← Тафсир

Тафсир · id 23613

تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان

النيسابوري، نظام الدين القمي

Полный текст (3 743 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الجواب نعم إلا أنه لم يكن حينئذ نصا في أن ذلك البعض من المؤمنين أم من الظالمين. ولو قال «ينال عهدي المؤمنين» كان غاية ذلك خروج الظالمين بالمفهوم لا بالنص، فلمكان التنصيص على إخراج الظالم قال لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ والمراد بالعهد هو الإمامة المطلوبة، سميت عهدا لاشتمالها على كل عهد عهد به الله تعالى إلى بنى آدم إذ لا رياسة أعظم من ذلك كقوله وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ [طه: ١١٥] وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ [الأحزاب: ٧] وإذا خرج الظالم تعين الصالح للإمامة بطريق برهاني. وذلك أن دعاءه مستجاب البتة فكل نبي مجاب، ولأنه لو لم يكن الصالح إماما لم يكن لإخراج الظالم وتخصيصه بالذكر معنى. ويحتمل أن يقال: إنه أراد الإمامة لأولاده المؤمنين لا محالة لعلمه بأن الكفرة والظلمة لا تصلح لذلك، فأجيب بما أجيب إسعافا لطلبته بأبلغ معنى وأتمه كما إذا قيل لمن أشرف «أوص لابنك بشيء» فيقول: لا يرث مني أجنبي أي كل ما يبقى مني فهو لابني، فكيف أوصي له بشيء؟ ولا يرد أن يونس نال عهده مع أنه ظالم سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] لأن الظلم فيه محمول على ترك الأولى كما في حق آدم رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [الأعراف: ٢٣] لا على الكفر والفسق. وقد يستدل الإمامية على إبطال غير إمامة علي كرم الله وجهه قالوا: إنهم كانوا مشركين قبل الإسلام بالاتفاق، وكل مشرك ظالم إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣] وكل ظالم فإنه لا ينال عهد الإمامة قالوا: لا يقال إنهم كانوا ظالمين حال كفرهم، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول: الظالم من ثبت له الظلم، وهذا المعنى صادق عليه دائما ولهذا يسمى النائم مؤمنا لأنه ثبت له الإيمان وإن لم يكن التصديق حاصلا حال النوم، وأيضا المتكلم والماشي حقيقة في مفهومهما مع أن أجزاء التكلم والمشي لا توجد دفعة، فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطا لكون الاسم المشتق حقيقة. وعورض بأنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافرا قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، وبأن التائب عن المعصية لا يسمى عاصيا فكذا التائب عن الكفر، وإن قيل: لعل هذا المانع شرعي هو تعظيم الصحابة أو لمانع عرفي فهذا القدر يكفينا على أنا بينا أن المراد من الإمامة في الآية النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة وكذا الفاسق حال الفسق لا يجوز عقد الإمامة له باتفاق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، فإن كل عاص ظالم. والعبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر خلافا للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهرا وباطنا، ومما يدل على بطلان إمامة الفاسق أن العهد في كتاب الله تعالى قد يستعمل بمعنى الأمر أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ [يس: ٦٠] أي ألم آمركم؟ لكن المراد في الآية لا يمكن أن يكون ذلك فإن أوامره تعالى لازمة للظالمين كما

стр. 387

للمطيعين، فثبت أن المراد كونهم غير مؤتمنين على أوامر الله وغير مقتدى بهم فيها قال ﷺ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» فالفاسق لا ينبغي أن يكون حاكما ولا تنفذ أحكامه إذا ولي الحكم، ولا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي ﷺ ، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان بحيث لو اقتدى به لم تفسد صلاته. قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماما وخليفة ولا يجوز كون الفاسق قاضيا، وهذا خطأ عظيم. نعم أنه قال: القاضي إذا كان عدلا في نفسه وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة والصلاة خلفه جائزة، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه. وليس من شرط أعوان القاضي أن يكون عدولا، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعوانا له على من امتنع من قبول أحكامه كان قضاؤه نافذا وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان؟ قال: وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على قضائه وضربه فامتنع من ذلك فحبس فلج ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطا، فلما خيف عليه قال له الفقهاء: اقبل له شيئا من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل عليه فخلاه ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور المدينة، وذلك أنه كان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت، وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وحمله المال إليه وفتياه الناس سرا في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن. وفي الآية إنذار بليغ وتخويف شديد عن وخامة عاقبة الظلم وقبح موقعه فإنه يحط أولا عن رتبة النبوة لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وثانيا عن درجة الولاية أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] وثالثا عن مرتبة السلطنة «بيت الظالم خراب ولو بعد حين» ، ورابعا عن نظر الخلائق «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها» وخامسا عن حظ نفسه وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧] ولله در القائل: لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم آخره يأتيك بالندم نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم

стр. 388

ولآخر: مرتع ظلم الورى وخيم ... يا صاحب اللب والحجاره لا تظلم الناس واخش نارا ... وقودها الناس والحجاره غيره: أيحسب الظالم في ظلمه ... أهمله القادر أم أمهلا ما أهملوا بل لهم موعد ... لن يجدوا من دونه موئلا غيره: أتلعب بالدعاء وتزدريه ... وما يدريك ما صنع الدعاء سهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاء واعلم أن عهد الله الذي أخذ على عباده هو بالحقيقة عهد العبودية وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] والعهد الذي التزمه لعباده هو عهد الربوبية رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ٢٦] ثم إنه تعالى لا يزال يلاحظك بنظر الربوبية فيربيك ويربيك وبعد نعمة الوجود يعطيك نعم الصحة والمكنة والعافية والسلامة والإيمان والأمان والإخوان والأخدان وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤] وأنك لا تنفك عن تقصير ونسيان وجهل وعدوان وإيذاء لملائكة الله وعبيده وإرضاء لحزب الشيطان وجنوده. فيا أيها المغرور ما هذا التقصير فإن لله المصير وما للظالمين من نصير. قوله وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ تقرير تكليف آخر. والبيت اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا وهذا من الأسماء التي كانت في الأصل للجنس، ثم كثر استعماله في واحد من ذلك الجنس لخصلة مختصة به من بين سائر الأفراد حتى صار علما له. ولا بد أن يكون وقت استعماله لذلك الواحد قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص به ويسمى بالعلم الاتفاقي، وإنما لزمت اللام في مثله لأنه لم يصر علما إلا مع اللام فصارت كبعض حروفه، إلا أنه تعالى لم يرد بالبيت نفس الكعبة فقط بل جميع الحرم لأن حكم الأمن يشمل الكل. وصح هذا الإطلاق لأن الحرمة نشأت بسبب الكعبة نفسها ومثله قوله تعالى هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] والمراد الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام. وقوله

стр. 389

فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [التوبة: ٢٨] والمراد- والله أعلم- منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، ويحتمل أن يكون المراد جعلنا البيت سبب الأمن، وعلى هذا يكون البيت نفس الكعبة، وعلى الأول يكون معنى أَمْناً موضع أمن كقوله حَرَماً آمِناً [القصص: ٥٧] والمثابة المباءة والمرجع قيل: إن مثابا ومثابة لغتان مثل مقام ومقامة. وقيل: التاء للمبالغة كعلامة. عن الحسن: أي يثوبون إليه في كل عام. وعن ابن عباس ومجاهد: لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه وذلك لدعاء إبراهيم ﵇ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [إبراهيم: ٣٧] وقيل: مثابة أي يحجون فيثابون عليه. وكون البيت مثابة إنما يكون بجعل الله تعالى بناء على أن فعل العبد مخلوق لله، أو بأن الله تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيا لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى وذلك لمنافع دينية ودنيوية، قال ﷺ «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» «١» وقال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» «٢» ثم إن قطان الخافقين يجتمعون هناك للتجارات وضروب المكاسب فيعظم فيه النفع لمن أراد ولا شك أن قوله وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [البقرة: ١٢٥] خبر فتارة تتركه على ظاهره وتقول إنه خبر بأن يكون حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص: ٥٧] لا أن يكون إخبارا عن عدم وقوع القتل فيه أصلا، فإن الموجود بخلافه فقد يقع القتل الحرام وكذا المباح قال تعالى وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: ١٩١] وتارة تصرفه عن ظاهره وتقول. إنه أمر بأن يجعلوا ذلك الموضع أمنا من الغارة والقتل قال ﷺ «إن الله حرم مكة وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار» «٣» وقد عادت حرمتها كما كانت، فذهب الشافعي إلى أن المعنى أنها لم تحل لأحد أن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله ﷺ ، فأما من دخل البيت من الذين وجبت عليهم الحدود فقال الشافعي: إن الإمام يأمر بالضيق عليه

стр. 390

بما يؤدي إلى خروجه، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج جاز قتله فيه، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه. وعند أبي حنيفة لا يستوفى قصاص النفس في الحرم إلا أن ينشىء القتل فيه، ولكن يضيق الأمر عليه ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل وسلم أن يستوفى منه قصاص الطرف. وعند أحمد: لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين، ولو التجأ إلى المسجد الحرام قال الإمام: أو مسجد آخر يخرج منه ويقتل لأنه تأخير يسير، وفيه صيانة المسجد وحفظ حرمته. وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلا لتوفية الحق وَاتَّخِذُوا بفتح الخاء معطوف على جَعَلْنَا أي اتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها، وعلى هذا المراد بالمصلى القبلة. وأما من قرأ بالكسر على الأمر فعلى إرادة القول أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه استحبابا لا وجوبا. وفي مقام إبراهيم أقوال. فعن الحسن وقتادة والربيع بن أنس: أنه لما جاء إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، لأن سارة شرطت عليه أن لا ينزل غيرة على هاجر فجاءته بحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه. وعن ابن عباس: أن إبراهيم ﵇ كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على حجر فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند الأذان بالحج. قال القفال: ويحتمل أن يكون إبراهيم ﵇ قام على هذا الحجر في هذه الأمور كلها. وعن مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، فعلى هذا يراد بالمصلى المدعى من الصلاة بمعنى الدعاء. وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة والجمار لأنه قام في هذه المواضع ودعا بها، والقول بأن مقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه أولى، لأن هذا الاسم في العرب مختص بذلك الموضع يعرفه المكي وغيره، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجله وذلك من أظهر الدلائل على صنع الله تعالى وإعجاز إبراهيم، وكان أشد اختصاصا به، فإطلاق مقام إبراهيم عليه أولى، ولما روي عن النبي ﷺ أنه أخذ بيد عمر فقال: هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ فقال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت. وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى «ومن» هذه تجريدية على نحو «رأيت منك أسدا» و «وهب الله لي منك وليا مشفقا» ففيه بيان المتخذ والمرئي والموهوب وتمييزه في ذلك

стр. 391

المعنى عن غيره. ولا ريب أن للصلاة به فضلا على غيره من حيث التيمن والتبرك بموطىء قدم إبراهيم ﵇، وركعتا الطواف خلف المقام ثم في الحجر ثم في المسجد أي مسجد كان حيث شاء متى شاء ليلا أو نهارا سنة عند الشافعي في أصح قوليه بعد الفراغ من الطواف لقوله ﷺ للأعرابي حين قال هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، وفي قوله الآخر فرض لظاهر قوله وَاتَّخِذُوا والأمر للوجوب، والرواية عن أبي حنيفة أيضا مختلفة، وَعَهِدْنا المراد بالعهد هنا الأمر أي ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمرا ووثقنا عليهما فيه أن طهرا إن كانت «أن» مخففة فالتقدير بأن طهرا وإن كانت مفسرة فمعناه أي طهرا والمراد التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، أما من الأنجاس والأقذار فلأن موضع البيت وحواليه مصلى، وأما من الشرك ومظانه فلأنه مقام العبادة والإخلاص وكل هذه إما أن لا تكون موجودة هناك أصلا والمراد أقراه على طهارته مثل وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ [البقرة: ٢٥] فمعلوم أنهن لم يطهرن بل خلقن طاهرات، وإما أن تكون موجودة فأمر بإزالتها. وقيل: عرّفا الناس أن بيتي طهر لهم متى حجوه للطائفين إلى آخره. العطف يقتضي مغايرة، فالطائف من يقصد البيت حاجا ومعتمرا فيطوف به، والعاكف من يقيم هناك. ويجاور أو يعتكف، والركع السجود جمعا راكع وساجد أي من يصلي هناك، وعن عطاء، إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود. ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين كما قال لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦] والمعنى للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات للمصلي، ولعل الوجه الأول أولى ليكون الركع والسجود كلاهما فقط بمعنى المصلين ولهذا لم يفصل بينهما بالواو. ثم إذا فسرنا الطائعين بالغرباء دلت الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه تعالى مدحهم بذلك. وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. وفي إطلاق الآية دليل على جواز الصلاة في البيت فرضا كانت أو نفلا خلافا لأحمد ومالك في الفريضة قالا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة: ١٤٤] ومن كان داخل المسجد لم يكن متوجها إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه، وأجيب بأن التوجه إلى جزئه كاف لأن المتوجه الواحد لا يكون إلا كذلك وإن كان خارج المسجد، وبأن الفرق بين الفرض والنفل لاغ. قوله تعالى وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ قيل: في الآية تقديم وتأخير لأن قوله رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً لا يمكن لا بعد دخول البلد في الوجود. فقوله وَإِذْ يَرْفَعُ [البقرة: ١٢٧] وإن كان متأخرا

стр. 392

في التلاوة فهو متقدم من حيث المعنى قلت: في ترتيب القصة فوائد منها: أنه أجمل القصة في قوله وَإِذِ ابْتَلى إلى فَأَتَمَّهُنَّ ثم فسر، وفي التفسير قدم الأهم فالأهم، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماما أولى بالتقديم لعموم نفعه للخلائق ولتقدمه في الوجود أيضا، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمنا لأنه المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت. وقد حصل في ضمن رعاية الأهم فوائد أخر منها: أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من أجزائها أيضا كذلك فقوله وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً مجمل، ثم فسر ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم. وذكر البيت أولا وقع مجملا ثم فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم ﵇ ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين، وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه ولعل ما فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا. هذا بَلَداً آمِناً ذا أمن مثل عيشة راضية أو آمنا من فيه كقولك «ليل نائم» وإنما قيل هاهنا بلدا آمنا على التنكير وفي سورة إبراهيم هَذَا الْبَلَدَ آمِناً إما لأن هذا الدعاء صدر منه قبل جعل المكان بلدا فكأنه قال: واجعل هذا الوادي بلدا آمنا، وذاك الدعاء صدر وقد جعل بلدا فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدا بلدا ذا أمن، وإما لأن الدعوتين واحدة والمراد اجعل هذا البلد بلدا آمنا فيفيد مبالغة زائدة كقولك «هذا اليوم يوم جار» معناه اجعله من البلدان الكاملة من الأمن بخلاف قوله اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً [إبراهيم: ٣٥] ففيه طلب الأمن نفسه قيل: سأل الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي ضرع ولا زرع وقيل: من الخسف والمسخ، وقيل: من القتل كيلا يكون سؤال الرزق بعده تكرارا، وأجيب بأن التوسعة في الرزق مغايرة لطلب إزالة القحط. ثم إنه تعالى استجاب دعاءه فجعله آمنا من الآفات فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل. قيل: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء؟ وأجيب بأن مقصوده لم يكن تخريب الكعبة نفسها وإنما كان غرضه شيئا آخر. مِنَ الثَّمَراتِ «من» للابتداء لا للتبعيض بدليل قوله يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص: ٥٧] وإنما سأل إبراهيم ﵇ الأمن وأن يجبى إليه الثمرات وإن كان يتعلق بالدنيا لأن البلد إذا كان آمنا ذا خصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ويكون سببا لاجتماع الناس وإتيانهم إليه من كل أوب زائرين وعاكفين، وطلب الدنيا لأجل الدين من سنن الصالحين «نعم المال الصالح للرجل الصالح» «١» واختلف في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة

стр. 393

إبراهيم وصار ذلك مؤكدا بدعائه فقيل: نعم لما روي عن النبي ﷺ «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» «١» ولقوله عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [إبراهيم: ٣٧] وقيل: إنما صارت حرما آمنا بدعوته، وقبلها كانت كسائر البلاد بدليل قوله: «إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة» «٢» وقيل بالجمع بينهما، وذلك أنه كان ممنوعا قبله بمنع الله تعالى من الاصطلام وبما أوقع في النفوس من التعظيم ثم صار آمنا على ألسنة الرسل. ومَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من أَهْلَهُ يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة كأنه قاس الرزق على الإمامة حيث ميز هناك بين المؤمن والكافر فقيل: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فعرف الفرق بينهما فقيل وَمَنْ كَفَرَ عطفا على مَنْ آمَنَ كما مر في وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أو هو مبتدأ مضمن معنى الشرط جوابه فَأُمَتِّعُهُ وذلك أن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي فيؤدي عن الله أمره ونهيه ولا يأخذه في الدين لومة لائم ولا سطوة جبار وظالم وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ولهذا قيل: من استرعى الذئب فقد ظلم. وأما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المؤمن والكافر والصالح والفاجر لعموم الرحمة، ولأنه قد يكون استدراجا للمرزوق وإلزاما للحجة على أنه متاع قليل وأمد يسير فيما بين الأزل والأبد وقَلِيلًا أي إمتاعا أو تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا فنعمة المؤمنين في العاجل موصولة بنعيمهم في الآجل، ونعمة الكافرين مقطوعة عنهم بعد الموت، والزائل لا يجدي بطائل أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء: ٢٠٥- ٢٠٧] ومعنى الاضطرار أن يفعل به ما يلجئه إلى النار كقوله يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣] وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ [الزمر: ٧١] أو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختيارا كالاضطرار إلى أكل الميتة مثلا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ذلك الذي اضطر إليه أو ذلك الاضطرار، فحذف المخصوص للعلم به. والمصير إما مصدر بمعنى الصيرورة يقال: صرت إلى فلان مصيرا وإما موضع وكلاهما شاذ والقياس مصار مثل «معاش» وكلاهما مستعمل والله أعلم.

стр. 394

[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٢٧ الى ١٣٤] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) القراآت: أَرِنا وبابه ساكنة الراء: ابن كثير ورويس قياسا على كسرة فخذ إذ تسكن فيقال «فخذ» . وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلبا للخفة وحذرا من الإجحاف وَيُعَلِّمُهُمُ بالاختلاس: ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع. وروى ابن رومي عن ابن عباس يُكَلِّمُنَا وتَعِدُنا وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل فِي أَعْيُنِكُمْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ وأوصى من الإيصاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر. الباقون وَصَّى بالتشديد. شُهَداءَ إِذْ عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. والباقون شهداء يذ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن. الوقوف: وَإِسْماعِيلَ (ط) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال مِنَّا (ط) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك الْعَلِيمُ (هـ) مُسْلِمَةً لَكَ (ص) لعطف المتفقين عَلَيْنا (ط) وقد ذكر الرَّحِيمُ (هـ) وَيُزَكِّيهِمْ (ط) الْحَكِيمُ (هـ) نَفْسَهُ (ط) للفصل بين الاستفهام والإخبار فِي الدُّنْيا (ج) لعطف الجملتين الصَّالِحِينَ (هـ) أَسْلِمْ (ط) لأن قوله «قال» عامل «إذ» وإلا وجب أن يقال «فقال» وإلا انقطع النظم الْعالَمِينَ (هـ) وَيَعْقُوبُ (ط) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول مُسْلِمُونَ (ط) لأن «أم» بمعنى همزة الاستفهام للإنكار الْمَوْتُ (لا) لأن «إذ» بدل من «إذ» الأولى و «إذ» الأولى ظرف شُهَداءَ و «إذ» الثانية ظرف حَضَرَ ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل قالُوا عاملا ولم يقف على بَعْدِي فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم: إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات مِنْ بَعْدِي (ط) واحِداً (ج) لعطف الجملتين

стр. 395

المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالا مُسْلِمُونَ (هـ) قَدْ خَلَتْ (ج) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافا وهو واضح لعطف وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ عليها وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين يَعْمَلُونَ (هـ) . التفسير: عن وهب بن منبه قال: إن آدم ﷺ لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها، ولأنه لم ير فيها أحدا غيره فقال: يا رب أما لأرضك عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟ فقال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكري وسأبوئك منها بيتا أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي، أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرما وأمنا أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد جفاني، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به فقد صغر في عيني، سكانها جيراني، وعمارها وفدي، وزوارها أضيافي، أجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجا شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجا ويضجون بالتلبية ضجيجا، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زاري وضافني ووفد عليّ ونزل بي فحق علي أن ألحقه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حيا ثم يعمره من بعدك الأمم في القرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن ونبيا بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له «محمد» وهو خاتم النبيين فأجعله من عماره، وسكانه وحماته وولاته، يكون أميني عليه ما دام حيا، فإذا انقلب إلي وجدني وقد ذخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وشرفه وذكره ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي ﷺ وهو أبوه يقال له «إبراهيم» ، أرفع به قواعده وأقضي على يديه عمارته، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتا قائما بأمري داعيا إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره فيفعل وينذر لي فيفي، أستجيب دعاءه في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا ويغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الخلق الجن والإنس. وروي أن الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت

стр. 396

الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي. وقال لآدم: أهبطت لك بيتا يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه إليه آدم من أرض الهند ماشيا وتلقته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور. ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبرائيل مكانه. وعن علي ﵇: البيت المعمور بيت في السماء يقال له «الضراح» وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون فيه أبدا. وعن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال «الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لاضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي» وعن ابن عباس أنه كان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك. وأما قصة إسماعيل ﵇ وأمه، فعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال «لم يكذب إبراهيم ﵇ قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: ٨٩] وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا [الأنبياء: ٦٣] وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر. قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم انصرف فقال: مهيم. فقالت: خيرا كفى الله يد الفاجر وأخدم خادما» قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء. قلت: وذلك أنها ملكتها سارة إبراهيم فولدت له إسماعيل أبا العرب. وأما تتمة القصة، بعد أن غارت سارة على هاجر حيث لم يكن لسارة من إبراهيم ولد فإنها ولدت إسحق بعد ولادة هاجر إسماعيل بأربع عشرة سنة. فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة

стр. 397

يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ولك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم ﷺ حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ حتى بلغ يَشْكُرُونَ [إبراهيم: ٣٧] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ فلذلك سعى الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتا أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه- أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد أن تغرف. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا. قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيتا لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا وأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس. فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب الغلام، فلما أدرك الغلام زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة وشكت. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام

стр. 398

وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها. وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله . قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتا هاهنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وعن علي كرم الله وجهه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم فبناه قريش ورسول الله ﷺ يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله ﷺ أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه فأخذه رسول الله ﷺ فوضعه. واعلم أن للبيت أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكان لاصقا بالأرض، وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله ﷺ بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هي عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم ﷺ ، وضيقوا عرض الجدار من الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعا وهو الذي يسمى الشاذروان، وروي أنه ﷺ قال لعائشة «لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم فألصقته بالأرض

стр. 399

وجعلت لها بابين شرقيا وغربيا» «١» ثم إن ابن الزبير هدمه أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، ثم لما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء قريش. ولنعد إلى المقصود فنقول يَرْفَعُ حكاية حال ماضية، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة معناها الثابتة، ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه فيرتفع كل منها بسبب وضع الآخر عليه، ورفع القواعد صريح فيما ذهب إليه الأكثرون من أن القواعد كانت موجودة وأن ابراهيم عمّرها ورفعها كما مر في الأحاديث. وإنما لم يقل «قواعد البيت» ليكون الكلام مبنيا على تبيين بعد إبهام ففيه تفخيم لشأن المبين، ثم إن الله تعالى حكى عنهما ثلاثة أنواع من الدعاء في تلك الحالة الأول: قولهما تَقَبَّلْ مِنَّا وقبول الله عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه الله تعالى أو يثبت عليه، والأول ألذ عند العارفين من الثاني، شبه الفعل من العبد بالهدية، وإثابة الله تعالى عليه ورضاه به بالقبول. وقيل: إن بين القبول والتقبل فرقا، فالتقبل عبارة عن تكلف القبول وذلك حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق أن يقبل، فاختير تقبل هضما وتواضعا واستقصارا. وقد يستدل بهذا على أن الفعل المقرون بالإخلاص لا يجب ترتب الثواب عليه وإلا لم يكن في طلبه فائدة، ويحتمل أن يقال: الطلب متوجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنى بطلب القبول عن ذلك ويؤكده قولهما إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ يعني سماع إجابة العليم بنياتنا. النوع الثاني رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلا للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط. وقد يظن أن للعبد اختيارا فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب. وقوله وَاجْعَلْنا إما معطوف على تَقَبَّلْ وقوله إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنا اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا. وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا من للتبعيض كما في قوله وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [البقرة: ١٢٤] .

стр. 400

والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد ﷺ مُسْلِمَةً يحتمل هاهنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضا. وقيل: أسلم مطلقا يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي. طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهارا للشفقة. فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بيانا لما أجمل هناك فيكونان واحدا. وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [التحريم: ٦] ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم. ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة. ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان وَأَرِنا إن كان منقولا عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولا عن رؤية البصر- وهو الأظهر- ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهرا. فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج. قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟ قال: نعم، فسميت عرفات. فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات. وقيل: المراد العلم والرؤية معا لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعا وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معا وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معا من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح. غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازا، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح. فقد يسمى الذبح للتقرب نسكا والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكا لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال ﷺ «خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» «١» بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه؟ وَتُبْ عَلَيْنا التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على

стр. 401

الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويرا لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشددا في الانصراف عما لا يليق بهما. قال ﷺ «يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة» «١» وأيضا لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وذلك لغاية شفقتهما عليهم. وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر النوع الثالث رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ وفيه أمران: الأول: أن يبعث في تلك الأمة رسولا ليبين لهم الشرع القويم وينهج الصراط المستقيم، والثاني: أن يكون ذلك الرسول منهم لا من غيرهم لأن الرسول والمرسل إليهم إذا كانوا جميعا من ذريته كان رتبته أجل، ولأنه إذا كان منهم عرفوا مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته، ولأنه إذا كان منهم كان أحرص عليهم وأشفق من أجنبي لو أرسل إليهم. وأما الرسول فهو محمد ﷺ بإجماع المفسرين وهو حجة ولقوله تعالى في موضع آخر لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] ولقوله ﷺ «أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي» «٢» أما الدعوة فهذه، وأما البشارة فقوله تعالى في سورة الصف وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] وأما الرؤيا فما رأت آمنة وهي حامل أنه خرج منها نور أضاء ما بين الخافقين. وهاهنا نكتة وهي أن الخليل لما دعا للحبيب بقوله رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا فلا جرم قضى الله تعالى حق الحبيب للخليل بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة يقولون في صلاتهم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم. ولهذا الذكر مناسبات أخر منها: أن الخليل دعا لنفسه بقوله وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [الشعراء: ٨٤] أي أبق لي ثناء حسنا في أمة محمد ﷺ ، فأجابه الله تعالى وقرن ذكره بذكر حبيبه. ومنها أن إبراهيم أبو الملة مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ [الحج: ٧٨] ومحمد ﷺ أبو الرحمة بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب: ٦] «إنما أنا لكم مثل الوالد لولده» «٣» يعني في الرأفة والرحمة،

стр. 402

فلما ثبت لكل منهما الأبوة قرن بين ذكرهما في التحية. ومنها أن إبراهيم منادي الشريعة وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ [الحج: ٢٧] ومحمد منادي الدين سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ [آل عمران: ١٩٣] ومنها أنه كان أول الأنبياء بعد الطوفان، ومحمد خاتم النبيين ورسول آخر الزمان. ومنها إن الخليل تبرأ عن سائر الأديان أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [هود: ٥٤] والحبيب تنزه عن جميع الأكوان ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى [النجم: ١٧] ثم إن إبراهيم ﵇ ذكر لذلك الرسول صفات أولاها يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ فهو الفرقان المتلو عليهم، أو جميع ما بلغه من دلائل التوحيد وغيره «أوتيت القرآن ومثله معه» وثانيتها «ويعلمهم الكتاب» أي معانيه وحقائقه، وذلك أن التلاوة وإن كانت مطلوبة لبقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصونا من التحريف، ولأن لفظه ونظمه معجز وفي تلاوته نوع عبادة ولا سيما في الصلوات إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأسنى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام. وثالثتها قوله وَالْحِكْمَةَ أي ويعلمهم الحكمة. وقيل: هي الإصابة في القول والعمل جميعا، فلا يسمى حكيما إلا وقد اجتمع فيه الأمران فيضع كل شيء موضعه ولهذا عبر عنها بعض الحكماء بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية، ويناسبه قوله ﷺ «تخلقوا بأخلاق الله» وعن ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له. وعن قتادة وإليه ذهب الشافعي: هي سنة رسول الله ﷺ لأنه ذكر تلاوة الكتاب ثم تعليمه ثم عطف عليه الحكمة فيكون شيئا خارجا عنهما وليس ذلك إلا سنة الرسول، فإن الدلائل العقلية الدالة على التوحيد والنبوة وما يتلوهما مستقلة بالفهم فحمل اللفظ على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى. وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل من الحكم. وقيل: المراد بالكتاب الآيات المحكمات، وبالحكمة المتشابهات. وقيل: هي ما في أحكام الكتاب من الحكم والمصالح. ورابعتها وَيُزَكِّيهِمْ لأن الإرشاد يتم بأمرين: التحلية والتخلية. فكما يجب على المعلم التنبيه على نعوت الكمال ليحظى المتعلم بها، يجب عليه التحذير عن النقصان ليتحرز عنها وذلك بنحو ما يفعله النبي ﷺ سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة من الوعد والإيعاد والوعظ والتذكير والتشبث بأمور الدنيا لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدح بأنه على خلق عظيم وأنه أوتي مكارم الأخلاق. وقيل: يزكيهم يطهرهم عن الشرك وسائر الأرجاس كقوله وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ [الأعراف: ١٥٧] وقيل: يشهد لهم بأنهم عدول يوم القيامة وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣] وعن ابن عباس: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ القادر الذي لا يغلب الْحَكِيمُ العالم الذي لا يفعل إلا على وفق المصالح، وإذا كان كذلك صح منه

стр. 403

إجابة الدعاء وبعثة الرسل وإنزال الكتب وَمَنْ يَرْغَبُ الاستفهام فيه لتقرير النفي أي لا يرغب أحد. يقال: رغب عن الأمر إذا كرهه ورغب فيه إذا أراده. ومحل مَنْ سَفِهَ الرفع على البدل من الضمير في يَرْغَبُ وذلك أنه غير موجب مثل «هل جاءك أحد إلا زيد» وسفه إما متعد: ومعنى سفه نفسه امتهنها واستخفها فأصل السفه الخفة وفي الحديث «الكبر أن نسفه الحق وتغمص الناس» لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها حيث خالف بها كل نفس عاقلة. وعن الحسن: إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنع على وحدانية الله تعالى وحكمته ويرتقي إلى صحة نبوة محمد ﷺ . وعن أبي عبيدة: أهلك نفسه وأوبقها. وقيل: أضل نفسه وإما لازم فمعناه سفه في نفسه فحذف الجار نحو «زيد ظني مقيم» أي في ظني وقيل: نصب على التمييز نحو «غبن رأيه وألم رأسه» وهذا عند الكوفيين. فإن التمييز عندهم يجوز أن يكون معرفة. وفيه توبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب وتعجيب من حالهم، فإن أعظم مفاخرهم وفضائلهم الانتماء إلى إبراهيم، ثم إنهم لا يؤمنون بالرسول الذي هو دعوته ومطلوبه بالتضرع والإخلاص. فإن قيل: ملة إبراهيم عين ملة محمد في الأصول والفروع، أو هما متحدتان في الأصول كالتوحيد والنبوة، وأصول مكارم الأخلاق ولكنهما مختلفتان في فروع الأعمال ولا سبيل إلى الأول وإلا لم يكن شرع محمد ﷺ ناسخا لسائر الشرائع ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون محمد أيضا راغبا عن ملة إبراهيم، ولأن الاعتراف بالأصول لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد ﷺ ؟ قلنا: المختار اتحاد الملتين في الأصول فقط، لكن نبوة محمد ﷺ من جملة الأصول التي مهدها إبراهيم ﵇. والمراد بملة إبراهيم في الآية أصولها التي لا تختلف بمر الأعصار وكر الدهور، فلا يلزم أن يكون محمد ﷺ راغبا عنها لأنه أمر باتباعها ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النحل: ١٢٣] روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون. فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت. ثم إنه تعالى لما سفه من يرغب عن ملة إبراهيم بين السبب في ذلك فقال وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا أي اخترناه للرسالة من دون الخليفة وعرفناه الملة الجامعة للتوحيد والعدل والإمامة الباقية إلى قيام الساعة حتى نال منزلة الخلة وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ فيلزمه ما يلزمهم من الكرامة وحسن الثواب فليتحقق كل ذي لب أن الراغب عن سيرة من هو فائز بسعادة الدارين لا رأي له والله الموفق. ثم بين سبب الاصطفاء فأعمل اصْطَفَيْناهُ في إِذْ قالَ أي

стр. 404

اخترناه في ذلك الوقت، ويجوز أن ينتصب بإضمار «اذكر» استشهادا على ما ذكر من حاله كأنه قيل له: اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ من باب الالتفات، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال: إذ قلنا له، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له أسلم، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه. ويحتمل أن يكون ذلك قبل الاستدلال، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل عليه كقولهم «نطق الحال» قال تعالى أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم: ٣٥] فجعل دلالة البرهان كلاما، ويحتمل أن يكون هذا بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [هود: ١١٢] أو المقصود الانقياد لأوامر الله تعالى والمسارعة إلى تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان. وقيل: الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح، وإن إبراهيم ﵇ كان عارفا بالله تعالى بقلبه فكلفه الله تعالى بعد ذلك بعمل الجوارح. وفي تخصيص لفظ الرب بهذا الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات فلا جرم وصل إلى الرب، وطريق عرفان محمد ﷺ عكس ذلك الترتيب فلا جرم بدأ من الله فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد: ١٩] والأول طريق حسن سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: ٥٣] لكن الطريق الثاني أحسن أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: ٥٣] ومن هنا يعرف أكملية محمد صلى الله عليه وسلم. وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم يستطعه الأوائل فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته، وميم محمد دليل على أنه مكمل الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة. وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [فصلت: ٣١] فألف إبليس دليل عدم الاستقامة إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة: ٣٤] والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ [البقرة: ١٢٤] تركيب الخلة وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا [النساء: ١٢٥] ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ [البقرة: ٣٤] اسم الشدة وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ٢٦] ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان إبراهيم ﵇ واسطة في الطريقة أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النحل: ١٢٣] والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله، ومنه حبة القلب فلا جرم كان محمد ﷺ خاتم النبيين

стр. 405

وحبيب رب العالمين وزبدة الكائنات وغاية الحركات، لولاك لما خلقت الأفلاك، أول الفكر آخر العمل «أول ما خلق الله تعالى نوري، أنا أول من ينشق عنه قبر، آدم ومن دونه تحت لوائي، أنا سيد المرسلين ولا فخر» محمد ﷺ أبو الحقيقة وإن كان إبراهيم ﵇ أبا الطريقة، والحقيقة لكونها مقصودة بالذات أقوى من الطريقة، لا جرم وقع الصلاة على إبراهيم في الصلاة تبعا للصلاة على محمد «اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم» وأن الصلاة لا تصح بدون الصلاة على محمد بخلاف الصلاة على غيره. ولنعد إلى ما كنا فيه وَوَصَّى التوصية من جملة الأمور المستحسنة التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم. أوصيته بكذا ووصيته بمعنى، وأصله من وصيت الشيء بكذا بالتخفيف إذا وصلته إليه. وأرض واصية متصلة النبات، فالموصي يصل القربة الحاصلة له بعد الموت إلى القربات الحاصلة له في الحياة ويحمد الموصي على هذا الوصل بسبب الوصية. والضمير في (بها) قيل: يعود إلى الكلمة أو الجملة وهي أسلمت لرب العالمين، ونحوه رجوع الضمير في قوله وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً [الزخرف: ٢٨] إلى قوله إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف: ٢٦] وقيل: الأولى أن يرجع إلى الملة لأنها مذكورة صريحا في قوله وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ولأن الوصية بالملة جامعة لجميع أسباب الفلاح بخلاف الوصية بالشهادة وحدها اللهم إلا أن يحمل الإسلام على الانقياد الكلي. وفي الآية دقائق مرعية في قبول الدين منها: أنه لم يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات الموت وعند ذلك يكون الاهتمام بالأمور أشد. ومنها أنه لم يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات أنه كان يدعو كل الناس إلى الدين، فدل على أنه لا شيء عنده أهم من ذلك. ومنها التعميم لجميع الأبناء وأنه لم يقيد الوصية بزمان أو مكان ولم يخلطها بشيء آخر، ثم نهاهم أن يموتوا غير مسلمين وكل هذه دلائل شدة الاهتمام بالأمور وهو المشهود له بالفضل وحسن السيرة، فيجب قبول قوله لكل عاقل وكذلك وصى بها يعقوب بنيه. وقرىء يعقوب بالنصب فمعناه وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب قائلا لكل منهما يا بَنِيَّ أصله يا بنون فأضيف إلى ياء المتكلم فسقطت النون وصار الواو ياء لأجل النصب فأدغم الياء في الياء إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ استخلصه واختاره لكم بأن أقام عليه الدلائل الواضحة ودعاكم إليه ومنعكم من غيره ووفقكم للأخذ به فَلا تَمُوتُنَّ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام نحو «لا تصل إلا وأنت خاشع» لا ينهاه عن نفس الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته. والنكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ومثله قوله ﷺ «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فإنه في قوة قوله لجار المسجد: لا تصل

стр. 406

إلا في المسجد. فكان موتهم لا على حال الإسلام موتا لا خير فيه لأنه ليس بموت السعداء ومن حق هذا الموت أن لا يحل فيهم. أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ يحتمل أن تكون «أم» منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار لمجرد الحضور عند وفاته والخطاب للمؤمنين أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، أو لأهل الكتاب المعاصرين كأنه قيل لهم: كيف تزعمون أن ما أنتم عليه دين الرسل ولم تشهدوا وصايا الأنبياء ولو شهدتم ذلك وسمعتم قولهم لنبيهم لظهر لكم حرصهم على ملة الإسلام والدين الحنيفي فرغبتم في دين محمد ﷺ ؟ ويحتمل كون «أم» متصلة على أن يقدر قبلها محذوف معناه، أتدعون على الأنبياء اليهودية أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ قيل: أي إن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ودين الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء وفيه نظر، لأن «أم» المعادلة أحد الأمرين كائن فيها فقط، فإن كان الحضور ثابتا لم تكن الدعوى ثابتة لكنها ثابتة ولهذا توجه الإنكار عليها، فالوجه أن يقال: المراد أن الحضور غير ثابت لتطاول الزمان، فإذن دعواهم يهودية الأنبياء دعوى بلا دليل فلا تسمع منهم على أنه تعالى نص على بطلانها بقوله إِذْ قالَ لِبَنِيهِ إلى آخره، ويتجه على هذا التقدير أن تكون «أم» منقطعة كأنه استفهم أولا على سبيل الإنكار أي لم تدعون، ثم استأنف استفهاما ثانيا لتقرير النفي أي ما كنتم شهداء أو لتقرير الإثبات على أن أوائلهم قد شهدوا فيكون مؤكدا لذلك الإنكار ما تَعْبُدُونَ أي شيء تعبدون. و «ما» عام لأولي العلم وغيرهم، «ومن» مختص بأولي العلم ولهذا قال العلماء «من» لما يعقل. و «من» خصص «ما» بغير أولي العقل قال: المراد السؤال عن صفة المعبود كما تقول «ما زيد» تريد أفقيه أم طبيب روي أن يعقوب ﵇ لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنيران فخاف على بنيه بعد وفاته فقال لهم هذا القول تحريضا على التمسك بعبادة الله لا أنهم كانوا يعبدون غير الله، لأن مبادرتهم إلى الاعتراف بالتوحيد تنافي ذلك، ولأن المشهور من أمر الأسباط أنهم كانوا قوما صالحين، وإِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ عطف بيان لآبائك، وقدم إسماعيل لأنه أسن، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العمل أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد هو الأخوة قال ﷺ «عم الرجل صنو أبيه» أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وأيضا أطلق اسم الأب على إبراهيم وهو جده فعن الشافعي أنه مجاز ولهذا قال: الإخوة والأخوات للأب والأم لا يسقطون بالجد، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد، وقال

стр. 407

أبو حنيفة: إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس وعائشة والحسن وطاوس وعطاء. ثم التعليمية قالوا: لا طريق لنا إلى معرفة الله تعالى إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل العقل عليه بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه، فدل على أن طريق المعرفة هو التعليم. وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات الله وبيان ذلك، وأيضا إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك من اليقين بالله والإخلاص له في عبادته. وأيضا لعل مرادهم نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١] إِلهاً واحِداً بدل من إِلهَ آبائِكَ مثل ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ [العلق: ١٥، ١٦] أو نصب على الاختصاص والمدح وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ مذعنون أو مخلصون التوحيد ومحله النصب حالا من فاعل نَعْبُدُ أو من مفعوله لرجوع الضمير في لَهُ إليه، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على نَعْبُدُ أو جملة معترضة مؤكدة تِلْكَ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، خَلَتْ مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا، ولهذا قيل لَها ما كَسَبَتْ أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك فزتم كما فازوا، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم، وفيه تكذيب لليهود حيث قالوا إنهم يعذبون أياما معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل. وفي الآية وعيد شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء قال ﷺ «يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئا» «١» «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه» «٢» ثم الآية تدل على أن للعبد كسبا ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره، فالأشعري على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلا، لأنه لو كان موحدا لأفعاله لكان عالما بتفاصيل فعله وليس كذلك، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله تعالى، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب، واعترض عليه بأن مقدور العبد إذا كان واقعا بخلق الله

стр. 408

تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به، وإذا لم يخلقه فيه استحال أن يتصف به، فأي معنى لكون العبد قادرا عليه؟ وأيضا الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعا بقدرة الله فلا أثر للعبد فلا يكون مكتسبا له وإن وقع بالقدرتين معا فلا تكون قدرة الله تعالى مستقلة، والمفروض بالخلاف، فبقي أن يكون بقدرة العبد، وعن القاضي: أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله تعالى ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية، فهذه الصفة تقع بقدرة العبد. وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله تعالى فعين المنهي عنه قد خلقه الله فيه وهذا تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب. وزعم الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين، وزيف بأن قدرة الله مستقلة بالتأثير. ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب الفعل، فالله تعالى هو الخالق للكل بمعنى أنه سبحانه هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود، والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة. وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب. فهذا تقرير المذاهب، وقول الأشعري أقرب إلى الأدب، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوبا إلى أثر آخر بعيد، ثم إلى أبعد إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك دون هواك. التأويل: من قوله وَإِذِ ابْتَلى البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء وَإِذِ ابْتَلى الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات. وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ٧٨] وعداوة غير الخليل فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ٧٧] ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات: ١٠٣] بخلاف ما قال نوح إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود: ٤٥] فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ [البقرة: ١٢٥] بيت القلب كما جاء «أن الله تعالى أوحى إلى داود فرغ لي بيتا أسكن فيه فقال: وكيف يا رب؟ فقال: فرغ لي قلبك» أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه

стр. 409

يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمنا للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان. وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ [الناس: ٥] وَاتَّخِذُوا [البقرة: ١٢٥] عند الوصول إلى كعبة القلب مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ [البقرة: ١٢٥] وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات: ٩٩] وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ [البقرة: ١٢٥] في الميثاق أَنْ طَهِّرا القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار لِلطَّائِفِينَ [البقرة: ١٢٥] وهي واردات الأحوال وَالْعاكِفِينَ [البقرة: ١٢٥] وهي الملكات والمقامات وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [البقرة: ١٢٥] وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل. وجملة هذه الصفات العبودية وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ [البقرة: ١٢٦] الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله تعالى ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: ١٧٢] منورا بنور جواب بَلى قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبىء حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح: ٤] فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها. فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولا منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي. ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته

стр. 410

والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كلها ملته. وفي الآيات إشارة إلى أنه تعالى إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلها أحدا لا متفرقا من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق. [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٥ الى ١٤١] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١) القراآت: أَمْ تَقُولُونَ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة. الوقوف: تَهْتَدُوا (ط) الْمُشْرِكِينَ (هـ) ومِنْ رَبِّهِمْ (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه حال أي آمنا غير مفرقين مِنْهُمْ (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه مُسْلِمُونَ (هـ) اهْتَدَوْا (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف شِقاقٍ ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول الفاء فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال الْعَلِيمُ (ط) لأن الجملة الناصبة لقوله صِبْغَةَ اللَّهِ محذوفة يدل عليها قوله آمَنَّا بِاللَّهِ وقوله فَإِنْ آمَنُوا شرط معترض صِبْغَةَ اللَّهِ (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال صِبْغَةَ (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا عابِدُونَ (هـ) وَرَبُّكُمْ (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفا على الحال الأولى ويصلح أن يكون مستأنفا أَعْمالُكُمْ (ج) مُخْلِصُونَ (ط) لمن قرأ أم يقولون بياء الغيبة، ومن قرأ بالتاء لم يقف لكون «أم» معادلة للهمزة في أَتُحَاجُّونَنا أَوْ نَصارى (ط) أَمِ اللَّهُ (ط) مِنَ اللَّهِ (ط) تَعْمَلُونَ (هـ) قَدْ خَلَتْ (ج) ما كَسَبْتُمْ (ج) يَعْمَلُونَ.

стр. 411

التفسير: إنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعا من شبه الطاعنين منها: أن اليهود قالوا كُونُوا هُوداً تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر مثل هذا في قوله تعالى وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [البقرة: ١١١] فأجابهم الله بقوله قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أي نكون أهل ملته مثل وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرىء بالرفع أي ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفا حال من المضاف إليه كقولك «رأيت وجه هند قائمة» وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقا هو الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول. فالحال عن المضاف إليه ترجع في التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال وحاصل الجواب أن المعوّل في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف. وقد اتفق الكل على صحة دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضا قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد وخالص الإسلام في شيء قُولُوا خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ يجوز أن يكون أمرا لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد ﷺ وجب الاعتراف بنبوته والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن أن قوله قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ خطاب للنبي وقوله قُولُوا خطاب لأمته والظاهر العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوفقة على معرفته وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب والسنة، قال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب. وقيل: السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي النبي ﷺ فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، عدّد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض

стр. 412

كأهل الكتاب. ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أو لا نقول إنهم متفرقون في أصول الديانة شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشورى: ١٣] وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ إذعانا وإخلاصا فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان إسلامه تقليدا أو هوى. ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وهاهنا سؤال وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ؟ والجواب أن قوله فَإِنْ آمَنُوا بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا دينا آخر مثل دينكم ومساويا له في الصحة والسداد فَقَدِ اهْتَدَوْا لكن لا دين صحيحا سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه «هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به» وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم. وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود فإن آمنوا بما آمنتم به وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد ﷺ . وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله تعالى وكشف عن وجوهها، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى. وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، فلا جرم آمنه الله تعالى والمؤمنين من كيدهم وقال فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وناهيك به من كاف كافل. ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة «لن» قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وعد لرسول الله ﷺ أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو

стр. 413

يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك صِبْغَةَ اللَّهِ مصدر مؤكد منتصب عن قوله آمَنَّا بِاللَّهِ مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام. والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة. والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس. وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانيا حقا، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام، ونظيره قوله إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] وقيل: اللفظة من قولهم «فلان يصبغ فلانا في الشر» أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثوب. وقيل: سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه. سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح: ٢٩] «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان. وقيل: صبغة الله فطرته. أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به. وقيل: صبغة الله الختان. وقيل: حجة الله. وقيل: سنة الله. وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك. وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مرارا. قُلْ أَتُحَاجُّونَنا أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] وقولهم كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلا له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ فكما أن لكم أعمالا ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ موحدون لا نقصد بالعبادة أحدا سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد

стр. 414

الكرامة من عنده. أَمْ تَقُولُونَ من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون «أم» منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في أَتُحَاجُّونَنا واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكارا عليهم واستجهالا لهم بما كان منهم. وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟ ومن قرأ بياء الغيبة فلا تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات. قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل والقرآن بأن إبراهيم ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما، وكيف لا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟ ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما التجهيل. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ قوله مِنَ اللَّهِ إما أن يتعلق بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هودا أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند الله وكتمها وأخفاها منه وإما أن يتعلق بشهادة كقولك «عندي شهادة من فلان» ومثله بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم. وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحدا كان عليه رقيب من قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم أسراره وبعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟ تِلْكَ أُمَّةٌ إشارة إلى إبراهيم وبنيه. كما مر، وإنما أعيدت الآية هاهنا لغرض آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي. تم الجزء الأول، ويليه الجزء الثاني أوله: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ...

стр. 415

بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الثاني من أجزاء القرآن الكريم [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٢ الى ١٥٢] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢) القراآت: مَنْ يَشاءُ إِلى بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. الباقون يشاء ولى بقلب الثانية واوا. وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة يشاو إلى بقلب الأولى واوا لَرَؤُفٌ مهموزا مشبعا: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي. وقرأ يزيد بتليين الهمزة والإشباع. الباقون: لَرَؤُفٌ على وزن «الرعف» .. يَعْمَلُونَ وَلَئِنْ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف وعاصم وأبو

стр. 416

عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء مولاها بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء وكسر اللام يَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ بياء المغايبة: أبو عمرو. الباقون: بالتاء ليلا مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلف ويعقوب مدغما مهموزا. الباقون: مظهرا مهموزا، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار. فَاذْكُرُونِي بفتح الياء: ابن كثير. الوقوف: عَلَيْها ط الْمَغْرِبُ ط مُسْتَقِيمٍ هـ شَهِيداً ط عَقِبَيْهِ ط هَدَى اللَّهُ ط إِيمانَكُمْ ط رَحِيمٌ هـ فِي السَّماءِ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان بالقسم والقسم مصدّر تَرْضاها ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود الْحَرامِ ط شَطْرَهُ ط مِنْ رَبِّهِمْ ط يَعْمَلُونَ هـ قِبْلَتَكَ ج قِبْلَتَهُمْ ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد المقصود قِبْلَةَ بَعْضٍ ط مِنَ الْعِلْمِ لا لأن «ان» جواب معنى القسم في «لئن» ، فلو فصل كان لَمِنَ الظَّالِمِينَ مطلقا وفي الإطلاق حظر الظَّالِمِينَ هـ م لانه لو وصل صار «الذين» صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه أَبْناءَهُمْ ط يَعْلَمُونَ هـ الْمُمْتَرِينَ هْ خَيْراتِ طمِيعاً طدِيرٌ هـ الْحَرامِ (ط) مِنْ رَبِّكَ ط تَعْمَلُونَ هـ الْحَرامِ ط لأن «حيث» متضمن الشرط شَطْرَهُ لا لتعلق لام في حُجَّةٌ ط قبل تحرزا عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل هـ في العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي الخصومة تَهْتَدُونَ إذا علق كَما أَرْسَلْنا بما قبله ووقف على تَعْلَمُونَ وإن علق بما بعده وقف على تَهْتَدُونَ دون تَعْلَمُونَ تَعْلَمُونَ هـ وَلا تَكْفُرُونِ هـ. التفسير: هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعنا في الإسلام. قالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خاليا عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخا مقيدا. وإن كان مقيدا بالدوام فكذلك، وإن كان مقيدا بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلا وبداء، وإن كان عالما بلا دوامه كان تجهيلا، وكل هذه من الحكيم قبيح. ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنّا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من عند الله. قال القفال: لفظ سَيَقُولُ وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في الماضي كالرجل يعمل عملا فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيّ. كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية. والمشهور أن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا

стр. 417

الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزا. ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له. ومنها أن الجواب العتيد أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعدّ سفيها شرعا، فالذي يضيع أمر آخرته أولى بهذا الاسم. عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون بموافقة النبي ﷺ إياهم في القبلة، فلمّا تحول استوحشوا لا سيما وأنهم لا يرون النسخ. وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو العرب قالوا: أبى إلّا الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولا كان أولى به. وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب أن يكون الكل داخلا فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا وجدوا مجالا لم يتركوا مقالا ما وَلَّاهُمْ ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب والاستهزاء عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل أن يعود الضمير في «كانوا» إلى «السفهاء» أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلّا قبلة اليهود وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟ فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟ فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكا وملكا، ثم أكد ذلك بقوله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة الدارين فيشتمل القبلة وغيرها. وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه تعالى فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله تعالى لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوها مناسبة، أما تعيين القبلة في الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معيّنة وشكلا معينا ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة. فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلا للملك، والقراءة تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى

стр. 418

الخدمة. وأيضا الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ولا يتأتى ذلك إلّا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلا لجهة واحدة على التعيين. وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى. وأيضا إنه تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [آل عمران: ١٠٣] . وتوجه كل مصل إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق. وأيضا كأنه تعالى يقول: يا مؤمن أنت عبد، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ، أبوئك دار كرامتي. وأيضا اليهود استقبلوا مغرب الأنوار وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [القصص: ٤٤] . والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [مريم: ١٦] فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دار الفلك الدوّار. وأيضا المغرب قبلة موسى، والمشرق قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها وأيضا الكعبة سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً. والوسط بالوسط أولى الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: ٢٦] . وأيضا العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ والعرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء. كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوبا فأتيت الكعبة حاجا أو معتمرا أو توجهت مصليا الصلوات الخمس غفرتها لك. وأيضا لما كان بناء هذا البيت سببا لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضا اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين. فأزيل تشويشهم، وأيضا الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله. فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله تعالى في قوله وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وقوله وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة وجوه. فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطا. وقيل: عائد إلى قوله وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ [البقرة: ١٣٠] . أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم. وقيل:

стр. 419

ينصرف إلى قوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلة فضلا منا وإحسانا، جعلناكم مختصين بالعدالة برا منا وامتنانا مع تساوي الخلق في العبودية. وقيل: قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكورا إذا كان المضمر مشهورا معروفا مثل إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمة وسطا. الجوهري: يقال جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين هو وسط بالتحريك. قال: والوسط من كل شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمة وسطا أي عدولا قال زهير: همو وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره الله تعالى في معرض المدح والامتنان. وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في الجمادات. قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن- أراد من خيار الدنانير- ويؤيده قوله تعالى في موضع آخر كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب، والأوساط محمية محوطة. وقيل: المراد بالوسط هاهنا أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي ﷺ ابنا وإلها، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ الأكثرون على أن هذه الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم. روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا- وهو أعلم- فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟ فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق. فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد ﷺ في الفضل عن سائر الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم جميعا، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك

стр. 420

تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم. وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله ﷺ «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» . والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، وإما بأن يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها. قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ق: ٢١] والنبيون وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وأمة محمد ﷺ خاصة لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: ٥١] والجوارح يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [النور: ٢٤] . وقيل: إن هذه الشهادة في الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل جَعَلْناكُمْ بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال. ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا. وإن قيل: لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة. قلنا: المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحد منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلّا بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيدا يزكيكم ويعلم بعدالتكم. وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها. والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص. وإنما لم يقل لكم شهيدا مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [المجادلة: ٦] مع رعاية الطباق للأول. وإنما قيل «شهداء على الناس في الدنيا» لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال. قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على البعض. فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في جَعَلْناكُمْ للموجودين عند نزول الآية

стр. 421

لأن خطاب من لم يوجد محال. فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ. سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي اجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم وعدالتهم. وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولا عند الاجتماع؟ والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف مثل كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما [البقرة: ١٨٣] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [البقرة: ١٧٨] فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر. ثم إن الله تعالى منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خيارا أو عدولا عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة. وَما جَعَلْنَا يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم. الَّتِي صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي «جعل» أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقدا لاستقبالها كقولك «الشافعي على كذا» ثم هاهنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في جعل الكعبة قبلة وذلك أنه ﷺ كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود وامتحانا للذين اتّبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختبارا ثانيا أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها أولا إلا امتحانا للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرا عارضا لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه. واللام في لِنَعْلَمَ ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي يستتبعها الجعل. فإن قيل: كيف؟ قال لِنَعْلَمَ ولم يزل عالما بذلك؟ فالجواب أن معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد. وإنما فتحه جنده أو لنعلمه موجودا حاصلا وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء. ولا يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه. وإنما جاء المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانيا وكون كل زمان مكنوفا بزمانين: سابق ولا حق. فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت «سيعلم الله» وإذا نسبت إلى زمانه قلت «يعلم» وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت «قد علم» فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم. أو لنميز

стр. 422

التابع من الناكص كقوله لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال: ٣٧] فسمي التمييز علما لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية مكان العلم. وعن الفراء: أن حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلا وعاقلا اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار. ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل. وهذا من كلام المصنف مثل وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [سبأ: ٢٤] وقوله مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة. أو بسبب تحويلها من الناس، من قال بالأول لأنه ﷺ كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود. والأكثرون على الثاني لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا، ولو كان على يقين من أمر تغير رأيه. وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟ وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس. وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده. وقال المشركون: تحير في دينه. وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً هي «إن» المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين «إن» النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال. لكن البصريين أوجبوا كون الفعل الذي دخلت هي عليه من باب «كان» أو «علم» ويبطل عمل «إن» في الظاهر، وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأن كما يقدر في «أن» المفتوحة إذا خففت، فقوله لَكَبِيرَةً خبر «كانت» واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في ما وَلَّاهُمْ أو الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في وَما جَعَلْنَا ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف عسير، وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله. الراجع محذوف أي هداهم الله إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولا، ثم جعلهم منتفعين بها ثانيا، وإلا فالدلالة عامة للكل وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ الخطاب للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في «كان» ينتصب المضارع بعدها بتقدير «أن» أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم

стр. 423

ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب الجزيل عن الحسن. وقال ابن زيد: ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها. أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة. وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله ﷺ إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فنزلت. وإنما خوطبوا تغليبا للأحياء مثل وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً [البقرة: ٧٢] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة: ٥٠] والمراد أهل ملتهم. وليس هذا السؤال من الشك في حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات والأحياء جميعا، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل الناسخ. وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادرا عن منافق فنبه الله المسلمين على الجواب. وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا. يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟ فقرأ قوله إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ثم قال: وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله ﷺ وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ الجوهري: الرأفة أشد الرحمة. رؤفت به أرؤف بالضم فيهما رأفة ورافة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما. ورئفت به بالكسر رأفا والصفة رؤوف ورؤف على «فعول» و «فعل» وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع المكروه وإزالة الضرر قال وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ [النور: ٢] . والرحمة اسم جامع خصص أولا ثم عمم. والمراد أن الرؤوف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هدى من هدى لأنه بالناس رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر. قوله عز من قائل قَدْ نَرى معناه كثرة الرؤية هاهنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: قد أترك القرن مصفرا أنامله ... كأن أثوابه مجت بفرصاد كما أن «رب» في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله «فإن تمس مهجور الفناء فربما» . أقام به بعد الوفود وفود. ووجه ذلك أن المادح يستقل الشيء

стр. 424

الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئا من العلم. تَقَلُّبَ وَجْهِكَ تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. عن ابن عباس أنه قال النبي ﷺ : يا جبريل وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود الى غيرها فقد كرهتها. فقال له جبريل ﵇: أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك. فجعل النبي ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت. وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه. وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو الله تعالى فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل للإجابة. وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله تعالى سيحوّل القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها- ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله ﷺ من الكعبة- فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم. وقيل: بل وعد بذلك. وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه. واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر- وهو الأكثر- أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال. وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. واختلفوا أيضا في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضا لا يجوز غيره أو كان النبي ﷺ مخيرا في توجهه إليه وإلى غيره. فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيرا لقوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة: ١١٥] الآية. ولما روي أن قوما قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا سألوا النبي ﷺ عن ذلك فلم ينكر عليهم. وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضا لقوله فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فدل على أنه ما كان مخيرا بينها وبين الكعبة. ومعنى «فلنولينك» فلنعطينك

стр. 425

ولنمكننك من استقبالها من قولهم «وليته كذا» جعلته واليا له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس. ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته. وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضا لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه. وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق. فَوَلِّ وَجْهَكَ أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط. وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص. وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول. عن ابن عباس: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. وفي الموطأ: صلى رسول الله ﷺ بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين. واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام. ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك. وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبي ﷺ البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة. وقد وردت أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، فاستداروا إلى الكعبة. وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله. واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريبا كان أو بعيدا لظاهر قوله تعالى وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ولقوله ﷺ : «هذه القبلة» مشيرا به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي ﷺ بلغ مبلغ التواتر. وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعا. ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط. وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين الكعبة حرجا عظيما للبعيد، ولأن في ذكر المسجد
следующие страницы →