تحصل هذه الفوائد. قالَ كَمْ لَبِثْتَ أي كم مدة؟ فحذف المميز. والحكمة في السؤال هو التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق وإلا فمن المعلوم أن الميت لا يمكنه بعد أن صار حيا أن يعلم أن مدة موته طويلة أو قصيرة قالَ بناء على الظن لا بطريق الكذب لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
روي أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غروب الشمس. فقال قبل النظر إلى الشمس: يوما. ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: أو بعض يوم.
والظاهر أنه علم أن ذلك اللبث كان بسبب الموت بأمارات شاهدها في نفسه وفي حماره لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يتغير. وأصله من السنة أي لم يأت عليه السنون لأن مرّ السنين إذا لم يغيره فكأنها لم تأت عليه. وعلى هذا فالهاء إما للسكت بناء على أن أصل سنة سنوة بدليل سنوات في الجمع وسنية في التحقير، وقولهم «سانيت الرجل مساناة» إذا عامله سنة. وإما أصلية على أن نقصان سنة هو الهاء بدليل سنيهة في التصغير، وقولهم «أجرت الدار مسانهة» . وقيل: أصله لم يتسنن إما من السن وهو التغير قال تعالى مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر: ٢٦] أي متغير منتن. وإما من السنة أيضا بناء على ما نقل الواحدي من أن أصل سنة يجوز أن يكون سننة بدليل سنينة في تحقيرها وإن كان قليلا. وعلى التقديرين أبدلت النون الأخيرة ياء مثل تقضي الباري في تقضض. ثم حذفت الياء للجزم وزيدت هاء السكت في الوقف. وعن أبي علي الفارسي أن السن هو الصب فقوله «لم يتسن» أي الشراب بقي بحاله لم ينصب. فعلى هذا يكون قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ عائدا إلى الشراب وحده، ويوافقه قراءة ابن مسعود فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن وأما على سائر الأقوال فيكون عدم التغير صالحا لأن يعود إلى الطعام وإلى الشراب جميعا. فإن قيل: إنه تعالى لما قال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك، ولكن قوله فَانْظُرْ يدل ظاهرا على ما قاله من أنه لبث يوما أو بعض يوم. فالجواب أن الشبهة كلما كانت أقوى كان الاشتياق إلى الدليل الكاشف عنها أشد ولهذا قيل: وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فرآه عظاما نخرة فعظم تعجبه حيث رأى ما يسرع إليه التغير وهو الطعام والشراب باقيا، وما يمكن أن يبقى زمانا طويلا وهو الحمار غير باق فعرف طول مدة لبثه بأن شاهد عظام حماره رميما. وهذا بالحقيقة لا يدل بذاته لأن القادر على إحياء الحيوان قادر على إماتته وجعل عظامه نخرة في الحال، ولكن انقلاب عظام الحمار إلى حالة الحياة كانت معجزة دالة على صدق ما سمع من قوله بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ.
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً قال الضحاك: معناه أنه جعله دليلا على صحة البعث. وقال غيره: كان آية لِلنَّاسِ لأن الله تعالى بعثه شابا أسود الرأس، وبنو بنيه شيوخ بيض اللحى والمفارق.
وقيل: إنه كان يقرأ التوراة عن ظهر قلبه فذلك كونه آية. وقيل: إن حماره لم يمت.
والمراد وانظر إلى حمارك سالما في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الآيات أن يعيشه مائة
стр. 702
عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير، وأما فائدة الواو في قوله وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فقد قال الفراء: فإنما دخلت لنية فعل بعدها مضمر، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية، كان النظر إلى الحمار شرطا وجعله آية جزاء، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام. بل المعنى: ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء.
ومثله في القرآن كثير وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأنعام: ١٠٥] وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: ٧٥] وانظر إلى العظام كيف ننشرها بالراء المهملة أي كيف نحييها. وقرىء كيف ننشرها من نشر الله الموتى بمعنى أنشرهم. ويحتمل أن يكون من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط. وقد وصف الله العظام بالإحياء في قوله مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩] ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب. والنشز ما ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج.
«وكيف» في موضع الحال من العظام والعامل فيه «ننشرها» لا «انظر» لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، وأن اللام فيه بدل من الكناية. وعن قتادة والربيع وابن زيد: أن العظام عظام هذا الرجل نفسه. قالوا: إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية بدنه عظاما نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض وكان يرى حماره واقفا كما ربطه، وزيف بأن قوله لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه متفرقة وعظامه رميمة. وأيضا قوله ثُمَّ بَعَثَهُ يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة التي أماتها، وقيل:
هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم، وفاعل تبين مضمر تقديره فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أن الله على كل شيء قدير قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فخذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قوله «ضربني وضربت زيدا» أو التقدير: فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم. وتأويله إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالا. ومن قرأ أَعْلَمُ على لفظ الأمر فمعناه أنه عند التبين أمر نفسه بذلك، والله تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة إبراهيم وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال القاضي:
القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك. أما الإخبار عن أنه حصل فجائز. قلت: ليس هذا من باب الأمر بتحصيل الحاصل، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من إيجاد سائر الممكنات البعيدة، فإن من قدر
стр. 703
على إيجاد أمر مستبعد الحصول كان قادرا على نظائره من الغرائب والعجائب لا محالة، ولهذا أوردت القضية كلية. نعم لو قيل: اعلم أن الله قادر على إحياء الموتى لأشبه أن يكون أمرا بتحصيل الحاصل، على أن ذلك أيضا ممنوع فإن الأمر حينئذ يعود إلى شيء آخر غير حاصل هو عدم الشك فيما يستأنف من الزمان أي لتكن هذه الآية على ذكر منك كيلا يعترض لك شك فيما بعد، وذلك كقولك للمتحرك «تحرك» أي واظب على الحركة ولا تفتر. وليت شعري كيف يطعن بعض العلماء في بعض القراآت السبع مع ثبوت التواتر وكونها كلها كلام الحكيم العليم تقدس وتعالى؟
القصة الثالثة قوله عم طوله وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ التقدير: واذكر وقت قول إبراهيم.
وقيل: معطوف على قوله إِلَى الَّذِي أي ألم تر إلى وقت قول إبراهيم. وهاهنا دقيقة وهي أنه لم يسم عزيرا في قصته بل قال أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهاهنا سمى إبراهيم لأن عزيرا لم يحفظ الأدب بل قال ابتداء أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وإبراهيم أثنى على الله أولا بقوله رَبِّ أَرِنِي وأيضا إن عزيرا استبعد الإحياء فأرى ذلك في نفسه، وإبراهيم التمس ودعا بقول أَرِنِي فأرى ذلك في غيره. ومعنى أرني بصرني. وذكروا في سبب سؤال إبراهيم وجوها. الأول قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء وابن جريج: إنه رأى جيفة مطروحة على شط النهر، فإذا مد البحر أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت، فإذا أكل السباع جاءت الطيور فأكلت وطارت، فقال إبراهيم: رب أرني كيف تجمع أجزاء هذا الحيوان من بطون السباع والطيور ودواب البحر. فقيل: أو لم تؤمن؟ قال: بلى. ولكن المطلوب بالسؤال أن يصير العلم الاستدلالي ضروريا. الثاني:
قال محمد بن إسحق والقاضي: إنه في مناظرته مع نمرود لما قال ربي الذي يحيي ويميت قال الكافر أنا أحيي وأميت فأطلق محبوسا وقتل آخر فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء وإماتة وعند ذلك قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى لتنكشف هذه المسألة عند نمرود وأتباعه، ويزول الإنكار عن قلوبهم.
وروي أن نمرود قال له: قل لربك يحيي وإلا قتلتك، فسأل الله ذلك،
وقوله لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي بنجاتي من القتل، أو ليطمئن قلبي بقوة حجتي وبرهاني، وأن عدو لي إلى غيرها كان بسبب جهل المستمع. الثالث: عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الله تعالى أوحى إليه أني أتخذ بشرا خليلا، فاستعظم ذلك إبراهيم ﵇ وقال: إلهي، ما علامة ذلك؟ فقال: علامته أنه يحيي الميت بدعائه فلما عظم مقام إبراهيم ﵇ في درجات العبودية وأداء الرسالة خطر بباله أني لعلي أكون ذلك الخليل.
فسأل الله إحياء الموتى فقال الله: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي على أني خليل
стр. 704
لك. الرابع: لا يبعد أن يقال: إنه لما جاء الملك إلى ابراهيم وأخبره بأن الله بعثك رسولا إلى الخلق طلب المعجزة ليطمئن قلبه على أن الآتي ملك كريم لا شيطان رجيم. الخامس:
لعله طالع في الصحف المنزلة عليه أن الله تعالى يحيي الموتى بدعاء عيسى، فطلب ذلك ليطمئن قلبه أنه ليس أقل منزلة عند الله من عيسى وأنه من أولاده. السادس: أمر بذبح الولد فسارع إلى ذلك فقال: إلهي، أمرتني أن أجعل ذا روح بلا روح فامتثلت فشرفني بأن تجعل بدعائي فاقد الروح ذا روح. السابع: أراد أن يخصصه الله بهذا التشريف في الدنيا بأن جميع الخلائق يشاهدون الحشر في الآخرة. الثامن: لعل إبراهيم لم يقصد إحياء الموتى بل قصد سماع الكلام بلا واسطة. وأما أن إبراهيم ﵇ كان شاكا في المعاد فلا ينبغي أن يعتقد فيه، ومن كفر النبي المعصوم فهو بالكفر أولى وكيف يظن ذلك بإبراهيم ﵇ وقوله بَلى اعتراف بالإيمان، وقوله لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي كلام عارف طالب لمزيد اليقين.
والشك في قدرة الله يوجب الشك في نبوّة نفسه، والذي
جاء في الحديث من قوله ﷺ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» «١»
فذلك أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض من سمعها: شك إبراهيم ولم يشك نبينا.
فقال رسول الله ﷺ تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على نفسه «نحن أحق بالشك منه» «٢»
والمعنى أننا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو؟ والاستفهام في قوله أَوَلَمْ تُؤْمِنْ للتقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا؟ وأيضا المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه ﷺ كان مؤمنا بذلك عارفا به، وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر. واللام في قوله لِيَطْمَئِنَّ تتعلق بمحذوف أي ولكن سألت ليزيد قلبي سكونا وطمأنينة بمضامة علم الضرورة علم الاستدلال. وقد تعرض الخواطر للمستدل بخلاف المعاين، هذا إذا قلنا: المطلوب حصول الطمأنينة في اعتقاد قدرة الله تعالى على الإحياء، أما إذا قلنا: إن الغرض شيء آخر فلا إشكال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ عن ابن عباس: هنّ طاوس ونسر وغراب وديك. وفي قول مجاهد وابن زيد: حمامة بدل النسر فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ بضم الصاد وكسرها من صاره يصوره ويصيره أي أملهن وضمهن إليك.
وقال الأخفش: يعني وجههنّ إليك. وفائدة أمره بضمها إلى نفسه بعد أخذها أن يتأملها ويعرف أشكالها وهيئتها وحلاها كيلا تلتبس بعد الإحياء، ولا يتوهم أنها غير تلك. وفي الآية حذف كأنه قبل أملهن وقطعهن ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً وقيل: معنى صرهن قطعهن فلا إضمار.
روي أنه أمر بذبحها ونتف ريشها وأن يقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط
стр. 705
ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال التي بحضرته وفي أرضه على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصيح بها تعالين بإذن الله. فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها.
وأنكر أبو مسلم هذه القصة وقال: إن إبراهيم ﵇ لما طلب إحياء الموتى من الله أراه الله تعالى مثالا قرب به الأمر عليه. والمراد ب فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ الإمالة والتمرين على الإجابة أي قعود الطيور الأربعة بحيث إذا دعوتها أجابتك حال الحياة، والغرض منه ذكر مثال محسوس لعود الأرواح إلى الأجساد على سبيل السهولة، ويؤكده قوله ثُمَّ ادْعُهُنَّ أي الطيور لا الأجزاء يَأْتِينَكَ سَعْياً وزيف قول أبي مسلم بأنه خلاف إجماع المفسرين، وبأن ما ذكره غير مختص بإبراهيم فلا يلزم له مزية. وأيضا إن ظاهر الآية يدل على أنه أجيب إلى ما سأل، وعلى قوله لا تكون الإجابة حاصلة. ولأن قوله عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً دليل ظاهر على تجزئة الطيور وحمل الجزء على أحد الطيور الأربعة بعيد، ثم ظاهر قوله عَلى كُلِّ جَبَلٍ جميع جبال الدنيا. فذهب مجاهد والضحاك إلى العموم بحسب الإمكان كأنه قيل: فرقها على كل جبل يمكنك التفرقة عليه. وقال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع: أربعة جبال على حسب الطيور الأربعة والجهات الأربع. وقال السدي وابن جريج: المراد كل جبل كان يشاهده إبراهيم وكانت سبعة. أما قوله ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً فقيل: عدوا ومشيا على أرجلهنّ لأن ذلك أبلغ في الحجة، وقيل: طيرانا.
ورد بأنه لا يقال للطير إذا طار سعى. وأجيب بأن السعي هو الاشتداد في الحركة مشيا كانت أو طيرانا، واحتج الأصحاب بالآية على أن البنية ليست شرطا في صحة الحياة لأنه تعالى جعل كل واحد من تلك الأجزاء والأبعاض حيا قادرا على السعي والعدو. قال القاضي:
دلت الآية على أنه لا بد من البنية من حيث إنه أوجب التقطيع بطلان حياتها، والجواب أن حصول المقارنة لا يدل على وجوب المقارنة، أما الانفكاك عنه في بعض الأحوال فيدل على أن المقارنة حيث حصلت ما كانت واجبة، ولما دلت الآية على حصول فهم النداء لتلك الأجزاء حال تفرقها كان دليلا قاطعا على أن البنية ليست شرطا للحياة. وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب على جميع الممكنات حَكِيمٌ عالم بعواقب الأمور وغايات الأشياء.
التأويل:
إن الله تعالى لما أعطى نمرود ملكا ما أعطى أحدا قبله ادّعى الربوبية وما ادّعاها أحد قبله. وسبب ذلك أن الإنسان لحسن استعداده للطلب وغاية لطافته في الجوهر دائم الحركة في طلب الكمال لا يتوقف لحظة إلا لمانع، ولكنه جبل ظلوما جهولا، فمتى وكل إلى نفسه مال إلى عالم الحس، موافقا لسيره الطبيعي لأنه خلق من تراب وطبعه الميل
стр. 706
إلى السفل فيرى الكمال في جمع المال ثم في طلب الجاه فيصرف المال فيه ثم في الحكم والتسلط. فإذا ملك السفليات بأسرها وقهر ملوك الأرض أراد أن ينازع ملك الملوك وجبار الجبابرة فيقول: أنا أحيي وأميت، وليس للعالم رب إلا أنا جهلا بالكمال وذلك عند فساد جوهره وبطلان استعداده، كما أنه إذا صلح جوهره بحسن تربية النبي ﷺ أو من ينوب منابه- وهو الشيخ- قال: ليس في الوجود سوى الله. وهذا هو حقيقة فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩] يعني كن فانيا عن وجودك بالكلية، واستغفر لذنب حسبان وجود غير وجوده فافهم جدا وإن لم تكن مجدا، فإن المجد من يدق بمطرقة «لا إله إلا الله» دماغ نمرود النفس إلى أن يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجوده كل ما سوى الله. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ اعتراض على قول الكافر أنا أحيي وأميت، والمراد أن إرسال النفس الناطقة لتدبير البدن اطلاع شمس الحياة من أفق البدن، فإن كنت صادقا في دعواك أن هذا يتأتى منك فأمسكها عندك وهو الإتيان بالشمس من مغربها، وأنه آية القيامة من مات فقد قامت قيامته. فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ لأنه إن أمكنه أن يدعي الإحياء بمعنى الإبقاء وهو اطلاع الشمس من المشرق، فلن يمكنه أن يدعي الإماتة بمعنى قبض الروح من غير آلة القتل وهو الإتيان بالشمس من المغرب، فهذه طريقة لا يرد عليها شيء من الاعتراضات المذكورة في التفسير. ثم أخبر عن إظهار قدرته في إحياء الموتى بعد انقطاع المدعي في حجته عقيب الدعوى بقوله تعالى أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وذلك أن قوما أنكروا حشر الأجساد بعد اعترافهم بحشر الأرواح، وزعموا أن الأرواح إذا خرجت من سجن الأشباح وتقوت بالعلوم الكلية التي استفادتها من عالم الحس فما حاجتها أن ترجع إلى السجن والقيد، كما أن الصبي إذا استفاد العلوم في المكتب وكبر قدره وعظم وقعه لم يحتج إلى أن يرجع إلى المكتب وحال صباه، فهو سبحانه لكمال فضله ورأفته دفع هذه التسويلات النفسية ورفع هذه الشبهات الفلسفية بأن أمات عزيرا مائة سنة وحماره معه ثم أحياهما جميعا ليعلم أن الله تعالى مهما أحيا عزير الروح أحيا معه حمار الجسد، وكما أن عزير الروح يكون عند الملك الجبار يكون حمار الجسد في جنات تجري من تحتها الأنهار. فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلي صفات الجلال والجمال وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الدهر: ٢١]
«أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» «١»
ولحمار الجسد مرتع من
стр. 707
الرياض ومشرب من الحياض فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [الزخرف: ٧١] وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة: ٦٠] .
شربنا وأهرقنا على الأرض قسطها ... وللأرض من كأس الكرام نصيب
ثم أكد حديث الحشر بقصة عن خليله ﷺ وذلك قوله رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى فيفوح منه رائحة قول موسى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣] إلا أن موسى لم يحفظ الأدب في الطلب فما رأى غير النصب والتعب، وأدب بتأديب الخاطئ الجاني، وعرك بتعريك لَنْ تَرانِي وذلك أنه كان صاحب شرب وكان الخليل صاحب ري، وصاحب الشرب سكران، وصاحب الري صاح.
شربت الحب كأسا بعد كأس ... فما نفذ الشراب وما رويت
فلسكر موسى كان يبسط تارة مع الحق بقوله رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:
١٤٣] ويعربد أخرى بقوله إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [الأعراف: ١٥٥] ومن كمال صحو الخليل ما زل قدمه في أدب من آداب العبودية في الحضور والغيبة فلا جرم أكرم اليوم بكرامة الشيبة
«إن أول ما شاب شيبة إبراهيم»
ويحترم غدا بالكسوة
«إن أول من يكسى إبراهيم» «١»
ولما ابتلي في ماله فبذل للضيفان وابتلي في ولده فأسلم وتله للجبين وابتلي في نفسه فاستسلم لمنجنيق ابن كنعان، وابتلي بجبرائيل فقال: أما إليك فلا. لا جرم أكرمه الله بالإمامة إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً [البقرة: ١٢٤] ومن إمامته أنه كان أول من دق باب طلب الحق وقال هذا رَبِّي [الأنعام: ٧٦] وأول من سلك طريق الحق وقال إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي [الصافات: ٦٩] وأول من نطق بالمحبة وقال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [الأنعام: ٧٦] وأول من أظهر الشوق وقال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام: ٧٨] وأول من أظهر العداوة مع غير المحبوب فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ [الشعراء: ٧٧] وأول من اشتاق فسأل الرؤية وقال رَبِّ أَرِنِي ولا تظن أن اشتياقه إلى الرب إنما كان وقت سؤاله.
ولست حديث العهد شوقا ولوعة ... حديث هواكم في حشاي قديم
ولكنه من حفظ آداب الإجلال كان لا يفتح على نفسه باب السؤال، ويقول حسبي من سؤالي علمه بحالي إلى أن ساقه التقدير إلى حسن التدبير. وسأله نمرود من ربك؟ فأجرى
стр. 708
الحق على لسانه من فضله وإحسانه رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فقال نمرود: هل رأيت منه ما تقول؟ فوجد الخليل فرصة للمأمول فأدرج في السؤال السول فأخفى سره وهو أدنى في علنه وهو كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى وهو يعلم أنه يعلم السر وأخفى. فأول باب فتح عليه من مقصوده أن أسمعه من كلامه بفضله وجوده. وقالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ فكان في هذه الكلمة من إعجاز القرآن ثلاثة معان مضمرة: أو لم تؤمن وقت ما آمنت عند نمرود بأني أحيي وأميت فما كان إيمانك حقيقا؟ أو لم تؤمن لميعاد رؤيتي في الجنة فأريك ثمة؟ أو لم تؤمن بما طلبت من الإحياء؟ مضمرا في كل منها الإثبات في لفظة النفي. فأجاب الخليل عن الاستفهامات الثلاثة ببلى سرا بسر أي بلى آمنت. وكان إيمانا حقيقيا ولكن ما كان مقصودي الإيمان والإيقان فإنه حاصل، ولا إحياء الموتى فإني فارغ من الموتى وإحيائهم، ولكني سألت ليطمئن قلبي بما تريد، أو بلى آمنت بميعاد رؤيتك في الجنة ولكن ليطمئن قلبي برؤيتك، فإنه كلما ازداد اليقين ازداد الشوق فاضطراب قلبي من غاية يقيني، أو بلى آمنت بقدرتك على الإحياء ولكن ما سألتك عن الإحياء وإنما سألتك عن كيفية الإحياء، ففي ضمن ذلك يحصل مقصودي كما أن من له معشوق خياط وهو يريد مشاهدة معشوقه ويحتشم أن يقول: أرني وجهك لأنظر إليك. لأنه يعلم أن الدلال قرين الجمال، وأن العزة والحسن توأمان: وفي مذهب الملاح الطلب رد والسبيل سد فيقول: أرني كيف تخيط الثياب؟ فكل صانع فاخر في صنعته يريد أن يرى جودة عمله فيحضر المعشوق عنده بلا حجاب وهو يخيط الثوب فيقول: انظر إليّ كيف أخيطه؟ فالعاشق ينظر بعلة الصنع إلى الصانع ويحظى منه بلا مانع ودافع ويطمئن قلبه بذلك. فالخليل لما اعتذر عن الجليل من اضطراب قلبه واضطرار حاله وتضرع بين يدي مولاه، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه حقق رجاءه وقال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ الآية. والمراد أنك محجوب بك عني فبحجاب صفاتك عن صفاتي محجوب، وبحجاب ذاتك عن ذاتي ممنوع، فمهما تموت عن صفاتك تحيا بصفاتي، فإذا فنيت عن ذاتك بقيت ببقاء ذاتي فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ وهي الصفات الأربع التي تولدت من العناصر الأربعة التي خمرت طينة الإنسان منها فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان: فمن التراب وقرينها وهو الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان يوجدان معا، ومن النار وقرينها وهو الهواء تولد الغضب والشهوة، ولكل واحدة من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن إليها. فالحرص زوجه الحسد، والبخل زوجه الحقد، والغضب زوجه الكبر، وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هي كالمعشوقة بين الصفات فتعلق بها كل صفة، فهن الأبواب السبعة للدركات السبع من جهنم لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [الحجر: ٤٤] يعني من الخلق. فمن كان الغالب عليه صفة منها دخل النار من
стр. 709
ذلك الباب، فأمر الله تعالى خليله بذبح هذه الصفات وهي الطيور الأربعة، طاوس البخل فلو لم يزين المال في نظر البخيل ما بخل به، وغراب الحرص وبكوره من حرصه، وديك الشهوة، ونسر الغضب لترفعه في الطيران وهذه صفة المغضب. فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقي له باب يدخل به النار فصارت النار عليه لما ألقي فيها بردا وسلاما. والمبالغة في تقطيعها ونتف ريشها وخلط أجزائها إشارة إلى محو آثار الصفات المذكورة وهدم قواعدها علي يدي إبراهيم الروح بأمر الشرع ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ هي الجبال الأربعة التي جبل الإنسان عليها: النفس النامية وهي النباتية، والأرواح الثلاثة الحيواني والطبيعي والإنسان الملكي. فهذه الجبال كالأشجار والزروع، وأجزاء الطيور كالتراب المخلوط بالزبل يجعل على الزروع فيتقوى كل واحد من هؤلاء بقوّة واحد من أولئك، ويتربى بتربيتها ويتصرف فيها الروح الإنساني فيحييها بنور هو من خصائص أرواح الإنسان، فتكون تلك الصفات ميتة عن أوصافها حية بأخلاق الروحانيات.
هذا لخواص الخلق الذي الغالب على أحوالهم الروح، وأما خواص الخواص ومن أدركته العناية كالخليل، فالله تعالى بعد خمود هذه الصفات يتجلى له بصفته المحيي فيحيي هذه الصفات الفانية عن أوصافها بنور صفته المحيية فيكون العبد في تلك الحالة حيا بحياته محييا بصفاته كما
قال «لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش» «١»
كما أن أميا يقول لكاتب:
أرني كيف تكتب. فيجعل الكاتب قلمه في يد الأمي ويأخذ يده بيده ويكتب فتظهر الكتابة من يدي الأمي على الصحيفة، ففي تلك الحالة يظن الأمي أنه صار كاتبا فيقول أنا الكاتب كقوله:
عجبت منك ومني ... أفنيتني بك عني
أدنيتني منك حتى ... ظننت أنك أني
فإذا رفع الكاتب يده عن يد الأمي فيعلم الأمي أنه أمي والكاتب هو الكاتب فيستغفر عن ذنب حسبانه أنه هو الكاتب وإليه الإشارة بقوله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩] أي ذنب حسبان أنك كاتب وأنت نبي أمي عربي ما وصلت إلى ما وصلت إلا بفضلنا وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
[النساء: ١١٣] ثم إن الله تعالى إن تجلى لخليله بصفة واحدة وهي صفة المحيي ليريه آية من آياته وهي كيفية الإحياء، فقد تجلى لحبيبه بجميع صفاته ليلة
стр. 710
المعراج كما قال لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [النجم: ١٨] والخليل طلب الرؤية لنفسه رَبِّ أَرِنِي والحبيب طلبها له ولأمته «أرنا الأشياء كما هي» وذلك لعلو مرتبته وهمته ورفعته وكمال معرفته، فلعلو همته قال: أرنا. ولرفعة مرتبته قال: الأشياء كما هي، فإن فيه مع رعاية الأدب إخفاء المقصود. فكان قول الخليل بالنسبة إلى هذا تصريحا وإن كان بالنسبة إلى قول الكليم تعريضا. وفيه أيضا طلب كمال الرؤية يجميع الصفات فإن جميعها داخلة في الأشياء، ولكمال معرفته طلب رؤية الماهية فقال «كما هي» وهذا هو الملك الحقيقي الذي لا يكتنه كنهه. ثم قيل للخليل وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ أعز من أن يعرف كنه صفاته حَكِيمٌ لا يطلع على أسراره إلا من يليق بذلك من مخلوقاته.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦١ الى ٢٦٦]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)
القراآت:
أَنْبَتَتْ سَبْعَ وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل. يُضاعِفُ وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب. الباقون يُضاعِفُ رِئاءَ النَّاسِ غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف.
الباقون بالهمزة. الْكافِرِينَ بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن بِرَبْوَةٍ بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم. الباقون بضمها أُكُلَها وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ بالياء التحتانية: أبو
стр. 711
عون عن قنبل. الباقون بالتاء للخطاب.
الوقوف:
مِائَةُ حَبَّةٍ ط، لِمَنْ يَشاءُ ط، عَلِيمٌ هـ، عِنْدَ رَبِّهِمْ ج لعطف المختلفتين، يَحْزَنُونَ هـ، أَذىً ط حَلِيمٌ هـ، وَالْأَذى (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالا مثل إبطال الذي، الْآخِرِ ط، صَلْداً ط، كَسَبُوا ط، الْكافِرِينَ هـ، ضِعْفَيْنِ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، فَطَلٌّ ط، بَصِيرٌ هـ، الْأَنْهارُ (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضا، الثَّمَراتِ (لا) لأن الواو وللحال، ضُعَفاءُ ص والوصل أولى والوقف على فَاحْتَرَقَتْ ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟ تَتَفَكَّرُونَ هـ.
التفسير:
إنه سبحانه لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام. قال القاضي في كيفية النظم: إنه تعالى لما أجمل فى قوله مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: ٢٤٥] ، فصلّ بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف. وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثا كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعيا إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلا وهو من الواحد إلى سبعمائة. وعن الأصم أنه تعالى ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي ﷺ ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته. وقيل: إنه تعالى لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت. قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد إلا بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال مَثَلُ الَّذِينَ ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة. وسبيل الله دينه. فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير. والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كنت سببا أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء. ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقا يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة. وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة غيرهما مثل ذلك. وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة. وَاللَّهُ يُضاعِفُ أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها
стр. 712
لمن يستحق ذلك في مشيئته. وَاللَّهُ واسِعٌ كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه عَلِيمٌ بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده. ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر: ٦] وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل:
صنوان من منح سائله ومنّ ومنع نائله وضنّ. وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله. وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروما عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المحسوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات. وأما الأذى فمنهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدلى إليه ويقول له:
الست إلا مبرما وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك. ومعنى «ثم» تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي لَهُمْ أَجْرُهُمْ وقال فيما يجيء فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ [البقرة: ٢٧٤] لأن الموصول هاهنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو إن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عار عن تلك الدلالة.
ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق. ولا يحزنون بالفوات كقوله وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً [طه: ١١٢] والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر. ويعلم من قوله فِي سَبِيلِ اللَّهِ أن قوله لَهُمْ أَجْرُهُمْ مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها. احتجت المعتزلة بالآية من وجهين:
الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله لَهُمْ أَجْرُهُمْ وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل. الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلا، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة وَمَغْفِرَةٌ عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسئول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من
стр. 713
جهة السائل بأن يعذر المسئول إذا رده ردا جميلا خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر.
وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى وَمِنَ النَّاسِ الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه. ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟ حَلِيمٌ عن معاجلته بالعقوبة إذا منّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد. ثم إنه تعالى ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلا فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، كَالَّذِي أي كإبطال المنافق الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائدا إلى المنافق على أنه تعالى شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر. وإما أن يعود إلى المانّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر. والصفوان الحجر الأملس، والوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق.
وهذا المثل ضربه الله لعمل المانّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب. وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير. فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل. وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل. وعن القفال: ان عمل المانّ مشبه بما إذا طرح بذرا في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خاليا لا شيء فيه. ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟ وعلى هذا فقوله لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن «من» و «الذي» متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير
стр. 714
بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام. وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس: ٢٢] .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ معناه- على قولنا- سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ طلبا لمرضاته وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى. وقيل: تثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد وتبيينا من البيان. وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال. فإذا بذل ماله وروحه معا فقد ثبت نفسه كلها وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [الصف: ١١] وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا «من» للتبعيض ذكره في الكشاف. قال الزجاج: تصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله تعالى لا يضيع ثوابهم ف «من» على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت. وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتا في طلب المستحق وصرف المال في وجهه. قال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك. وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت. ويحتمل أن يكون المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها. والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان. وقرىء كمثل حبة بربوة بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال. قيل:
وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا. واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله تعالى وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: ٥] ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا
стр. 715
يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو فَآتَتْ أُكُلَها أي ثمرتها وما يؤكل منها ضِعْفَيْنِ مثلي ما كان يعهد منها. وقيل: مثلي ما يكون في غيرها فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر. ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها بَصِيرٌ فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات. ثم إنه سبحانه رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالا آخر فقال أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود. قرىء له جنات وقد وصف الله تعالى الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها. الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها. والثالث: فيها من كل الثمرات. وإنما خص النخيل والأعناب أولا بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع. قال في الكشاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ [الكهف: ٣٤] بعد قوله جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ [الكهف: ٣٢] . ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال وَأَصابَهُ الْكِبَرُ أي والحال أنه قد أصابه الكبر. وقال الفراء: إنه معطوف على يَوَدُّ واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء. وقرىء ضعاف أي صبيان وأطفال فَأَصابَها إِعْصارٌ ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال- وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال- فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟ فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة.
التأويل:
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما
стр. 716
يربي أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل. فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوما بذلوا المال لله، وقوما بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [الدهر: ٩] ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر وَلا أَذىً بأن يطلب من الله غير الله. رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ينزلهم في مرتبة العندية عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥] لا عند الجنة ولا عند النار. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف وَمَغْفِرَةٌ له وأن لم يكن عنده ما يتصدق خَيْرٌ له عند ربه مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها من الجهل أَذىً طلب غير الحق من الحق وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن غيره حَلِيمٌ لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ [يونس: ٣٢] . ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا
قال ﷺ «لولا الفقراء لهلك الأغنياء»
أي لم يجدوا سبيلا إلى الحق. وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني. لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لأنه لو كان مؤمنا بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ هو عمله فَأَصابَهُ وابِلٌ وهو وابل الرد.
«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» «١»
فَتَرَكَهُ صَلْداً مفلسا خائبا. لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ليتوسلوا به إلى الله.
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله. وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ وتخليصا لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم كَمَثَلِ جَنَّةٍ
стр. 717
هي قلب المخلص بِرَبْوَةٍ في رتبة عالية عند الحق أَصابَها وابِلٌ الواردات الربانية فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ الإلهامات فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فإن الله تعالى كما يعطي أهل الآخرة نصيبا من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيبا من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيبا من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة. ثم ضرب مثلا لروح الإنسان وقلبه بجنة له فيها من كل الثمرات إذ خلق في أحسن تقويم، مستعدا لجميع الكرامات، مشرفا بعلم السمات، منورا بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحدا بحمل الأمانة، متفردا برتبة الخلافة. جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها فَأَصابَها إِعْصارٌ من أعمال البر فِيهِ نارٌ من الرياء والنفاق فَاحْتَرَقَتْ جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٧ الى ٢٧٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)
لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
стр. 718
القراآت:
وَلا تَيَمَّمُوا بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله. الباقون بالفتح فَنِعِمَّا هِيَ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش فَنِعِمَّا هِيَ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون فَنِعِمَّا هِيَ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراآت. وَنَكْفُرُ بالنون والراء ساكنة:
أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي وَيُكَفِّرُ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل. الباقون وَنَكْفُرُ بالنون ورفع الراء يَحْسَبُهُمُ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة. بِسِيماهُمْ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيرا. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان «فعلى» .
الوقوف:
مِنَ الْأَرْضِ «ز» لعطف المتفقتين تُغْمِضُوا فِيهِ (ط) ، حَمِيدٌ هـ، بِالْفَحْشاءِ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، فَضْلًا ط، عَلِيمٌ هـ، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، مَنْ يَشاءُ ج لابتداء الشرط مع العطف. ومن قرأ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ بالكسر فالوصل أجوز.
كَثِيراً ط، الْأَلْبابِ هـ، يَعْلَمُهُ ط، أَنْصارٍ هـ، فَنِعِمَّا هِيَ ج، خَيْرٌ لَكُمْ ط، لمن قرأ ونكفر مرفوعا بالنون أو الياء على الاستئناف. ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف سَيِّئاتِكُمْ ط، خَبِيرٌ هـ، مَنْ يَشاءُ ط لابتداء الشرط فَلِأَنْفُسِكُمْ ط لابتداء النفي، وَجْهِ اللَّهِ ط، لا تُظْلَمُونَ هـ، فِي الْأَرْضِ ز لأن يَحْسَبُهُمُ وإن صلحت حالا بعد حال نظما، ولكن لا يليق بحال من أحصر. التَّعَفُّفِ ز لأن تَعْرِفُهُمْ تصلح استئنافا والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف. وقد يجعل لا يَسْئَلُونَ استئنافا فيجوز الوقف على بِسِيماهُمْ إِلْحافاً ط، عَلِيمٌ هـ، عِنْدَ رَبِّهِمْ ج يَحْزَنُونَ هـ.
التفسير:
لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلا، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا
стр. 719
أَخْرَجْنا
أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه. عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما
روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.
عن ابن عباس: جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فقال ﷺ : بئسما صنع صاحب هذا فنزلت.
وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط. ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجاوز وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما
روي أنه ﷺ قال:
«الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة»
فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر ﷺ فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها. ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتا على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها. وأيضا لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد
لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة «١»
وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالا بعموم الآية. وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها. وما المراد بالطيب في الآية؟ قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض. وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء. والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه. ويحتمل أن يراد ما
стр. 720
يكون طيبا من جميع الوجوه فيكون طيبا بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضا، لأن الاستطابة قد تكون شرعا وقد تكون عقلا. واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفا وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيسا فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافا للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثا من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المال جيد ورديء فحينئذ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضا جيده
لقوله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم» «١»
بل الواجب حينئذ هو الوسط. ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعا، فالمعنى أن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ لا تقصدوه. يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته. ومحل تُنْفِقُونَ نصب على الحال، وقدم مِنْهُ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث. ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ثم ابتدأ مستفهما بطريق الإنكار فقال: مِنْهُ تُنْفِقُونَ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.
يقال للبائع: أغمض أي لا تستقص كأنك لا تبصر. وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضا أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟ ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن. عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن صدقاتكم حَمِيدٌ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً [الإسراء: ١٩] ثم إن الله تعالى لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء. والوعد يستعمل في الخير والشر. قال تعالى:
النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحج: ٧٢] ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولا
стр. 721
على التهكم مثل فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور. والفاحش عند العرب البخيل. والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطا، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئا لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.
فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء. وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية. وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها. ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف
عن النبي ﷺ «إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقا خلفا وممسكا تلفا» «١»
فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به. وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفة أخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله تعالى لا يخلف الميعاد. ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أو مهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه. وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول. وأيضا لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار البتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص. والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة «منه» فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.
ويحتمل أن يكون نوعا من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠] أو أن يجعل شفيعا في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين. وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة
стр. 722
نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل. وأيضا متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل. وأيضا مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى وَاللَّهُ واسِعٌ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد عَلِيمٌ بحال من نفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان. ثم نبه على الأمر الذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس. عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ [البقرة: ٢٣١] وثانيها الحكمة بمعنى الفهم وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [مريم: ١٢] وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [لقمان: ١٢] وثالثها الحكمة بمعنى النبوة وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
[البقرة: ٢٥١] ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم. فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله تعالى سماه الخير الكثير وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً والتنكير للتعظيم. وسمى الدنيا بأسرها قليلا «قل متاع الدنيا قليل» وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها. واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به. فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم ﷺ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً [الشعراء: ٨٣] وهو الحكمة النظرية، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشعراء: ٨٣] وهو الحكمة العملية. ونودي موسى ﵇
إنى أنا الله لا إله إلا أنا
وهو الحكمة النظرية ثم قال:
فَاعْبُدْنِي [طه: ١٤] وهو العملية. وحكي عن عيسى ﵇ أنه قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ [مريم: ٣٠، ٣١] وكلها النظرية وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا [مريم:
٣١، ٣٢] وجميعها العملية. وقال في حق محمد ﷺ : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:
١٩] وهو النظرية ثم قال وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: ١٩] وهو العملية. وقال في حق جميع الأنبياء يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا [النحل: ٢] وأنه الحكمة العلمية ثم قال فَاتَّقُونِ [النحل: ٢] وهو الحكمة العملية.
стр. 723
فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين. والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل. ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: ٤] أي محكم. وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله تعالى. والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول. وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم. ثم إنه تعالى نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئا منها فقال وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ لله أو للشيطان أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ في طاعة الله أو معصيته فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى «ما» وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
[النساء: ١١٢] وهذا قول الأخفش. والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف. واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر. أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله «إن كلمت فلانا أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فلله علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة» ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعلماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما
روي أنه ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» «١»
، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة. وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل «إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فلله علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا» فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم
لقوله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» «٢» .
ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله «لله علي
стр. 724
أن أصوم أو أصلي أو أعتق» فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر. وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات. فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله تعالى، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه. وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما
روي من أنه صلى ﷺ قال: «لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين» «١»
محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقا أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح. وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين- وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام. والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها. وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضا بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله سبحانه، وقد رغب الشارع فيها. وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره،
روي أن النبي ﷺ رأى رجلا قائما في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال ﷺ : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه.
ولو قال: «لله عليّ نذر» من غير تسمية لزمه كفارة يمين
لقوله ﷺ : «من نذر نذرا وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذرا ولم يسم فعليه كفارة يمين» «٢»
وَما لِلظَّالِمِينَ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في
стр. 725
المعاصي مِنْ أَنْصارٍ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه. والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمع نصير كأشراف في شريف. وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر. ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصرا وإلا كان قوله وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [البقرة: ٤٨] بعد قوله: وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ [البقرة:
٤٨] تكرارا. وأيضا إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام. وأيضا اللفظ لا يكون قاطعا في الاستغراق بل ظاهرا على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنيا والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطا. سألوا رسول الله ﷺ أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه «فلان صادق المودة» و «هذا خل صادق الحموضة» و «صدق فلان في خبر» إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه «الصداق» لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، فَنِعِمَّا هِيَ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما
يروى في الحديث أنه ﷺ قال لعمرو بن العاص: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» «١»
بسكون العين. ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل. قال طرفة:
نعم الساعون في الأمر المبر قال سيبويه: «ما» في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي. وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: «ما» في تأويل شيء لأن «ما» هاهنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة. فإن «هي» مخصوصة بالمدح. فالتقدير: نعم شيئا إبداء الصدقات. فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئا تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء. قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثوابا، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة
قال ﷺ : «لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان»
والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد
стр. 726
الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره،
وقال ﷺ : «أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر»
وقال أيضا «إن العبد ليعمل عملا في السر فيكتبه الله سرا، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء»
وقال ﷺ : «صدقة السر تطفئ غضب الرب» «١»
وأيضا في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالا للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية،
وقال ﷺ : «من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها»
وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئا فيقع في حيز اللوم والتعنيف. نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.
وروى ابن عمر أنه ﷺ قال: «السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء»
واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره. فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفا كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا. ثم إن لله تعالى عبادا راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة. فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ [الأعراف: ١٨١] وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [الفرقان: ٧٤] فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله. وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا
روي أنه ﷺ كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.
وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا. هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله. وعن بعضهم أن معنى قوله خَيْرٌ لَكُمْ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة.
стр. 727
وإنما قيل وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالما بالفقراء مميزا لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء. وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط. ونكفر عنكم من قرأ بالنون مرفوعا فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين. فإذا وقع الجزاء فعلا مضارعا مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف. فقوله: فَهُوَ في تأويل. فيكون خيرا لكم ونكفر بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة. ومن قرأ مجزوما فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجرا. وأما من قرأ وَيُكَفِّرُ بياء الغيبة مرفوعا فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء. وقرىء وتكفر بالتاء مرفوعا ومجزوما والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار «إن» ومعناه:
وإن تخفوها تكن خيرا لكم وأن يكفر عنكم خير لكم. والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه «كفر عن يمينه» أي ستر ذنب الحنث. وقوله: مِنْ سَيِّئاتِكُمْ يحتمل أن يكون «من» للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء. ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك. وقيل: إنها زائدة. وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.
عن الكلبي أنه قال: اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئا حتى أستأمر رسول الله ﷺ فإنكما لستما على ديني. فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فأمرها رسول الله ﷺ بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما.
قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا. فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله ﷺ فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.
وعن سعيد بن جبير قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا إلا على أهل دينكم» فأنزل الله لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فقال رسول الله ﷺ : «تصدقوا على أهل الأديان»
وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك. والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون
стр. 728
الآية مخصوصة بالتطوع. وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،.
ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه ﷺ كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله تعالى أنه بعث بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله ومبينا للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك. فالهدى هاهنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم. وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعا واختيارا وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إثبات للهداية التي نفاها أولا. لكن المنفي أولا هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.
ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله تعالى وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول. وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه. ثم ظاهر قوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ إنه خطاب مع النبي ﷺ ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ وما بعده عام وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من مال فَلِأَنْفُسِكُمْ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ أي لستم في صدقتكم على أقاربكم المشركين تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم. وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله. وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟ وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقا. وأيضا قول القائل: «فعلت هذا الفعل له» احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال «فعلت لوجهه» فلا يحتمل الشركة عرفا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه في الآخرة أضعافا مضاعفة، وإنما حسن قوله إِلَيْكُمْ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا.
ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن أشد الناس
стр. 729
استحقاقا من هو فقال لِلْفُقَراءِ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء. قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.
وعن ابن عباس: وقف رسول الله ﷺ يوما على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنه من رفقائي.
ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات:
الأولى قوله الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله ﷺ أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سدا لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين. وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله. الثانية لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي سيرا فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه. الثالثة يَحْسَبُهُمُ يظنهم الْجاهِلُ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفا منهم. والتعفف إظهار العفة وهي ترك الشيء والكف عنه. الرابعة تَعْرِفُهُمْ أي أنت يا محمد أو كل راء بِسِيماهُمْ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه «عفلى» قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع. الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر. الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع. أبو زيد: رثاثة ثيابهم. وقيل: المهابة في العيون. وقيل: آثار الفكر.
روي أنه ﷺ كان كثير الفكر.
الخامسة لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً أي إلحاحا وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له. والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسئول لزوم الساتر للمستور.
عن النبي ﷺ : «إن الله يحب الحي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السآل الملحف»
قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل. فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعا كقوله: «ولا ترى الضب بها يتجحر» أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقا لوصفهم بالتعفف. وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما
стр. 730
إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار. لم يكن غرضك من قولك «ليس بخواض ولا مهذار» وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني. وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله:
ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني
وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأسا لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.
وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.
عن النبي ﷺ : «لا يفتح أحد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله» «١»
«لأن يأخذ أحدكم حبلا يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس» «٢»
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله تعالى بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف. كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك. ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية. وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلا على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال. والباء بمعنى «في» أي في الليل والنهار وسِرًّا وَعَلانِيَةً منصوبان على الظرفية أيضا أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقا سرا وعلانية، أو على الحال لكونه بيانا عن كيفية الإنفاق. وقيل: لما نزل
стр. 731
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلا فنزلت الآية. وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي ﵁ كانت أكمل.
وعن ابن عباس: ما كان علي ﵁ يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهارا وبدرهم ليلا وبدرهم سرا وبدرهم علانية فقال له النبي ﷺ : ما حملك على هذا؟ فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي. فقال:
ذلك لك ونزلت الآية.
وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية. وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله. وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
التأويل:
أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته. وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله. وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله. ورابعها ليثاب على الإيثار وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] وخامسها ليستحق البر لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] . وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته. فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها [النساء: ٤٠] وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض
لقوله ﷺ «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده» «١»
وفي الآية معنى آخر لطيف أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ من تزكية النفوس وتصفية القلوب وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيبا إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيبا منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسها فلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيبا عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا
стр. 732
تحقيق
قوله ﷺ «إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب» «١»
ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة. فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء: ٤٣] ثم أحياكم بالإيمان فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧] ثم يرزقكم من الطيبات كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: ٥٧] فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ فتقبلوه تكلفا وقسرا
«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه» «٢»
فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله تعالى كلمة طيبة هي «لا إله إلا الله» ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر: ٧٣] وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق حَمِيدٌ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي. الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ظاهرا فهو يأمركم بالفحشاء باطنا لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية. فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.
فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يونس: ٢٦] فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلا كما قال يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات. فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ [النور: ٣٥] وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور. ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور وَما لِلظَّالِمِينَ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء مِنْ أَنْصارٍ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله
стр. 733
إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في
قوله ﷺ : «سبعة يظلهم الله في ظله»
ثم قال: «ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله» «١»
أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله. فصاحبها يكون في ظل الله
قال ﷺ : «إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة» «٢»
أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية. فمعنى قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ فَنِعِمَّا هِيَ فإنها مرتبة الأبرار إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ [الانفطار: ١٣] وَإِنْ تُخْفُوها عن كل حظ ونصيب وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأن جزاءها لقاء الله. ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم. ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.
كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها ... عليه فما تزداد طولا ولا عرضا
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية
«أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد»
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً لا بقليل ولا بكثير. لأن اثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقا وإجلالا لا استخفافا وإذلالا
стр. 734
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالا لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ عند مليك مقتدر وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء: ١٠٣] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر: ٣٤] .
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٥ الى ٢٨١]
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)
القراآت:
الرِّبا حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف. وهذا إذا كان معرّفا ولا يميلون المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً [الروم: ٣٩] ويميلون في الوقف لزوال التنوين فَأْذَنُوا ممدودة مكسورة الذال: حمزة وحماد وأبو بكر غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين. الباقون فأذنوا بسكون الهمزة وفتح الذال لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل المفضل. الباقون بالعكس مَيْسَرَةٍ بضم السين: نافع مَيْسَرَةٍ بضم السين وإثبات التاء: زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء. وَأَنْ تَصَدَّقُوا خفيفا بحذف إحدى التاءين: عاصم.
الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد. تُرْجَعُونَ بفتح التاء وكسر الجيم:
أبو عمرو ويعقوب عباس مخير. الباقون مبنيا للمفعول.
الوقوف:
مِنَ الْمَسِّ ط، مِثْلُ الرِّبا م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل وَأَحَلَّ حالا بإضمار «قد» وَحَرَّمَ الرِّبا ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، ما سَلَفَ ط لتناهي الجزاء، إِلَى اللَّهِ ج، النَّارِ ج، خالِدُونَ هـ، الصَّدَقاتِ ط،
стр. 735
أَثِيمٍ هـ عِنْدَ رَبِّهِمْ ج، يَحْزَنُونَ هـ، مُؤْمِنِينَ هـ، وَرَسُولِهِ ج، أَمْوالِكُمْ ج لأن ما بعده مستأنف أو حال عامله معنى الفعل في لام التمليك، وَلا تُظْلَمُونَ هـ، مَيْسَرَةٍ ط، تَعْلَمُونَ هـ، لا يُظْلَمُونَ هـ.
التفسير:
الحكم الثاني من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع حكم الربا.
وذلك أنّ بين الصدقة وبين الربا مناسبة التضاد، فإن الصدقة تنقيص مأمور بها، والربا زيادة منهي عنها. وأيضا لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب وجب أن يردف بالكسب الحرام وهو الربا، والحلال وهو البيع ما يناسب من الدين والرهن وغيرهما فقال الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا أما الأكل فيعم جميع التصرفات إلا أنه عبر عن الشيء بمعظم مقاصده وكيف لا وقد
«لعن رسول الله ﷺ أكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمحلل له» «١»
وأيضا نفس الربا لا يمكن أن يؤكل ولكن يصرف إلى المأكول فيؤكل، فالمراد التصرف فيه. والربا في اللغة الزيادة من ربا يربو، ومن أمالها فلمكان كسرة الراء. وهو في المصاحف مكتوب بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو. وفي الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة. وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع. ثم الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل. أما الأول فهو الذي كانوا يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال مدة على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ثم إذا حل الدين طالب المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل. وأما ربا الفضل فأن يباع منّ من الحنطة بمنوين مثلا.
والمروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة.
ويجوّز ربا النقد فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم نشهد أسمعت ما لم نسمع؟
فروى له الحديث المشهور في هذا الباب. وله روايات منها.
«الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء» «٢»
ثم قال أبو سعيد: لا أرني وإياك في ظل بيت ما دمت على هذا. فيروى أنه رجع عنه. قال محمد بن سيرين: كنا في بيت معنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس؟ فقال: إنما كنت
стр. 736
استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول الله ﷺ حرمه فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى الله منه. حجة ابن عباس أن قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقدا. وقوله: وَحَرَّمَ الرِّبا لا يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا وهو ربا النسيئة. وقد تأكد هذا الرأي بما
روى أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: «الربا في النسيئة» «١»
وفي رواية «لا ربا فيما كان يدا بيد» «٢»
وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف فقال: إن كان يدا بيد فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصح.
وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين. أما النسيئة فبالقرآن، وأما النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة: النقدان والمطعومات الأربعة. ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه. أما الأشياء الأربعة فللشافعي في علة الربا فيها قولان: الجديد أن العلة الطعم لما
روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقول «الطعام بالطعام مثل بمثل» «٣»
علق الحكم باسمي الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني. والقديم أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما
روي أنه ﷺ قال: «الذهب بالذهب وزنا بوزن والبر بالبر كيلا بكيل»
فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز. وقال مالك:
العلة الاقتيات، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه الربا. وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة. وعن أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد. وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن العلة فيهما لعينهما لا لعلة.
والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب والحلي والأواني المتخذة منها، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة. وقال أحمد وأبو حنيفة: العلة فيهما الوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص. فهذا ضبط المذاهب وتفاريعها إلى الفقه. وأما السبب في تحريم الربا
стр. 737
فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقدا أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم
لقوله ﷺ : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» «١»
وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل الموهوم لا يخلو من ضرر. وقيل: سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدا أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم. وقيل: لما يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ مالا زائدا من الفقير. وقيل: إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون حكمة كل تكليف معلومة لنا. لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان.
قيل: من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما كانوا يعتقدون. والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله، وكذلك جن الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم. وقيل: من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [الصافات: ٦٥] فورد القرآن على ذلك. وقيل: إن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع الخالي، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب. وأكثر المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قويا على الصرع والقتل والإيذاء بتقدير الله تعالى. وللمفسرين في الآية أقوال: أحدها أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف. وقوله: مِنَ الْمَسِّ يتعلق ب لا يَقُومُونَ أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع. أو يتعلق ب يَقُومُ أي كما يقوم المصروع من جنونه، وقال ابن قتيبة: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم فأثقلهم. وقيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف: ٢٠١] وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى، والملك يجره إلى التقوى، فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط. فإذا مات آكل الربا على ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذل الحجاب بينه وبين الله
стр. 738
تعالى. ذلِكَ العقاب بسبب قولهم إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وذلك أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانونا في الحل حتى شبهوا به البيع وإلا كان حق النظم في الظاهر أن يعكس فيقال: إنما الربا مثل البيع. لأن الكلام في الربا لا في البيع، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، ثم إنهم كانوا يعولون في تحليل الربا على هذه الشبهة وهي أن من اشترى ثوبا بعشرة ثم باعه بأحد عشر نقدا أو نسيئة فهذا حلال، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر لا فرق بين الصورتين إذا حصل التراضي من الجانبين، والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات. ولعل الإنسان يكون صفر اليد في الحال وسيحصل له أموال كثيرة في المآل فإعطاؤه الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال. فأجاب الله تعالى عنها بحرف واحد وهو قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا وحاصله إنكار التسوية وأن النص لا يعارض بالقياس فإن ذلك من عمل إبليس، أمره الله تعالى بالسجود فعارض النص بالقياس وقال أنا خير منه. ثم ظاهر الآية يدل على أن الوعيد إنما لحقهم باستحلالهم الربا دون الإقدام على أكله مع اعتقاد التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون أكل الربا من الكبائر، ويجب تأويل مقدمة الآية بأن المراد من أكلهم الربا استطابته واستحلاله كما يقال: فلان يأكل مال الله قضما وهضما. أي يستحل التصرف فيه إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد. قيل: ويحتمل أن يكون قوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا من تمام كلام الكفار على سبيل الاستبعاد. وأكثر المفسرين على خلافه لأن جعله من كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار هو أن يحمل ذلك على الاستفهام بطريق الإنكار، أو على الرواية عن قول المسلمين والإضمار خلاف الأصل. وأيضا لو كان من تمام كلامهم فلم يكشف الله تعالى عن فساد شبهتهم، فلم يكن قوله بعد ذلك فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ لائقا بالمقام.
وأيضا المسلمون لم يزالوا متمسكين في البيع بهذه الآية، ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار لم يصح منهم الاستدلال بها. وهاهنا بحث للشافعي وهو أن الآية من المجملات التي لا يجوز التمسك بها بناء على أن الاسم المفرد باللام لا يفيد العموم وليس فيه إلا تعريف الماهية فيكفي في العمل به ثبوت صورة واحدة. ولو سلم إفادة العموم فلا شك أن إفادته مما لو قيل: وأحل الله البياعات: بلفظ الجمع. ومع ذلك فقد تطرق إليه تخصيصات خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله لأنه قريب من الكذب. نعم إطلاق اللفظ المستغرق على الأغلب عرف مشهور، وأيضا روي أن عمر قال:
خرج رسول الله ﷺ من الدنيا وما سألناه عن الربا. ولو كان هذا اللفظ مفيدا للعموم لم يقل
стр. 739
ذلك. وأيضا قوله وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ يقتضي أن يكون كل بيع حلالا، وقوله: وَحَرَّمَ الرِّبا يقتضي أن يكون كل ربا حراما. لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، وإذا تعارضا وتساقطا ووجب الرجوع إلى بيان النبي ﷺ . فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ فمن بلغه وعظ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى امتنع من استحلال الربا وتبع النهي فَلَهُ ما سَلَفَ فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم كقوله إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] عن الزجاج: والتنوين في مَوْعِظَةٌ للتعظيم أو للتقليل أي موعظة بليغة أو شيء من المواعظ.
وقيل: النهي المتأخر كيف يؤثر في الفعل المتقدم حتى يكون ما سلف ذنبا؟ فالمراد له ما أكل من الربا وليس عليه رد ما سلف. عن السدي: والسلوف التقدم ومنه الأمم السالفة، وسلافة الخمر صفوتها لأنه أول ما يخرج من عصيرها. وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ لأنه إن انتهى عن أكل الربا كما انتهى عن استحلاله فهو المقر بدين الله العامل بتكليفه فيستحق المدح والثواب، وإن انتهى عن الاستحلال دون الأكل فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨] وَمَنْ عادَ إلى استحلال الربا وأنه مثل البيع فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لأنه كفر باستحلال ما هو محرم إجماعا. وأما القائلون بتخليد الفساق فيقولون: ومن عاد إلى أكل الربا. ثم إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآي السالفة في الحث على الصدقات، ذكر ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الربا وفعل الصدقة فقال يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ والمحق نقص الشيء حالا بعد حال ومنه «محاق القمر» وكل من محق الربا وإرباء الصدقات إما في الدنيا وإما في الآخرة. وذلك أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله.
عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «الربا وإن كثر إلى قل»
وذلك لدعاء الناس عليه وبغضهم إياه لسقوط عدالته وشهرته بالفسق والعدوان، وربما يطمع الظلمة في ماله ظنا منهم أن المال في الحقيقة ليس له. وعن ابن عباس في تفسير هذا المحق أن الله تعالى لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجا ولا صلة.
ثم إن مال الربا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة عليه.
وقد ثبت في الحديث «أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام» «١»
هذا حال الغني من الحلال فكيف حال الغني من الحرام المقطوع بحرمته؟ قال القفال: نظير قوله يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا المثل الذي ضربه فيما تقدم كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ [البقرة: ٢٦٤] ونظير قوله: وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ المثل الآخر كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ [البقرة: ٢٦١]
عن أبي هريرة
стр. 740
عن رسول الله ﷺ : «إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد» «١»
وأيضا المتصدق يزداد كل يوم جاهه وذكره الجميل وتميل القلوب إليه وتنقطع الأطماع عنه متى اشتهر منه أنه متشمر لإصلاح مهمات الضعفاء وسد خلة الفقراء، فتبين أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في المآل، والصدقة وإن كانت نقصانا في الحال إلا أنها زيادة في الاستقبال. فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الحس والطبع ويعوّل على ما ندب إليه العقل والشرع وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ الكفار فعال من الكفر ومعناه المقيم على ذلك، والصيغة للمزاولة ك «تمار وقوال» والأثيم «فعيل» بمعنى «فاعل» وهو أيضا للمبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحدا. ووجه آخر وهو أن يكون الكفار عائدا إلى المستحل، والأثيم إلى الآكل مع اعتقاد التحريم. ويحتمل أن يعود كلاهما إلى أكل الربا ويكون تغليظا في أمر الربا وإيذانا بأنه من فعل الكفرة لا من فعل المسلمين. وفي الآية دلالة على أنه تعالى سبقت رحمته عضبه. بيانه أنه لم ينف المحبة إلا عن الجامع بين الإصرار على الكفر وبين المواظبة على سائر الآثام كالربا. فإن استحلاله كفر وهو في نفسه إثم مذموم في جميع الأديان، لأنه سلب مال المحتاج بنوع من الإكراه والإلجاء، فتبقى الآية ساكنة عمن جمع بين الأمرين لا على سبيل الإصرار والمواظبة وعن الذي لم يجمع بينهما. نعم قد عرف بدليل آخر أن الكفار الذي لم يواظب على سائر الآثام لا يستأهل محبة الله تعالى وذلك لا ينافي السكوت عن حكمه هاهنا والله أعلم. ثم ذكر الترغيب عقيب الترهيب على عادته من ذكر الوعد مع الوعيد فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الآية. فاحتج به من قال العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان كما مر.
وأجيب بأنه قال في الآية: وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ مع أن الصلاة والزكاة من الأعمال الصالحة. ورد بأن الأصل حمل كل لفظ على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر فيبقى في غيره على الأصل لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ لم يقل «على ربهم» لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد وذلك النقد حاضر متى شاء البائع أخذه، والثاني جار مجرى البيع في الذمة نسيئة، ولا شك أن الأول أفضل وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ عن ابن عباس: أي فيما يستقبلهم من أحوال القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حال إلى حال أخرى فوقها ربما يتحسر على بعض ما فاته من الأحوال السالفة وإن كان مغتبطا بالثانية