٨٥] . وكتب «معصية» بالهاء حيث كانت إلا موضعين: في «المجادلة» وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ [الآيتان: ٨ و ٩] . وكتب «لعنة» بالهاء في كل القرآن إلا في «آل عمران» فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ [الآية: ٦١] ، وفي «النور» أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ [الآية: ٧] . وكتب «جنة» بالهاء إلا في «الواقعة» وَجَنَّةُ نَعِيمٍ [الآية: ٨٩] . وكتب «شجرة» بالهاء إلا في «الدخان» إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ [الآية: ٤٣] . وكتب «قرّة» بالهاء إلا في «القصص» قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [الآية:
٩] . وكتب «بقية» بالهاء إلا في «هود» بَقِيَّتُ اللَّهِ [الآية: ٨٦] . وكتب «من ثمرة» بالهاء إلا في «حم السجدة» مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها [فصلت: ٤٧] . وكتب «كلمة» بالهاء إلا في أربعة مواضع: في «الأنعام» وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ [الآية: ١١٥] ، وفي «يونس» حرفان كَلِمَةُ رَبِّكَ [الآيتان: ٣٣ و ٩٦] ، وفي «المؤمن» حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ [غافر: ٦] .
وكتب غَيابَتِ الْجُبِّ بالتاء [يوسف: ١٠ و ١٥] ، فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بالتاء [فاطر: ٤٠] . وكتب كل ما في القرآن من ذكر «الآية» بالهاء إلا في «العنكبوت» لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ [الآية: ٥٠] فإنها بالتاء. وكتب فِطْرَتَ [الروم: ٣٠] وعِفْرِيتٌ [النمل:
٣٩] واللَّاتَ وَالْعُزَّى [النجم: ١٩] ولاتَ حِينَ مَناصٍ [ص: ٣] وذاتَ بَهْجَةٍ [النحل: ٦٠] وهَيْهاتَ [المؤمنون: ٣٦] ومَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ [التحريم: ١٢] ومَرْضاتِ [البقرة: ٢٠٧ و ٢٦٥، والنساء: ١١٤، والتحريم: ١] كلها بالتاء. وكتب «الملأ» بالألف إلا أربعة مواضع: في «المؤمنون» فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية: ٢٤] ، وفي «النمل» يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي [الآية: ٢٩] ويا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي [الآية: ٣٢] ويا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي [الآية: ٣٨] ، فإنها كتبت بالواو. وكتب في «البقرة» يَبْصُطُ [الآية: ٢٤٥] بالصاد، وما سواه بالسين. وكتب في «البقرة» بَسْطَةً [الآية: ٢٤٧] بالسين، وفي «الأعراف» [الآية: ٦٩] بالصاد. وكتب في «آل عمران» مِنْهُمْ تُقاةً [الآية:
٢٨] بالياء، وحَقَّ تُقاتِهِ [الآية: ١٠٢] بالألف. وكتب في أول «يوسف» و «الزخرف» قُرْآناً عَرَبِيًّا بغير ألف، وسائر القرآن قُرْآناً بألف.
وكتب في الأعراف» [الآية: ١١٢] و «يونس» [الآية: ٧٩] بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ بغير ألف، وفي «الشعراء» سَحَّارٍ عَلِيمٍ [الآية: ٣٧] بالألف بعد الحاء. وكتب في «الذاريات» ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الآية: ٣٩] بالألف، وما سواه بغير ألف. وكتب في «يونس» لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [الآية: ١٤] بنون واحدة. واختلف في قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا في «المؤمن» [غافر: ٥١] . وكتب في «يونس» نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ [الآية: ١٠٣] بنونين وحذف الياء، وفي آخر «يوسف» فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ [الآية: ١١٠] بنون واحدة، وفي «الأنبياء»
стр. 37
وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الآية: ٨٨] بالياء وبنون واحدة. وكتب جميع ما في القرآن من ذكر ال «أيدي» بياء واحدة إلا في «الذاريات» وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [الآية: ٤٧] فإنها كتبت بياءين، والأصل كتبه بياء واحدة. وكتب «الن» بغير ألف في كل القرآن إلا في «الجن» فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ [الآية: ٩] فإنه بالألف. وكتب في «حم السجدة» سَماواتٍ [فصلت: ١٢] بالألف، وما سواه كتب «سموت» بغير ألف. وكتب في أول «سبأ» علم الغيب [الآية: ٣] بغير ألف. وكتب في «البقرة» خَطاياكُمْ بحرف واحد بين الطاء والكاف، وفي «الأعراف» خَطاياكُمْ [الآية: ٢٦١] بحرفين بينهما.
وكتب «رأ» بغير ياء في كل القرآن إلا في «النجم» لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [الآية: ١٨] وما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [الآية: ١١] . وكتب في «يونس» وَما تُغْنِي الْآياتُ بالياء على الأصل، وفي «القمر» فَما تُغْنِ النُّذُرُ [الآية: ٥] بغير ياء على اللفظ. وكتب في «البقرة» يُؤْتِي الْحِكْمَةَ [الآية: ٢٦٩] بالياء، وفي «النساء» وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ [الآية: ١٤٦] بغير ياء. وكتب وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [الشورى: ٢٤] بغير واو، ويَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ [الرعد: ٣٩] بالواو والألف. وكتب الداع بغير ياء حيث كان إلا قوله أجيبوا داعي الله وكتب «ثمود» بالألف في حال النصب وهي في أربعة مواضع: في «هود» [الآية: ٦٨] ، و «الفرقان» [الآية: ٣٨] ، و «العنكبوت» [الآية: ٣٨] ، و «النجم» [الآية: ٥١] . وكتب ثَمُودَ النَّاقَةَ [الإسراء: ٥٩] بغير ألف. وكتب في «النمل» وَما أَنْتَ بِهادِي [الآية: ٨١] بالياء، وفي «الروم» بِهادِ [الآية: ٥٣] بغير ياء، والأصل فيهما الياء. وكتب في «الحج» وَلُؤْلُؤاً [الآية: ٢٣] بألف، وفي «فاطر» [الآية: ٣٣] بألف، وفي «فاطر» [الآية: ٣٣] بغير ألف. وكتب في «الأعراف» قالَ ابْنَ أُمَّ [الآية: ١٥٠] بالألف مقطوعا، وفي «طه» ابْنَ أُمَ
بالواو موصولا. وكتب في «الحجر» [الآية: ٧٨] و «ق» [الآية: ١٤] أَصْحابُ الْأَيْكَةِ بالألف، وفي «الشعراء» [الآية: ١٧٦] و «ص» [الآية: ١٣] ليكة بغير ألف.
وكتب في «يوسف» لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ [الآية: ٦٨] ، وفي «المؤمن» ذُو الْعَرْشِ [غافر: ١٥] ، وفي «السجدة» لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ [فصلت: ٤٣] ، وفي «الجمعة» ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الآية: ٤] ، وفي «البروج» ذُو الْعَرْشِ [الآية: ١٥] .
بغير ألف في هذه المواضع، وما سواها «ذوا» بالألف. وكتب «الرّبوا» بواو بعدها ألف في كل القرآن إلا قوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً [الروم: ٣٩] فإنه بغير واو. وكتب لَدَى الْبابِ [يوسف: ٢٥] بالألف، ولَدَى الْحَناجِرِ [غافر: ١٨] بالياء. وكتب وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ [التوبة: ٤٧] ولَأَذْبَحَنَّهُ [النمل: ٢١] بزيادة ألف، وفي مصاحف الشام وَ
стр. 38
لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ
[البقرة: ٢٢١] بزيادة ألف أيضا. وكتب أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [النور: ٣١] وأَيُّهَا السَّاحِرُ [الزخرف: ٤٩] وأَيُّهَ الثَّقَلانِ [الرحمن: ٣١] بغير ألف، وما سواها «يا أيها» و «يا أيتها» بالألف. وكتب في «الأحزاب» الظُّنُونَا [الآية: ١٠] والرَّسُولَا [الآية:
٦٦] والسَّبِيلَا [الآية: ٦٧] بالألف، وفي «الفرقان» أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [الآية: ١٧] وفي «الأحزاب» وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الآية: ٤] وهما رأس آية. وكتب في «الإنسان» قَوارِيرَا [الآية: ١٥] بالألف، قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ [الآية: ١٦] بغير ألف.
وكتب في «الأنعام» أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ [الآية: ١٩] ، وفي «الأعراف» إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ [الآية: ٨١] ، وفي «العنكبوت» أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ [الآية: ٢٩] ، وفي «حم السجدة» أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ [فصلت: ٩] بالياء، وما سواها بغير ياء. وكتب في «الأعراف» إِنَّ لَنا لَأَجْراً [الآية: ١١٣] بغير ياء، وفي «الشعراء» أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً [الآية: ٤١] بالياء. وكتب في «النمل» أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ [الآية: ٦٧] بالياء، وكذلك في «الصافات» أَإِنَّا لَتارِكُوا [الآية: ٣٦] ، وما سواهما فهو «أءنا» بغير ياء. وكتب في «الواقعة» أَإِذا [الآية: ٤٧] بالياء، وفي سائر القرآن «أءذا» بغير ياء. وكتب في «هود» فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا [الآية: ٨٧] بالألف بعد الواو، ومثله في «الأنعام» يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ [الآية: ٥] ، وفيها [سورة الأنعام] أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ [الآية: ٩٤] . وفي «حم عسق» أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ [الشورى: ٢١] ، وفي «الروم» مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ [الآية: ١٣] ، وفي «إبراهيم» فَقالَ الضُّعَفاءُ [الآية: ٢١] ، وفي «الشعراء» فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا [الآية: ٦] وفيها [سورة الشعراء] أيضا أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ [الآية: ١٩٧] ، وفي «فاطر» مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [الآية: ٢٨] ، وفي «الصافات» لَهُوَ الْبَلاءُ [الآية: ١٠٦] . وفي «حم» الأولى وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ [غافر: ٥٠] ، وفي «الدخان» ما فِيهِ بَلؤُا [الآية: ٣٣] بالواو، وفي «الممتحنة» . إِنَّا بُرَآؤُا [الآية: ٤] . وكتب «جزاؤ» بالواو إلا في «الكهف» فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى [الآية:
٨٨] .
وكتب إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء: ١٧٦] ، ويَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ [النحل: ٤٨] ، ويَعْبَؤُا بِكُمْ [الفرقان: ٧٧] ، وأَتَوَكَّؤُا عَلَيْها [طه: ١٨] ، وتَفْتَؤُا تَذْكُرُ [يوسف: ٨٥] ، ووَ يَدْرَؤُا عَنْهَا [النور: ٨] ، ونَبَؤُا الَّذِينَ [التوبة: ٧٠ إبراهيم: ٩ والتغابن: ٥] ، ونَبَأُ الْخَصْمِ [ص: ٢١] ، ويُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ [الزخرف: ١٨] ، ولا تَظْمَؤُا فِيها [طه: ١١٩] ، ويَبْدَؤُا الْخَلْقَ [يونس: ٤ و ٣٤ النمل: ٦٤ والروم: ١١ و ٢٧] وما أشبهها بواو وألف ليقوّوا بها الهمزة المضمومة، أو على لغة من لا يهمز، ولو كتب كلها بالواو وحدها أو بالألف وحدها لجاز وكتب في «الأنعام» مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الآية:
стр. 39
٣٤] بياء بعد الهمزة، وكذلك في «يونس» تِلْقاءِ نَفْسِي [الآية: ١٥] ، وفي «النحل» وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [الآية: ٩٠] ، وفي «طه» وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ [الآية: ١٣٠] ، وفي «حم عسق» أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: ٥١] .
وكتب ما في القرآن من كل ذوات الواو بالألف مثل «دعا، عفا، وتلا» إلا دَحاها [النازعات: ٣٠] وتَلاها [الشمس: ٢] ، وضُحاها [الشمس: ٦] ، وسَجى [الضحى: ٢] وما زَكى [النور: ٢١] ، وذوات الياء يكتب بالياء مثل «هدى، ورمى، وقضى» إلا أحرفا هي: وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ [الزخرف: ٨] ، وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ [الرحمن: ٥٤] وطَغَى الْماءُ [الحاقة: ١١] ، وأَقْصَا الْمَدِينَةِ [القصص: ٢٠ ويس: ٢٠] ، وأَحْيَا النَّاسَ [المائدة: ٣٢] . وكل ياءين اجتمعتا في كلمة مثل «الدنيا» و «العليا» جعلت الأخيرة ألفا كراهة الجمع بين الياءين إلا في قوله تعالى «يحيي» و «أمات» و «أحيي» في بعض المصاحف. وكتب «الزكوة» و «الحيوة» و «منوة» و «مشكوة» و «بالغدوة» بالواو. وكتب «الصلاة» بالواو إلا في «الأنعام» وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [الآية: ٩٢] إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [الآية: ١٦٢] ، وفي «الأنفال» وَما كانَ صَلاتُهُمْ [الآية: ٣٥] ، وفي أول «المؤمنين» فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [الآية: ٢] ، وفي «المعارج» عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ [الآية: ٢٣] ، وفيها [سورة المعارج] عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [الآية: ٣٤] ، وفي «أرأيت» عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ [الماعون: ٥] . وكتب فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً [النساء: ٥٣] ، وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ [يوسف: ٣٢] ، ولَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ [العلق:
١٥] ، بالألف والوقوف عليها بالألف. وكتب في «البقرة» وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ [الآية: ١٥٠] بالياء، وفي «المائدة» وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ [الآية: ٣] وَاخْشَوْنِ وَلا [الآية: ٤٤] بغير ياء.
وكتب في «يوسف» وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ [الآية: ١٠٨] بالياء، وفي «آل عمران» وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ [الآية: ٢٠] بغير ياء. وكتب في «سبحان الذي» لَئِنْ أَخَّرْتَنِ [الآية: ١٠] بغير ياء وفي المنافقون لَوْلا أَخَّرْتَنِي بالياء. وكتب في يوسف ما نَبْغِي [الآية: ٦٥] بالياء، وفي «الكهف» ما كُنَّا نَبْغِ [الآية: ٦٤] بغير ياء، وفي «هود» يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ [الآية: ١٠٥] بغير ياء، وفي «النحل» يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ [الآية: ١١١] بالياء، وفي «الدخان» يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ [الآية: ١٠] بالياء. وفي «الأنعام» وَقَدْ هَدانِ [الآية: ٨٠] بغير ياء، وإِنَّنِي هَدانِي [الآية: ١٦١] بالياء، وفي «الأعراف» ثُمَّ كِيدُونِ [الآية: ١٩٥] بغير ياء، وفي «هود» فَكِيدُونِي جَمِيعاً [الآية: ٥٥] بالياء. وفي «هود» فَلا تَسْئَلْنِ [الآية: ٤٦] بغير ياء، وفي «الكهف» فَلا تَسْئَلْنِي [الآية: ٧٠] بالياء. وفي
стр. 40
«الكهف» أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي [الآية: ٣٤] بغير ياء، وفي «القصص» أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ [الآية: ٢٢] بالياء. وفي «طه» فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [الآية: ٩٠] بالياء، وفي «الزخرف» وَاتَّبِعُونِ هذا [الآية: ٦١] بغير ياء. وكذلك في «المؤمن» وفي «الأعراف» فَهُوَ الْمُهْتَدِي [غافر: ٣٨ والأعراف: ١٧٨] بالياء، وفي «سبحان الذي» وسورة الكهف فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء: ٩٧ والكهف: ١٧] بغير ياء. وفي «إبراهيم» قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [الآية: ٣١] بالياء، وفي «الزمر» فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ [الآية: ١٧] بغير ياء.
وكتب «الذي» و «الذين» بلام واحدة، و «اللذان» و «اللذين» بلامين. وكتب «جزاء» بغير واو، و «هزوا» و «كفوا» بالواو. وكتب بَيْنَ الْمَرْءِ [البقرة: ١٥٢ والأنفال: ٢٤] ، وجُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر: ٤٤] ، ويُخْرِجُ الْخَبْءَ [النمل: ٢٥] ، ومِلْءُ الْأَرْضِ [آل عمران: ٩١] ، ودف [النحل: ٥] بإسقاط الهمزة.
ومن غرائب الهجاء ونوادره ما كتب في «الفرقان» وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً [الآية: ٢١] بغير ألف، وفي «سبأ» وَالَّذِينَ سَعَوْا [الآية: ٥] بغير ألف، وفي «الحشر» وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ [الآية: ٩] بواوين من غير ألف، وفي «المعصرات» نْتُ تُراباً
[النبأ: ٤٠] بغير ألف، وفي «القلم» بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ [الآية: ٦] بياءين، وفي «آل عمران» أَفَإِنْ ماتَ [الآية: ١٤٤] بالياء، وفي «الأنبياء» أَفَإِنْ مِتَّ [الآية: ٣٤] بغير ياء. وكتب اثَّاقَلْتُمْ [التوبة: ٣٨] ونحوه بالألف. وكتب فَادَّارَأْتُمْ [البقرة: ٧٢] ليس بين الدال والراء، ولا بين الراء والتاء، ألف في جميع المصاحف. وكتب في «الحاقة» لبيان الحركة كِتابِيَهْ [الآية: ١٩] وحِسابِيَهْ [الآيتان: ٢٠ و ٢٦] ومالِيَهْ [الآية: ٢٨] وسُلْطانِيَهْ [الآية:
٢٩] ، وفي «القارعة» ما هِيَهْ [الآية: ١٠] بإثبات الهاء. واختلف في لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: ٢٥٩] وفَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠] أن الهاء فيها لبيان الحركة أو لغير ذلك.
وكتب في سورة النساء فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ [الآية: ٧٨] ، وفي «الكهف» مالِ هذَا الْكِتابِ [الآية: ٤٩] ، وفي «الفرقان» مالِ هذَا الرَّسُولِ [الآية: ٧] ، وفي «المعارج» فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا [الآية: ٣٦] باللام مع «ما» مقطوعة عما بعدها.
واعلم أن هجاء المصحف كثير وقد ذكرنا منها ما هو أنفع للقارىء وأكثر فائدة. وأما الحركات كلها فقد راعيناها إلا ما شاء الله في كتابة متن القرآن من هذا الكتاب كما بلغنا عمن تقدمنا من السلف الصالحين والعلماء المتقين ورووا أنهم وجدوها في الإمام كذلك، وستراها في مواضعها إن شاء الله. وإنما كتبت هذه الحروف بعضها خلاف بعض وفي الأصل واحدة، لأن الكتابة بالوجهين كانت جائزة عندهم فكتبوا بعضها على وجه وبعضها
стр. 41
على وجه آخر جمعا بين المذهبين، على أنهم كتبوا أكثرها على الأصل. وكل ما كتب في المصحف على أصل لا يقاس عليه غيره من الكلام، لأن القرآن يلزمه لكثرة الاستعمال ما لا يلزم غيره. واتباع المصحف في هجائه واجب ومن طعن في شيء من هجائه فهو كالطاعن في تلاوته لأنه بالهجاء يتلى، والفائدة للقارىء في معرفته أن يكون على يقين أن الذي يقرأ هو القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ بلا خلل فيه من جهة من الجهات. وقال جماعة من الأئمة: إن الواجب على القراء والعلماء وأهل الكتاب أن يتبعوا هذا الرسم في خط المصحف فإنه رسم زيد بن ثابت وكان أمين رسول الله ﷺ ، وكاتب وحيه، وعلم من هذا العلم بدعوة النبي ﷺ ما لم يعلم غيره فما كتب شيئا من ذلك إلا العلة لطيفة وحكمة بليغة، وإن قصر عنها رأينا. ألا ترى أنه لو كتب على صلواتهم وان صلواتك بالألف بعد الواو أو بالألف من غير واو لما دل ذلك إلا على جه واحد وقراءة واحدة؟ وكذلك وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ وكتب وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ بغير ألف قبل الفاء ولا بعدها ليدل على القراءتين والله تعالى أعلم.
стр. 42
المقدمة الثامنة في أقسام الوقف
الوقف قطع الكلمة اسما أو فعلا أو حرفا عما بعدها ولو فرضا، وله عند أكثر الأئمة خمس مراتب: لازم، ومطلق وجائز، ومجوّز لوجه، ومرخّص ضرورة.
فاللازم من الوقف ما لو وصل طرفاه غيّر المرام وشنّع الكلام، كقوله تعالى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨] إذ لو وصل بقوله يُخادِعُونَ اللَّهَ [البقرة: ٩] صارت الجملة صفة «للمؤمنين» ، فانتفى الخداع عنهم وتقرّر الإيمان خالصا عن الخداع، كما تقول: ما هو بمؤمن مخادع. ومراد الله جلّ ذكره نفي الإيمان وإثبات الخداع. وفي نظائر ذلك كثرة يوصلك المرور بها إلى العثور عليها.
والمطلق ما يحسن الابتداء بما بعده كالاسم المبتدأ به، نحو اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ [الشورى: ١٣] وكالفعل المستأنف مع السين، نحو سَيَقُولُ السُّفَهاءُ [البقرة:
١٤٢] سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [الطلاق: ٩] وبغير السين، نحو يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً [النور: ٥٥] إلى غير ذلك من النظائر.
والجائز ما يتجاذب فيه طرفا الوصل والوقف، مثل وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [النساء:
٦٠] ، لأن واو العطف تقتضي الوصل، وتقديم المفعول على الفعل يقطع النظم فإن التقدير: ويوقنون بالآخرة.
والمجوّز لوجه، مثل أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ [البقرة: ٨٦] لأن الفاء في قوله فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ [البقرة: ٨٦] والتعقيب يتضمن معنى الجواب والجزاء وذلك يوجب الوصل. إلا أن نظم الفعل على الاستئناف يرى للفصل وجها.
والمرخّص ضرورة، ما لا يستغني ما بعده عما قبله، لكن يرخص الوقف ضرورة انقطاع النفس لطول الكلام، ولا يلزمه الوصل بالعود، لأن ما بعده جملة مفهومة، كقوله وَالسَّماءَ بِناءً [البقرة: ٢٢] لأن قوله «وأنزل» لا يستغني عن سياق الكلام فإن فاعله
стр. 43
ضمير يعود إلى الصريح المذكور قبله. غير أنها جملة مفهومة لكون الضمير مستكنّا، وإن كان لا يبرز إلى النطق. وأما ما لا يجوز الوقف عليه ففي مواجبه ومواقعه كثرة. وسيتلى عليك مواقع الفصل والوصل في جميع القرآن مع علل ذلك مفصّلة إن شاء الله تعالى.
وبعضهم قسم مراتب الوقوف إلى ثلاث: التام، والكافي، والحسن. ولا مشاحة في الاصطلاحات بعد رعاية المعنى. وليكن علامة اللازم «م» وعلامة المطلق «ط» والجائز «ج» ، والمجوز «ز» والمرخص «ص» ، وما لا وقف عليه فعلامته «لا» وعلامة الآية دائرة صغيرة هكذا «هـ» . وإنما التزمنا إيراد هذه الوقوف لدقة مسلكها وبلوغها في الغموض إلى حيث قصروا البلاغة على معرفة الفصل والوصل، إلا أن ذلك بحسب الصياغة وما نحن فيه بطرق الصناعة وكل منهما تابع لارتباط المعنى بالمعنى وانفصاله عنه بالكل أو بالبعض.
وسيتلى عليك تفاصيلها وبالله التوفيق.
стр. 44
المقدمة التاسعة في تقسيمات يعرف منها اصطلاحات مهمة
اللفظ إما أن يعتبر دلالته على تمام مسمّاه، أو على جزء مسماه، أو على لازمه الذهني. الأول: دلالة مطابقة كدلالة البيت على مجموع الحائط والسقف، والثاني: دلالة تضمّن كدلالة البيت على السقف أو الحائط والثالث: دلالة الالتزام كدلالة السقف على الحائط. والدلالة الأولى وضعية صرفة، والباقيتان بمشاركة من الوضع والعقل.
تقسيم آخر: اللفظ إما أن يقصد بجزء منه دلالة على جزء معناه، وهو المركب، كعبد الله غير علم أو لا يقصد، وهو المفرد، ويشمل ما لا جزء له أصلا، مثل ق علما، وما كان له جزء ولكن لا يدلّ على معنى أصلا، نحو زيد وما كان له جزء دال على معنى لكن لا في ذلك المسمى، نحو: أسد الله علما لشخص إنساني، وما له جزء دالّ على معنى في ذلك المسمى لكنه لم يقصد، مثل عبد الله علما له.
تقسيم آخر: اللفظ المفرد باعتبار وحدته ووحدة مدلوله وتعددهما أربعة أقسام:
الأول: اللفظ واحد والمدلول واحد. الثاني: مقابل ذلك أي اللفظ كثير والمعنى كثير.
الثالث: اللفظ واحد والمعنى كثير. الرابع: عكسه المعنى واحد واللفظ كثير.
فالأول: إن اشترك في مفهومه كثيرون مجردا عن سبب من خارج فهو الكلي، ويقال له اسم الجنس وهو أقسام ستة، لأنه إما موجود أو معدوم. والموجود إما واحد أو كثير.
والواحد إما أن يكون مثله ممكنا كالشمس، أو غير ممكن كالإله. والكثير إما متناه كالكواكب، أو غير متناه كالعدد. والمعدوم إما ممكن الوجود في الخارج كجبل من ذهب، أو غير ممكن كشريك الإله. وعلى التقادير، فإن تفاوت وقوعه على أفراده بأن يكون لبعضها أولى أو أوّل أو أشد، كالوجود للخالق والمخلوق فإنّ وقوعه على الخالق أوّل وأولى وأشد، وكالأبيض على الثلج والعاج فإن وقوعه على الثلج أشد. فاللفظ مشكك لأنه يشكك بالنسبة إلى السامع في أنه متواطىء نظرا إلى اشتراك الكل في أصل المعنى، أو
стр. 45
مشترك نظرا إلى اختلافها في ذلك. وإن لم يكن في وقوعه تفاوت فمتواطئ، كالإنسان بالنسبة إلى أفراده فإنّ كلّها متوافقة في الإنسانية مستوية فيها. وإن لم يشترك في مفهومه كثيرون فهو الجزئي: علم إن استقلّ في الدلالة بحيث لا يحتاج إلى أمر ينضم إليه من قرينة التخاطب والتكلم وتقدم الذكر ولام العهد والإشارة، مضمر، إن احتاج إلى إحدى القرائن الثلاث الأول، ومبهم إن احتاج إلى شيء من الباقيتين. والعلم إما اسم كإبراهيم وموسى وعيسى، وإما أن يكون لقبا اشتهر المسمى به مدحا أو ذمّا كإسرائيل، أو كنية ويختص بما في أوله الأب أو الأم أو البنت أو الابن نحو: أبي لهب، وأم القرى، وابنة عمران، وابن مريم. وقد يكون العلم علما لجنس بأسره بحيث لا يكون بعض أفراده الخارجة أولى بذلك من بعض، لكونه للحقيقة الذهنية ليس فيها معنى الاستغراق ولا الوحدة الخارجية. وإذا أطلق على فرد من أفراده الخارجية، نحو هذا أسامة مقبلا، فليس ذلك بالوضع بل لمطابقة الحقيقة الذهنية لكل فرد خارجي مطابقة كل كلي طبيعي لجزئياته. فهذه تمام أقسام القسم الأول، وهو أن اللفظ واحد والمعنى واحد.
الثاني: من الأربعة متباينة، كالإنسان والفرس.
الثالث: إن كان اللفظ حقيقة للمتعدد من مدلولاته بأن كان موضوعا للجميع فمشترك، وإلا فمنقول إن نقل من الموضوع له إلى معنى آخر لعلاقة واشتهر فيه: عرفي إن كان الناقل هو العرف العام، واصطلاحي إن كان العرف الخاص، وشرعي إن كان الشرع.
وإلا فبالنسبة إلى المنقول عنه حقيقة، وبالنسبة إلى المنقول إليه مجاز إن انتقل من الملزوم إلى اللازم، وكناية إن كان العكس، وإن نقل لا لعلاقة فمرتجل.
الرابع: من الأقسام: مترادفة، كالليث والأسد.
ولا يخفى أن القسمين الأولين والقسم الرابع ثلاثتها نصوص في معناها أما الأول فلاتحاد المعنى الموجب لعدم احتمال الغير وهو معنى النص. وأما المتكثر في اللفظ والمعنى، فلأنه حينئذ يكون لكل معنى لفظ فيتحد المعنى فلا يحتمل اللفظ غير ذلك. وأما الرابع فلاشتراط الاتحاد في المعنى. وأما القسم الثالث، وهو أن اللفظ واحد والمعنى كثير، فينقسم إلى مجمل وظاهر ومؤوّل لأن اللفظ بالنسبة إلى تلك المعاني إن كان متساوي الدلالة فهو المجمل وبإزائه المبين، وإن كانت متفاوتة فالراجح هو الظاهر والمرجوح هو المؤوّل.
فالأول كقول تعالى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] ، فإن دلالة القرء بالنسبة إلى الطهر والحيض على السواء.
стр. 46
والثاني نحو أَقِيمُوا الصَّلاةَ [الأنعام: ٧٢] فإن الأمر كما يحتمل الوجوب يحتمل الندب، والصلاة كما يحتمل ذات الأركان يحتمل الدعاء، إلا أن الأمر بالنسبة إلى الوجوب راجح، والصلاة بالنسبة إلى الهيآت المخصوصة راجحة.
والثالث نحو يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح: ١٠] فإن اليد تحتمل القدرة والجارحة لكنها بالنسبة إلى القدرة مرجوحة فالرجحان مشترك بين النص والظاهر ويسمى بالمحكم، وعدم الرجحان مشترك بين المجمل والمؤوّل ويشملهما المتشابه. والنص يمتاز عن الظاهر بأنه لا يحتمل الغير، والظاهر يحتمله احتمالا مرجوحا، والمجمل يتميز بكونه غير مرجوح، والمؤوّل مرجوح، والتأويل اشتقاقه من آل يؤول أي رجح. وفي الاصطلاح، كما تقرر، حمل الظاهر على المحتمل المرجوح فيشمل التأويل الفاسد والتأويل الصحيح فإن أريد التأويل الصحيح فقط فقد زيد في الرسم بدليل يصيره راجحا أي بحسب ذلك الدليل وإن كان مرجوحا بحسب مفهوم اللفظ وضعا أو عرفا كما قلنا في اليد بمعنى القدرة.
وإذا عرفت الأقسام الأربعة بأسرها فنقول: كلّ منها قد يكون مشتقا إن وجد له أصل يرجع إليه كالموجود والضارب بالإضافة إلى الوجود والضرب فإن معنى الاشتقاق أن تحدّ بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب، فترد أحدهما إلى الآخر. وقد يكون غير مشتق إن فقد له أصل كالوجود والإنسان. وغير المشتق صفة إن دلّ على معنى قائم بالذات كالعلم والكتابة، وغير صفة إن لم يدل كالجسم مثلا.
تنبيه: العلاقة المعتبرة في المجاز إنما تقع بحكم الاستقراء على نيف وعشرين وجها منها الاشتراك في صفة ظاهرة كالأسد على الرجل الشجاع لا على الأبخر لخفاء ذلك. وهذا معظم أنواع المجاز لأنه إطلاق اسم الملزوم على اللازم. وأكثر المجازات بل جميعها يرجع إلى ذلك. ومنها الاشتراك في الشكل كالإنسان للصورة المنقوشة. ومنها كونه آئلا إلى ذلك كالخمر للعصير، أو كائنا عليه كالعبد على من أعتق. ومنها المجاورة مثل جرى الميزاب إذ الجاري في الحقيقة هو الماء لا الميزاب المجاور له. ومنها إطلاق اسم الحال على المحل مثل وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [آل عمران: ١٠٧] أي في الجنة لأنها محل الرحمة. ومنها عكسه
كقوله ﷺ : «لا يفضض الله فاك»
أي أسنانك، إذ الفم محل الأسنان. ومنها إطلاق اسم السبب على المسبب
كقوله ﷺ : «بلّوا أرحامكم ولو بالسلام»
أي صلوها فإنهم لما رأوا بعض الأشياء يتصل بالنداوة استعار ﷺ البلّ للوصل.
ومنها عكس ذلك كقولهم للخمر إثم، ليكون الإثم مسببا عنها. ومنها إطلاق الكل على الجزء، نحو يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ [البقرة: ١٩] أي أناملهم. ومنها العكس نحو
стр. 47
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] أي ذاته. ومنها اسم المطلق على المقيّد كقوله:
فيا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس قبل اليوم يلتقيان
أي قبل يوم القيامة. ومنها العكس كقول شريح: أصبحت ونصف الخلق عليّ غضبان، يريد المحكوم عليهم وظاهر أنهم ليسوا النصف سواء. ومنها اسم الخاص على العام كقوله سبحانه وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] أي رفقاء له تعالى. ومنها العكس، كقوله سبحانه حكاية عن محمد ﷺ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣] لأن الأنبياء قبله كانوا كذلك. ومنها كون المضاف محذوفا نحو وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] ومنها كون المضاف إليه محذوفا كقوله: «أنا ابن جلا وطلاع الثنايا» . أي أنا ابن رجل جلا.
ومنها إطلاق اسم آلة الشيء عليه مثل وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ [الشعراء: ٨٤] أي ذكرا حسنا، لأن اللسان آلة الذكر. ومنها إطلاق اسم الشيء على بدله، كما يقال: فلان أكل الدم، أي ديته قال: «يأكلن كل ليلة إكافا» . أي ثمن إكاف. ومنها إطلاق النكرة للعموم كقوله عز من قائل عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤] أي كل نفس. ومنها إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر مثل وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى: ٤٠] إذ جزاء السيئة حسنة، ومنه قولهم: قاتله الله ما أحسن ما قال، يريدون الدعاء له. ومنها إطلاق المعرّف باللام وإرادة واحد منكر كقوله تعالى ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً [النساء: ١٥٤] ، أي بابا من أبوابها وسيجيء. ومنها الحذف نحو يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦] ، أي لئلا تضلوا.
ومنها الزيادة نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] .
واعلم أن المجاز بالحقيقة فرع من فروع التشبيه لأنك إذا قلت: زيد أسد، فكأنك قلت: زيد كالأسد في الجراءة، فيستدعي مشبها ومشبها به ووجه شبه بينهما.
والمشبه والمشبه به قد يكونان حسيين كقولك: خدّه كالورد أو عقليين كالعلم إذا شبه بالحياة أو أحدهما محسوسا والآخر معقولا كالعطر إذا شبه بخلق كريم، أو كالعدل إذا شبه بالقسطاس، والخياليات كالشقيق إذا شبه بأعلام ياقوت منشرة ملزوزة في قرن، والوهميات في قولك: نطقت الحال بشيء هو لها شبيه باللسان، فإنه صورة وهمية محضة.
وكذا الوجدانيات كاللذة والألم والشبع والجوع ملحقة بالعقليات.
ووجه التشبيه إما أن يكون أمرا واحدا أو لا، وحينئذ إما أن لا يكون في حكم الواحد كما إذا شبهت إنسانا بالشمس في حسن الطلعة ونباهة الشأن وعلو الرتبة، أو يكون. وذلك
стр. 48
لكونه إما حقيقة ملتئمة من أوصاف، كسقط النار إذا شبه بعين الديك في الهيئة الحاصلة من الحمرة والشكل الكروي والمقدار المخصوص، وإما أوصافا مقصودا من مجموعها هيئة واحدة كقوله:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فليس المراد تشبيه النقع بالليل ثم تشبيه السيوف بالكواكب، إنما المراد تشبيه الهيئة الحاصلة من النقع الأسود والسيوف البيض حال كون السيوف متفرقات فيه، بالهيئة الحاصلة من الليل المظلم والكواكب المشرقة في جوانب منه. ويسمى هذا تشبيه المركب بالمركب.
ومتى كان وجه التشبيه وصفا غير حقيقي وكان منتزعا من عدة أمور خصّ باسم التمثيل كما في قوله عز من قائل: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً الآية [البقرة: ١٧] وسيجيء تفسيرها.
ثم إن التشبيه التمثيلي إذا فشا استعماله على سبيل الاستعارة لا غير سميّ مثلا، كقولك لمن تردد في أمر: يقدّم رجلا ويؤخر أخرى. وذلك أن الاستعارة هي أن تذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدّعيا دخول المشبه في جنس المشبه به، دالّا على ذلك بإثباتك للمشبه ما يخصّ المشبه به، كما تقول: في الحمام أسد، وأنت تريد به الشجاع مدّعيا أنه من جنس الأسد، فتثبت للشجاع ما يخصّ المشبه به وهو اسم جنسه، أعني الأسد مع سدّ طريق التشبيه بإفراده في الذكر، لأن التشبيه لا بد له من طرفين: مشبه ومشبه به.
فإذا أفردت بالذكر أحدهما فكأنك قد سددت طريق التشبيه.
فإذن الاستعارة نوع من المجاز لأن المستعار له، وهو زيد مثلا في قولك: زيد أسد، يبرز في معرض المستعار منه، وهو الأسد، نظرا إلى الدعوى. وهذا شأن العارية. وإنما جرأهم على الدعوى ما رأوا بينهما من الاشتراك في اللازم وهو الشجاعة. والاستعارة في نحو: عندي أسد، إذا لم تعقب بصفات ملائمة أو تفريع كلام لا تكون مجردة ولا مرشحة لفقد موضوعي التجريد والترشيح. وإنما يلحقها التجريد والترشيح إذا عقبت بذلك. فمتى عقبت بصفات ملائمة للمستعار له سميت مجردة، نحو: ساورت أسدا شاكي السلاح طويل القناة: وإذا عقبت بصفات ملائمة للمستعار منه سميت مرشحة، نحو: ساورت أسدا وافي البراثن هصورا.
وقد بقي من الاصطلاحات قولهم: هذا عام أو خاص أو مطلق أو مقيد. فالعام: ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقا ضربة. فقولنا «ما دل» ليشمل العموم باللفظ
стр. 49
والمعنى جميعا، فإن العموم من عوارض المعاني أيضا حقيقة، كقولهم: عمّ المطر والخصب، وكذلك المعنى الكلي كالإنسان لشموله الجزئيات التي تحته. وقولنا «على مسميات» ليخرج المسمى وليدخل في العام المعدوم والمستحيل، إذ لو قلنا «على أشياء» لخرجا بناء على أنهما ليسا بشيء: وقولنا «باعتبار أمرا اشتركت تلك المسميات فيه» ليخرج نحو عشرة وغيرها من أسماء العدد النكرات، فإنها وإن دلّت على مسميات هي آحادها لكن لا باعتبار أمر اشتركت هي فيه بل باعتبار وضع اسم العدد للمجموع. وكذا الكلام في كل ذي أجزاء حسية أو عقلية. وقولنا «مطلقا» ليخرج الرجال المعهودون فإنها بقرينة العهد، و «ضربة» احتراز من نحو رجل فإنه وإن دلّ على مسميات باعتبار كون كل منها ذكرا من بني آدم مطلقا، لكن لا دفعة بل على سبيل البدل. ولهذا يخرج نحو رجال.
إذا تأملت فهذا حدّ العام والخاص بخلافه، وهو ما دلّ لا على مسميات إلى آخره.
فمن صيغ العموم أسماء الشرط والاستفهام مثل «من وما» ، والموصلات نحو «الذي والتي» ، والجموع المعرّفة تعريف جنس ك «الرجال والمسلمات» والجموع المضافة نحو «عبيدي أحرار» ، واسم الجنس المضاف أو المعرف تعريف الجنس مثل «غلامي والغلام» ، والنكرة في سياق النفي نحو ما في الدار أحد. والتخصيص قصر العام على بعض مسمياته.
وقد يطلق التخصيص أيضا على قصر اللفظ على بعض ما يتناوله وإن لم يكن ذلك اللفظ عاما. كما يطلق عليه أيضا أنه عام لتعدّده وتكثره وإن لم يكن من صيغ العموم كعشرة والمسلمين للمعهودين، وكضمائر الجمع. ولا يستقيم تخصيص إلا فيما يستقيم توكيده بكل لكونه ذا أجزاء يصح افتراقها حسّا أو حكما، إلا النكرة مثل قوله تعالى تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦] ونحو: جاءني رجال كرماء.
والمخصّص أحد أربعة أشياء: الأول الاستثناء ب «إلّا» ونحوها. والثاني الشرط، وهو ما يتوقّف تأثير المؤثر عليه لا وجوده كالإحصان، فإنه يتوقف عليه اقتضاؤه الرجم لا وجود الزنا. والثالث الصفة، مثل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢] والرابع الغاية نحو أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] هذا هو التخصيص بالمتصل. وقد يخص بالمنفصل وذلك إما العقل كقوله تعالى اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦ والزمر: ٦٢] وإما الحس نحو: أوتيت من كل شيء. وإما الدليل السمعي كقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] خصصته الآية الأخرى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤] ويُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء: ١١] خصصه
قوله ﷺ : «القاتل لا يرث» .
стр. 50
والمطلق هو اللفظ الدال على الماهية، من حيث هي هي. ويلزم منه تمكّن المأمور من الإتيان بفرد منها، أي فرد كان، لأنه لا يمكن الإتيان بالماهية إلا بالإتيان بفرد منها.
وذلك إما في معرض الأمر مثل: أعتق رقبة، أو مصدر الأمر كقوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [النساء: ٩٢] أو الإخبار عن المستقبل مثل سأعتق رقبة. ولا يتصوّر الإطلاق في معرض الخبر المتعلق بالماضي، مثل رأيت رجلا، ضرورة تعينه بإسناد الرؤية إليه.
والمقيّد بخلاف المطلق فهو لفظ دال على مدلول غير شائع في جنسه فيدخل فيه الدال على المتعين مطلقا، نحو زيد وهذا الرجل وأنا وأنت، والدال على الشائع لا في جنسه بل في أفراده كالعامّ فهو مقيد لغة لا اصطلاحا. ويطلق المقيد على ما أخرج من شياع بوجه بأن يذكر الدال على الماهية بوصف زائد عليها ك رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢] ، فإنها، وإن كانت مطلقة في جنسها من حيث هي رقبة مؤمنة، إلا أنها مقيدة بالنسبة إلى مطلق الرقبة، فهي مطلقة من وجه ومقيدة من وجه. وتقييد المطلق شبيه بتخصيص العام. فيجوز التقييد بالمتصل، استثناء كان أو صفة أو شرطا أو غاية أو بدل بعض، وبالمنفصل، عقلا كان أو نقلا كتابا وسنة.
وتقسيم آخر: التركيب المفيد، أعني الكلام، قسمان: أحدهما الذي يحتمل أن يقال لقائله صدقت أو كذبت من حيث ذات التركيب لا من أمر خارج عن ذات التركيب. ويقال له الخبر. وإذا بلغ رواة الخبر مبلغا أحال العقل تواطؤهم على الكذب فهو متواتر، وإلا فخبر الواحد. والثاني ما لا يحتمل ذلك، ويقال له الطلب. والأول عبارة عن الجمل الأربع: الاسمية والفعلية والشرطية والظرفية. والثاني نوعان: نوع لا يستدعي في مطلوبه إمكان الحصول وهو التمني. ونوع يستدعي في مطلوبه ذلك. ثم إن كان طلب فعل فأمر، وإن كان طلب ترك فنهي. وإن كان طلب فهم فاستفهام. وإن كان طلب إقبال فنداء. فمتى امتنع إجراء هذه الأبواب على الأصل تولد منها ما ناسب المقام كالاستبطاء والإغراء والتعجب والتوبيخ ونحو ذلك.
تقسيم آخر: الحكم خطاب الله أو من أذن له الله متعلقا بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. أما التخيير فيراد به الإباحة. وأما الاقتضاء فإما اقتضاء فعل مع امتناع الترك وهو الوجوب، أو مع جواز الترك وهو الندب وإما اقتضاء ترك مع امتناع الفعل، وهو الحظر والتحريم، أو مع جوازه وهو الكراهة وأما الوضع فيراد به ما جعله الشارع بوضعه دليلا على شيء كدلوك الشمس على وجوب الصلاة، أو سببا لشيء كالزنا لوجوب الحد، أو شرطا كالوضوء لصحة الصلاة.
стр. 51
وأما الصحة والبطلان أو الحكم بهما فأمر عقلي لا حكم شرعي، لأن صحة العبادات إما كون الفعل مسقطا للقضاء كالفقهاء، وإما موافقة أمر الشرع كالمتكلمين. ولا شك أن العبادات إذا اشتملت على أركانها وشرائطها حكم العقل بصحتها بكل من التفسيرين سواء حكم الشارع بها أو لا. والصحة في المعاملات أيضا حكم عقلي لأنها فيها كون الشيء بحيث يترتّب عليه أثر. وإذا كان البيع مشتملا على الأسباب والشرائط وارتفاع الموانع حكم العقل بترتب أثره عليه سواء حكم الشرع بها أو لم يحكم. وقس البطلان والفساد على ما قلنا. وكل حكم ثبت على خلاف الدليل لعذر فهو رخصة كحلّ الميتة للمضطر، والقصر والفطر للمسافر واجبا ومندوبا ومباحا وإلا فعزيمة.
وإذا عرفت ما ذكرنا من التقسمات لا يخفى عليك المقصود من إيرادها لأن معاني كتاب الله تعالى منها محكم ومتشابه، ومنها مجمل ومبين، ويندرج فيهما المنسوخ والناسخ باعتبار، لأن النسخ بيان انتهاء أمد الحكم الشرعي ومنها عام وخاص، ومنها مطلق ومقيد ومنها أمر ونهي ومنها ظاهر ومؤوّل ومنها حقيقة ومجاز ومنها تشبيه وتمثيل ومنها كناية وتصريح ومنها الكلي والجزئي، ومنها الخبر والطلب بأقسامهما ومنها الأحكم بأصنافها. ولا ريب أن تصوّر هذه الاصطلاحات وتذكرها في علم التفسير أمر مهم والله أعلم.
стр. 52
المقدمة العاشرة في أن كلام الله تعالى قديم أولا
ذكر قوم من أئمة الأمة أن كلام الله تعالى قديم بعد أن عنوا بكلامه هذه الحروف المنتظمة المسموعة أما أن كلامه تعالى هو هذه الحروف فلقوله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة: ٦] . ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف. وأما أنها قديمة فلأن الكلام صفة الله تعالى، ومن المحال قيام الحادث بالقديم. وأيضا كلّ حادث متغيّر والتغير على ذات الله تعالى وصفاته محال. وزعم قوم أن الكلام المؤلف من الحروف والأصوات يمتنع أن يكون قديما بالبديهة وكيف لا وإنها أصوات تحدث قارئها يئا بعد شيء فلو قلنا: إنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى، وحالّة في بدن هذا الإنسان وهذا معلوم الفساد. وجمع قوم بين المذهبين فقالوا: للشيء وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في العبارة، ووجود في الكتابة. فللقرآن وجود عيني وهو القائم بذات الله تعالى، وأنه قديم لا محالة لا يتطرق إليه شيء من سمات النقص ووجود ذهني كالحافظ للقرآن، ووجود في العبارة وهو على لسان القارئ ووجود كتابي وهو المثبت في المصاحف. ولا ريب أن القرآن من حيثيات هذه الوجودات حادث بل القرآن إنما يطلق على المحفوظ والمتلو والمكتوب بالمجاز من حيث إنها دالة على الكلام القائم بذات الله تعالى.
واعلم أنه لا برهان على أن كل صوت فإنه يقوم بجسم ولا على أن كلّ حرف فإنما يقدر عليه ذو جارحة بل لعلّ في ذلك الشاهد فقط. فالكلام للقديم كمال قديم نطق وسمع وبصر ولا آلة ولا جارحة كما أنّه إدراك وعلم من غير ما قوى وعضو، ومن لم يدركه كما ينبغي لم يدرك إدراكه كما ينبغي فلا يلومنّ إلا نفسه. كلامه كتاب، وكتابه صواب، وقوله فصل، وحكمه عدل، ونوره ظهور، ووجوده شهود، وعيانه بيان، والكفر بما سواه إيمان كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٦ و ٢٧] .
стр. 53
المقدمة الحادية عشرة في كيفية استنباط المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة
إذا شرعنا مثلا في تفسير قول القائل «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» فههنا مباحث لفظية ومباحث معنوية.
أما اللفظية فمنها ما يتعلق بالقراءة، ومنها ما يتعلق باللغة، ومنها ما يتعلق بعلم الاشتقاق، ومنها ما يتعلق بعلم الصرف، ومنها ما يتعلق بالنحو، ومنها ما يتعلق بعلم البديع أعني المحسنات اللفظية.
وأما المعنوية فمنها ما يتعلق بالمعاني، ومنها ما يتعلق بالبيان، ومنها ما يتعلق بالاستدلال، ومنها ما يتعلق بأصول الدين، ومنها ما يتعلق بأصول الفقه، ومنها ما يتعلق بالفقه، ومنها ما يتعلق بعلم الأحوال.
أما القراءة فكما مر. وأما اللغة فإذا قلنا العوذ كذا، واسم الله معناه كذا والشيطان كذا، والرجيم كذا، والباء ومن واللام معانيها هاهنا كذا، فكل واحد منها مسألة. وأما الاشتقاق فإن اعتبرنا الاشتقاق الكبير وقلنا: إن التراكيب الستة الممكنة من ع وذ هل هي مستعملة أو مهملة؟ وكذا كل من تراكيب ال ش ط ن، أو ش ي ط، ومن تراكيب ر ج م، وإذا كانت مستعملة، فأصل المعنى في كل من المستعملات كيف يعتبر فيحصل مسائل كثيرة، وإن اعتبرنا الاشتقاق الصغير فهل للعوذ معنى آخر غير الالتجاء وإن كان فما له الاشتراك بينهما أي شيء هو؟ فيحصل مسائل.
وأما الصرف فكأن نقول: «أعوذ» فعل مضارع متكلم وأصله أعوذ مثل أطلب، نقلت الضمة من الواو إلى ما قبلها تخفيفا. والله أصله الإله كالناس أصله الإناس فعال بمعنى مفعول، نقلت الكسرة من الهمزة إلى اللام وحذفت الهمزة للتخفيف فاجتمعت لامان فأسكنت الأولى وأدغمت في الثانية. وقالوا: يا الله، في النداء خاصة بالقطع لأنها كالعوض من المحذوفة، فكأنك قلت: يا إله. وقيل: أصله لاه، ألحقوا بها الألف واللام وأنشدوا:
стр. 54
كحلفة من أبي رياح ... يسمعها لاهه الكبار
ولو عدّ هذه المسألة من اللغة جاز، لأنها غير قياس. والشيطان فعلان أو فيعال، والرجيم فعيل بمعنى مفعول، وكلاهما للمبالغة. فهذه مسائل.
وأما النحو ف «أعوذ» فعل فاعله ضمير المتكلم المستتر وهو أنا، والمجموع جملة فعلية. وبالله متعلق به. وكذا من الشيطان الرجيم، نحو سرت من البصرة إلى الكوفة.
والرجيم صفة للشيطان معرف مثله، وشيطان منصرف لأنه اسم جنس لا علم. فهذه مسائل.
وأما البديع فأن نقول: إنما اختير الرجيم دون اللعين أو المرجوم مثلا ليوافق الفاصلة الأخرى وهو الرحيم إذا ابتدأ القارئ بعد الاستعاذة بالبسملة، وهو الأكثر، مع أن أول القرآن أيضا البسملة واعتبار الاستعاذة هاهنا أولى ليكون تجنيسا خطيا وترصيعا.
وأما المعاني فأن نقول: إنما اختير المضارع على الماضي ليدل على الاستمرار والدوام. أي: شأني أني أعوذ، كقولك: يشرب الخطيب. وإنما لم يقل: أنا أعوذ وأنا عائذ، وإن كانت الجملة الاسمية تدل على الثبات، لأن المراد أني على تجدد هذا القول مني لحظة فلحظة ثابت مستمر، لا أن عوذي مستمر. ويمكن أن يقال: المراد أني أعوذ في حال القراءة لقوله تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ [النحل: ٩٨] فتعين إيراد لفظ المضارع لأنه مشترك بين الحال والاستقبال. وإنما لم يقل «بالله أعوذ» ليفيد الحصر، كما يقال في «بسم الله أبتدىء» لأن الاستعاذة هاهنا أهم امتثالا للأمر، ولأنه لا يعوذ إلا بالانقطاع عن الغير والتبري عن سوى الحق جل ذكره، فلا حاجة إلى التخصيص ولأنه موافق لما ورد في القرآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] . وإنما اختير اسم «الله» لأنه كالعلم والمقام مقام إحضار له في ذهن السامع بعينه ليكون أدلّ على انقطاعه عما سواه. وإنما ذكر «الشيطان» معرفا باللام الجنسي ليدل على هذه الحقيقة التي هي مادة كل شر، ويشمل كل فرد منها ضرورة وجود الحقيقة في أي فرد يفرض. ولو أريد العهد أيضا جاز كما مر. ولو نكرت بأن قلت: «من شيطان رجيم» لم يفد العموم وإن قلت: «من كل شيطان» لأطلت، والمقام مقام اختصار. وإنما وصف ب «الرجيم» لأن المقام مقام تأكيد وذم، ولا ذم أبلغ من البعد عن حضرة من هو منشأ كل كمال ومصدر كل خير.
وأما البيان، فإن قوله «أعوذ» معناه ألتصق. ولا ريب أن الالتصاق بالله محال لأن ذلك من شأن الأجسام. والمراد: ألتصق برحمة الله وفضله. فهو إذن مجاز لغوي. وفي نفس الالتصاق أيضا بعد تقدير الرحمة تجوّز بعيد على ما لا يخفى. ولو أريد بالشيطان شيطان الإنس أيضا ويثبت كون اللفظ موضوعا لشيطان الجن فقد كان استعارة. وإذا قدّرنا
стр. 55
الاستعاذة من شر الشيطان، كما مر، كان مجازا بالنقصان أيضا.
وأما ما يتعلق بالاستدلال فإما من جهة التصوّر وإما من جهة التصديق. أما الأول فنحو كيفية اقتناص التصوّرات الواقعة في التركيب من مفهوم العوذ ومفهوم اسم الله ومفهوم الشيطان ومفهوم الرجيم وأن كلّا منها كيف يعرّف بالحدّ أو الرسم فإن عرف بالحد فكيف يرتب جنسه وفصله؟ وإن عرّف بالرسم فكيف يركب لوازمه؟ وأما معرفة الجنس والفصل واللوازم أنفسها لكل منها فمن الأمور العامة. وأما الثاني فإن قولنا: «أعوذ» لفظه خبر ومعناه إما دعاء أي اللهم أعذني، وإما إنشاء نحو بعت واشتريت. وإذا كان كذلك فلا يتطرق إليه احتمال الصدق والكذب فلا يحتاج إلى البرهان على أحدهما. واستعمال الخبر في معنى الطلب من مسائل علم المعاني أيضا.
وأما ما يتعلق بأصول الدين فأن تعلم ذات الله تعالى وصفاته من أنه قادر مختار عليم إلى غير ذلك من الصفات التي بها يتمكن المستعاذ به من دفع المضار والشرور عن المستعيذ بحيث لا يمنعه مانع ولا يغلبه منازع، وتصور الشيطان ولوازمه وكيفية وسوسته بنحو مما سبق في المقدمة الثانية.
وأما ما يتعلق بأصول الفقه فأن يعرف أن الاستعاذة الواردة في الكتابة والسنة واجبة أم لا بل مندوبة، وإن كانت واجبة فتتكرر بتكرر القراءة أم لا، وإنها تقتضي الفور أو تحتمل التراخي. وأما ما يتعلق بالفقه فإنها تستحب في الصلاة أم لا، وإن استحبّت فتجوز في المكتوبة أم لا، وإن جازت ففي كل ركعة أم في الأولى وحدها، ويسرّ بها أم يجهر؟
وأما ما يتعلق بعلم الأحوال فكالنكت التي ذيلنا بها المقدمة الثانية وأنها لا تكاد تنحصر. فهكذا يجب أن تستنبط المسائل من كل كلام يراد تفسيره من غير أن يتخطى في شيء من ذلك إلى ما ليس من العلم، كأن تقول في كل قراءة الاستعاذة، والقراآت المشهورة سبع هي كذا وكذا، ورواة كل قراءة من هم وما منشأ كل قراءة؟ وفي اللغة أن واضعها من هو؟ وكيف نشأت اللغات؟ وما معنى الاشتقاق؟ وما فائدته؟ وفي الصرف أنه معرفة أحوال الكلم التي ليست بإعراب. ومن جملة الأحوال صيغة المضارع وما معناها، وما حد الفعل والكلمة؟ إلى غير ذلك من قواعد الصرف بل ما فوق ذلك من مباحث الحرف والصوت بل مقولة الكيف. وفي النحو أن التركيب مشتمل على الاسم والفعل والحرف، والاسم معرب منصرف وغير منصرف، ومبني، وما سبب الإعراب والبناء والصرف ومنع الصرف، وأنواع الإعراب كم هي؟ وكل منها يختص بأي شيء من الفاعل والمفعول
стр. 56
والمضاف إليه ولم يختص بكل صنف ما يختص، وأصناف الفعل كم هي؟ وأصناف الحرف كم هي، ولا سيما حروف الجر، وما معنى كل منها؟ إلى غير ذلك.
وبالجملة فمن كل علم يؤخذ نكت مخصوصة بهذه المادة يلزمنا إيرادها فقط إذ لو تعدّينا إلى ما فوق ذلك من القواعد والقوانين لزم إيراد كل العلوم أو أكثرها في تفسير كلام واحد، وإنه محال شنيع إذ يلزم تداخل العلوم واضطراب القوانين. وأيضا لو فسر «الشيطان الرجيم» بما يلزمه من أنواع الضلالات والجهالات والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة في الملة الإسلامية وغيرها، أو فسر بما هو مباين عنه كأنواع الآفات وأصناف المخافات حتى يلزم تكثير المسائل، لم يخل عن التعسف والإعنات. ومن ارتكب شيئا من ذلك فقد نطق بالخلف وزاغ عن الجادة وانحرف عن سواء السبيل. نعم لو أورد طرف من الاصطلاحات أو المسائل على سبيل التصوير من غير إشارة إلى مآخذها الأصلية ودلائلها الكلية إلا نادرا، جاز ما لم يتجاوز حد الضرورة ومقدار الواجب، كما أشرنا إليها في المقدمات. وقد بقي مما يمكن أن يعد من المقدمات ذكر ابتداء الوحي وكيفية نزول القرآن شيئا بعد شيء، وبيان كيفية إعجاز القرآن. ونحن قد رأينا الأليق بها إيرادها في مواضعها إذا أفضت النوبة إليها.
فلنشرع الآن في المقصود وهو التفسير المسمى بغرائب القرآن ورغائب الفرقان والله المستعان وعليه التكلان.
стр. 57
(سورة فاتحة الكتاب)
(مكية ويقال مدنية وهي سبع آيات إلا أن المكي والكوفي عدّا التسمية آية دون أنعمت عليهم ومذهب المدني والبصري والشامي بالعكس وكلماتها خمس وعشرون وحروفها مائة وثلاثة وعشرون.)
[سورة الفاتحة (١) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)
القراآت:
«مالك» : بالألف سهل ويعقوب وعاصم وعلي وخلف، والباقون ملك:
الرحيم ملك مدغما: أبو عمرو، كذلك يدغم كل حرفين التقيا من كلمتين إذا كانا من جنس واحد مثل قالَ لَهُمْ [البقرة: ٢٤٩] أو مخرج واحد مثل وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ [النساء:
١٠٢] أو قريبي المخرج مثل خَلْقُكُمْ [لقمان: ٢٨] ولَقَدْ جاءَكُمْ [البقرة: ٩٢] سواء كان الحرف المدغم ساكنا مثل أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [البقرة: ٢٦١] ويسمى بالإدغام الصغير، أو متحركا فأسكن للإدغام مثل قِيلَ لَهُمْ [البقرة: ١١] ولَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ [البقرة: ٢٠] ويسمى بالإدغام الكبير إلا أن يكون مضاعفا نحو أُحِلَّ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧] ومَسَّ سَقَرَ [القمر: ٤٨] أو منقوصا مثل وَما كُنْتَ تَرْجُوا [القصص: ٨٦] ونْتُ تُراباً
[النبأ: ٤٠] ونعني بالمنقوص الأجوف المحذوف العين أو مفتوحا قبله ساكن مثل الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا [النحل: ١٤] والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها [النحل: ٨] إلا في مواضع أربعة كادَ يَزِيغُ [التوبة: ١١٧] وقالَ رَبِّ [المؤمنون: ٢٦] في كل القرآن والصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ [هود: ١١٤] وبَعْدَ تَوْكِيدِها [النحل: ٩١] أو يكون الإظهار أخف من الإدغام نحو أَفَأَنْتَ تَهْدِي [يونس: ٤٣] أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ [الزخرف: ٤٠] وعن يعقوب إدغام الجنسين في جميع القرآن إذا التقيا من كلمتين. «الصراط» بإشمام الراء هاهنا وفي جميع
стр. 58
القرآن: حمزة. وعن يعقوب بالسين في كل القرآن، وعن الكسائي بإشمام السين كل القرآن، والباقون بالصاد. «عليهم» : وإليهم ولديهم بضم الهاءات كل القرآن: حمزة وسهل ويعقوب. ضم كل ميم جمع يزيد وابن كثير غير ورش، بضم الميم عند ألف القطع فقط نحو أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ [يس: ١٠] .
الوقوف:
العالمين (لا) لاتصال الصفة بالموصوف. الرحيم (لا) لذلك. الدين (ط) للعدول عن الغائب إلى المخاطب. نستعين (ط) لابتداء الدعاء. المستقيم (لا) لاتصال البدل بالمبدل. أنعمت عليهم (لا) لاتصال البدل أو الصفة. الضالين (هـ) .
التفسير:
روي عن جندب عن رسول الله ﷺ : «من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ» «١»
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» »
فذكر العلماء أن النهي عن تفسير القرآن بالرأي لا يخلو إما أن يكون المراد به الاقتصار على النقل والمسموع وترك الاستنباط، أو المراد به أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به أن لا يتكلم أحد في تفسير القرآن إلا بما سمعه فإن الصحابة ﵃ قد فسروا القرآن واختلفوا في تفسيره على وجوه. وليس كل ما قالوه سمعوه، كيف
وقد دعا النبي ﷺ لابن عباس «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» «٣»
فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل فما فائدة تخصيصه بذلك؟! وإنما النهي يحمل على وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأوّل القرآن على وفق هواه ليحتج على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى. وهذا قد يكون مع العلم بأن المراد من الآية ليس ذلك، ولكن يلبس على خصمه. وقد يكون مع الجهل وذلك إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه ويترجح ذلك الجانب برأيه وهواه، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه. وقد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما
стр. 59
أريد به كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: المراد بفرعون في قوله تعالى اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى [النازعات: ١٧] هو النفس.
الوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغريب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير. فالنقل والسماع لا بد منه في ظاهر التفسير أوّلا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع للتفهم والاستنباط. والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع كثيرة كقوله تعالى وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها [الإسراء: ٥٩] معناه آية مبصرة فظلموا أنفسهم بقتلها. فالناظر إلى ظاهر العربية يظن المراد أن الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء، وما يدري بما ظلموا وإنهم ظلموا غيرهم أو أنفسهم. وما عدا هذين الوجهين فلا يتطرق النهي إليه ما دام على قوانين العلوم العربية والقواعد الأصلية والفرعية. واعلم أن مقتضى الديانة أن لا يؤوّل المسلم شيئا من القرآن والحديث بالمعاني بحيث تبطل الأعيان التي فسرها النبي ﷺ ، والسلف الصالح مثل: الجنة والنار والصراط والميزان والحور والقصور والأنهار والأشجار والثمار وغيرها، ولكنه يجب أن يثبت تلك الأعيان كما جاءت. ثم إن فهم منها حقائق أخرى ورموزا ولطائف بحسب ما كوشف فلا بأس، فإن الله تعالى ما خلق شيئا في عالم الصورة إلا وله نظير في عالم المعنى، وما خلق شيئا في عالم المعنى وهو الآخرة إلا وله حقيقة في عالم الحق وهو غيب الغيب، وما خلق في العالمين شيئا إلا وله أنموذج في عالم الإنسان والله تعالى أعلم.
والتفسير أصله الكشف والإظهار وكذلك سائر تقاليبه. من ذلك: سفرت المرأة كشفت عن وجهها، والسفر لأنه يكشف به عن وجوه الحوائج، ومنه السرف لأنه يكشف به عن ماله حينئذ. والرفس لأنه يكشف عن عضوه وانكشاف حال المقيد في رسفانه واضح.
فمن التفسير ما يتعلق باللغة ومنه ما يتعلق بالصرف أو النحو أو المعاني أو البيان إلى غير ذلك من العلوم كما أشرنا إلى ذلك في آخر المقدمة العاشرة، ومنه أسباب النزول وذكر القصص والأخبار وغير ذلك. ونحن على أن نورد بعد القرآن مع الترجمة القراءة ثم الوقوف ثم أسباب النزول ثم التفسير الشامل لجميع ذلك، ثم التأويل إن كان، ولم نذكره في التفسير ونذكر منه ما هو أقرب إلى الإمكان والله المستعان. فلنشتغل بتفسير الفاتحة فنقول:
في البسملة مسائل:
الأولى: الجار والمجرور لا بد له من متعلق وليس بمذكور فيكون مقدرا وأنه يكون فعلا أو اسما فيه رائحة الفعل. وعلى التقديرين فإما أن يقدر مقدما أو مؤخرا نحو: أبدأ
стр. 60
بسم الله، أو ابتدائي بسم الله، أو بسم الله أبتدىء، أو بسم الله ابتدائي أو الابتداء، وتقدير الفعل أولى من تقدير الاسم لأن كل فاعل يبدأ في فعله ببسم الله يكون مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له، فيكون المراد أن إنشاء ذلك الفعل إنما هو على اسم الله فيقدر هاهنا بسم الله أقرأ أو أتلو أو أبدأ، لأن الذي يتلو التسمية مقروء ومبدوء به كما أن المسافر إذا حل وارتحل فقال: بسم الله متبركا، كان المعنى بسم الله أحل أو ارتحل وكذلك الذابح. ونظيره في حذف متعلق الجار قولهم في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، أي بالرفاء أعرست، وتقدير المحذوف متأخر أولي على نحو قوله تعالى بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [هود: ٤١] لأن تقديم ذكر الله أدخل في التعظيم، ولأن ما هو السابق في الوجود يستحق السبق في الذكر، ولهذا قال المحققون: ما رأينا شيئا إلا ورأينا الله تعالى قبله. ولأنهم كانوا يبدأون بأسماء آلهتهم فيقول: باسم اللات باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم الله بالابتداء وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما في إِيَّاكَ نَعْبُدُ صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص. قال في الكشاف: وإنما قدم الفعل في اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: ١] لأن تقديم الفعل هناك أوقع لأنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم. وقال صاحب المفتاح: الصواب أن يقال: معنى اقرأ أوجد القراءة، ثم يكون باسم ربك متعلقا باقرأ الثاني. وذكر في معنى تعلق اسم الله بالقراءة وجهان: إما تعلق القلم بالكتبة في قولك «كتبت بالقلم» كان فعله لا يجيء معتدا به شرعا إلا بعد تصديره بذكر الله
قال ﷺ : «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»
وإما تعلق الدهن بالإنبات في قوله تعالى تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: ٢٠] أي متبركا باسم الله أقرأ كما في قوله «بالرفاء والبنين» أي أعرست متلبسا بالرفاء وهذا أعرب وأحسن. أما كونه أدخل في العربية فلأنه لا يعرفه إلا من له دربة بفنون الاستعمالات بخلاف الأول فإنه مبتذل. وأما كونه أحسن فلأن جعل اسم الله كالآلة خروج عن الأدب، لأن الآلة من حيث إنها آلة غير مقصود بالذات، واسم الله تعالى عند الموحد أهم شيء وأنه مقول على ألسنة العباد تعليما لهم كيف يتبركون باسمه وكيف يعظمونه، وكذلك الحمد لله رب العالمين إلى آخره.
الثانية: أنهم استحسنوا تفخيم اللام وتغليظها من لفظ «الله» بعد الفتحة والضمة دون الكسرة أما الأول فللفرق بينه وبين لفظ اللات في الذكر، ولأن التفخيم مشعر بالتعظيم، ولأن اللام الرقيقة تذكر بطرف اللسان والغليظة تذكر بكل اللسان فكان العمل فيه أكثر، فيكون أدخل في الثواب وهذا كما جاء في التوراة: أحبب ربك بكل قلبك. وأما الثاني فلأن النقل من الكسرة إلى اللام الغليظة ثقيل على اللسان لكونه كالصعود بعد الانحدار. وإنما لم يعدّوا اللام الغليظة حرفا والرقيقة حرفا آخر كما عدوا الدال حرفا والطاء حرفا آخر مع أن
стр. 61
نسبة الرقيقة إلى الغليظة كنسبة الدال إلى الطاء، فإن الدال بطرف اللسان والطاء بكل اللسان، لإطراد استعمال الغليظة مكان كل رقيقة ما لم يعق عائق الكسرة وعدم إطراد الطاء مكان كل دال.
الثالثة: طولوا الباء من بسم الله إما للدلالة على همزة الوصل المحذوفة، وإما لأنهم أرادوا أن لا يستفتحوا كتاب الله إلا بحرف معظم. وكان يقول عمر بن عبد العزيز لكتابه:
طولوا الباء وأظهروا السين ودوّروا الميم تعظيما لكتاب الله. وقال أهل الإشارة: الباء حرف منخفض في الصورة، فلما اتصل بكتابة لفظ «الله» ارتفعت واستعلت. فلا يبعد أن القلب إذا اتصل بحضرة الله يرتفع حاله ويعلو شأنه.
الرابعة: إبقاء لام التعريف في الخط على أصله في لفظ الله كما في سائر الأسماء المعرفة، وأما حذف الألف قبل الهاء فلكراهتهم اجتماع الحروف المتشابهة في الصورة عند الكتابة ولأنه يشبه اللات في الكتابة. قال أهل الإشارة: الأصل في قولنا «الله» الإله وهو ستة أحرف ويبقى بعد التصرف أربعة في اللفظ: ألف ولامان وهاء، فالهمزة من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان، والهاء من أقصى الحلق، وهذه حال العبد يبتدىء من النكرة والجهالة ويترقى قليلا قليلا في مقامات العبودية حتى إذا وصل إلى آخر مراتب الوسع والطاقة ودخل في عالم المكاشفات والأنوار، أخذ يرجع قليلا قليلا حتى ينتهي إلى الفناء في بحر التوحيد كما قيل: النهاية رجوع إلى البداية. وأما حذف الألف قبل النون من لفظ «الرحمن» فهو جائز في الخط ولو كتب كان أحسن.
الخامسة: الاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، وهو عند البصريين في الأصل سمو بدليل تكسيره على أسماء وتصغيره على سمّي وتصريفه على سميت ونحوه، فاشتقاقه من السمو وهو العلو مناسب لأن التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره. وقيل: لأن اللفظ معرف للمعنى، والمعرف متقدم على المعرف في المعلومية فهو عال عليه حذفوا عجزه كما في «يد» و «دم» فبقي حرفان أو لهما متحرك والثاني ساكن، فلما حرك الساكن للإعراب أسكن المتحرك للاعتدال فاحتيج إلى همزة الوصل إذ كان دأبهم أن يبتدؤا بالمتحرك ويقفوا على الساكن حذرا من اللكنة والبشاعة. ومنهم من لم يزد الهمزة وأبقى السين بحاله فيقول: سم كما قال: باسم الذي في كل سورة سمه. وقد يضم السين فيقال: «سم» كأن الأصل عنده «سمو» . وعند الكوفيين اشتقاق الاسم من الوسم والسمة، لأن الاسم كالعلامة المعرّفة. وزيف بأنه لو كان كذلك لكان تصغيره وسيما وجمعه أو ساما.
стр. 62
السادسة: قال بعض المتكلمين ومنهم الأشعري: إن الاسم غير المسمى وغير التسمية وهو حق، لأن الاسم قد يكون موجودا والمسمى معدوما كلفظ المعدوم والمنفي ونحو ذلك، وقد يكون بالعكس كالحقائق التي لم توضع لها أسماء، ولأنّ الأسماء قد تكون كثيرة مع كون المسمى واحدا كالأسماء المترادفة وكأسماء الله التسعة والتسعين، أو بالعكس كالأسماء المشتركة، ولأن كون الاسم اسما للمسمى وكون المسمى مسمى له من باب الإضافة كالمالكية والمملوكية، والمضافان متغايران لا محالة. ولا يشكل ذلك بكون الشخص عالما بنفسه لأنهما متغايران اعتبارا، ولأن الاسم أصوات وحروف هي أعراض غير باقية والمسمى قد يكون باقيا بل واجب الوجود لذاته، ولأنه لا يلزم من التلفظ بالعسل وجود الحلاوة في اللسان، ومن التلفظ بالنار وجود الحرارة. وقال المعتزلة: الاسم نفس المسمى لقوله تعالى تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ [الرحمن: ٧٨] مكان «تبارك ربك» : والجواب أنه كما يجب علينا تنزيه ذات الله تعالى من النقائص يجب تنزيه اسمه مما لا ينبغي. وأيضا قد يزاد لفظ الاسم مجازا كقوله: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما. قالوا: إذا قال الرجل: زينب طالق. وكان له زوجة مسماة بزينب طلقت شرعا. قلنا: المراد الذات التي يعبر عنها بهذا اللفظ طالق فلهذا وقع الطلاق عليها، والتسمية أيضا مغايرة للمسمى وللاسم لأنها عبارة عن تعيين اللفظ المعين لتعريف الذات المعينة، وذلك التعيين معناه قصد الواضع وإرادته، والاسم عبارة عن ذلك اللفظ المعين فافترقا.
السابعة: وضع الأسماء والأفعال سابق على وضع الحروف، لأن الحروف رابطة بينهما. والظاهر أن وضع الأسماء سابق على وضع الأفعال لأن الاسم لفظ دال على الماهية والفعل لفظ دال على حصول الماهية لشيء من الأشياء في زمان معين، فكأن الاسم مفرد والفعل مركب والمفرد سابق على المركب طبعا فيكون سابقا عليه وضعا وأيضا الفعل مفتقر إلى الفاعل، والفاعل لا يفتقر إلى الفعل. وأيضا الاسم مستغن في الإفادة عن الفعل دون العكس، والأظهر أن أسماء الماهيات سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقات، لأن الأولى مفردة والثانية مركبة، ويشبه أن تكون أسماء الصفات سابقة بالرتبة على أسماء الذوات القائمة بأنفسها لأنا لا نعرف الذوات إلا بتوسط الصفات القائمة بها والمعرف معلوم قبل المعرّف فيناسب السبق في الذكر.
الثامنة: أقسام الأسماء الواقعة على المسميات تسعة: أولها: لاسم الواقع على الذات.
ثانيها: الاسم الواقع على الشيء بحسب جزء من أجزائه كاليحوان على الإنسان ثالثها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته كالأسود والحارّ. رابعها: الواقع عليه بحسب صفة
стр. 63
إضافية كقولنا للشيء إنه معلوم ومفهوم ومالك ومملوك. خامسها: الواقع عليه بحسب صفة سلبية كالأعمى والفقير. سادسها: الواقع عليه بحسب صفة حقيقية مع صفة إضافية كالعالم والقادر عند القائل بأن العلم صفة حقيقية، ولها إضافة إلى المعلومات وكذا القدرة. سابعها:
صفة حقيقية مع صفة سلبية كالمفهوم من مجموع قولنا قادر لا يعجز عن شيء وعالم لا يجهل شيئا. ثامنها: صفة إضافية مع صفة سلبية كالأول، فإن معناه سابق غير مسبوق.
تاسعها صفة حقيقية مع صفة إضافية وصفة سلبية، فهذه أقسام الأسماء لا تكاد تجد اسما خارجا عنها، سواء كان لله تعالى أو لمخلوقاته.
التاسعة: هل لله تعالى بحسب ذاته المخصوصة اسم أم لا؟ ذكر بعضهم أن حقيقته تعالى لما كانت غير مدركة للبشر فكيف يوضع له اسم مخصوص بذاته؟ وما الفائدة في ذلك؟ أقول: لا ريب أن الإدراك التام عبارة عن الإحاطة التامة، والمحاط لا يمكن أن يحيط بمحيطه أبدا، وأنه تعالى بكل شيء محيط فلا يدركه شيء مما دونه كما ينبغي، إلا أن وضع الاسم للذات لا ينافي عدم إدراكه كما ينبغي، وإنما ينافي عدم إدراكه مطلقا. فيجوز أن يقال الشيء الذي تدرك منه هذه الآثار واللوازم مسمى بهذا اللفظ، وأيضا إذا كان الواضع هو الله تعالى وأنه يدرك ذاته لا محالة على ما هو عليه، فله أن يضع لذاته اسما مخصوصا لا يشاركه فيه غيره حقيقة، وإذا كان وضع الاسم لتلك الحقيقة المخصوصة ممكنا فينبغي أن يكون ذلك الاسم أعظم الأسماء وذلك الذكر أشرف الأذكار، لأن شرف العلم والذكر بشرف المعلوم والمذكور. فلو اتفق لعبد من عبيده المقربين الوقوف على ذلك الاسم حال ما يكون قد تجلى له معناه، لم يبعد أن تنقاد له عوالم الجسمانيات والروحانيات. ثم القائلون بأن الاسم الأعظم موجود اختلفوا فيه على وجوه. منهم من قال: هو ذو الجلال والإكرام ولهذا
قال ﷺ : «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» «١»
ورد بأن الجلال من الصفات السلبية والإكرام من الإضافية، ومن البين أن حقيقته المخصوصة مغايرة للسلوب والإضافات. ومنهم من يقول: إنه الحي القيوم
لقوله ﷺ لأبيّ بن كعب حين قال له: ما أعظم آية في كتاب الله؟
فقال: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. فقال ﷺ : «ليهنك العلم يا أبا المنذر» .
وزيف بأن الحي هو الدرّاك الفعال وهذا ليس فيه عظمة ولأنه صفة، وأما القيوم فمعناه كونه قائما بنفسه مقوّما لغيره، والأول مفهوم سلبي وهو استغناؤه عن غيره، والثاني إضافي. ومنهم من قال:
إن أسماء الله تعالى كلها عظيمة لا ينبغي أن يفاوت بينها، ورد بما مرّ من أن اسم الذات
стр. 64
أشرف من اسم الصفة، ومنهم من قال: إن الاسم الأعظم هو الله وهذا أقرب، لأنا سنقيم الدلالة على أن هذا الاسم يجري مجرى اسم العلم في حقه سبحانه، وإذا كان كذلك كان دالا على ذاته المخصوصة، ويؤيد ذلك ما
روت أسماء بنت زيد أن رسول الله ﷺ قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ [البقرة: ١٦٣] وفاتحة سورة آل عمران الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [آل عمران:
١- ٢]
وعن بريدة أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. فقال:
«والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي بهن أجاب وإذا سئل به أعطى» .
ولا شك أن اسم الله في الآية والحديث أصل والصفات مرتبة عليه هذا، وأما الاسم الدال على المسمى بحسب جزء من أجزائه فمحال في حق الله تعالى، لأن ذاته تعالى مبرأ عن شائبة التركيب بوجه من الوجوه. وأما الاسم الدال بحسب صفة حقيقية قائمة بذاته المخصوصة، فتلك الصفة إما أن تكون هي الوجود، وإما أن تكون كيفية من كيفيات الوجود، وإما أن تكون صفة أخرى مغايرة للوجود ولكيفيات الوجود، فهذه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الأسماء الدالة على الوجود منها الشيء ويجوز إطلاقه على الله تعالى عند الأكثرين لقوله تعالى قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الأنعام: ١٩] أي ذاته.
وفي الخبر «كان الله ولم يكن شيء غيره»
ولأن الشيء عبارة عما يصح أن يعلم ويخبر عنه وذاته تعالى كذلك. حجة المخالف قوله تعالى اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: ١٦] فلو كان الله تعالى شيئا لزم أن يكون خالق نفسه. ومثله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التغابن: ١] قلنا: خص بالدليل العقلي. قالوا: ليس من صفات المدح. قلنا: نعم هو خير من لا شيء، وإن كان سائر الأشياء مشتركة معه في ذلك كالموجود والكريم والحليم، فإن كلا منها مدح بالنسبة إلى من لا وجود له ولا كرم ولا حلم، بل الشيء بالحقيقة هو وباقي الأشياء شيئيتها مستعارة كوجودها ومنها الموجود.
وأطبق المسلمون على جواز إطلاقه عليه تعالى وكيف لا؟ ومعنى قول الموحد لا إله إلا الله أي لا إله في الوجود إلا الله. ومنها الذات ولا شك في جواز إطلاقه عليه إذ يصدق على كل حقيقة أنها ذات الصفات أي صاحبة الصفات القائمة بها، ويؤيد ذلك ما
روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم لم يكذّب إلا في ثلاث: ثنتين في ذات الله» «١» -
أي في
стр. 65
طلب مرضاته- ومنها النفس قال تعالى: تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [المائدة: ١١٦]
وقال ﷺ «أنت كما أثنيت على نفسك»
أي على ذاتك وحقيقتك. ومنها الشخص
قال: «لا شخص أغير من الله تعالى ومن أجل غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» «ولا شخص أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين» «ولا شخص أحب إليه المدحة من الله» «١»
والمراد بالشخص الحقيقة المتعينة الممتازة عما عداها. ومنها النور قال عز من قائل: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [النور: ٣٥] وليس المراد به ما يشبه الكيفية المبصرة وإنما المراد أنه الظاهر في نفسه المظهر لغيره. وإذ لا ظهور ولا إظهار فوق ظهوره وإظهاره فإنه واجب الوجود لذاته أزلا وأبدا، ومخرج جميع الممكنات من العدم إلى الوجود. فإذن هو نور الأنوار تعالى وتقدس، وسوف يأتيك تمام التحقيق إذا وصلنا إلى سورة النور وهو أعلم بحقائق الأمور. ومنها الصورة وقد
ورد في الخبر «أن الله خلق آدم على صورته» «٢»
فقيل: معناه خلق آدم على صورته التي كان عليها يعني ما تولد من نطفة ودم وما كان جنينا، ورضيعا بل خلقه الله تعالى رجلا كاملا دفعة واحدة.
وقيل في حديث آخر «لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن»
المراد من الصورة الصفة كما يقال: صورة هذه المسألة كذا أي خلقه على صفته في كونه خليفة في أرضه متصرفا في جميع الأجسام الأرضية كما أنه تعالى نافذ القدرة في جميع العالم. ويمكن أن يقال: الصورة إشارة إلى وجه المناسبة التي ينبغي أن تكون بين كل علة ومعلولها، فإن الظلمة لا تصدر عن النور وبالعكس، وكنا قد كتبنا في هذا رسالة. ومنها الجوهر وأنه لا يطلق عليه بمعنى موجود لا في موضوع، أي إذا وجد كان وجودهن بحيث لا يحتاج إلى محل يقوم به ويستغني المحل عنه، لأن ذلك ينبىء عن كون وجوده زائدا على ماهيته.
وإنما يمكن أن يطلق عليه بمعنى آخر وهو كونه قائما بذاته غير مفتقر إلى شيء في شيء أصلا لكن الإذن الشرعي حيث لم يرد بذلك وجب الامتناع عنه. ومنها الجسم ولا يطلقه عليه إلا المجسمة، فإن أرادوا الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة فمحال للزوم التركيب والتجزي، وإن أرادوا معنى يليق بذاته من كونه موجودا قائما بالنفس غنيا عن المحل فالإذن الشرعي لم يرد به فلزم الامتناع. ومنها الماهية والآنية أي الحقيقة التي يسأل عنها بما هي
стр. 66
وثبوته الدال عليه لفظ «ان» ، ولا بأس بإطلاقهما عليه إذا أريد بهما الحقيقة والذات المخصوصة إلا من حيث الشرع. ومنها الحق فإنه تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم، إما بحسب ذاته فلأنه الموجود الذي يمتنع عدمه وزواله، والحق يقال بإزاء الباطل والباطل يقال للمعدوم قال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. وإما بحسب ما يقال إن هذا الخبر حق وصدق فهذا الخبر أحق وأصدق، وإما بحسب ما يقال إن هذا الاعتقاد حق فلأن اعتقاد وجوده ووجوبه أصوب الاعتقادات المطابقة.
القسم الثاني في الأسماء الدالة على كيفية الوجود منها القديم وهو في اللغة يفيد طول المدة، وفي الشرع يرادفه الأزلي، ويراد بهما ما لا أول له في الطرف الماضي كالأبدي في الطرف المستقبل. وكذا السرمدي واشتقاقه من السرد التوالي والتعاقب، زيدت الميم للمبالغة. ونعني بالنسبة في هذه الألفاظ أنه تعالى منسوب إلى عدم البداية والنهاية في كلا طرفي الامتداد الوهمي المسمى بالزمان. ومنها الممتد والمستمر ونعني بهما تلاحق الأجزاء وتعاقب الأبعاض، ولا يخفى أن أمثال هذه الألفاظ إنما يصح إطلاقها بالحقيقة على الزمان والزمانيات، وأما في حق الله جل ذكره فلا يصح إلا بالمجاز بعد التوقيف. ومنها الباقي قال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] وأنه تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم. ومنها الدائم وهو كالباقي. ومنها واجب الوجود لذاته أي ذاته اقتضى وجوده، وما بالذات لا ينفك عنه أبدا فهو ممتنع الفناء والعدم أزلا وأبدا ولهذا قيل: خداي معناه خوداي أي أنه جاء بنفسه. ومنها الكائن قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً [الفتح: ٤]
وفي بعض الأدعية المأثورة عن النبي ﷺ «يا كائنا قبل كل كون، ويا حاضرا مع كل كون، ويا باقيا بعد انقضاء كل كون»
واعلم: أن لفظة «كان» تفيد الحصول والثبوت والوجود، إلا أن هذا قسمان: منه ما يفيد حصول الشيء في نفسه، ومنه ما يفيد حصول موصوفية شيء بشيء. والأول يتم باستناده إلى ذلك الشيء وهي التامة، والثاني لا يتم إلا بذكر شيئين وهي الناقصة نحو: كان زيد عالما أي حصل موصوفية زيد بالعلم وكلا القسمين يجوز إطلاقه عليه تعالى.
القسم الثالث في الصفات الحقيقية المغايرة للوجود ولكيفيات الوجود. الفلاسفة والمعتزلة أنكروا قيام مثل هذه الصفات بذات الله تعالى أشد إنكار لأن واجب الوجود لذاته يجب أن يكون واحدا من جميع جهاته، ولأن تلك الصفة لو كانت واجبة الوجود لزم شريك للباري مع أن الجمع بين الوجود الذاتي وبين كونه صفة للغير، والصفة مفتقرة إلى الموصوف محال، وإن كانت ممكنة الوجود فلها علة موجدة، ومحال أن يكون هو الله تعالى
стр. 67
لأنه قابل لها فلا يكون فاعلا لها، ولأن ذاته لو كانت كافية في تحصيل تلك الصفة فتكون ذاته بدون تلك الصفة كاملة في العلية وهو المطلوب، وإن لم تكن كافية لزم النقص المنافي لوجوب الوجود. حجة المثبتين أن إله العالم يجب أن يكون عالما قادرا حيا، ثم إنا ندرك التفرقة بين قولنا: «ذات الله تعالى ذات» وبين قولنا: «ذاته عالم قادر» وذلك يدل على المغايرة بين الذات وهذه الصفات. وإذا قلنا بإثبات الصفة الحقيقية فنقول: العلم صفة يلزمها كونها متعلقة بالمعلوم، والقدرة صفة يلزمها صحة تعلقها بإيجاد المقدور. والصفة الحقيقية العارية عن النسب والإضافات في حقه تعالى ليست إلا صفة الحياة إن لم نقل إنها عبارة عن الدرّاكية والفعالية، بل يقال: إنها صفة باعتبارها يصح أن يكون عالما وقادرا، والتحقيق أن الحياة عبارة عن كون الشيء بحيث يصدر عنه ما من شأنه أن يصدر عنه كما ينبغي أن يصدر عنه، ولا ريب أن واجب الوجود تعالى أحق الأشياء بهذا الاسم، لأن وجوب الوجود يقتضي اتصافه بجميع الصفات الكمالية وصدور الأشياء الممكنة عنه على النحو الأفضل، ولهذا مدح الله تعالى به نفسه قائلا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥] وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ [طه: ١١١] وأما الأسماء الدالة على الصفات الإضافية، فمنها التكوين وهو عند المعتزلة والأشعري نفس المكوّن. وقال غيرهم: إنه غيره. حجة الأولين أن الصفة المسماة بالتكوين إما أن تؤثر على سبيل الصحة وهي القدرة لا غير، أو على سبيل الوجوب. ويلزم كونه موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار. وأيضا إن كانت قديمة لزم قدم الآثار، وإن كانت حادثة افتقرت إلى تكوين آخر وتسلسل الآخرون. قالوا: كونه خالقا رازقا ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية، لأن المعقول من كونه موجدا مغاير للمعقول من كونه قادرا، فإن القادر على الفعل قد يوجد وقد لا يوجد. ومنها كونه تعالى معلوما ومذكورا مسبحا ممجدا فيقال: يا أيها المسبح بكل لسان، ويا أيها الممدوح عند كل إنسان، ويا أيها المرجوع إليه في كل حين وأوان. ولما كان هذا النوع من الإضافات غير متناه كانت الأسماء الممكنة لله بحسب هذا النوع من الصفات غير متناهية. ومنها ألفاظ متقاربة تدل على مجرد كونه موجدا مثل الموجد ومعناه المؤثر في الموجود، والمحدث وهو أخص لأنه الذي جعله موجودا بعد العدم، والمكوّن وهو كالموجد والمنشئ ومعناه ينشىء على التدريج والمبدع والمخترع ويفهم منهما الإيجاد الدفعي، وكذا الفاطر مثل الصانع ويفهم منه تكلف، وأما الخلق فهو التقدير وأنه في حق الله تعالى يرجع إلى العلم، وأما الباري فهو الذي يحدثه على الوجه الموافق للمصلحة. يقال:
برى القلم إذا أصلحه وجعله موافقا لغرض معين. ومنها ألفاظ تدل على إيجاد شيء بعينه وأنها تكاد تكون غير متناهية. ومنها ألفاظ تدل على إيجاد النوع الفلاني لأجل الحكمة
стр. 68
الفلانية، فإذا خلق المنافع سمي نافعا، وإذا خلق الألم سمي ضارا، وإذا خلق الحياة سمي محييا، وإذا خلق الموت سمي مميتا، وإذا خصهم بالإكرام سمي برا لطيفا، وإذا خصهم بالقهر سمي قهارا جبارا، وإذا أقلّ العطاء سمي قابضا، وإذا أكثر سمي باسطا، وإذا جازى الذنوب بالعقاب سمي منتقما، وإذا ترك ذلك الجزاء سمي عفوّا غفورا رحمانا رحيما، وإذا حصل المنع والإعطاء في المال سمي قابضا باسطا، وإذا حصلا في الجاه والحشمة سمي خافضا رافعا.
وأما الصفات السلبية فمنها ما يعود إلى الذات كقولنا إنه ليس جوهرا ولا جسما ولا مكانيا ولا زمانيا ولا حالا ولا محلا ولا مفتقرا إلى شيء غيره، تعالى في ذاته وفي صفاته، وإنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ومنها ما يعود إلى الصفات، ولا يخفى أن كل صفة من صفات النقص يجب تنزيه الله عنها، وذلك إما راجع إلى أضداد العلم كنفي النوم لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥] وكنفي النسيان وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤] وكنفي الجهل لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [سبأ: ٣] وكأن لا يمنعه العلم ببعض المعلومات عن العلم بغيره لا يشغله شأن عن شأن. وإما راجع إلى أضداد القدرة ككونه منزها في أفعاله عن التعب والنصب وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] وإنه لا يحتاج في فعله إلى الآلات وتقديم المادة والمدّة إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: ٤٠] وأنه لا يتفاوت في قدرته القليل والكثير وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل: ٧٧] وأنه لا تنتهي قدرته إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم: ١٩] وإما راجع إلى صفة الوحدة كنفي الأنداد والأضداد لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ [المؤمنون: ٩١] أو إلى صفة الاستغناء وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٤] ومنها ما يعود إلا الأفعال لا يخلق الباطل وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا [ص: ٢٧] لا يخلق اللعب وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [الأنبياء: ١٧] لا يخلق العبث أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [المؤمنون: ١١٥] لا يرضى بالكفر، لا يريد الظلم، لا يحب الفساد لا يؤذي من غير سابقة جرم ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [النساء: ١٤٦] لا ينتفع بطاعات المطيعين ولا يتضرر بمعاصي المذنبين إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها [الإسراء: ٧] ليس لأحد أن يعترض عليه في أفعاله وأحكامه لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣] لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران: ٩] ومن أسماء السلوب القدوس والسلام لأنه منزه وسالم من نقائص الإمكان.
стр. 69
ومنها العزيز وهو الذي لا يوجد له نظير أو لا يغلبه شيء، والحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة ولا يمنع من إيصال الرحمة، والصبور الذي لا يعاقب المسيء مع القدرة عليه، وربما يفرق بينهما بأن المكلف يأمن العقوبة في صفة الحليم دون صفة الصبور. وأما الأسماء الدالة على الصفات الحقيقية مع الإضافية فمنها: القادر والقدير والمقتدر والمالك والملك ومالك الملك والمليك والقوي وذو القوة ومعانيها ترجع إلى القدرة ومنها ما يرجع إلى العلم وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: ٢٥٥] عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [التغابن: ١٨] وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٩] عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة: ١٠٩] اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ [البقرة: ١٨٧] وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ [النحل: ١٩] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ [البقرة: ٣١] ولم يرد علامة وإن كان يفيد المبالغة لأن ذلك بتأويل أمة أو جماعة. والخبير يقرب من العليم وكذا الشهيد إذا فسر بكونه مشاهدا لها، وإذ أخذ من الشهادة كان من وصف الكلام. والحكمة تشارك العلم من حيث إنه إدراك حقائق الأشياء كما هي وتباينه بأنها أيضا صدور الأشياء عنه كما ينبغي.
واللطيف قد يراد به إيصال المنافع إلى الغير بطرق خفية عجيبة، والتحقيق أنه الذي ينفذ تصرفه في جميع الأشياء. ومنها ما يرجع إلى الكلام وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء:
١٦٤] وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [الشورى: ٥١] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ [البقرة:
٣٠] ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق: ٣٠] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢] إِنَّما أَمْرُهُ [يس: ٨١] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ [النساء: ٥٨] وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا [النساء: ١٢٢] فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
[النجم: ٩] وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً [النساء: ١٤٧] كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً [الدهر: ٢٢] وذلك أنه أثنى على عبده بمثل قوله كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات: ١٨، ١٩] وهذا صورة الشكر. ومنها ما يرجع إلى الإرادات يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [البقرة: ١٨٥] ﵃ أي صار مريدا لأفعالهم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤] وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: ١٠٨] يريد إيصال الخير إليهم كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء: ٣٨] . الأشعرية:
الكراهية عبارة عن إرادة عدم الفعل. المعتزلة: له صفة أخرى غير الإرادة. ومنها ما يرجع إلى السمع والبصر إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: ٤٦] إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء: ١] لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام: ١٠٣] وأما الصفات الإضافية مع السلبية فكالأول لأنه مركب من معنيين: أحدهما أنه سابق على غيره، والثاني لا يسبق عليه غيرهن وكالآخر فإنه الذي يبقى بعد غيره ولا يبقى بعد غيرهن، وكالقيوم فإنه
стр. 70
الذي يفتقر إليه غيره ولا يفتقر هو إلى غيره، والظاهر إضافة محضة وكذا الباطن، أي أنه ظاهر بحسب الدلائل باطن بحسب الماهية. وأما الاسم الدال على مجموع الذات والصفات الحقيقية والإضافية والسلبية فالاله، ولا يجوز إطلاق هذا اللفظ في الإسلام على غير الله وأما الله، فسيأتي أنه اسم علم. وقد بقي هاهنا أسماء يطلقها عليه تعالى أهل التشبيه ككونه متحيزا أو حالا في المتحيز استبعادا منهم أنه كيف يكون موجود خاليا عن كلا الوصفين وهو عند أهل التقديس محال للزوم الافتقار، اللهم إلا أن يقال استصحاب المكان لا يستلزم الافتقار إلى المكان ومنها العظيم والكبير وهما متقاربان لقوله تعالى في موضع وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة: ٢٥٥] وفي آخر وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣] وقد يفرق بينهما بأنه
ورد «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري» «١»
والرداء أرفع من الإزار. وأيضا اختص تحريم الصلاة بالله أكبر دون الله أعظم. ولا ريب أن إطلاق العظمة والكبر على الله تعالى بحسب الحجمية والمقدار كما للأجسام محال للزوم التبعيض والتجزئة. ومنها العلي والمتعالي، فإن العلو بالمعنى المستلزم للتمكن محال على الله فإما أن يراد بمثل هذه الألفاظ مزيد الرتبة والشرف على الممكنات، وإما أن يقال: إنا نطلق هذه الأسماء للإذن الشرعي فنكل معانيها إلى مراد الله تعالى، وإما أن نستمد في إدراكها بضرب من الكشف والعيان.
(العاشر في الأسماء المضمرة) قال عز من قائل: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا [طه:
١٤] ولا يصح لغيره هذا الذكر إلا حكاية. وما جاء من قول بعض أهل الكمال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا. إشارة إلى كمال المحبة وغاية إرادة الاتصاف بصفة المحبوب وفناء إرادته في إرادته، وقال: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء: ٨٧] ولا يصح هذا إلا من العبد بشرط الحضور والمشاهدة. وقال لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:
٢٥٥] وإنما يصح هذا من الغائبين. واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد وكمال التجلي ونقصانه، فكل حاضر غائب بالنسبة إلى ما فوق تلك الدرجة، ورب غائب حاضر كما قيل:
أيا غائبا حاضرا في الفؤاد ... سلام على الغائب الحاضر
стр. 71
وفي لفظة «هو» أسرار عجيبة منها: أن العبد إذا قال: يا هو فكأنه يقول: ما للتراب ورب الأرباب؟ وما المناسبة بين المتولد من النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم؟
فلهذا ينادي نداء الغائبين ويقول: يا هو. ومنها أنه إذا قال: يا هو فقد حكم على كل ما سوى الله تعالى بأنه نفي محض، لأنه لو حصل في الوجود شيئان لكان قوله «هو» صالحا لهما جميعا فلا يتعين النداء. ومنها إذا قال: يا رحمن فكأنه يتذكر رحمته أو يطلب رحمته، وكذا إذا قال: يا كريم وغيره من الصفات. فأما إذا قال: «يا هو» فكأنه استغرق في بحر العرفان وفني عما سوى الذات. ومنها إذا قال: «يا هو» فكأنه يقول: أجلّ حضرتك أن أمدحك، وأثني عليك بسلب نقائص المخلوقات عنك وهي صفات الجلال نحو: لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا في المحل، أو بإسناد كمالات الممكنات إليك وهي صفات الإكرام ككونه مرتبا للموجودات على النحو الأكمل، بل لا أمدحك ولا أثني عليك إلا بهويتك من حيث هي. ومنها أن هذا الذكر يفيد أن المنادي بسيط محض لا طريق إلى تصوره إلا بالإشارة العقلية. ومنها أن العبد كأنه دهش حتى ذهل عن كل ما يوصف به مالكه إلا عن هذه الإشارة. ولاختصاص هذا الذكر بهذه الأسرار ذكر الغزالي لا إله إلا الله توحيد العوام، ولا إله إلا هو توحيد الخواص. وذلك أن قوله «لا هو» معناه كل شيء هالك، وقوله «إلا هو» معناه إلا وجهه. ومن جملة الأذكار الشريفة: يا هو يا من لا هو إلا هو، يا أزل يا أبد يا دهر يا ديهور يا من هو الحي الذي لا يموت. ولقد لقنني بعض المشايخ من الذكر: يا هو يا من هو هو يا من لا هو إلا هو يا من لا هو بلا هو إلا هو. فالأول فناء عما سوى الله، والثاني فناء في الله، والثالث فناء عما سوى الذات، والرابع فناء عن الفناء عما سوى الذات.
الحادي عشر في بقية مباحث الأسماء اختلفوا في أسماء الله تعالى توقيفية أم لا. فمال بعضهم إلى التوقيف لأنا نصف الله تعالى بكونه عالما ولا نصفه بكونه طبيبا وفقيها ومستيقنا، فلولا أن أسماءه توقيفية لوصف بمثلها وإن كان على سبيل التجوز. القائلون بعدم التوقيف احتجوا بأن أسماء الله تعالى وصفاته مذكورة بالفارسية والتركية وأن شيئا منها لم يرد في القرآن ولا في الأخبار، مع أن المسلمين أجمعوا على جواز إطلاقها. والجواب أن عدم التوقيف في غير اللغة العربية لا يوجب عدمه في العربية، وبأن الله تعالى قال: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها [الأعراف: ١٨٠] وكل اسم دل على صفات الكمال ونعوت الجلال كان حسنا ويجوز إطلاقه. والجواب أنه يجوز ولكن بعد التوقيف لم قلتم إنه ليس كذلك؟ والغزالي فرق بين
стр. 72
اسم الذات وبين أسماء الصفات فمنع الأول وجوّز الثاني. واعلم أنه قد ورد في القرآن ألفاظ دالة على معان لا يمكن إثباتها بالحقيقة في حق الله تعالى منها: الاستهزاء اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: ١٥] والاستهزاء مذموم لكونه جهلا قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [البقرة: ٦٧] . ومنها المكر وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران:
٥٤] ومنها الغضب وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [الفتح: ٦] ومنها التعجب بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات: ١٢] فيمن قرأ بضم التاء. والتعجب حالة للقلب تعرض عند الجهل بسبب الشيء ومنها التكبر الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر: ٢٣] ومنها الحياء إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا [البقرة: ٢٦] والحياء تغير يعرض للقلب والوجه عند فعل شيء قبيح. والقانون في تصحيح هذه الألفاظ أن يقال لكل واحدة من هذه الأحوال أمور توجد معها في البداية وآثار تصدر منها في النهاية مثاله: الغضب حالة تحصل في القلب عند غليان دمه وسخونة مزاجه، والأثر الحاصل منها في النهاية إيصال الضرر إلى المغضوب عليه.
فالغضب في حقه تعالى محمول على الأثر الحاصل في النهاية لا الأمر الكائن في البداية، وقس على هذا. قيل: إن لله تعالى أربعة آلاف اسم، ألف منها في القرآن والأخبار، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور. وقد يقال: ألف آخر في اللوح المحفوظ ولم يصل ذلك إلى البشر وهذا غير مستبعد، فإن أقسام صفات الله تعالى بحسب السلوب والإضافات لا تكاد تنحصر، وكل من كان اطلاعه على آثار حكمة الله تعالى في تدبير العالم العلوي والعالم السفلي أكثر كان اطلاعه على أسماء الله أكثر. وإن قلنا: إن له بكل مخلوق اسما وكذا بكل خاصية ومنفعة فيه كمنافع الأعضاء والحيوان والنبات والأحجار، خرجت الأسماء عن حيز العد والإحصاء كما قال عز من قائل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [إبراهيم: ٣٤] فإن قلت: إنا نرى في كتب العزائم أذكارا غير معلومة ورقى غير مفهومة وقد تكون كتابتها أيضا غير معلومة، فما بال تلك الأذكار والرقى؟ قلت: لا نشك أن تلك الكلمات إن لم تدل على شيء أصلا لم تفد، وإن دلت فأحسن أحوال تلك الكلمات أن تكون شيئا من هذه الأدعية. ولا ريب أن الأذكار المعلومة أدخل في التأثير من قراءة تلك المجهولات، إلا أن أكثر الناس إذا قرأوا هذه الأذكار المعلومة ولم يكن لهم نفوس مشرقة تجذب بهم إلى عالم القدس ويلوح عليهم أثر الإلهيات، لم يكد يظهر عليهم شروق أنوارها ولهذا قد
ورد «رب تال للقرآن والقرآن يلعنه»
نعوذ بالله من هذه الحالة. أما إذا قرأوا تلك الألفاظ المجهولة ولم يفهموا منها شيئا وحصلت عندهم أوهام أنها كلمات عالية، استولى الفزع والرعب على قلوبهم فيحصل لهم بهذا السبب نوع تجرد عن الجسمانيات وتوجه إلى الروحانيات فتتأثر نفوسهم وتؤثر، وهذا وجه مناسب في قراءة الرقى المجهولة. واعلم أن
стр. 73
بين الخلق وبين أسماء الله تعالى مناسبات عجيبة، والنفوس مختلفة والجنسية علة الضم، فكل اسم يغلب معناه على بعض النفوس فإذا واظب صاحبه على ذلك الاسم كان انتفاعه به أسرع والله الموفق. حكي أن الشيخ أبا النجيب البغدادي كان يأمر المريد بالأربعين مرة أو مرتين بقدر ما يرى مصلحته فيه، ثم يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين. وكان ينظر إلى وجهه فإن رآه عديم التأثر عند قراءتها عليه قال له: اخرج إلى السوق واشتغل بمهمات الدنيا فإنك ما خلقت لهذا الطريق، وإن رآه تأثر مزيد تأثر عند سماع اسم خاص أمره بالمواظبة على ذلك الذكر وقال: إن أبواب المكاشفات تنفتح عليك من هذا الطريق. وذلك أن الرياضة والمجاهدة لا تغلب النفوس عن أحوالها الفطرية، ولكنها تضعف بحيث لا تستولي على الإنسان ولهذا
قال ﷺ : «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة» «١»
«الأرواح جنود مجندة» «٢»
«اعملوا فكل ميسر لما خلق له» «٣»
فهذا تمام البحث عن مطلق الأسماء.
(الثاني عشر في الأبحاث المختصة باسم الله) المختار عند الخليل ومتابعيه وعند أكثر الأصوليين والفقهاء أن هذا اللفظ ليس بمشتق البتة، وأنه اسم علم له . لأنه لو كان مشتقا لكان معناه معنى كليا لا يمنع نفس مفهومه من وقوع الشركة فيه، وحينئذ لا يكون قولنا «إلا الله» موجبا للتوحيد المحض. فلا يدخل الكافر بقوله: «أشهد أن لا إله إلا الله» في الإسلام كما لو قال: «أشهد أن لا إله إلا الرحمن» أو «إلا الملك» لا يدخل بذلك في الإسلام بالاتفاق. وأيضا الترتيب العقلي ذكر الذات ثم تعقيبه بالصفات نحو: زيد الفقيه الأصولي النحوي. ثم إنا نقول: الله الرحمن الرحيم العالم القادر ولا نقول بالعكس، فدل ذلك على أن «الله» اسم علم. وقراءة من قرأ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [إبراهيم: ١، ٢] بخفض اسم الله ليست لأجل أن جعله وصفا وإنما هو للبيان، فوازنه وزان قولك: «مررت بالعالم الفاضل الكامل زيد» . وأيضا قال تعالى:
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥] وليس المراد به الصفة والإلزام خلاف الواقع، فوجب أن يكون المراد اسم العلم وليس ذلك إلا الله. حجة القائلين باشتقاقه قوله عز من قائل
стр. 74
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام: ٣] فإنه لا يجوز أن يقال هو زيد في البلد وإنما يقال هو العالم في البلد. قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك جاريا مجرى قولك «هو زيد الذي لا نظير له في البلد» ؟ قالوا: لما كانت الإشارة ممتنعة في حقه تعالى، كان اسم العلم له ممتنعا. وأيضا العلم للتمييز ولا مشاركة فلا حاجة إلى التمييز. قلنا: وضع العلم لتعيين الذات المعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية، ولا يتوقف على حصول الشركة، وكأن النزاع بين الفريقين لفظي، لأن القائلين بالاشتقاق متفقون على أن الإله مشتق من أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة، وأنه اسم جنس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط والبيت على الكعبة والكتاب على كتاب سيبويه. وأما «الله» بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره. وينبغي أن يكون المراد من كون الله تعالى معبودا كونه مستحقا ومستأهلا لأن يعبده كل من سواه كما يليق بحال العابد، فإن اللائق بحال المعبود لا يقدر عليه أحد من المخلوقات. ولا يخفى أن الاستحقاق والاستئهال حاصل له أزلا وأبدا، فيكون إلها أزلا وأبدا وإن كل من سواه عابد له بقدر استعداده وعلى حسب حاله، حتى النبات والجماد والكافر والفاسق وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤] إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [مريم: ٩٣] والعبد الصالح من يعبد الله تعالى لذاته لا لغرض رغبة في الثواب ورهبة من العقاب، حتى لو فرض حصول المرغوب أو فقد المرهوب لم يكن عابدا، ومع ذلك فينبغي أن يقطع النظر عن عبادته أيضا.
وقيل: اشتقاقه من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه. فالنفوس لا تسكن إلا إليه تعالى، والعقول لا تقف إلا لديه، لأن الكمال محبوب لذاته أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا [الرعد: ٢٨- ٢٩] وقيل: من الوله وهو ذهاب العقل سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان والواقفون في ظلمات الجهالة وتيه الخذلان. وقيل: من لاه ارتفع لأنه تعالى ارتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات.
وقيل: من أله في الشيء إذا تحير فيه، لأن العقل وقف بين إقدام على إثبات ذاته نظرا إلى وجود مصنوعاته، وبين تكذيب لنفسه لتعاليه عن ضبط وهمه وحسه، فلم يبق إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه الجلال والجمال، وهاهنا العجز عن درك الإدراك إدراك.
وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب، لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول. فإنا إنما
стр. 75
نستدلّ على كون الشعاع مستفادا من الشمس بدورانه معها وجودا وعدما وشروقا وأفولا، ولو كانت الشمس ثابتة في كبد السماء لما حصل اطمئنان بكون الشعاع مستفادا منها، ولما كان ذاته تعالى باقيا على حاله وكذا الممكنات التابعة له، فربما يخطر ببال الضعفاء أن هذه الأشياء موجودة بذواتها فلا سبب لاحتجاب نوره إلا كمال ظهوره، فالحق محتجب والخلق محجوب.
وقيل: من أله الفصيل إذا ولع بأمه، لأن العباد مولعون بالتضرع إليه في البليات وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [الروم: ٣٣] هذا شأن الناقصين، وأما الكاملون فهو جليسهم وأنيسهم أبدا. شكا بعض المريدين كثرة الوسواس فقال الشيخ: كنت حدّادا عشر سنين وقصارا عشرا وبوابا عشرا. فقيل: وكيف وما رأينا منك؟ قال: القلب كالحديد ألينه بنار الخوف عشرا، ثم شرعت في غسله عن الأوضار والأوزار عشرا، ثم وقفت على باب القلب عشرا أسل سيف «لا إله إلا الله» فلم أترك حتى يخرج منه حب غير الله ويدخل فيه حب الله، فلما خلت عرصة القلب من غيره وقويت فيه محبته سقطت من بحر عالم الحلال قطرة من النور فغرق القلب فبقي في تلك القطرة وفني عن الكل ولم يبق فيه إلا محض سر «لا إله إلا الله» .
وقيل: من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به فألهه أي أجاره. والمجير للخلائق من كره المضارّ هو الله وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ [المؤمنون: ٨٨] ومن لطائف اسم الله أنك إذا لم تتلفظ بالهمزة بقي «الله» وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفتح: ٤] فإن تركت من هذه البقية اللام الأولى بقيت البقية على صورة «له» لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [البقرة: ٢٥٥] وإن تركت اللام الباقية أيضا بقي الهاء المضمومة من «هو» قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: ١] والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع هما هم. هذا بحسب اللفظ، وأما بحسب المعنى فإذا دعوت الله به فكأنك دعوته بجميع الصفات بخلاف سائر الأسماء ولهذا صحت كلمة الشهادة به فقط والله تعالى أعلم.
(الثالث عشر فيما يتعلق بالرحمن الرحيم) الرحمن فعلان من رحم، والرحيم فعيل منه واشتقاقه من الرحمة وهي ترك عقوبة من يستحقها أو إرادة الخير لأهله. وأصله الرقة والتعطف ومنه الرحم لرقتها وانعطافها على ما فيها. واختلف في منع صرف رحمن إذ ليس له مؤنث على فعلى كعطشى، ولا على فعلانة كندمانة، فمن شرط في منع صرف فعلان صفة وجود فعلي صرفه، ومن شرط فيه انتفاء فعلانة لم يصرفه، وإذا تساقط الدليلان للتعارض فللصرف وجه، وهو أن الأصل في الأسماء الصرف ولمنع الصرف وجه وهو