Полный текст (3 584 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
قَالَ فِي قَوْلِهِ: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا: «أَنَّ نمروذ لَمَّا أَلْقَى إِبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ نَزَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَطَنْفَسَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَلْبَسَهُ الْقَمِيصَ وَأَقْعَدَهُ عَلَى الطَّنْفَسَةِ، وَقَعَدَ مَعَهُ يتحدّث، فأوحى الله إلى النار في قوله: كُونِي بَرْداً وَسَلاماً. وَلَوْلَا أَنَّهُ قَالَ وَسَلَامًا لَأَذَاهُ الْبَرْدُ» . وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «أَنَّ اللَّهَ كَسَا إِبْرَاهِيمَ ثَوْبًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَكَسَاهُ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ، وَكَسَاهُ إِسْحَاقُ يَعْقُوبَ، فَأَخَذَهُ يَعْقُوبُ فَجَعَلَهُ فِي قَصَبَةٍ مِنْ حَدِيدٍ وَعَلَّقَهُ فِي عُنُقِ يُوسُفَ، وَلَوْ عَلِمَ إِخْوَتُهُ إِذْ أَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ لَأَخَذُوهُ فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرُدَّ يُوسُفَ عَلَى يَعْقُوبَ كَانَ بَيْنَ رُؤْيَاهُ وَتَعْبِيرِهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً أَمَرَ الْبَشِيرَ أَنْ يُبَشِّرَهُ مِنْ ثَمَانِ مَرَاحِلَ، فَوَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ، فَلَمَّا أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ ارْتَدَّ بَصِيرًا، وَلَيْسَ يَقَعُ شَيْءٌ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى عَاهَةٍ مِنْ عَاهَاتِ الدُّنْيَا إِلَّا أَبْرَأَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ» .
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ: لَمَّا خَرَجَتِ الْعِيرُ هَاجَتِ الرِّيحُ، فَجَاءَتْ يَعْقُوبَ بِرِيحِ قَمِيصِ يُوسُفَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ تُسَفِّهُونِ، فَوَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَالَ: وَجَدَ رِيحَهُ مِنْ مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: وَجَدَهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أَيْضًا: لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالَ: تُجَهِّلُونِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أَيْضًا، قَالَ: تُكَذِّبُونِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: تُهْرِمُونِ، يَقُولُونَ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُكَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الرَّبِيعِ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُحَمِّقُونِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ يَقُولُ: خَطَئِكَ الْقَدِيمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: جُنُونِكَ الْقَدِيمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:
حُبِّكِ الْقَدِيمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْبَشِيرُ الْبَرِيدُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: الْبَشِيرُ هُوَ يَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى يَعْقُوبَ فَأَلْقَى عَلَيْهِ الْقَمِيصَ قَالَ: عَلَى أَيِّ دِينٍ خَلَّفْتَ يُوسُفَ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي قَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَّرَ بَنِيهِ إِلَى السَّحَرِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالسَّحَرِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قَالَ: أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ لِأَنَّ دُعَاءَ السَّحَرِ مُسْتَجَابٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَصِّهِ: «هُوَ قَوْلُ أَخِي يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي» يَقُولُ: حَتَّى تأتي ليلة الجمعة.
стр. 1297
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ٩٩ الى ١٠١]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)
قَوْلُهُ: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ لَعَلَّ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفًا مُقَدَّرًا، وَهُوَ: فَرَحَلَ يَعْقُوبُ وَأَوْلَادُهُ وَأَهْلُهُ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، أَيْ: ضَمَّهُمَا وَأَنْزَلَهُمَا عِنْدَهُ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: الْمُرَادُ بِالْأَبَوَيْنِ هُنَا يَعْقُوبُ وَزَوْجَتُهُ خَالَةُ يُوسُفَ لِأَنَّ أُمَّهُ قَدْ كَانَتْ مَاتَتْ فِي وِلَادَتِهَا لِأَخِيهِ بِنْيَامِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَقِيلَ: أَحْيَا اللَّهُ لَهُ أُمَّهُ تَحْقِيقًا لِلرُّؤْيَا حَتَّى سَجَدَتْ له، في قوله: وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مِمَّا تَكْرَهُونَ، وَقَدْ كَانُوا فِيمَا مَضَى يَخَافُونَ مُلُوكَ مِصْرَ، وَلَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا بِجَوَازٍ مِنْهُمْ. قِيلَ: وَالتَّقْيِيدُ بِالْمَشِيئَةِ عَائِدٌ إِلَى الْأَمْنِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ عَوْدِهِ إِلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّ دُخُولَهُمْ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، كَمَا أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ آمِنِينَ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقِيلَ: إِنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَشِيئَةِ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي وَهُوَ بَعِيدٌ. وَظَاهِرُ النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ: أَنَّ يُوسُفَ قَالَ لَهُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَيِ: ادْخُلُوا مِصْرَ قَبْلَ دُخُولِهِمْ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ أَنَّهُ تَلَقَّاهُمْ إِلَى خَارِجِ مِصْرَ، فَوَقَفَ مُنْتَظِرًا لَهُمْ فِي مَكَانٍ أَوْ خَيْمَةٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ فَلَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ دُخُولًا آخَرَ في المكان الذي له بمصر رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ أَيْ أَجْلَسَهُمَا مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُلُوكِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً أَيِ الْأَبَوَانِ وَالْإِخْوَةُ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ خَرُّوا لِيُوسُفَ سُجَّدًا، وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ، مُنَزَّلًا مَنْزِلَةَ التَّحِيَّةِ وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سُجُودًا بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ إِيمَاءٍ، وَكَانَتْ تِلْكَ تَحِيَّتَهُمْ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَعْنَى: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، فَإِنَّ الْخُرُورَ فِي اللُّغَةِ الْمُقَيَّدُ بِالسُّجُودِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِوَضْعِ الْوَجْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: لَهُ رَاجِعٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، أَيْ: وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، وَهُوَ بَعِيدٌ جَدًّا وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ لِيُوسُفَ، وَاللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ، أَيْ: وَخَرُّوا لِأَجْلِهِ، وَفِيهِ أيضا بعد. وقال يوسف: يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ يَعْنِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مِنْ قَبْلُ أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْوَقْتِ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
بِوُقُوعِ تَأْوِيلِهَا عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ الْأَصْلُ أَنْ يَتَعَدَّى فِعْلُ الْإِحْسَانِ بِإِلَى، وَقَدْ يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً، وَقِيلَ: إِنَّهُ ضَمَّنَ أَحْسَنَ مَعْنَى لَطُفَ، أَيْ: لَطُفَ بِي مُحْسِنًا، وَلَمْ يَذْكُرْ إِخْرَاجَهُ مِنَ الْجُبِّ لِأَنَّ فِي ذِكْرِهِ نَوْعَ تَثْرِيبٍ لِلْإِخْوَةِ، وَقَدْ قَالَ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ سَجْنِهِ وَمُدَّةُ بَقَائِهِ فِيهِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَجْهَ عَدَمِ ذِكْرِ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجُبِّ أَنَّ الْمِنَّةَ كَانَتْ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ أَكْبَرُ مِنَ الْمِنَّةِ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ الْجُبِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ أَيِ الْبَادِيَةِ، وَهِيَ أَرْضُ كَنْعَانَ بِالشَّامِ، وَكَانُوا أَهْلَ مَوَاشٍ وَبَرِّيَّةٍ وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ الْبَادِيَةِ، وَإِنَّ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ فِيهِ يَعْقُوبُ يُقَالُ
стр. 1298
لَهُ «بَدَا» ، وَإِيَّاهُ عَنَى جَمِيلٌ بِقَوْلِهِ:
وَأَنْتِ التي «١» حبّبت شغبا إِلَى بَدَا «٢» ... إِلَيَّ وَأَوْطَانِي بِلَادٌ سِوَاهُمَا
وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي أَيْ أَفْسَدَ بَيْنَنَا، وَحَمَّلَ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ، يُقَالُ نَزَغَهُ إِذَا نَخَسَهُ، فَأَصْلُهُ مَنْ نَخَسَ الدَّابَّةَ لِيَقْوَى مَشْيُهَا، وَأَحَالَ يُوسُفُ ذَنْبَ إِخْوَتِهِ عَلَى الشَّيْطَانِ تَكَرُّمًا مِنْهُ وَتَأَدُّبًا إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ اللَّطِيفُ: الرَّفِيقُ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: اللَّطِيفُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْنَاهُ الرَّفِيقُ بِعِبَادِهِ، يُقَالُ: لَطُفَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ يَلْطُفُ إِذَا رَفَقَ بِهِ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو: اللَّطِيفُ الَّذِي يُوصِلُ إِلَيْكَ أَرْبَكَ فِي لُطْفٍ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اللَّطِيفُ هُوَ الْبَرُّ بِعِبَادِهِ الَّذِي يَلْطُفُ بِهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، وَيُسَبِّبُ لَهُمْ مَصَالِحَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، وَقِيلَ: اللَّطِيفُ الْعَالِمُ بِدَقَائِقِ الْأُمُورِ، وَمَعْنَى لِمَا يَشَاءُ: لِأَجْلِ مَا يَشَاءُ حَتَّى يَجِيءَ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أَيِ الْعَلِيمُ بِالْأُمُورِ الْحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ، وَلَمَّا أَتَمَّ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلَى يُوسُفَ ﵇ بِمَا خَلَّصَهُ مِنْهُ مِنَ الْمِحَنِ الْعَظِيمَةِ وَبِمَا خَوَّلَهُ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمَهُ مِنَ الْعِلْمِ، تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى الْخَيْرِ الْأُخْرَوِيِّ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ، فَقَالَ: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ: بَعْضِ الْمُلْكِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ كُلَّ الْمُلْكِ، إِنَّمَا أُوتِيَ مُلْكًا خَاصًّا، وَهُوَ مُلْكُ مِصْرَ فِي زَمَنٍ خَاصٍّ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أَيْ بَعْضِهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ جَمِيعَ عِلْمِ التَّأْوِيلِ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، أَوْ مُجَرَّدُ تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا وَقِيلَ: مِنْ لِلْجِنْسِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ، وَقِيلَ: زَائِدَةٌ، أَيْ: آتَيْتَنِي الْمُلْكَ وَعَلَّمْتَنِي تَأْوِيلَ الْأَحَادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مُنْتَصِبٌ عَلَى أَنَّهُ صفة لربّ، لِكَوْنِهِ مُنَادًى مُضَافًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ انْتِصَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مُنَادًى بِحَرْفٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: يَا فاطر، والفاطر: الخالق والمنشئ وَالْمُخْتَرِعُ وَالْمُبْدِعُ أَنْتَ وَلِيِّي أَيْ نَاصِرِي وَمُتَوَلِّي أُمُورِي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَتَوَلَّانِي فِيهِمَا تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ أَيْ تَوَفَّنِي عَلَى الْإِسْلَامِ لا يفارقني حتى أموت، وألحقني بِالصَّالِحِينَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ آبَائِي وَغَيْرِهِمْ فَأَظْفَرُ بِثَوَابِهِمْ مِنْكَ وَدَرَجَاتِهِمْ عِنْدَكَ. قِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَعَا بِهَذَا الدُّعَاءِ تَوَفَّاهُ اللَّهُ ، قِيلَ: كَانَ عُمُرُهُ عِنْدَ أَنْ أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ فِي الْعُبُودِيَّةِ وَالسِّجْنِ وَالْمُلْكِ ثَمَانِينَ سَنَةً إِلَى قُدُومِ أَبِيهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ اجْتِمَاعِ شَمْلِهِمْ حَتَّى كَمُلَ عُمُرُهُ الْمِقْدَارَ الَّذِي سَيَأْتِي وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ. قِيلَ:
لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْتَ أَحَدٌ غَيْرُ يُوسُفَ لَا نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْتَ بِهَذَا الدُّعَاءِ، وَإِنَّمَا دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَتَوَفَّاهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيُلْحِقَهُ بِالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ يَعْقُوبُ مِصْرَ فِي مُلْكَ يُوسُفَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَاشَ فِي مُلْكِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ يُوسُفُ وَهُوَ ابْنُ مائة وعشرين سنة. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ عُمُرُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ مِائَةً وَخَمْسَةً وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قتادة في قوله:
стр. 1299
آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ قَالَ: أَبُوهُ وَأُمُّهُ ضَمَّهُمَا. وأخرجا عن وهب قال أبوه وَخَالَتُهُ، وَكَانَتْ تُوُفِّيَتْ أُمُّ يُوسُفَ فِي نِفَاسِ أَخِيهِ بِنْيَامِينَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ نَحْوَهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ قَالَ: السَّرِيرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي قَوْلِهِ: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً قَالَ: كَانَتْ تَحِيَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَأَعْطَاكُمُ اللَّهُ السَّلَامَ مَكَانَهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قَالَ: ذَلِكَ سُجُودُ تَشْرِفَةٍ كَمَا سَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ تَشْرِفَةً لِأَدَمَ، وَلَيْسَ سُجُودَ عِبَادَةٍ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ قَالَ: لَطِيفٌ لِيُوسُفَ وَصَنَعَ لَهُ حِينَ أَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ، وَجَاءَ بِأَهْلِهِ مِنَ الْبَدْوِ، وَنَزَعَ مِنْ قَلْبِهِ نَزْغَ الشَّيْطَانِ وَتَحْرِيشَهُ عَلَى إِخْوَتِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا سَأَلَ نَبِيُّ الْوَفَاةَ غَيْرُ يُوسُفَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَالَ:
اشْتَاقَ إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَأَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ وَبِآبَائِهِ، فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاهُ، وَأَنْ يُلْحِقَهُ بِهِمْ وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ قَالَ: يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. وأخرج عبد ابن حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عكرمة قال: يعني أهل الجنة.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٢ الى ١٠٨]
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)
أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)
الْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: ذلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ، ونُوحِيهِ إِلَيْكَ خَبَرٌ ثَانٍ. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَيَجُوزُ أَنْ يكون ذلك بمعنى الذي ونوحيه خَبَرُهُ، أَيِ الَّذِي مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. وَالْمَعْنَى: الْإِخْبَارُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ بِأَنَّ هَذَا الَّذِي قَصَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَبْلَ الْوَحْيِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُكَذِّبِينَ لَهُ ﷺ بِمَا جَاءَ بِهِ جُحُودًا وَعِنَادًا وَحَسَدًا مَعَ كَوْنِهِمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الْحَالِ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أَيْ لَدَى إِخْوَةِ يُوسُفَ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ إِجْمَاعُ الْأَمْرِ: الْعَزْمُ عَلَيْهِ، أَيْ: وَمَا كُنْتَ لَدَى إِخْوَةِ يُوسُفَ إِذْ عَزَمُوا جَمِيعًا عَلَى إِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ وَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَمْكُرُونَ بِهِ: أَيْ بِيُوسُفَ فِي هَذَا الْفِعْلِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِهِ وَيَبْغُونَهُ الْغَوَائِلَ، وَقِيلَ: الضمير ليعقوب، أي: يمكرون بيعقوب حين جاءوه بِقَمِيصِ يُوسُفَ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وَقَالُوا: أَكَلَهُ الذِّئْبُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَدَيْهِمْ عِنْدَ أَنْ فَعَلُوا ذَلِكَ انْتَفَى عِلْمُهُ بِذَلِكَ مُشَاهَدَةً، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْمٍ لَهُمْ عِلْمٌ بِأَحْوَالِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَلَا خَالَطَهُمْ وَلَا خَالَطُوهُ، فَانْتَفَى عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الرِّوَايَةِ عَنِ الْغَيْرِ، فَلَمْ يَبْقَ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَّا مُجَرَّدُ الْوَحْيِ مِنَ
стр. 1300
اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِمَا جَاءَ بِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْمِنْ بِذَلِكَ مَنْ عَاصَرَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَاكِرًا لِهَذَا: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ أَيْ وَمَا أَكْثَرَ النَّاسَ الْمُعَاصِرِينَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، أَوْ مَا أَكْثَرَ النَّاسَ عَلَى الْعُمُومِ وَلَوْ حَرَصَتْ عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَبَالَغَتْ فِي ذَلِكَ، بِمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ لِتَصْمِيمِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ دِينُ آبَائِهِمْ، يُقَالُ: حَرَصَ يَحْرِصُ مِثْلَ ضَرَبَ يَضْرِبُ، وَفِي لُغَةٍ ضَعِيفَةٍ حَرِصَ يَحْرَصُ مِثْلُ حَمِدَ يَحْمَدُ، وَالْحِرْصُ: طَلَبُ الشَّيْءِ بِاجْتِهَادٍ «١» . قَالَ الزَّجَّاجُ: وَمَعْنَاهُ: وَمَا أَكْثَرَ النَّاسَ بِمُؤْمِنِينَ وَلَوْ حَرَصْتَ عَلَى أَنْ تَهْدِيَهُمْ لِأَنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ:
إِنَّ قُرَيْشًا وَالْيَهُودَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ فَشَرَحَهُمَا شَرْحًا شَافِيًا، وَهُوَ يُؤَمِّلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ، فَخَالَفُوا ظَنَّهُ، وَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِذَلِكَ، فَعَزَّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ الآية وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ أَيْ عَلَى الْقُرْآنِ وَمَا تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ، أَوْ عَلَى الْإِيمَانِ وَحِرْصِكَ عَلَى وُقُوعِهِ مِنْهُمْ أَوْ عَلَى مَا تُحَدِّثُهُمْ بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَجْرٍ مِنْ مَالٍ يُعْطُونَكَ إِيَّاهُ وَيَجْعَلُونَهُ لَكَ كَمَا يَفْعَلُهُ أَحْبَارُهُمْ إِنْ هُوَ أَيِ الْقُرْآنُ أَوِ الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَهُمْ بِهِ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أَيْ مَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ كَافَّةً لَا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَحْدَهُمْ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَالَ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ:
وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ كَأَيِّنْ أَصْلُهَا أَيٌّ دَخَلَ عَلَيْهَا كَافُ التَّشْبِيهِ، لَكِنَّهُ انْمَحَى عَنِ الْحَرْفَيْنِ الْمَعْنَى الْإِفْرَادِيُّ، وَصَارَ الْمَجْمُوعُ كَاسْمٍ وَاحِدٍ بِمَعْنَى كَمِ الْخَبَرِيَّةِ، وَالْأَكْثَرُ إِدْخَالُ «مِنْ» فِي مُمَيِّزِهِ، وَهُوَ تَمْيِيزٌ عَنِ الْكَافِ لَا عَنْ أَيٍّ كَمَا فِي: مِثْلُكَ رَجُلًا. وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مُسْتَوْفًى فِي آلِ عِمْرَانَ. وَالْمَعْنَى: كَمْ مِنْ آيَةٍ تدلهم على توحيد الله كائنة في السموات مِنْ كَوْنِهَا مَنْصُوبَةً بِغَيْرِ عَمَدٍ، مُزَيَّنَةً بِالْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ السَّيَّارَةِ وَالثَّوَابِتِ، وَفِي الْأَرْضِ مِنْ جِبَالِهَا وَقَفَارِهَا وَبِحَارِهَا وَنَبَاتِهَا وَحَيَوَانَاتِهَا تَدُلُّهُمْ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّهُ الْخَالِقُ لِذَلِكَ، الرَّزَّاقُ لَهُ الْمُحْيِي وَالْمُمِيتُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَمُرُّونَ عَلَى هَذِهِ الْآيَاتِ غَيْرُ مُتَأَمِّلِينَ لَهَا، وَلَا مُفَكِّرِينَ فِيهَا، وَلَا مُلْتَفِتِينَ إِلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ وُجُودِ خَالِقِهَا، وَأَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْأُلُوهِيَّةِ مَعَ كَوْنِهِمْ مُشَاهِدِينَ لَهَا يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وَإِنْ نَظَرُوا إِلَيْهَا بِأَعْيَانِهِمْ فَقَدْ أَعْرَضُوا عَمَّا هُوَ الثَّمَرَةُ لِلنَّظَرِ بِالْحَدَقَةِ، وَهِيَ التَّفَكُّرُ والاعتبار والاستدلال. وقرأ عكرمة وعمرو بن فائد بِرَفْعِ الْأَرْضِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرَهُ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا. وَقَرَأَ السُّدِّيُّ بِنَصْبِ الْأَرْضِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ «يَمْشُونَ عَلَيْهَا» وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ أَيْ وَمَا يُصَدِّقُ وَيُقِرُّ أَكْثَرُ النَّاسِ بِاللَّهِ مِنْ كَوْنِهِ الْخَالِقَ الرَّزَّاقَ الْمُحْيِيَ الْمُمِيتَ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ، فَإِنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَبِأَنَّهُ الْخَالِقُ لَهُمْ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «٢» ، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «٣» ، لكنهم كانوا يثبتون له شركاء فيعبدونهم ليقرّبوهم إِلَى اللَّهِ، مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ «٤» وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، الْمُعْتَقِدُونَ فِي الْأَمْوَاتِ بِأَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ عُبَّادِ الْقُبُورِ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، فَالِاعْتِبَارُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ لَا بِمَا يُفِيدُهُ السبب من
стр. 1301
الاختصاص بمن كَانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الْحُكْمِ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ، وَالْغَاشِيَةُ: مَا يَغْشَاهُمْ وَيَغْمُرُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ «١» ، وَقِيلَ: هِيَ السَّاعَةُ، وَقِيلَ: الصَّوَاعِقُ وَالْقَوَارِعُ، وَلَا مَانِعَ مِنَ الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَيْ فَجْأَةً، وَانْتِصَابُ بَغْتَةً عَلَى الْحَالِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ حَالٌ بَعْدَ نَكِرَةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ وَقَعَ أَمْرٌ بَغْتَةً، يُقَالُ: بَغَتَهُمُ الْأَمْرُ بَغْتًا وَبَغْتَةً إِذَا فَاجَأَهُمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِإِتْيَانِهِ، وَيَجُوزُ انْتِصَابُ بَغْتَةً عَلَى أَنَّهَا صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي أَدْعُو إِلَيْهَا وَالطَّرِيقَةُ الَّتِي أَنَا عليها سبيلي: أي طريقتي وَسُنَّتِي، فَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ سَبِيلِي، وَفُسِّرَ ذلك بقوله:
أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَيْ عَلَى حُجَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَالْبَصِيرَةُ: الْمَعْرِفَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي أَيْ: وَيَدْعُو إِلَيْهَا مَنِ اتَّبَعَنِي وَاهْتَدَى بِهَدْيِي. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالْمَعْنَى وَمَنِ اتَّبَعَنِي يَدْعُو إِلَى اللَّهِ كَمَا أَدْعُو. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُتَّبِعٍ لرسول الله ﷺ حَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي الدعاء إلى الله، أي: الدعاء إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَالْعَمَلِ بِمَا شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَيْ: وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مِنْ دُونِهِ أَنْدَادًا.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَيَجُوزُ أن يتمّ الكلام عند قوله: أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ قَالَ: هُمْ بَنُو يَعْقُوبَ إِذْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ يَقُولُ: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ وَهُمْ يُلْقُونَهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَهُمْ يَمْكُرُونَ بِيُوسُفَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ قَالَ: كَمْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاءِ يَعْنِي شَمْسَهَا وَقَمَرَهَا وَنُجُومَهَا وَسَحَابَهَا، وَفِي الْأَرْضِ مَا فِيهَا مِنَ الْخَلْقِ وَالْأَنْهَارِ وَالْجِبَالِ وَالْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قَالَ: سلهم من خلقهم ومن خلق السموات وَالْأَرْضَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ، فَذَلِكَ إِيمَانُهُمْ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قَالَ: كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَهُوَ خَالِقُهُمْ وَهُوَ رَازِقُهُمْ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يُشْرِكُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي الْآيَةِ قَالَ: كَانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ فِي تَلْبِيَتِهِمْ، يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ فِي الْآيَةِ قَالَ: ذَلِكَ الْمُنَافِقُ يَعْمَلُ بِالرِّيَاءِ وَهُوَ مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ.
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ قَالَ: وَقِيعَةٌ تَغْشَاهُمْ: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: هذِهِ سَبِيلِي قُلْ: هَذِهِ دَعْوَتِي.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قُلْ هذِهِ سَبِيلِي قَالَ: صَلَاتِي. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في
стр. 1302
الْآيَةِ قَالَ: أَمْرِي وَمَشِيئَتِي وَمِنْهَاجِي. وَأَخْرَجَا عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: عَلى بَصِيرَةٍ أَيْ: عَلَى هدى أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٠٩ الى ١١١]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)
قَوْلُهُ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا هَذَا رَدٌّ عَلَى من قال: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أَيْ:
لَمْ نَبْعَثْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ إِلَّا رِجَالًا لَا مَلَائِكَةً، فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إِرْسَالَنَا إِيَّاكَ. وَتَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا مِنَ النِّسَاءِ وَلَا مِنَ الْجِنِّ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ فِي النِّسَاءِ أَرْبَعَ نَبِيَّاتٍ: حَوَّاءَ، وَآسِيَةَ، وَأُمَّ مُوسَى، وَمَرْيَمَ. وَقَدْ كَانَ بَعْثَةُ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ أَمْرًا مَعْرُوفًا عِنْدَ الْعَرَبِ، حَتَّى قَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ فِي سَجَاحِ الْمُتَنَبِّئَةِ:
أَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نَطِيفُ بِهَا ... وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ ذُكْرَانَا
فَلَعْنَةُ اللَّهِ وَالْأَقْوَامُ كُلُّهُمُ ... عَلَى سَجَاحٍ وَمَنْ بِاللَّوْمِ أَغْرَانَا
نُوحِي إِلَيْهِمْ كَمَا نُوحِي إِلَيْكَ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَيِ الْمَدَائِنِ دُونَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِغَلَبَةِ الْجَفَاءِ وَالْقَسْوَةِ عَلَى الْبَدْوِ، وَلِكَوْنِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَتَمَّ عَقْلًا وَأَكْمَلَ حِلْمًا وَأَجَلَّ فَضْلًا أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ الْمُنْكِرِينَ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَيْ: أَفَلَمْ يَسِرِ الْمُشْرِكُونَ هَؤُلَاءِ فَيَنْظُرُوا إِلَى مَصَارِعِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَيَعْتَبِرُوا بِهِمْ حَتَّى يَنْزِعُوا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ التَّكْذِيبِ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَيْ لَدَارُ السَّاعَةِ الآخرة، أو الحالة الْآخِرَةِ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ الدَّارَ هِيَ الْآخِرَةُ، وَأُضِيفَ الشَّيْءُ إِلَى نَفْسِهِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاةِ الْأُولَى وَمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْإِعْرَابِ، وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الدَّارِ: الْجَنَّةُ، أَيْ: هِيَ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَقُرِئَ:
وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ أَفَلا تَعْقِلُونَ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ عَلَى الْخِطَابِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ هَذِهِ الْغَايَةُ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، وَتَقْدِيرُهُ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَّا رِجَالًا، وَلَمْ نُعَاجِلْ أُمَمَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا جَاءُوا بِهِ بالعقوبة حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنَ النَّصْرِ بِعُقُوبَةِ قَوْمِهِمْ، أَوْ حَتَّى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ لِانْهِمَاكِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا. قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ وَأَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَيَحْيَى بْنُ وثّاب والأعمش وخلف «كُذِبُوا» بالتخفيف،
стр. 1303
أي: ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَلَمْ يَصْدُقُوا. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا ادَّعَوْا مِنْ نَصْرِهِمْ وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَظَنَّ الرُّسُلُ أَنَّهَا قَدْ كَذَبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ حِينَ حَدَّثَتْهُمْ بِأَنَّهُمْ يُنْصَرُونَ عَلَيْهِمْ، أَوْ كَذَبَهُمْ رَجَاؤُهُمْ لِلنَّصْرِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «كُذِّبُوا» بِالتَّشْدِيدِ، وَالْمَعْنَى عَلَيْهَا وَاضِحٌ، أَيْ: ظَنَّ الرُّسُلُ بِأَنَّ قَوْمَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ فِيمَا وَعَدُوهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَيَجُوزُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ ظَنَّ الْقَوْمَ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَحُمَيْدٌ «قَدْ كَذَبُوا» بِفَتْحِ الْكَافِ وَالذَّالِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلَى مَعْنَى: وَظَنَّ قَوْمُ الرُّسُلِ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوا وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الظَّنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الْيَقِينِ لِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ تَيَقَّنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ ظَنِّ مِنْهُمْ. وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفَسِّرَ الظَّنَّ بِالْيَقِينِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصورة ويفسر بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ فِيمَا يَحْصُلُ فِيهِ مُجَرَّدُ ظَنٍّ فَقَطْ مِنَ الصُّوَرِ السَّابِقَةِ جاءَهُمْ نَصْرُنا أَيْ: فَجَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَجْأَةً، أَوْ جَاءَ قَوْمَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كَذَّبُوهُمْ نَصْرُ اللَّهِ لِرُسُلِهِ بِإِيقَاعِ الْعَذَابِ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ قرأ عاصم «فَنُجِّيَ» بنون واحد. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «فَنُنْجِيَ» بِنُونَيْنِ، وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى لِأَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ كَذَلِكَ.
وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «فَنَجَا» عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، فَتَكُونُ «مَنْ» عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُولَى فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهَا نَائِبُ الْفَاعِلِ، وَتَكُونُ عَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ، وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلٌ، وَالَّذِينَ نَجَّاهُمُ اللَّهُ هُمُ الرُّسُلُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُمْ، وَهَلَكَ الْمُكَذِّبُونَ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ عِنْدَ نُزُولِهِ بِهِمْ، وَفِيهِ بَيَانُ مَنْ يَشَاءُ اللَّهُ نَجَاتَهُ مِنَ الْعَذَابِ وَهُمْ مَنْ عَدَا هَؤُلَاءِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أَيْ قَصَصِ الرُّسُلِ ومن بعثوا إليه مِنَ الْأُمَمِ، أَوْ فِي قَصَصِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ وَأَبِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ وَالْعِبْرَةُ: الْفِكْرَةُ وَالْبَصِيرَةُ الْمُخَلِّصَةُ مِنَ الْجَهْلِ وَالْحَيْرَةِ. وَقِيلَ: هِيَ نَوْعٌ مِنَ الِاعْتِبَارِ، وَهِيَ الْعُبُورُ مِنَ الطَّرَفِ الْمَعْلُومِ إِلَى الطَّرَفِ الْمَجْهُولِ، وَأُولُو الْأَلْبَابِ هُمْ ذَوُو العقول السليمة الذي يَعْتَبِرُونَ بِعُقُولِهِمْ فَيَدْرُونَ مَا فِيهِ مَصَالِحُ دِينِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الْقَصَصُ عِبْرَةً لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْبَارَاتِ الْمُطَابِقَةِ لِلْوَاقِعِ مَعَ بُعْدِ المدّة بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ قُصَّ حَدِيثُهُمْ، وَمِنْهُمْ يُوسُفُ وَإِخْوَتُهُ وَأَبُوهُ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَخْبَارِهِمْ وَلَا اتَّصَلَ بِأَحْبَارِهِمْ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى أَيْ مَا كَانَ هَذَا الْمَقْصُوصُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الْقَصَصِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ. وَقُرِئَ بِرَفْعِ «تَصْدِيقُ» عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ تَصْدِيقُ وَتَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الشَّرَائِعِ الْمُجْمَلَةِ الْمُحْتَاجَةِ إِلَى تَفْصِيلِهَا لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ وَقِيلَ: تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ وَأَبِيهِ. قِيلَ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مَا يَقْتَضِيهِ مِنَ الْعُمُومِ، بَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْأُصُولُ والقوانين وما يؤول إِلَيْهَا وَهُدىً فِي الدُّنْيَا يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ هِدَايَتَهُ وَرَحْمَةً فِي الْآخِرَةِ يَرْحَمُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ الْعَامِلِينَ بِمَا فِيهِ شَرْطُ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا قَالَ: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أَيْ يُصَدِّقُونَ بِهِ وَبِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَشَرَائِعِهِ وَقَدَرِهِ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُمْ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَهْتَدِي بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْهُدَى، فَلَا يَسْتَحِقُّ ما يستحقونه.
стр. 1304
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا قَالَ: أَيْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا قُلْتُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: مَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رَسُولًا قَطُّ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْقُرَى، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَحَلْمَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْمُورِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَالَ: كَيْفَ عَذَّبَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ لُوطٍ وَقَوْمَ صَالِحٍ وَالْأُمَمَ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ أَنَّهُ سَأَلَ عائشة عن قول الله سبحانه حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قَالَ: قُلْتُ أَكُذِبُوا أَمْ كُذِّبُوا؟ يَعْنِي عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ مُخَفَّفَةً أَمْ مُشَدَّدَةً، فَقَالَتْ: بَلْ كُذِّبُوا تَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ، قُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ كَذَّبُوهُمْ، فَمَا هُوَ بِالظَّنِّ، قَالَتْ: أَجَلْ لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ، فَقُلْتُ: لَعَلَّهَا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا، مُخَفَّفَةٌ، قَالَتْ:
مَعَاذَ اللَّهِ، لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ لِتَظُنَّ ذَلِكَ بِرَبِّهَا، قُلْتُ: فَمَا هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَتْ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمنوا وَصَدَّقُوهُمْ، وَطَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاسْتَأْخَرَ عَلَيْهِمُ النَّصْرُ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَظَنَّتِ الرُّسُلُ أَنَّ أَتْبَاعَهُمْ قَدْ كَذَّبُوهُمْ، جَاءَهُمْ نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا عَلَيْهِ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً يَقُولُ: أُخْلِفُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانُوا بَشَرًا، وَتَلَا: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا خَالَفَتْ ذَلِكَ وَأَبَتْهُ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ ما وعد الله رسوله مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قد كذبوهم، وكانت تقرؤها مُثَقَّلَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عن عائشة أن النبي قَرَأَ: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ قَدْ كُذِبُوا مُخَفَّفَةً، قَالَ: يَئِسَ الرُّسُلُ مِنْ قَوْمِهِمْ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ كَذَبُوهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ جاءَهُمْ نَصْرُنا قَالَ: جَاءَ الرُّسُلَ نَصْرُنَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ تَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ الْقُرْآنَ فَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيَّ إلا حرفين:
كلّ آتوه داخرين فَقَالَ: أَتَوْهُ مُخَفَّفَةٌ. وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا فَقَالَ: كُذِبُوا مُخَفَّفَةً، قَالَ: اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ مِنْ إِيمَانِ قَوْمِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ، وَظَنَّ قَوْمُهُمْ حِينَ أَبْطَأَ الْأَمْرُ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْهُ قَالَ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سُورَةِ يُوسُفَ: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا خَفِيفَةً. وَلِلسَّلَفِ فِي هَذَا كَلَامٌ يَرْجِعُ إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخِلَافِ عَنِ الصَّحَابَةِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ قَالَ: فَنُنْجِيَ الرُّسُلَ وَمَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ الرُّسُلَ يَدْعُونَ قَوْمَهُمْ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ نَجَا وَمَنْ عَصَاهُ عُذِّبَ وَغَوَى. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قَالَ: جاءَهُمْ نَصْرُنا الْعَذَابُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا قَالَ: عَذَابُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حاتم عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: لَقَدْ
стр. 1305
كانَ فِي قَصَصِهِمْ
قَالَ: يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ قَالَ: مَعْرُوفَةٌ لِذَوِي الْعُقُولِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى قَالَ: الْفِرْيَةُ: الْكَذِبُ، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: الْقُرْآنُ يُصَدِّقُ الْكُتُبَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ جَمِيعَهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ فَصَلَ اللَّهُ بَيْنَ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَطَاعَتِهِ ومعصيته.
стр. 1306
سورة الرّعد
قد وقع الخلاف هل هي مكية أم مَدَنِيَّةٌ؟ فَرَوَى النَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ. وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ابْنُ الزُّبَيْرِ والكلبي ومقاتل. وقول ثابت: أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ إِلَّا آيَتَيْنِ مِنْهَا فَإِنَّهُمَا نَزَلَتَا بِمَكَّةَ، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ «١» [إلى آخرها] «٢» .
وقيل: [مدنية إلا] «٣» قَوْلُهُ: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ «٤» . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَقَتَادَةَ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْمَرْوَزِيُّ فِي الْجَنَائِزِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ يَسْتَحِبُّ إِذَا حَضَرَ الْمَيِّتَ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَهُ سُورَةَ الرَّعْدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ عَنِ الْمَيِّتِ، وَإِنَّهُ أَهْوَنُ لِقَبْضِهِ، وَأَيْسَرُ لِشَأْنِهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)
قَوْلُهُ: المر قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ الْوَاقِعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّورِ بِمَا يُغْنِي عَنِ الْإِعَادَةِ، وَهُوَ اسْمٌ لِلسُّورَةِ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا بَعْدَهُ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةُ اسْمُهَا هَذَا، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ إِلَى آيَاتِ هَذِهِ السُّورَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ السُّورَةُ، أَيْ:
تِلْكَ الْآيَاتُ آيَاتُ السُّورَةِ الْكَامِلَةِ الْعَجِيبَةِ الشَّأْنِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ مُرَادًا بِهِ الْقُرْآنُ كُلُّهُ، أَيْ: هُوَ الْحَقُّ الْبَالِغُ فِي اتِّصَافِهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أَوْ تَكُونُ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: تِلْكَ إِلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ جَمِيعِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ جَمِيعُ الْقُرْآنِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ جُمْلَةً مُبَيِّنَةً لِكَوْنِ هَذَا الْمُنَزَّلِ هُوَ الْحَقُّ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالَّذِي رُفِعَ بِالِاسْتِئْنَافِ وَخَبَرُهُ الحق. قال: وإن شئت стр. 1307
جَعَلْتَ الَّذِي خَفْضًا نَعْتًا لِلْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ الْوَاوُ كَمَا فِي قَوْلِهِ:
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرَمِ وَابْنِ الْهُمَامِ «١» ............... ....
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ الْجَرَّ عَلَى تَقْدِيرِ: وَآيَاتُ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ، فَيَكُونَ الْحَقُّ عَلَى هَذَا خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَذَا الْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، قال الزّجّاج:
ما ذَكَرَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ الدَّلِيلَ الَّذِي يُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِالْخَالِقِ فَقَالَ: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَالْعَمَدُ: الْأَسَاطِينُ، جَمْعُ عِمَادٍ أَيْ قَائِمَاتٍ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَعْتَمِدُ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَهَا عَمَدٌ وَلَكِنْ لَا نَرَاهُ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: العمد قدرته التي يمسك بها السموات، وَهِيَ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ لَنَا، وَقُرِئَ «عُمُدٍ» عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ عَمُودٍ يُعْمَدُ بِهِ أَيْ يُسْنَدُ إِلَيْهِ. قَالَ النَّابِغَةُ:
وَخَبِّرِ الْجِنَّ أَنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تدمر بِالصُّفَاحِ «٢» وَالْعُمُدْ
وَجُمْلَةُ تَرَوْنَهَا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِشْهَادٌ عَلَى رؤيتهم لها كذلك، وقيل: هي صفة لعمد، وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: رَفَعَ السموات تَرَوْنَهَا بِغَيْرِ عَمَدٍ، وَلَا مُلْجِئَ إِلَى مِثْلِ هَذَا التَّكَلُّفِ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أَيِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ بِالْحِفْظِ وَالتَّدْبِيرِ، أَوِ اسْتَوَى أَمْرُهُ، أَوْ أَقْبَلَ عَلَى خَلْقِ الْعَرْشِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا مُسْتَوْفًى، وَالِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ صِفَةٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِلَا كَيْفٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أَيْ ذَلَّلَهُمَا لِمَا يُرَادُ مِنْهُمَا مِنْ مَنَافِعِ الْخَلْقِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَيْ كُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ يَجْرِي إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ فَنَاءُ الدُّنْيَا وَقِيَامُ السَّاعَةِ الَّتِي تُكَوَّرُ عِنْدَهَا الشَّمْسُ، وَيُخْسَفُ الْقَمَرُ، وَتَنْكَدِرُ النُّجُومُ وَتَنْتَثِرُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ الْمُسَمَّى درجاتهما ومنازلهما التي تنتهيان إليها لا يجاوزانها، وَهِيَ سَنَةٌ لِلشَّمْسِ، وَشَهْرٌ لِلْقَمَرِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أَيْ يُصَرِّفُهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَهُوَ أَمْرُ مَلَكُوتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ يُفَصِّلُ الْآياتِ أَيْ: يُبَيِّنُهَا، وَهِيَ الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ رَفْعِ السَّمَاءِ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَتَسْخِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَجَرْيِهِمَا لِأَجَلٍ مُسَمًّى، وَالْجُمْلَتَانِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ أَوْ خَبَرُ إِنَّ لِقَوْلِهِ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ عَلَى أَنَّ الْمَوْصُولَ صِفَةٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا تَنْبِيهُ الْعِبَادِ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْبَعْثِ وَالْإِعَادَةِ، وَلِذَا قَالَ: لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ أَيْ لَعَلَّكُمْ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ هَذِهِ الْآيَاتِ تُوقِنُونَ بِذَلِكَ لَا تَشُكُّونَ فِيهِ، وَلَا تَمْتَرُونَ فِي صِدْقِهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الدَّلَائِلَ السَّمَاوِيَّةَ أَتْبَعَهَا بِذِكْرِ الدَّلَائِلِ الْأَرْضِيَّةِ فَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ قَالَ الْفَرَّاءُ: بَسَطَهَا طُولًا وَعَرْضًا.
وَقَالَ الْأَصَمُّ: إِنَّ الْمَدَّ هُوَ الْبَسْطُ إِلَى مَا لَا يُدْرَكُ مُنْتَهَاهُ، وَهَذَا المدّ الظاهر للبصر لا ينافي كرويتها فِي نَفْسِهَا لِتَبَاعُدِ أَطْرَافِهَا وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ أَيْ جِبَالًا ثَوَابِتَ. وَاحِدُهَا رَاسِيَةٌ لِأَنَّ الْأَرْضَ ترسو بها، أي:
стр. 1308
تثبت، والإرساء: الثبوت. قال عَنْتَرَةَ:
فَصَبَرَتْ «١» عَارِفَةً لِذَلِكَ حُرَّةً ... تَرْسُو إِذَا نَفْسُ الْجَبَانِ تَطَلَّعُ
وَقَالَ جَمِيلٌ:
أُحِبُّهَا وَالَّذِي أَرْسَى قَوَاعِدَهُ ... حَتَّى «٢» إِذَا ظَهَرَتْ آيَاتُهُ بَطَنَا
وَأَنْهاراً أَيْ مِيَاهًا جَارِيَةً فِي الْأَرْضِ فِيهَا مَنَافِعُ الْخَلْقِ، أَوِ الْمُرَادُ جَعَلَ فِيهَا مَجَارِيَ الْمَاءِ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، أَيْ: جَعَلَ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، الزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَعَلَى الْوَاحِدِ الْمُزَاوِجِ لِآخَرَ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالزَّوْجِ الْوَاحِدُ، وَلِهَذَا أَكَّدَ الزَّوْجَيْنِ بِالِاثْنَيْنِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهُ أُرِيدَ بِالزَّوْجِ هُنَا الِاثْنَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ هَذَا مُسْتَوْفًى، أَيْ جَعَلَ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ ثَمَرَاتِ الدُّنْيَا صِنْفَيْنِ، إِمَّا فِي اللَّوْنِيَّةِ كَالْبَيَاضِ والسواد ونحوهما، أو في الطّعمية كالحلو والحامض وَنَحْوِهِمَا، أَوْ فِي الْقَدْرِ كَالصِّغَرِ وَالْكِبْرِ، أَوْ فِي الْكَيْفِيَّةِ كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: يَعْنِي بِالزَّوْجَيْنِ هُنَا الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أَيْ يُلْبِسَهُ مَكَانَهُ، فَيَصِيرُ أَسْوَدَ مظلما بعد ما كَانَ أَبْيَضَ مُنِيرًا، شَبَّهَ إِزَالَةَ نُورِ الْهُدَى بِالظُّلْمَةِ بِتَغْطِيَةِ الْأَشْيَاءِ الْحِسِّيَّةِ بِالْأَغْطِيَةِ الَّتِي تَسْتُرُهَا، وَقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ هَذِهِ فِي الْأَعْرَافِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ مَدِّ الْأَرْضِ وَإِثْبَاتِهَا بِالْجِبَالِ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الثَّمَرَاتِ الْمُتَزَاوِجَةِ، وَتَعَاقُبِ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ آيَاتٌ بَيِّنَةٌ لِلنَّاظِرِينَ الْمُتَفَكِّرِينَ الْمُعْتَبِرِينَ: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ هَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى ذِكْرِ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ أَنْوَاعِ الْآيَاتِ، قِيلَ: وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ أَيْ: قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ، وَغَيْرُ مُتَجَاوِرَاتٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ «٣» أَيْ: وَتَقِيكُمُ الْبَرْدَ. قِيلَ:
وَالْمُتَجَاوِرَاتُ: الْمُدُنُ وَمَا كَانَ عَامِرًا، وَغَيْرُ الْمُتَجَاوِرَاتِ: الصَّحَارَى وَمَا كَانَ غَيْرَ عَامِرٍ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى:
مُتَجَاوِرَاتٌ مُتَدَانِيَاتٌ، تُرَابُهَا وَاحِدٌ وَمَاؤُهَا وَاحِدٌ، وَفِيهَا زَرْعٌ وَجَنَّاتٌ، ثُمَّ تَتَفَاوَتُ فِي الثِّمَارِ فَيَكُونُ الْبَعْضُ حُلْوًا وَالْبَعْضُ حَامِضًا، وَالْبَعْضُ طَيِّبًا وَالْبَعْضُ غَيْرَ طَيِّبٍ، وَالْبَعْضُ يَصْلُحُ فِيهِ نَوْعٌ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ نَوْعٌ آخَرُ.
وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ الجنات: البساتين، وقرأ الْجُمْهُورُ بِرَفْعِ جَنَّاتٌ عَلَى تَقْدِيرِ: وَفِي الْأَرْضِ جَنَّاتٌ، فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ، أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ: وَبَيْنَهَا جَنَّاتٌ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَجَعَلَ فِيهَا جَنَّاتٍ، وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ الزَّرْعَ بَيْنَ الْأَعْنَابِ وَالنَّخِيلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الْخَارِجِ كَثِيرًا كَذَلِكَ، وَمِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً «٤» . صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ بِرَفْعِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ عَطْفًا عَلَى جَنَّاتٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَعْنَابٍ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ وَالسُّلَمِيُّ بِضَمِّ الصَّادِ مِنْ صُنْوَانٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ
стр. 1309
بالكسر، وهما لغتان. وقال أَبُو عُبَيْدَةَ: صِنْوَانُ: جَمْعُ صِنْوٍ، وَهُوَ أَنْ يكون الأصل واحد، ثُمَّ يَتَفَرَّعُ فَيَصِيرُ نَخِيلًا، ثُمَّ يُحْمَلُ، وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الصِّنْوُ: الْمِثْلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ :
«عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» ، فَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا: أَنَّ أَشْجَارَ النَّخِيلِ قَدْ تَكُونُ مُتَمَاثِلَةً وَقَدْ لَا تَكُونُ.
قَالَ فِي الْكَشَّافِ: وَالصِّنْوَانُ: جَمْعُ صِنْوٍ، وَهِيَ النَّخْلَةُ لَهَا رَأْسَانِ وَأَصْلُهَا وَاحِدٌ، وَقِيلَ: الصِّنْوَانُ: الْمُجْتَمِعُ.
وَغَيْرُ الصِّنْوَانِ: الْمُتَفَرِّقُ. قَالَ النَّحَّاسُ: وَهُوَ كَذَلِكَ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ لِلنَّخْلَةِ إِذَا كَانَتْ فِيهَا نَخْلَةٌ أُخْرَى أَوْ أَكْثَرُ:
صِنْوَانٌ، وَالصِّنْوُ: الْمِثْلُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ إِلَّا بِكَسْرِ النُّونِ فِي الْمُثَنَّى، وَبِمَا يَقْتَضِيهِ الْإِعْرَابُ فِي الْجَمْعِ: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ قَرَأَ عَاصِمٌ وَابْنُ عَامِرٍ: يُسْقَى بِالتَّحْتِيَّةِ، أَيْ: يُسْقَى ذَلِكَ كُلُّهُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَوْقِيَّةِ بِإِرْجَاعِ الضَّمِيرِ إِلَى جَنَّاتٌ. وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو عَمْرٍو، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: التَّأْنِيثُ أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ: وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ وَلَمْ يَقُلْ بَعْضَهُ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ «يُفَضَّلُ» بِالتَّحْتِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنُّونِ عَلَى تَقْدِيرِ: وَنَحْنُ نُفَضِّلُ.
وَفِي هَذَا مِنَ الدِّلَالَةِ عَلَى بَدِيعِ صُنْعِهِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ عَقْلٌ فَإِنَّ الْقِطَعَ الْمُتَجَاوِرَةَ وَالْجَنَّاتِ الْمُتَلَاصِقَةَ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى أَنْوَاعِ النَّبَاتِ مَعَ كَوْنِهَا تُسْقَى بماء واحد، وتتفاضل الثَّمَرَاتِ فِي الْأُكُلِ، فَيَكُونُ طَعْمُ بَعْضِهَا حُلْوًا وَالْآخَرُ حَامِضًا، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْجَوْدَةِ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَهَذَا فَائِقٌ فِي حُسْنِهِ، وَهَذَا غير فائق، ممّا يقنع مَنْ تَفَكَّرَ وَاعْتَبَرَ وَنَظَرَ نَظَرَ الْعُقَلَاءِ أَنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِاخْتِلَافِهَا لَيْسَ إِلَّا قُدْرَةَ الصَّانِعِ الْحَكِيمِ جَلَّ سُلْطَانُهُ وَتَعَالَى شَأْنُهُ، لِأَنَّ تَأْثِيرَ الِاخْتِلَافِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَيُحَصَّلُ مِنْ ثَمَرَاتِهَا لَا يَكُونُ فِي نَظَرِ الْعُقَلَاءِ إِلَّا لِسَبَبَيْنِ: إِمَّا اخْتِلَافِ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ الْمَنْبَتُ، أَوِ اخْتِلَافِ الْمَاءِ الَّذِي تُسْقَى بِهِ، فَإِذَا كَانَ الْمَكَانُ مُتَجَاوِرًا وَقِطَعُ الْأَرْضِ مُتَلَاصِقَةً، وَالْمَاءُ الَّذِي تُسْقَى بِهِ وَاحِدًا، لَمْ يَبْقَ سَبَبٌ لِلِاخْتِلَافِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ إِلَّا تِلْكَ الْقُدْرَةُ الْبَاهِرَةُ وَالصُّنْعُ الْعَجِيبُ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أَيْ يَعْمَلُونَ عَلَى قَضِيَّةِ الْعَقْلِ وَمَا يُوجِبُهُ، غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمَا يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّفَكُّرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ وَالِاعْتِبَارِ فِي الْعِبَرِ الْمَوْجُودَاتِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: المر قَالَ: أَنَا اللَّهُ أَرَى. وَأَخْرُجُ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ المر فَوَاتِحُ يَفْتَتِحُ بِهَا كَلَامَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ قَالَ: التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ قَالَ: الْقُرْآنُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهَا بِعَمَدٍ لَا تَرَوْنَهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَقُولُ لَهَا عَمَدٌ وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهَا يَعْنِي الْأَعْمَادَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: السَّمَاءُ مُقَبَّبَةٌ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلَ الْقُبَّةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: السَّمَاءُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْلَاكٍ، كُلُّ زَاوِيَةٍ مُوَكَّلٌ بِهَا مَلَكٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ: لِأَجَلٍ مُسَمًّى قَالَ الدُّنْيَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قَالَ: يَقْضِيهِ وَحْدَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: الدُّنْيَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ: أَرْبَعُمِائَةٍ خَرَابٌ، وَمِائَةٌ عُمْرَانٌ فِي أيدي المسلمين
стр. 1310
مِنْ ذَلِكَ مَسِيرَةُ سَنَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ تَقْدِيرَاتٌ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا دَلِيلٌ يَصِحُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبً قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ «١» وَقَالَتْ: أَيْ رَبِّ تَجْعَلُ عَلَيَّ بَنِي آدَمَ يَعْمَلُونَ عَلَيَّ الْخَطَايَا وَيَجْعَلُونَ عَلَيَّ الْخَبَثَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ، فَكَانَ إِقْرَارُهَا كَاللَّحْمِ تَرَجْرَجَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ قَالَ: ذَكَرًا وَأُنْثَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أَيْ يُلْبِسُ اللَّيْلَ النَّهَارَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ قَالَ: يُرِيدُ الْأَرْضَ الطَّيِّبَةَ الْعَذْبَةَ الَّتِي يَخْرُجُ نَبَاتُهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا تُجَاوِرُهَا السَّبَخَةُ الْقَبِيحَةُ الْمَالِحَةُ الَّتِي لَا تُخْرِجُ، وَهُمَا أَرْضٌ وَاحِدَةٌ، وَمَاؤُهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، مِلْحٌ أَوْ عَذْبٌ، فَفُضِّلَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: قُرِئَ «مُتَجاوِراتٌ» قَرِيبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: الْأَرْضُ تُنْبِتُ حُلْوًا، وَالْأَرْضُ تُنْبِتُ حَامِضًا، وَهِيَ مُتَجَاوِرَاتٌ تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فِي قَوْلِهِ: صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ قَالَ: الصنوان ما كان أصله واحد وَهُوَ مُتَفَرِّقٌ، وَغَيْرُ صِنْوَانٍ الَّتِي تُنْبِتُ وَحْدَهَا، وَفِي لَفْظِ: صِنْوَانٌ النَّخْلَةُ فِي النَّخْلَةِ مُلْتَصِقَةٌ، وغير صنوان النخل المفرّق.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صِنْوانٌ قَالَ: مُجْتَمَعُ النَّخْلِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ وَغَيْرُ صِنْوانٍ قَالَ: النَّخْلُ الْمُتَفَرِّقُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ قَالَ:
«الدَّقَلُ «٢» وَالْفَارِسِيُّ «٣» وَالْحُلْوُ وَالْحَامِضُ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ:
هَذَا حَامِضٌ، وهذا حلو، وهذا دقل، وهذا فارسي.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٥ الى ١١]
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩)
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١)
стр. 1311
قَوْلُهُ: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَيْ إِنْ تَعْجَبْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ لَكَ بَعْدَ مَا كُنْتَ عِنْدَهُمْ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَعْجَبُ مِنْهُ تَكْذِيبُهُمْ بِالْبَعْثِ. وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّعَجُّبُ، لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِشَيْءٍ تَخْفَى أَسْبَابُهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِيَعْجَبَ مِنْهُ رَسُولُهُ وَأَتْبَاعُهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ هَذَا مَوْضُوعٌ عَجَبٌ أَيْضًا أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ، وَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ خلق السموات وَالْأَرْضِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَعْثَ أَسْهَلُ فِي الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ: الْآيَةُ فِي مُنْكِرِي الصَّانِعِ أَيْ: إِنْ تَعْجَبْ مِنْ إِنْكَارِهِمُ الصَّانِعَ مَعَ الْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ بِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُغَيِّرٍ، فَهُوَ مَحَلُّ التَّعَجُّبِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لقوله: أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى أَنَّهَا مَقُولُ الْقَوْلِ، وَالْعَجَبُ عَلَى الْأَوَّلِ كَلَامُهُمْ، وَعَلَى الثَّانِي تَكَلُّمُهُمْ بِذَلِكَ، وَالْعَامِلُ فِي «إِذَا» مَا يُفِيدُهُ قوله: أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ وَهُوَ نُبْعَثُ أَوْ نُعَادُ، وَالِاسْتِفْهَامُ مِنْهُمْ لِلْإِنْكَارِ الْمُفِيدِ لِكَمَالِ الِاسْتِبْعَادِ، وَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ فِي قَوْلِهِ: لَفِي خَلْقٍ لِتَأْكِيدِ الْإِنْكَارِ بالبعث، وكذلك تكرير الهمزة في قوله: أَإِنَّا ثُمَّ لَمَّا حَكَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَيْ أُولَئِكَ الْمُنْكِرُونَ لِقُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى الْبَعْثِ هُمُ الْمُتَمَادُونَ فِي الْكُفْرِ الْكَامِلُونَ فِيهِ. وَالثَّانِي: وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ الْأَغْلَالُ: جَمْعُ غُلٍّ، وَهُوَ طَوْقٌ تُشَدُّ بِهِ الْيَدُ إِلَى الْعُنُقِ، أَيْ: يُغَلُّونَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: الْأَغْلَالُ أَعْمَالُهُمُ السَّيِّئَةُ الَّتِي هِيَ لَازِمَةٌ لَهُمْ لُزُومَ الْأَطْوَاقِ لِلْأَعْنَاقِ. وَالثَّالِثُ: وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَفِي تَوْسِيطِ ضَمِيرِ الْفَصْلِ دِلَالَةٌ عَلَى تَخْصِيصِ الْخُلُودِ بِمُنْكِرِي الْبَعْثِ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ السَّيِّئَةُ الْعُقُوبَةُ الْمُهْلِكَةُ، وَالْحَسَنَةُ: الْعَافِيَةُ وَالسَّلَامَةُ، قَالُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ لِفَرْطِ إِنْكَارِهِمْ وَشِدَّةِ تَصْمِيمِهِمْ وَتَهَالُكِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُمْ طَلَبُوا الْعُقُوبَةَ قَبْلَ الْحَسَنَةِ، وَهِيَ الْإِيمَانُ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ قَرَأَ الْجُمْهُورُ «مَثُلَاتُ» بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ مَثُلَةٍ كَسَمُرَةٍ، وَهِيَ الْعُقُوبَةُ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: المثلة العقوبة التي تبقي في المعاقب شيئا بِتَغْيِيرِ بَعْضِ خَلْقِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَثَّلَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ إِذَا شَانَ خَلْقَهُ بِقَطْعِ أَنْفِهِ وَسَمْلِ عَيْنَيْهِ وَبَقْرِ بَطْنَهُ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ تَخْفِيفًا لِثِقَلِ الضَّمَّةِ، وَفِي لُغَةٍ تَمِيمٍ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ جَمِيعًا، وَاحِدَتُهَا عَلَى لُغَتِهِمْ: مُثْلَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرُفَاتٍ. وَحُكِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَرَأَ هَذَا الْحَرْفَ بِضَمِّهَا عَلَى لُغَةِ تَمِيمٍ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ هَؤُلَاءِ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِإِنْزَالِ الْعُقُوبَةِ بِهِمْ، وَقَدْ مَضَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ عُقُوبَاتُ أَمْثَالِهِمْ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ، فَمَا لَهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ وَيَحْذَرُونَ مِنْ حُلُولِ مَا حَلَّ بِهِمْ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَهَذَا الِاسْتِعْجَالُ مِنْ هَؤُلَاءِ هُوَ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزَاءِ كَقَوْلِهِمْ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ «١» لآية وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ أَيْ لَذُو تَجَاوُزٍ عَظِيمٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِاقْتِرَافِهِمُ الذُّنُوبَ وَوُقُوعِهِمْ فِي الْمَعَاصِي إِنْ تَابُوا عَنْ ذَلِكَ، ورجعوا إلى الله سبحانه، والجارّ وَالْمَجْرُورُ، أَيْ: عَلى ظُلْمِهِمْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِمْ ظَالِمِينَ، وَعَلَى بِمَعْنَى مَعَ، أَيْ: مَعَ ظُلْمِهِمْ، وَفِي الْآيَةِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ وَرَجَاءٌ كَبِيرٌ لِأَنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا
стр. 1312
يَكُونُ تَائِبًا، وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّهَا فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ خَاصَّةً. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَغْفِرَةِ هُنَا تَأْخِيرُ الْعِقَابِ إِلَى الْآخِرَةِ لِيُطَابِقَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ مِنَ اسْتِعْجَالِ الْكُفَّارِ لِلْعُقُوبَةِ، وَكَمَا تُفِيدُهُ الْجُمْلَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَهِيَ: وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ يُعَاقِبُ الْعُصَاةَ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْكَافِرِينَ عِقَابًا شَدِيدًا عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أَيْ هَلَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ غَيْرُ مَا قَدْ جَاءَ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ، وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ الْقَائِلُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ هُمُ الْمُسْتَعْجِلُونَ لِلْعَذَابِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: طَلَبُوا غَيْرَ الْآيَاتِ الَّتِي أَتَى بِهَا فَالْتَمَسُوا مِثْلَ آيَاتِ مُوسَى وَعِيسَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ تُنْذِرُهُمْ بِالنَّارِ، وَلَيْسَ إِلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ شَيْءٌ انْتَهَى، وَهَذَا مُكَابَرَةٌ مِنَ الْكُفَّارِ وَعِنَادٌ، وَإِلَّا فَقَدَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُغْنِي الْبَعْضُ مِنْهُ، وَجَاءَ فِي: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ لِبَيَانِ أَنَّهُ ﷺ مُرْسَلٌ لِإِنْذَارِ الْعِبَادِ، وَبَيَانِ مَا يَحْذَرُونَ عَاقِبَتَهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَدْ فَعَلَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَأَنْذَرَ أَبْلَغَ إِنْذَارٍ، وَلَمْ يَدْعُ شَيْئًا مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ إِلَّا أَتَى بِهِ وَأَوْضَحَهُ وَكَرَّرَهُ، فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِهِ خَيْرًا وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ أَيْ نَبِيٍّ يَدْعُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ هِدَايَتُهُمْ وَرَشَادُهُمْ، وَإِنْ لَمْ تَقَعِ الْهِدَايَةُ لَهُمْ بِالْفِعْلِ وَلَمْ يَقْبَلُوهَا، وَآيَاتُ الرُّسُلِ مُخْتَلِفَةٌ، هَذَا يَأْتِي بِآيَةٍ أَوْ آيَاتٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا الْآخَرُ بِحَسَبِ مَا يُعْطِيهِ اللَّهُ مِنْهَا، وَمَنْ طَلَبَ مِنْ بَعْضِهِمْ مَا جَاءَ بِهِ الْبَعْضُ الْآخَرُ فَقَدْ بَلَغَ فِي التَّعَنُّتِ إِلَى مَكَانٍ عَظِيمٍ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَاتِ إِلَّا الدِّلَالَةُ عَلَى النُّبُوَّةِ لِكَوْنِهَا مُعْجِزَةً خَارِجَةً عَنِ الْقُدْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِفَرْدٍ مِنْهَا وَلَا بِأَفْرَادٍ مُعَيَّنَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ، وَهُوَ اللَّهُ فَإِنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ إِلَّا مُجَرَّدُ الْإِنْذَارِ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ إِحَاطَتِهِ بِالْعِلْمِ سُبْحَانَهُ، وَعِلْمِهِ بِالْغَيْبِ الَّذِي هَذِهِ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ مِنْهُ. قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الشَّرِيفُ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ وَهُوَ اللَّهُ، وَجُمْلَةُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى تفسير لهاد على الوجه الأخير، وهذا بعيد جدّا، وما مَوْصُولَةٌ، أَيْ: يَعْلَمُ الَّذِي تَحْمِلُهُ كُلُّ أُنْثَى فِي بَطْنِهَا مِنْ عَلَقَةٍ، أَوْ مُضْغَةٍ، أَوْ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، أَوْ صَبِيحٍ، أَوْ قَبِيحٍ، أَوْ سَعِيدٍ، أَوْ شَقِيٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اسْتِفْهَامِيَّةً أَيْ يَعْلَمُ أَيَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهَا، وَعَلَى أَيِّ حَالٍ هُوَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أَيْ: يَعْلَمُ حَمْلَهَا وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ الْغَيْضُ النَّقْصُ: أَيْ يَعْلَمُ الَّذِي تَغِيضُهُ الْأَرْحَامُ: أَيْ تَنْقُصُهُ، وَيَعْلَمُ مَا تَزْدَادُهُ. فَقِيلَ: الْمُرَادُ نَقْصُ خِلْقَةِ الْحَمْلِ وَزِيَادَتُهُ كَنَقْصِ أُصْبُعٍ أَوْ زِيَادَتِهَا: وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ نَقْصُ مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ زِيَادَتُهَا، وَقِيلَ: إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِي حَالِ حَمْلِهَا كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي وَلَدِهَا وَقِيلَ: الْغَيْضُ: مَا تَنْقُصُهُ الْأَرْحَامُ مِنَ الدَّمِ، وَالزِّيَادَةُ مَا تَزْدَادُهُ مِنْهُ، وَ «مَا» فِي مَا تَغِيضُ، وما تَزْدَادُ، تَحْتَمِلُ الثَّلَاثَةَ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ أَيْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْأَشْيَاءُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِمِقْدَارٍ، وَالْمِقْدَارُ: الْقَدْرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ «١» أَيْ:
كُلُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ جَارِيَةٌ عَلَى قَدَرِهِ الَّذِي قَدْ سَبَقَ وَفَرَغَ مِنْهُ، لَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَيْ عَالِمُ كُلَّ غَائِبٍ عَنِ الْحِسِّ، وَكُلَّ مَشْهُودٍ حَاضِرٍ، أَوْ كُلَّ مَعْدُومٍ وَمَوْجُودٍ، ولا مانع من
стр. 1313
حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ أَيِ الْعَظِيمُ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، الْمُتَعَالِي عَمَّا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ، أَوِ الْمُسْتَعْلِي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَقَهْرِهِ، ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَعْلَمُ تِلْكَ الْمُغَيَّبَاتِ لَا يُغَادِرُهُ شَيْءٌ مِنْهَا، بَيَّنَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا يُسِرُّونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَمَا يَجْهَرُونَ بِهِ لِغَيْرِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَفَاوَتُ عِنْدَهُ، فَقَالَ:
سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ فَهُوَ يَعْلَمُ مَا أَسَرَّهُ الْإِنْسَانُ كَعِلْمِهِ بِمَا جَهَرَ بِهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ.
وَقَوْلُهُ: مِنْكُمْ مُتَعَلِّقٌ بِسَوَاءٍ عَلَى مَعْنَى: يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ وَمَنْ جَهَرَ، أَوْ سِرَّ مَنْ أَسَرَّ وَجَهْرَ مَنْ جَهَرَ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أَيْ مُسْتَتِرٌ فِي الظُّلْمَةِ الْكَائِنَةِ فِي اللَّيْلِ، مُتَوَارٍ عَنِ الْأَعْيُنِ، يُقَالُ: خَفِيَ الشَّيْءُ وَاسْتَخْفَى، أَيِ: اسْتَتَرَ وَتَوَارَى وَسارِبٌ بِالنَّهارِ قَالَ الْكِسَائِيُّ: سَرَبَ يَسْرُبُ سَرَبًا وَسُرُوبًا إِذَا ذَهَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ «١» :
وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهُوَ سَارِبُ
أي ذهب. وقال القتبي: سَارِبٌ بِالنَّهَارِ مُتَصَرِّفٌ فِي حَوَائِجِهِ بِسُرْعَةٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَسْرَبَ الْمَاءُ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: حَلَّ سَرَبُهُ، أَيْ: طَرِيقَتُهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى الْآيَةِ الْجَاهِرُ بِنُطْقِهِ، وَالْمُضْمِرُ فِي نَفْسِهِ، وَالظَّاهِرُ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْمُسْتَخْفِي فِي الظُّلُمَاتِ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِمْ جَمِيعًا سَوَى، وَهَذَا أَلْصَقُ بِمَعْنَى الْآيَةِ كَمَا تُفِيدُهُ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الْمُسْتَخْفِي وَالسَّارِبِ فَالْمُسْتَخْفِي الْمُسْتَتِرُ، وَالسَّارِبُ الْبَارِزُ الظَّاهِرُ لَهُ مُعَقِّباتٌ الضَّمِيرُ فِي «لَهُ» رَاجِعٌ إِلَى مَنْ فِي قَوْلِهِ: مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ أي لكلّ من هؤلاء معقبات، والمعقبات بالمتناوبات الَّتِي يَخْلُفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صَاحِبَهُ، وَيَكُونُ بَدَلًا مِنْهُ، وَهُمُ الْحَفَظَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمُعَقِّبَاتُ مَلَائِكَةٌ يَأْتِي بَعْضُهُمْ بِعَقِبِ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: مُعَقِّبَاتٌ مَعَ كَوْنِ الْمَلَائِكَةِ ذُكُورًا لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهَا مُعَقِّبَةٌ، ثُمَّ جُمِعَ مُعَقِّبَةٌ عَلَى مُعَقِّبَاتٍ، ذَكَرَ مَعْنَاهُ الْفَرَّاءُ، وَقِيلَ: أُنِّثَ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْهُمْ نَحْوَ نَسَّابَةٍ وَعَلَّامَةٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالتَّعَقُّبُ الْعَوْدُ بَعْدَ الْبَدْءِ. قَالَ اللَّهُ تعالى: وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ وَقُرِئَ «مَعَاقِيبُ» جَمْعُ مُعْقِبٍ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَيْ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ مَنْ لَهُ الْمُعَقِّبَاتُ.
وَالْمُرَادُ: أَنَّ الْحَفَظَةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمُعَقِّبَاتِ الْأَعْمَالُ، وَمَعْنَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ: مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَمَا تَأَخَّرَ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَيْ مِنْ أَجْلِ أَمْرِ اللَّهِ، وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِذَا أَذْنَبَ بِالِاسْتِمْهَالِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ حَتَّى يَتُوبَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: فِي هَذَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، تَقْدِيرُهُ: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ الْحَفَظَةِ يَحْفَظُونَهُ هُوَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى حِفْظُهُمْ إِيَّاهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، أَيْ: مِمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ لَا أَنَّهُمْ يَقْدِرُونَ أَنْ يَدْفَعُوا أَمْرَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَفِي هَذَا قَوْلٌ آخَرُ. وَهُوَ أَنَّ «مِنْ» بِمَعْنَى الْبَاءِ، أَيْ: يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَقِيلَ: إِنَّ مِنْ بِمَعْنَى عَنْ، أَيْ: يَحْفَظُونَهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ بِمَعْنَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، لَا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، كَقَوْلِهِ:
أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ «٢» أَيْ: عَنْ جُوعٍ وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ مَلَائِكَةِ العذاب، وقيل: يحفظونه من الجن.
стр. 1314
وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الْمُعَقِّبَاتِ الْمَوَاكِبُ بَيْنَ أَيْدِي الْأُمَرَاءِ، عَلَى مَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْفَعُ عَنْهُ الْقَضَاءَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْعَافِيَةِ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَسْلُبُ قَوْمًا نِعْمَةً أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى يُغَيِّرُوا الَّذِي بِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، أَوْ يُغَيِّرُوا الْفِطْرَةَ الَّتِي فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا. قِيلَ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُنْزِلُ بِأَحَدٍ مِنْ عِبَادِهِ عُقُوبَةً حَتَّى يَتَقَدَّمَ لَهُ ذَنْبٌ، بَلْ قَدْ تَنْزِلُ الْمَصَائِبُ بِذُنُوبِ الْغَيْرِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ: «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ سَائِلٌ فَقَالَ: أَنَهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» . وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً أَيْ هَلَاكًا وَعَذَابًا فَلا مَرَدَّ لَهُ أَيْ فَلَا رَدَّ لَهُ وَقِيلَ:
الْمَعْنَى: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا أَعْمَى قُلُوبَهُمْ حَتَّى يَخْتَارُوا مَا فِيهِ الْبَلَاءُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ يَلِي أَمْرَهُمْ وَيَلْتَجِئُونَ إِلَيْهِ، فَيَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْعِقَابِ، أَوْ مِنْ نَاصَرٍ يَنْصُرُهُمْ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا رَادَّ لِعَذَابِ اللَّهِ وَلَا نَاقِضَ لِحُكْمِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ قَالَ: إِنْ تَعْجَبْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاكَ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: إِنْ تَعْجَبْ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ، وَهُمْ رَأَوْا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ، وَمَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ وَأَرَاهُمْ مِنْ حَيَاةِ الْمَوْتَى وَالْأَرْضِ الْمَيْتَةِ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُ خَلَقَهُمْ مِنْ نُطْفَةٍ، فَالْخَلْقُ مِنْ نُطْفَةٍ أَشَدُّ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ تُرَابٍ وَعِظَامٍ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ قَالَ: الْعُقُوبَاتُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي الْمَثُلَاتِ قَالَ: وَقَائِعُ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ فِيمَنْ خَلَا قَبْلَكُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَثُلَاتُ مَا أَصَابَ الْقُرُونَ الْمَاضِيَةَ مِنَ الْعَذَابِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَوْلَا عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ مَا هَنَأَ لِأَحَدٍ الْعَيْشُ، وَلَوْلَا وَعِيدُهُ وَعِقَابُهُ لَاتَّكَلَ كُلُّ أَحَدٍ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قَالَ: دَاعٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وابن أبي حاتم وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قَالَ: الْمُنْذِرُ محمد ﷺ ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ نَبِيٍّ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مُحَمَّدٌ الْمُنْذِرُ وَالْهَادِي اللَّهُ . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُنْذِرُ وَهُوَ الْهَادِي. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَأَبِي الضُّحَى نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ، وَالدَّيْلَمِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ النَّجَّارِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَقَالَ: أَنَا الْمُنْذِرُ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى مَنْكِبِ عَلِيٍّ فَقَالَ: أَنْتَ الْهَادِي يَا عَلِيُّ، بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي» قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ:
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم
стр. 1315
فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أَيْضًا. وأخرج عبد الله ابن أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمَسْنَدِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْآيَةِ نَحْوَهُ أَيْضًا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى قَالَ: كُلُّ أُنْثَى مِنْ خَلْقِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَعْلَمُ ذَكَرًا هُوَ أَوْ أُنْثَى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ قَالَ: هِيَ الْمَرْأَةُ تَرَى الدَّمَ فِي حَمْلِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ قَالَ: خُرُوجُ الدَّمِ وَما تَزْدادُ قَالَ: اسْتِمْسَاكُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ قَالَ: أَنْ تَرَى الدَّمَ فِي حَمْلِهَا وَما تَزْدادُ قَالَ: فِي التِّسْعَةِ أَشْهُرٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: مَا تَزْدَادُ عَلَى تِسْعَةٍ، وَمَا تَنْقُصُ مِنَ التِّسْعَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أَيْضًا فِي الآية ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ قَالَ: السَّقْطُ وَما تَزْدادُ مَا زَادَتْ فِي الْحَمْلِ عَلَى مَا غَاضَتْ حَتَّى وَلَدَتْهُ تَمَامًا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنَ النِّسَاءِ مَنْ تَحْمِلُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَحْمِلُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَنْقُصُ، فَذَلِكَ الْغَيْضُ وَالزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَعْلَمُهُ تَعَالَى.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ قَالَ: السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ قَالَ:
رَاكِبٌ رأسه في الْمَعَاصِي وَسارِبٌ بِالنَّهارِ قَالَ: ظَاهِرٌ بِالنَّهَارِ بِالْمَعَاصِي. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ قَالَ: الظَّاهِرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: هُوَ صَاحِبُ رِيبَةٍ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، وَإِذَا خَرَجَ بِالنَّهَارِ أَرَى النَّاسَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِثْمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ، مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ قُدُومُ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَأَنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ بِالْغُدَّةِ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى إِلَى قَوْلِهِ:
مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ: الْمُعَقِّبَاتُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يَحْفَظُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَرْبَدَ بْنَ قَيْسٍ وَمَا قَتَلَهُ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ إِلَى قَوْلِهِ: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: مُعَقِّباتٌ الْآيَةَ قَالَ: هَذِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ: ذَلِكَ الْحِفْظُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بِأَمْرِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ: بِإِذْنِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: وَلِيُّ السُّلْطَانِ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحُرَّاسُ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَقُولُ: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِي، فَإِنِّي إِذَا أَرَدْتُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: الْمُلُوكُ يَتَّخِذُونَ الْحَرَسَ
стр. 1316
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمَامِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنَ الْقَتْلِ، أَلَمْ تَسْمَعْ أن الله يقول في قوله: إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ أَيْ إِذَا أَرَادَ سُوءًا لَمْ يُغْنِ الْحَرَسُ عَنْهُ شَيْئًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هُمُ الْمَلَائِكَةُ تُعَقِّبُ بِاللَّيْلِ تَكْتُبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُ اللَّهِ خَلُّوا عَنْهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَلِيٍّ فِي الْآيَةِ قَالَ:
لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ إِلَّا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عَلَيْهِ حَائِطٌ، أَوْ يَنْزَوِيَ فِي بِئْرٍ، أَوْ يَأْكُلَهُ سَبْعٌ أَوْ غَرَقٌ أَوْ حَرْقٌ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَدَرِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذِكْرِ الْحَفَظَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْإِنْسَانِ أَحَادِيثُ كثيرة مذكورة في كتب الحديث.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٢ الى ١٨]
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨)
لَمَّا خَوَّفَ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ بِإِنْزَالِ مَا لَا مَرَدَّ لَهُ أَتْبَعَهُ بِأُمُورٍ تُرْجَى مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ وَيُخَافُ مِنْ بَعْضِهَا، وَهِيَ الْبَرْقُ وَالسَّحَابُ وَالرَّعْدُ وَالصَّاعِقَةُ، وَقَدْ مَرَّ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَأَسْبَابُهَا.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وَجْهِ انْتِصَابِ خَوْفاً وَطَمَعاً فَقِيلَ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ، أَيْ: لِتَخَافُوا خوفا وَلِتَطْمَعُوا طَمَعًا، وَقِيلَ: عَلَى الْعِلَّةِ بِتَقْدِيرِ إِرَادَةِ الْخَوْفِ وَالطَّمَعِ لِئَلَّا يَخْتَلِفَ فَاعِلُ الْفِعْلِ الْمُعَلِّلِ وَفَاعِلُ الْمَفْعُولِ لَهُ، أَوْ عَلَى الْحَالِيَّةِ مِنَ الْبَرْقِ، أَوْ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ بِتَقْدِيرِ ذَوِي خَوْفٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ. قِيلَ: وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ هُوَ الْحَاصِلُ مِنَ الصَّوَاعِقِ، وَبِالطَّمَعِ هُوَ الْحَاصِلُ فِي الْمَطَرِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: الْخَوْفُ لِلْمُسَافِرِ لِمَا يَتَأَذَّى بِهِ مِنَ الْمَطَرِ، وَالطَّمَعُ لِلْحَاضِرِ لِأَنَّهُ إِذَا رَأَى الْبَرْقَ طَمِعَ فِي الْمَطَرِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْخِصْبِ وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ وَالْوَاحِدَةُ سَحَابَةٌ، وَالثِّقَالُ: جمع ثقيلة، والمراد أن اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَجْعَلُ السَّحَابَ
стр. 1317
الَّتِي يُنْشِئُهَا ثِقَالًا بِمَا يَجْعَلُهُ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أَيْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ نفسه بحمد الله، أي:
متلبسا بِحَمْدِهِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُسْتَبْعَدٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُنْطِقَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.
وَأَمَّا عَلَى تَفْسِيرِ الرَّعْدِ بِمَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَلَا اسْتِبْعَادَ فِي ذَلِكَ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ عَلَى الْإِفْرَادِ مَعَ ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ بَعْدَهُ لِمَزِيدِ خُصُوصِيَّةٍ لَهُ، وَعِنَايَةٍ بِهِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ وَيُسَبِّحُ سَامِعُو الرَّعْدِ، أَيْ: يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي: وتسبح الْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَقِيلَ: مِنْ خِيفَةِ الرَّعْدِ. وَقَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ هُمْ أَعْوَانُ الرَّعْدِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لَهُ أَعْوَانًا وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ مِنْ خَلْقِهِ فَيُهْلِكُهُ، وَسِيَاقُ هَذِهِ الْأُمُورِ هُنَا لِلْغَرَضِ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ الْآيَاتُ الَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ الدِّلَالَةُ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْكُفَّارِ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ أَيْ: وَهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ مَعَ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي أَرَاهُمُ اللَّهُ يُجَادِلُونَ فِي شَأْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَيُنْكِرُونَ الْبَعْثَ تَارَةً وَيَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ أُخْرَى. وَيُكَذِّبُونَ الرُّسُلَ وَيَعْصُونَ اللَّهَ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْمِحَالُ الْمَكْرُ، وَالْمَكْرُ مِنَ اللَّهِ:
التَّدْبِيرُ بِالْحَقِّ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: الْمَكْرُ مِنَ اللَّهِ إِيصَالُ الْمَكْرُوهِ إِلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ:
الْمِحَالُ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ والميم أصلية، وما حلت فُلَانًا مِحَالًا أَيُّنَا أَشَدُّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: المحال العقوبة والمكروه.
قال الزّجّاج: يقال ما حلته مِحَالًا إِذَا قَاوَيْتُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَيُّكُمَا أَشَدُّ. وَالْمَحْلُ فِي اللُّغَةِ: الشِّدَّةُ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ «١» : أَيْ شَدِيدُ الْكَيْدِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْحِيلَةِ جُعِلَ الْمِيمُ كَمِيمِ الْمَكَانِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْكَوْنِ، ثُمَّ يُقَالُ تَمَكَّنْتُ.
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: غَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ «٢» أَنَّ الْمِيمَ فِيهِ زَائِدَةٌ بَلْ هِيَ أَصْلِيَّةٌ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحَرْفَ عَلَى مِثَالِ فِعَالٍ أَوَّلُهُ مِيمٌ مَكْسُورَةٌ فَهِيَ أَصْلِيَّةٌ مِثْلُ مِهَادٍ وَمِلَاكٍ ومراس غير ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ: وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ بِفَتْحِ الْمِيمِ. وَقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ بِالْحَوْلِ.
وَلِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي تَفْسِيرِ الْمِحَالِ هُنَا أَقْوَالٌ ثَمَانِيَةٌ: الْأَوَّلُ الْعَدَاوَةُ، الثَّانِي الْحَوْلُ، الثَّالِثُ الْأَخْذُ، الرَّابِعُ الْحِقْدُ، الْخَامِسُ الْقُوَّةُ، السَّادِسُ الْغَضَبُ، السَّابِعُ الْهَلَاكُ، الثَّامِنُ الْحِيلَةُ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ إِضَافَةُ الدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ لِلْمُلَابَسَةِ أَيِ الدَّعْوَةُ الْمُلَابِسَةُ لِلْحَقِّ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ الَّتِي لَا مَدْخَلَ لِلْبَاطِلِ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ كَمَا يُقَالُ كَلِمَةُ الْحَقِّ وَالْمَعْنَى أَنَّهَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ وَاقِعَةٌ فِي مَوْقِعِهَا، لَا كَدَعْوَةِ مَنْ دُونَهُ. وَقِيلَ: الحق هو الله سبحانه والمعنى: أن الله سُبْحَانَهُ دَعْوَةَ الْمَدْعُوِّ الْحَقِّ وَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُجِيبُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ هَاهُنَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْمَعْنَى: لِلَّهِ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَيُخْلِصُوا لَهُ. وَقِيلَ: دَعْوَةُ الْحَقِّ دُعَاؤُهُ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْخَوْفِ فَإِنَّهُ لَا يُدْعَى فِيهِ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ وَقِيلَ: الدَّعْوَةُ الْعِبَادَةُ، فَإِنَّ عِبَادَةَ اللَّهِ هِيَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ أي: والآلهة الذين
стр. 1318
يَدْعُونَهُمْ يَعْنِي الْكُفَّارَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ مِمَّا يَطْلُبُونَهُ مِنْهُمْ كَائِنًا مَا كَانَ إِلَّا اسْتِجَابَةً كَاسْتِجَابَةِ الْمَاءِ لِمَنْ بَسَطَ كَفَّيْهِ إِلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ فَإِنَّهُ لَا يُجِيبُهُ لِأَنَّهُ جَمَادٌ لَا يَشْعُرُ بِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يَدْرِي أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَبْلُغَ فَاهُ، وَلِهَذَا قَالَ: وَما هُوَ أَيِ الْمَاءُ بِبالِغِهِ أَيْ بِبَالِغٍ فِيهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: إِلَّا كَمَا يُسْتَجَابُ لِلَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ يَدْعُو الْمَاءَ إِلَى فِيهِ، وَالْمَاءُ لَا يَسْتَجِيبُ، أَعَلَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ دُعَاءَهُمُ الْأَصْنَامَ كَدُعَاءِ الْعَطْشَانِ إِلَى الْمَاءِ يَدْعُوهُ إِلَى بُلُوغِ فَمِهِ، وَمَا الْمَاءُ بِبَالِغِهِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَنَّهُ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَقْبِضَ عَلَيْهِ فَلَا يَحْصُلُ فِي كَفِّهِ شَيْءٌ مِنْهُ، وَقَدْ ضَرَبَتِ الْعَرَبُ لِمَنْ سَعَى فِيمَا لَا يُدْرِكُهُ مَثَلًا بِالْقَبْضِ عَلَى الْمَاءِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَأَصْبَحْتُ مِمَّا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ... مِنَ الْوُدِّ مِثْلَ الْقَابِضِ الْمَاءَ بِالْيَدِ
وَقَالَ الْآخَرُ:
وَمَنْ يَأْمَنِ الدُّنْيَا يَكُنْ مِثْلَ قَابِضٍ ... عَلَى الْمَاءِ خَانَتْهُ فُرُوجُ الْأَصَابِعِ
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْمَاءِ هُنَا مَاءُ الْبِئْرِ لِأَنَّهَا مَعْدِنٌ لِلْمَاءِ، وَأَنَّهُ شَبَّهَهُ بِمَنْ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْبِئْرِ بِغَيْرِ رِشَاءٍ، ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذَا مَثَلًا لِمَنْ يَدْعُو غَيْرَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ أَيْ: يَضِلُّ عَنْهُمْ ذَلِكَ الدُّعَاءُ فَلَا يَجِدُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَنْفَعُهُمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، بَلْ هُوَ ضَائِعٌ ذَاهِبٌ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسُّجُودِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ، وَهُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ لِلتَّعْظِيمِ مَعَ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ، فَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةِ وَمُسْلِمِي الْجِنِّ وَأَمَّا فِي الْكُفَّارِ فَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ السُّجُودِ بِهَذَا فِي حَقِّهِمْ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُحْمَلَ السُّجُودُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى حَقَّ لِلَّهِ السُّجُودُ وَوَجَبَ حَتَّى يتناول السجود بالفعل وغيره، أو يفسر السجود بِالِانْقِيَادِ لِأَنَّ الْكُفَّارَ وَإِنْ لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ فَهُمْ مُنْقَادُونَ لِأَمْرِهِ، وَحُكْمِهِ فِيهِمْ بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَيَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ: طَوْعاً وَكَرْهاً فَإِنَّ الْكُفَّارَ يَنْقَادُونَ كَرْهًا كَمَا يَنْقَادُ الْمُؤْمِنُونَ طَوْعًا، وَهُمَا مُنْتَصِبَانِ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ أَيِ: انْقِيَادَ طَوْعٍ وَانْقِيَادَ كَرْهٍ، أَوْ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: طَائِعِينَ وَكَارِهِينَ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْآيَةُ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ يَسْجُدُونَ طَوْعًا، وَبَعْضُ الْكُفَّارِ يَسْجُدُونَ إِكْرَاهًا وَخَوْفًا كَالْمُنَافِقِينَ، فَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَؤُلَاءِ وَقِيلَ:
الْآيَةُ فِي الْمُؤْمِنِينَ، فَمِنْهُمْ مَنْ سَجَدَ طَوْعًا لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ السُّجُودُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْتِزَامَ التَّكْلِيفِ مَشَقَّةٌ وَلَكِنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ الْمَشَقَّةَ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَإِخْلَاصًا لَهُ وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَظِلَالُهُمْ: جَمْعُ ظِلٍّ، وَالْمُرَادُ بِهِ ظِلُّ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَتْبَعُهُ، جُعِلَ سَاجِدًا بِسُجُودِهِ حَيْثُ صَارَ لَازِمًا لَهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لِلظِّلَالِ أَفْهَامًا «١» تَسْجُدُ بِهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا جَعَلَ لِلْجِبَالِ أَفْهَامًا حَتَّى اشْتَغَلَتْ بِتَسْبِيحِهِ، فَظِلُّ الْمُؤْمِنُ يَسْجُدُ لِلَّهِ طَوْعًا، وَظِلُّ الْكَافِرُ يَسْجُدُ لله كرها، وخص الغدوّ والآصال بالذكر لِأَنَّهُ يَزْدَادُ ظُهُورُ الظِّلَالِ فِيهِمَا، وَهُمَا ظَرْفٌ لِلسُّجُودِ الْمُقَدَّرِ، أَيْ: وَيَسْجُدُ ظِلَالُهُمْ فِي هَذَيْنِ الوقتين.
стр. 1319
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْغُدُوِّ وَالْآصَالِ فِي الْأَعْرَافِ، وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ «١» وجاء بمن فِي مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَلِكَوْنِ سُجُودِ غَيْرِهِمْ تَبَعًا لِسُجُودِهِمْ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ حَمْلَ السُّجُودِ عَلَى الِانْقِيَادِ مَا يُفِيدُهُ تَقْدِيمُ لِلَّهِ عَلَى الْفِعْلِ مِنَ الِاخْتِصَاصِ، فَإِنَّ سُجُودَ الْكُفَّارِ لِأَصْنَامِهِمْ مَعْلُومٌ، وَلَا يَنْقَادُونَ لَهُمْ كَانْقِيَادِهِمْ لِلَّهِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُقِرُّونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ، كَالْخَلْقِ وَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَسُولَهُ أَنْ يَسْأَلَ الكفار من رب السموات وَالْأَرْضِ؟ ثُمَّ لَمَّا كَانُوا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ وَيَعْتَرِفُونَ بِهِ كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ «٢» وَقَوْلِهِ: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «٣» أمر رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يُجِيبَ، فَقَالَ: قُلِ اللَّهُ فَكَأَنَّهُ حَكَى جَوَابَهُمْ وَمَا يَعْتَقِدُونَهُ، لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا تَلَعْثَمُوا فِي الْجَوَابِ حَذَرًا مِمَّا يَلْزَمُهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِأَنْ يُلْزِمَهُمُ الْحُجَّةَ وَيُبَكِّتَهُمْ فَقَالَ: قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ وَالِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ، أَيْ:
إِذَا كان رب السموات وَالْأَرْضِ هُوَ اللَّهُ كَمَا تُقِرُّونَ بِذَلِكَ وَتَعْتَرِفُونَ بِهِ كَمَا حَكَاهُ سُبْحَانَهُ عَنْكُمْ بِقَوْلِهِ: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ «٤» فَمَا بَالُكُمُ اتَّخَذْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ عَاجِزِينَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً يَنْفَعُونَهَا بِهِ وَلا ضَرًّا يَضُرُّونَ بِهِ غَيْرَهُمْ أَوْ يَدْفَعُونَهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ تَرْجُونَ مِنْهُمُ النَّفْعَ وَالضُّرَّ وَهُمْ لَا يَمْلِكُونَهُمَا لِأَنْفُسِهِمْ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ مَثَلًا وَأَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ، فَقَالَ: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَيْ:
هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى فِي دِينِهِ وَهُوَ الْكَافِرُ، وَالْبَصِيرُ فِيهِ وَهُوَ الْمُوَحِّدُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ جَاهِلٌ لِمَا يَجِبْ عَلَيْهِ وَمَا يَلْزَمُهُ، وَالثَّانِي عَالِمٌ بِذَلِكَ. قَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَوْقِيَّةِ، وَاخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ أَبُو عُبَيْدٍ. وَالْمُرَادُ بِالظُّلُمَاتِ الْكُفْرُ، وَبِالنُّورِ الْإِيمَانُ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، أَيْ: كَيْفَ يَكُونَانِ مُسْتَوِيَيْنِ وَبَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ، وَمَا بَيْنَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ، وَوُحِّدَ النُّورُ وَجُمِعَ الظُّلْمَةُ لِأَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدَةٌ لا تختلف، وطرائق الباطل كثيرة غير محصورة أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ أَمْ هِيَ الْمُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَةُ، أَيْ: بَلْ أَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِإِنْكَارِ الْوُقُوعِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: مَعْنَاهُ أَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا مِثْلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فَتَشَابَهَ خَلْقُ الشُّرَكَاءِ بِخَلْقِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ، أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا حَتَّى يَشْتَبِهَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ، بَلْ إِذَا فَكَّرُوا بِعُقُولِهِمْ وَجَدُوا اللَّهَ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ، وَسَائِرَ الشُّرَكَاءِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، وَجُمْلَةُ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِشُرَكَاءَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ مُتَّصِفِينَ بِأَنَّهُمْ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ بِهَذَا السَّبَبِ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ الْعِبَادَةَ مِنْهُمْ، بَلْ إِنَّمَا جَعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ الْأَصْنَامَ وَنَحْوَهَا، وَهِيَ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُوَضِّحَ لَهُمُ الْحَقَّ وَيُرْشِدَهُمْ إِلَى الصَّوَابِ فَقَالَ: قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كَائِنًا مَا كَانَ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ مُشَارَكَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
стр. 1320
قَالَ الزَّجَّاجُ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مما يصح أن يكون مخلوقا، ترى أنه تعالى خالق كل شَيْءٌ وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَهُوَ الْواحِدُ أَيِ الْمُتَفَرِّدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ الْقَهَّارُ لِمَا عَدَاهُ، فَكُلُّ مَا عَدَاهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ مَغْلُوبٌ، ثُمَّ ضَرَبَ سُبْحَانَهُ مَثَلًا آخَرَ لِلْحَقِّ وَذَوِيهِ، وَلِلْبَاطِلِ وَمُنْتَحِلِيهِ فَقَالَ: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً أَيْ مِنْ جِهَتِهَا وَالتَّنْكِيرُ لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلنَّوْعِيَّةِ فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ جَمْعُ وَادٍ، وَهُوَ كُلُّ مُنْفَرِجٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: لَا نَعْلَمُ فَاعِلًا جُمِعَ عَلَى أَفْعِلَةٍ إِلَّا هَذَا، وَكَأَنَّهُ حُمِلَ عَلَى فَعِيلٍ فَجُمِعَ عَلَى أَفْعِلَةٍ مِثْلُ جَرِيبٍ وَأَجْرِبَةٍ، كَمَا أَنَّ فَعِيلًا حُمِلَ عَلَى فَاعِلٍ، فَجُمِعَ عَلَى أَفْعَالٍ مِثْلُ يَتِيمٍ وَأَيْتَامٍ وَشَرِيفٍ وَأَشْرَافٍ، كَأَصْحَابٍ وَأَنْصَارٍ فِي صَاحِبٍ وَنَاصِرٍ قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ تُوَسَّعٌ، أَيْ: سَالَ مَاؤُهَا، قَالَ: وَمَعْنَى بِقَدَرِها بِقَدَرِ مَائِهَا لِأَنَّ الْأَوْدِيَةَ مَا سَالَتْ بِقَدَرِ أَنْفُسِهَا. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَالْقَدَرُ مَبْلَغُ الشَّيْءِ، وَالْمَعْنَى: بِقَدَرِهَا مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ صَغُرَ الْوَادِي قَلَّ الْمَاءُ وَإِنِ اتَّسَعَ كَثُرَ، وَقَالَ فِي الْكَشَّافِ: بِقَدَرِهَا بِمِقْدَارِهَا الذي يَعْرِفُ اللَّهُ أَنَّهُ نَافِعٌ لِلْمَمْطُورِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ ضَارٍّ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: شُبِّهُ نُزُولُ الْقُرْآنِ الْجَامِعِ لِلْهُدَى وَالْبَيَانِ بِنُزُولِ الْمَطَرِ، إِذْ نَفْعُ نُزُولِ الْقُرْآنِ يَعُمُّ كَعُمُومِ نَفْعِ نُزُولِ الْمَطَرِ، وَشُبِّهَ الْأَوْدِيَةُ بِالْقُلُوبِ إِذِ الْأَوْدِيَةُ يَسْتَكِنُّ فِيهَا الْمَاءُ كَمَا يَسْتَكِنُّ الْقُرْآنُ وَالْإِيمَانُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً الزَّبَدُ: هُوَ الْأَبْيَضُ الْمُرْتَفِعُ الْمُنْتَفِخُ عَلَى وَجْهِ السَّيْلِ، وَيُقَالُ لَهُ الْغُثَاءُ وَالرَّغْوَةُ، وَالرَّابِي: الْعَالِي الْمُرْتَفِعُ فَوْقَ الْمَاءِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ الطَّافِي فَوْقَ الْمَاءِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الزَّائِدُ بِسَبَبِ انْتِفَاخِهِ، مِنْ رَبَا يَرْبُو إِذَا زَادَ. وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا تَشْبِيهُ الْكُفْرِ بِالزَّبَدِ الَّذِي يَعْلُو الْمَاءَ، فَإِنَّهُ يَضْمَحِلُّ وَيَعْلَقُ بِجَنَبَاتِ الْوَادِي وَتَدْفَعُهُ الرِّيَاحُ، فَكَذَلِكَ يَذْهَبُ الْكُفْرُ وَيَضْمَحِلُّ. وَقَدْ تَمَّ الْمَثَلُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ شَرَعَ سُبْحَانَهُ فِي ذِكْرِ الْمَثَلِ الثَّانِي فَقَالَ: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، أَيْ: وَمِنْهُ يَنْشَأُ زَبَدٌ مِثْلُ زَبَدِ الْمَاءِ، أَوْ لِلتَّبْعِيضِ بِمَعْنَى: وَبَعْضُهُ زَبَدٌ مِثْلُهُ، وَالضَّمِيرُ لِلنَّاسِ، أُضْمِرَ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ الذِّكْرِ لِظُهُورِهِ، هَذَا عَلَى قِرَاءَةِ يُوقِدُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ، وَبِهَا قَرَأَ حُمَيْدٌ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَوْقِيَّةِ عَلَى الْخِطَابِ، وَاخْتَارَ الْقِرَاءَةَ الْأُولَى أَبُو عُبَيْدٍ. وَالْمَعْنَى: وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ فَيَذُوبُ مِنَ الْأَجْسَامِ الْمُنْطَرِقَةِ الذَّائِبَةِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَيْ لِطَلَبِ اتِّخَاذِ حِلْيَةٍ تَتَزَيَّنُونَ بِهَا وَتَتَجَمَّلُونَ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَوْ مَتاعٍ أَيْ: أَوْ طَلَبِ مَتَاعٍ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ الْأَوَانِي وَالْآلَاتِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ زَبَدٌ مِثْلُهُ الْمُرَادُ بِالزَّبَدِ هُنَا الخبث فإنه يعلو فوق ما أذنب مِنْ تِلْكَ الْأَجْسَامِ كَمَا يَعْلُو الزَّبَدُ عَلَى الْمَاءِ، فَالضَّمِيرُ فِي مِثْلُهُ يَعُودُ إِلَى زَبَداً رابِياً وارتفاع زبد على الابتداء وخبره مما يُوقِدُونَ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ الْبَدِيعِ يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الْحَقِّ وَمَثَلَ الْبَاطِلِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي تَقْسِيمِ الْمَثَلِ فَقَالَ: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً يُقَالُ: جَفَأَ الْوَادِي بِالْهَمْزِ جَفَاءً إِذَا رَمَى بِالْقَذَرِ وَالزَّبَدِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْجَفَاءُ: الرَّمْيُ، يُقَالُ: جَفَأَ الوادي غثاء جَفَاءً: إِذَا رَمَى بِهِ، وَالْجَفَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْغُثَاءِ.
وَكَذَا قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رُؤْبَةَ يَقْرَأُ جُفَالًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يُقَالُ أَجْفَلَتِ الْقِدْرُ إِذَا قَذَفَتْ بِزَبَدِهَا، وَأَجْفَلَتِ الرِّيحُ السَّحَابَ إِذَا قَطَعَتْهُ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُقْرَأُ بِقِرَاءَةِ رُؤْبَةَ لِأَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْفَأْرَ. وَاعْلَمْ أَنَّ وَجْهَ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الزَّبَدَيْنِ فِي الزَّبَدِ الَّذِي يَحْمِلُهُ السَّيْلُ وَالزَّبَدِ الَّذِي يَعْلُو الْأَجْسَامَ الْمُنْطَرِقَةَ
стр. 1321
أَنَّ تُرَابَ الْأَرْضِ لَمَّا خَالَطَ الْمَاءَ وَحَمَلَهُ مَعَهُ صَارَ زَبَدًا رَابِيًا فَوْقَهُ، وَكَذَلِكَ مَا يُوقَدُ عَلَيْهِ فِي النَّارِ حَتَّى يَذُوبَ مِنَ الْأَجْسَامِ الْمُنْطَرِقَةِ، فَإِنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْمَعَادِنِ الَّتِي تَنْبُتُ فِي الْأَرْضِ فَيُخَالِطُهَا التُّرَابُ، فَإِذَا أُذِيبَتْ صَارَ ذَلِكَ التُّرَابُ الَّذِي خَالَطَهَا خَبَثًا مُرْتَفِعًا فَوْقَهَا وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ مِنْهُمَا وَهُوَ الْمَاءُ الصَّافِي، وَالذَّائِبُ الْخَالِصُ مِنَ الْخَبَثِ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَيْ يَثْبُتُ فِيهَا، أَمَّا الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ فِي عُرُوقِ الْأَرْضِ فَتَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ، وَأَمَّا مَا أُذِيبُ مِنْ تِلْكَ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ يُصَاغُ حِلْيَةً وَأَمْتِعَةً، وَهَذَانِ مَثَلَانِ ضَرَبَهُمَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، يَقُولُ: إِنَّ الْبَاطِلَ وَإِنْ ظَهَرَ عَلَى الْحَقِّ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَعَلَاهُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَيَمْحَقُهُ وَيُبْطِلُهُ وَيَجْعَلُ الْعَاقِبَةَ لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ كَالزَّبَدِ الَّذِي يَعْلُو الْمَاءَ فَيُلْقِيهِ الْمَاءُ وَيَضْمَحِلُّ وَكَخَبَثِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ وَإِنْ عَلَا عَلَيْهَا فَإِنَّ الْكِيرَ يَقْذِفُهُ وَيَدْفَعُهُ. فَهَذَا مَثَلُ الْبَاطِلِ وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي يَنْفَعُ النَّاسَ وَيُنْبِتُ الْمَرَاعِيَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الصَّفْوُ مِنْ هَذِهِ الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ يَبْقَى خَالِصًا لَا شَوْبَ فِيهِ، وَهُوَ مَثَلُ الْحَقِّ. قَالَ الزَّجَّاجُ: فَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَاعْتِقَادِهِ وَنَفْعِ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ هَذَا الْمَاءِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَحَيَاةِ كُلِّ شَيْءِ، وَكَمَثَلِ نَفْعِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهَا، وَمَثَلُ الْكَافِرِ وَكُفْرِهِ كَمَثَلِ الزَّبَدِ الَّذِي يَذْهَبُ جَفَاءً، وَكَمَثَلِ خَبَثِ الْحَدِيدِ وَمَا تُخْرِجُهُ النَّارُ مِنْ وَسَخِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. وَقَدْ حَكَيْنَا عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ شَبَّهَ نُزُولَ الْقُرْآنِ إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَاهُ فَجَعَلَ ذَلِكَ مَثَلًا ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ الْعَجِيبِ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ فِي كُلِّ بَابٍ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِعِبَادِهِ وَاللُّطْفِ بِهِمْ، وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ:
كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلَ الْحَقِّ وَمَثَلَ الْبَاطِلِ مِنْ عِبَادِهِ، فَقَالَ فِيمَنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلَ الْحَقِّ لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ أَيْ أَجَابُوا دَعْوَتَهُ إِذْ دَعَاهُمْ إِلَى توحيده وتصديق أنبيائه والعمل بشرائعه، والحسنى صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ: الْمَثُوبَةِ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِيمَنْ ضَرَبَ لَهُ مَثَلَ الْبَاطِلِ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِهِ إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، وَالْمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، وَهِيَ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَمَلَّكُهَا الْعِبَادُ وَيَجْمَعُونَهَا بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِمْ مِنْهَا شَيْءٌ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَيْ مِثْلَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا كَائِنًا مَعَهُ وَمُنْضَمًّا إِلَيْهِ لَافْتَدَوْا بِهِ أَيْ بِمَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ وَهُوَ مَا فِي الْأَرْضِ وَمِثْلُهُ. وَالْمَعْنَى: لِيَخْلُصُوا بِهِ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ الْكَبِيرِ وَالْهَوْلِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا أَعَدَّهُ لَهُمْ فَقَالَ: أُولئِكَ يَعْنِي الَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ قَالَ الزَّجَّاجُ: لِأَنَّ كُفْرَهُمْ أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: سُوءُ الْحِسَابِ الْمُنَاقَشَةُ فِيهِ وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يُحَاسَبَ الرَّجُلُ بِذَنْبِهِ كُلِّهِ لَا يُغْفَرُ مِنْهُ شَيْءٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ أَيْ مَرْجِعُهُمْ إِلَيْهَا وَبِئْسَ الْمِهادُ أَيِ الْمُسْتَقَرِّ الَّذِي يَسْتَقِرُّونَ فِيهِ. وَالْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً قَالَ: خَوْفًا لِلْمُسَافِرِ يَخَافُ أَذَاهُ وَمَشَقَّتَهُ، وَطَمَعًا لِلْمُقِيمِ يَطْمَعُ فِي رِزْقِ اللَّهِ وَيَرْجُو بَرَكَةَ الْمَطَرِ وَمَنْفَعَتَهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَوْفًا لِأَهْلِ الْبَحْرِ وَطَمَعًا لِأَهْلِ الْبِرِّ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْخَوْفُ مَا يُخَافُ مِنَ الصَّوَاعِقِ وَالطَّمَعُ: الْغَيْثُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ
стр. 1322
جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْخَرَائِطِيُّ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: الْبَرْقُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ بِأَيْدِي مَلَائِكَةِ السَّحَابِ يَزْجُرُونَ بِهِ السَّحَابَ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مَا يُوَافِقُ هَذَا وَيُخَالِفُهُ، وَلَعَلَّنَا قَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ السَّحَابَ فَتَنْطِقُ أَحْسَنَ النُّطْقِ، وَتَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ» . قِيلَ: وَالْمُرَادُ بِنُطْقِهَا الرَّعْدُ، وَبِضَحِكِهَا الْبَرْقُ. وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالْحَاكِمِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّوَاعِقَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ» . وَأَخْرَجَ الْعُقَيْلِيُّ وَضَعَّفَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُنْشِئُ اللَّهُ السَّحَابَ، ثُمَّ يُنْزِلُ فِيهِ الْمَاءَ، فَلَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ ضَحِكِهِ، وَلَا شَيْءَ أَحْسَنُ مِنْ نُطْقِهِ، وَمَنْطِقُهُ الرَّعْدُ، وَضَحِكُهُ الْبَرْقُ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ ثَابِتٍ، وَلَيْسَ بِالْأَنْصَارِيِّ، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ منشأ السحاب قال: «إِنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا يَلُمُّ الْقَاصِيَةَ وَيُلْحِمُ الدَّانِيَةَ، فِي يَدِهِ مِخْرَاقٌ، فَإِذَا رَفَعَ بَرَقَتْ، وَإِذَا زَجَرَ رَعَدَتْ، وَإِذَا ضَرَبَ صَعِقَتْ» .
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ أَنْبَأَتْنَا بِهِنَّ عَرَفْنَا أَنَّكَ نَبِيٌّ وَاتَّبَعْنَاكَ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ إِسْرَائِيلُ عَلَى بَنِيهِ إِذْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، قَالَ: هَاتُوا، قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ عَلَامَةِ النَّبِيِّ؟
قَالَ: تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ قَالُوا: أَخْبِرْنَا كَيْفَ تُؤَنِّثُ الْمَرْأَةُ وَكَيْفَ تُذَكِّرُ؟ قَالَ: يَلْتَقِي الْمَاءَانِ، فَإِذَا عَلَا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ أَذْكَرَتْ، وَإِذَا عَلَا مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ أَنَّثَتْ قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ قَالَ: كَانَ يشتكي عرق النسا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلَائِمُهُ إِلَّا أَلْبَانَ كَذَا وَكَذَا: يَعْنِي الْإِبِلَ، فَحَرَّمَ لُحُومَهَا، قَالُوا: صَدَقْتَ قَالُوا: أَخْبِرْنَا مَا هَذَا الرَّعْدُ؟ قَالَ: مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ بِيَدِهِ مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ يَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ، قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ:
صَوْتُهُ. قَالُوا: صَدَقْتَ إِنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الَّتِي نُتَابِعُكَ إِنْ أَخْبَرْتَنَا، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ مَلَكٌ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ، فَأَخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبُكَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالُوا: جِبْرِيلُ ذَاكَ يَنْزِلُ بِالْخَرَابِ وَالْقِتَالِ وَالْعَذَابِ عَدُوُّنَا، لَوْ قُلْتَ مِيكَائِيلَ الَّذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالنَّبَاتِ وَالْقَطْرِ لَكَانَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ «١» » إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْمَطَرِ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ قَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَبَّحَتْ لَهُ، وَقَالَ: إِنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ يَنْعِقُ بِالْغَيْثِ كما ينعق الراعي بغنمه.
стр. 1323
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ الرَّعْدَ صَوْتُ الْمَلَكِ وَكَذَا أَخْرَجَ نَحْوَهُ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرَّعْدُ مَلَكٌ اسْمُهُ الرَّعْدُ، وَصَوْتُهُ هَذَا تَسْبِيحُهُ فَإِذَا اشْتَدَّ زَجْرُهُ احْتَكَّ السَّحَابُ وَاضْطَرَمَ مِنْ خَوْفِهِ فَتَخْرُجُ الصَّوَاعِقُ مِنْ بَيْنِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْخَرَائِطِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: إِنَّ بُحُورًا مِنْ نَارٍ دُونَ الْعَرْشِ تَكُونُ مِنْهَا الصَّوَاعِقُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: الصَّوَاعِقُ نَارٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قَالَ: شَدِيدُ الْقُوَّةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: شَدِيدُ الْأَخْذِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ قَالَ: التَّوْحِيدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: دَعْوَةُ الْحَقِّ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ الْعَطْشَانُ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى الْبِئْرِ لِيَرْتَفِعَ الْمَاءُ إِلَيْهِ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: هَذَا مَثَلُ الْمُشْرِكِ الَّذِي عَبَدَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الرَّجُلِ الْعَطْشَانِ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَى خَيَالِهِ فِي الْمَاءِ مِنْ بَعِيدٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً الْآيَةَ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ احْتَمَلَتْ مِنْهُ الْقُلُوبُ عَلَى قَدْرِ يَقِينِهَا وَشَكِّهَا، فَأَمَّا الشَّكُّ فَلَا يَنْفَعُ مَعَهُ الْعَمَلُ، وَأَمَّا الْيَقِينُ فَيَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَهْلَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَهُوَ الشَّكُّ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْيَقِينُ، وَكَمَا يُجْعَلُ الْحُلِيُّ فِي النَّارِ فَيُؤْخَذُ خَالِصُهُ وَيُتْرَكُ خَبَثُهُ، فَكَذَلِكَ يَقْبَلُ اللَّهُ الْيَقِينَ وَيَتْرُكُ الشَّكَّ. وَأَخْرُجُ هَؤُلَاءِ عَنْهُ أَيْضًا: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها قَالَ: الصَّغِيرُ قدر صغره، والكبير قدر كبره.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ١٩ الى ٢٥]
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣)
سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)
الْهَمْزَةُ فِي قَوْلِهِ: أَفَمَنْ يَعْلَمُ لِلْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يَتَوَهَّمُ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ مَنْ يعلم أنما أنزل اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وَبَيْنَ مَنْ هُوَ أَعْمَى لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَالَ
стр. 1324
بَيْنَهُمَا مُتَبَاعِدٌ جِدًّا كَالتَّبَاعُدِ الَّذِي بَيْنَ الْمَاءِ وَالزَّبَدِ، وَبَيْنَ الْخَبَثِ وَالْخَالِصِ مِنْ تِلْكَ الْأَجْسَامِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَقِفُ عَلَى تَفَاوُتِ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَتَبَايُنِ الرُّتْبَتَيْنِ أَهْلُ الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ، فقال: إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الْمَادِحَةِ، فَقَالَ: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ أَيْ بِمَا عَقَدُوهُ مِنَ الْعُهُودِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، أَوْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعِبَادِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ الَّذِي وَثَّقُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَكَّدُوهُ بِالْأَيْمَانِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ تَحْتَ الْمِيثَاقِ كُلُّ مَا أَوْجَبَهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ كَالنُّذُورِ وَنَحْوِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَيَكُونُ مِنَ التَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالْعَهْدِ جَمِيعُ عُهُودِ اللَّهِ، وَهِيَ أَوَامِرُهُ وَنَوَاهِيهِ الَّتِي وَصَّى بِهَا عَبِيدَهُ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِالْتِزَامَاتُ الَّتِي يُلْزِمُ بِهَا الْعَبْدُ نَفْسَهُ، وَيُرَادُ بِالْمِيثَاقِ مَا أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ فِي عَالَمِ الذَّرِّ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ «١» الْآيَةَ. وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ظَاهِرُهُ شُمُولُ كُلِّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِصِلَتِهِ، وَنَهَى عَنْ قَطْعِهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ صِلَةُ الْأَرْحَامِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا، وَقَدْ قَصَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ، وَاللَّفْظُ أَوْسَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ خَشْيَةً تَحْمِلُهُمْ عَلَى فِعْلِ مَا وَجَبَ، وَاجْتِنَابِ مَا لَا يَحِلُّ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ وَهُوَ الِاسْتِقْصَاءُ فِيهِ وَالْمُنَاقَشَةُ لِلْعَبْدِ، فَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ، وَمِنْ حَقِّ هَذِهِ الْخِيفَةِ أَنْ يُحَاسِبُوا أَنْفُسَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبُوا وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ قِيلَ: هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمُضِيِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَحَقُّقُهُ، وَالْمُرَادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَقِيلَ: عَلَى الرَّزَايَا وَالْمَصَائِبِ، وَمَعْنَى كَوْنِ ذَلِكَ الصَّبْرِ لِابْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لَهُ، لَا شَائِبَةَ فِيهِ لِغَيْرِهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ أَيْ فَعَلُوهَا فِي أَوْقَاتِهَا عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي أَذْكَارِهَا وَأَرْكَانِهَا مَعَ الْخُشُوعِ وَالْإِخْلَاصِ، وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَةُ، وَقِيلَ: أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ أَيْ أَنْفَقُوا بَعْضَ مَا رَزَقْنَاهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالسِّرِّ: صَدَقَةُ النَّفْلِ، وَالْعَلَانِيَةِ: صَدَقَةُ الْفَرْضِ وَقِيلَ: السِّرُّ لِمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْمَالِ، أَوْ لَا يُتَّهَمُ بِتَرْكِ الزَّكَاةِ، وَالْعَلَانِيَةُ لِمَنْ كَانَ يُعْرَفُ بِالْمَالِ أَوْ يتهم بترك الزكاة وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أَيْ يَدْفَعُونَ سَيِّئَةَ مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ «٢» ، أَوْ يَدْفَعُونَ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ الْعَمَلَ السَّيِّئَ، أَوْ يَدْفَعُونَ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ، أَوِ الْمُنْكَرَ بِالْمَعْرُوفِ، أَوِ الظُّلْمَ بِالْعَفْوِ، أَوِ الذَّنْبَ بِالتَّوْبَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ إِلَى الْمَوْصُوفِينَ بِالصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ الْعُقْبَى مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ الدُّنْيَا، وَعُقْبَاهَا الْجَنَّةُ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالدَّارِ: الدَّارُ الْآخِرَةِ، وَعُقْبَاهَا الْجَنَّةُ لِلْمُطِيعِينَ، وَالنَّارُ لِلْعُصَاةِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها بَدَلٌ مِنْ عُقْبَى الدَّارِ، أَيْ: لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ يَدْخُلُونَهَا، وَالْعَدْنُ أَصْلُهُ الْإِقَامَةُ، ثُمَّ صَارَ عَلَمًا لِجَنَّةٍ مِنَ الْجِنَانِ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ:
وجنات عَدْنٍ: وَسَطُ الْجَنَّةِ وَقَصَبَتُهَا، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَلَكِنْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الجنة» .
стр. 1325
وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ يَشْمَلُ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي يَدْخُلُونَ، وَجَازَ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أَيْ: وَيَدْخُلُهَا أَزْوَاجُهُمْ وَذُرِّيَّاتُهُمْ، وَذِكْرُ الصَّلَاحِ دَلِيلٌ على أن لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ كَذَلِكَ مِنْ قَرَابَاتِ أُولَئِكَ، وَلَا يَنْفَعُ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ مِنَ الْآبَاءِ أَوِ الْأَزْوَاجِ أَوِ الذَّرِّيَّةِ بِدُونِ صَلَاحٍ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ أَيْ مِنْ جَمِيعِ أَبْوَابِ الْمَنَازِلِ الَّتِي يَسْكُنُونَهَا، أَوِ الْمُرَادُ مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ التُّحَفِ وَالْهَدَايَا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ سَلامٌ عَلَيْكُمْ أَيْ قَائِلِينَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، أَيْ: سَلِمْتُمْ مِنَ الْآفَاتِ أَوْ دَامَتْ لَكُمُ السَّلَامَةُ بِما صَبَرْتُمْ أَيْ بِسَبَبِ صَبْرِكُمْ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامِ، أَيْ: إِنَّمَا حَصَلَتْ لَكُمْ هَذِهِ السَّلَامَةُ بِوَاسِطَةِ صَبْرِكُمْ أو متعلق بعليكم. أَوْ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ: هَذِهِ الْكَرَامَةُ بِسَبَبِ صَبْرِكُمْ أَوْ بَدَلُ مَا احْتَمَلْتُمْ مِنْ مَشَاقِّ الصَّبْرِ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ جَاءَ سُبْحَانَهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِمَدْحِ مَا أَعْطَاهُمْ مِنْ عُقْبَى الدَّارِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّشْوِيقِ، ثُمَّ اتْبَعَ أَحْوَالَ السُّعَدَاءِ بِأَحْوَالِ الْأَشْقِيَاءِ، فَقَالَ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ عَدَمِ النَّقْضِ وَعَدَمِ الْقَطْعِ فَعُرِفَ مِنْهُمَا تَفْسِيرُ النَّقْضِ وَالْقَطْعِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ عَنْهُمْ وَمَا بَعَدَهُمَا مِنَ الْأَوْصَافِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِدُخُولِهَا فِي النَّقْضِ وَالْقَطْعِ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْكُفْرِ وَارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَالْإِضْرَارِ بِالْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ أُولئِكَ الْمَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الذَّمِيمَةِ لَهُمُ بِسَبَبِ ذَلِكَ اللَّعْنَةُ أَيِ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ أَيْ سُوءُ عَاقِبَةِ دَارِ الدُّنْيَا، وَهِيَ النَّارُ أَوْ عَذَابُ النَّارِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ انْتَفَعُوا بِمَا سَمِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَعَقَلُوهُ وَوَعَوْهُ كَمَنْ هُوَ أَعْمى قَالَ:
عَنِ الْحَقِّ فَلَا يُبْصِرُهُ وَلَا يَعْقِلُهُ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ فَبَيَّنَ مَنْ هُمْ، فَقَالَ: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جبير أُولُوا الْأَلْبابِ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ لُبٌّ أَيْ عَقْلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فِي بِضْعٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ. وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ لَيُخَفِّفَانِ سُوءَ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يَعْنِي مِنْ إِيمَانٍ بِالنَّبِيِّينَ وَبِالْكُتُبِ كُلِّهَا وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ يَعْنِي يَخَافُونَ مِنْ قَطِيعَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ يَعْنِي شِدَّةَ الْحِسَابِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ وَتَحْرِيمِ قَطْعِهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عن الضحّاك وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ قَالَ يَدْفَعُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: جَنَّاتُ عَدْنٍ قَالَ: بُطْنَانُ الْجَنَّةِ، يَعْنِي وَسَطَهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِكَعْبٍ: مَا عَدْنٌ؟
стр. 1326
قَالَ: هُوَ قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «جَنَّةُ عَدْنٍ قَضِيبٌ غَرَسَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وابن أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ قَالَ: مَنْ آمَنَ فِي الدُّنْيَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ فِي قَوْلِهِ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ قَالَ: عَلَى دِينِكُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ قَالَ: نِعْمَ مَا أَعْقَبَكُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا فِي الْجَنَّةِ.
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وَتُتَّقَى بِهِمُ الْمَكَارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ: ائْتُوهُمْ فَحَيُّوهُمْ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ:
رَبَّنَا نَحْنُ سُكَّانُ سَمَائِكَ وَخِيرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ، أَفَتَأْمُرُنَا أَنْ نَأْتِيَ هَؤُلَاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ اللَّهُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ عِبَادِي كَانُوا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا، وَتُسَدُّ بِهِمُ الثُّغُورُ، وَتُتَّقَى بِهِمُ الْمَكَارِهُ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً، فَتَأْتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَكُونُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَةٍ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَعِنْدَهُ سِمَاطَانِ مِنْ خَدَمٍ، وَعِنْدَ طَرَفِ السِّمَاطَيْنِ بَابٌ مُبَوَّبٌ، فَيُقْبِلُ الْمَلَكُ فَيَسْتَأْذِنُ، فَيَقُولُ أَقْصَى الْخَدَمِ لِلَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، وَيَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ، حَتَّى يَبْلُغَ الْمُؤْمِنَ، فَيَقُولُ: ائْذَنُوا لَهُ، فَيَقُولُ أَقْرَبُهُمْ إِلَى الْمُؤْمِنِ: ائْذَنُوا لَهُ، وَيَقُولُ الَّذِي يَلِيهِ لِلَّذِي يَلِيهِ ائْذَنُوا لَهُ، حَتَّى يَبْلُغَ أَقْصَاهُمُ الَّذِي عِنْدَ الْبَابِ، فَيَفْتَحُ لَهُ فَيَدْخُلُ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ قَالَ: سوء العاقبة.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٢٦ الى ٣٠]
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩) كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠)
لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَاقِبَةَ الْمُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ: وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ قَدْ وَفَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّزْقَ وَبَسَطَ لَهُ فِيهِ، فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ فَقَدْ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ كَانَ كَافِرًا، وَيُقَتِّرُهُ عَلَى مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا ابْتِلَاءً وَامْتِحَانًا، وَلَا يَدُلُّ الْبَسْطُ عَلَى الْكَرَامَةِ وَلَا الْقَبْضُ عَلَى الْإِهَانَةِ، وَمَعْنَى يَقْدِرُ: يُضَيِّقُ، وَمِنْهُ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ «١» أي ضيق وقيل: معنى
стр. 1327
يَقْدِرُ: يُعْطِي بِقَدَرِ الْكِفَايَةِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ وَحْدَهُ الْقَادِرُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا أي مشركوا مَكَّةَ فَرِحُوا بِالدُّنْيَا وَجَهِلُوا مَا عِنْدَ اللَّهِ، قِيلَ: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ:
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَيَكُونُ وَفَرِحُوا مَعْطُوفًا عَلَى يُفْسِدُونَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ أَيْ: مَا هِيَ إِلَّا شَيْءٌ يُسْتَمْتَعُ بِهِ، وَقِيلَ: الْمَتَاعُ وَاحِدُ الْأَمْتِعَةِ كَالْقَصْعَةِ وَالسُّكُرُّجَةِ وَنَحْوِهِمَا وَقِيلَ: الْمَعْنَى: شَيْءٌ قَلِيلٌ ذَاهِبٌ، مِنْ مَتَعَ النَّهَارُ: إِذَا ارْتَفَعَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَوَالٍ وَقِيلَ: زَادٌ كَزَادِ الرَّاكِبِ يَتَزَوَّدُ بِهِ مِنْهَا إِلَى الْآخِرَةِ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ أَيْ: يَقُولُ أُولَئِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَلَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا قَرِيبًا، وَتَكَرَّرَ فِي مَوَاضِعَ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذَا، وَهُوَ أَنَّ الضَّلَالَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، مَنْ شَاءَ أَنْ يُضِلَّهُ ضَلَّ كَمَا ضَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ أَيْ وَيَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، أَوْ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ إِلَى جَنَابِهِ مَنْ أَنابَ أَيْ: مَنْ رَجَعَ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَأَصْلُ الْإِنَابَةِ الدُّخُولُ فِي نَوْبَةِ الْخَيْرِ، كَذَا قَالَ النَّيْسَابُورِيُّ، وَمَحَلُّ الَّذِينَ آمَنُوا النَّصْبُ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِ: «مَنْ أَنابَ» أَيْ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأَنَابُوا إِلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ آمَنُوا خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا، أَوْ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَدْحِ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَيْ تَسْكُنُ وَتَسْتَأْنِسُ بِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّوْحِيدِ، أَوْ بِسَمَاعِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ سَمَّى سُبْحَانَهُ الْقُرْآنَ ذِكْرًا قَالَ: وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ «١» ، وقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ «٢» قَالَ الزَّجَّاجُ:
أَيْ: إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ آمَنُوا بِهِ غَيْرَ شَاكِّينَ بِخِلَافِ مَنْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ «٣» وَقِيلَ: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: بِوَعْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ، فَإِذَا حَلَفَ خَصْمُهُ بِاللَّهِ سَكَنَ قَلْبُهُ، وَقِيلَ: بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ، وَقِيلَ:
بِذِكْرِ دَلَائِلِهِ الدَّالَّةِ عَلَى تَوْحِيدِهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ وَالنَّظَرُ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَبَدَائِعِ صُنْعِهِ وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ طُمَأْنِينَةً فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنْ لَيْسَتْ كَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةِ، وَكَذَلِكَ النَّظَرُ فِي الْمُعْجِزَاتِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُطِيقُهَا الْبَشَرُ، فَلَيْسَ إِفَادَتُهَا لِلطُّمَأْنِينَةِ كَإِفَادَةِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَهَذَا وَجْهُ مَا يُفِيدُهُ هَذَا التَّرْكِيبُ مِنَ الْقَصْرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ الْمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الْجُمْلَةُ الدُّعَائِيَّةُ، وَهِيَ طُوبَى لَهُمْ عَلَى التَّأْوِيلِ الْمَشْهُورِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ على المدح، وطوبى لَهُمْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُولُ بَدَلًا مِنَ الْقُلُوبِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ قُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالزَّجَّاجُ وَأَهْلُ اللُّغَةِ: طُوبَى فُعْلَى مِنَ الطِّيبِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَتَأْوِيلُهَا الْحَالُ الْمُسْتَطَابَةُ، وَقِيلَ: طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: هِيَ الْجَنَّةُ، وَقِيلَ: هِيَ الْبُسْتَانُ بِلُغَةِ الْهِنْدِ، وَقِيلَ: مَعْنَى طُوبَى لَهُمْ: حُسْنَى لَهُمْ، وَقِيلَ: خَيْرٌ لَهُمْ، وَقِيلَ: كَرَامَةٌ لَهُمْ، وَقِيلَ: غِبْطَةٌ لَهُمْ. قَالَ النحّاس: وهذه الأقوال
стр. 1328
مُتَقَارِبَةٌ، وَالْأَصْلُ طُيْبَى فَصَارَتِ الْيَاءُ وَاوًا لِسُكُونِهَا وَضَمِّ مَا قَبْلِهَا، وَاللَّامُ فِي لَهُمْ لِلْبَيَانِ مِثْلُ سَقْيًا لَكَ وَرَعْيًا لَكَ. وَقُرِئَ «حُسْنُ مَآبٍ» بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ، مِنْ آبَ إِذَا رَجَعَ، أَيْ: وَحُسْنُ مَرْجِعٍ، وَهُوَ الدَّارُ الْآخِرَةُ كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أَيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الْإِرْسَالِ الْعَظِيمِ الشَّأْنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ، وَقِيلَ شُبِّهَ الْإِنْعَامُ عَلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ محمد ﷺ بِالْإِنْعَامِ عَلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَمَعْنَى فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ فِي قَرْنٍ قَدْ مَضَتْ مِنْ قَبْلِهِ قُرُونٌ، أَوْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ قد مضت من قبلها جماعات لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَيْ لِتَقْرَأَ عَلَيْهِمُ القرآن، وَالحال أن هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ أَيْ: بِالْكَثِيرِ الرَّحْمَةِ لِعِبَادِهِ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ لَهُمْ إِرْسَالُ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ وَإِنْزَالُ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» وَجُمْلَةُ قُلْ هُوَ رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ بِتَقْدِيرِ سُؤَالٍ كَأَنَّهُمْ قَالُوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ هُوَ رَبِّي أَيْ خَالِقِي لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ أَيْ: لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ لَهُ وَالْإِيمَانَ بِهِ سِوَاهُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فِي جَمِيعِ أُمُورِي وَإِلَيْهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ مَتابِ أَيْ: تَوْبَتِي، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْكُفَّارِ، وَحَثٌّ لَهُمْ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، وَالتَّوْبَةِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ فِي قَوْلِهِ: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ قَالَ: كَزَادِ الرَّاعِي يُزَوِّدُهُ أَهْلُهُ الْكَفَّ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الشَّيْءَ مِنَ الدَّقِيقِ أَوِ الشَّيْءَ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فِي إِبِلِهِ، أَوْ غَنَمِهِ، فَيَقُولُ لِأَهْلِهِ: مَتِّعُونِي، فَيُمَتِّعُونَهُ فِلْقَةَ الْخُبْزِ أَوِ التَّمْرِ، فَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيَا. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا لَكَ؟ فَقَالَ: مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَثَلِ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ؟ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ قَالَ: هَشَّتْ إِلَيْهِ وَاسْتَأْنَسَتْ بِهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ فِي الْآيَةِ قَالَ: إِذَا حَلَفَ لَهُمْ بِاللَّهِ صَدَّقُوا أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ قَالَ: تَسْكُنُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ هَلْ تَدْرُونَ مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟
قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَحَبَّ أَصْحَابِي» . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ:
«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ قَالَ: ذَاكَ مَنْ أَحَبَّ الله
стр. 1329
وَرَسُولَهُ، وَأَحَبَّ أَهْلَ بَيْتِي صَادِقًا غَيْرَ كَاذِبٍ، وَأَحَبَّ الْمُؤْمِنِينَ شَاهِدًا وَغَائِبًا، أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ يَتَحَابُّونَ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: طُوبى لَهُمْ قَالَ: فَرَحٌ وَقُرَّةُ عَيْنٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادٌ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: طُوبى لَهُمْ قَالَ: نِعْمَ مَا لَهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَرْجَحُ تَفْسِيرُ الْآيَةِ بِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبيهقي عن عتبة ابن عَبْدٍ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ فَاكِهَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ فِيهَا شَجَرَةٌ تُدْعَى طُوبَى» الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لِمَنْ رَآكَ وَآمَنَ بِكَ، قَالَ: طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَرَآنِي، ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى ثُمَّ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِي وَلَمْ يَرَنِي، فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَا طُوبَى؟
قَالَ: شَجَرَةٌ في الجنة مسيرة مِائَةِ عَامٍ، ثِيَابُ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ عَنِ السَّلَفِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مائة سنة، اقرءوا إن شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ «١» » وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: «إِنَّهَا شَجَرَةُ الْخُلْدِ» . وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ وَحُسْنُ مَآبٍ قَالَ: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلَهُ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ في الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، قالت قُرَيْشٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَلَا نَعْرِفُهُ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: دَعْنَا نُقَاتِلْهُمْ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اكْتُبُوا كَمَا يُرِيدُونَ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نَحْوَهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَإِلَيْهِ مَتابِ قَالَ: توبتي.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣١ الى ٣٥]
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥)
стр. 1330
قَوْلُهُ: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ قِيلَ: هَذَا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وَإِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْكُفَّارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَيِّرَ لَهُمْ جِبَالَ مَكَّةَ حَتَّى تَنْفَسِحَ فَإِنَّهَا أَرْضٌ ضَيِّقَةٌ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ بِهَذَا الْجَوَابِ الْمُتَضَمِّنِ لِتَعْظِيمِ شأن القرآن وفساد رأس الْكُفَّارِ حَيْثُ لَمْ يَقْنَعُوا بِهِ وَأَصَرُّوا عَلَى تَعَنُّتِهِمْ وَطَلَبِهِمْ مَا لَوْ فَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَبْقَ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ عَدَمِ إِنْزَالِ الْآيَاتِ الَّتِي يُؤْمِنُ عِنْدَهَا جَمِيعُ الْعِبَادِ. وَمَعْنَى سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ، أَيْ: بِإِنْزَالِهِ وَقِرَاءَتِهِ فَسَارَتْ عَنْ مَحَلِّ اسْتِقْرَارِهَا أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَيْ صُدِّعَتْ حَتَّى صَارَتْ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى أَيْ صَارُوا أَحْيَاءً بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا يَفْهَمُونَهُ عِنْدَ تَكْلِيمِهِمْ بِهِ كَمَا يَفْهَمُهُ الْأَحْيَاءُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَابِ لَوْ مَاذَا هُوَ؟ فَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مَحْذُوفٌ، وَتَقْدِيرُهُ: لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْجَوَابَ لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ، أَيْ: لَوْ فُعِلَ بِهِمْ هَذَا لَكَفَرُوا بِالرَّحْمَنِ وَقِيلَ: جَوَابُهُ لَمَا آمَنُوا كَمَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: مَا كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١» وَقِيلَ: الْجَوَابُ مُتَقَدِّمٌ، وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ لَوْ أَنَّ قُرْآنًا إِلَى آخِرِهِ، وَكَثِيرًا مَا تَحْذِفُ الْعَرَبُ جَوَابَ لَوْ إِذَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ جَمِيعَةً ... وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تُسَاقِطُ أَنْفُسًا
أَيْ لَهَانَ عَلَيَّ ذَلِكَ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَيْ: لَوْ أَنَّ قُرْآنًا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَكَانَ هَذَا الْقُرْآنُ، وَلَكِنْ لَمْ يُفْعَلْ بَلْ فُعِلَ مَا عَلَيْهِ الشَّأْنُ الْآنَ، فَلَوْ شَاءَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَآمَنُوا وَإِذَا لَمْ يَشَأْ أَنْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَنْفَعْ تَسْيِيرُ الْجِبَالِ وَسَائِرُ مَا اقْتَرَحُوهُ مِنَ الْآيَاتِ، فَالْإِضْرَابُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ كَوْنُ الْأَمْرِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَيَسْتَلْزِمُهُ مِنْ تَوَقُّفِ الْأَمْرِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً قَالَ الْفَرَّاءُ: قَالَ الْكَلْبِيُّ أَفَلَمْ يَيْأَسْ بِمَعْنَى أَفَلَمْ يَعْلَمْ، وَهِيَ لُغَةُ النَّخْعِ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَقِيلَ: هِيَ لُغَةُ هَوَازِنَ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفَلَمْ يَعْلَمُوا وَيَتَبَيَّنُوا. قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهُوَ مَجَازٌ لِأَنَّ الْيَائِسَ مِنَ الشَّيْءِ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ، نَظِيرُهُ اسْتِعْمَالُ الرَّجَاءِ فِي مَعْنَى الْخَوْفِ، وَالنِّسْيَانُ فِي التَّرْكِ لِتَضَمُّنِهُمَا إِيَّاهُمَا، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ: أَفَلَمْ يَتَبَيَّنْ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ رَبَاحِ بْنِ عَدِيٍ:
أَلَمْ يَيْأَسِ الْأَقْوَامُ أَنِّي أَنَا ابْنُهُ ... وَإِنْ كُنْتُ عَنْ أَرْضِ الْعَشِيرَةِ نَائِيًا
أَيْ: أَلَمْ يَعْلَمْ، وَأَنْشَدَ فِي هَذَا أَبُو عُبَيْدَةَ قَوْلَ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّضْرِيِّ:
أَقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إِذْ يَأْسِرُونَنِي «٢» ... أَلَمْ تيأسوا أنّي ابن فارس زهدم
стр. 1331
أَيْ: أَلَمْ تَعْلَمُوا، فَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى هَذَا: أَفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشَاهِدُوا الْآيَاتِ وَقِيلَ: إِنَّ الْإِيَاسَ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، أَيْ: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ إِيمَانِ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ أَرَادَ هِدَايَتَهُمْ لَهَدَاهُمْ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحَهَا الْكُفَّارُ طَمَعًا فِي إِيمَانِهِمْ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ هَذَا وَعِيدٌ لِلْكُفَّارِ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ لِكُفَّارِ مَكَّةَ عَلَى الْخُصُوصِ، أَيْ: لَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِسَبَبِ مَا صَنَعُوا مِنَ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ قَارِعَةٌ، أَيْ: دَاهِيَةٌ تَفْجَؤُهُمْ، يُقَالُ: قَرَعَهُ الْأَمْرُ إِذَا أَصَابَهُ، وَالْجَمْعُ قَوَارِعُ، وَالْأَصْلُ فِي الْقَرْعِ الضَّرْبُ. قَالَ الشَّاعِرُ «١» :
أَفْنَى تِلَادِي وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القواقيز أَفْوَاهَ الْأَبَارِيقِ «٢»
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى تُصِيبَهُمْ دَاهِيَةٌ مُهْلِكَةٌ مِنْ قَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ جَدْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْعَذَابِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْقَارِعَةَ: النَّكْبَةُ، وَقِيلَ: الطَّلَائِعُ وَالسَّرَايَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَارِعَةَ تُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ تَحُلُّ أَيِ: الْقَارِعَةُ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ فَيَفْزَعُونَ مِنْهَا وَيُشَاهِدُونَ مِنْ آثَارِهَا مَا تَرْجُفُ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَتُرْعَدُ مِنْهُ بِوَادِرُهُمْ «٣» ، وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمِيرَ فِي تَحُلُّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمَعْنَى: أَوْ تَحِلُّ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ مُحَاصِرًا لَهُمْ آخِذًا بِمَخَانِقِهِمْ كَمَا وَقَعَ مِنْهُ ﷺ لِأَهْلِ الطَّائِفِ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ وَهُوَ مَوْتُهُمْ، أَوْ قِيَامُ السَّاعَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ إِذَا جَاءَ وَعْدُ اللَّهِ الْمَحْتُومُ حَلَّ بِهِمْ مِنْ عَذَابِهِ مَا هُوَ الْغَايَةُ فِي الشِّدَّةِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِوَعْدِ اللَّهِ هُنَا الْإِذْنُ مِنْهُ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعادَ فَمَا جَرَى بِهِ وَعْدُهُ فَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا التَّنْكِيرُ فِي رُسُلٍ للتكثير، أي: يرسل كَثِيرَةٍ، وَالْإِمْلَاءُ: الْإِمْهَالُ، وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ فِي الْأَعْرَافِ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ بِالْعَذَابِ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ بِهِمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيعِ وَالتَّهْدِيدِ، أَيْ: فكيف كان عقابي لهؤلاء الكفار الذي استهزءوا بالرسل، فأمليت لهم ثم أخذتم، ثم استفهم سبحانه استفهاما آخر للتوبيخ والتقريب يَجْرِي مَجْرَى الْحِجَاجِ لِلْكُفَّارِ وَاسْتِرْكَاكِ صُنْعِهِمْ وَالْإِزْرَاءِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ الْقَائِمُ الْحَفِيظُ وَالْمُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ، وَأَرَادَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ الْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ خَلْقِهِ الْمُدَبِّرُ لِأَحْوَالِهِمْ بِالْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ، وَإِحْصَاءِ الْأَعْمَالِ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْأَنْفُسِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ، أَيْ: أَفَمَنْ هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَمَنْ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ مَعْبُودَاتِكُمُ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ. قَالَ الْفَرَّاءُ: كَأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ كَشُرَكَائِهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ إِنْكَارُ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ: المراد بمن هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِبَنِي آدَمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَجُمْلَةُ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجَوَابِ الْمُقَدَّرِ مُبَيِّنَةٌ لَهُ أَوْ حَالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، أَيْ: وَقَدْ جَعَلُوا، أو معطوفة على وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ
стр. 1332
أَيِ اسْتَهْزَءُوا وَجَعَلُوا قُلْ سَمُّوهُمْ أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ جَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكَاءَ فَسَمُّوهُمْ مَنْ هُمْ؟ وَفِي هَذَا تَبْكِيتٌ لَهُمْ وَتَوْبِيخٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ هَكَذَا فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَحْقَرِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَيُقَالُ: سَمِّهِ إِنْ شِئْتَ، يَعْنِي أَنَّهُ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يُسَمَّى وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى سَمُّوهُمْ بِالْآلِهَةِ كَمَا تَزْعُمُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَهْدِيدًا لَهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ أَيْ: بَلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الشُّرَكَاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهُمْ مَعَ كونه العالم بما في السموات وَالْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ أَيْ: بَلْ أَتُسَمُّونَهُمْ شُرَكَاءَ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَقِيلَ: الْمَعْنَى: قُلْ لَهُمْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِبَاطِنٍ لَا يَعْلَمُهُ أَمْ بِظَاهِرٍ يَعْلَمُهُ؟ فَإِنْ قَالُوا بِبَاطِنٍ لَا يَعْلَمُهُ فَقَدْ جَاءُوا بِدَعْوَى بَاطِلَةٍ، وَإِنْ قَالُوا بِظَاهِرٍ يَعْلَمُهُ فَقُلْ لَهُمْ سَمُّوهُمْ، فَإِذَا سَمَّوُا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَنَحْوَهُمَا، فَقُلْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ لِنَفْسِهِ شَرِيكًا، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي غَيْرِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهُ شَرِيكًا فِي الْأَرْضِ وَقِيلَ: مَعْنَى: أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ أَمْ بِزَائِلٍ مِنَ الْقَوْلِ بَاطِلٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
أَعَيَّرْتَنَا أَلْبَانَهَا وَلُحُومَهَا ... وَذَلِكَ عَارٌ يَا ابْنَ رَيْطَةَ ظَاهِرُ
أَيْ: زَائِلٌ بَاطِلٌ، وَقِيلَ: بِكَذِبٍ مِنَ الْقَوْلِ، وَقِيلَ مَعْنَى بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بِحُجَّةٍ مِنَ الْقَوْلِ ظَاهِرَةٍ عَلَى زَعْمِهِمْ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ أَيْ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ، بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ. وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ «زَيَّنَ» عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ عَلَى أَنَّ الَّذِي زَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ هُوَ مَكْرُهُمْ. وَقَرَأَ مَنْ عَدَاهُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْمُزَيِّنُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، أَوِ الشَّيْطَانُ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى الْمَكْرُ كُفْرًا، لِأَنَّ مَكْرَهُمْ بِرَسُولِ الله ﷺ كَانَ كُفْرًا، وَأَمَّا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ الْكَيْدُ، أَوِ التَّمْوِيهُ بِالْأَبَاطِيلِ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَعَاصِمٌ صُدُّوا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ: صَدَّهُمُ اللَّهُ، أَوْ صَدَّهُمُ الشَّيْطَانُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ أَيْ:
صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَبُو حَاتِمٍ وَقَرَأَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ بِكَسْرِ الصَّادِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ أَيْ يَجْعَلُهُ ضَالًّا وَتَقْتَضِي مَشِيئَتُهُ إِضْلَالَهُ، فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ يَهْدِيهِ إِلَى الْخَيْرِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ هادٍ مِنْ دُونِ إِثْبَاتِ الْيَاءِ عَلَى اللُّغَةِ الْكَثِيرَةِ الْفَصِيحَةِ. وَقُرِئَ بِإِثْبَاتِهَا عَلَى اللُّغَةِ الْقَلِيلَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ، فَقَالَ: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
بِمَا يُصَابُونَ بِهِ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ
عَلَيْهِمْ مِنْ عَذَابِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ
يَقِيهِمْ عَذَابَهُ، وَلَا عَاصِمٍ يَعْصِمُهُمْ مِنْهُ، ثُمَّ لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْكُفَّارُ مِنَ الْعَذَابِ فِي الْأُولَى والآخرة، ذَكَرَ مَا أَعَدَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي صفتها الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ الَّتِي هِيَ فِي الْغَرَابَةِ كَالْمَثَلِ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمَثَلُ الشَّبَهُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ، ثُمَّ قَدْ يَصِيرُ بِمَعْنَى صُورَةِ الشَّيْءِ وَصِفَتِهِ، يُقَالُ: مَثَّلْتُ لَكَ كَذَا، أَيْ:
صَوَّرْتُهُ وَوَصَفْتُهُ، فَأَرَادَ هُنَا بِمَثَلِ الْجَنَّةِ صُورَتَهَا وَصِفَتَهَا، ثُمَّ ذَكَرَهَا، فَقَالَ: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ لِلْمَثَلِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَتَقْدِيرُهُ فِيمَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مَثَلُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ: إِنَّ مَثَلُ الْجَنَّةِ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ تَجْرِي. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْغَائِبِ بِالشَّاهِدِ، وَمَعْنَاهُ مَثَلُ الْجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَقِيلَ إِنَّ فَائِدَةَ الْخَبَرِ تَرْجِعُ إِلَى أُكُلُها دائِمٌ أَيْ لَا يَنْقَطِعُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: لَا مَقْطُوعَةٍ
стр. 1333
وَلا مَمْنُوعَةٍ
«١» وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَثَلُ مُقْحَمٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَالْمَعْنَى: الْجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، والعرب تفعل ذلك كثيرا وَظِلُّها أَيْ: كَذَلِكَ دَائِمٌ لَا يَتَقَلَّصُ وَلَا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ:
تِلْكَ إِلَى الْجَنَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا أَيْ: عَاقِبَةُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الْمَعَاصِيَ، وَمُنْتَهَى أَمْرِهِمْ وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ لَيْسَ لَهُمْ عَاقِبَةٌ وَلَا مُنْتَهًى إِلَّا ذَلِكَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالُوا للنبيّ ﷺ : إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَأَرِنَا أَشْيَاخَنَا الْأُوَلَ مِنَ الْمَوْتَى نُكَلِّمُهُمْ، وَافْسَحْ لَنَا هَذِهِ الْجِبَالَ جِبَالَ مَكَّةَ الَّتِي قَدْ ضَمَّتْنَا، فَنَزَلَتْ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ» الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: قَالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ :
لَوْ سَيَّرْتَ لَنَا جِبَالَ مَكَّةَ حَتَّى تَتَّسِعَ فَنَحْرُثَ فِيهَا، أَوْ قَطَّعْتَ لَنَا الْأَرْضَ كَمَا كَانَ سُلَيْمَانُ يُقَطِّعُ لِقَوْمِهِ بِالرِّيحِ، أَوْ أَحْيَيْتَ لَنَا الْمَوْتَى كَمَا كَانَ يُحْيِي عِيسَى الْمَوْتَى لِقَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا قَالَ: أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا، قَالُوا هَلْ تَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ:
حدّثنا أبو زرعة حدّثنا منجاب بن الحرث، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي ذِكْرِ سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ مُطَوَّلًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً لَا يَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا يَشَاءُ وَلَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَفَلَمْ يَيْأَسِ يَقُولُ: يَعْلَمْ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَفَلَمْ يَيْأَسِ قَالَ: قَدْ يَئِسَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَهْدُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ قَالَ: السَّرَايَا. وَأَخْرَجَ الطَّيَالِسِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنْهُ نَحْوَهُ، وَزَادَ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ قَالَ: أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ، قَالَ:
فَتْحُ مَكَّةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قارِعَةٌ قَالَ: نَكْبَةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنْهُ قَارِعَةٌ قَالَ: عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ: يَعْنِي نُزُولَ رَسُولِ الله ﷺ بِهِمْ وَقِتَالَهُ آبَاءَهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ قَالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ نَفْسَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وابن أبي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ: الظَّاهِرُ مِنَ الْقَوْلِ هُوَ الْبَاطِلُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ: مَثَلُ الْجَنَّةِ
стр. 1334
قَالَ: نَعْتُ الْجَنَّةِ، لَيْسَ لِلْجَنَّةِ مَثَلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: أُكُلُها دائِمٌ قَالَ: لَذَّاتُهَا دائمة في أفواههم.
[سورة الرعد (١٣) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)
اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، فَقِيلَ: هُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ، وَالَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَقِيلَ: الَّذِينَ يَفْرَحُونَ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ لِكَوْنِ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِمَا فِي كُتُبِهِمْ مُصَدِّقًا لَهُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ يُمَاثِلُهُمْ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، أَيْ: مِنْ أَحْزَابِهِمَا، فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوهُ لِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ نَاسِخًا لِشَرَائِعِهِمْ فَيَتَوَجَّهُ فَرَحُ مَنْ فَرِحَ بِهِ مِنْهُمْ إِلَى مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْكِتَابَيْنِ، وَإِنْكَارُ مَنْ أَنْكَرَ مِنْهُمْ إِلَى مَا خَالَفَهُمَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ، وَالْمُرَادُ بِمَنْ يَفْرَحُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحْزَابِ الْمُتَحَزِّبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الذي أنكروه ما خَالَفَ مَا يَعْتَقِدُونَهُ عَلَى اخْتِلَافِ اعْتِقَادِهِمْ. وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ فَرَحَ الْمُسْلِمِينَ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ معلوم فلا فائدة من ذِكْرِهِ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ زِيَادَةُ الْفَرَحِ وَالِاسْتِبْشَارِ.
وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ سَاءَهُمْ قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ فِي الْقُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ فِي التَّوْرَاةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ «١» فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ مَا يَحْصُلُ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ مِنَ الْفَرَحِ لِلْبَعْضِ وَالْإِنْكَارِ لِلْبَعْضِ صَرَّحَ بِمَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَقَالَ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ أَيْ لَا أُشْرِكُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَيْ:
قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ إِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ وَرَدًّا لِلْإِنْكَارِ إِنَّمَا أُمِرْتُ فِيمَا أُنْزِلَ إِلَيَّ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ وَتَطَابَقَتْ عَلَى عَدَمِ إِنْكَارِهِ جَمِيعُ الْمِلَلِ الْمُقْتَدِيَةِ بِالرُّسُلِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ عَلَى نَصْبِ وَلا أُشْرِكَ بِهِ عَطْفًا عَلَى أَعْبُدَ وَقَرَأَ أَبُو خُلَيْدٍ بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وروى هذه القراءة عن نافع إِلَيْهِ أَدْعُوا أَيْ: إِلَى اللَّهِ لَا إِلَى غَيْرِهِ أَوْ إِلَى مَا أُمِرْتُ بِهِ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: وَإِلَيْهِ مَآبِ فَإِنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ أَيْ: إِلَيْهِ وَحْدَهُ لَا إِلَى غَيْرِهِ مَرْجِعِي. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَأَوْعَدَ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنِ اتِّبَاعِهِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِرَدِّ مَا أَنْكَرُوهُ مِنِ اشْتِمَالِهِ عَلَى نَسْخِ بَعْضِ شَرَائِعِهِمْ فَقَالَ: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا
стр. 1335
أَيْ مِثْلُ ذَلِكَ الْإِنْزَالِ الْبَدِيعِ أَنْزَلْنَا الْقُرْآنَ مُشْتَمِلًا عَلَى أُصُولِ الشَّرَائِعِ وَفُرُوعِهَا وَقِيلَ: الْمَعْنَى:
وَكَمَا أَنْزَلْنَا الْكُتُبَ عَلَى الرُّسُلِ بِلُغَاتِهِمْ كَذَلِكَ أنزلنا عليك القرآن بلسان العرب، ويريد بِالْحُكْمِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَحْكَامِ أَوْ حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَانْتِصَابُ حُكْمًا عَلَى الْحَالِ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ الَّتِي يَطْلُبُونَ مِنْكَ مُوَافَقَتَهُمْ عَلَيْهَا كَالِاسْتِمْرَارِ مِنْكَ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى قبلتهم وعدم مخالفتك لشيء ممّا يعتقدونه بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي عَلَّمَكَ اللَّهُ إِيَّاهُ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ أَيْ: مِنْ جَنَابِهِ مِنْ وَلِيٍّ يَلِي أَمْرَكَ وَيَنْصُرُكَ وَلا واقٍ يَقِيكَ مِنْ عَذَابِهِ، وَالْخِطَابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعْرِيضٌ لِأُمَّتِهِ، وَاللَّامُ فِي وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ هي الموطئة للقسم، وما لَكَ سَادٌّ مَسَدَّ جَوَابِ الْقَسَمِ وَالشَّرْطِ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً أَيْ: إِنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ قَبْلَكَ هُمْ مِنْ جِنْسِ الْبَشَرِ لَهُمْ أَزْوَاجٌ مِنَ النِّسَاءِ وَلَهُمْ ذُرِّيَّةٌ تَوَالَدُوا مِنْهُمْ وَمِنْ أَزْوَاجِهِمْ، وَلَمْ نُرْسِلِ الرُّسُلَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَا يَتَزَوَّجُونَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزَوُّجَهُ بِالنِّسَاءِ أَيْ: أَنَّ هَذَا شَأْنُ رُسُلِ اللَّهِ الْمُرْسَلِينَ قَبْلَ هَذَا الرَّسُولِ فَمَا بَالُكُمْ تُنْكِرُونَ عَلَيْهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
أَيْ: لَمْ يَكُنْ لِرَسُولٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَا اقْتَرَحَهُ عَلَيْهِ الْكُفَّارُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْكُفَّارِ حَيْثُ اقْتَرَحُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْآيَاتِ مَا اقْتَرَحُوا بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ أَيْ:
لِكُلِّ أَمْرٍ مِمَّا قَضَاهُ اللَّهُ، أَوْ لِكُلِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي قَضَى اللَّهُ بِوُقُوعِ أَمْرٍ فِيهَا كِتَابٌ عِنْدَ اللَّهِ يَكْتُبُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَيَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ. وَالْمَعْنَى: لِكُلِّ كِتَابٍ أَجَلٌ، أَيْ: لِكُلِّ أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ أَجْلٌ مُؤَجَّلٌ وَوَقْتٌ مَعْلُومٌ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ «١» ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ عَلَى حَسَبِ إِرَادَةِ الْكُفَّارِ وَاقْتِرَاحَاتِهِمْ، بَلْ عَلَى حَسَبِ مَا يَشَاؤُهُ وَيَخْتَارُهُ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشاءُ وَيُثْبِتُ أَيْ: يَمْحُو مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنْهُ، يُقَالُ: مَحَوْتُ الْكِتَابَ مَحْوًا إِذَا أَذْهَبْتَ أَثَرَهُ. قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ «وَيُثَبِّتَ» بِالتَّخْفِيفِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَاخْتَارَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَظَاهِرُ النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ الْعُمُومُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا فِي الْكِتَابِ فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ مَحْوَهُ مِنْ شَقَاوَةٍ أَوْ سَعَادَةٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ عُمُرٍ أَوْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَيُبْدِلُ هَذَا بِهَذَا، وَيَجْعَلُ هَذَا مَكَانَ هذا ولا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «٢» ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو وَائِلٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: الْآيَةُ خَاصَّةٌ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَقِيلَ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ، وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ وَيُثْبِتُ مَا فِيهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَقِيلَ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنَ الرِّزْقِ، وَقِيلَ: يَمْحُو مِنَ الْأَجَلِ وَقِيلَ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنَ الشَّرَائِعِ فَيَنْسَخُهُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فَلَا يَنْسَخُهُ وَقِيلَ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ وَيَتْرُكُ مَا يَشَاءُ وَقِيلَ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالتَّوْبَةِ وَيَتْرُكُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ وَقِيلَ: يَمْحُو الْآبَاءَ وَيُثْبِتُ الْأَبْنَاءُ وَقِيلَ:
يَمْحُو الْقَمَرَ وَيُثْبِتُ الشَّمْسَ كَقَوْلِهِ: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً «٣» وَقِيلَ: يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي يَقْبِضُهَا حَالَ النَّوْمِ فَيُمِيتُ صَاحِبَهُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فَيَرُدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَقِيلَ: يَمْحُو مَا يشاء
следующие страницы →