← Тафсир

Тафсир · id 23619

زاد المسير في علم التفسير

ابن الجوزي

Полный текст (2 311 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

بالاسراء، كذبوه، فيكون المعنى: تنزه الله أن يتخذ رسولا كذاباً. ولا خلاف أن المراد بعبده هاهنا: محمّد ﷺ . وفي قوله تعالى: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ قولان: أحدهما: أنه أُسري به من نفس المسجد، قاله الحسن، وقتادة. ويسنده حديث مالك بن صعصعة، وهو في (الصحيحين) : (٨٩٠) «بينما أنا في الحطيم» وربما قال بعض الرواة: في «الحِجر» «١» . والثاني: أنه أُسري به من بيت أمّ هانئ «٢» ، وهو قول أكثر المفسرين «٣» ، فعلى هذا يعني بالمسجد الحرام: الحرم. والحرم كلُّه مسجد، ذكره القاضي أبو يعلى وغيره. فأما الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فهو بيت المقدس، وقيل له: الأقصى، لبُعد المسافة بين المسجدَين. ومعنى بارَكْنا حَوْلَهُ: أن الله أجرى حوله الأنهار، وأنبت الثِّمار. وقيل: لأنه مَقَرُّ الأنبياء، ومَهْبِطُ الملائكة. واختلف العلماء، هل دخل بيتَ المقدس، أم لا؟ (٨٩١) فروى أبو هريرة أنه دخل بيت المقدس، وصلّى فيه بالأنبياء، ثم عُرِج به إِلى السماء. وقال حُذيفة بن اليمان: لم يدخل بيت المقدس ولم يصلِّ فيه، ولا نزل عن البراق حتى عرج به «٤» . فإن

стр. 1192

قيل: ما معنى قوله تعالى: إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وأنتم تقولون: صعِد إِلى السماء؟ فالجواب: أن الإِسراء كان إِلى هنالك، والمعراج كان من هنالك. وقيل: إِن الحكمة في ذِكْر ذلك، أنه لو أخبر بصعوده إِلى السماء في بَدْءِ الحديث، لاشتد إِنكارهم، فلما أخبر ببيت المقدس، وبان لهم صدقُه فيما أخبرهم به من العلامات الصادقة، أخبر بمعراجه. قوله تعالى: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا يعني: ما رأى تلك الليلة من العجائب التي أَخبر بها الناس. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لمقالة قريش، الْبَصِيرُ بها. وقد ذكرنا في كتابنا المسمى ب «الحدائق» أحاديث المعراج، وكرهنا الإطالة ها هنا. وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَاّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣) قوله تعالى: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لمَّا ذكر في الآية الأولى إكرام محمّد ﷺ ، ذكر في هذه كرامة موسى. والْكِتابَ: التوراة. وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي: دللناهم به على الهدى. أَلَّا تَتَّخِذُوا قرأ أبو عمرو: «يتخذوا» بالياء، والمعنى: هديناهم لئلا يتخذوا، وقرأ الباقون بالتاء، قال أبو علي: وهو على الانصراف إِلى الخطاب بعد الغَيْبَة، مثل: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثم قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. قوله تعالى: وَكِيلًا قال مجاهد: شريكاً. وقال الزجاج: ربّاً. قال ابن الأنباري: وإِنما قيل للربِّ: وكيل، لكفايته وقيامه بشأن عباده، من أجل أَن الوكيل عند الناس قد عُلم أَنه يقوم بشئون أصحابه، وتفقُّد أمورهم، فكان الرب وكيلاً من هذه الجهة، لا على معنى ارتفاع منزلة الموكِّل وانحطاط أمر الوكيل. قوله تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا قال مجاهد: هو نداء: يا ذرية من حملنا. قال ابن الأنباري: من قرأ: «ألَاّ تتخذوا» بالتاء، فإنه يقول: بعد الذرية مضمر حُذفَ اعتماداً على دلالة ما سبق، تلخيصه: يا ذرية من حملنا مع نوح لا تتخذوا وكيلاً، ويجوز أن يستغني عن الإضمار بقوله تعالى: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً لأنه بمعنى: اشكروني كشكره. ومن قرأ: «ألّا يتخذوا» بالياء، جعل النداء متصلاً بالخطاب، و «الذرية» تنتصب بالنداء، ويجوز نصبها بالاتخاذ على أنها مفعول ثان، تلخيص الكلام: ألّا يتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلاً. قال قتادة: الناس كلُّهم ذرِّيَّة من أنجى الله في تلك السفينة. قال العلماء: ووجه الإِنعام على الخَلْق بهذا القول، أنهم كانوا في صلب من نجا. قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً قال سلمان الفارسي: كان إِذا أَكل قال: «الحمد لله» وإِذا شرب قال: «الحمد لله» . وقال غيره: كان إِذا لبس ثوباً قال: «الحمد لله» فسمَّاه الله «عبدا شكورا» . وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦)

стр. 1193

قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فيه قولان «١» : أحدهما: أخبرناهم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: قضينا عليهم، رواه العوفي عن ابن عباس. وبه قال قتادة، فعلى الأول: تكون إِلى على أصلها، ويكون الكتاب: التوراة، وعلى الثاني: تكون إِلى بمعنى «على» ، ويكون «الكتاب» : الذِّكر الأول. قوله تعالى: لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ يعني: أرض مصر مَرَّتَيْنِ بالمعاصي ومخالفة التوراة. وفي مَنْ قتلوه من الأنبياء في الفساد الأول قولان: أحدهما: زكريا، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: شَعْيَا، قاله ابن إِسحاق. فأما المقتول من الأنبياء في الفساد الثاني: فهو يحيى بن زكريا. قال مقاتل: كان بين الفسادَين مائتا سنة وعشر سنين. فأما السبب في قتلهم زكريا، فإنهم اتهموه بمريم، وقالوا: منه حملت، فهرب منهم، فانفتحت له شجرة فدخل فيها وبقي من ردائه هدب، فجاءهم الشيطان فدلَّهم عليه، فقطعوا الشجرة بالمنشار وهو فيها. وأما السبب في قتلهم «شعيا» ، فهو أنه قام فيهم برسالةٍ مِنَ الله ينهاهم عن المعاصي. وقيل: هو الذي هرب منهم فدخل في الشجرة حتى قطعوه بالمنشار، وأنّ زكريّا مات حتف أنفه. فأمّا السبب في قتلهم يحيى بن زكريا، ففيه قولان: أحدهما: أن ملِكهم أراد نكاح امرأة لا تحلُّ له، فنهاه عنها يحيى. ثم فيها أربعة أقوال: أحدها: أنها ابنة أخيه، قاله ابن عباس. والثاني: ابنته، قاله عبد الله بن الزبير. والثالث: أنها امرأة أخيه، وكان ذلك لا يصلح عندهم، قاله الحسين بن علي ﵉. والرابع: ابنة امرأته، قاله السدي عن أشياخه، وذكر أن السبب في ذلك: أن ملك بني إِسرائيل هويَ بنت امرأته، فسأل يحيى عن نكاحها، فنهاه، فحنقت أمها على يحيى حين نهاه أن يتزوج ابنتها، وعمدت إِلى ابنتها فزينتها وأرسلتها إِلى الملك حين جلس على شرابه، وأمرتْها أن تسقيَه، وأن تعرض له، فان أَرادها على نفسها، أَبت حتى يؤتى برأس يحيى بن زكريا في طَسْت، ففعلت ذلك، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت: ما أريد إِلا هذا، فأمر، فأُتي برأسه والرأس يتكلم ويقول: لا تحلُّ لك، لا تحلُّ لك. والقول الثاني: أن امرأة الملك رأت يحيى ﵇ وكان قد أُعطيَ حسناً وجمالاً، فأرادته على نفسه، فأبى، فقالت لابنتها: سلي أباك رأس يحيى، فأعطاها ما سألت، قاله الربيع بن أنس. قال العلماء بالسِّيَر: ما زال دم يحيى يغلي حتى قتل عليه من بني إِسرائيل سبعون ألفاً، فسكن، وقيل: لم يسكن حتى جاء قاتله، فقال: أنا قتلته، فقُتِل، فسكن. قوله تعالى: وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً أي: لتَعَظَّمُنّ عن الطاعة ولتبغُنَّ. قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما أي: عقوبة أُولى المرَّتين بَعَثْنا أي: أرسلنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا وفيهم خمسة أقوال: أحدها: أنهم جالوت وجنوده، قاله ابن عباس، وقتادة. والثاني: «بُخْتَنَصَّر» ، قاله سعيد بن المسيب، واختاره الفراء، والزجاج. والثالث: العمالقة، وكانوا كفاراً، قاله الحسن. والرابع: سنحاريب، قاله سعيد بن جبير. والخامس: قوم من أهل فارس، قاله مجاهد. وقال ابن زيد:

стр. 1194

سلط الله عليهم سابور ذا الأكتاف من ملوك فارس. قوله تعالى: أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أي: ذوي عدد وقوة في القتال. وفي قوله: فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ثلاثة أقوال: أحدها: مشَوا بين منازلهم، قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: يتجسَّسون أخبارهم ولم يكن قتال. وقال الزجاج: طافوا خلال الديار ينظرون هل بقي أحد لم يقتلوه؟ و «الجوس» : طلب الشيء باستقصاء. والثاني: قتلوهم بين بيوتهم، قاله الفراء، وأبو عبيدة. والثالث: عاثوا وأفسدوا، يقال: جاسوا وحاسوا، فهم يجوسون ويحوسون إِذا فعلوا ذلك، قاله ابن قتيبة. فأما الخلال: فهي جمع خَلَل، وهو الانفراج بين الشيئين. وقرأ أبو رزين، والحسن، وابن جبير، وأبو المتوكل: «خَلَلَ الديار» بفتح الخاء واللام من غير ألفٍ. وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا أي: لا بد من كونه. قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ أي: أظفرناكم بهم. والكَرَّة، معناها: الرجعة والدُّولة، وذلك حين قتل داودُ جالوتَ وعاد ملكهم إِليهم. وحكى الفراء أن رجلا دعا على «بختنصر» فقتله الله، وعاد ملكهم إِليهم. وقيل: غزَوا ملك بابل فأخذوا ما كان في يده من المال والأسرى. قوله تعالى: وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً أي: أكثر عدداً وأنصاراً منهم. قال ابن قتيبة: النَّفير والنافر واحد، كما يقال: قدير وقادر، وأصله: مَنْ يَنْفِرُ مع الرجل من عشيرته وأهل بيته. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) قوله تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أي: وقلنا لكم إِن أحسنتم فأطعتُم الله أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أي: عاقبةُ الطاعة لكم وَإِنْ أَسَأْتُمْ بالفساد والمعاصي فَلَها وفيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى: فاِليها. والثاني: فعليها. فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جواب «فاذا» محذوف، تقديرُه: فاذا جاء وعد عقوبة المرّة الآخرة من إفسادكم، بعثناهم ليسوءوا وجوهكم، وهذا الفساد الثاني، هو قتلهم يحيى بن زكريا، وقصدهم قتل «عيسى» فرُفِع، وسلَّط الله عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبَوْهم، فذلك قوله تعالى: لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: «ليسوؤوا» بالياء على الجميع والهمز بين الواوين، والإِشارة إِلى المبعوثين. وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: «ليسوءَ وجوهكم» على التوحيد قال أبو علي: فيه وجهان. أحدهما: ليسوء الله . والثاني: ليسوء البَعْثُ. وقرأ الكسائي: «لنسوءَ» بالنون، وذلك راجع إِلى الله تعالى. وفيمن بَعث عليهم في المرة الثانية قولان: أحدهما: بختنصر، قاله مجاهد، وقتادة. وكثير من الرواة يأبى هذا القول، ويقولون: كان بين تخريب «بختنصر» بيت المقدس، وبين مولد يحيى بن زكريا زمان طويل. والثاني: انطياخوس الرومي، قاله مقاتل. ومعنى لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي: ليُدخِلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم، وخصّت المساءة بالوجوه، والمراد: أصحاب الوجوه، لما يبدو عليها من أثر الحزن والكآبة.

стр. 1195

قوله تعالى: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ يعني: بيت المقدس كَما دَخَلُوهُ في المرة الأولى وَلِيُتَبِّرُوا أي: ليدمِّروا ويخرِّبوا. قال الزجاج: يقال لكل شيء ينكسر من الزجاج والحديد والذهب: تِبر. ومعنى ما عَلَوْا أي: ليدمِّروا في حال علوِّهم عليكم. قوله تعالى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ هذا مما وُعِدوا به في التوراة، و «عسى» من الله واجبة، فرحمهم الله بعد انتقامه منهم، وعمر بلادهم، وأعاد نعمهم بعد سبعين سنة. وَإِنْ عُدْتُمْ إِلى معصيتنا عُدْنا إِلى عقوبتكم. قال المفسرون: ثم إِنهم عادوا إِلى المعصية، فبعث الله عليهم ملوكاً من ملوك فارس والروم. قال قتادة: ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم محمداً ﷺ ، فهم في عذاب إِلى يوم القيامة، فيعطُون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. قوله تعالى: وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً فيه قولان: أحدهما: سجناً، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة. وقال مجاهد: يحصرون فيها. وقال أبو عبيدة، وابن قتيبة: محبساً، وقال الزجاج: «حصيراً» : حبساً، أخذ من قولك: حصرت الرجل، إِذا حبسته، فهو محصور، وهذا حصيره، أي: محبسه، والحصير: المنسوج. سمي حصيراً، لأنه حصرت طاقاته بعضها مع بعض، ويقال للجَنْب: حصير، لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض. وقال ابن الأنباري: حصيراً: بمعنى: حاصرة، فصرف من حاصرة إِلى حصير، كما صرف «مؤلم» إِلى أليم. والثاني: فراشاً ومهاداً، قاله الحسن. قال أبو عبيدة: ويجوز أن تكون جهنم لهم مهاداً بمنزلة الحصير، والحصير: البساط الصغير. وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١) قوله تعالى: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ وذلك أن الإِنسان يدعو في حال الضجر والغضب على نفسه وأهله بما لا يحب أن يستجاب له كما يدعو لنفسه بالخير. وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يعجِّل بالدعاء بالشر عند الغضب والضجر عَجَلَته بالدعاء بالخير. وفي المراد بالإِنسان هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه اسم جنس يراد به الناس، قاله الزجاج وغيره. والثاني: آدم، فاكتفى بذكره من ذكر ولده، ذكره ابن الأنباري. والثالث: أنه النَّضْر بن الحارث حين قال: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ «١» ، قاله مقاتل. وقال سلمان الفارسي: أول ما خلق

стр. 1196

الله من آدم رأسه، فجعل ينظر إِلى جسده كيف يخلق، قال: فبقيت رجلاه، فقال: يا رب عجِّل، فذلك قوله: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا «١» . وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ أي: علامتين يدلان على قدرة خالقهما. فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ فيه قولان: أحدهما: أن آية الليل: القمر، ومحوها: ما في بعض القمر من الاسوداد. وإلى هذا المعنى ذهب عليّ ﵁، وابن عباس في آخرين. والثاني: آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمةً لليل فنسب المحو إِلى الظلمة إِذْ كانت تمحو الأنوارَ وتبطلُها، ذكره ابن الأنباري. ويُروى أن الشمس والقمر كانا في النور والضوء سواءً، فأرسل الله جبريل فأمرَّ جناحه على وجه القمر وطمس عنه الضوء. قوله تعالى: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ يعني: الشمس مُبْصِرَةً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: منيرة، قاله قتادة. قال ابن الأنباري: وإِنما صلح وصف الآية بالإِبصار على جهة المجاز، كما يقال: لعب الدهر ببني فلان. والثاني: أن معنى مُبْصِرَةً: مبصراً بها، قاله ابن قتيبة. والثالث: أن معنى مُبْصِرَةً مُبَصِّرَةً، فجرى «مُفْعِلْ» ، مجرى «مُفَعِّل» ، والمعنى: أنها تُبَصِّر الناس، أي: تُريهم الأشياء، قاله ابن الأنباري. ومعاني الأقوال تتقارب. قوله تعالى: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ أي: لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ بمحو آية الليل، ولولا ذلك، لم يعرف الليل من النهار، ولم يُتبين العدد. وَكُلَّ شَيْءٍ أي: ما يُحتاج إِليه، فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا بيّنّاه تبيينا لا يلتبس معه بغيره. وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) قوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ وقرأ ابن أبي عبلة «وكلّ» برفع وقرأ ابن مسعود، وأُبَيٌّ، والحسن «ألزمناه طَيْره» بياء ساكنة من غير ألف. وفي الطائر أربعة أقوال: أحدها: شقاوته وسعادته، قاله أبو صالح عن ابن عباس. قال مجاهد: ما من مولود يولد إِلَاّ وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي، أو سعيد. والثاني: عمله، قاله الفراء، وعن الحسن كالقولين. والثالث: أنه ما يصيبه، قاله خصيف. وقال أبو عبيدة: حظُّه. قال ابن قتيبة: والمعنى فيما أرى- والله أعلم-: أن لكل امرئٍ حظاً من الخير والشر قد قضاه الله عليه، فهو لازم عنقه، والعرب تقول لكل ما لزم الإِنسان: قد لزم عنقه، وهذا لك عليَّ وفي عنقي حتى أخرج منه، وإِنما قيل للحظ من الخير والشر: «طائر» ، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل والطّيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون،

стр. 1197

وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطّائر، هو الذي يُلزمه أعناقهم. وقال الأزهري: الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم، علم المطيع من ذريته، والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى سعادةَ من علمه مطيعاً، وشقاوة مَن علمه عاصياً، فصار لكل منهم ما هو صائر إِليه عند خلقه وإِنشائه، فذلك قوله: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ. والرابع: أنه ما يَتطيَّر من مثله من شيء عمله، وذِكْرُ العنق عبارة عن اللزوم له، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس، هذا قول الزجاج. وقال ابن الأنباري: الأصل في تسميتهم العمل طائراً، أنهم كانوا يتطيَّرون من بعض الأعمال. قوله تعالى: وَنُخْرِجُ لَهُ قرأ أبو جعفر: «ويُخْرَج» بياء مضمومة وفتح الراء. وقرأ يعقوب. وعبد الوارث: بالياء مفتوحة وضم الراء. وقرأ قتادة، وأبو المتوكل: «ويُخرِج» بياء مرفوعة وكسر الراء. وقرأ أبو الجوزاء، والأعرج: «وتَخرُجُ» بتاء مفتوحة ورفع الراء، يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: «كتاب» بالرفع، يلقاه وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر «يُلقَّاه» بضم الياء وتشديد القاف. وأمال حمزة، والكسائي القاف. قال المفسرون: هذا كتابه الذي فيه ما عمل. وكان أبو السّوّار العَدَوي إِذا قرأ هذه الآية قال: نشرتان وطيَّة، أمَّا ما حييتَ يا ابن آدم، فصحيفتك منشورة، فأمل فيها شئت، فاذا مُتَّ، طُويت، ثم إذا بُعثت، نُشرت. قوله تعالى: اقْرَأْ كِتابَكَ، وقرأ أبو جعفر: «اقرا» بتخفيف الهمزة وفيه إِضمار تقديره، فيقال له إِقرأ كتابك. قال الحسن: يقرؤه أُمِّياً كان أو غير أُميٍّ، ولقد عدل عليك مَن جعلك حسيب نفسك. وفي معنى حَسِيباً ثلاثة أقوال: أحدها: محاسِباً. والثاني: شاهداً. والثالث: كافياً، والمعنى: أن الإِنسان يفوَّض إِليه حسابه، ليعلم عدل الله بين العباد، ويرى وجوب حجة الله عليه، واستحقاقه العقوبة، ويعلم أنه إِن دخل الجنة، فبفضل الله، لا بعمله، وإِن دخل النار، فبذنبه. قال ابن الأنباري: وإِنما قال: حَسِيباً والنفس مؤنثة، لأنه يعني بالنفس: الشخص، أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس، فشبِّهت بالسماء والأرض، قال الله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ «١» ، قال الشاعر: ولا أرض أبقل إبقالها «٢» مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) قوله تعالى: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي: له ثواب اهتدائه، وعليه عقاب ضلاله. قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ أي: نفس وازرة وِزْرَ أُخْرى قال ابن عباس: إِن الوليد بن المغيرة قال: اتبَّعوني وأنا أحمل أوزاركم، فقال الله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، قال أبو عبيدة: والمعنى: ولا تَأثَمْ آثمة إِثم أخرى. قال الزجاج: يقال: وزَر، يَزِرُ، فهو وازِر، وَزراً، ووِزراً، ووِزْرةً، ومعناه: أثِم إِثماً. وفي تأويل هذه الآية وجهان: أحدهما: أن الآثم لا يؤخذ بذنب غيره. والثاني: أنه

стр. 1198

لا ينبغي أن يعمل الإِنسان بالإِثم، لأن غيرَه عَمِلَه، كما قال الكفار: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ «١» ومعنى حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا أي: حتى نُبيّنَ ما به نعذِّب، وما من أجله نُدخلُ الجنة. فصل: قال القاضي أبو يعلى: في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلا، وإِنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإِنسان قبل ذلك، لم يقطع عليه بالنار «٢» . قال: وقيل معناه: أنه لا يعذِّب في ما طريقه السمع إِلَاّ بقيام حجة السمع من جهة الرسول، ولهذا قالوا: لو أسلم بعض أهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها، لم يلزمه قضاء شيء منها، لأنها لم تلزمه إِلَاّ بعد قيام حجة السمع، والأصل فيه قصة أهل قُباء حين استداروا إِلى الكعبة ولم يستأنفوا «٣» ، ولو أسلم في دار الإِسلام ولم يعلم بفرض الصلاة، فالواجب عليه القضاء، لأنه قد رأى الناس يصلُّون في المساجد بأذان وإِقامة، وذلك دعاء إِليها. وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧)

стр. 1199

قوله تعالى: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً في سبب إِرادته لذلك قولان: أحدهما: ما سبق لهم في قضائه من الشقاء. والثاني: عنادهم الأنبياء وتكذيبهم إِياهم. قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها قرأ الأكثرون: «أَمرْنَا» مخففة، على وزن «فَعَلْنا» ، وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من الأمر، وفي الكلام إِضمار، تقديره: أمرنا مترفيها بالطاعة، ففسقوا، هذا مذهب سعيد بن جبير. قال الزجاج: ومثله في الكلام: أمرتك فعصيتني، فقد علم أن المعصية مخالفة الأمر. والثاني: كثَّرنا، يقال: أمرت الشيء وآمرته، أي: كثَّرته، ومنه قولهم: مُهرَةٌ مأمورةٌ، أي: كثيرة النِّتاج، يقال: أَمِر بنو فلان يأمَرون أمراً: إِذا كثروا، هذا قول أبي عبيدة، وابن قتيبة. والثالث: أن معنى «أَمَرْنَا» : أمَّرْنا، يقال: أَمرت الرجل، بمعنى: أمَّرته، والمعنى: سلَّطنا مترفيها بالإِمارة، ذكره ابن الأنباري. وروى خارجة عن نافع: «آمرنا» ممدودة، مثل «آمنّا» ، وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير، وهي قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي رزين، والحسن، والضحاك، ويعقوب. قال ابن قتيبة: وهي اللغة العالية المشهورة، ومعناه: كثَّرنا، أيضاً. وروى ابن مجاهد أن أبا عمرو قرأ: «أمَّرْنَا» مشددة الميم، وهي رواية أبان عن عاصم، وهي قراءة أبي العالية، والنخعي، والجحدري. قال ابن قتيبة: المعنى: جعلناهم أُمراءَ، وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن يعمر: «أَمِرْنا» بفتح الهمزة مكسورة الميم مخففة. فأما المترَفون، فهم المتنعّمون الذين أبطرتهم النعمة وسَعة العيش، والمفسرون يقولون: هم الجبَّارون والمسلَّطون والملوك، وإِنما خص المترَفين بالذكر، لأنهم الرؤساء، ومَن عداهم تبع لهم. قوله تعالى: فَفَسَقُوا فِيها أي: تمردوا في كفرهم، لأن الفسق في الكفر: الخروج إِلى أفحشه. وقد شرحنا معنى «الفسق» في البقرة «١» . قوله تعالى: فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ قال مقاتل: وجب عليها العذاب. وقد ذكرنا معنى «التدمير» في الأعراف «٢» . قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ وهو جمع قَرن. وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه في الأنعام «٣» وشرحنا معنى الخبير والبصير في سورة البقرة «٤» قال مقاتل: وهذه الآية تخويف لكفّار مكّة. مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ يعني: من كان يريد بعمله الدنيا، فعبَّر بالنعت عن الاسم، عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ من عَرَض الدنيا، وقيل: من البسط والتقتير، لِمَنْ نُرِيدُ فيه قولان: أحدهما: لمن نريد هَلَكته، قاله أبو إِسحاق الفزاري. والثاني: لمن نريد أن نعجل له شيئاً وفي هذا ذم لمن أراد بعمله الدنيا، وبيان أنه لا ينال ما يقصده منها إِلَاّ ما قُدِّرَ له، ثم يدخل النار في الآخرة. وقال ابن جرير:

стр. 1200

هذه الآية لمن لا يوقن بالمعاد. وقد ذكرنا معنى «جهنّم» في سورة البقرة «١» ، ومعنى يَصْلاها في سورة النساء «٢» ، ومعنى مَذْمُوماً مَدْحُوراً في الأعراف «٣» . قوله تعالى: وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ يعني: الجنة وَسَعى لَها سَعْيَها أي: عمل لها العمل الذي يصلح لها، وإِنما قال: وَهُوَ مُؤْمِنٌ لأن الإِيمان شرط في صحة الأعمال، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً أي: مقبولا. وشكر الله لهم: ثوابه إيّاهم، وثناؤه عليهم. كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢) قوله تعالى: كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ قال الزجاج: «كلاٍّ» منصوب ب «نمِدُّ» ، «هؤلاء» بدل من «كل» والمعنى: نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، قال المفسرون: كُلاًّ نعطي من الدنيا، البرّ والفاجر، والعطاء ها هنا: الرزق، والمحظور: الممنوع، والمعنى: أن الرزق يعم المؤمن والكافر، والآخرة للمتقين خاصة. انْظُرْ يا محمد كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وفيما فضِّلوا فيه قولان: أحدهما: الرزق، منهم مقلٌّ، ومنهم مُكثر. والثاني: الرزق والعمل، فمنهم موفَّق لعمل صالح، ومنهم ممنوع من ذلك. قوله تعالى: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى عام لجميع المكلفين. والمخذول: الذي لا ناصر له، والخذلان: ترك العون. قال مقاتل: نزلت حين دعوا رسول الله ﷺ إلى ملّة آبائه. وَقَضى رَبُّكَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) قوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمَر ربك. ونقل عنه الضحاك أنه قال: إِنما هي «ووصى ربك» فالتصقت إِحدى الواوين ب «الصاد» ، وكذلك قرأ أُبيُّ بن كعب، وأبو المتوكل، وسعيد بن جبير: «ووصى» ، وهذا على خلاف ما انعقد عليه الإِجماع، فلا يلتفت إِليه. وقرأ أبو عمران، وعاصم الجحدريّ، ومعاذ القارئ: «وقضاءُ ربك» بقاف وضاد بالمد والهمز والرفع وخفض اسم الرب. قال ابن الأنباري: هذا القضاء ليس من باب الحتم والوجوب، لكنه من باب الأمر والفرض، وأصل القضاء في اللغة: قطع الشيء باحكام وإِتقان، قال الشاعر يرثي عمر: قَضَيْتُ أُمُوْراً ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا ... بوائق في أكمامها لم تفتّق «٤»

стр. 1201

أراد: قطعتَها محكِماً لها. قوله تعالى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي: وأمر بالوالدين إِحسانا وهو البِرُّ والإِكرام، وقد ذكرنا هذا في البقرة «١» . قوله تعالى: إِمَّا يَبْلُغَنَّ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وعاصم، وابن عامر: «يبلغنَّ» على التوحيد. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: «يبلغانِّ» على التثنية. قال الفراء: جعلت «يبلغن» فعلاً لأحدهما وكرَّت عليهما «كلاهما» ومن قرأ «يبلغانِّ» فإنه ثنَّى لأن الوالدين قد ذُكرا قبل هذا، فصار الفعل على عددهما، ثم قال: أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما على الاستئناف، كقوله تعالى: فَعَمُوا وَصَمُّوا «٢» ثم استأنف فقال: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ. قوله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «أُفٍ» بالكسر من غير تنوين، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، والمفضل: «أُفَّ» بالفتح من غير تنوين. وقرأ نافع، وحفص عن عاصم: أُفٍّ بالكسر والتنوين. وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر: «أُفٌّ» بالرفع والتنوين وتشديد الفاء. وقرأ معاذ القارئ، وعاصم، الجحدري، وحميد بن قيس: «أَفّاً» مثل «تعسا» . وقرأ أبو عمران الجوني، وأبو السّمّال العدوي: «أُفُّ» بالرفع من غير تنوين مع تشديد الفاء، وهي رواية الأصمعي عن أبي عمرو. وقال عكرمة، وأبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: «أُفْ» باسكان الفاء وتخفيفها قال الأخفش: وهذا لأن بعض العرب يقول: أفْ لك، على الحكاية، والرّفع قبيح، لأنه لم يجئ بعده بلام. وقرأ أبو العالية، وأبو حصين الأسدي: «أُفِّي» بتشديد الفاء وبياء وروى ابن الأنباري أن بعضهم قرأها: «إِفِ» بكسر الهمزة. وقال الزجاج: فيها سبع لغات: الكسر بلا تنوين، وبتنوين والضم بلا تنوين، وبتنوين، والفتح بلا تنوين، وبتنوين، واللغة السابعة لا تجوز في القراءة: «أُفي» بالياء، هكذا قال الزجاج. وقال ابن الأنباري: في «أفّ» عشرة أوجه: «أفّ» بفتح الفاء، و «أفّ» بكسرها، و «أفّ» ، و «أُفَّا» لك بالنصب والتنوين على مذهب الدعاء كما تقول: «وَيْلاً» للكافرين، و «أُفٌّ» لك، بالرفع والتنوين، وهو رفع باللام، كقوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ «٣» و «أفهٍ» لك، بالخفض والتنوين، تشبيهاً بالأصوات، كقولك: «صهٍ» و «مهٍ» ، و «أفهاً» لك، على مذهب الدعاء أيضاً، و «أُفّي» لك، على الإِضافة إِلى النفس، و «أُفْ» لك، بسكون الفاء تشبيهاً بالأدوات، مثل: «كم» و «هل» و «بل» ، و «إِفْ» لك، بكسر الألف، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: وتقول: «أُفِ» منه، و «أُفَ» ، و «أُفُ» ، و «أُفٍ» ، و «أُفاً» ، و «أفٌ» ، و «أُفّي» مضاف، و «أفهاً» و «أفاً» بالألف، ولا تقل: «أُفي» بالياء فانه خطأٌ. فأما معنى أُفٍّ ففيه خمسة أقوال: أحدها: أنه وسخ الظفر، قاله الخليل. والثاني: وسخ الأذن، قاله الأصمعي. والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب. والرابع: أن «الأف» الاحتقار والاستصغار، من «الأَفف» ، والأَفف عند العرب: القِلَّة، ذكره ابن الأنباري. والخامس: أن «الأُفَّ» ما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، حكاه ابن فارس اللغوي. وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: معنى «الأف» : النَّتَن، والتضجر، وأصلها: نفخك الشيء يسقط عليك من تراب ورماد، وللمكان تريد إِماطة الأذى عنه، فقيلت لكل مستثقَل، قلت: وأما قولهم: «تُف» ، فقد جعلها قوم بمعنى «أف» ، فروي عن

стр. 1202

أبي عبيد أنه قال: أصل «الأُفِّ» و «التُفِّ» : الوسخ على الأصابع إِذا فتلته. وحكى ابن الأنباري فرقاً، فقال: قال اللغويون: أصل «الأُفِّ» في اللغة: وسخ الأذن، و «التُّفّ» : وسخ الأظفار، فاستعملتهما العرب فيما يكره ويستقذرُ ويُضجر منه. وحكى الزجاج فرقاً آخر، فقال: قد قيل: إِن «أف» : وسخ الأظفار، و «التفّ» : الشيء الحقير، ونحو وسخ الأذن، أو الشظية تؤخذ من الأرض، ومعنى «أُف» : النَّتْنُ، ومعنى الآية: لا تقل لهما كلاماً تتبرَّم فيه بهما إِذا كَبِرَا وأسَنَّا، فينبغي أن تتولَّى من خدمتهما مثل الذي توليا من القيام بشأنك وخدمتك، وَلا تَنْهَرْهُما أي: لا تكلمهما ضَجِراً صائحاً في وجوههما. وقال عطاء بن أبي رباح: لا تنقض يدك عليهما، يقال: نَهَرْتُهُ أنْهَرهُ نَهْراً، وانتهَرْتُه انتهاراً، بمعنى واحد، وقال ابن فارس: نهرتُ الرجُل وانتهرتُه مثل: زجرتُه. قال المفسرون: وإِنما نهى عن أذاهما في الكِبَر، وإِن كان منهيا عنه على كلّ حال، لأن حالة الكِبَر يظهر فيها منهما ما يُضجِر ويؤذي، وتكثر خدمتهما. قوله تعالى: وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً أي: ليِّناً لطيفاً أحسن ما تجد. وقال سعيد بن المسيّب: قولَ العبد المذنِب للسَّيد الفظّ. قوله تعالى: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ أي: ألِنْ لهما جانبك متذللاً لهما من رحمتك إِياهما. وخفضُ الجَناح قد شرحناه في الحجر «١» . قال عطاء: جناحك: يداك، فلا ترفعهما على والديك. والجمهور يضمون الذال من «الذُّلّ» وقرأ أبو رزين، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعاصم الجحدري، وابن أبي عبلة: بكسر الذال. قال الفراء: الذِّل: أن تتذلَّلَ لهما، من الذِّل، والذُّل: أن تتذلل ولست بذليل في الخدمة «٢» والُّذل والذلة: مصدر الذليل، والذِّل بالكسر: مصدر الذَّلول، مثل الدابة والأرض. قال ابن الأنباري: من قرأ «الذّل» ، بكسر الذال، جعله بمعنى الذُّل، بضم الذال، والذي عليه كُبَراء أهل اللغة أن الذُّل من الرجل الذليل، والذِّل من الدابة الذَّلول. قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً أي: مثل رحمتها إِياي في صغري حتى ربياني، وقد ذهب قوم إِلى أن هذا الدعاء المطلق نُسخ منه الدعاء لأهل الشرك بقوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ «٣» ، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومقاتل. قال المصنف: ولا أرى هذا نسخاً عند الفقهاء، لأنه عامّ دخله التخصيص، وقد ذَكَرَ قريباً مما قلتُه ابن جرير. قوله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ أي: بما تُضمرون من اْلبِرِّ والعقوق، فمن بدرت منه بادرة وهو لا يُضمِر العقوق، غفر له ذلك، وهو قوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أي: طائعين لله، وقيل بارِّين، وقيل: توَّابين، فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً في الأوّاب عشرة أقوال «٤» : أحدها: أنه المسلِم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنه التواب، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو عبيدة، وقال ابن قتيبة: هو التائبُ مَرَّة بعد مَرَّة. وقال الزجاج: هو التوَّاب المُقْلِع عن جميع ما نهاه الله عنه، يقال: قد آب يؤوب أَوْباً: إِذا رجع.

стр. 1203

والثالث: أنه المسبِّح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والرابع: أنه المطيع لله تعالى، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والخامس: أنه الذي يَذْكر ذَنْبه في الخلاء، فيستغفر اللهَ منه، قاله عُبيد بن عُمير. والسادس: أنه المُقْبل إلى الله تعالى بقلبه وعمله، قاله الحسن. والسابع: المصلِّي، قاله قتادة. والثامن: هو الذي يصلِّي بين المغرب والعشاء، قاله ابن المنكدِر. والتاسع: الذي يصلّي صلاة الضُّحى، قاله عَون العُقيلي. والعاشر: أنه الذي يُذْنِب سِرّاً ويتوب سِرّاً، قاله السّديّ. وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) قوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ فيه قولان «١» : أحدهما: أنه قرابة الرجل من قبَل أبيه وأُمِّه، قاله ابن عباس، والحسن، فعلى هذا في حقهم ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد به: بِرُّهم وصِلَتهم. والثاني: النَّفقة الواجبة لهم وقت الحاجة. والثالث: الوصيَّة لهم عند الوفاة. والثاني: أنهم قرابة الرسول، قاله علي بن الحسين ﵉ والسدي. فعلى هذا، يكون حقهم: إِعطاؤهم من الخُمس، ويكون الخطاب للوُلاة. قوله تعالى: وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ قال القاضي أبو يعلى: يجوز أن يكون المراد: الصدقات الواجبة، يعني، الزكاة، ويجوز أن يكون الحقّ الذي يلزمه إعطاؤه عند الضرورة إِليه. وقيل: حق المسكين، من الصدقة، وابن السبيل، من الضيافة. قوله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً في التبذير قولان: أحدهما: أنه إِنفاق المال في غير حق، قاله ابن مسعود، وابن عباس. وقال مجاهد: لو أنفق الرجل ماله كلَّه في حقٍّ، ما كان مبذِّراً، وأنفق مُدّاً في غير حق، كان مبذِّراً. قال الزجاج: التبذير: النفقة في غير طاعة الله، وكانت الجاهلية تنحر الإِبل وتبذِّر الأموال تطلب بذلك الفخر والسّمعة، فأمر الله بالنفقة في وجهها فيما يقرِّب منه. والثاني: أنه الإِسراف المتلفِ للمال، ذكره الماوردي. وقال أبو عبيدة: المبذِّر: هو المُسرف المُفسد العائث. قوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ لأنهم يوافقونهم فيما يدعونهم إِليه، ويشاكلونهم في معصية الله تعالى: وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي: جاحداً لنِعَمه. وهذا يتضمن أن المسرف كفور للنِّعم. قوله تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ في المشار إِليهم أربعة أقوال: أحدها: أنهم الذين تقدَّم ذِكْرُهم من الأقارب والمساكين وأبناء السبيل، قاله الأكثرون، فعلى هذا في علَّة هذا الإِعراض قولان: أحدهما: الإِعسار، قاله الجمهور. والثاني: خوف إِنفاقهم ذلك في معصية الله، قاله ابن زيد. وعلى هذا في الرحمة قولان: أحدهما: الرزق، قاله الأكثرون. والثاني: أنه الصلاح والتوبة. هذا على قول ابن زيد. والثاني: أنهم المشركون، فالمعنى: وإِما تعرضَنَّ عنهم لتكذيبهم، قاله سعيد بن جبير. فتحتمل إذاً الرحمة وجهين: أحدهما: انتظار النّصر عليهم. والثاني: الهداية لهم.

стр. 1204

(٨٩٢) والثالث: أنهم ناس من مزينة جاءوا يستحملون رسول الله ﷺ ، فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» ، فبكَوا، فنزلت هذه الآية، قاله عطاء الخراساني. (٨٩٣) والرابع: أنها نزلت في خبَّاب، وبلال، وعمَّار، ومِهجَع، من الفقراء، كانوا يسألون رسول الله ﷺ فلا يجد ما يعطيهم، فيُعرض عنهم ويسكت، قاله مقاتل، فعلى هذا القول والذي قبله تكون الرحمة بمعنى الرِّزق. قوله تعالى: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً قال أبو عبيدة: ليِّناً هيِّناً، وهو من اليُسْر. وللمفسرين فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه العِدَة الحسنة، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. والثاني: أنه القول الجميل، مثل أن يقول: رزقنا الله وإِياك، قاله ابن زيد وهذا على ما تقدّم من قوله. والثالث: أنه المداراة لهم باللسان، على قول مَن قال: هم المشركون، قاله أبو سليمان الدمشقي، وعلى هذا القول، تحتمل الآية النّسخ. وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ. (٨٩٤) سبب نزولها: أن غلاماً جاء إِلى رسول الله ﷺ فقال، إِن أُمِّي تسألك كذا وكذا، قال: «ما عندنا اليوم شيء» ، قال: فتقول لك: اكْسُني قميصك، قال: فخلع قميصه فدفعه إِليه، وجلس في البيت حاسراً، فنزلت هذه الآية، قاله ابن مسعود. وروى جابر بن عبد الله نحو هذا، فزاد فيه، فأذَّن بلال للصلاة، وانتظروه فلم يخرج، فشغل قلوب الصحابة، فدخل عليه بعضهم، فرأوه عُرياناً، فنزلت هذه الآية. والمعنى: لا تمسك يدك عن البذل كلَّ الإِمساك حتى كأنها مقبوضة إِلى عنقك، وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ في الإِعطاء والنفقة فَتَقْعُدَ مَلُوماً تلوم نفسك ويلومك الناس، مَحْسُوراً قال ابن قتيبة: تَحْسِرُكَ العطيةُ وتقطعك كما يَحْسِرُ السفر البعيرَ فيبقى منقطعاً به. قال الزجّاج: المحسور: الذي قد بلغ الغاية في التعب والإعياء، فالمعنى: فتقعد وقد بالغت في الحَمْل على نفسك وحالك حتى صِرتَ بمنزلة من قد حَسَر. قال القاضي أبو يعلى: وهذا الخطاب أُريدَ به غيرُ رسول الله ﷺ لأنه لم يكن يدّخر شيئا

стр. 1205

لغدٍ «١» ، وكان يجوع حتى يشُدَّ الحجَر على بطنه «٢» ، وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ينفقون جميع ما يملكون، فلم ينههم الله، لصحة يقينهم، وإِنما نهى من خِيف عليه التحسُّر على ما خرج من يده، فأما من وثق بوعد الله تعالى، فهو غير مراد بالآية. قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي: يوسع على من يشاء ويضيِّق، إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً حيث أجرى أرزاقهم على ما علم فيه صلاحهم. قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ قد فسّرناه في سورة الأنعام «٣» . قوله تعالى: كانَ خِطْأً كَبِيراً قرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: «خِطْءاً» مكسورة الخاء ساكنة الطاء مهموزة مقصورة. وقرأ ابن كثير،: «خِطاءً» مكسورة الخاء ممدودة مهموزة. وقرأ ابن عامر: «خَطَأً» بنصب الخاء والطاء وبالهمز من غير مدٍّ. وقرأ أبو رزين كذلك، إِلَاّ أنه مَدَّ وقرأ الحسن، وقتادة: «خَطْءاً» بفتح الخاء وسكون الطاء مهموزا مقصورا، وقرأ الزهري، وحميد بن قيس: «خِطاً» بكسر الخاء وتنوين الطاء من غير همز ولا مَدّ. قال الفراء: الخِطء: الإِثم، وقد يكون في معنى «خَطَأ» كما قالوا: «قِتْبٌ» و «قَتَبٌ» و «حِذْرٌ» و «حَذَرٌ» و «نِجْسٌ» و «نَجَسٌ» ، والخِطء، والخِطاء، والخَطَاء، ممدود: لغات. وقال أبو عبيدة: خَطِئْتُ وأَخْطَأْتُ، لغتان. وقال أبو علي: قراءة ابن كثير «خِطاءً» ، يجوز أن تكون مصدرَ «خاطأ» وإِن لم يسمع «خاطأَ» ولكن قد جاء ما يدل عليه، أنشد أبو عبيدة: تخاطأت إليك أحشاؤه وقال الأخفش: خَطِئ يَخْطَأُ بمعنى «أَذْنَبَ» وليس بمعنى «أَخطأَ» ، لأن «أخطأ» : فيما لم يصنعه عمدا. وتقول فيما أتيتَه عمداً، «خَطِئْتُ» ، وفيما لم تتعمده: «أخطأتُ» . وقال ابن الأنباري: «الخِطء» : الإِثم، يقال: قد خَطِئَ يَخْطَأُ: إذا أثم، وأَخْطَأ يُخْطِئُ: إِذا فارق الصواب. وقد شرحنا هذا في سورة يوسف عند قوله: وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ «٤» .

стр. 1206

وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، والحسن: بالمد. وقال أبو عبيدة: وقد يمدّ «الزنى» في كلام أهل نجد، قال الفرزدق: أبا حَاضِرٍ مَنْ يَزْنِ يُعْرَفْ زِناؤه ... ومَنْ يَشْرَبِ الخُرْطُوْمَ يُصْبِحْ مُسَكَّرا وقال أيضاً «١» : أخضبتَ فِعْلَك للزِّنَاءِ ولم تَكُنْ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ لتَخْضِبَ الأبْطَالا وقال آخر: كانت فريضةُ ما تقول كَمَا ... كَانَ الزناءُ فَرِيْضَةَ الرَّجْمِ «٢» قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قد ذكرناه في سورة الأنعام «٣» . قوله تعالى: فَقَدْ جَعَلْنا قال الزجاج: الأجود إِدغام الدال مع الجيم، والإِظهار جيد بالغ، إِلَاّ أنَّ الجيم من وسط اللسان، والدال من طرف اللسان، والإِدغام جائز، لأن حروف وسط اللسان تقرب من حروف طرف اللسان. ووليُّه: الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه، فإن لم يكن له وليٌّ، فالسُّلطان وليُّه. وللمفسرين في السُّلطان قولان: أحدهما: أنه الحُجَّة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الوالي، والمعنى: فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ينصره ويُنْصِفه في حَقِّه، قاله ابن زيد. قوله تعالى: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم: فَلا يُسْرِفْ بالياء. وقرأ ابن عامر، وحمزة والكسائي: بالتاء. وفي المشار إِليه في الآية قولان: أحدهما: أنه وليُّ المقتول. وفي المراد بإسرافه خمسة أقوال: أحدها: أن يَقتُل غير القاتل، قاله ابن عباس، والحسن. والثاني: أن يقتُل اثنين بواحد، قاله سعيد بن جبير. والثالث: أن يقتُل أشرف مِن الذي قُتل، قاله ابن زيد. والرابع: أن يمثِّل، قاله قتادة. والخامس: أن يتولى هو قتل القاتل دون السلطان، ذكره الزجّاج. والثاني: أن الإِشارة إِلى القاتل الأول، والمعنى: فلا يسرف القاتل بالقتل تعدّياً وظلماً، قاله مجاهد. قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً أي: مُعاناً عليه. وفي هاء الكناية أربعة أقوال: أحدها: أنها ترجع إِلى الولي، فالمعنى: إِنه كان منصوراً بتمكينه من القَوَد، قاله قتادة، والجمهور. والثاني: أنها ترجع إِلى المقتول، فالمعنى: إِنه كان منصوراً بقتل قاتله، قاله مجاهد. والثالث: أنها ترجع إِلى الدم، فالمعنى: إِن دم المقتول كان منصوراً، أي: مطلوباً به. والرابع: أنها ترجع إِلى القتل، ذكر القولين الفرّاء.

стр. 1207

وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ قد شرحناه في سورة الأنعام «١» . قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ وهو عامّ فيما بين العبد وبين ربه، وفيما بينه وبين الناس. قال الزجاج: كلُّ ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد. قوله تعالى: كانَ مَسْؤُلًا قال ابن قتيبة: أي: مسؤولاً عنه. قوله تعالى: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ أي: أَتِمُّوه ولا تَبْخَسوا منه. قوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ فيه خمس لغات: إحداها: «قُسطاس» ، بضم القاف وسينين، وهذه قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي بكر عن عاصم ها هنا وفي سورة الشعراء «٢» . والثانية: كذلك إِلَاّ أن القاف مكسورة، وهذه قراءة حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم. قال الفراء: هما لغتان والثالثة: «قصطاص» ، بصادين. والرابعة: «قصطاس» ، بصاد قبل الطاء وسين بعدها، وهاتان مرويتان عن حمزة. والخامسة: «قِسطان» ، بالنون. قرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي عن ابن دريد قال: القسطاس: الميزان، روميٌّ معرَّب، «قُسطاس» و «قِسطاس» . قوله تعالى: ذلِكَ خَيْرٌ أي: ذلك الوفاء خير عند الله وأقرب إِليه، وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي: عاقبة في الجزاء. قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ قال الفراء: أصل «تَقْفُ» من القيافة، وهي: تتَبُّع الأثر، وفيه لغتان: قَفَا يقْفُو، وقاف يقوف وأكثر القراء يجعلونها مِنْ «قفوتُ» فيحرك الفاء إِلى الواو ويجزم القاف كما تقول: لا تدع، وقرأ معاذ القارئ: «لا تقُفْ» ، مثل: تَقُل والعرب تقول: قُفْتُ أَثَره، وقَفَوت، ومثله: عاث وعثا، وقاعَ الجملُ الناقة، وقعاها: إذا ركبها. قال الزجاج: من قرأ باسكان الفاء وضم القاف مِنْ: قاف يقوف، فكأنه مقلوب مِنْ قفا يقفو، والمعنى واحد: تقول: قفوتُ الشيءَ أقفُوه قفواً: إذا تبعت أثره. وقال ابن قتيبة: «لا تقف» ، أي: لا تُتْبِعه الظنُّون والحَدْسَ، وهو من القفاء مأخوذ، كأنك تقفو الأمور، أي: تكون في أقفائها وأواخرها تتعقَّبها، والقائف: الذي يعرف الآثار ويتبعها فكأنه مقلوب عن القافي. وللمفسرين في المراد به أربعة أقوال: أحدها: لا ترمِ أحداً بما ليس لك به علم، رواه العوفي عن ابن عباس. والثاني: لا تقل: رأيتُ، ولم تَرَ، ولا سمعتُ، ولم تَسمع. رواه عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس، وبه قال قتادة. والثالث: لا تُشرك بالله شيئاً، رواه عطاء أيضاً عن ابن عباس. والرابع: لا تشهد بالزور، قاله محمد بن الحنفية. قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ قال الزجاج: إِنما قال: كُلُّ، ثم قال: كانَ، لأن كلاًّ في لفظ الواحد، وإِنما قال: أُولئِكَ لغير الناس، لأن كلَّ جمع أشرت إليه من

стр. 1208

الناس وغيرهم من الموات، تشير إِليه بلفظ «أولئك» قال جرير: الآية ذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيَّامِ قال المفسرون: الإِشارة إِلى الجوارح المذكورة، يُسأل العبد يوم القيامة فيما إِذا استعملها، وفي هذا زجر عن النظر إِلى ما لا يَحِلُّ، والاستماع إِلى ما يحرم، والعزم على ما لا يجوز. أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠)

стр. 1209

قوله تعالى: أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ قال مقاتل: نزلت في مشركي العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الرحمن. وقال أبو عبيدة: ومعنى أَفَأَصْفاكُمْ: اختصكم. وقال المفضل: أخلصكم. وقال الزجاج: اختار لكم صفوة الشيء، وهذا توبيخ للكفار، والمعنى: اختار لكم البنين دونه، وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه، فاختصكم بالأعلى وجعل لنفسه الأدون؟! وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَاّ نُفُوراً (٤١) قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا معنى التّصريف ها هنا: التبيين، وذلك أنه إِنما يصرِّف القول ليبيِّن. وقال ابن قتيبة: «صرّفنا» بمعنى: وجَّهنا، وهو من قولك: صرفت إِليك كذا، أي: عدلت به إِليك، وشُدِّدَ للتكثير، كما تقول: فَتَّحْتُ الأبواب. قوله تعالى: لِيَذَّكَّرُوا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم وابن عامر: «لِيَذَّكَّروا» مشدّدا. وقرأ حمزة، والكسائيّ، وخلف: «ليذكروا» مخفّفا، وكذلك قرءوا في الفرقان «١» : والتذكُّر: الاتعاظ والتدبر. وَما يَزِيدُهُمْ تصريفنا وتذكيرنا إِلَّا نُفُوراً قال ابن عباس: ينفرون من الحقّ، ويتّبعون الباطل. قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤) قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «تقولون» بالتاء. وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: «يقولون» بالياء. قوله تعالى: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا فيه قولان: أحدهما: لابتَغَوا سبيلاً إِلى ممانعته وإِزالة ملكه، قاله الحسن، وسعيد بن جبير. والثاني: لابتَغَوا سبيلاً إِلى رضاه، لأنهم دونه، قاله قتادة. قوله تعالى: عَمَّا يَقُولُونَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر، وحفص عن عاصم: «يقولون» بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي: بالتاء.. قوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «تسبِّح» بالتاء. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: «يسبِّح» بالياء. قال الفراء: وإِنما حَسُنَت «الياء» ها هنا، لأنه عدد قليل، وإِذا قلَّ العدد من المؤنَّث والمذكَّر، كانت الياء فيه أحسن من التاء، قال في المؤنّث القليل: وَقالَ نِسْوَةٌ «٢» وقال في المذكَّر: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ «٣» . قال العلماء: والمراد بهذا التسبيح: الدلالة على أنه الخالق القادر. قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَإِنْ بمعنى «ما» . وهل هذا على إِطلاقه، أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنه على إِطلاقه، فكلُّ شيء يسبِّحُهُ حتى الثوب والطعام وصرير الباب، قاله إِبراهيم النخعي. والثاني: أنه عامّ يراد به الخاصّ. ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كل شيء فيه الروح، قاله الحسن، وقتادة والضحاك. والثاني: أنه كُلُّ ذي روح، وكل نامٍ من شجرٍ أو نبات، قال عكرمة: الشّجرة تسبّح، والأسطوانة لا

стр. 1210

تسبِّح وجلس الحسن على طعام فقدَّموا اُلخِوان، فقيل له: أيسبِّح هذا اُلِخوان؟، فقال: قد كان يسبِّح مرة. والثالث: أنه كل شيء لم يغيَّر عن حاله، فإذا تغيَّر انقطع تسبيحه، روى خالد بن معدان عن المقدام بن معديكرب قال: إِنَّ التراب ليسبِّح ما لم يبتلّ، فاذا ابتلّ ترك التسبيح، وإِن الورقة تسبِّح ما دامت على الشجرة، فاذا سقطت تركت التسبيح، وإِن الثوب ليسبِّحُ ما دام جديداً، فاذا توسخ ترك التسبيح. فأما تسبيح الحيوان الناطق، فمعلوم، وتسبيح الحيوان غير الناطق، فجائز أن يكون بصوته، وجائز أن يكون بدلالته على صانعه. وفي تسبيح الجمادات ثلاثة أقوال: أحدها: أنه تسبيح لا يعلمه إِلَاّ الله. والثاني: أنه خضوعه وخشوعه لله. والثالث: دلالته على صانعه، فيوجب ذلك تسبيح مُبْصِره. فإن قلنا: إِنه تسبيح حقيقة، كان قوله تعالى: وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ لجميع الخلق وإِن قلنا: إِنه دلالته على صانعه، كان الخطاب للكفار، لأنهم لا يستدلُّون، ولا يعتبرون. وقد شرحنا معنى «الحليم» و «الغفور» في سورة البقرة. وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَاّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَاّ قَلِيلاً (٥٢) قوله تعالى: حِجاباً مَسْتُوراً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحجاب: هو الأكنَّة على قلوبهم، قاله قتادة. والثاني: أنه حجابٌ يستره فلا يرونه وقيل: إِنها نزلت في قوم كانوا يؤذون رسول الله ﷺ إِذا قرأ القرآن. (٨٩٥) قال الكلبي: وهم أبو سفيان والنضر بن الحارث وأبو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب،

стр. 1211

فحجب الله رسولَه عن أبصارهم عند قراءة القرآن، فكانوا يأتونه ويمرُّون به ولا يرونه. والثالث: أنه منع الله إِياهم عن أذاه، حكاه الزجاج. وفي معنى مَسْتُوراً قولان: أحدهما: أنه بمعنى ساتر قال الزجاج: وهذا قول أهل اللغة. قال الأخفش: وقد يكون الفاعل في لفظ المفعول، كما تقول: إِنك مشؤوم علينا، وميمون علينا، وإِنما هو شائم ويامن، لأنه مِن «شَأمَهَمُ» و «يَمَنَهُم» . والثاني: أن المعنى: حجاباً مستوراً عنكم لا ترونه، ذكره الماوردي. وقال ابن الأنباري: إِذا قيل: الحجاب هو الطبع على قلوبهم، فهو مستور عن الأبصار، فيكون «مستوراً» باقياً على لفظه. قوله تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ قد شرحناه في سورة الأنعام «١» . قوله تعالى: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ يعني: قلتَ: لا إِله إِلا الله، وأنت تتلو القرآن وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ قال أبو عبيدة: أي على أعقابهم، نُفُوراً وهو: جمع نافر، بمنزلة قاعد وقُعود، وجالس وجُلوس. وقال الزجاج: تحتمل مذهبين: أحدهما: المصدر، فيكون المعنى: ولَّوا نافرين نفوراً. والثاني: أن يكون «نفوراً» جمع نافر. وفي المشار إِليهم قولان: أحدهما: أنهم الشياطين، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم المشركون، وهذا مذهب ابن زيد. قوله تعالى: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ. (٨٩٦) قال المفسّرون: أمر رسول الله ﷺ عليّا ﵁ أن يتخذ طعاماً ويدعو إِليه أشراف قريش من المشركين، ففعل ذلك، ودخل عليهم رسول الله ﷺ فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إِلى التوحيد، وكانوا يستمعون ويقولون فيما بينهم: هو ساحر، هو مسحور، فنزلت هذه الآية: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أي: يستمعونه، والباء زائدة. إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى قال أبو عبيدة: هي مصدر مِنْ «ناجَيْتُ» واسم منها، فوصف القوم بها، والعرب تفعل ذلك، كقولهم: إِنما هو عذاب، وأنتم غَمٌّ، فجاءت في موضع «متناجين» . وقال الزجاج: والمعنى: وإِذ هم ذوو نجوى، وكانوا يستمعون من رسول الله ﷺ ويقولون بينهم: هو ساحر، وهو مسحور، وما أشبه ذلك من القول. قوله تعالى: إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ يعني: أولئك المشركون إِنْ تَتَّبِعُونَ أي: ما تتَّبعون إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الذي سُحر فذُهب بعقله، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: مخدوعاً مغروراً، قاله مجاهد. والثالث: له سَحْر، أي: رئة وكلُّ دابَّة أو طائر أو بَشَر يأكل فهو: مسحور ومسحَّر، لأن له سحرا، قال لبيد:

стр. 1212

فانْ تَسْأَلِينا فِيمَ نَحْنُ فانَّنا ... عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الأنامِ المَسَحَّر وقال امرؤ القيس: أُرانا مُرْصَدِيْن لأَمْرِ غَيْبٍ ... ونُسْحَرُ بالطَّعامِ وبالشَّرَابِ أي: نُغذَّى، لأن أهل السماء لا يأكلون، فأراد أن يكون مَلَكاً. فعلى هذا يكون المعنى: إن تتّبعون إلّا رجلا به سَحْر، خلقه الله كخلقكم، وليس بملَكٍ، وهذا قول أبي عبيدة. قال ابن قتيبة: والقول قول مجاهد، أي مخدوعاً، لأن السِّحر حيلة وخديعة ومعنى قول لبيد «المسحَّر» : المعلَّل، وقول امرئ القيس: «ونُسْحَر» أي: نُعلَّل، وكأنا نُخدَع، والناس يقولون: سحرتَني بكلامكَ، أي: خدعتَني، ويدل عليه قوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ، لأنهم لو أرادوا رجلاً ذا رِئَةٍ، لم يكن في ذلك مَثَلٌ ضربوه، فلما أرادوا مخدوعاً- كأنه بالخديعة سُحر- كان مَثَلاً ضربوه، وكأنهم ذهبوا إِلى أن قوماً يعلِّمونه ويخدعونه. قال المفسرون: ومعنى ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ بيَّنوا لك الأشباه، حتى شبَّهوك بالساحر والشاعر والمجنون فَضَلُّوا عن الحق، فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لا يجدون سبيلاً إِلى تصحيح ما يعيبونك به. والثاني: لا يستطيعون سبيلاً إِلى الهُدى، لأنا طبعنا على قلوبهم. والثالث: لا يأتون سبيل الحق، لثقله عليهم ومثله قولهم: لا أستطيع أن أنظر إِلى فلان، يعنون أنا مبغِض له، فنظري إِليه يثقل، ذكرهن ابن الأنباري. قوله تعالى: أَإِذا كُنَّا عِظاماً قرأ ابن كثير: «أَيْذا» بهمزة ثم يأتي بياء ساكنة من غير مَدّ، «أَينا» ، مثله وكذلك في كل القرآن. وكذلك روى قالون عن نافع، إِلا أن نافعاً كان لا يستفهم في «أَيْنا» ، كان يجعل الثاني خبراً في كل القرآن، وكذلك مذهب الكسائي، غير أنه يهمز الأُولى همزتين. وقرأ عاصم، وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعاً. وقرأ ابن عامر: «إِذا كُنّا» بغير استفهام بهمزة واحدة «ءاءنا» بهمزتين يمد بينهما مدة. قوله تعالى: وَرُفاتاً فيه قولان: أحدهما: أنه التراب ولا واحد له، فهو بمنزلة الدُّقاق والحُطام، قاله الفراء، وهو مذهب مجاهد. والثاني: أنه العظام ما لم تتحطم، والرُّفات: الحُطام، قاله أبو عبيدة. وقال الزجاج: الرُّفات: التراب. والرُّفات: كل شيء حُطِمَ وكسر، وخَلْقاً جَدِيداً في معنى مجدداً. قوله تعالى: أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فيه ثلاثة أقوال «١» : أحدها: أنه الموت، قاله ابن عمر، وابن عباس، والحسن، والأكثرون. والثاني: أنه السماء والأرض والجبال، قاله مجاهد. والثالث: أنه ما يكبر في صدوركم، من كل ما استعظموه من خلق الله تعالى، قاله قتادة. فان قيل: كيف قيل لهم: كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً وهم لا يقدرون على ذلك؟ فعنه جوابان: أحدهما: إِن قدرتم على تغيُّر حالاتكم، فكونوا حجارة أو أشدَّ منها، فانا نميتكم، وننفِّذ أحكامنا فيكم، ومثل هذا قولك للرجل: اصعد إلى السماء فإني لا حقك. والثاني: تصوَّروا أنفسكم حجارة أو أصلب منها، فإنا سنبيدكم، قال الأحوص:

стр. 1213

إذا كنت عزهاة عن اللهو والصّبا ... فكن حجرا من يابس الصّخر جامدا «١» معناه: فتصوَّر نفسك حَجَراً، وهؤلاء قوم اعترفوا أن الله خالقهم، وجحدوا البعث، فأُعلموا أن الذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم. قوله تعالى: فَسَيُنْغِضُونَ قال قتادة: يحرِّكونها تكذيباً واستهزاءً. قال الفراء: يقال: أنغض رأسه: إِذا حركه إِلى فوق وإِلى أسفل. وقال ابن قتيبة: المعنى يحرِّكونها كما يحرِّك الآيس من الشيء والمستبعدُ له رأسه، يقال: نغضت سِنُّه: إِذا تحركت. قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ يعنون البعث قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً أي: هو قريب. ثم بيَّن متى يكون فقال: يَوْمَ يَدْعُوكُمْ يعني: من القبور بالنداء الذي يُسمعكم، وهو النفخة الأخيرة فَتَسْتَجِيبُونَ أي: تجيبون. قال مقاتل: يقوم إِسرافيل على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن. فيقول: أيتها العظام البالية، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الشعور المتفرقة، وأيتها العروق المتقطعة، اخرجوا إِلى فصل القضاء لتُجزَوا بأعمالكم، فيسمعون الصوت، فيسعَون إِليه. وفي معنى بِحَمْدِهِ أربعة أقوال «٢» : أحدها: بأمره، قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد. والثاني: يخرجون من القبور وهم يقولون: سبحانك وبحمدك، قاله سعيد بن جبير. والثالث: أن معنى بِحَمْدِهِ: بمعرفته وطاعته، قاله قتادة، قال الزجاج: تستجيبون مُقرِّين أنه خالِقكم. والرابع: تجيبون بحمد الله لا بحمد أنفسكم، ذكره الماوردي. قوله تعالى: وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا في هذا الظن قولان: أحدهما: أنه بمعنى اليقين. والثاني: أنه على أصله. وأين يظنون أنهم لبثوا قليلاً؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بين النفختين ومقداره أربعون سنة، ينقطع في ذلك العذاب عنهم، فيرون لبثهم في زمان الراحة قليلاً، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: في الدنيا، لعلمهم بطول اللبث في الآخرة، قاله الحسن. والثالث: في القبور، قاله مقاتل. فعلى هذا إِنما قصر اللبث في القبور عندهم، لأنهم خرجوا إِلى ما هو أعظم عذاباً من عذاب القبور. وقد ذهب بعض المفسرين إِلى أن هذه الآية خطاب للمؤمنين، لأنهم يجيبون المنادي يحمدون الله على إِحسانه إِليهم، ويستقلُّون مدة اللبث في القبور، لأنهم كانوا غير معذَّبين. وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) قوله تعالى: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ في سبب نزولها قولان: (٨٩٧) أحدهما: أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ بمكّة، بالقول والفعل،

стр. 1214

فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت هذه الآية. قاله أبو صالح عن ابن عباس. (٨٩٨) والثاني: أن رجلاً من الكفار شتم عمر بن الخطاب، فهمَّ به عمر ﵁، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل، والمعنى: وقل لعبادي المؤمنين يقولوا الكلمة التي هي أحسن. واختلفوا فيمن تقال له هذه الكلمة على قولين: أحدهما: أنهم المشركون، قال الحسن: تقول له: يَهديك الله، وما ذكرنا من سبب نزول الآية يؤيد هذا القول. وذهب بعضهم إِلى أنهم أُمروا بهذه الآية بتحسين خطاب المشركين قبل الأمر بقتالهم، ثم نُسخت هذه الآية بآية السيف. والثاني: أنهم المسلمون، قاله ابن جرير. المعنى: وقل لعبادي يقول بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقد روى مبارك عن الحسن قال: «التي هي أحسن» أن يقول له مثل قوله، ولكن يقول له: يرحمك الله، يغفر الله لك. قال الأخفش: وقوله يَقُولُوا مثل قوله: وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ، وقد شرحنا ذلك في سورة ابراهيم «١» . قوله تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ أي: يُفسد ما بينهم، والعدوّ المُبَين: الظاهر العداوة. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) قوله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ فيمن خوطب بهذا قولان: أحدهما: أنهم المؤمنون. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ فينجيكم من أهل مكّة أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ فيسلطهم عليكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: إِن يشأ يرحمكم بالتوبة، أو يعذبكم بالإِقامة على الذنوب، قاله الحسن. والثاني: أنهم المشركون. ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: إِن يشأ يرحمكم، فيهديكم للإيمان، أو إِن يشأ يعذِّبكم، فيميتكم على الكفر، قاله مقاتل. والثاني: أنه لما نزل القحط بالمشركين فقالوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) «٢» ، قال الله تعال: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ مَنْ الذي يؤمن، ومن الذي لا يؤمن إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ فيكشف القحط عنكم أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ فيتركه عليكم، ذكره أبو سليمان الدمشقي. قال ابن الأنباري: و «أو» ها هنا دخلت لسَعة الأمرين عند الله تعالى، وأنه لا يردّ عنهما، فكانت ملحقة ب «أو» المبيحة في قولهم: جالس الحسن، أو ابن سيرين، يعنون: قد وسَّعنا لك الأمر. قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: كفيلاً تُؤخذ بهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: حافظاً وربّاً، قاله الفراء. والثالث: كفيلاً بهدايتهم وقادراً على إِصلاح قلوبهم، ذكره ابن الأنباري. وذهب بعض المفسرين إِلى أن هذا منسوخ بآية السيف. وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥)

стр. 1215

قوله تعالى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لأنه خالِقُهم، فهدى من شاء، وأضلَّ من شاء، وكذلك فضَّل بعض النبيين على بعض، وذلك عن حكمة منه وعِلم، فخلق آدم بيده، ورفع إِدريس، وجعل الذرِّية لنوح، واتخذ ابراهيم خليلاً، وموسى كليماً، وجعل عيسى روحاً، وأعطى سليمان مُلْكاً جسيماً، ورفع محمداً ﷺ فوق السموات، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. يجوز أن يكون المفضَّلون أصحابَ الكتب، لأنه ختم الكلام بقوله تعالى: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً. وقد شرحنا معنى «الزبور» في سورة النّساء «١» . قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ في سبب نزولها قولان: (٨٩٩) أحدهما: أن نفراً من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فأسلم الجن والنفر من العرب لا يشعرون، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، روي عن ابن مسعود. (٩٠٠) والثاني: أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هي تشفع لنا عند الله، فلما ابتلوا بالقحط سبع سنين، قيل لهم: «ادعوا الذين زعمتم» ، قاله مقاتل، والمعنى: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة، فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا له إِلى غيركم. قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ في المشار إِليهم ب أُولئِكَ ثلاثة أقوال» : أحدها: أنهم الجن الذين أسلموا. والثاني: الملائكة، وقد سبق بيان القولين. والثالث: أنهم المسيحُ، وعزيرٌ، والملائكةُ! والشمسُ والقمرُ، قاله ابن عباس. وفي معنى «يدعون» قولان: أحدهما: يعبدون، أي: يدعونهم آلهة، وهذا قول الأكثرين. والثاني: أنه بمعنى يتضرعون إِلى الله في طلب الوسيلة. وعلى هذا يكون قوله تعالى: «يدعون» راجعاً إِلى «أولئك» ، ويكون قوله: «يبتغون» تماماً للكلام. وعلى القول الأول: يكون «يدعون» راجعاً إِلى المشركين، ويكون قوله: «يبتغون» وصفاً ل «أولئك» مستأنَفاً. وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن: «تدعون» بالتاء. قال ابن الأنباري: فعلى هذا، الفعل مردود إلى قوله تعالى: فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ومن قرأ «يدعون» بالياء، قال: العرب تنصرف من الخطاب إِلى الغَيبة إِذا أُمن اللَّبْس. ومعنى «يدعون» :

стр. 1216

يدعونهم آلهة. وقد فسرنا معنى «الوسيلة» في المائدة «١» . وفي قوله تعالى: أَيُّهُمْ أَقْرَبُ قولان: ذكرهما الزجاج. أحدهما: أن يكون «أيهم» مرفوعاً بالابتداء، وخبره أقرب ويكون المعنى: يطلبون الوسيلة إِلى ربهم ينظرون أيُّهم أقرب إِليه فيتوسَّلون إِلى الله به. والثاني: أن يكون «أيهم أقرب» بدلاً من الواو في «يبتغون» ، فيكون المعنى: يبتغي أيُّهم هو أقرب الوسيلةَ إِلى الله، أي: يتقرَّب إِليه بالعمل الصّالح. وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَاّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨) قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها «إِن» بمعنى «ما» ، والقرية الصالحة هلاكها بالموت، والعاصية بالعذاب، والكتاب: اللوح المحفوظ، والمسطور: المكتوب. وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَاّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَاّ تَخْوِيفاً (٥٩) قوله تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ في سبب نزولها قولان: (٩٠١) أحدهما: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، وأن ينحِّي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إِن شئتَ أن تستأني بهم لعلَّنا نجتبي منهم، وإِن شئتَ نؤتيهم الذي سألوا، فان كفروا أُهلكوا كما أُهلك من كان قبلهم، قال: «لا، بل أستأني» ، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثاني: قد ذكرناه عن الزّبير في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ «٢» ، ومعنى الآية: وما منَعَنا إِرسالَ الآياتِ التي سألوها إِلا تكذيبُ الأوّلين، يعني أن هؤلاء سألوا الآيات التي استوجب بتكذيبها الأولونَ العذابَ، فلم يرسلها لئلا يكذِّب بها هؤلاء، فيهلكوا كما هلك أولئك، وسنَّة الله في الأمم أنهم إِذا سألوا الآيات ثم كذَّبوا بها عذَّبهم. قوله تعالى: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً قال ابن قتيبة: أي: بَيِّنَةً، يريد: مُبْصَراً بها. قال ابن الأنباري: ويجوز أن تكون مبصِّرة، ويصلح أن يكون المعنى: مُبصِر مشاهدوها، فنسب إِليها فعل غيرها تجوُّزاً، كما يقال: لا أرينّك ها هنا، فأدخل حرف النهي على غير المنهي عنه، إذ المعنى: لا تحضر

стр. 1217

ها هنا، حتى إِذا جئتُ لم أركَ فيه. ومن قرأ «مَبْصَرة» بفتح الميم والصاد، فمعناه: المبالغة في وصف الناقة بالتبيان، كقولهم: «الولد مَجْبَنة» . قوله تعالى: فَظَلَمُوا بِها قال ابن عباس: فجحدوا بها. وقال الأخفش: بها كان ظُلمهم. قوله تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً أي: نخوِّف العباد ليتَّعظوا. وللمفسرين في المراد بهذه الآية أربعة أقوال: أحدها: أنها الموت الذَّريع، قاله الحسن. والثاني: معجزات الرسل جعلها الله تعالى تخويفاً للمكذبين. والثالث: آيات الانتقام تخويفاً من المعاصي. والرابع: تقلُّب أحوال الإِنسان من صِغَرٍ إِلى شبابٍ، ثم إِلى كهولة، ثم إِلى مشيب، ليعتبر بتقلُّب أحواله فيخاف عاقبة أمره، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي، ونسب الأخير منها إلى إمامنا أحمد ﵁. وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَاّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠) قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أحاط عِلمه بالناس، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الربيع بن أنس. وقال مقاتل: أحاط علمه بالناس، يعني: أهل مكة، أن يفتحها لرسوله ﷺ . والثاني: أحاطت قدرته بالناس، فهم في قبضته، قاله مجاهد. والثالث: حال بينك وبين الناس أن يقتلوك، لتبلِّغ رسالته، قاله الحسن، وقتادة. قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ في هذه الرؤيا قولان «١» : أحدهما: أنها رؤيا عين، وهي ما أري ليلة أُسري به من العجائب والآيات. روى عكرمة عن ابن عباس قال: هي رؤيا عين رآها ليلة أُسري به، وإِلى هذا المعنى ذهب الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، ومسروق، والنخعي، وقتادة، وأبو مالك، وأبو صالح، وابن جريج، وابن زيد في آخرين. فعلى هذا يكون معنى الفتنة: الاختبار، فإن قوماً آمنوا بما قال، وقوماً كفروا. قال ابن الأنباري: المختار في هذه الرؤية أن تكون يقظة، ولا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلاناً رؤية، ورأيته رؤيا، إِلا أن الرؤية يقلُّ استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين. والثاني: أنها رؤيا منام. ثم فيها قولان: (٩٠٢) أحدهما: أن رسول الله ﷺ كان قد أُرِيَ أنه يدخل مكة، هو وأصحابه، وهو يومئذ بالمدينة، فعَجل قبل الأجل، فردَّه المشركون، فقال أناس: قد رُدَّ، وكان حدَّثَنَا أنه سيدخلها، فكان رجوعهم فتنتهم، رواه العوفي عن ابن عباس. وهذا لا ينافي حديث المعراج، لأن هذا كان بالمدينة، والمعراج كان بمكة: قال أبو سليمان الدمشقي: وإِنما ذكره ابن عباس على وجه الزيادة في الإِخبار لنا أن المشركين بمكة افتتنوا برؤيا عينه، والمنافقين بالمدينة افتتنوا برؤيا نومه.

стр. 1218

(٩٠٣) والثاني: أنه أُري بني أمية على المنابر، فساءه ذلك، فقيل له: إنها الدنيا يُعْطَوْنَها، فسرّي عنه. فالفتنة ها هنا: البلاء، رواه علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب، وإِن كان مثل هذا لا يصح، ولكن قد ذكره عامة المفسرين. وروى ابن الأنباري أن سعيد بن المسيّب قال: رأى رسول الله ﷺ قوماً على منابر، فشَقَّ ذلك عليه، وفيه نزل: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، قال: ومعنى قوله: إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ: إِلا بلاءً للناس «١» . قال ابن الأنباري: فمن ذهب إِلى أن الشجرة رجال رآهم النبيّ ﷺ في منامه يصعدون المنابر، احتج بأن الشجرة يكنى بها عن المرأة لتأنيثها، وعن الجماعة لاجتماع أغصانها. قالوا: ووقعت اللعنة بهؤلاء الذين كنى عنهم بالشجرة. قال المفسرون: وفي الآية تقديم وتأخير، تقديره: وما جعلنا الرؤيا والشجرة إِلا فتنة للناس. وفي هذه الشجرة ثلاثة أقوال «٢» : أحدها: أنها شجرة الزَّقُّوم، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومسروق، والنخعي، والجمهور. (٩٠٤) وقال مقاتل: لما ذكر الله تعالى شجرة الزَّقُّوم، قال أبو جهل: يا معشر قريش إِن محمداً يخوِّفكم بشجرة الزَّقُّوم، ألستم تعلمون أن النار تحرق الشجر، ومحمد يزعم أن النار تنبت الشجر، فهل تدرون ما الزقوم، فقال عبد الله بن الزِّبَعْرَى: إِن الزَّقُّوم بلسان بَرْبَر: التمر والزُّبْد، فقال أبو جهل: يا جارية ابغينا تمراً وزُبداً، فجاءته به، فقال لمن حوله: تَزَقَّمُوا من هذا الذي يخوِّفكم به محمدٌ، فأنزل الله : وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً: قال ابن قتيبة: كانت فتنتهم بالرؤيا قولهم: كيف يذهب إِلى بيت المقدس، ويرجع في ليلة؟! وبالشجرة قولهم: كيف يكون في النار شجرة؟! وللعلماء في معنى «الملعونة» ثلاثة اقوال: أحدها: المذمومة، قاله ابن عباس. والثاني: الملعون آكلُها، ذكره الزجاج، وقال: إِن لم يكن في القرآن ذِكْر لعنها، ففيه لعن آكليها قال: والعرب تقول لكل طعام مكروه وضارٍّ: ملعون فأمّا قوله تعالى: فِي الْقُرْآنِ فالمعنى: التي ذكرت في القرآن، وهي

стр. 1219

مذكورة في قوله: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) «١» . والثالث: أن معنى «الملعونة» : المُبعَدة عن منازل أهل الفضل، ذكره ابن الانباري. والقول الثاني: أن الشجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر، يعني: الكَشُوثى «٢» ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا. والثالث: أن الشجرة كناية عن الرجال على ما ذكرنا عن سعيد بن المسيّب. قوله تعالى: وَنُخَوِّفُهُمْ قال ابن الأنباري: مفعول «نخوِّفهم» محذوف، تقديره: ونخوِّفهم العذاب، فَما يَزِيدُهُمْ أي: فما يزيدهم التخويف إِلَّا طُغْياناً وقد ذكرنا معنى الطّغيان في سورة البقرة «٣» ، وذكرنا هناك تفسير قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا «٤» . وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَاّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَاّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥) قوله تعالى: «آسْجُدُ» قرأه الكوفيون: بهمزتين. وقرأه الباقون: بهمزة مطوَّلة وهذا استفهام إِنكار، يعني به: لم أكن لأفعل. قوله تعالى: لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً قال الزجاج: «طيناً» منصوب على وجهين: أحدهما: التمييز، المعنى: لمن خلقتَه من طين. والثاني: على الحال، المعنى: أنشأتَه في حال كونه من طين. ولفظ قالَ أَرَأَيْتَكَ جاء ها هنا بغير حرف عطف، لأن المعنى: قال آسجد لمن خلقت طينا، وأ رأيتك، وهي في معنى: أخبرني، والكاف ذُكرت في المخاطبة توكيداً، والجواب محذوف، والمعنى: أَخبِرني عن هذا الذي كرَّمت عليَّ، لم كرَّمتَهُ عليَّ وقد خلقتَني من نار وخلقتَه من طين؟! فحذف هذا، لأن في الكلام دليلاً عليه. قوله تعالى: لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر: «أخرتني» بياء في الوصل. ووقف ابن كثير بالياء. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي بغير ياء في وصل ولا في وقف. قوله تعالى: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لأَستولِيَنَّ عليهم، قاله ابن عباس، والفراء. والثاني: لأُضِلَّنَّهم، قاله ابن زيد. والثالث: لأَستأصلنَّهم يقال: احْتَنَكَ الجرادُ ما على الأرض: إِذا أكله واحْتَنَكَ فلانٌ ما عند فلان من العلم: إذا استقصاه، فالمعنى: لأقودنّهم كيف شئت،

стр. 1220

هذا قول ابن قتيبة. فإن قيل: من أين عَلِمَ الغيب. فقد أجبنا عنه في سورة النساء «١» . قوله تعالى: إِلَّا قَلِيلًا قال ابن عباس: هم أولياء الله الذي عصمهم. قوله تعالى: قالَ اذْهَبْ هذا اللفظ يتضمن إِنظاره فَمَنْ تَبِعَكَ، أي: تبع أمرك منهم، يعني: ذرية آدم. والموفور: الموفَّر. قال ابن قتيبة: يقال: وفَّرْتُ ماله عليه، ووَفَرْتُه، بالتخفيف والتشديد. قوله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ قال ابن قتيبة: اسْتَخِفَّ، ومنه تقول: استَفَزَّني فلان. وفي المراد بصوته قولان «٢» : أحدهما: أنه كل داعٍ دعا إِلى معصية الله، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الغناء والمزامير، قاله مجاهد. قوله تعالى: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ أي: صِح بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ واحثثهم عليهم بالإِغراء يقال: أجلبَ القوم وجلَّبوا: إِذا صاحوا. وقال الزجاج: المعنى: اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك فعلى هذا تكون الباء زائدة. قال ابن قتيبة: والرَّجْلُ: الرَّجَّالة يقال: رَاجِلٌ ورَجْل، مثل تاجر وتَجْر، وصاحِب وصَحْب. قال ابن عباس: كلّ خيل تسير في معصية الله، وكلّ رَجُل يسير في معصية الله. وقال قتادة: إِن له خيلاً ورَجْلاً من الجن والإِنس. وروى حفص عن عاصم: «بخيلك ورَجِلِكَ» بكسر الجيم، وهي قراءة ابن عباس، وابي رزين، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي. قال أبو زيد: يقال: رجل رجل: للرجّال، ويقال: جاءنا حافياً رجِلاً. وقرأ ابن السميفع، والجحدري: «بخيلك ورُجَّالك» برفع الراء وتشديد الجيم مفتوحة وبألف بعدها. وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وعكرمة: «ورِجَالك» بكسر الراء وتخفيف الجيم مع ألف. قوله تعالى: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ فيه أربعة أقوال: أحدها: أنها ما كانوا يحرِّمونه من أنعامهم، رواه عطية عن ابن عباس. والثاني: الأموال التي أصيبت من حرام، قاله مجاهد. والثالث: التي أنفقوها في معاصي الله، قاله الحسن. والرابع: ما كانوا يذبحون لآلهتهم، قاله الضحاك. فأما مشاركته إِياهم في الأولاد، ففيها أربعة أقوال «٣» : أحدها: أنهم أولاد الزنا، رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك. والثاني: الموءودة من أولادهم، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. والثالث: أنه تسمية أولادهم عبيداً لأوثانهم، كعبد شمس، وعبد العزى، وعبد مناف، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والرابع: ما مَجَّسُوا وهوَّدُوا ونصَّرُوا، وصبغُوا من أولادهم غير صبغة الإِسلام، قاله الحسن، وقتادة. قوله تعالى: وَعِدْهُمْ قد ذكرناه في قوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ «٤» إلى آخر الآية. وهذه

стр. 1221

الآية لفظها لفظ الأمر، ومعناها التهديد، ومثلها في الكلام أن تقول للانسان: اجهد جهدك فسترى ما ينزل بك. قال الزجاج: إذا تقدم الأمرَ نهيٌ عما يؤمر به، فمعناه التهديد والوعيد، تقول للرجل: لا تدخُلَنْ هذه الدار فاذا حاول أن يدخلها قلت: ادخُلها وأنت رجل، فلستَ تأمره بدخولها، ولكنك تُوعِده وتهدّده، ومثله: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ «١» وقد نُهُوا أن يعملوا بالمعاصي. وقال ابن الانباري: هذا أمر معناه التهديد، تقديره: إِن فعلت هذا عاقبناك وعذَّبناك، فنقل إِلى لفظ الأمر عن الشّرط، كقوله تعالى: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٢» . قوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ قد شرحناه في الحجر «٣» . قوله تعالى: وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا قال الزجاج: كفى به وكيلاً لأوليائه يعصمهم من القبول من إِبليس. رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) قوله تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ أي: يسيِّرها. قال الزجاج: يقال: زجيت الشيء، أي قدمته. قوله تعالى: لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي: في طلب التجارة. وفي «من» ثلاثة أقوال: أحدها: أنها زائدة. والثاني: أنها للتبعيض. والثالث: أن المفعول محذوف، والتقدير: لتبتغوا من فضله الرزق والخير، ذكرهنَّ ابن الأنباري. قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً هذا الخطاب خاصّ للمؤمنين، ثم خاطب المشركين فقال: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ يعني: خوفَ الغَرَقِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ أي: يَضِلُّ من يدعون من الآلهة، إِلا الله تعالى. ويقال: ضَلَّ بمعنى غاب، يقال: ضَلَّ الماء في اللَّبَن: إِذا غاب، والمعنى: أنكم أخلصتم الدعاء لله، ونسيتم الأنداد. وقرأ مجاهد، وأبو المتوكل: «ضَلَّ مَنْ يَدْعُون» بالياء. فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ عن الإِيمان والإِخلاص وَكانَ الْإِنْسانُ يعني الكافر كَفُوراً بنعمة ربِّه. أَفَأَمِنْتُمْ إِذا خرجتم من البحر أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: «نخسف بكم» «أو نرسل» «أن نعيدكم» «فنرسل» «فنغرقكم» بالنون في الكل. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، بالياء في الكل. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، بالياء في الكلّ. ومعنى يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ، أي: نغيبكم ونذهبكم في ناحية البر، والمعنى: إِن حكمي نافذ في البرّ نفوذه في البحر، أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحاصب: حجارة من السماء، قاله قتادة. والثاني: أنه الريح العاصف تحصب، قاله أبو عبيدة، وأنشد للفرزدق:

стр. 1222

مُسْتَقْبِلِينَ شَمَالَ الريح تَضْرِبُهُم ... بِحَاصِبٍ كنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ وقال ابن قتيبة: الحاصب: الريح، سميت بذلك لأنها تَحْصِبُ، أي: ترمي بالحصباء، وهي الحصى الصغار. وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الحاصب الريح التي فيها الحصى. وإِنما قال في الريح: حاصِباً ولم يقل: «حاصبة» لأنه وصْفٌ لزم الريح ولم يكن لها مذكَّر تنتقل إِليه في حال، فكان بمنزلة قولهم: «حائض» للمرأة، حين لم يُقَلْ: رجل حائض. قال: وفيه جواب آخر، وهو أن نعت الريح عُريٌ من علامة التأنيث، فأشبهت بذلك أسماء المذكَّر، كما قالوا: السماء أمطر، والأرض أنبت. والثالث: أن الحاصب: التراب الذي فيه حصباء، قاله الزّجّاج. قوله تعالى: ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أي: مانعاً وناصراً. قوله تعالى: أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ أي: في البحر تارَةً أُخْرى أي: مَرَّة أُخرى، والجمع: تارات. فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ قال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء. قال ابن قتيبة: القاصف: الريح التي تقصف الشجر، أي: تكسره. قوله تعالى: فَيُغْرِقَكُمْ وقرأ أبو المتوكّل، وأبو جعفر، وشيبة، ورويس: «فتغرقكم» بالتاء، وسكون الغين، وتخفيف الراء. وقرأ أبو الجوزاء، وأيوب: «فيغرِّقكم» بالياء، وفتح الغين، وتشديدها. وقرأ أبو رجاء مثله، إِلا أنه بالتاء بِما كَفَرْتُمْ أي: بكفركم حيث نجوتم في المرة الأولى، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً قال ابن قتيبة: أي: من يتبع بدمائكم، أي: يطالبنا. قال عبد الله بن عمرو ﵄: ريح العذاب أربع، اثنتان في البر، واثنتان في البحر، فاللَّتان في البَرِّ: الصَّرْصَر، والعَقِيم، واللتان في البحر: العاصف، والقاصف. قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ أي: فضَّلناهم. قال أبو عبيدة: و «كرَّمنا» أشد مبالغة من «أكرمنا» . وللمفسرين فيما فُضِّلوا به أحد عشر قولاً: أحدها: أنهم فضِّلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإِسرافيل، ومَلَك الموت، وأشباههم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. فعلى هذا يكون المراد: المؤمنين منهم، ويكون تفضيلهم بالإِيمان. والثاني: أن سائر الحيوان يأكل بفيه، إِلا ابن آدم فإنه يأكل بيده، رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس. وقال بعض المفسرين: المراد بهذا التفضيل: أكلهم بأيديهم، ونظافة ما يقتاتونه، إِذ الجن يقتاتون العظام والرَّوث. والثالث: فُضِّلوا بالعقل، روي عن ابن عباس. والرابع: بالنطق والتمييز، قاله الضحاك. والخامس: بتعديل القامة وامتدادها، قاله عطاء. والسادس: بأن جعل محمّدا ﷺ منهم، قاله محمد بن كعب. والسابع: فضِّلوا بالمطاعم واللَّذات في الدنيا، قاله زيد بن أسلم. والثامن: بحسن الصورة، قاله يمان. والتاسع: بتسليطهم على غيرهم من الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم، قاله محمد بن جرير. والعاشر: بالأمر والنهي، ذكره الماوردي. والحادي عشر: بأن جعلت اللِّحى للرجال، والذوائب للنساء، ذكره الثعلبي. فإن قيل: كيف أطلق ذكر الكرامة على الكل، وفيهم الكافر المُهان؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه عامل الكل معاملة المكرَم بالنعم الوافرة. والثاني: أنه لما كان فيهم من هو بهذه الصفة، أجرى الصِّفة على جماعتهم، كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «١» .

стр. 1223

قوله تعالى: وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ على أكباد رطبة، وهي: الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، وفي الْبَحْرِ على أعواد يابسة، وهي: السفن. وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فيه قولان: أحدهما: الحلال. والثاني: المستطاب في الذوق. قوله تعالى: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا فيه قولان: أحدهما: أنه على لفظه، وأنهم لم يفضَّلوا على سائر المخلوقات. وقد ذكرنا عن ابن عباس أنهم فضلوا على سائر الخلق غير طائفة من الملائكة. وقال غيره: بل الملائكة أفضل. والثاني: أن معناه: وفضَّلناهم على جميع مَنْ خلقنا. والعرب تضع الأكثر والكثير في موضع الجمع، كقوله تعالى: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ «١» . (٩٠٥) وقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده» . يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ قال الزجاج: هو منصوب على معنى: «اذكر يوم ندعو كل أُناس بإمامهم» . والمراد به: يوم القيامة. وقرأ الحسن البصري: «يوم يدعو» بالياء (كلَّ) بالنصب. وقرأ أبو عمران الجوني: «يوم يُدعى» بياء مرفوعة، وفتح العين، وبعدها ألف، «كلُّ» بالرفع. وفي المراد بإمامهم أربعة أقوال «٢» : أحدها: أنه رئيسهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وروى عنه سعيد بن جبير أنه قال: إِمام هدى، أو إِمام ضلالة. والثاني: عملُهم، رواه عطية عن ابن عباس، وبه

стр. 1224

قال الحسن، وأبو العالية. والثالث: نبيُّهم، قاله أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد في رواية. والرابع: كتابُهم، قاله عكرمة، ومجاهد في رواية. ثم فيه قولان: أحدهما: أنه كتابهم الذي فيه أعمالهم، قاله قتادة، ومقاتل. والثاني: كتابهم الذي أُنزل عليهم، قاله الضحاك، وابن زيد. فعلى القول الأول يقال: يا متَّبعي موسى، يا متَّبعي عيسى، يا متَّبعي محمَّدٍ ويقال: يا متَّبعي رؤساء الضلالة. وعلى الثاني: يا من عمل كذا وكذا. وعلى الثالث: يا أُمَّة موسى، يا أُمَّة عيسى، يا أُمَّة محمد. وعلى الرابع: يا أهل التوراة، يا أهل الإِنجيل، يا أهل القرآن. أو يا صاحب الكتاب الذي فيه عمل كذا وكذا. قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ معناه: يقرءون حسابهم، لأنهم أخذوا كتبهم بأيْمانهم. قوله تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي: لا ينقصون من ثوابهم بقدر الفتيل، وقد بيَّنَّاه في سورة النساء «١» . قوله تعالى: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر: أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى مفتوحتي الميم، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم بكسر الميمين، وقرأ أبو عمرو: «في هذه أعمى» بكسر الميم، «فهو في الآخرة أعمى» بفتحها. وفي المشار إِليها ب هذِهِ قولان «٢» : أحدهما: أنها الدنيا، قاله مجاهد. ثم في معنى الكلام خمسة أقوال: أحدها: من كان في الدنيا أعمى عن معرفة قدرة الله في خَلْق الأشياء، فهو عمّا وُصِف له في الآخرة أعمى، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثاني: من كان في الدنيا أعمى بالكفر، فهو في الآخرة أعمى، لأنه في الدنيا تُقبَل توبته، وفي الآخرة لا تُقبَل، قاله الحسن. والثالث: من عمي عن آيات الله في الدنيا، فهو عن الذي غيِّب عنه من أمور الآخرة أشدّ عمىً. والرابع: من عمي عن نِعَم الله التي بيَّنها في قوله تعالى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ إِلى قوله: تَفْضِيلًا فهو في الآخرة أعمى عن رشاده وصلاحه، ذكرهما ابن الأنباري. والخامس: من كان فيها أعمى عن الحُجَّة، فهو في الآخرة أعمى عن الجنة، قاله أبو بكر الورّاق. والثاني: أنها النِّعم. ثم في الكلام قولان: أحدهما: من كان أعمى عن النِّعم التي تُرى وتُشاهَد، فهو في الآخرة التي لم تُر أعمى، رواه عكرمة عن ابن عباس. والثاني: من كان أعمى عن معرفة حق الله في هذه النّعم المذكورة في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ولم يؤدِّ شكرها، فهو فيما بينه وبين الله مما يُتقرَّب به إِليه أعمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا، قاله السدي. قال أبو علي الفارسي: ومعنى قوله: فِي الْآخِرَةِ أَعْمى أي: أشدُّ عمىً، لأنه كان في الدنيا يمكنه الخروج عن عَمَاهُ بالاستدلال، ولا سبيل له في الآخرة إِلى الخروج من عماه. وقيل: معنى العمى في الآخرة: أنه لا يهتدي إِلى طريق الثواب، وهذا كلُّه من عمى القلب. فإن قيل: لم قال: فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى ولم يقل: أشدُّ عمىً، لأن العمى خِلْقة بمنزلة الحُمرة، والزُّرقة، والعرب تقول: ما أشدَّ سواد زيد، وما أبْيَنَ زرقة عمرو، وقلَّما يقولون: ما أسود زيداً، وما أزرق عمراً؟ فالجواب: أن

стр. 1225

المراد بهذا العمى عمى القلب، وذلك يتزايد ويحدث منه شيء بعد شيء، فيخالف الخِلَقَ اللاّزِمة التي لا تزيد، نحو عمى العين، والبياض، والحمرة، ذكره ابن الأنباري. وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَاّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧) قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ في سبب نزولها أربعة أقوال «١» : (٩٠٦) أحدها: أن وفد ثَقيف أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: متِّعنا باللات سَنة، وحرِّمْ وادينا كما حرَّمْتَ مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يُكثرون مسألتهم، وقالوا: إِنا نحب أن تعرِّف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيتَ أن يقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله ﷺ عنهم ودخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجِّلنا سنة، ثم نُسلم ونكسر أصنامنا، فهمَّ أن يؤجِّلهم، فنزلت هذه الآية. (٩٠٧) والثاني: أنّ المشركين قالوا للنبيّ ﷺ : لا نكفُّ عنك إِلا بأن تُلِمَّ بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله ﷺ : «ما علَيَّ لو فعلت والله يعلم إِني لَكاره» ؟ فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يُظَنَّ برسول الله ﷺ ، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه همَّ أن يُنْظِرهم سنة، وكل ذلك مُحال في حَقِّه وفي حق الصحابة أنهم رَوَواْ عنه. (٩٠٨) والثالث: أن قريشاً خَلَواْ برسول الله ليلةً إِلى الصباح يكلِّمونه ويفخِّمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة.

стр. 1226

(٩٠٩) والرابع: أنهم قالوا لرسول الله ﷺ : اطرد عنك سُقَاط الناس، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا يلبَسون الصوف، حتى نجالسَك ونسمعَ منك، فهمَّ رسول الله ﷺ أن يفعل ما يستدعي به إِسلامهم، فنزلت هذه الآيات. حكاه الزجاج قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت «إِن» واللام للتوكيد. قال المفسرون: وإِنما قال: لَيَفْتِنُونَكَ، لأن في إِعطائهم ما سألوا مخالفةً لحكم القرآن. قوله تعالى: لِتَفْتَرِيَ أي: لتختلقَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك، وَإِذاً لو فعلت ذلك لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا أي: والَوْكَ وصافَوْكَ. قوله تعالى: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ على الحق، لِعِصمتنا إِياك لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ أي: هممتَ وقاربتَ أن تَميل إِلى مرادهم شَيْئاً قَلِيلًا قال ابن عباس: وذلك حين سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيَّته. وقال ابن الأنباري: الفعل في الظاهر للنّبيّ ﷺ ، وفي الباطن للمشركين، وتقديره: لقد كادوا يُركنونك إِليهم، وينسبون إِليك ما يشتهونه مما تكرهه، فنسب الفعل إِلى غير فاعله عند أمن اللَّبْس، كما يقول الرجل للرجل: كدت تقتل نفسَك اليوم، يريد: كدت تفعل فعلاً يقتلك غيرك من أجله فهذا المجاز والاتساع وشبيه بهذا قوله تعالى: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «١» ، وقول القائل: لا أرينّكَ في هذا الموضع. قوله تعالى: إِذاً لَأَذَقْناكَ المعنى: لو فعلت ذلك الشيء القليل لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ أي: ضِعف عذاب الحياة وَضِعْفَ عذاب الْمَماتِ، ومثله قول الشاعر: واستبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ «٢» أي: أهل المجلس. وقال ابن عباس: ضِعْفَ عذاب الدنيا والآخرة. وكان رسول الله ﷺ معصوماً، ولكنه تخويف لأُمَّته، لئلا يركن أحد من المؤمنين إِلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه. قوله تعالى: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ في سبب نزولها قولان «٣» : (٩١٠) أحدهما: أن رسول الله ﷺ لما قَدِم المدينة، حسدته اليهود على مُقامه بالمدينة، وكرهوا

стр. 1227

قربه، فقالوا: يا محمد أنبيٌ أنت؟ قال: نعم، قالوا: فو الله لقد علمتَ ما هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، فان كنتَ نبياً فائت الشام، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: همّ رسول الله ﷺ أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غَنْم: لمّا قالت له اليهود هذا، صدَّق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا يريد إِلا الشام، فلما بلغ تبوكَ، نزلت هذه الآية «١» . (٩١١) والثاني: أنهم المشركون أهل مكة هَمُّوا باخراج رسول الله ﷺ من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إِخباراً عما هَمُّوا به، قاله الحسن، ومجاهد. وقال قتادة: هم أهل مكة باخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نُوظِروا، ولكنَّ الله كفَّهم عن إِخراجه حتى أمره بالخروج. وقيل: ما لبثوا بعد ذلك حتى بعث الله عليهم القتل ببدر. فعلى القول الأول، المشار إِليهم: اليهود، والأرض: المدينة. وعلى الثاني: هم المشركون، والأرض: مكة، وقد ذكرنا معنى «الاستفزاز» آنفا «٢» ، وقيل: المراد به ها هنا: القتل، ليخرجوه من الأرض كلِّها، روي عن الحسن. قوله تعالى: وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: «خلفك» . وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «خلافك» . قال الأخفش «خلافك» في معنى خلفك، والمعنى: لا يلبثون بعد خروجك إِلَّا قَلِيلًا أي: لو أخرجوك لا ستأصلناهم بعد خروجك بقليل، وقد جازاهم الله على ما همُّوا به، فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من اليهود بني قريظة، وأجلى النضير. وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا يَلْبَثون على خِلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض. وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل: «خُلَاّفُكَ» بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع الفاء. قوله تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قال الفراء: نصب السُّنَّة على العذاب المُضْمَر، أي: يعذَّبوَن كسُنَّتنا فيمن أَرسلْنا. وقال الأخفش: المعنى: سَنّها سُنَّةً. وقال الزّجّاج: انتصب بمعنى

стр. 1228

«لا يلبثون» وتأويله: إِنّا سَنَنَّا هذه السُنَّة فيمن أَرسَلْنا قبلك أنهم إِذا أَخرجوا نبيَّهم أو قتلوه، لم يلبث العذاب أن ينزل بهم. أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ أي: أَدِّها لِدُلُوكِ الشَّمْسِ أي: عند دُلوكها. وذكر ابن الأنباري في «اللام» قولين: أحدهما: أنها بمعنى «في» . والثاني: أنها مؤكّدة، كقوله تعالى: رَدِفَ لَكُمْ «١» . وقال أبو عبيدة: دُلوكها: من عند زوالها إِلى أن تغيب. وقال الزجاج: مَيْلها وقتَ الظهيرة دُلوك، ومَيْلها للغروب دُلوك. وقال الأزهري: معنى «الدُّلوك» في كلام العرب: الزوال، ولذلك قيل للشمس إِذا زالت نصف النهار: دالكة، وإِذا أفلت: دالكة، لأنها في الحالين زائلة. وللمفسّرين في المراد بالدّلوك ها هنا قولان «٢» : أحدهما: أنه زوالها نصف النهار. (٩١٢) روى جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله ﷺ ومن شاء من أصحابه، فطعِموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج رسول الله ﷺ وقال: «اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس» وهذا قول ابن عمر، وأبي برزة، وأبي هريرة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعبيد بن عمير، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، وهو اختيار الأزهري. قال الأزهري: لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، فيكون المعنى: أقم «٣» الصلاة من وقت زوال الشمس

стр. 1229

إِلى غسق الليل، فيدخل فيها الأولى، والعصر، وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ، فهذه خمس صلوات. والثاني: أنه غروبها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وابن زيد، وعن ابن عباس كالقولين، قال الفراء: ورأيت العرب تذهب في الدُّلوك إِلى غيبوبة الشمس، وهذا اختيار ابن قتيبة، قال: لأن العرب تقول: دَلَكَ النجم: إِذا غاب قال ذو الرمة: مَصَابِيْحُ لَيْسَتْ باللّواتي تَقُوْدُهَا ... نُجُومٌ وَلَا بالآفلاتِ الدَّوالِكِ «١» وتقول في الشمس: دلكتْ بَرَاحِ «٢» ، يريدون: غربت، والناظر قد وضع كفَّه على حاجبه ينظر إِليها، قال الشاعر: والشَّمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفَا ... أدْفَعُها بالرَّاحِ كَيْ تَزَحْلَفَا «٣» فشبّهها بالمريض الدَّنَف، لأنها قد همَّت بالغروب كما قارب الدَّنِف الموت، وإِنما ينظر إِليها من تحت الكف ليعلم كم بقي لها إِلى أن تغيب، ويتوقى الشعاع بكفِّه. فعلى هذا، المراد بهذه الصلاة: المغرب. فأما غسق الليل فظلامُه. وفي المراد بالصلاة المتعلقة بغسق الليل ثلاثة أقوال: أحدها: العشاء، قاله ابن مسعود. والثاني: المغرب، قاله ابن عباس. قال القاضي أبو يعلى: فيحتمل أن يكون المراد بيانَ وقت المغرب، أنه من غروب الشمس إِلى غسق الليل. والثالث: المغرب والعشاء، قاله الحسن. قوله تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ المعنى: وأقم قراءة الفجر. قال المفسرون: المراد به: صلاة الفجر. قال الزجاج: وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إِلا بقراءة، حين سمِّيت الصلاة قرآناً. قوله تعالى: إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً. (٩١٣) روى أَبو هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار» . قوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ قال ابن عباس: فَصَلَِّ بالقرآن. قال مجاهد، وعلقمة، والأسود: التهجُّد بعد النوم. قال ابن قتيبة: تهجَّدت: سهرت، وهجدت: نمت. وقال ابن الأنباري:

стр. 1230

التّهجّد ها هنا بمعنى: التيقُّظ والسَّهَر، واللغويون يقولون: هو من حروف الأضداد يقال للنائم: هاجِد ومتهجِّد، وكذلك للساهر، قال النابغة: وَلَو انَّها عَرَضَتْ لأشْمَطَ رَاهِبٍ ... عَبَد الإِلهَ صَرُوْرَةٍ مُتَهَجِّدِ لَرَنَا لِبَهْجَتِهَا وَحُسْنِ حَدِيْثِهَا ... وَلَخَالَهُ رَشَداً وَإِنْ لَمْ يَرْشُدِ «١» يعني بالمتهجد: الساهر، وقال لبيد: قَال هَجِدْنَا فقد طال السّرى «٢» أي: نَوِّمْنا. وقال الأزهري: المتهجِّد: القائم إِلى الصلاة من النَّوم: وقيل له: متهجد، لإِلقائه الهُجُود عن نفسه، كما يقال: تَحَرَّج وتأثَّم. قوله تعالى: نافِلَةً لَكَ النافلة في اللغة: ما كان زائداً على الأصل. وفي معنى هذه الزيادة في حقه قولان «٣» : أحدهما: أنها زائدة فيما فُرِض عليه، فيكون المعنى: فريضة عليك، وكان قد فرض عليه قيام الليل، هذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: أنها زائدة على الفرض، وليست فرضاً فالمعنى: تطوعاً وفضيلة. قال أبو أُمامة، والحسن، ومجاهد: إنما النّافلة للنبيّ ﷺ خاصة. قال مجاهد: وذلك أنه قد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما زاد على فرضه فهو نافلة له وفضيلة، وهو لغيره كفارة. وذكر بعض أهل العلم: أن صلاة الليل كانت فرضاً عليه في الابتداء، ثم رخِّص له في تركها، فصارت نافلة. وذكر ابن الأنباري في هذا قولين: أحدهما: يقارب ما قاله مجاهد، فقال: كان رسول الله ﷺ إِذا تنفَّل لا يقدر له أن يكون بذلك ماحياً للذنوب، لأنه قد غُفر له ما تقدم من ذَنْبه وما تأخَّر، وغيره إِذا تنفَّل كان راجياً، ومقدّراً محو السيئات عنه بالتّنفّل، فالنّافلة لرسول الله ﷺ زيادة على الحاجة، وهي لغيره مفتقَر إِليها، ومأمول بها دفع المكروه. والثاني: أن النافلة للنبيّ ﷺ وأمته، والمعنى: ومن الليل فتهجدوا به نافله لكم، فخوطب النبيّ ﷺ بخطاب أمته. قوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «عسى» من الله واجبه، ومعنى «يبعثك» يقيمك مَقاماً مَحْمُوداً وهو الذي يحمَده لأجله جميع أهل الموقف. وفيه قولان: أحدهما: أنه الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، والحسن، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد. والثاني: يجلسه على العرش يوم القيامة. روى أبو وائل عن عبد الله أنه قرأ هذه الآية، وقال:
следующие страницы →