أو عزل فإما أن يترك المعزولة أو يبتغيها.
يروى أنه أرجأ منهن سودة وجويرية وصفية وميمونة وأم حبيبة وكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء،
وكانت ممن آوى إليه عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب.
وروي أنه كان يسوّي مع ما خير فيه إلّا سودة فإنها وهبت ليلتها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك.
وقيل: أراد تترك تزوّج من شئت من نساء أمتك وتتزوّج من شئت. وعن الحسن: وكان النبي ﷺ إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها. ومن قال: إن القسم كان واجبا مع أنه ضعيف بالنسبة إلى مفهوم الآية قال:
المراد تؤخرهن إن شئت إذ لا يجب القسم في الأول، وللزوج أن لا ينام عند أحد منهن وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ في ذلك فابدأ بمن شئت وتمم الدور والأول أقوى. ثم قال ذلِكَ التفويض إلى مشيئتك أَدْنى إلى قرّة عيونهن وقلة حزنهن وإلى رضاهنّ جميعا لأنه إذا لم يجب عليه القسم. ثم إنه يقسم بينهن حملهن ذلك على تلطفه وتخلصه. وفي قوله وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وعيد لمن يرض منهن بما دبر الله له وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بذات الصدور حَلِيماً مع ذلك لا يعاجل بالعقوبة فتحا لباب التوبة. وقوله كُلُّهُنَّ بالرفع تأكيد لنون يرضين، وقرىء بالنصب تأكيدا لضمير المفعول في آتَيْتَهُنَّ ثم إنه سبحانه شكر لأزواج رسول الله اختيارهن الله ورسوله فأنزل لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ قال أكثر المفسرين: أي من بعد التسع المذكورة، فالتسع نصاب رسول الله ﷺ من الأزواج كما أن الأربع نصاب أمته منهن. وإنه تعالى زاد في إكرامهن بقوله وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ أي ولا يحل لك أن تستبدل بهؤلاء التسع أزواجا أخر بكلهن أو بعضهن، وأكد النفي
стр. 2976
بقوله مِنْ أَزْواجٍ وفائدته استغراق جنس جماعات الأزواج بالتحريم. وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها تحريم غيرهن ولا المنع من طلاقهنّ، والمعنى لا يحل لك من النساء من بعد اللواتي نص على إحلالهنّ من الأجناس الأربعة، وأما غيرهنّ من الكتابيات والإماء بالنكاح والأعرابيات والغرائب فلا يحل لك التزوّج بهن. وقوله وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ منع من فعل الجاهلية وهو قولهم «بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي» فكان ينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه.
يحكى أن عيينة بن حصن دخل على النبي ﷺ وعنده عائشة من غير استئذان فقال رسول الله ﷺ : يا عيينة أين الاستئذان؟ فقال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل قط ممن مضى منذ أدركت. ثم قال: من هذه الجميلة إلى جنبك؟ فقال: هذه عائشة أم المؤمنين.
قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق. فقال ﵇: إن الله قد حرم ذلك. فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: أحمق مطاع وإنه على ما ترين لسيد قومه.
وقوله وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ في موضع الحال أي مفروضا إعجابك بهن. قال جار الله:
والأظهر أن جوابه محذوف يدل عليه ما قبله وهو لا يَحِلُّ وفائدة هذه الشرطية التأكيد والمبالغة. واستثنى ممن حرم عليه الإماء. وفي قوله وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً تحذير من مجاوزة حدوده. واعلم أن ظاهر هذه الآية ناسخ لما كان قد ثبت له ﷺ من تحريم مرغوبته على زوجها، وفيه حكمة خفية، وذلك أن الأنبياء يشتدّ عليهم برحاء الوحي في أوّل الأمر ثم يستأنسون به فينزل عليهم وهم يتحدثون مع أصحابهم فكان الحاجة إلى تفريغ بال النبي تكون في أوّل الأمر أكثر لو هي القوّة ولعدم إلفه بالوحي، فإذا تكاملت قوّته وحصل إلفه بتعاقب الوحي لم يبق له الالتفات إلى غير الله فلم يحتج إلى إحلال التزوّج بمن وقع بصره عليها. وعن عائشة: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء. تعني أن الآية نسخت، ونسخها إمّا بالسنة عند من يجوّز نسخ القرآن بخبر واحد، وأمّا بقوله إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ وترتيب النزول ليس على ترتيب المصحف.
ثم عاد إلى إرشاد الأمة، وحالهم مع النبيّ إما حال الخلوة فالواجب هناك احترام أهله وأشار إليه بقوله لا تَدْخُلُوا وإما حال الملأ فالواجب وقتئذ التعظيم بكل ما أمكن وذلك قوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فقيل: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا وقت الإذن أي مأذونين وإلا غير ناظرين إناه. وإنى الطعام إدراكه، أنى الطعام إنى نحو قلاه قلى. وقيل: أناه وقته فقد تلخص أن الإذن مشروط بكونه إلى الطعام فلزم منه أن لا يجوز الدخول إذا لم يكن الإذن
стр. 2977
إلى طعام كالدخول بالإذن لاستماع كلام مثلا، فأجيب بأن الخطاب مع قوم كانوا موصوفين بالتحين للطعام فمنعوا من الدخول في وقته من غير إذن. وجوز بعضهم أن يكون في الكلام تقديم وتأخير أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم فلا يكون منعا من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن والأوّل أولى. ولا يشترط في الإذن التصريح به إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قيل إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ على البناء للمفعول ليشمل إذن الله وإذن الرسول أو العقل المؤيد بالدليل. وقوله فَانْتَشِرُوا للوجوب وليس كقوله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا [الجمعة: ١٠] وذلك للدليل العقلي على أن بيوت الناس لا تصلح للمكث بعد الفراغ مما دعي لأجله، وللدليل النقلي وذلك قوله وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ وهو مجرور معطوف على ناظِرِينَ أو منصوب على الحال أي لا تدخلوها هاجمين ولا مستأنسين.
يروى أن رسول الله ﷺ أولم على زينب بتمر وسويق وشاة وأمر أنسا أن يدعو بالناس فترادفوا أفواجا إلى أن قال: يا رسول الله دعوت حتى ما أجد أحد أدعوه. فقال:
ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون فأطالوا فقام رسول الله ليخرجوا فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ وطاف بالحجرات فسلم عليهن ودعون له ورجع فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون وكان رسول الله ﷺ شديد الحياء وذلك قوله إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ أي من إخراجكم، فلما رأوه متوليا خرجوا فرجع فنزلت الآية
ناهية للثقلاء أن يطيلوا الجلوس يستأنس بعضهم ببعض لأجل حديث يحدّثه به أو يستأنسون حديث أهل البيت واستماعه. ومعنى لا يَسْتَحْيِي لا يمتنع ولا يترك كما مر في أول البقرة. والضمير في سَأَلْتُمُوهُنَّ لنساء النبيّ بقرينة الحال.
قال الراوي: إن عمر كان يحب ضرب الحجاب عليهن محبة شديدة وكان يقول: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت.
والمتاع الماعون وما يحتاج إليه. وثاني مفعولي فَسْئَلُوهُنَّ محذوف وهو المتاع المدلول عليه بما قبله. ذلِكُمْ الذي ذكر من السؤال من وراء الحجاب أَطْهَرُ لأجل قلوبكم لأن العين روزنة القلب ومنها تنشأ الفتنة غالبا. وروي أن بعضهم قال: نهينا أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء حجاب لئن مات محمد لأتزوجن فلانة عنى عائشة، فأعلم الله أن ذلك محرم بقوله وَما كانَ أي وما صح لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ بوجه من الوجوه وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ الإيذاء والنكاح كانَ عِنْدَ اللَّهِ ذنبا عَظِيماً لأن حرمة الرسول ميتا كحرمته حيا.
ثم بين بقوله إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً الآية. إنهم إن لم يؤذوه في الحال ولكن عزموا على
стр. 2978
إيذائه أو نكاح أزواجه بعده فالله عالم بكل شيء فيجازيهم بحسب ذلك. ثم إنه لما أنزل الحجاب استثنى المحارم بقوله لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ أي لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء. قال في التفسير الكبير عند الحجاب: لما أمر الله الرجل بالسؤال من وراء الحجاب فيفهم كون المرأة محجوبة عن الرجل بالطريق الأولى، وعند الاستثناء قال لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فرفع الحجاب عنهن فالرجال أولى بذلك. وقدم الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر فقد رأوهن في حالة الصغر، ثم الأبناء ثم الأخوة، وقدم بني الإخوة لأن بني الأخوات آباؤهم ليسوا بمحارم إنما هم أزواج خالات أبنائهم فقد يصف الابن خالته عند أبيه ففي ذلك نوع مفسدة فأوجبت التأخر عن رتبة المحرمية، ولم يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، أو لأنهما قد يصفان لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم. وقد يستدل بقوله وَلا نِسائِهِنَّ مضافة إلى المؤمنات أنه لا يجوز التكشف للكافرات في وجه، وأخر المماليك لأن محرميتهم كالأمر الضروري وإلا فالمفسدة في التكشف لهم ظاهرة ولهذا عقبه بقوله وَاتَّقِينَ فإن التكشف لهم مشروط بشرط سلامة العاقبة والأمن من الفتنة. ومنهم من قال: المراد من كان منهم دون البلوغ. قال جار الله: في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب في قوله وَاتَّقِينَ فضل تشديد وبعث على سلوك طريقة التقوى فيما أمرن به من الاحتجاب كأنه قيل: وليكن عملكن في الحجب أحسن مما كان وأتقن غير محتجبات ليفضل سركن علنكن. ثم أكد الكل بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً وفيه أنه لا يتفاوت في علمه ظاهر الحجاب وباطنه. ثم كمل بيان حرمة النبي بأنه محترم في الملأ الأعلى فليكن واجب الاحترام في الملأ الأدنى، وقد مر معنى الصلاة في السورة. وإنما قال هناك هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ وقال هاهنا إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ ليلزم منه تعظيم النبي ﷺ :
وذلك لأن إفراد الواحد بالذكر وعطف الغير عليه يوجب تفضيلا للمذكور على المعطوف، فكأنه سبحانه شرف الملائكة بضمهم مع نفسه بواسطة صلاتهم على النبي ﷺ . واستدل الشافعي: بقوله صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا وظاهر الأمر للوجوب أن الصلاة في التشهد واجبة وكذا التسليم لأنه لا يجب بالاتفاق في غير الصلاة فيجب فيها. وذكر المصدر للتأكيد ليكمل السلام عليه وهو قول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ولم يؤكد الصلاة هذا التأكيد لأنها كانت مؤكدة بقوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
وسئل النبي كيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال: قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك
стр. 2979
حميد مجيد.
وعنه ﷺ «من صلى عليّ مرة صلى الله عليه عشرا «١»
ومن العلماء من أوجب الصلاة كلما جرى ذكره لما
روي في الحديث «من ذكرت عنده فلم يصل عليّ فدخل النار فأبعده الله» «٢»
ومنهم من أوجبها في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره كما قيل في آية السجدة وتشميت العاطس، وكذلك في كل دعاء في أوله وآخره. ومنهم من أوجبها في العمر مرة، وكذا قال في إظهار الشهادتين. والأحوط هو الأول وهو الصلاة عليه عند كل ذكر، وأما الصلاة على غيره فقد مر الخلاف فيها في سورة التوبة في قوله وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [الآية: ١٠٣] ثم رتب الوعيد على إيذاء الله ورسوله فيجوز أن يكون ذكر الله توطئة وتشريفا وإعلاما بأن إيذاء رسول الله هو إيذاء الله كقوله تعالى فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] ويجوز أن يراد بإيذاء الله الشرك به ونسبته إلى ما لا يجوز عليه. وعن عكرمة: هو فعل أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق كخلق الله. وقيل: أذى رسول الله قولهم إنه ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. وقيل: طعنهم عليه في نكاح صفية بنت حي، والأظهر التعميم. وعن بعضهم أن اللعن في الدارين هو جزاء من يؤذي الله، وإعداد العذاب المهين هو جزاء من يؤذي رسول الله، ولعل الفرق لاغ. ثم رتب وعيدا آخر على إيذاء المؤمنين والمؤمنات ولكن قيده بقوله بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا لأنه إذا صدر عن أحدهم ذنب جاز إيذاؤه على الوجه المحدود في الشرع، ولعل المراد هو الإيذاء القولي لقوله فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً ويحتمل أن يقال: احتمال البهتان سببه الإيذاء القولي، واحتمال الإثم المبين سببه الإيذاء الفعلي، ويحتمل أن يكون كلاهما وعيد الإيذاء القولي، وإنما وقع الاكتفاء به لأنه أجرح للقلب ولا مكان الاستدلال به على الفعلي، ولأن إيذاء الله لا يكون إلا بالقول إلا إذا جعل السجود للصنم إيذاء. قيل: نزلت في ناس من المنافقين كانوا يؤذون عليا ﵁. وقيل: في إفك عائشة. وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات.
ثم أراد أن يدفع عن أهل بيت نبيه وعن أمته المثالب التي هي مظان لصوق العار فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ الآية. ومعنى يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ يرخين عليهن. يقال للمرأة إذا زل الثوب عن وجهها أدني ثوبك على وجهك. ومعنى التبعيض في مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ أن يكون للمرأة
стр. 2980
جلابيب فتقتصر على واحد منها، أو أريد طرف من الجلباب الذي لها. وكانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذلات يبرزن في درع وخمار من غير فصل بين الحرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف وستر الرأس والوجوه ذلِكَ الإدناء أَدْنى وأقرب إلى أَنْ يُعْرَفْنَ أنهن حرائر أو أنهن لسن بزانيات فان التي سترت وجهها أولى بأن تستر عورتها فَلا يُؤْذَيْنَ لا هن ولا رجالهن أقاربهن لأن أكثر الإيذاء والطعن إنما يتفق من جهة نساء العشيرة إذا كن مرئيات فضلا عن كونهن مزينات وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما قد سلف رَحِيماً حين أرشدكم إلى هذا الأدب الجميل. ولما أوعدهم بعذاب الآخرة خوّفهم بعقاب الدنيا قائلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ عن الإيذاء وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهم الضعفة الإيمان أو الزناة وأهل الفجور وَالْمُرْجِفُونَ في مدينة الرسول وهم الخائضون في أخبار السوء من غير حقيقة، سمي بذلك لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت من الرجفة وهي الزلزلة. روي أن ناسا كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا أو هزموا وكانوا يقولون قد أتاكم العدوّ ونحو ذلك. ومعنى لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ لنسلطنك عليهم وهو مجاز من قولهم: أغريت الجارحة بالصيد. والمراد لنأمرنك بأن تفعل ما يضطرهم إلى الجلاء ثم لا يساكنونك في المدينة إلا زمنا قليلا ريثما يتأهبون فيرتحلون بأنفسهم وعيالهم. ومعنى «ثم» تراخي الرتبة كأنه يفعل بهم أفاعيل تسوءهم إلى أن يبلغ حد الاضطرار فيزعجهم، ويجوز أن يكون قَلِيلًا منصوب على الحال أيضا ومعناه لا يجاورونك إلا أقلاء أذلاء ملعونين. وفي قوله لا يُجاوِرُونَكَ عطف على جواب القسم كأنه قيل: إن لم ينتهوا لا يجاورونك سُنَّةَ اللَّهِ أي سنة الله في الدين ينافقون في الأنبياء أن يقتلوا حيثما ثقفوا. وقال مقاتل: أراد كما قتل وأسر أهل بدر وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأحكام لا في الأفعال والأخبار. ثم إن المشركين واليهود كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة استهزاء وامتحانا فأمر نبيه أن يقول: إن ذلك العلم مما استأثر الله ولكنها قريبة الوقوع. ومعنى قَرِيباً شيئا قريبا أو يوما أو زمانا. ثم أوعدهم بما أعدّ لهم من عذاب السعير. ومعنى تقليب وجوههم تصريفها في الجهات كاللحم يدار على النار حين يشوى، أو تغييرها عن أحوالها، أو تحويلها عن هيآتها، أو نكسها على رؤوسها. والوجه عبارة عن الجملة وخص بالذكر لأنه أشرف وأكرم، وإذا كان الأشرف معرضا للعذاب فالأخس أولى.
ثم حكى أنهم يعترفون ويتمنون ولا ينفعهم شيء من ذلك ثم يطلبون بعض التشفي بالدعاء على من أضلهم. قوله ضِعْفَيْنِ أي ضعفا لضلالهم وضعفا لإضلالهم. من قرأ لَعْناً كَبِيراً بالباء الموحدة فالمراد أشد اللعن وأفظعه، ومن قرأ بالثاء المثلثة أراد تكثير عدد