← Тафсир

Тафсир · id 23618

تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن

أبو زيد الثعالبي

Полный текст (2 698 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[الجزء الاول] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ «توطئة» نحمدك اللهم حمد الشاكرين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. وصلاة وسلاما دائمين متلازمين على نبينا محمد عبد الله ورسوله، خير من قرأ كتاب الله، وخير من فسره، وخير من عمل به. وبعد: فإن علم التفسير من خير العلوم قاطبة، وشرف العلم من شرف المعلوم، وقدر المرء قدر ما يحسنه، ولا شك أن الاشتغال بكتاب الله تعالى وتفسيره شرف عظيم، ف «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» . يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [يونس: ٥٧] . وهذا الشفاء لن يتحصل عليه إلا من التزم بشرطه، وشرطه التدبر، قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ص: ٢٩] . ولما كانت حاجة الأمة ماسّة إلى معرفة تفسير كتاب ربها، والوقوف على أسراره- قمنا بإخراج أحد هذه التفاسير المباركة ليكون تبصرة للمسلمين، وعونا لهم على فهم كتاب الله العزيز. وها نحن أولاء نقدم للأمة الإسلامية تفسير «الجواهر الحسان» للإمام العلامة أبي زيد الثعالبي رحمه الله تعالى. وقد جاء هذا الكتاب في قسمين: القسم الأول: الدراسة. وجاء في ثلاثة مباحث:

стр. 2

المبحث الأول: نبذة عن حياة أبي زيد الثعالبي. ويشمل: اسمه، كنيته، لقبه، مولده، نشأته، شيوخه، تلاميذه، مصنفاته، ثناء الناس عليه، ثم وفاته. المبحث الثّاني: في الحديث عن التفسير قبل أبي زيد الثعالبي. وفيه ذكرنا معنى التفسير والتأويل، والفرق بينهما، ثم ذكرنا حاجة الناس إلى تفسير الكتاب العزيز، ثم الحديث عن فهم أصحاب النبي ﷺ للقرآن الكريم، ثم ذكرنا أشهر مفسري القرآن من الصحابة فمن بعدهم، وبيّنا كذلك قيمة التفسير بالمأثور. ثم عرضنا لأهم مدارس التفسير، وكانت كما يلي: ١- مدرسة ابن عباس ب «مكّة» ، وكان أشهر تلاميذه من التابعين: - سعيد بن جبير. - مجاهد بن جبر. - عكرمة. - طاوس. - عطاء بن أبي رباح. ٢- مدرسة أبي بن كعب ب «المدينة النبوية» ، وأشهر تلاميذه: - أبو العالية. - محمد بن كعب القرظي. - زيد بن أسلم. ٣- مدرسة عبد الله بن مسعود ب «العراق» ، وأشهر تلاميذه: - علقمة. - مسروق. - عامر الشعبي. - الحسن البصري. - قتادة.

стр. 3

ثم تحدثنا عن قيمة التفسير المأثور عن التابعين، واختلاف أهل العلم من بعدهم في الاحتجاج بأقوالهم. وكذلك خضنا في ذكر سمات التفسير في تلك المرحلة من مثل: اعتماده على التّلقّي والرواية، والخلاف المذهبي الناشئ، وغير ذلك مما هو مسطور في موضعه. وانتقل بنا الحديث إلى الكلام عن التفسير في عصر التدوين، وتحديد هذا العصر تاريخيّا، وكيف سار هذا التفسير سيره حتى بلغ تابعي التابعين. ثم تدرّجنا إلى تبيان اتجاهات التفسير الموجودة بين المفسرين، وكانت: - الاتجاه الأثري: وذكرنا من أعلامه «يحيى بن سلام» ، ثم «محمد بن جرير الطّبريّ» . - الاتجاه اللّغوي: وبيّنّا تاريخ بدايته، وبعض أعلامه، مثل «أبي عبيدة معمر بن المثنى» . - الاتجاه البيانيّ: وأوضحنا جذوره، وبعض أمثلته. المبحث الثالث: الكلام على تفسير أبي زيد. وتحدثنا فيه عن مصادر الشيخ الثعالبي في تفسيره، والكتب التي استقى منها مادّته، وبنى عليها مصنفه. ثم تطرّقنا إلى بيان منهجه في بناء تفسيره من احتجاج بمأثور، ورأي، وكيف أنه مزج بينهما، ففسر كتاب الله بعضه ببعض، ثم بالسّنّة، ثم بتفسير الصحابة والتابعين، واحتجاجه باللغة والأصول، وحديثه عن التوحيد، والرقائق، وعلوم الآخرة، وغير ذلك. وتحدثنا عن الإسرائيليات في تفسيره، وكيف أنه أقلّ منها، ولم يعتمد عليها. ثم تحدثنا عن المنهج اللّغويّ في تفسير أبي زيد، وكذلك المنهج البياني، ثم علوم القرآن في تفسير «الجواهر الحسان» ، وهي: - المكّي والمدني. - القراءات المتواترة والشّاذّة. - الناسخ والمنسوخ. - الأحكام الفقهية المأخوذة من آيات الأحكام.

стр. 4

القسم الثاني: وهو قسم تحقيق النّصّ: وقد كان عملنا في الكتاب مرتبا على النحو التالي: أولا: إخراج النّص سليما خاليا من الأخطاء النحوية والإملائية، وقد اقتضى ذلك من الموازنة بين النسخ التي تحت أيدينا، فآثرنا النص الأصوب والأرقّ دون اعتماد على نسخة بعينها. ثانيا: إثبات فروق النّسخ، وتركنا الكثير منها حيث لا جدوى من ذكرها. ثالثا: تخريج الأحاديث الواردة في النص. رابعا: عزو الآثار إلى مصادرها. خامسا: توضيح الغريب من الألفاظ الواردة في النّصّ معتمدين في ذلك على المعاجم اللغوية والفقهية. سادسا: ترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في النص. سابعا: عزو القراءات إلى مصادرها، والتعليق على بعضها حسبما احتاج النص مع بيان كل قراءة. ثامنا: توضيح بعض المصطلحات الفقهية والأصولية الواردة في النص. تاسعا: التعليق على بعض الموضوعات التي أشار إليها المصنف. عاشرا: وضع آيات القرآن الكريم ضمن هلالين مزهرين تيسيرا على القارئ، وتخريج آيات الشواهد.

стр. 5

المبحث الأول نبذة عن حياة الثعالبي اسمه، وكنيته، ولقبه: هو عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف «١» ، يكنى أبا زيد، ويلقب ب «الثعالبي» «٢» . الجزائري «٣» ، المغربي، المالكي. مولده: ذكر صاحبا «شجرة النور الزّكيّة» ، و «الأعلام» أنه ولد سنة ٧٨٦ هـ- جزما، بينما حكى صاحب «نيل الابتهاج بتطريز الديباج» الشك في سنة ميلاده بين ستا وثمانين، وسبع وثمانين. نشأته: لم تذكر المصادر المترجمة لهذا الإمام شيئا عن نشأته إلا أن الظن بحال من حاله كالإمام يؤكد أن نشأته في بيت علم وفضل، ولا يبعد وجود أهل صلاح في أسرته، كما أن الظن بمثله أن يكون درج على طلب العلم، كما يطلبه أهله من قراءة كتاب الله وحفظه في

стр. 6

الصغر، واطّلاعه على كتب التاريخ، والتفسير، والحديث، والأصول، والكلام، والأدب، واللغة، والنحو، والصرف، والعروض، وغيرها. رحلاته وشيوخه: مما لا شكّ فيه أن حاجة العلماء إلى الرحلة عظيمة جدّا سعيا في تحصيل العلم، والسّماع من الأشياخ لأن في الرّحلة إليهم، والالتقاء بهم تثقيفا للعقول، وتنقيحا للعلوم، وتمحيصا للمحفوظ. ولقد كانت الرّحلة سنّة العلماء من لدن سيدنا محمد- ﵊ إلى أن وقع النّاس فريسة للتخلّف والتكاسل، فقعد بهم ذلك عن طلب العلم، والسّعي في تحصيله. ولقد كان بعض أصحاب رسول الله ﷺ إذا تناءت به الدّار، يركب إلى «المدينة» ، فيسأل رسول الله ﷺ . واستمر ذلك السّعي والتّرحال بعد وفاة النبي ﷺ . ولما اتسعت رقعة الدولة الإسلاميّة بعد الفتوحات العظيمة، نجد أن الرّحلة شاعت، وانتشر أمرها، لتفرّق العلماء في شتّى بلدان الدولة الإسلامية. ولقد ضحّى سلفنا الصّالح بكل غال ورخيص، ودفعوا المال والجهد، وتكبّدوا العناء والمشاقّ، في سبيل طلب الحديث وجمعه، والعناية بسنّة النبي ﷺ . فهذا الصّحابي الجليل أبو أيوب الأنصاريّ يرحل من «المدينة» قاصدا عقبة بن عامر ب «مصر» ليسأله عن حديث سمعه من النبي ﷺ ، حتى إذا وصل إلى منزل عقبة بن عامر، خرج إليه عقبة فعانقه، وقال: ما جاء بك يا أبا أيوب؟ فقال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ لم يبق أحد سمعه منه غيري وغيرك، في ستر المؤمن. قال عقبة: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ستر مؤمنا في الدّنيا على خزية، ستره الله يوم القيامة» . فقال أبو أيوب: صدقت. ثم انصرف أبو أيوب من توّه إلى راحلته، راجعا إلى «المدينة» ، متحمّلا مشقّة السفر، ووعثاء الطريق، وأخطار المفاوز والقفار. ويقول سعيد بن المسيّب: إني كنت لأسافر مسيرة الأيام والليالي في الحديث الواحد. وذات مرّة قال عمرو بن أبي سلمة للأوزاعيّ: يا أبا عمرو أنا ألزمك منذ أربعة أيام،

стр. 7

ولم أسمع منك إلّا ثلاثين حديثا! قال: وتستقلّ ثلاثين حديثا في أربعة أيّام؟ لقد سار جابر بن عبد الله إلى «مصر» ، واشترى راحلة فركبها، حتى سأل عقبة بن عامر عن حديث واحد، وانصرف إلى «المدينة» ، وأنت تستقلّ ثلاثين حديثا في أربعة أيام؟ «١» . مما سبق يتبيّن أن للرحلة أثرا ملحوظا في تمحيص العلوم، وتنقيحها، وتثبيتها في أذهان العلماء، وأن طلاب العلم نزحوا من قطر إلى قطر، تحملهم ظهور الفيافي والقفار، تنقيبا عن الحديث، أو المسألة الفقهية، أو السّماع من شيخ مشهور، أو التّلمذة على يد عالم إمام. ولم يكن الإمام الثعالبي بدعا في هذا الشّأن، بل سار على درب أسلافه من العلماء، وأقرانه من طلّاب العلم في السّعي والسّفر رغبة في تحصيل العلم، وطلب مسائله وقضاياه. وقد عرفنا الثعالبي نفسه أنه قد رحل في طلب العلم، وسمع من أهل العلم في مختلف الأقطار، فنراه يقول: رحلت في طلب العلم من ناحية «الجزائر» في آخر القرن الثامن، فدخلت «بجاية» عام اثنين وثمانمائة، فلقيت بها الأئمة المقتدى بهم في العلم والدين والورع، أصحاب الفقيه الزاهد الورع عبد الرحمن الوغليسي، وأصحاب الشيخ أبي العباس أحمد بن إدريس متوافرون يومئذ، أصحاب ورع ووقوف مع الحد لا يعرفون الأمراء، ولا يخالطونهم، وسلك أتباعهم مسلكهم، كشيخنا الإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عثمان المكلاتي، وشيخنا الولي الفقيه المحقّق أبي الربيع سليمان بن الحسن، وأبي الحسن علي بن محمد البليليتي، وعلي بن موسى، والإمام العلامة أبي العباس النقاوسي، حضرت مجالسهم، وعمدتي على الأولين، ثم دخلت «تونس» عام تسعة أوائل عشرة وأصحاب ابن عرفة متوافرون، فأخذت عنهم، كشيخنا واحد زمانه أبي مهدي عيسى الغبريني، وشيخنا الجامع بين علمي المنقول والمعقول أبي عبد الله الأبي، وأبي القاسم البرزلي، وأبي يوسف يعقوب الزغبي، وغيرهم، وأكثر عمدتي على الأبي، ثم رحلت للمشرق، وسمعت «البخاري» ب «مصر» على البلالي، وكثيرا من اختصار «الإحياء» له، وحضرت مجلس شيخ المالكية بها أبي عبد الله البساطي، وحضرت كثيرا عند شيخ المحدثين بها ولي الدين العراقي، وأخذت عنه علوماً جَمَّةً، مُعْظَمُهَا عِلْمُ الحديث، وفتح لي فتحا عظيما وأجازني،

стр. 8

ثم رجعت ل «تونس» فإذا في موضع الغبريني الشيخ أبو عبد الله القلشاني خلفه فيه عند موته، فلازمته، وأخذت البخاري إلا يسيرا عن البرزلي، ولم يكن ب «تونس» يومئذ من يفوقني في علم الحديث، إذا تكلمت أنصتوا، وقبلوا ما أرويه، تواضعا منهم، وإنصافا واعترافا لحق، وكان بعض فضلاء المغاربة يقول لي لما قدمت من المشرق: كنت آية في علم الحديث، وحضرت أيضا شيخنا الأبي وأجازني، ثم قدم «تونس» شيخنا ابن مرزوق عام تسعة عشر، فأقام بها نحو سنة، فأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه «الموطأ» بقراءة الفقيه أبي حفص عمر القلشاني ابن شيخنا أبي عبد الله وغير شيء، وأجازني وأذن لي هو والأبي في الإقراء، وأخذت عن غيرهم- اهـ-. مما سبق يتضح أن الثعالبي قد ذكر أنه سمع في رحلته من شيوخ كثيرين، سمى منهم أربعة عشر شيخا، وسنوردهم فيما يلي مع ذكر البلد التي سمع فيها: ١- محمد بن خلفة بن عمر التونسي الوشتاني «١» الشهير ب «الأبي» : الإمام، العلامة، المحقق، المدقق، البارع، الحافظ، الحاج، الرّحلة، أخذ عن الإمام ابن عرفة، ولازمه، واشتهر في حياته بالمهارة والتقدم في الفنون، وكان من أعيان أصحابه ومحققيهم، «وأبة» «٢» ، بضم الهمزة، قرية من «تونس» . قال السّخاويّ: كان سليم الصدر، ذكر ذلك جماعة عنه مع مزيد تقدم في الفنون، له «إكمال الإكمال» في شرح مسلم في ثلاثة مجلدات، جمع فيه بين المازري، وعياض، والقرطبي، والنووي مع زيادات مفيدة من كلام ابن عرفة شيخه وغيره. وله «شرح المدوّنة» أيضا، وله نظم، وكثر انتقاده لشيخه مشافهة، وربما رجع عليه سيما في تعريفه الطهارة. ووصفه ابن حجر في المثبتة بالأصولي، عالم المغرب بالمعقول. وقال: إنه سكن «تونس» وسمّى والده خلفا. وأما شرحه لمسلم، ففي غاية الجودة ملأه بتحقيقات بارعة، وزيادة حسنة نافعة سيما أوائله. قال الثعالبي: حضرت عليه قراءة بحث وتحقيق وتدقيق من أوله إلى «الطهارة» متواليا، وكثيرا من «الطهارة» وأكثر «كتاب الصلاة» ، وكثيرا من أواخر مسلم أو كله، ومن

стр. 9

«المدونة» و «الرسالة» و «ابن الحاجب» كلها قراءة بحث وتحقيق، وأكثر «إرشاد» أبي المعالي وتفسير القرآن، وأذن لي في إقرائها كلها سنة تسعة عشر وثمانمائة- اهـ- ملخصا. وسمعت والدي الفقيه أحمد- ﵀ يحدث عن بعض المشارقة أنه رأى له تفسير القرآن في ثمان مجلدات- اهـ. قال التنبكي: قرأت بخط سيّدي يخلفتين حفيد الشيخ عبد الرحمن الثعالبي أن وفاته سنة ثمان وعشرين وثمانمائة- اهـ. ويذكر أن الإمام ابن عرفة ليم على كثرة الاجتهاد، وتعبه نفسه في النظر، فقال: كيف أنام وأنا بين أسدين الأبي بفهمه وعقله، والبرزلي بحفظه ونقله- اهـ. ووصفه أبو عبد الله المشذالي بالفقيه، المحقق، العالم. وأخذ عنه جماعة من الأئمة كالقاضي عمر القلشاني، وأبي القاسم بن ناجي، وعبد الرحمن الجدولي، والثعالبي، والشريف العجيسي، وغيرهم، وقال الثعالبي فيه: شيخنا، مولاي، الإمام، الحجة، الثقة، إمام المحققين، الجامع بين حقيقتي المنقول والمعقول، ذو التصانيف الفائقة البارعة، والحجج السّاطعة اللامعة- اهـ. توفي، فيما قيل، سنة سبع وعشرين، و «خلفة» بكسر المعجمة وفتحها ثم لام ساكنة بعدها فاء. وقد سمع الثعالبي من شيخه الأبي ببلدة «تونس» . ٢- وليّ الدين العراقي «١» : وهو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، الإمام الحافظ الفقيه، المصنف، قاضي القضاة وليّ الدين أبو زرعة ابن الإمام العلامة الحافظ زين الدين أبي الفضل، العراقي الأصل، المصري. ولد في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وبكر به أبوه، فأحضره عند أبي الحرم القلانسي خاتمة المسندين بالقاهرة، واستجاز له من أبي الحسن الفرضي، ثم رحل به إلى «الشام» سنة خمس وستين، فأحضره في الثالثة على جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري، ثم رجع، وأسمعه ب «القاهرة» من جماعة من المسندين، ثم طلب بنفسه وهو شاب، فقرأ الكثير، ودأب على الشيوخ، ثم رحل إلى «الشام» صحبه صهره الحافظ نور الدين الهيثمي بعد الثمانين، فسمع الكثير ثم رجع، وهو

стр. 10

مع ذلك ملازم للاشتغال بالفقه، والعربية، والفنون، حتى مهر واشتهر، ولازم الشيخ سراج الدين البلقيني، وحفظ، وكتب عنه الكثير، وأخذ عن علماء عصره. قال الحافظ قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر: ونشأ صيّنا، ديّنا، خيّرا، مع جمال الصورة، وطيب النعمة والتودّد إلى الناس، وناب في الحكم، ودرس في عدة أماكن، ثم استقر في جهات والده بعد وفاته، وعقد مجلس الإملاء بعده، واشتهر صيته وصنف التصانيف، وخرج التخاريج، وولي مشيخة «الجمالية» . ومن تصانيفه: «تحرير الفتاوى» على التنبيه، و «المنهاج» ، و «الحاوي» ، أخذ نكت النشائي، والتوشيح، ونكت ابن النقيب على المنهاج، ونكت الحاوي لابن الملقن، وشحن الكتاب بفوائد الشيخ سراج الدين البلقيني، وبسبب ذلك اشتهر الكتاب، واجتمع شمل فوائد الشيخ، وجمع حواشي الشيخ على «الروضة» في مجلدين، واختصر «المهمات» ، وجمع بينها وبين حواشي «الروضة» في مجلدين، وشرح «بهجة» ابن الوردي في مجلدين، وشرح «جمع الجوامع» للسبكي في مجلدة، وله وفيّات ابتدأ فيها من سنة مولده- رحمه الله تعالى- قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر: وشرح منظومة أبيه في الأصول، وشرع في شرح «سنن» أبي داود، فكتب نحو السدس منه في سبع مجلدات. مات في شعبان سنة ست وعشرين وثمانمائة وله ثلاث وستون سنة وثمانية أشهر. وسمع منه الإمام الثعالبي ب «مصر» . ٣- محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق الحفيد العجيسي التلمساني «١» : الإمام المشهور، العلّامة، الحجّة، الحافظ، المحقّق الكبير، الثقة الثبت، المطلع النظار، المصنف، التقي، الصالح، الزاهد، الورع، البركة، الخاشي لله، الخاشع الأوّاب، القدوة النبيه، الفقيه المجتهد، الأبرع، الأصوليّ المفسر المحدث، الحافظ المسند الراوية، الأستاذ المقرئ المجوّد، النحوي اللغوي البياني العروضي، الصوفي المسلك المتخلق، الولي الصالح العارف بالله، الآخذ من كل فنّ بأوفر نصيب. أخذ العلم عن جماعة، كالسّيد الشريف العلامة أبي محمد عبد الله بن الإمام العلم الشريف التلمساني، والإمام عالم المغرب سعيد العقباني، والولي الصالح أبي إسحاق

стр. 11

المصمودي، أفرد ترجمته بتأليف، والعلامة أبي الحسن الأشهب العماري، وعن أبيه وعمّه ابني الخطيب ابن مرزوق، وبتونس عن الإمام ابن عرفة، وأبي العباس القصار، وبفأس عن الأستاذ النحوي ابن حياتي الإمام، والشيخ الصالح أبي زيد المكودي، والحافظ محمد بن مسعود الصنهاجي الفيلالي في جماعة، وبمصر عن الأئمة السراج البلقيني، والحافظ أبي الفضل العراقي، والسراج ابن الملقن، والشمس الغماري، والمجد الفيروزآبادىّ صاحب «القاموس» ، والإمام محبّ الدين بن هشام ولد صاحب «المغني» ، والنور النويري، والولي ابن خلدون، والقاضي العلامة ناصر الدين التنسي، وغيرهم. وأجازه من «الأندلس» الأئمة كابن الخشّاب، وأبي عبد الله القيجاطي، والمحدث الحفار، والحافظ ابن علاق، وأبي محمد ابن جزي، وغيرهم، وأخذ عنه جماعة من السادات كالشيخ الثعالبي، وقاضي الجماعة عمر القلشاني، والإمام محمد بن العباس، والعلامة نصر الزواوي، وولي الله الحسن أبركان، وأبي البركات الغماري، والعلّامة أبي الفضل المشذالي، والسيد الشريف قاضي الجماعة بغرناطة أبي العباس بن أبي يحيى الشريف، وأخيه أبي الفرج، وإبراهيم بن فائد الزواوي، وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن الندرومي، والعلّامة علي بن ثابت، والشهاب ابن كحيل التجاني، وولد العالم محمد بن محمد بن مرزوق الكفيف، والعلامة أحمد بن يونس القسنطيني، والعالم يحيى بن بدير، وأبي الحسن القلصادي، والشيخ عيسى بن سلامة البكري، والعلامة يحيى المازوني، والحافظ التنسي، والإمام ابن زكري. في خلق كثيرين من الأجلّاء. وقال الحافظ السّخاوي: هو أبو عبد الله حفيد ابن مرزوق، ويقال له أيضا «ابن مرزوق» ، تلا بنافع على عثمان الزروالي، وانتفع في الفقه بابن عرفة، وأجازه ابن الخشّاب والحفار والقيجاطي. وحج قديما سنة تسعين وسبعمائة رفيقا لابن عرفة، وسمع من البهاء الدماميني، والنور العقيلي بمكة، وقرأ بها البخاري على ابن صديق، ولازم المحب ابن هشام في العربية، ثم حج سنة تسعة عشر وثمانمائة، ولقيه رضوان الزيني بمكة، وكذا لقيه ابن حجر- اهـ. وأما تآليفه، فكثيرة منها: شروحه الثلاثة على «البردة» : الأكبر المسمى «إظهار صدق المودة في شرح البردة» استوفي فيه غاية الاستيفاء، ضمنه سبعة فنون في كل بيت، و «الأوسط» و «الأصغر» المسمى «بالاستيعاب لما فيها من البيان والإعراب» و «المفاتيح القرطاسية في شرح الشقراطيسية» ، و «المفاتيح المرزوقية في استخراج رموز الخزرجية» ، ورجزان في علوم الحديث، الكبير سماه «الروضة» جمع فيه بين ألفيتي ابن ليون والعراقي،

стр. 12

و «مختصر الحديقة» اختصر فيه ألفية العراقي، وأرجوزة في الميقات سماه «المقنع الشافي» في ألف وسبعمائة بيت، وأرجوزة ألفية في محاداة «الشاطبية» ، وأرجوزة نظم «تلخيص المفتاح» ، وأرجوزة نظم «تلخيص ابن البنا» وأرجوزة نظم «جمل» الخونجي، وأرجوزة في اختصار «ألفية ابن مالك» ، و «نهاية الأمل» في شرح جمل الخونجي، و «اغتنام الفرصة في محادثة عالم قفصة» ، وهو أجوبة على مسائل في الفقه والتفسير وغيرهما، وردت عليه من عالم قفصة أبي يحيى بن عقيبة فأجابه عنها، و «المعراج إلى استمطار فوائد الأستاذ ابن سراج» أجاب فيه العالم قاضي الجماعة بغرناطة ابن سراج عن مسائل نحوية ومنطقية، و «نور اليقين في شرح أولياء الله المتقين» تأليف ألفه في شأن البدلاء تكلم فيه على حديث في أول «الحلية» ، و «الدليل المؤمى في ترجيح طهارة الكاغذ الرومي» ، و «النصح الخالص في الرد على مدعي رتبة الكامل للناقص» في سبعة كراريس، ألفه في الرد على عصريه وبلديه الإمام قاسم العقباني في فتواه في مسألة الفقراء الصوفية في أشياء صوّب العقباني صنيعهم فيها، فخالفه ابن مرزوق، و «مختصر الحاوي في الفتاوى» لابن عبد النور التونسي، و «الروض البهيج في مسألة الخليج» في أوراق نصف كراس، و «أنوار الدراري في مكررات البخاري» ، وتأليف في مناقب شيخه الزاهد الولي إبراهيم المصمودي في مقدار كراس، و «تفسير سورة الإخلاص على طريقة الحكماء» ، وهذه كلها تامة. وأما ما لم يكمل من تآليفه، «فالمتجر الربيح والسعي الرحب الفسيح في شرح الجامع الصحيح» صحيح البخاري، و «روضة الأديب في شرح التهذيب» ، و «المنزع النبيل في شرح مختصر خليل» شرح منه الطهارة في مجلدين، ومن الأقضية لآخره في سفرين في غاية الإتقان، و «التحرير والاستيفاء والتنزيل لألفاظ الكتاب والنقول» لا نظير له أصلا، لخصه العلامة الراعي، و «إيضاح المسالك في ألفية ابن مالك» انتهى إلى اسم الإشارة والموصول، مجلد في غاية الإتقان، ومجلد في شرح شواهد شراحها إلى باب كان وأخواتها، وله خطب عجيبة، وأما أجوبته وفتاويه على المسائل المنوعة، فقد سارت بها الركبان شرقا وغربا، بدوا وحضرا. ذكر المازوني والونشريسي منها جملة وافرة في كتابيهما، وله أيضا عقيدته المسماة «عقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمة التقليد» ، وعلى منحاه بنى السنوسي عقيدته الصغرى، و «الآيات الواضحات في وجه دلالة المعجزات» ، و «الدليل الواضح المعلوم في طهارة كاغد الروم» ، و «إسماع الصّم في إثبات الشرف من قبل الأم» . وذكر السخاوي أن من تأليفه شرح فرعي ابن الحاجب، وشرح التسهيل، والله أعلم.

стр. 13

ومولده، كما ذكره هو في شرحه على البردة، ليلة الاثنين رابع عشر ربيع الأول عام ستة وستين وسبعمائة. وقال تلميذه الإمام الثعالبي: وقدم علينا بتونس شيخنا أبو عبد الله بن مرزوق، فأقام بها وأخذت عنه كثيرا، وسمعت عليه جميع «الموطأ» بقراءة صاحبنا أبي حفص عمر ابن شيخنا محمد القلشاني، وختمت عليه «أربعينيات النووي» قراءة عليه في منزلة قراءة تفهم، فكان كلما قرأت عليه حديثا يعلوه خشوع وخضوع، ثم أخذ في البكاء، فلم أزل أقرأ وهو يبكي حتى ختمت الكتاب، وهو من أولياء الله تعالى الذين إذا رأوا ذكر الله. وأجمع الناس على فضله من «المغرب» إلى الديار المصرية، واشتهر فضله في البلاد، فكان بذكره تطرز المجالس، جعل الله حبه في قلوب العامة والخاصة، فلا يذكر في مجلس إلا والنفوس متشوقة لما يحكى عنه، وكان في التواضع والإنصاف والاعتراف بالحق في الغاية وفوق النهاية، لا أعلم له نظيرا في ذلك في وقته فيما علمته. وقال أيضا في موضع آخر: هو سيدي الشيخ الإمام، الحبر الهمام، حجة أهل الفضل في وقتنا وخاتمتهم، ورحلة النقاد وخلاصتهم، ورئيس المحققين. توفي يوم الخميس عصر رابع عشر شعبان عام اثنين وأربعين وثمانمائة، وصلّى عليه بالجامع الأعظم بعد صلاة الجمعة، حضر جنازته السلطان فمن دونه، لم أر مثله قبله، وأسف الناس لفقده، وآخر بيت سمع منه عند موته: [البسيط] إن كان سفك دمي أقصى مرادكم ... فما غلت نظرة منكم بسفك دمي وقد سمع الثعالبي منه بعد عودته من رحلته إلى تونس. ٤- أبو القاسم بن أحمد بن محمد المعتل البلوي، القيرواني، ثم التونسي، الشهير بالبرزلي، الإمام المشهور «١» ، نزيل «تونس» : مفتيها، وفقيهها، وحافظها، العلّامة، أحد الأئمة في المذهب المالكي صاحب «الديوان» في الفقه والنوازل، من كتب المذهب الأجلة، أجاد فيه ما شاء، كان- ﵀ إماما علامة، بارعا، حافظا للفقه متفقها فيه، بحاثا نظارا مستحضرا للفقه، أخذ عن جماعة، وفي بعض إجازاته ما ملخصه أنه قرأ على الفقيه المحدث الراوية الخطيب أبي عبد الله بن مرزوق شيئا من الصحيحين، والشاطبيتين، وتكملة القيجاطي، والدرر

стр. 14

اللّوامع، يرويهما عن مؤلفهما، والعمدة وغيرها، وعلى الفقيه المحدث الراوية المسن الصالح أبي الحسن البطروني القراءة السبعة، وكتبا كثيرة، وأحزاب الشاذلي عن الشيخ ماضي عنه، وعلى الإمام المؤلف الفقيه الصّالح المتفنن العلم أبي عبد الله بن عرفة، لازمه ما ينيف على ثلاثين سنة، وقرأ عليه بعض مسلم، وسمع جميعه عليه وجميع البخاري، و «الموطأ» ، و «الشفاء» ، و «علوم الحديث» لابن الصلاح، وجميع «التهذيب» مرارا، وابن الحاجب الفرعي، وكثيرا من الأصلي، و «معالم» التلمساني الفقيه، و «جمل» الخونجي، وكثيرا من «المحصل» ، وإلقاء التفسير مرارا، وقرأ عليه مختصره المنطقي وفي الأصلين وأكثر مختصره الفقهي، وأجازه بالجميع وغيرها، وكتب له بخطه مرارا، وقرأ عليه الفقيه المقرئ الراوية أحمد بن مسعود البلنسي، (عرف بابن الحاجة) القراءات السبعة وغيرها، وعلى الفقيه الصالح الراوية المتفنن أبي محمد الشبيبي القراءات السبعة وغيرها، و «التهذيب» ، و «الجلاب» ، و «الرسالة» وغيرها، و «الموطأ» ، ومسلما، وعلم النحو، والحساب، والفرائض، والتنجيم، ولازمه من حدود ستين وسبعمائة إلى عام سبعين، وعلى الفقيه الصالح القاضي العدل الحافظ أحمد بن حيدرة التوزري، لازمه كثيرا، وأخذ عنه مسائل كثيرة، وقرأ على الفقيه الصالح العدل أبي العباس المومناني الصحيحين، و «الشفاء» ، وغيرها، وكذا أخوه الفقيه الصالح القاضي العدل أبو زيد عبد الرحمن، وقرأ عليه شيئا من أصلي ابن الحاجب، وأذن له في إقرائه، وعلى الفقيه المحدث الراوية برهان الدين الشامي، قرأ عليه أبعاضا من البخاري، والترمذي، والشفاء، والشاطبية، وغيرها، وناوله فهرسته، وعلى الرواية المحدث المعمر أبي إسحاق بن صديق الرسام. وذكر في فتاويه أنه لازم ابن عرفة نحو أربعين عاما، فأخذ هديه وعلمه وطريقته، وجالس غيره كثيرا في الفقه والرواية في الحديث وغيره، وحصل بذلك علما كثيرا. وقال السّخاويّ: كان البرزلي أحد أئمة المالكية ببلاده «المغرب» ، وصاحب الفتاوى المتداولة، قدم «القاهرة» حاجا سنة ست وثمانمائة، وأجاز لشيخنا (يعني: ابن حجر) أخذ عنه غير واحد ممن لقيناهم، كأحمد بن يونس. توفي بتونس سنة أربع وأربعين، على ما قيل، أو سنة ثلاث، عن مائة وثلاث سنين، وحينئذ فهو آخر من في القسم الأول من معجم الحافظ ابن حجر، وكان موصوفا بشيخ الإسلام- اهـ. وقد سمع الثعالبي منه ب «تونس» . وكانت وفاته سنة اثنين وأربعين، ومولده (على ما قال السخاوي) في حدود أربعين وسبعمائة، وممن أخذ عنه الشيخ أبو القاسم بن ناجي، والرصاع، والشيخ حلولو،

стр. 15

وغيرهم. ٥- علي بن عثمان المنجلاتي «١» ، الزواوي، البجائي: من علماء المالكية وفقهائها الجلة، أخذ عن الشيخ عبد الرحمن الوغليسي وغيره، وهو والد العلامة أبي منصور مفتي «بجاية» ، قال الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في حقّه: شيخنا أبو الحسن، الإمام الحافظ، وعليه كانت عمدة قراءتي ببجاية- اهـ. وله فتاوى نقل بعضها في «المازونية» و «المعيار» . وقد سمع منه الثعالبي أثناء رحلته ب «بجاية» . ٦- أحمد النقاوسي البجاني «٢» ، العلامة: قال تلميذه أبو زيد عبد الرحمن الثعالبي: هو شيخنا الإمام المحقق الجامع بين علمي المنقول والمعقول، ذو الأخلاق المرضية، والأحوال الصالحة السنية- اهـ. وقد سمع منه الثعالبي ب «بجاية» . ٧- عيسى بن أحمد بن محمد بن محمد الغبريني، أبو مهدي التونسي «٣» : قاضي الجماعة ب «تونس» وعالمها وصالحها، وحافظها وخطيبها، قال الشيخ الثعالبي: شيخنا أوحد زمانه علما ودينا- اهـ. ووصفه تلميذه أبو القاسم بن ناجي بأنه ممن يظن به حفظ المذهب بلا مطالعة، وبالغ في الثناء عليه في غير موضع، بل نقل عنه عصريه أبو القاسم البرزلي في ديوانه في غير موضع. قال السّخاويّ في «تاريخ أهل المائة التاسعة» فيه: قاضي «تونس» وعالمها، أخذ عنه أحمد القلشاني، والشرف العجيسي وغيرهما، مات عام ستة عشر وثمانمائة- اهـ. قال أحمد التنبكي في «نيل الابتهاج» : بل أخذ عنه غالب تلاميذ ابن عرفة المتأخرة وغيرهم، كالبسيلي، وأبي يحيى بن عقبة، وعمر القلشاني، وأبي القاسم القسنطيني، وأبي الحسن علي بن عصفور، وابن ناجي، والزلديوي في خلق كثير، قال ابن ناجي: ما رأيت أصح منه نقلا، ولا أحسن منه ذهنا، ولا أنصف منه، مع كمال الرئاسة، وشاهدت بعض

стр. 16

جهّال الطلبة، وكان مؤدبا تلقّاه لما قام في مجلسه، وسجد بين يديه مشتكيا له بإنسان، فصاح عليه وانتهره، وهرب منه، وغضب لمخالفته السنة، وحلف له لا أسمع منه الآن كلمة واحدة- اهـ. وقال تلميذه الأمير أبو عبد الله المدعو الحسن بن السلطان أبي العباس: شيخنا ابن عرفة وشيخنا الغبريني ممن يجتهد في المذهب، ولا يحتاج للدليل على ذلك إذ العيان شاهد بتلك- اهـ. وقال أبو العباس القلشاني: استناب ابن عرفة وقت سفره للحج تلميذه القاضي الجليل أبا مهدي الغبريني على إمامة جامع «الزيتونة» ، وهو المشار إليه في كلامه، وتلميذه حينئذ قاضي الجماعة، ثم استقل بالإمامة المذكورة بعد وفاته، وبقي عليها حتى توفي ليلة السبت سابع عشرين من ربيع الثاني عام خمسة عشر وثمانمائة- اهـ. وقد سمع منه الثعالبي ب «تونس» . ٨- سليمان بن الحسن البوزيدي، الشريف التلمساني، أبو الربيع «١» : الإمام العالم، المحصّل، السيد، قال الشيخ أبو البركات التالي: شيخنا الفقيه المحقق، كان قائما على «المدونة» و «ابن الحاجب» ، مستحضرا لفقه ابن عبد السلام، وأبحاثه نصب عينيه- اهـ. قال القلصادي في رحلته: حضرت مجلس سيّدي سليمان البوزيدي، وكان فقيها إماما عالما بمذهب مالك- اهـ. وذكر ابن غازي في ترجمة شيخه أبي محمد الورياغلي، أن من شيوخه صاحب الترجمة، وأنه وصف بالشريف، الحسيب النسيب، الفقيه العالم، المحقق الأفضل- اهـ. قال الونشريسي: شيخ شيوخنا، الفقيه المحصّل المحقّق، له إشكالات وجهها لعالم تونس أبي عبد الله بن عقاب، فأجابه عنها- اهـ. وقال في وفياته: توفي شيخ شيوخنا، الحافظ الذاكر، شيخ الفروع أبو الربيع سليمان الشريف عام خمسة وأربعين وثمانمائة. وسمع منه الثعالبي ب «بجاية» .

стр. 17

٩- محمد بن علي بن جعفر الشمس، العجلوني، ثم القاهري، الشافعي الصوفي، ويعرف بالبلالي «١» - بكسر الموحدة ثم لام خفيفة-: ولد قبل الخمسين وسبعمائة، واشتغل بتلك البلاد قليلا، ولازم أبا بكر الموصلي، فانتفع به وبغيره، وتميز في التصوف، ولازم النظر في «الإحياء» بحيث كاد يأتي عليه حفظا، وصارت له به ملكة قوية بحيث اختصره اختصارا حسنا جدا. وكان بالنسبة لأصله كالحاوي مع الرافعي، وانتفع به الناس وأقبلوا على تحصيله سيما المغاربة وقرىء عليه غير مرة، وربما استكثر عليه، وكذا صنف «السول في شيء من أحاديث الرسول» ، واختصر «الروضة» ولكن لم يكملا، واختصر «الشفا» ، وعمل مختصرا بديعا في الفروع، وقرض السيرة النبوية لابن ناهض. وعرف بالخير والصلاح قديما، واشتهر بالتعظيم في الآفاق، وحسنت عقيدة الناس فيه، واستقدمه سودون الشيخوني نائب السّلطنة في حدود التسعين، وولاه مشيخة سعيد السعداء، فدام بها نحو ثلاثين سنة لم يزل عنها إلا مرة بخادمها خضر لقيام تمراز نائب الغيبة في الأيام الناصرية فرج ولم يمض سوى عشرة أيام، ثم جيء بالقبض عليه، وعد ذلك من كرامات البلالي، ثم أعيد. وكان كثير التواضع إلى الغاية منطرح النفس جدا، مشهورا بذلك، كثير البذل لما في يده، شديد الحياء، كثير العبادة والتلاوة والذكر، سليم الباطن جدّا بحيث كان كثير من الناس يتكلم فيه بسبب ما له من المباشرات بالخانقات وتؤثر عنه كرامات وخوارق. ذكره ابن حجر في معجمه بما هذا حاصله، قال: وكان يودني كثيرا، وأجاز في استدعاء ابني محمد، وذكر أنه ضاع منه مسموعاته. وكذا ذكره في «الإنباء» باختصار، وأنه استقر في مشيخة سعيد السعداء مدة متطاولة مع التّواضع الكامل، والخلق الحسن وإكرام الوارد. واختصر «الإحياء» فأجاد، وطار اسمه في الآفاق، ورحل إليه بسببه، ثم صنف تصانيف أخرى. وكانت له مقامات وأوراد، وله محبون معتقدون، ومبغضون منتقدون. ونحوه قول المقريزي: كان معتقدا وله شهرة طارت في الآفاق، وللناس فيه اعتقاد، وعليه انتقاد. مات في يوم الأربعاء رابع عشر شوال سنة عشرين، ودفن بمقابر الصوفية بعد شهود ابن حجر الصلاة عليه، وقد جاز السبعين. وهو في عقود المقريزي، وقال: كان كثير الذكر، متواضعا إلى الغاية بحيث لما اجتمعت به قبل يدي مرارا، وقدم إليّ نعلي لما انصرفت عنه، وهذه سيرته مع كل أحد، وحضرت عنده وظيفة الذكر بعد العشاء بالخانقاه، وكان يرى رفع الصوت به ويعلل ذلك،

стр. 18

كثير الحياء يديم التلاوة مع سلامة الباطن، وله محبون يؤثرون عنه كرامات وخوارق ﵀. وسمع منه الثعالبي ب «مصر» . ١٠- عمر بن محمد القلشاني «١» - بفتح القاف وسكون اللام ثم معجمة أو جيم- المغربي، التونسي، الباجي الأصل- «باجة تونس» لا «الأندلس» فتلك منها شارح «الموطأ» - المالكي والد قاضي الجماعة محمد وأخو أحمد. أخذ عن أبيه وغيره، وولي قضاء الجماعة بتونس، واقرأ الفقه، والأصلين، والمنطق، والمعاني والبيان والعربية. وحدث بالبخاري عن أبي عبد الله بن مرزوق، وشرح «الطوالع» شرحا حسنا لم يكمل انتهى منه أكثر من مجلد إلى الإلهيات، وأخذ عنه خلق، منهم ولده، وإبراهيم الأخضري، وغالب الأعيان، وأبو عبد الله التريكي وآخرون ممن لقيناهم كابن زغدان، وكانت ولايته أولا قضاء الأنكحة ببلده كأبيه، ثم قضاء الجماعة بعد موت أبي القاسم القسنطيني، وكان يكون بينهما ما بين الأقران فدام به قليلا حتى مات في سنة ثمان وأربعين. وهناك من أرخه في سنة سبع وسمى جده عبد الله، وكان أبو القاسم قام على أخيه أحمد بسبب ما وقع منه من نقل كلام بعض المفسرين في قصة آدم ﵇ وأفتى بقتله، بل أفتى أخوه أيضا بذلك قبل علمه به، فلما تبين أنه أخوه قام في الدفع عنه، وكان فصيحا في التقرير بحيث يستفيد منه من يكون بمجلسه من الأعلى والأدنى، ولا يمكن كبير أحد من الكلام، وقد قيل: إن سبب دخوله في القضاء أن عمه أحمد لم يسر سير ابن عقارب الذي كان قبله، فعز على الملك، واقتضى رأيه صرفه بابن أخيه هذا، وحصل لعمه نكاية عظيمة ولكن أعطوه إمامة جامع «الزيتونة» ، واستمر حتى مات، فالله أعلم. وسمع منه الثعالبي بعد رجعته إلى «تونس» . ١١- علي بن موسى البجائي، أحد شيوخ عبد الرحمن الثعالبي ابن عبد الله بن محمد بن هيدور التادلي «٢» : كان إماما في الفرائض والحساب، حسن الخط كثير التقييد، له مسائل في فنون، شرح تلخيص ابن البناء، وقيد على رفع الحجابلة، توفي عام ستة عشر وثمانمائة.

стр. 19

وسمع منه الثعالبي ب «بجاية» . ١٢- البساطي «١» - محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن مقدم البساطي شمس الدين أبو يوسف القاضي المصري المالكي ولد سنة (٧٥٦) وتوفي سنة (٨٤٢) اثنتين وأربعين وثمانمائة. من تصانيفه: توضيح المعقول وتحرير المنقول في شرح منتهى السول والأمل لابن الحاجب، حاشية على شرح المواقف، حاشية على شرح لوامع الأسرار للتحتاني في المنطق والحكمة، حاشية على المطول، الرد الوافر على ابن الناصر، روضة المجالس وأنس الجالس، شرح الألفية لابن مالك، شرح البديعية لابن حجة، شرح التائية لابن الفارض، شرح قصيدة البردة، شفاء العليل شرح مختصر الشيخ الخليل في الفروع قصة الخضر ﵇، محاضرات خواص البرية في ألغاز الفقهية، المغني في الفروع، المفاخرة بين الدمشق والقاهرة، مقدمة في الأصول، مقدمة في الكلام، نكت على طوالع الأنوار للبيضاوي في الكلام. وسمع منه الثعالبي أثناء رحلته، وذلك ب «مصر» حرسها الله!! ١٣- أبو الحسن علي بن محمد البليليتي «٢» : وسمع منه الثعالبي ب «بجاية» . ١٤- أبو يوسف يعقوب الزغبي «٣» : وسمع منه ب «تونس» . وأما شيوخه الذين لم يذكرهم في رحلته، فقد ذكر التنبكي في «نيل الابتهاج» منهم ثلاثة، وهم: ١- عبد الله بن مسعود التونسي «٤» : شهر بابن قرشية، قال ابن حجر: أخذ عن والده، وقرأت بخطه أن من شيوخه الإمام ابن عرفة، وقاضي الجماعة أحمد بن محمد بن حيدرة، وأحمد بن إدريس الزواوي، وأبا الحسن محمد بن أحمد البطروني، وأبا العباس أحمد بن مسعود بن غالب القيسي، وتوفي

стр. 20

سنة سبع وثلاثين وثمانمائة. ٢- عبد العزيز بن موسى بن معطي العبدوسي «١» : الإمام الحافظ الفقيه المحدث العلامة الجليل، حامل لواء المذهب والحفظ في وقته، أبو القاسم شيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام أبي عمران العبدوسي الفاسي نزيل «تونس» ، أخذ عن أبيه وغيره، ووصل في قوة الحافظة الدرجة العظمى، قال القاضي أبو عبد الله بن الأزرق: كتب إليّ الشيخ الفقيه الجليل أحد المفتيين بتونس أبو عبد الله الزلديوي يعرفني حاله بالحفظ فيما يقضي منه العجب من الغرابة، قال: ورد علينا في أخريات عام سبعة عشر وثمانمائة الفقيه العالم الحافظ أبو القاسم ابن الشيخ الإمام أبي عمران موسى العبدوسي بكتاب في يده من قبل الإمام أبي عبد الله محمد بن مرزوق، ويقول لنا فيه: يرد عليكم حافظ المغرب الآن، فقلنا: لعل ذلك من تعسيل الإخوان لإخوانهم في الوصيّة بهم، فلما اجتمعنا به، وأقام عندنا أزيد من عام رأينا منه العجب العجاب من حفظ لا نتوهّم يكون لأحد لما رأينا في بلادنا إفريقيا ومجالس أشياخنا بتونس وبجاية، كان عندنا بتونس الشيخ أبو القاسم البرزلي له أهل زماننا في حفظ الفقه، وأشياخ المدونة والناس دونه في ذلك، وببجاية الشيخ الفقيه أبو القاسم المشذالي حضرنا مجالسهم، فما رأينا ولا سمعنا من يشبه العبدوسي في حفظه، وعلمنا صدق ابن مرزوق فيما وصفه به، وأن من ورعه ألا يذكر ولا يكتب إلا بما تحقق كما قال الشاعر: [الطويل] فلمّا التقينا صدّق الخبر الخبر وقال الآخر: [منهوك الرجز] بل صغّر الخبر الخبر وقال الونشريسي في تحليته: إنه الفقيه الحافظ المدرس المحدث الصدر الراوية المعتبر الأرفع الأفضل- اهـ. وقال الشيخ الرصاع: شيخنا الإمام العلامة المحدث الصالح الرباني يقال: اجتمع ليلة في جهاز بالشيخ أبي القاسم البرزلي، وهو أعمى، ولما تكلم العبدوسي قال له البرزلي: أهلا بواعظ بلدنا، فقال له العبدوسي: قل وفقيهها، فسكت البرزلي، فعد ذلك من رجلة العبدوسي وسرعة جوابه، رحمهم الله تعالى- اهـ.

стр. 21

ونقل عنه ابن ناجي في «شرح المدونة» ، والشيخ الثعالبي في شرح ابن الحاجب، وذكر عنه أنه قال: لا يلزم البراذعي مما تعقب به إلا حيث خالف ما في روايته من الأمهات عن موسى بن عقبة. وذكر الونشريسي في وفياته أنه توفي بتونس في التاسع والعشرين في ذي القعدة عام سبعة وثلاثين وثمانمائة. ٣- عبد الواحد الغرياني «١» : تلاميذه: أخذ عن الإمام الثعالبي جماعة من أهل العلم منهم: ١- محمد بن محمد بن أحمد بن الخطيب، الشهير محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن مرزوق «٢» . العجيسي التلمساني، عرف بالكفيف، ولد الإمام أبي الفضل قطب المغرب الحفيد ابن مرزوق شارح «المختصر» ، كان ولده صاحب الترجمة إماما عالما علامة، وصفه ابن داود البلوي بشيخنا الإمام، علم الأعلام، فخر خطباء الإسلام، سلالة الأولياء وخلف الأتقياء، المسند الراوية المحدث، العلامة القدوة الحافل الكامل، أبو عبد الله ابن سيدنا شيخ الإسلام، خاتمة العلماء الأعلام، الحبر البحر، الناقد النافذ النّحرير، المشاور العمدة الكبير، ذي التصانيف العديدة، والأنظار السديدة، أبي عبد الله بن مرزوق. أخذ العلم عن جماعة منهم: أبو شيخ الإسلام، قرأ عليه «الصحيح» ، و «الموطأ» وغير كتاب من تآليفه وغيرها، وتفقه عليه وأجازه ما يجوز له وعنه روايته. والإمام العالم، النظار الحجة، أبو الفضل ابن الإمام، والإمام العلامة قاضي الجماعة المعمر المشاور أبو الفضل قاسم العقباني، والأستاذ المقرئ العالم أحمد بن محمد بن عيسى اللجائي الفاسي، والإمام العالم والولي الصالح المحدث عبد الرحمن الثعالبي، والإمام العالم الفقيه النظار أبو عبد الله محمد بن قاسم المشذالي، والإمام قاضي الجماعة العالم المحقق أبو عبد الله بن عقاب الجذامي التونسي، والإمام العالم الراوية الرحال، قاضي الأنكحة أبو محمد عبد الله بن سليمان بن قاسم البجيري التونسي. قرأ وسمع عليهم، وأجازوه عامة، وأجازه مكاتبة من شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر مع أولاد مرزوق عام تسعة وعشرين،

стр. 22

ومولده ليلة الثلاثاء غرة ذي القعدة عام أربع وعشرين وثمانمائة. قال التنبكي: ومن شيوخه الإمام ابن العبّاس، قال السخاوي: قدم صاحب الترجمة «مكة» فعرض عليه ظهيرة، وأخذ عنه في الفقه وأصوله، والعربية والمنطق في سنة إحدى وستين، وسمعت في إحدى وسبعين أنه حي- اهـ. وفي «وفيات الونشريسي» أن وفاته عام أحد وتسعمائة، ووصفه بالفقيه الحافظ المصقع. وأخذ عنه الخطيب ابن مرزوق ابن أخته، وابن العباس الصغير، ووصفه بشيخنا علم الأعلام وحجة الإسلام آخر حفاظ «المغرب» ، قرأت عليه الصحيحين وبعض مختصري ابن الحاجب الأصلي والفرعي، وحضرت عليه جملة من «التهذيب» و «الخونجي» وغيرها. وبالإجازة ابن غازي نقل عنه في «المازونية» . ٢- محمد بن يوسف بن عمر شعيب السنوسي «١» : وبه اشتهر نسبة لقبيلة بالمغرب، الحسني، نسبة للحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أم أبيه، قاله تلميذه الملالي في تأليفه التلمساني، عالمها، وصالحها، وزاهدها، وكبير علمائها، الشيخ، العلامة المتفنن، الصالح الزاهد العابد، الأستاذ المحقّق المقرئ، الخاشع: أبو يعقوب يوسف. نشأ خيرا مباركا فاضلا صالحا، أخذ (كما قال تلميذه الملالي) عن جماعة، منهم: والده المذكور، والشيخ العلامة نصر الزواوي، والعلامة محمد بن توزت، والسيد الشريف أبو الحجاج يوسف بن أبي العباس بن محمد الشريف الحسني، أخذ عنه القراءات، وعن العالم المعدل أبي عبد الله الحباب علم الأسطرلاب، وعن الإمام محمد بن العباس الأصول والمنطق، وعن الفقيه الجلاب الفقه، وعن الولي الكبير الصالح الحسن أبركان الراشدي حضر عنده كثيرا، وانتفع به وببركته، وكان يحبه ويؤثره ويدعو له، فحقق الله فيه فراسته ودعوته، وعن الفقيه الحافظ أبي الحسن التالوتي أخيه لأمه «الرسالة» ، وعن الإمام الورع الصالح أبي القاسم الكنابشي «إرشاد» أبي المعالي والتوحيد، وعن الإمام الحجة الورع الصالح أبي زيد الثعالبي «الصحيحين» وغيرهما من كتب الحديث، وأجازه ما يجوز له وعنه، وعن الإمام العالم العلامة الولي الزاهد الناصح إبراهيم التازي، وروى عنه أشياء

стр. 23

كثيرة من المسلسلات وغيرها. وعن العالم الأجلّ الصالح أبي الحسن القلصادي الأندلسي الفرائض والحساب، وأجازه جميع ما يرويه وغيرهم. وكان آية في علمه وهديه، وصلاحه وسيرته، وزهده وورعه وتوقيه. جمع تلميذه الملالي في أحواله وسيره وفوائده تأليفا كبيرا في نحو ستة عشر كراسا من القالب الكبير. وكان حليما، كثير الصبر، ربما يسمع ما يكره فيتعامى عنه ولا يؤثر فيه، بل يتبسم، وهذا شأنه في كل ما يغضبه ولا يلقي له بالا، ولا يحقد على أحد، ولا يعبس في وجهه، يفاتح من تكلم في عرضه بكلام طيب وإعظام حتى يعتقد أنه صديقه، وقع له ممن يدعي أنه أعلم أهل الأرض كلام ينقصه، فما بالى به، ولما ألّف بعض عقائده أنكر عليه كثير من علماء أهل وقته، وتكلموا بما لا يليق، فتغير لذلك كثيرا وحزن أياما، ثم رأى في منامه عمر بن الخطاب واقفا على رأسه بيده سيف أو عصا، فهزها على رأسه وهدده بها، وكأنه قال: ما هذا الخوف من الناس. فأصبح قد زال حزنه، واشتدّ قلبه على المنكرين فخرست حينئذ ألسنتهم، فحلم عنهم وسمح، فأقروا بفضله. وكان من عاداته أنه إذا صلى الصبح في مسجده وفرغ من ورده، أقرأ العلم إلى وقت الفطور المعتاد، ثم خرج ووقف مع الناس ساعة بباب داره ثم دخل وصلى الضحى قدر قراءة عشرة أحزاب، ثم اشتغل بالمطالعة في وقت طول النهار، وإلا ربما زالت الشمس وهو في الضحى، وخرج بعد الزوال للخلوات، فلا يرجع إلا للغروب، أو يبقى في بيته فيتوضأ ويصلي أربع ركعات، ثم خرج لمسجده وصلى بالناس الظهر وتنفل أربعا، ويقرىء ثم يتنفل وقت العصر أربعا، ويصلي العصر ويقرأ، أو يخرج لداره. واشتغل بالورد إلى الغروب، ثم خرج للمغرب وتنفل بست ركعات، ويبقى هناك حتى يصلي العشاء، ويقرأ ما تيسر ورجع لداره ونام ساعة، ثم اشتغل بالنظر أو النسخ ساعة وتوضأ، ويصلي باقيا فيها، أو في ذكر لطلوع الفجر، هذا أكثر حاله. وأما وعظه، فكان يقرع الأسماع، وتقشعر منه الجلود، كل من حضر يقول: معي يتكلم، وإياي يعني، جله في الخوف والمراقبة وأحوال الآخرة، لا تخلو مجالسه منه مع حلاوة له، لا توجد في كلام غيره، يعظ كل أحد بحسب حاله، ما رؤي قط إلا وشفتاه متحركتان بالذكر، وربما يكلمه إنسان وهو يذكر الله تعالى، وتسمع لقلبه أنينا من شدة خوفه ومراقبته على الدوام، كان يقول: حقيقة العبودية امتثال الأمر، واجتناب النهي مع كمال الذلة والخضوع.

стр. 24

وكان- ﵀ أورع زمانه، يبغض الاجتماع بأهل الدنيا والنظر إليهم وقربهم، وأتاه في مرضه بعض من يذمه من علماء عصره، فطلب منه أن يسمح له، فغفر له ودعا له، ولما مات بكى عليه هذا العالم شديدا وتألم، ومتى ذكره بكى ويقول: فقدت الدنيا بفقده، كان يثني كثيرا على رجلين من علماء عصره ممن يذمونه ويسيئون إليه، وكان يصلح بين الخصام، ويقضي الحوائج، ذكر أنه كتب يوما ثلاثين كتابا بلا فترة، قال: «كلفني بها إنسان لم أقدر على ردها» . ولو كان إنسان ينسخ مثل هذا في كل يوم لظفر بعدة أسفار، وهذه مصائب ابتلينا بها. ومن صبره كثرة وقوفه مع الخلق، ولا يفارق الرجل حتى ينصرف. وهذا كله مع إدامة الطاعات وسواء الطريقة وشدة التّحرّز والإسراع بوفاء حقوق العباد قبل استحقاقها، إذا أعار كتابا رده في أقرب مدة قبل طلب صاحبه، وربما كان سفرا ضخما لا يمكن مطالعته إلا في ثلاثة أيام، فيطالعه يوما واحدا ويرده. وكان يأمر أهله بالصّدقة سيما وقت الجوع ويقول: من أحب الجنة فليكثر الصدقة خصوصا في الغلاء، كثير التصدق بيده، ويكثر الخروج للخلوات ومواضع الخرب الباقية آثارها للاعتبار، وإذا رأى ما كان منها متقنا ذكر حديث: «رحم الله عبدا صنع شيئا فأتقنه» ويقول: أين سكانها؟ وكيف يتنعمون؟. وأما تآليفه فقال الملالي: منها شرحه الكبير على «الحوفية» المسمى «المقرب المستوفى» كبير الجرم، كثير العلم، ألفه وهو ابن تسعة عشر عاما، ولما وقف عليه شيخه الحسن أبركان تعجب منه، وأمر بإخفائه حتى يكمل سنه أربعين سنة لئلا يصاب بالعين، ويقول له: لا نظير له فيما أعلم، ودعا لمؤلفه، وعقيدته الكبرى سماها «عقيدة التوحيد» في كراريس من القالب الرباعي، أول ما صنفه في الفن، ثم شرحها، ثم الوسطى وشرحها في ثلاثة عشر كراسا، ثم الصغرى وشرحها في ست، وهي من أجل العقائد لا تعادلها عقيدة، كما أشار إليه هو. حدثني بعضهم أنه مات قريبه وكان صالحا، فرآه في النوم. فسأله عن حاله فقال: دخلت الجنة فرأيت إبراهيم الخليل ﵇ يقرىء صبيانا عقيدة السنوسي، يدرسونها في الألواح يجهرون بقراءتها- اهـ. قال الشيخ: لا شك أنه لا نظير لها فيما علمت، تكفي من اقتصر عليها عن سائر العقائد، وقد نظم سيدي محمد بن يحبش التازي في مدحها أبياتا، وعقيدته المختصرة أصغر من الصغرى، وشرحها أربع كراريس، وفيه فوائد ونكت، والمقدمات المبينة لعقيدته الصغرى قريبة منها جرما، وشرحها خمس كراريس، وشرح الأسماء الحسنى في كراريس،

стр. 25

وشرحه الكبير على الجزيرية فيه نكت نفيسة، ومختصر الأبي على مسلم في سفرين فيه نكت حسنة، وشرح «ايسا غوجي» في المنطق، تأليف البرهان البقاعي كثير العلم، ومختصره العجيب فيه زوائد على «الخونجي» وشرحه الحسن جدا، وشرح قصيدة الحباك في الأسطرلاب شرح جليل، وشرح أبيات الإمام الاليري في التصوف، وشرح الأبيات التي أولها: تطهر بماء الغيب، وشرحه العجيب على البخاري وصل فيه إلى باب «من استبرأ لدينه» ، وشرح مشكلات البخاري في كراسين، ومختصر الزركشي على البخاري. ومنها عقيدة أخرى فيها دلائل قطعية على من أثبت تأثير الأسباب العادية، كتبها لبعض الصالحين، ومختصر «حاشية التفتازاني» على «الكشاف» ، و «شرح مقدمة الجبر والمقابلة» لابن الياسمين، وشرح «جمل» الخونجي في المنطق، و «شرح مختصر ابن عرفة» ، فيه حل صعوبته، وقال لي: إن كلامه صعب سيما هذا المختصر تعبت كثيرا في حله لصعوبته إلى الغاية، لا أستعين عليها إلا بالخلوة. ومنها شرح رجز ابن سينا في الطب لم يكمل، ومختصر في القراءات السبع، وشرح «الشاطبية» الكبرى لم يكمل، وشرح «الوغليسية» في الفقه لم يكمل، ونظم في الفرائض، واختصار «رعاية» المحاسبي، ومختصر «الرّوض الأنف» للسهيلي لم يكمل، ومختصر «بغية السالك في أشرف المسالك» للساحلي، وشرح «المرشدة» و «الدر المنظوم» في شرح «الجرومية» ، وشرح «جواهر العلوم» للعضد في علم الكلام على طريقة الحكماء، وهو كتاب عجيب جدا في ذلك، إلا أنه صعب متعسّر على الفهم جدا، وتفسير القرآن إلى قوله: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ في ثلاثة كراريس، ولم يمكن له التفرغ له، وتفسير سورة «ص» وما بعدها، فهذا ما علمت من تآليفه مع ما له من الفتاوى والوصايا والرسائل والمواعظ، مع كثرة الأوراد وقضاء الحوائج والإقراء- اهـ. وقد أخذ عنه أعلام كابن صعد، وأبي القاسم الزواوي، وابن أبي مدين، والشيخ يحيى بن محمد، وابن الحاج البيدري، وابن العباس الصغير، وولي الله محمد القلعي ريحانة زمانه، وإبراهيم الوجديجي وابن ملوكة، وغيرهم من الفضلاء. وتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأخيرة عام خمسة وتسعين وثمانمائة، وشم الناس المسك بنفس موته، ﵀. مولده بعد الثلاثين وثمانمائة. ٣- أبو العباس أحمد بن عبد الله الجزائري الزواوي «١» ، الشيخ الإمام الفاضل،

стр. 26

العالم العامل، الولي الصالح الكامل. أخذ عن أبي زيد الثعالبي وغيره، وعنه الشيخ زروق وغيره. ألف اللامية المشهورة في العقائد، شرحها الشيخ السنوسي، وأثنى على ناظمها بالعلم والصّلاح. توفي سنة ٨٨٤ هـ. ٤- محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي «١» : التلمساني خاتمة المحققين، الإمام العالم، العلامة الفهامة، القدوة الصالح السني، أحد الأذكياء، ممن له بسطة في الفهم والتقدم، متمكن المحبة في السنة وبغض أعداء الدين، وقع له بسبب ذلك أمور مع فقهاء وقته حين قام على يهود «توات» ، وألزمهم الذل، بل قتلهم وهدم كنائسهم، ونازعه في ذلك الفقيه عبد الله العصنوني قاضي «توات» ، وراسلوا في ذلك علماء «فاس» و «تونس» و «تلمسان» ، فكتب في ذلك الحافظ التنسي كتابة مطولة، بصواب رأي صاحب الترجمة، ووافقه عليها الإمام السنوسي. دخل بلاد «أهر» وبلاد «تكدة» ، واجتمع بصاحبها، وأقرأ أهلها وانتفعوا به، ثم دخل بلاد «كنو وكشن» من بلاد السودان، واجتمع بصاحب «كنو» واستفاد عليه، وكتب رسالة في أمور السلطنة يحضه على اتباع الشرع، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقرر لهم أحكام الشرع وقواعده. ثم رحل لبلاد «التكرور» ، فوصل إلى بلدة «كاغو» ، واجتمع بسلطانها ساسكي محمد الحاج، وجرى على طريقته من الأمر بالمعروف، وألف له تأليفا أجابه فيه عن مسائل، وبلغه هناك قتل ولده بتوات من جهة اليهود، فانزعج لذلك، وطلب من السلطان قبض أهل توات الذين بكاغو حينئذ، فقبض عليهم، وأنكر عليه أبو المحاسن محمود بن عمر إذ لم يفعلوا شيئا، فرجع عن ذلك، وأمر بإطلاقهم، ورحل لتوات فأدركته المنية بها، فتوفي هناك سنة تسع وتسعمائة. ويقال: إن بعض ملاعين اليهود أو غيرهم مشى لقبره فبال عليه فعمي مكانه، وكان- ﵀ مقداما على الأمور، جسورا جريء القلب، فصيح اللسان، محبا في السنة جدليا نظارا محققا. له تآليف منها: «البدر المنير في علوم التفسير» ، و «مصباح الأرواح في أصول الفلاح» كتاب عجيب في كراسين أرسله للسنوسي، وابن غازي، فقرظاه، وشرح «مختصر

стр. 27

خليل» سماه «مغني النبيل» ، اختصر فيه جدا، وصل فيه للقسم بين الزوجات، وله عليه قطع أخر من البيوعات وغيرها، بل قيل: إنه شرح ثلاثة أرباع المختصر، وحاشية عليه سماها «إكليل المغني» ، وشرح بيوع الآجال من ابن الحاجب، فبحث فيه مع ابن عبد السلام وخليل، وتأليف في المنهيات، ومختصر «تلخيص المفتاح» وشرحه، و «مفتاح النظر» في علم الحديث، فيه أبحاث مع النووي في تقريبه، وشرح «الجمل» في المنطق، ومقدمة فيه، ومنظومة فيه سماها «منح الوهاب» ، وثلاثة شروح عليها. وله أيضا «تنبيه الغافلين عن مكر الملبسين بدعوى مقامات العارفين» ، وشرح خطبة المختصر، ومقدمة في العربية، وكتاب «الفتح المبين» ، وفهرسة مروياته، وعدة قصائد، كالميمية على وزن البردة ورويّها في مدحه ﷺ . أخذ عن الإمام عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ يحيى بن بدير، وغيرهما، وأخذ عنه جماعة، كالفقيه أيد أحمد، والشيخ العاقب الأنصمني، ومحمد بن عبد الجبار الفيجي وغيرهم. ووقع له مراسلة مع الجلال السيوطي في علم المنطق، فمما كتب للسيوطي فيه قوله: [من الطويل] سمعت بأمر ما سمعت بمثله ... وكلّ حديث حكمه حكم أصله أيمكن أنّ المرء في العلم حجّة ... وينهى عن الفرقان في بعض قوله هل المنطق المعنيّ إلّا عبارة ... عن الحقّ أو تحقيقه حين جهله معانيه في كلّ الكلام وهل ترى ... دليلا صحيحا لا يردّ لشكله أرنّي هداك الله منه قضيّة ... على غير هذا تنفها عن محلّه ودع عنك أبداه كفور وذمّة ... رجال وإن أثبتّ صحّة نقله خذ الحقّ حتّى من كفور ولا تقم ... دليلا على شخص بمذهب مثله عرفناهم بالحقّ لا العكس فاستبن ... به لا بهم إذ هم هداة لأجله لئن صحّ عنهم ما ذكرت فكم هم ... وكم عالم بالشّرع باح بضلّه ... في أبيات أخرى، فأجابه السيوطيّ بقوله: [من الطويل] حمدت إله العرش شكرا لفضله ... وأهدي صلاة للنّبيّ وأهله عجيب لنظم ما سمعت بمثله ... أتاني عن حبر أقرّ بنبله

стр. 28

تعجّب منّي حين ألّفت مبدعا ... كتابا جموعا فيه جمّ ب نقله أقرّر فيه النّهي عن علم منطق ... لما قاله الأعلام من ذمّ شكله وسمّاه بالفرقان يا ليت لم يقل ... فذا وصف قرآن كريم ل فضله وقال فيه فيما يقرر رأيه ... مقالا عجيبا نائيا عن مح لّه: ودع عنك أبداه كفور وبعد ذا ... خذ الحقّ حتّى من كفور ب ختله وقد جاءت الآثار في ذمّ من حوى ... علوم يهود أو نصارى ل أجله يعزّز به علما لديه وأنّه ... يعذّب تعذيبا يليق ب فعله وقد منع المختار فاروق صحبه ... وقد خطّ لوحا بعد توراة أهله وقد جاء من نهي اتّباع لكافر ... وإنّ كان ذاك الأمر حقّا ب أصله أقمت دليلا بالحديث ولم أقم ... دليلا على شخص بمذهب مثله سلام على هذا الإمام فكم له ... لديّ ثناء واعتراف بفضله- اهـ- ٥- علي بن محمد التالوتي الأنصاري أخو الإمام محمد بن يوسف السنوسي لأمه «١» : قال تلميذه الملالي: شيخنا، الفقيه، الحافظ، المتقن، العالم، المتفنن، الصالح، أبو الحسن، كان محقّقا متقنا حافظا يحفظ كتاب ابن الحاجب، ويستحضره بين عينيه، قل أن ترى مثله حافظا، قرأ عليه أخوه محمد السنوسي «الرسالة» في صغره، وكان من أكابر أصحاب الحسن أبركان، ما رأيته قط مشتغلا بما لا يعنيه، بل إما ذاكرا أو قارئا للقرآن أو مشتغلا بمطالعة أو نحوه، يحفظ «الرسالة» و «ابن الحاجب» ، و «التسهيل» لابن مالك، وغيرها، جعل له وردا كل يوم، قرأت عليه «ابن الحاجب» قراءة بحث وإفادة، وسألته عن وضع الكتاب في الأرض، فقال: حكى شيخنا الحسن أبركان فيه قولين لمتأخري أهل «تونس» و «بجاية» جوازا ومنعا، وسألته عن مستند الناس في عادتهم من عدم أخذ الرجل المقص من صاحبه بل يضعه على الأرض فيأخذه حينئذ، فقال: سألت عنه شيخنا الحسن أبركان فقال: هكذا رأينا شيوخنا يفعلون، ثم قال سيدي علي: ولعلّه علم نسبي- اهـ. قال التنبكي: وقد ذكر السيد الشريف السمهودي الشافعي في كتابه «جواهر العقدين» حكمة منعه عن بعض شيوخه فانظره فيه، قال الملالي: وسألته عن الوتر جالسا قال: فيه قولان بالجواز وعدمه، وذكر أخوه السنوسي أنه يؤخذ جوازه جالسا من قول «المدونة» : أنه

стр. 29

يوتر في سفره على الدّابّة- اه. وهذا الأخذ نقله ابن ناجي عن بعض الشيوخ، قال الملالي: رأيت بخطّه عن بعض الصالحين أن من نزل منزلا وجمع أثقاله وخط على حواليها خطّا وهو في داخل الخط، ويقول في داخله ثلاثا: الله الله ربي لا شريك له، لم يضره لصّ ولا عدوّ ولا غيره، ويكون مع ثقله في حرز الله، وهو مجرب- اهـ. وتوفي في صفر عام خمسة وتسعين وثمانمائة، ورأى أخوه السنوسي قبل موته في المنام دارا عظيمة فيها فرش مرتفع فقيل له: هي لأخيك عليّ يدخل فيها عروسا- اهـ. - من الملالي. ٦- علي بن عبّاد التّستريّ البكري الفاسي المغربي: «١» أخذ عن أبي بكر البرجي الفقه، وأسئلة كثيرة عن محمد القوري، وسمع الحديث على عبد الرحمن الثعالبي، ومن تآليفه «لطائف الإشارات في مراتب الأنبياء في السموات» ، ولد سنة ثلاثين وثمانمائة. قال التنبكي: وتأليفه المذكور في كراسة ذكر في آخره أنه فرغ منه في ذي الحجة عام ثمانين وثمانمائة. ٧- أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي الشهير بزروق «٢» : الإمام العالم الفقيه، المحدث، الصوفي، الولي، الصالح الزاهد، القطب الغوث العارف بالله، الحاج الرحلة المشهورة شرقا وغربا، ذو التصانيف العديدة، والمناقب الحميدة، والفوائد العتيدة، قد عرف بنفسه وأحواله وشيوخه في كناشته وغيرها، فقال: ولدت يوم الخميس طلوع الشمس ثامن وعشرين من المحرم سنة ست وأربعين وثمانمائة، وتوفيت أمي يوم السبت بعده وأبي يوم الثلاثاء بعده كلاهما في سابعي، فبقيت بعين الله بين جدتي الفقيهة أم البنين، فكفلتني حتى بلغت العشر، وحفظت القرآن، وتعلمت صناعة الخرز، ثم نقلني الله بعد بلوغي سادس عشر إلى القراءة، فقرأت «الرسالة» على الشيخين: على السطي، وعبد الله الفخار قراءة بحث وتحقيق، و «القرآن» على جماعة منهم: القوري، والزرهوني، وكان رجلا صالحا، والمجاصي، والأستاذ الصغير بحرف نافع، واشتغلت بالتصوف والتوحيد، فأخذت «الرسالة القدسية» ، و «عقائد الطوسي» على الشيخ

стр. 30

عبد الرحمن المجدولي، وهو من تلاميذ الأبي، وبعض «التنوير» على القوري، وسمعت عليه البخاري كثيرا، وتفقهت عليه في كل «أحكام عبد الحق الصغرى» ، و «جامع الترمذي» ، وصحبت جماعة من المباركين لا تحصى كثرة بين قفيه وفقير. وقال فيه الشيخ ابن غازيّ: صاحبنا الأود الخلاصة الصفي، الفقيه المحدث، الفقير، الصوفي البرنسي، و «برنس» ، بنون مضمومة بعد الراء، نسبة إلى عرب بالمغرب، انتهت فهرسته. وقال الحافظ السخاوي: أخذ على القوري، وكتب على «حكم ابن عطاء الله» ، وعلى «القرطبية» في الفقه، ونظم «فصول السلمي» - اهـ. قال التنبكي: ومن شيوخه، كما ذكره هو، الشيخ الإمام عبد الرحمن الثعالبي، والولي إبراهيم التازي، والمشذالي، والشيخ حلولو، والسراج الصغير، والرصاع، وأحمد بن سعيد الحباك، والحافظ التنسي، والإمام السنوسي، وابن زكري، وأبو مهدي عيسى المواسي، وبالمشرق عن جماعة كالنور السنهوري، والحافظ الدميري، والحافظ السخاوي، والقطب أبي العباس أحمد بن عقبة الحضرمي، وولي الله الشهاب الأنشيطي في جماعة آخرين. وأما تآليفه: فكثيرة يميل إلى الاختصار مع التحرير، ولا يخلو شيء منها عن فوائد غزيرة، وتحقيقات مفيدة سيما في التصوف، فقد انفرد بمعرفته وجودة التأليف فيه، فمنها شرحان على «الرسالة» ، وشرح «إرشاد ابن عسكر» ، وشرح «مختصر خليل» ، رأيت مواضع منه بخطه عن الأنكحة والبيوع وغيرها، وشرح «الوغليسية» ، وشرح «القرطبية» ، وشرح «الغافقية» ، وشرح «العقيدة القدسية» للغزالي، ونيف وعشرون شرحا على الحكم، وقفت على الخامس عشر والسابع عشر منها، وأخبرني والدي- رحمه الله تعالى- أن بعض المكيين أخبره، أن له عليها أربعا وعشرين شرحا، وشرحان على «حزب البحر» ، وشرح «الحزب الكبير» لأبي الحسن الشاذلي، وشرح مشكلاته، وشرح «الحقائق والدقائق» للمقري، وشرح قطع الششتري وشرح «الأسماء الحسنى» ، وشرح «المراصد» في التصوف لشيخه ابن عقبة، و «النصيحة الكافية لمن خصّه الله بالعافية» . واختصره. و «إعانة المتوجه المسكين على طريق الفتح والتمكين» ، وكتاب «القواعد في التصوف» ، وهذه الثلاثة في غاية النبل والحسن، سيما الأخير لا نظير له. وكتاب «النصح الأنفع والجنة للمعتصم من البدع بالسنة» ، وكتاب «عدة المريد الصادق من أسباب المقت في بيان الطريق وذكر حوادث الوقت» كتاب جليل فيه مائة فصل بين فيه البدع التي يفعلها فقراء الصّوفية، وله تعليق لطيف على «البخاري» قدر عشرين كراسا اقتصر فيه على ضبط الألفاظ وتفسيرها، وجزء صغير في علم الحديث، وله رسائل كثيرة لأصحابه مشتملة على حكم

стр. 31

ومواعظ وآداب ولطائف التصوف مع الاختصار قلّ أن توجد لغيره، وبالجملة فقدره فوق ما يذكر، ومن تفرغ فذكر حاله وفوائده وحكمه ورسائله جمع منها مجلدا. وهو آخر أئمة الصوفية المحققين الجامعين لعلمي الحقيقة والشريعة، له كرامات عديدة، وحجّ مرات، وأخذ عنه جماعة من الأئمة، كالشمس اللقاني، والعالم محمد بن عبد الرحمن الحطّاب، والزين طاهر القسنطيني، وغيرهم، وقد أجازني سيدي الشيخ الصوفي أحمد بن أبي القاسم الهروي التادلي ما أجازه شيخه العريف الخروبي تلميذ زروق عنه. توفي ب «تكرين» من عمل «طرابلس» «١» في صفر عام تسعة وتسعين وثمانمائة، ووجدت منسوبا إليه من نظمه قوله: [الطويل] ألا قد هجرت الخلق طرّا بأسرهم ... لعلّي أرى محبوب قلبي بمقلتي وخلّفت أصحابي وأهلي وجيرتي ... وتيّمت نجلي واعتزلت عشيرتي ووجّهت وجهي للّذي فطر السّما ... وأعرضت عن أفلاكها المستنيرة وعلّقت قلبي بالمعالي تهمّسا ... وكوشفت بالتّحقيق من غير مرية وقلّدت سيف العزّ في مجمع الوغى ... وصرت إمام الوقت صاحب رفعة وملّكت أرض الغرب طرّا بأسرها ... وكلّ بلاد الشّرق في طيّ قبضتي فملّكنيها بعض من كان عارفا ... وخلّفني فيها بأحسن سيرتي فأرفع قدرا ثمّ أخفض رتبة ... لأرفع مقدارا بأرفع حكمتي وأعزل قوما ثمّ أولي سواهم ... وأعلي منار البعض فوق المنصّة وأجبر مكسورا وأشهر خاملا ... وأرفع مقدارا بأرفع همّتي وأقهر جبّارا وأدحض ظالما ... وأنظر مظلوما بسلطان سطوتي وألهمت أسرارا وأعطيت حكمة ... وحزت مقامات العلا المستنيرة أنا لمريدي جامع لشتاته ... إذا ما سطا جور الزّمان بنكبة وإن كنت في كرب وضيق ووحشة ... فناد أيا زروق، آت بسرعة فكم كربة تجلى بمكنون عزّنا ... وكم طرفة تجنى بأفراد صحبتى

стр. 32

مصنّفات الثّعالبيّ: لم تحظ أمة من الأمم بمثل ما حظيت به هذه الأمة الإسلامية من تراث تليد، وأثر حميد، ذلك أن علماءها قد ملئوا مكتباتها بكتب وأسفار تحمل في صفحاتها وصحيفاتها كل علم نافع، سواء في الدنيا أو في الآخرة. ولقد درج الثعالبي- ﵀ نفسه ضمن تلك السلسلة المباركة، من شيوخ هذه الأمة، فأخرج لنا نفائس الكتب في مختلف العلوم، إلا أن الذي ذكر لنا في تراجمه لم يكن بالعدد الضخم الذي يبلغ المائة، ولا ما يزيد، مثل ما كان عدد مصنفات ابن الجوزيّ مثلا، فقد قال ابن تيمية عنه: «عددت له ألف مصنف، ثم رأيت بعد ذلك ما لم أر» . وكانت مصنّفات الثعالبي كما يلي: أولا: في التفسير: - الجواهر الحسان في تفسير القرآن، وهو هذا الكتاب. ثانيا: في الفقه: ١- روضة الأنوار، جمعه من نحو من ستين من أمهات الدواوين المعتمدة. ٢- جامع الأمهات في أحكام العبادات. ثالثا: في الحديث: ١- أربعون حديثا مختارة. ٢- المختار من الجوامع. رابعا: الرقائق وعلوم الآخرة: ١- الأنوار المضيئة في الجمع بين الشريعة والحقيقة. ٢- العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة. ٣- كتاب النّصائح. ٤- جامع الفوائد. ٥- الدر الفائق في الأذكار.

стр. 33

٦- الإرشاد في مصالح العباد. خامسا: في القراءات: - شرح منظومة ابن بريّ في قراءة نافع. سادسا: تهذيب النّفس: - إرشاد السالك. سابعا: إعراب القرآن وغريبه: ١- تحفة الأقران في إعراب بعض آي القرآن. ٢- الذهب الإبريز في غريب القرآن العزيز. ثامنا: في الخصائص النبوية: - كتاب في معجزاته ﷺ . وقد أثنى العلماء على مصنّفات الثعالبي، فقال السخاوي: «كان إماما علامة، مصنفا ... » .، وفي شجرة النور: له تآليف كثيرة مفيدة. وبالجملة، فهذا تقييم لأحد مترجمي الإمام الثعالبي، ذكر فيه كتبه وحجمها، ومادتها. قال التنبكي: وأما تآليفه فكثيرة كتفسيره «الجواهر الحسان» في غاية الحسن، اختصر فيه «ابن عطية» مع فوائد وزوائد كثيرة، و «روضة الأنوار، ونزهة الأخيار» ، وهو قدر «المدونة» ، فيه لباب من نحو ستين من أمهات الدواوين المعتمدة، وهو خزانة كتب لمن حصله قال: وجمعته في سنين كثيرة، فيه بساتين وروضات- اهـ. وكتاب «الأنوار في معجزات النبي المختار» ﷺ ، و «الأنوار المضيئة الجامع بين الحقيقة» في جزء، و «رياض الصالحين» جزء، وكتاب «التقاط الدرر» ، وكتاب «الدر الفائق في الأذكار والدعوات» ، و «العلوم الفاخرة في أحوال الآخرة» مجلد ضخم، وشرح «ابن الحاجب» الفرعي في سفرين، جمع فيه نخب كلام ابن رشد وابن عبد السلام وابن هارون وخليل وغرر ابن عرفة مع جواهر «المدونة» وعيون مسائلها في سفرين، وفي آخره جامع كبير نحو عشرة كراريس من القالب الكبير فيه فوائد، و «إرشاد السالك» جزء صغير،

стр. 34

و «الأربعون حديثا مختارة» ، و «المختار من الجوامع في محاذاة الدرر اللوامع» ، وكتاب «جامع الفوائد» ، وكتاب «جامع الأمهات في أحكام العبادات» ، وكتاب «النصائح» ، وكتاب «تحفة الإخوان في إعراب بعض آي القرآن» ، و «الذهب الإبريز في غرائب القرآن العزيز» ، وكتاب «الإرشاد في مصالح العباد» ، ذكر جميعها في فهرسته. ثناء العلماء عليه: نال الإمام الثعالبي ثناء عطرا من أهل العلم، والله (سبحانه) يعلي ذكر المرء في الأمم والأعصار على قدر إخلاصه ونيته. قال الإمام السخاوي: «وكان إماما مصنفا ... وعمل في الوعظ والرقائق وغير ذلك» . وفي «نيل الابتهاج» قال التنبكي: «الشيخ، الإمام، الحجة، العامل، الزاهد، الورع، ولي الله الناصح الصالح، العارف بالله، أبو زيد، شهر بالثعالبي، صاحب التصانيف المفيدة، كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين، قال السخاوي: كان إماما علامة مصنفا، اختصر تفسير ابن عطية في جزءين، وشرح «ابن الحاجب» الفرعي في جزءين، وعمل في الوعظ والرقائق وغيرها- اهـ. قال الشيخ زروق: شيخنا الفقيه الصالح والديا عليه أغلب من العلم، يتحرى في النقل أتم التحري، وكان لا يستوفيه في بعض المواضع- اهـ. قال ابن سلامة البكري: كان شيخنا الثعالبي رجلا صالحا زاهدا عالما عارفا وليا من أكابر العلماء، له تآليف جمة أعطاني نسخة من تفسير «الجواهر» لا بشراء ولا عوض، عاوضه الله بالجنة، وقال غيره: سيدنا ووسيلتنا لربنا الإمام الولي العارف بالله- اهـ. قلت: وهو ممن اتفق النّاس على صلاحه وإمامته، أثنى عليه جماعة من شيوخه بالقلم والدين والصلاح، كالإمام الأبي، والوليّ العراقي، والإمام الحفيد ابن مرزوق. وقال في «شجرة النور الزكية» : «الإمام، علم الأعلام، الفقيه، المفسر، المحدث، الراوية، العمدة، الفهامة، الهمام، الصالح، الفاضل، العارف بالله، الواصل. أثنى عليه جماعة بالعلم والصّلاح والدين المتين» . وقال الغزي في «ديوان الإسلام» : «الإمام، الحبر، العلامة» .

стр. 35

وقال الذّهبيّ في «التفسير والمفسرون» : «الإمام الحجة، العالم العامل، الزاهد، الورع، ولي الله الصالح، العارف بالله، كان من أولياء الله المعرضين عن الدنيا وأهلها، ومن خيار عباد الله الصالحين» . وفاته: كانت وفاة الثعالبي سنة خمس وسبعين وثمانمائة، كما ذكر تلميذه زروق، وذكره السخاوي في «الضوء اللامع» . إلا أن صاحب «شجرة النور الزكية» حكاها على الشّكّ، بين خمس وست وسبعين. ﵀ رحمة واسعة!!

стр. 36

المبحث الثاني التفسير قبل أبي زيد الثعالبي التّفسير والتّأويل التّفسير لغة: التفسير في اللغة: الإيضاح والتبيين ومنه قوله تعالى: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان: ٣٣] أي: بيانا وتفصيلا، وهو مأخوذ من الفسر، وهو: الإبانة والكشف. قال الفيروزآباديّ «١» : «الفسر: الإبانة وكشف المغطى كالتفسير، والفعل كضرب ونصر» . وقال ابن منظور «٢» : «الفسر: البيان، فسر الشيء يفسره- بالكسر- ويفسره- بالضم- فسرا، وفسّره: أبانه، والتفسير: مثله ... والفسر: كشف المغطّى، والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل» . وقال أبو حيان «٣» : « ... ويطلق التفسير أيضا على التّعرية للانطلاق قال ثعلب: «تقول: فسّرت الفرس: عريته لينطلق في حصره، وهو راجع لمعنى الكشف، فكأنه كشف ظهره لهذا الذي يريده منه من الجري» . وعلى ذلك: فالمادة تدور حول معنيين «٤» : الكشف المادّيّ المحسوس، والكشف المعنويّ المعقول.

стр. 37

وقيل: إن أصل الكلمة من التّفسرة، وهي الدليل من الماء ينظر فيه الطّبيب فيكشف عن علّة المريض كما يكشف المفسّر عن شأن الآية وقصّتها «١» . التفسير اصطلاحا: عرفه السّيوطيّ قائلا «٢» : «هو علم نزول الآيات وشؤونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكّيّها ومدنيّها، وبيان محكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصّها وعامّها، ومطلقها ومقيّدها، ومجملها ومفسّرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها، ونحو ذلك» . وعرّفه أبو حيان فقال «٣» : «هو علم يبحث فيه عن كيفية النّطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفراديّة والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التّركيب وتتمّات ذلك ... » وفيه قصور وغموض «٤» ... وتعريف الزركشي أوضح من التعريفين السابقين إذ يقول «٥» : «التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزّل على نبيّه محمّد ﷺ وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنّحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النّزول، والناسخ والمنسوخ» . وهناك تعريفات أخرى- غير ما ذكرنا «٦» - وكلها تتفق «على أن علم التفسير علم يبحث عن مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية فهو شامل لكلّ ما يتوقّف عليه فهم المعنى، وبيان المراد» «٧» .

стр. 38

التأويل لغة: أصله: «من الأول، وهو الرّجوع» . قال الفيروزآباديّ «١» : «آل إليه أولا ومآلا: رجع- وعنه ارتدّ ... وأوّل الكلام تأويلا، وتأوّله: دبّره وقدّره وفسّره، والتأويل عبارة الرّؤيا» . وقال ابن منظور «٢» : «الأول: الرّجوع: آل الشّيء يؤول أولا ومآلا: رجع، وأوّل الشّيء: رجعه، وألت عن الشّيء: ارتددت» وفي الحديث: «من صام الدّهر، فلا صام ولا آل» أي: لا رجع إلى خير ... وأوّل الكلام وتأوّله: دبّره وقدّره، وأوّله وتأوّله: فسّره» . وعليه: فالتأويل: إرجاع الكلام إلى ما يحتمله من المعاني. وقيل: التأويل مأخوذ من الإيالة، وهي السّياسة، فكأنّ المؤوّل ساس الكلام ووضعه في موضعه قال الزمخشري «٣» : «آل الرّعيّة يؤولها إيالة حسنة، وهو حسن الإيالة، وائتالها، وهو مؤتال لقومه مقتال عليهم، أي: سائس محتكم قال زياد في خطبته: قد ألنا وإيل علينا، أي: سسنا وسسنا ... » . وقد ورد لفظ التأويل في القرآن الكريم على معان مختلفة: من ذلك قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ... [آل عمران: ٧] . بمعنى: التفسير والتعيين. وقوله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩] بمعنى: العاقبة والمصير. وقوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ ... [الأعراف: ٥٣] وقوله

стр. 39

تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ... [يونس: ٣٩] بمعنى: وقوع المخبر به. ومن آيات سورة يوسف «١» أريد بها: نفس مدلول الرؤيا. ومن آيتي سورة الكهف «٢» بمعنى بيان حقيقة الأعمال الّتي عملها العبد الصالح، وليس تأويل الأقوال «٣» . التأويل اصطلاحا: التأويل عند السلف له معنيان: أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، وبذلك يكون التأويل والتفسير مترادفين، وهذا ما يعنيه «ابن جرير الطبري» في تفسيره حين يقول: «القول في تأويل قوله تعالى ... » وكذا قوله: «اختلف أهل التأويل في هذه الآية ... » . فالتفسير والتأويل كلاهما بمعنى. ثانيهما: هو نفس المراد بالكلام فإن كان الكلام طلبا، كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به وعليه: فالتأويل هنا نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أم مستقبلة، فإذا قيل: طلعت الشّمس، فتأويل هذا هو نفس طلوعها، وهذا في نظر «ابن تيميّة» هو لغة القرآن التي نزل بها وعلى هذا فيمكن إرجاع كلّ ما جاء في القرآن من لفظ التأويل إلى هذا المعنى الثاني «٤» . أما التأويل عند المتأخّرين من الأصوليين والكلاميّين وغيرهم: فهو: «صرف اللّفظ عن المعنى الرّاجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به» ، وهذا هو التأويل الذي يتكلّمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف «٥» . قال في «جمع الجوامع» «٦» :

стр. 40

«التأويل: حمل الظاهر على المحتمل المرجوح، فإن حمل عليه لدليل- فصحيح، أو لما يظنّ دليلا من الواقع- ففاسد، أو لا لشيء- فلعب لا تأويل» . الفرق بين التّفسير والتّأويل اختلف علماء «التفسير» في بيان الفرق بين التفسير والتأويل، ولعل منشأ هذا الخلاف «هو استعمال القرآن لكلمة «التأويل» ، ثم ذهاب الأصوليين إلى اصطلاح خاصّ فيها، مع شيوع الكلمة على ألسنة المتكلمين من أصحاب المقالات والمذاهب» «١» . - ومن العلماء من ذهب إلى أنهما بمعنى واحد، ومن هؤلاء: «أبو عبيد القاسم بن سلّام» ، وطائفة معه «٢» . - ومنهم من فرق بينهما: يقول الراغب الأصفهانيّ «٣» : «التفسير أعمّ من التّأويل، وأكثر ما يستعمل التّفسير من الألفاظ، والتأويل في المعاني كتأويل الرؤيا. والتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهيّة، والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها. والتفسير أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ، والتّأويل أكثره يستعمل في الجمل فالتفسير: إمّا أن يستعمل في غريب الألفاظ: «كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة» ، أو في تبيين المراد وشرحه كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [البقرة: ٤٣] ، وإما في كلام مضمّن بقصّة لا يمكن تصوّره إلا بمعرفتها نحو قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة: ٣٧] ، وقوله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: ١٨٩] . وأما التأويل: فإنه يستعمل مرة عامّا، ومرة خاصّا نحو «الكفر» المستعمل تارة في
следующие страницы →