Полный текст (3 584 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
سورة القلم
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ من أوّلها إِلَى قَوْلِهِ:
سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ مَكِّيٌّ، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ: مِنَ الصَّالِحِينَ مَدَنِيٌّ، وَبَاقِيهَا مَكِّيٌّ، كَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ إِذَا نَزَلَتْ فَاتِحَةُ سُورَةٍ بِمَكَّةَ كُتِبَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَزِيدُ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا نَزَلْ مِنَ الْقُرْآنِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثُمَّ نُونُ، ثُمَّ الْمُزَّمِّلُ، ثُمَّ الْمُدَّثِّرُ.
وَأَخْرَجَ النَّحَّاسُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ن بِمَكَّةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ (١٤)
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)
قَوْلُهُ: ن قَرَأَ أَبُو بَكْرٍ وَوَرْشٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَالْكِسَائِيُّ وابن محيصن وهبيرة بِإِدْغَامِ النُّونِ الثَّانِيَةِ مِنْ هِجَائِهَا فِي الْوَاوِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْإِظْهَارِ. وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ بِالْفَتْحِ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ. وَقَرَأَ ابن عامر «١» ونصر وابن أبي إِسْحَاقَ بِكَسْرِهَا عَلَى إِضْمَارِ الْقَسَمِ، أَوْ لِأَجْلِ التقاء الساكنين، وقرأ محمد بن السّميقع وَهَارُونُ بِضَمِّهَا عَلَى الْبِنَاءِ. قَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَالسُّدِّيُّ: هُوَ الْحُوتُ الَّذِي يَحْمِلُ الْأَرْضَ، وَبِهِ قال مرّة الهمداني وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالْكَلْبِيُّ. وَقِيلَ: إِنَّ نُونَ آخِرُ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ:
هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُوَ فَاتِحَةُ السُّورَةِ. وَقَالَ عَطَاءُ وَأَبُو العالية: هي النون من نصير وَنَاصِرٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أَقْسَمَ اللَّهُ تعالى بنصره للمؤمنين، وَقِيلَ: هُوَ حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ، كَالْفَوَاتِحِ الْوَاقِعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ الْمُفْتَتَحَةِ بِذَلِكَ، وَقَدْ عَرَّفْنَاكَ مَا هُوَ الْحَقُّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْفَوَاتِحِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَالْقَلَمِ وَاوُ الْقَسَمِ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِالْقَلَمِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ وَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ قَلَمٍ يُكْتَبُ بِهِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِهِ الْقَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. стр. 2802
قَالَ قَتَادَةُ: الْقَلَمُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ وَما يَسْطُرُونَ «مَا» مَوْصُولَةٌ، أَيْ: وَالَّذِي يَسْطُرُونَ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى أَصْحَابِ الْقَلَمِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ لِأَنَّ ذِكْرَ آلَةِ الْكِتَابَةِ تَدُلُّ عَلَى الْكَاتِبِ. وَالْمَعْنَى:
وَالَّذِي يَسْطُرُونَ، أَيْ: يَكْتُبُونَ كُلَّ مَا يُكْتَبُ، أَوِ الْحَفَظَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةً، أَيْ:
وَسَطْرُهُمْ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْقَلَمِ خَاصَّةً مِنْ بَابِ إِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى الْآلَةِ وَإِجْرَائِهَا مَجْرَى الْعُقَلَاءِ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ما نافية، وأنت اسمها، وبمجنون خَبَرُهَا. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَنْتَ هُوَ اسْمُ مَا، وبمجنون خَبَرُهَا، وَقَوْلُهُ: بِنِعْمَةِ رَبِّكَ كَلَامٌ وَقَعَ فِي الْوَسَطِ، أَيِ: انْتَفَى عَنْكَ الْجُنُونُ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ، كَمَا يُقَالُ: أَنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَاقِلٌ، قِيلَ: الْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هُوَ حَالٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ:
أنت بريء من الجنون متلبسا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ النُّبُوَّةُ وَالرِّيَاسَةُ الْعَامَّةُ. وَقِيلَ: الْبَاءُ لِلْقَسَمِ، أَيْ: وَمَا أَنْتَ وَنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَقِيلَ: النِّعْمَةُ هُنَا الرَّحْمَةُ، وَالْآيَةُ ردّ على الكفار حيث قالوا: يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ «١» وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً أَيْ: ثَوَابًا عَلَى مَا تَحَمَّلْتَ مِنْ أَثْقَالِ النُّبُوَّةِ، وَقَاسَيْتَ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّدَائِدِ غَيْرَ مَمْنُونٍ أَيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، يُقَالُ: مَنَنْتُ الْحَبْلَ إِذَا قَطَعْتُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مَحْسُوبٍ، وَقَالَ الْحَسَنُ: غَيْرَ مَمْنُونٍ: غَيْرَ مُكَدَّرٍ بِالْمَنِّ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: أَجْرًا بِغَيْرِ عَمَلٍ. وَقِيلَ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَقِيلَ: غَيْرَ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْكَ مِنْ جِهَةِ النَّاسِ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قِيلَ:
هُوَ الْإِسْلَامُ وَالدِّينُ، حَكَى هَذَا الْوَاحِدِيُّ عَنِ الْأَكْثَرِينَ. وَقِيلَ: هُوَ الْقُرْآنُ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْحَسَنِ وَالْعَوْفِيِّ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مَا كَانَ يَأْتَمِرُ بِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَيَنْتَهِي عَنْهُ مِنْ نَهْيِ اللَّهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْمَعْنَى إِنَّكَ عَلَى الْخُلُقِ الَّذِي أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: هُوَ رِفْقُهُ بِأُمَّتِهِ وَإِكْرَامُهُ إِيَّاهُمْ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِنَّكَ عَلَى طَبْعٍ كَرِيمٍ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَحَقِيقَةُ الْخُلُقِ فِي اللُّغَةِ مَا يَأْخُذُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ بِهِ مِنَ الْأَدَبِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ خُلِقِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: كَانَ خَلُقُهُ الْقُرْآنَ. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا مَعْطُوفَتَانِ عَلَى جُمْلَةِ جَوَابِ الْقَسَمِ. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ أَيْ: سَتُبْصِرُ يَا مُحَمَّدُ وَيُبْصِرُ الْكُفَّارُ إِذَا تَبَيَّنَ الْحَقُّ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، أَيْ: أَيُّكُمُ الْمَفْتُونُ بِالْجُنُونِ، كَذَا قَالَ الْأَخْفَشُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أَصْحَابُ الْفَلَجِ ... نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجْ
وَقِيلَ: لَيْسَتِ الْبَاءُ زَائِدَةً، وَالْمَفْتُونُ مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى مَفْعُولٍ، كَالْمَعْقُولِ وَالْمَيْسُورِ، وَالتَّقْدِيرُ: بِأَيِّكُمُ الْفُتُونُ أَوِ الْفِتْنَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ الرَّاعِي:
حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظَامِهِ ... لَحْمًا وَلَا لِفُؤَادِهِ مَعْقُولَا
أَيْ: عَقْلًا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: إِنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى فِي، أَيْ: فِي الْفَرِيقِ الْآخَرِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا قِرَاءَةُ ابْنِ أَبِي عَبْلَةَ «فِي أَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ» وَقِيلَ: الْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: بِأَيِّكُمْ فُتِنَ الْمَفْتُونُ، فحذف المضاف وأقيم المضاف
стр. 2803
إِلَيْهِ مَقَامَهُ، رُوِيَ هَذَا عَنِ الْأَخْفَشِ أَيْضًا. وَقِيلَ: الْمَفْتُونُ: الْمُعَذَّبُ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنَّارِ إِذَا أَحْمَيْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ «١» وَقِيلَ: الْمَفْتُونُ هُوَ الشَّيْطَانُ لِأَنَّهُ مَفْتُونٌ فِي دِينِهِ، وَالْمَعْنَى: بِأَيِّكُمُ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا وَعِيدٌ لَهُمْ بِعَذَابِ يَوْمِ بَدْرٍ، وَالْمَعْنَى: سَتَرَى وَيَرَى أَهْلُ مَكَّةَ إِذَا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ بِبَدْرٍ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ، وَجُمْلَةُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، فَإِنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالْجُنُونِ لِمُخَالَفَتِهِمْ لِمَا فِيهِ نَفْعُهُمْ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، وَاخْتِيَارِهِمْ مَا فِيهِ ضَرُّهُمْ فِيهِمَا، وَالْمَعْنَى: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ الْمُوَصِّلِ إِلَى سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ إِلَى سَبِيلِهِ الْمُوَصِّلِ إِلَى تِلْكَ السَّعَادَةِ الْآجِلَةِ وَالْعَاجِلَةِ، فَهُوَ مُجَازٍ كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ نَهَاهُ سُبْحَانَهُ عَنْ مُمَايَلَةِ «٢» الْمُشْرِكِينَ، وَهُمْ رُؤَسَاءُ كُفَّارِ مَكَّةَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَى دِينِ آبَائِهِ، فنهاه عَنْ طَاعَتِهِمْ أَوْ هُوَ تَعْرِيضٌ بِغَيْرِهِ عَنْ أَنْ يُطِيعَ الْكُفَّارَ، أَوِ الْمُرَادُ بِالطَّاعَةِ مُجَرَّدُ الْمُدَارَاةِ بِإِظْهَارِ خِلَافِ مَا فِي الضَّمِيرِ، فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ فَإِنَّ الْإِدْهَانَ: هُوَ الْمُلَايَنَةُ وَالْمُسَامَحَةُ وَالْمُدَارَاةُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُوا لَكَ، وَكَذَا قَالَ الْكَلْبِيُّ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُ فَيَتَمَادَوْا عَلَى الْكُفْرِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: وَدُّوا لَوْ تَكْذِبُ فَيَكْذِبُونَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: وَدُّوا لَوْ تَذْهَبُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ فَيَذْهَبُونَ مَعَكَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: وَدُّوا لَوْ تُصَانِعُهُمْ فِي دِينِكَ فَيُصَانِعُونَكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَدُّوا لَوْ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ وَتَتْرُكُ مَا أنت عليه من الحق فيما يلونك. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ:
كَانُوا أَرَادُوهُ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهُمْ مُدَّةً، وَيَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً. وَقَوْلُهُ: فَيُدْهِنُونَ عَطْفٌ عَلَى تُدْهِنُ، دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ «لَوْ» ، أَوْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: فَهُمْ يُدْهِنُونَ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَزَعَمَ قَالُونُ أَنَّهَا فِي بَعْضِ الْمَصَاحِفِ «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا» بِدُونِ نُونٍ، وَالنَّصْبُ عَلَى جَوَابِ التَّمَنِّي الْمَفْهُومِ مَنْ وَدُّوا، وَالظَّاهِرُ مِنَ اللُّغَةِ فِي مَعْنَى الْإِدْهَانِ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ أَيْ: كَثِيرِ الْحَلِفِ بِالْبَاطِلِ مَهِينٍ فَعِيلٌ مِنَ الْمَهَانَةِ، وَهِيَ الْقِلَّةُ فِي الرَّأْيِ وَالتَّمْيِيزِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْكَذَّابُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمِكْثَارُ فِي الشَّرِّ، وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ. وَقِيلَ: هُوَ الْفَاجِرُ الْعَاجِزُ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَقِيرُ عِنْدَ اللَّهِ، وَقِيلَ: هُوَ الذَّلِيلُ، وَقِيلَ: هُوَ الْوَضِيعُ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ الْهَمَّازُ الْمُغْتَابُ لِلنَّاسِ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ الَّذِي يَهْمِزُ بِأَخِيهِ، وَقِيلَ: الْهَمَّازُ:
الَّذِي يَذْكُرُ النَّاسَ فِي وُجُوهِهِمْ، وَاللَّمَّازُ: الَّذِي يَذْكُرُهُمْ فِي مَغِيِبِهِمْ، كَذَا قَالَ أَبُو العالية والحسن وعطاء ابن أَبِي رَبَاحٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ عَكْسَ هَذَا. وَالْمَشَّاءُ بِنَمِيمٍ: الَّذِي يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ لِيُفْسِدَ بَيْنَهُمْ، يُقَالُ:
نَمَّ يَنِمُّ إِذَا سَعَى بِالْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
وَمَوْلًى كَبَيْتِ النَّمْلِ لَا خَيْرَ عِنْدَهُ ... لِمَوْلَاهُ إِلَّا سَعْيُهُ بِنَمِيمِ
وَقِيلَ: النَّمِيمُ: جَمْعُ نَمِيمَةِ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أَيْ: بَخِيلٍ بِالْمَالِ لَا يُنْفِقُهُ فِي وَجْهِهِ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ أَهْلَهُ وَعَشِيرَتَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ لَهُمْ مَنْ دَخَلَ مِنْكُمْ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ لَا أَنْفَعُهُ بِشَيْءٍ أبدا مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
стр. 2804
أَيْ: مُتَجَاوِزِ الْحَدِّ فِي الظُّلْمِ، كَثِيرِ الْإِثْمِ عُتُلٍّ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ هُوَ الشَّدِيدُ الْخَلْقِ الْفَاحِشُ الْخُلُقِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ فِي الْبَاطِلِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ الْغَلِيظُ الْجَافِي. وَقَالَ اللَّيْثُ: هُوَ الْأَكُولُ الْمَنُوعُ، يُقَالُ: عَتَلْتُ الرَّجُلَ أَعْتِلُهُ إِذَا جَذَبْتُهُ جَذْبًا عَنِيفًا، ومنه قول الشاعر «١» :
نفرعه فرعا وَلَسْنَا نَعْتِلُهُ
بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ أَيْ: هُوَ بَعْدَ مَا عَدَّ مِنْ مَعَايِبِهِ زَنِيمٌ، وَالزَّنِيمُ والدّعيّ: الْمُلْصَقُ بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ الْمُتَدَلِّيَةِ فِي حَلْقِ الشَّاةِ، أَوِ الْمَاعِزِ، وَمِنْهُ قَوْلُ حَسَّانَ:
زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَةً ... كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الْأَدِيمِ الْأَكَارِعُ
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزَّنِيمُ: الْمَعْرُوفُ بِالشَّرِّ، وَقِيلَ: هو رجل مِنْ قُرَيْشٍ كَانَ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشَّاةِ، وَقِيلَ: هُوَ الظَّلُومُ. أَنْ كانَ ذَا مالٍ وَبَنِينَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: لَا تُطِعْ أَيْ: لَا تُطِعْ مَنْ هَذِهِ مَثَالِبُهُ لِكَوْنِهِ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. قَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ: أَيْ لِأَنْ كَانَ، وَالْمَعْنَى: لَا تُطِعْهُ لِمَالِهِ وَبَنِيهِ. قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَالْمُغِيرَةُ وَأَبُو حَيْوَةَ أَنْ كانَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ مَمْدُودَةٍ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ. وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُفَضَّلُ أَأَنْ كَانَ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْخَبَرِ، وَعَلَى قِرَاءَةِ الِاسْتِفْهَامِ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ التَّوْبِيخُ وَالتَّقْرِيعُ حَيْثُ جَعَلَ مُجَازَاةَ النِّعَمِ الَّتِي خَوَّلَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَالِ وَالْبَنِينَ أَنْ كَفَرَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِكَسْرِ الهمزة على الشرط، وجملة إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ مُسْتَأْنَفَةٌ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ أَيْ: سَنَسِمُهُ بِالْكَيِّ عَلَى خُرْطُومِهِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو زَيْدٍ وَالْمُبَرِّدُ: الْخُرْطُومُ: الْأَنْفُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: سَنَسِمُهُ بِالسَّوَادِ عَلَى الْأَنْفِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَسْوَدُّ وَجْهُهُ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَالْخُرْطُومُ وَإِنْ كَانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ فَإِنَّهُ فِي مَذْهَبِ «٢» الْوَجْهِ، لِأَنَّ بَعْضَ الوجه يؤدي عن بعض. قال الزَّجَّاجُ: سَيُجْعَلُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ الْعِلْمُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ مِنِ اسْوِدَادِ وُجُوهِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لَا يُفَارِقُهُ، وَاخْتَارَ هَذَا ابْنُ قُتَيْبَةَ، قَالَ:
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ وَسَمَهُ مِيسَمُ سُوءٍ يُرِيدُونَ أَلْصَقَ بِهِ عَارًا لَا يُفَارِقُهُ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَلْحَقَ بِهِ عَارًا لَا يُفَارِقُهُ، كَالْوَسْمِ عَلَى الْخُرْطُومِ، وَقِيلَ: مَعْنَى سَنَسِمُهُ: سَنُحَطِّمُهُ بِالسَّيْفِ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: الْمَعْنَى سَنَحُدُّهُ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَقَدْ يُسَمَّى الْخَمْرُ بِالْخُرْطُومِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَظَلُّ يَوْمَكَ فِي لَهْوٍ وَفِي طَرَبٍ ... وَأَنْتَ بِاللَّيْلِ شَرَّابُ الْخَرَاطِيمِ
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَالْخَطِيبُ فِي
стр. 2805
تَارِيخِهِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ:
يَا رَبِّ وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَجَرَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، ثُمَّ طُوِيَ الْكِتَابُ وَرُفِعَ الْقَلَمُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، فَارْتَفَعَ بُخَارُ الْمَاءِ فَفُتِقَتْ مِنْهُ السَّمَاوَاتُ، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فَبُسِطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِ، وَالْأَرْضُ عَلَى ظَهْرِ النُّونِ «١» ، فَاضْطَرَبَ النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال، فَإِنَّ الْجِبَالَ لَتَفْخَرُ عَلَى الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:
«إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ، وَهِيَ الدَّوَاةُ، وَخَلَقَ الْقَلَمَ، فَقَالَ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ن الدَّوَاةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «النُّونُ: السَّمَكَةُ الَّتِي عَلَيْهَا قَرَارُ الْأَرَضِينَ، وَالْقَلَمُ الَّذِي خَطَّ بِهِ رَبُّنَا الْقَدَرَ خَيْرَهُ وَشَرَّهُ وَضُرَّهُ وَنَفْعَهُ، وَما يَسْطُرُونَ قَالَ: الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ» . وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَما يَسْطُرُونَ قَالَ: مَا يَكْتُبُونَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ وَما يَسْطُرُونَ قَالَ: وَمَا يَعْلَمُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ الله، قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ، وَالْوَاحِدِيُّ عَنْهَا قَالَتْ: «مَا كَانَ أَحَدٌ أَحْسَنَ خُلُقًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا دَعَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا قَالَ: لَبَّيْكَ، فَلِذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: «سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ:
كان خلقه القرآن، يَرْضَى لِرِضَاهُ وَيَسْخَطُ لِسُخْطِهِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَاحِشًا، وَلَا صَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ قَالَ: تَعْلَمُ وَيَعْلَمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ قَالَ: الشَّيْطَانُ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُ شَيْطَانٌ وَإِنَّهُ مَجْنُونٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ:
بِأَيِّكُمُ الْمَجْنُونُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ يَقُولُ:
لَوْ تُرَخِّصُ لَهُمْ فَيُرَخِّصُونَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ الْآيَةَ قَالَ: يَعْنِي الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: «قَالَ مَرْوَانُ لما بايع الناس ليزيد:
стр. 2806
سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِسَنَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَكِنَّهَا سَنَةُ هِرَقْلَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: هَذَا الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما «١» الْآيَةَ، قَالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَكِنْ نَزَلَ فِي أَبِيكَ: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ- هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ- هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ فلم نعرفه حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ، فَعَرَفْنَاهُ لَهُ زَنَمَةٌ كَزَنَمَةِ الشَّاةِ» . وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ قَالَ: الْعُتُلُّ: هُوَ الدَّعِيُّ، وَالزَّنِيمُ: هُوَ الْمُرِيبُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ قَالَ: الزَّنِيمُ: هُوَ الدَّعِيُّ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: الزَّنِيمُ: الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ كَمَا تُعْرَفُ الشَّاةُ بِزَنَمَتِهَا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ قَالَ: هُوَ الرَّجُلُ يَمُرُّ عَلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُونَ: رَجُلُ سُوءٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: زَنِيمٍ قَالَ: ظَلُومٌ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَقِيلَ: فِي الْوَلِيدِ بْنِ المغيرة.
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ١٧ الى ٣٣]
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١)
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)
قَوْلُهُ: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، فَإِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاهُمْ بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وَالِابْتِلَاءُ: الِاخْتِبَارُ، وَالْمَعْنَى: أَعْطَيْنَاهُمُ الْأَمْوَالَ لِيَشْكُرُوا لَا لِيَبْطَرُوا، فَلَمَّا بَطِرُوا ابْتَلَيْنَاهُمْ بِالْجُوعِ وَالْقَحْطِ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْمَعْرُوفُ خَبَرُهُمْ عِنْدَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ بِأَرْضِ الْيَمَنِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ صَنْعَاءَ لِرَجُلٍ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ مِنْهَا، فَمَاتَ وَصَارَتْ إِلَى أَوْلَادِهِ، فَمَنَعُوا النَّاسَ خَيْرَهَا، وَبَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ فِيهَا.
قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ ثَقِيفٍ كَانُوا بِالْيَمَنِ مُسْلِمِينَ، وَرِثُوا مِنْ أَبِيهِمْ ضَيْعَةً فِيهَا جَنَّاتٌ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ، وَكَانَ أَبُوهُمْ يَجْعَلُ مِمَّا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَظًّا لِلْمَسَاكِينِ عِنْدَ الْحَصَادِ وَالصِّرَامِ، فَقَالَتْ بَنُوهُ: الْمَالُ قَلِيلٌ، وَالْعِيَالُ كَثِيرٌ، وَلَا يَسَعُنَا أَنْ نَفْعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ أَبُونَا، وَعَزَمُوا عَلَى حِرْمَانِ الْمَسَاكِينِ، فَصَارَتْ عَاقِبَتُهُمْ إِلَى مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ صَنْعَاءَ فَرْسَخَانِ ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِأَنْ حَرَّقَ جنتهم. وقيل: هي جنة كانت بضوران، وضوران عَلَى فَرَاسِخَ مِنْ صَنْعَاءَ، وَكَانَ أَصْحَابُ هَذِهِ الْجَنَّةِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى بِيَسِيرٍ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أَيْ: حَلَفُوا لَيَقْطَعُنَّهَا دَاخِلِينَ فِي وقت الصباح، والصرم: القطع للثمر
стр. 2807
وَالزَّرْعِ، وَانْتِصَابُ مُصْبِحِينَ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ لِيَصْرِمُنَّهَا، وَالْكَافُ فِي كَما بَلَوْنا نَعْتُ مَصْدَرٍ محذوف، أي: بلوناهم ابتلاء كما بلونا، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي، وَ «إِذْ» ظَرْفٌ لبلونا منتصب به، وليصرمنها جَوَابُ الْقَسَمِ وَلا يَسْتَثْنُونَ يَعْنِي: وَلَا يَقُولُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ، أَوْ حَالٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَلَا يَسْتَثْنُونَ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يَدْفَعُهُ أَبُوهُمْ إِلَيْهِمْ، قَالَهُ عِكْرِمَةُ: فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ أَيْ: طَافَ عَلَى تِلْكَ الْجَنَّةِ طَائِفٌ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالطَّائِفُ قِيلَ: هُوَ نَارٌ أَحْرَقَتْهَا حَتَّى صَارَتْ سَوْدَاءَ، كَذَا قَالَ مُقَاتِلٌ. وَقِيلَ: الطَّائِفُ جِبْرِيلُ اقْتَلَعَهَا، وَجُمْلَةُ وَهُمْ نائِمُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ أَيْ: كَالشَّيْءِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمَارُهُ، أَيْ: قُطِعَتْ، فعيل بمعنى مفعول، وقال الفرّاء: كالصريم الْمُظْلِمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَطَاوَلَ لَيْلُكَ الْجَوْنُ الصَّرِيمُ ... فَمَا يَنْجَابُ عَنْ صُبْحٍ بَهِيمِ
وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا حُرِقَتْ فَصَارَتْ كَاللَّيْلِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: وَالصَّرِيمُ: الرَّمَادُ الْأَسْوَدُ بِلُغَةِ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: أَيْ كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، يَعْنِي أَنَّهَا يَبِسَتْ وَابْيَضَّتْ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: الصَّرِيمُ: اللَّيْلُ، وَالصَّرِيمُ:
النَّهَارُ، أَيْ: يَنْصَرِمُ هَذَا عَنْ هَذَا، وَذَاكَ عَنْ هَذَا، وَقِيلَ: سُمِّيَ اللَّيْلُ صَرِيمًا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ بِظُلْمَتِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ.
وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: الصَّرِيمُ: الرَّمْلَةُ لِأَنَّهَا لَا يَثْبُتُ عَلَيْهَا شَيْءٌ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: صُرِمَ مِنْهَا الْخَيْرُ، أَيْ: قُطِعَ فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ أَيْ: نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا دَاخِلِينَ فِي الصَّبَاحِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ بعضهم لبعض أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ وأَنِ فِي قَوْلِهِ: أَنِ اغْدُوا هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِأَنَّ فِي التَّنَادِي مَعْنَى الْقَوْلِ، أَوْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ، أَيْ: بِأَنْ اغْدُوا، وَالْمُرَادُ اخْرُجُوا غُدْوَةً، وَالْمُرَادُ بِالْحَرْثِ: الثِّمَارُ وَالزَّرْعُ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ أَيْ: قَاصِدِينَ لِلصَّرْمِ، وَالْغُدُوِّ يَتَعَدَّى بِإِلَى وَعَلَى، فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَضْمِينِهِ مَعْنَى الْإِقْبَالِ كَمَا قِيلَ: وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أَيْ: إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَاغْدُوا، وَقِيلَ، مَعْنَى صَارِمِينَ مَاضِينَ فِي الْعَزْمِ، مِنْ قَوْلِكَ سَيْفٌ صَارِمٌ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ أَيْ: ذَهَبُوا إِلَى جَنَّتِهِمْ وَهُمْ يُسِرُّونَ الْكَلَامَ بَيْنَهُمْ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَحَدٌ بِهِمْ، يُقَالُ: خَفَتَ يخفت إذا سكن ولم يبين، وَمِنْهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ:
وَإِنِّي لَمْ أهلك سلالا ولم أمت ... خفاتا وكلّا ظنّه بي عوّدي
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: يُخْفُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَرَوْهُمْ، فَيَقْصِدُوهُمْ كَمَا كَانُوا يَقْصِدُونَ أَبَاهُمْ وَقْتَ الْحَصَادِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ: أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ فَإِنَّ «أَنْ» هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِلتَّخَافُتِ الْمَذْكُورِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ. وَالْمَعْنَى: يُسِرُّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَذَا الْقَوْلَ، وَهُوَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الْجَنَّةَ الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ، فَيَطْلُبُ مِنْكُمْ أَنْ تُعْطُوهُ مِنْهَا مَا كَانَ يُعْطِيهِ أَبُوكُمْ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ الْحَرْدُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَنْعِ وَالْقَصْدِ. قَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: الْحَرْدُ هُنَا بِمَعْنَى الْقَصْدِ لِأَنَّ الْقَاصِدَ إِلَى الشَّيْءِ حَارِدٌ، يُقَالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ إِذَا قَصَدَ، تَقُولُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أَيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
стр. 2808
أَقْبَلَ سَيْلٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... يَحْرِدُ حرد الجنّة المغلّة
وقال أبو عبيد وَالْمُبَرِّدُ وَالْقُتَيْبِيُّ: عَلَى حَرْدٍ عَلَى مَنْعٍ، مِنْ قولهم حاردت الْإِبِلُ حَرْدًا إِذَا قَلَّتْ أَلْبَانُهَا، وَالْحَرُودُ مِنَ النُّوقِ هِيَ الْقَلِيلَةُ اللَّبَنِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَسُفْيَانُ وَالشَّعْبِيُّ عَلى حَرْدٍ عَلَى غَضَبٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا جِيَادُ الْخَيْلِ جَاءَتْ تَرْدَى ... مَمْلُوءَةً مِنْ غَضَبٍ وَحَرْدِ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
تَسَاقَوْا عَلَى حَرْدٍ دِمَاءَ الْأَسَاوِدِ وَمِنْهُ قِيلَ: أَسَدٌ حَارِدٌ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا أَنَّهُمَا قَالَا: عَلى حَرْدٍ أَيْ: عَلَى حَسَدٍ.
وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: عَلَى حَاجَةٍ وَفَاقَةٍ. وَقِيلَ: عَلى حَرْدٍ: عَلَى انْفِرَادٍ، يُقَالُ: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا أَوْ حُرُودًا إِذَا تَنَحَّى عَنْ قَوْمِهِ وَنَزَلَ مُنْفَرِدًا عَنْهُمْ وَلَمْ يُخَالِطْهُمْ، وَبِهِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ:
حَرْدٌ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: اسْمُ جَنَّتِهِمْ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ حَرْدٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ. وقرأ أبو العالية وابن السّميقع بِفَتْحِهَا، وَانْتِصَابُ قادِرِينَ عَلَى الْحَالِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: ومعنى قادرين: قد قدّروا أمرهم وَبَنَوْا عَلَيْهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَادِرِينَ عَلَى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: يَعْنِي قَادِرِينَ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَمَّا رَأَوْها أَيْ: لَمَّا رَأَوْا جَنَّتَهُمْ وَشَاهَدُوا مَا قَدْ حَلَّ بِهَا مِنَ الْآفَةِ الَّتِي أَذْهَبَتْ مَا فِيهَا قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ أي: قال بعضهم لبعض: قد ضللنا جَنَّتِنَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ، ثُمَّ لَمَّا تَأَمَّلُوا وَعَلِمُوا أَنَّهَا جَنَّتُهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ عَاقَبَهُمْ بِإِذْهَابِ مَا فِيهَا مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ قَالُوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَيْ حُرِمْنَا جَنَّتَنَا بِسَبَبِ مَا وَقَعَ مِنَّا مِنَ الْعَزْمِ عَلَى مَنْعِ الْمَسَاكِينِ مِنْ خَيْرِهَا، فَأَضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الْأَوَّلِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ:
إِنَّا لَضَالُّونَ أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنِ الصَّوَابِ بِمَا وَقَعَ مِنْهُمْ قالَ أَوْسَطُهُمْ أَيْ: أَمْثَلُهُمْ وَأَعْقَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ أَيْ: هَلَّا تُسَبِّحُونَ، يَعْنِي تَسْتَثْنُونَ، وَسُمِّيَ الِاسْتِثْنَاءُ تَسْبِيحًا لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وَإِقْرَارٌ بِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوْسَطَهُمْ كَانَ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وقال مجاهد وأبو صالح وغير هما:
كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ تَسْبِيحًا. قَالَ النَّحَّاسُ: أَصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ لِلَّهِ ، فَجَعَلَ التَّسْبِيحَ فِي مَوْضِعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: هَلَّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ مِنْ فِعْلِكُمْ وَتَتُوبُونَ إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ النِّيَّةِ الَّتِي عَزَمْتُمْ عَلَيْهَا، وَكَانَ أَوْسَطُهُمْ قد قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أَيْ: تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا فِيمَا صَنَعَ بِجَنَّتِنَا، فَإِنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ ذَنْبِنَا الَّذِي فَعَلْنَاهُ، وَقِيلَ: مَعْنَى تَسْبِيحِهِمْ الِاسْتِغْفَارُ، أَيْ نَسْتَغْفِرُ رَبَّنَا مِنْ ذَنْبِنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ لِأَنْفُسِنَا فِي مَنْعِنَا لِلْمَسَاكِينِ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ أَيْ: يَلُومُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي مَنْعِهِمْ لِلْمَسَاكِينِ وَعَزْمِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَادَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْوَيْلِ حَيْثُ قالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ أَيْ: عَاصِينَ مُتَجَاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ بِمَنْعِ الْفُقَرَاءِ وَتَرْكِ الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:
أَيْ: طَغَيْنَا نِعَمَ اللَّهِ فَلَمْ نَشْكُرْهَا كَمَا شَكَرَهَا أَبُونَا مِنْ قَبْلُ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى اللَّهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعَوِّضَهُمْ بخير منها،
стр. 2809
فَقَالُوا: عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها لَمَّا اعْتَرَفُوا بِالْخَطِيئَةِ رَجَوْا مِنَ اللَّهِ أَنْ يُبْدِلَهُمْ جَنَّةً خَيْرًا مِنْ جَنَّتِهِمْ، قِيلَ: إِنَّهُمْ تَعَاقَدُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: إِنْ أَبْدَلَنَا اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا لَنَصْنَعَنَّ كَمَا صَنَعَ أَبُونَا، فَدَعَوُا اللَّهَ وَتَضَرَّعُوا فَأَبْدَلَهُمْ مِنْ لَيْلَتِهِمْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: يُبْدِلَنا بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالتَّشْدِيدِ، وَهُمَا لُغَتَانِ، وَالتَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ ذَاتِ الشَّيْءِ، أَوْ تَغْيِيرُ صِفَتِهِ، وَالْإِبْدَالُ: رَفْعُ الشَّيْءِ جُمْلَةً وَوَضْعُ آخَرَ مَكَانَهُ، كَمَا مَضَى فِي سُورَةِ سَبَأٍ إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ أَيْ: طَالِبُونَ مِنْهُ الْخَيْرَ، رَاجُونَ لِعَفْوِهِ، رَاجِعُونَ إِلَيْهِ. وَعُدِّيَ بِإِلَى وَهُوَ إِنَّمَا يَتَعَدَّى بِعْنَ أَوْ فِي لِتَضْمِينِهِ مَعْنَى الرُّجُوعِ كَذلِكَ الْعَذابُ أَيْ:
مِثْلُ ذَلِكَ الْعَذَابُ الَّذِي بَلَوْنَاهُمْ بِهِ وَبَلَوْنَا أَهْلَ مَكَّةَ بعذاب الدنيا، والعذاب مبتدأ مؤخر، وكذلك خَبَرُهُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أَيْ: أَشَدُّ وَأَعْظَمُ لَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ قَالَ: هُمْ نَاسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ كَانَ لِأَبِيهِمْ جَنَّةٌ وَكَانَ يُطْعِمُ مِنْهَا الْمَسَاكِينَ، فَمَاتَ أَبُوهُمْ، فَقَالَ بَنُوهُ: إِنْ كَانَ أَبُونَا لَأَحْمَقَ، كَانَ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَأَنْ لَا يُطْعِمُوا مِسْكِينًا. وَأَخْرَجَ ابن جرير عنه فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ قَالَ: أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«إِيَّاكُمْ وَالْمَعْصِيَةَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ الْوَاحِدَ فَيَنْسَى بِهِ الْبَابَ مِنَ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ فيحرم به قيام الليل، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمَ بِهِ رِزْقًا قَدْ كَانَ هُيِّئَ لَهُ. ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ» . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: كَالصَّرِيمِ قَالَ:
مِثْلُ اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَهُمْ يَتَخافَتُونَ قَالَ: الْإِسْرَارُ وَالْكَلَامُ الْخَفِيُّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَيْضًا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ يَقُولُ: ذوي قُدْرَةٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّا لَضَالُّونَ قَالَ: أُضْلِلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا. وَأَخْرَجَا عَنْهُ أَيْضًا قالَ أَوْسَطُهُمْ قال:
أعدلهم.
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٣٤ الى ٥٢]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨)
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)
لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)
стр. 2810
لَمَّا فَرَغَ سُبْحَانَهُ مِنْ ذِكْرِ حَالِ الْكُفَّارِ، وَتَشْبِيهِ ابْتِلَائِهِمْ بِابْتِلَاءِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَ حَالَ الْمُتَّقِينَ، وَمَا أَعَدَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَيْرِ، فَقَالَ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَيْ: لِلْمُتَّقِينَ مَا يُوجِبُ سُخْطَهُ- مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي- عِنْدَهُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ جَنَّاتُ النَّعِيمِ الْخَالِصِ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ كَدَرٌ وَلَا يُنَغِّصُهُ خَوْفُ زَوَالٍ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ الِاسْتِفْهَامُ لِلْإِنْكَارِ. وَكَانَ صَنَادِيدُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَرَوْنَ وُفُورَ حَظِّهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةَ حُظُوظِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا، فَلَمَّا سَمِعُوا بِذِكْرِ الْآخِرَةِ، وَمَا يُعْطِي اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا قَالُوا: إِنْ صَحَّ مَا يَزْعُمُهُ مُحَمَّدٌ لَمْ يَكُنْ حَالُنَا وَحَالُهُمْ إِلَّا مِثْلَ مَا هِيَ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ اللَّهُ مُكَذِّبًا لَهُمْ رَادًّا عَلَيْهِمْ: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ الْآيَةَ، وَالْفَاءُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ كَنَظَائِرِهِ. ثُمَّ وَبَّخَهُمُ اللَّهُ، فَقَالَ: مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ هَذَا الْحُكْمَ الْأَعْوَجَ كَأَنَّ أَمْرَ الْجَزَاءِ مُفَوَّضٌ إِلَيْكُمْ تَحْكُمُونَ فِيهِ بِمَا شِئْتُمْ أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ أي: تقرؤون فِيهِ فَتَجِدُونَ الْمُطِيعَ كَالْعَاصِي، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ- فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ «١» ، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ:
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ إِنَّ عَلَى أَنَّهَا مَعْمُولَةٌ لِتَدْرُسُونَ، أَيْ: تَدْرُسُونَ فِي الْكِتَابِ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ فَلَمَّا دَخَلَتِ اللَّامُ كُسِرَتِ الْهَمْزَةُ، كَقَوْلِهِ: عَلِمْتُ إِنَّكَ لَعَاقِلٌ بِالْكَسْرِ، أَوْ عَلَى الْحِكَايَةِ لِلْمَدْرُوسِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ- سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ «٢» وَقِيلَ:
قَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: تَدْرُسُونَ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ أَيْ: لَيْسَ لَكُمْ ذَلِكَ، وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَالضَّحَّاكُ إِنَّ لَكُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ تَدْرُسُونَ مَعَ زِيَادَةِ لَامِ التَّأْكِيدِ، وَمَعْنَى تَخَيَّرُونَ: تَخْتَارُونَ وَتَشْتَهُونَ. ثُمَّ زَادَ سُبْحَانَهُ فِي التَّوْبِيخِ فَقَالَ: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ أَيْ: عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ مُوَثَّقَةٌ مُتَنَاهِيَةٌ، وَالْمَعْنَى: أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَى اللَّهِ اسْتَوْثَقْتُمْ بِهَا فِي أَنْ يُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ، وَقَوْلُهُ:
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُقَدَّرِ فِي لَكُمْ، ثَابِتَةٌ لَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهَا حَتَّى يَحْكُمَكُمْ يَوْمَئِذٍ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ لِأَنَّ مَعْنَى أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ أَيْ: أَمْ أَقْسَمْنَا لَكُمْ.
قَالَ الرَّازِيُّ: وَالْمَعْنَى أَمْ ضَمِنَّا لَكُمْ، وَأَقْسَمْنَا لَكُمْ بِأَيْمَانٍ مُغَلَّظَةٍ مُتَنَاهِيَةٍ فِي التَّوْكِيدِ. وَقِيلَ: قَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: بالِغَةٌ بِالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ لِأَيْمَانٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِنَصْبِهَا عَلَى الْحَالِ مِنْ أَيْمَانٍ لِأَنَّهَا قَدْ تَخَصَّصَتْ بِالْوَصْفِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي لَكُمْ أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَلَيْنَا سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ أَيْ:
سَلْ يَا مُحَمَّدُ الْكُفَّارَ، مُوَبِخًا لَهُمْ وَمُقَرِّعًا، أَيُّهُمُّ بِذَلِكَ الْحُكْمِ الْخَارِجِ عَنِ الصَّوَابِ، كَفِيلٌ لَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مَا لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الزَّعِيمُ هُنَا الْقَائِمُ بِالْحُجَّةِ وَالدَّعْوَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: الزَّعِيمُ:
الرَّسُولُ أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم فيه فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
стр. 2811
فيما يقولون، وهو أمر تعجيز. وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ يَجْعَلُونَهُمْ مِثْلَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ يَوْمَ ظَرْفٌ، لِقَوْلِهِ فَلْيَأْتُوا، أَيْ: فَلْيَأْتُوا بِهَا يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيِ: اذْكُرْ يَوْمَ يُكْشَفُ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ: عَنْ ساقٍ عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أَصْلُ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا وَقَعَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ يَحْتَاجُ إِلَى الْجِدِّ فِيهِ شَمَّرَ عَنْ سَاقِهِ، فَيُسْتَعَارُ الْكَشْفُ عَنِ السَّاقِ فِي مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وَأَنْشَدَ لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةَ:
كَمِيشُ الْإِزَارِ خَارِجٌ نِصْفُ سَاقِهِ ... صَبُورٌ عَلَى الْجَلَاءِ طَلَّاعُ أَنْجُدِ
وَقَالَ: وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ يَوْمَ يَشْتَدُّ الْأَمْرُ كَمَا يَشْتَدُّ مَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى أَنْ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ:
إِذَا اشْتَدَّ الْحَرْبُ وَالْأَمْرُ قِيلَ: كَشَفَ الْأَمْرُ عَنْ سَاقِهِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ: مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْجِدِّ شَمَّرَ عَنْ سَاقِهِ، فَاسْتُعِيرَ السَّاقُ وَالْكَشْفُ عَنْ مَوْضِعِ الشِّدَّةِ، وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَتْ ذَلِكَ الْعَرَبُ فِي أَشْعَارِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ «١» :
أَخُو الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا ... وَإِنْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا الحرب شمّرا
وقول آخر:
وَالْخَيْلُ تَعْدُو عِنْدَ وَقْتِ الْإِشْرَاقِ ... وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ
وَقَوْلُ آخَرَ أَيْضًا:
قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشُدُّوا ... وَجَدَّتِ الْحَرْبُ بِكُمْ فَجِدُّوا
وَقَوْلُ آخَرَ أَيْضًا:
فِي سَنَةٍ قَدْ كشفت عن ساقها ... حمراء تُبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُرَاقِهَا «٢» .
وَقِيلَ: سَاقُ الشَّيْءِ: أَصْلُهُ وَقِوَامُهُ كَسَاقِ الشَّجَرَةِ، وَسَاقِ الْإِنْسَانِ، أَيْ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقِ الْأَمْرِ فَتَظْهَرُ حَقَائِقُهُ، وَقِيلَ: يُكْشَفُ عَنْ سَاقِ جَهَنَّمَ، وَقِيلَ: عَنْ سَاقِ الْعَرْشِ، وَقِيلَ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْقُرْبِ، وَقِيلَ: يَكْشِفُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ عَنْ نُورِهِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَحْثِ مَا هُوَ الْحَقُّ، وَإِذَا جَاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ يُكْشَفُ بِالتَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ تَكْشِفُ بِالْفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، أَيِ: الشِّدَّةُ أَوِ السَّاعَةُ، وَقُرِئَ بِالْفَوْقِيَّةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَقُرِئَ بِالنُّونِ، وَقُرِئَ بِالْفَوْقِيَّةِ الْمَضْمُومَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ مِنْ أُكْشِفَ الْأَمْرُ، أَيْ: دَخْلَ فِي الْكَشْفِ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: يَسْجُدُ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ لِلَّهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً، وَيَبْقَى الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْجُدُوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ لِأَنَّ أَصْلَابَهُمْ تَيْبَسُ فَلَا تَلِينُ لِلسُّجُودِ. قَالَ الرَّبِيعُ بن أنس: يكشف
стр. 2812
عَنِ الْغِطَاءِ فَيَقَعُ مَنْ كَانَ آمَنَ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا فَيَسْجُدُونَ لَهُ، وَيُدْعَى الْآخَرُونَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا، وَانْتِصَابُ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ «يُدْعَوْنَ» ، وَ «أَبْصَارُهُمْ» مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَنِسْبَةُ الْخُشُوعِ إِلَى الْأَبْصَارِ، وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالذِّلَّةُ لِظُهُورِ أَثَرِهِ فِيهَا تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أَيْ: تَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ وَحَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ أَيْ:
فِي الدُّنْيَا وَهُمْ سالِمُونَ أَيْ: مُعَافَوْنَ عَنِ الْعِلَلِ متمكّنون من الفعل. قال إبراهيم التّيمي: يُدْعُونَ بِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فَيَأْبَوْنَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَسْمَعُونَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَلَا يُجِيبُونَ. قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا فِي الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجَمَاعَاتِ. وَقِيلَ: يُدْعُونَ بِالتَّكْلِيفِ الْمُتَوَجِّهِ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ فَلَا يُجِيبُونَ، وَجُمْلَةُ وَهُمْ سالِمُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ يُدْعُونَ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ أي: حل بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَكِلْ أَمْرَهُ إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكَهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ قَلْبُكَ، كله إليّ أكفك أَمْرَهُ. وَالْفَاءُ لِتَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْأَمْرِ على ما قبلها، ومَنْ مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ عَلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْقُرْآنُ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَقِيلَ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجُمْلَةُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ لَهُمُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى «مَنْ» بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، وَالْمَعْنَى: سَنَأْخُذُهُمْ بِالْعَذَابِ عَلَى غَفْلَةٍ، وَنَسُوقُهُمْ إِلَيْهِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتَّى نُوقِعَهُمْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَهُ إِنْعَامًا وَلَا يُفَكِّرُونَ فِي عَاقِبَتِهِ وَمَا سَيَلْقَوْنَ فِي نِهَايَتِهِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ:
يُسْبِغُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ وَيُنْسِيهِمُ الشُّكْرَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: كَمْ مِنْ مُسْتَدْرَجٍ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ! وَكَمْ مِنْ مَفْتُونٍ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ! وَكَمْ مِنْ مَغْرُورٍ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ! وَالِاسْتِدْرَاجُ: تَرْكُ الْمُعَاجَلَةِ، وَأَصْلُهُ النَّقْلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَيُقَالُ: اسْتَدْرَجَ فُلَانٌ فُلَانًا، أَيِ: اسْتَخْرَجَ مَا عِنْدَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ويقال: درّجه إلى كذا واستدرجه، بمعنى، أي «١» أَدْنَاهُ إِلَى التَّدْرِيجِ فَتَدَرَّجَ هُوَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يُمْهِلُ الظَّالِمِينَ، فَقَالَ: وَأُمْلِي لَهُمْ أَيْ: أَمْهِلُهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا.
وَقَدْ مَضَى تَفْسِيرُ هَذَا فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَالطُّورِ، وَأَصْلُ الْمَلَاوَةِ: الْمُدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ، يُقَالُ: أَمْلَى اللَّهُ لَهُ، أَيْ: أَطَالَ لَهُ الْمُدَّةَ، وَالْمَلَا، مَقْصُورٌ: الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ، سُمِّيَتْ بِهِ لِامْتِدَادِهَا إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أَيْ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ فَلَا يَفُوتُنِي شَيْءٌ، وَسَمَّى سُبْحَانَهُ إِحْسَانَهُ كَيْدًا، كَمَا سَمَّاهُ اسْتِدْرَاجًا لِكَوْنِهِ فِي صُورَةِ الْكَيْدِ بِاعْتِبَارِ عَاقِبَتِهِ وَوَصَفَهُ بِالْمَتَانَةِ لقوّة أثره في التسبب للهلاك أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً أَعَادَ سُبْحَانَهُ الْكَلَامَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أَيْ: أَمْ تَلْتَمِسُ مِنْهُمْ ثَوَابًا عَلَى مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ الْمَغْرَمُ: الْغَرَامَةُ، أَيْ: فَهُمْ مِنْ غَرَامَةِ ذَلِكَ الأجر، و «مثقلون» أَيْ: يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ لِشُحِّهِمْ بِبَذْلِ الْمَالِ، فَأَعْرَضُوا عَنْ إِجَابَتِكَ بِهَذَا السَّبَبِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ لَهُمْ، وَالْمَعْنَى: أَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْهُمْ ذَلِكَ وَلَمْ تَطْلُبْهُ مِنْهُمْ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَيِ: اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ، أَوْ كُلَّ مَا غَابَ عنهم، فهم
стр. 2813
مِنْ ذَلِكَ الْغَيْبِ يَكْتُبُونَ مَا يُرِيدُونَ مِنَ الْحُجَجِ الَّتِي يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَيُخَاصِمُونَكَ بِمَا يَكْتُبُونَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَحْكُمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا يُرِيدُونَ وَيَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنِ الْإِجَابَةِ لَكَ وَالِامْتِثَالِ لِمَا تَقُولُهُ: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ أَيْ: لِقَضَائِهِ الَّذِي قَدْ قَضَاهُ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، قِيلَ: وَالْحُكْمُ هُنَا هُوَ إِمْهَالُهُمْ وَتَأْخِيرُ نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: هُوَ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، قِيلَ: وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يَعْنِي يُونُسَ ﵇، أي: لَا تَكُنْ مِثْلَهُ فِي الْغَضَبِ وَالضَّجَرِ وَالْعَجَلَةِ. وَالظَّرْفُ فِي قَوْلِهِ: إِذْ نَادَى مَنْصُوبٌ بِمُضَافٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: لَا تَكُنْ حَالُكَ كَحَالِهِ وَقْتَ نِدَائِهِ، وَجُمْلَةُ وَهُوَ مَكْظُومٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ نَادَى، وَالْمَكْظُومُ: الْمَمْلُوءُ غَيْظًا وَكَرْبًا. قَالَ قَتَادَةُ: إِنَّ اللَّهَ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ وَيَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ وَلَا يَعْجَلُ كَمَا عَجَلَ صَاحِبُ الْحُوتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ قِصَّتِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَيُونُسَ وَالصَّافَّاتِ، وَكَانَ النِّدَاءُ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «١» وَقِيلَ:
إِنَّ الْمَكْظُومَ: الْمَأْخُوذُ بِكَظْمِهِ وَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ. قَالَهُ الْمُبَرِّدُ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَحْبُوسُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وَأَنْتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حُزْنًا ... عَانِي الْفُؤَادِ قَرِيحُ الْقَلْبِ مَكْظُومُ
لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ أَيْ: لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَ صَاحِبَ الْحُوتِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَهِيَ تَوْفِيقُهُ لِلتَّوْبَةِ فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ أَيْ: لَأُلْقِيَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مِنَ النَّبَاتِ وَهُوَ مَذْمُومٌ أَيْ: يُذَمُّ وَيُلَامُ بِالذَّنْبِ الَّذِي أَذْنَبَهُ وَيُطْرَدُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ نُبِذَ. قال الضحاك: النعمة هنا للنبوّة. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: عِبَادَتُهُ الَّتِي سَلَفَتْ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هِيَ نِدَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وَقِيلَ: مَذْمُومٌ: مُبْعَدٌ. وَقِيلَ: مُذْنِبٌ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: تَدارَكَهُ عَلَى صِيغَةِ الْمَاضِي، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ هُرْمُزَ وَالْأَعْمَشُ بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ، وَالْأَصْلُ تَتَدَارَكُهُ بِتَاءَيْنِ مُضَارَعًا فَأُدْغِمَ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ، وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودِ وَابْنُ عَبَّاسٍ تَدَارَكَتْهُ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ فَاجْتَباهُ رَبُّهُ أَيِ: اسْتَخْلَصَهُ وَاصْطَفَاهُ وَاخْتَارَهُ لِلنُّبُوَّةِ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ أَيِ: الْكَامِلِينَ فِي الصَّلَاحِ وَعَصَمَهُ مِنَ الذَّنْبِ، وَقِيلَ: رَدَّ إِلَيْهِ النُّبُوَّةَ وَشَفَّعَهُ فِي نَفْسِهِ وَفِي قَوْمِهِ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ إِنْ هِيَ الْمُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَيُزْلِقُونَكَ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَزْلَقَهُ، أَيْ: أَزَلَّ رِجْلَهُ، يُقَالُ: أَزْلَقَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إِذَا نَحَّاهُ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ بِفَتْحِهَا من زلق عن موضعه وإذا تَنَحَّى. قَالَ الْهَرَوِيُّ: أَيْ: فَيَغْتَالُونَكَ بِعُيُونِهِمْ فَيُزْلِقُونَكَ عَنْ مَقَامِكَ الَّذِي أَقَامَكَ اللَّهُ فِيهِ عَدَاوَةً لَكَ، وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْأَعْمَشُ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو وَائِلٍ لَيُرْهِقُونَكَ أَيْ: يُهْلِكُونَكَ. وَقَالَ الكلبي: لَيُزْلِقُونَكَ أَيْ: يَصْرِفُونَكَ عَمَّا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَالْأَخْفَشُ: يَفْتِنُونَكَ. وَقَالَ
стр. 2814
الْحَسَنُ وَابْنُ كَيْسَانَ: لَيَقْتُلُونَكَ. قَالَ الزَّجَّاجُ فِي الْآيَةِ: مَذْهَبُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّأْوِيلُ أَنَّهُمْ مِنْ شِدَّةِ إِبْغَاضِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ يَكَادُونَ بِنَظَرِهِمْ نَظَرَ الْبَغْضَاءِ أَنْ يَصْرَعُوكَ، وَهَذَا مُسْتَعْمَلٌ فِي الْكَلَامِ، يَقُولُ الْقَائِلُ نَظَرَ إِلَيَّ نَظَرًا يَكَادُ يَصْرَعُنِي، وَنَظَرًا يَكَادُ يَأْكُلُنِي. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنَّهُمْ يُصِيبُونَكَ بِأَعْيُنِهِمْ كَمَا يُصِيبُ الْعَائِنُ بِعَيْنِهِ مَا يُعْجِبُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ نَظَرًا شَدِيدًا بِالْعَدَاوَةِ والبغضاء يكاد يسقطك، كما قال الشاعر:
يتقارضون إِذَا الْتَقَوْا فِي مَجْلِسٍ ... نَظَرًا يُزِيلُ مَوَاطِئَ الْأَقْدَامِ
لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ أَيْ: وَقْتَ سَمَاعِهِمْ للقرآن لكراهتهم لذلك أشدّ كراهة، ولما: ظرفية منصوبة بيزلقونك، وَقِيلَ: هِيَ حَرْفٌ، وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ أَيْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ كَادُوا يُزْلِقُونَكَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ أَيْ: يَنْسُبُونَهُ إِلَى الْجُنُونِ إِذَا سَمِعُوهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يَقُولُونَ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ تَذْكِيرٌ وَبَيَانٌ لِجَمِيعِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، أَوْ شَرَفٌ لَهُمْ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَقِيلَ:
الضَّمِيرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنه مُذَكِّرٌ لِلْعَالَمِينَ أَوْ شَرَفٌ لَهُمْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودَ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا» وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ مِنْ طُرُقٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ أَلْفَاظٌ فِي بَعْضِهَا طُولٌ، وَهُوَ حَدِيثُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَكْشِفُ اللَّهُ عَنْ سَاقِهِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ مَنْدَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ ﵎. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وابن مردويه فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَضَعَّفَهُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْآيَةِ قَالَ: «عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا» . وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ مَنْدَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: يُكْشَفُ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَقْسُو ظَهْرَ الْكَافِرِ فَيَصِيرُ عَظْمًا وَاحِدًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ قَالَ: إِذَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَابْتَغُوهُ فِي الشِّعْرِ فَإِنَّهُ دِيوَانُ الْعَرَبِ، أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقٍ «١»
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هذ يَوْمُ كَرْبٍ شَدِيدٍ، رُوِيَ عَنْهُ نَحْوُ هَذَا مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، وَقَدْ أَغْنَانَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ في
стр. 2815
تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا عَرَفْتَ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ تَجْسِيمًا وَلَا تَشْبِيهًا فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
دَعُوا كُلَّ قَوْلٍ عِنْدَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ... فَمَا آمَنَ فِي دِينِهِ كَمُخَاطِرِ
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ قَالَ:
هُمُ الْكُفَّارُ يُدْعُونَ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ آمِنُونَ فَالْيَوْمَ يُدْعُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: الرَّجُلُ يَسْمَعُ الْأَذَانَ فَلَا يُجِيبُ الصَّلَاةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ:
لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ قَالَ: يُنْفِذُونَكَ بأبصارهم.
стр. 2816
سورة الحاقّة
هي إحدى وخمسون آية، وقيل: اثنتان وخمسون وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وَالنَّحَّاسُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْحَاقَّةِ بِمَكَّةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مثله. وأخرج الطبراني عن أبي برزة قال: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِالْحَاقَّةِ وَنَحْوِهَا» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ١٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)
فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨)
قَوْلُهُ: الْحَاقَّةُ هِيَ الْقِيَامَةُ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَحِقُّ فِيهَا، وَهِيَ تَحِقُّ فِي نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ:
يُقَالُ: حَاقَقْتُهُ فَحَقَقْتُهُ أَحِقُّهُ: غالبته فغلبته أغلبه، فالقيامة حاقة لأنها تحقّ كُلَّ مُحَاقٍّ فِي دِينِ اللَّهِ بِالْبَاطِلِ وَتَخْصِمُ كُلَّ مُخَاصِمٍ. وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: حَاقَّهُ أَيْ خَاصَمَهُ فِي صِغَارِ الْأَشْيَاءِ، وَيُقَالُ: مَا لَهُ فيها حقّ ولا حقاق، أي: خُصُومَةٌ، وَالتَّحَاقُّ: التَّخَاصُمُ، وَالْحَاقَّةُ وَالْحَقَّةُ وَالْحَقُّ ثَلَاثُ لُغَاتٍ بِمَعْنًى. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هِيَ الْقِيَامَةُ فِي قَوْلِ كُلِّ الْمُفَسِّرِينَ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا ذَاتُ الْحَوَاقِّ مِنَ الْأُمُورِ، وَهِيَ الصَّادِقَةُ الْوَاجِبَةُ الصِّدْقِ، وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الْقِيَامَةِ صَادِقَةٌ وَاجِبَةُ الْوُقُوعِ وَالْوُجُودِ. قَالَ الْكِسَائِيُّ وَالْمُؤَرِّجُ: الْحَاقَّةُ يَوْمُ الْحَقِّ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ فِيهَا حَقِيقٌ بِأَنْ يُجْزَى بِعَمَلِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحَقَّتْ لِقَوْمٍ النَّارَ، وَأَحَقَّتْ لِقَوْمٍ الْجَنَّةِ، وَهِيَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهَا قَوْلُهُ: مَا الْحَاقَّةُ عَلَى أَنَّ «مَا» الِاسْتِفْهَامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ وَخَبَرُهُ «الْحَاقَّةُ» ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلُ، وَالْمَعْنَى: أَيُّ شَيْءٍ هِيَ فِي حَالِهَا أَوْ صِفَاتِهَا، وَقِيلَ: إِنَّ «مَا» الِاسْتِفْهَامِيَّةَ خَبَرٌ لِمَا بَعْدَهَا، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ وَإِنْ كَانَ لَفْظُهَا لَفْظَ الِاسْتِفْهَامِ فَمَعْنَاهَا التَّعْظِيمُ وَالتَّفْخِيمُ لِشَأْنِهَا، كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ مَا زِيدٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا تَحْقِيقَ هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَةِ الْوَاقِعَةِ. ثم زاد سبحانه في تفخيم أمرها وتفظيع شَأْنِهَا وَتَهْوِيلِ حَالِهَا فَقَالَ: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ أَعْلَمَكَ مَا هِيَ؟ أي: كأنك لست تعلمها إذ لم
стр. 2817
تُعَايِنْهَا وَتُشَاهِدْ مَا فِيهَا مِنَ الْأَهْوَالِ فَكَأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ دَائِرَةِ عِلْمِ الْمَخْلُوقِينَ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ: بَلَغَنِي أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ وَما أَدْراكَ فَقَدْ أَدْرَاهُ إِيَّاهُ وَعَلَّمَهُ، وكلّ شيء قال فيه: وَما يُدْرِيكَ [فهو مما لم يعلمه. وقال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه: وَما أَدْراكَ] «١» فَإِنَّهُ أَخْبَرَهُ بِهِ، وَ «مَا» مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ «أَدْرَاكَ» ، وَ «مَا الْحَاقَّةُ» جُمْلَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ مَحَلُّهَا النَّصْبُ بِإِسْقَاطِ الْخَافِضِ لِأَنَّ أَدْرَى يتعدّى إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله: وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَلَمَّا وَقَعَتْ جُمْلَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُعَلِّقَةً لَهُ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي، وَبِدُونِ الْهَمْزَةِ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ بِالْبَاءِ نَحْوَ: دَرَيْتُ بِكَذَا، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ تَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَجُمْلَةُ «وَمَا أَدْرَاكَ» مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ «مَا الْحَاقَّةُ» . كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ أَيْ:
بِالْقِيَامَةِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقْرَعُ النَّاسَ بِأَهْوَالِهَا. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: عَنَى بِالْقَارِعَةِ الْقُرْآنَ الَّذِي نَزَلَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، وَكَانُوا يُخَوِّفُونَهُمْ بِذَلِكَ فَيُكَذِّبُونَهُمْ، وَقِيلَ: الْقَارِعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْقُرْعَةِ لِأَنَّهَا تَرْفَعُ أَقْوَامًا وَتَحُطُّ آخَرِينَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَيَكُونُ وَضْعُ الْقَارِعَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الْحَاقَّةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عَظِيمِ هَوْلِهَا وَفَظَاعَةِ حَالِهَا، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ بَعْضِ أَحْوَالِ الْحَاقَّةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ثَمُودُ: هُمْ قَوْمُ صَالِحٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَبَيَانُ مَنَازِلِهِمْ وَأَيْنَ كَانَتْ، وَالطَّاغِيَةُ الصَّيْحَةُ الَّتِي جَاوَزَتِ الْحَدَّ، وَقِيلَ: بِطُغْيَانِهِمْ وَكُفْرِهِمْ، وَأَصْلُ الطُّغْيَانِ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَادٌ: هُمْ قَوْمُ هُودٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا، وَذِكْرُ مَنَازِلِهِمْ وَأَيْنَ كَانَتْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ، وَالرِّيحُ الصَّرْصَرُ: هِيَ الشَّدِيدَةُ الْبَرْدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّرِّ وَهُوَ الْبَرْدُ، وَقِيلَ: هِيَ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الشَّدِيدَةُ السَّمُومِ، وَالْعَاتِيَةُ: الَّتِي عَتَتْ عَنِ الطَّاعَةِ فَكَأَنَّهَا عَتَتْ عَلَى خُزَّانِهَا فَلَمْ تُطِعْهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى رَدِّهَا لِشِدَّةِ هُبُوبِهَا، أَوْ عَتَتْ عَلَى عَادٍ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى رَدِّهَا، بَلْ أَهْلَكَتْهُمْ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ إِهْلَاكِهِمْ، وَمَعْنَى سَخَّرَهَا: سَلَّطَهَا، كَذَا قَالَ مُقَاتِلٌ، وَقِيلَ: أَرْسَلَهَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَقَامَهَا عَلَيْهِمْ كَمَا شَاءَ، وَالتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمَالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةً لِرِيحٍ، وَأَنْ تَكُونَ حَالًا مِنْهَا لِتَخْصِيصِهَا بِالصِّفَةِ، أَوْ مِنَ الضَّمِيرِ فِي عَاتِيَةٍ، وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ مَعْطُوفٌ عَلَى سَبْعِ لَيَالٍ، وَانْتِصَابُ حُسُوماً عَلَى الْحَالِ، أَيْ: ذَاتَ حُسُومٍ، أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أَيْ: تَحْسِمُهُمْ حُسُومًا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْحُسُومُ: التَّتَابُعُ، فَإِذَا تَتَابَعَ الشَّيْءُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ قِيلَ لَهُ: الْحُسُومُ. قَالَ الزَّجَّاجُ:
الَّذِي تُوجِبُهُ اللُّغَةُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ حُسُومًا، أَيْ: تَحْسِمُهُمْ حُسُومًا: تُفْنِيهِمْ وَتُذْهِبُهُمْ. قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ:
حَسَمَتْهُمْ: قَطَعَتْهُمْ وأهلكتهم. وقال الفراء: الحسوم: التّباع، مِنْ حَسْمِ الدَّاءِ وَهُوَ الْكَيُّ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُكْوَى بِالْمِكْوَاةِ، ثُمَّ يُتَابَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قول أبي داود «٢» :
يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ زَمَنٌ طَوِيلٌ ... تَتَابَعَ فِيهِ أَعْوَامًا حسوما «٣»
стр. 2818
وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: هُوَ مِنْ قَوْلِكِ: حَسَمْتُ الشَّيْءَ إِذَا قَطَعْتُهُ وَفَصَلْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْحَسْمُ:
الِاسْتِئْصَالُ، وَيُقَالُ لِلسَّيْفِ حُسَامٌ لِأَنَّهُ يَحْسِمُ الْعَدُوَّ عَمَّا يُرِيدُهُ مِنْ بُلُوغِ عَدَاوَتِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا حَسَمَتْهُمْ، أَيْ: قَطَعَتْهُمْ وَأَذْهَبَتْهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَأَرْسَلَتْ رِيحًا دَبُورًا عَقِيمًا ... فَدَارَتْ عَلَيْهِمْ فَكَانَتْ حُسُومًا
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَيْ حَسَمَتْهُمْ فَلَمْ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: حَسَمَتِ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ حَتَّى اسْتَوْفَتْهَا، لِأَنَّهَا بَدَأَتْ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وَانْقَطَعَتْ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ. وَقَالَ اللَّيْثُ: الْحُسُومُ هِيَ الشُّؤْمُ، أَيْ: تَحْسِمُ الْخَيْرَ عَنْ أَهْلِهَا، كقوله: فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ «١» .
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِهَا، فَقِيلَ: غَدَاةَ الْأَحَدِ، وَقِيلَ: غَدَاةَ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: غَدَاةَ الْأَرْبِعَاءِ. قَالَ وَهْبٌ: وَهَذِهِ الْأَيَّامُ هِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْعَرَبُ أَيَّامَ الْعَجُوزِ، كَانَ فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ وَرِيحٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَوَّلُهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ، وَآخِرُهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ. فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى الْخِطَابُ لِكُلِّ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا حِينَئِذٍ لَرَأَى ذَلِكَ، وَالضَّمِيرُ فِي فِيهَا يَعُودُ إِلَى اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، وَقِيلَ: إِلَى مَهَابِّ الريح، والأوّل أَوْلَى. وَصَرْعَى:
جَمْعُ صَرِيعٍ، يَعْنِي: مَوْتَى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ أَيْ: أُصُولُ نَخْلٍ سَاقِطَةٍ، أَوْ بَالِيَةٍ، وَقِيلَ: خَالِيَةٌ لَا جَوْفَ فِيهَا، وَالنَّخْلُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَمَثْلُهُ قَوْلُهُ: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «٢» وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، وَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ عِظَمِ أَجْسَامِهِمْ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ: إِنَّمَا قَالَ خاوية لأن أبدانهم خوت مِنْ أَرْوَاحِهِمْ مِثْلَ النَّخْلِ الْخَاوِيَةِ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ أَيْ: مِنْ فِرْقَةٍ بَاقِيَةٍ، أَوْ مِنْ نَفْسٍ بَاقِيَةٍ، أَوْ مِنْ بَقِيَّةٍ، عَلَى أَنَّ بَاقِيَةٍ مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَقَامُوا سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ أَحْيَاءً فِي عَذَابِ الرِّيحِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ مَاتُوا، فَاحْتَمَلَتْهُمُ الرِّيحُ فَأَلْقَتْهُمْ فِي الْبَحْرِ وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ أَيْ: مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ قَبْلَهُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، أَيْ: وَمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، أَيْ: وَمَنْ هُوَ فِي جِهَتِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ، وَاخْتَارَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقِرَاءَةَ الثَّانِيَةَ لِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ «وَمَنْ مَعَهُ» ، وَلِقِرَاءَةِ أَبِي مُوسَى «وَمَنْ تلقاءه» وَالْمُؤْتَفِكاتُ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْجَمْعِ وَهِيَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَالْجَحْدَرِيُّ: الْمُؤْتَفِكَةُ بِالْإِفْرَادِ، وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ، فَهِيَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ، وَالْمَعْنَى: وَجَاءَتِ الْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخاطِئَةِ أَيْ: بِالْفِعْلَةِ الْخَاطِئَةِ، أَوِ الْخَطَأِ عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرٌ. وَالْمُرَادُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِالشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي. قَالَ مُجَاهِدٌ: بِالْخَطَايَا. وَقَالَ الْجُرْجَانِيُّ: بِالْخَطَأِ الْعَظِيمِ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ أَيْ: فَعَصَتْ كُلُّ أُمَّةٍ رَسُولَهَا الْمُرْسَلَ إِلَيْهَا. قَالَ الْكَلْبِيُّ:
هو موسى: وقيل: لوط لأنه أقرب، وقيل: وَرَسُولٌ هُنَا بِمَعْنَى رِسَالَةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ «٣» :
لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُونَ مَا بُحْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ ولا أرسلتهم برسول
стр. 2819
أَيْ: بِرِسَالَةٍ. فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً أَيْ: أَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَةً نَامِيَةً زَائِدَةً عَلَى أَخَذَاتِ الْأُمَمِ، وَالْمَعْنَى:
أَنَّهَا بَالِغَةٌ فِي الشِّدَّةِ إِلَى الْغَايَةِ، يُقَالُ: رَبَا الشَّيْءُ يَرْبُو إِذَا زَادَ وَتَضَاعَفَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: تَزِيدُ عَلَى الْأَخَذَاتِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ: شَدِيدَةٌ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ أَيْ: تَجَاوَزَ فِي الِارْتِفَاعِ وَالْعُلُوِّ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ نُوحٍ لَمَّا أَصَرَّ قَوْمُهُ عَلَى الْكُفْرِ وَكَذَّبُوهُ، وَقِيلَ: طَغَى عَلَى خُزَّانِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ غَضَبًا لِرَبِّهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَبْسِهِ. قَالَ قَتَادَةُ:
زَادَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ أَيْ: فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ، أَوْ حَمَلْنَاهُمْ وَحَمَلْنَاكُمْ فِي أَصْلَابِهِمْ تَغْلِيبًا لِلْمُخَاطَبِينَ عَلَى الْغَائِبِينَ. وَالْجَارِيَةُ: سَفِينَةُ نُوحٍ، وَسُمِّيَتْ جَارِيَةً لِأَنَّهَا تَجْرِي فِي الْمَاءِ، وَمَحَلُّ «فِي الْجَارِيَةِ» النَّصْبُ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: رَفَعْنَاكُمْ فَوْقَ الْمَاءِ حَالَ كَوْنِكُمْ فِي السَّفِينَةِ، وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ ذكر قصص هذه الْأُمَمِ، وَذِكْرِ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ، زَجْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، قَالَ: لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً
أَيْ: لِنَجْعَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ لَكُمْ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، عِبْرَةً وَمَوْعِظَةً تَسْتَدِلُّونَ بِهَا عَلَى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وَبَدِيعِ صُنْعِهِ، أَوْ لِنَجْعَلَ هَذِهِ الْفِعْلَةَ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ إِنْجَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِغْرَاقِ الْكَافِرِينَ لَكُمْ تَذْكِرَةً، وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
أَيْ: تَحَفَظُهَا بَعْدَ سَمَاعِهَا أُذُنٌ حَافِظَةٌ لِمَا سمعت. قال الزجاج:
يقال وعيت كَذَا، أَيْ: حَفِظْتُهُ فِي نَفْسِي، أَعِيهِ وَعْيًا، وَوَعَيْتُ الْعِلْمَ، وَوَعَيْتُ مَا قُلْتُهُ كُلَّهُ بِمَعْنًى، وَأَوْعَيْتُ الْمَتَاعَ فِي الْوِعَاءِ، وَيُقَالُ لِكُلِّ مَا وَعَيْتَهُ فِي غَيْرِ نَفْسِكَ: أَوْعَيْتَهُ بِالْأَلْفِ، وَلِمَا حَفِظْتَهُ فِي نَفْسِكَ: وَعَيْتَهُ بِغَيْرِ أَلْفٍ.
قَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ: أُذُنٌ سَمِعْتُ وَعَقَلَتْ مَا سَمِعَتْ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى لِتَحْفَظَهَا كُلُّ أُذُنٍ عِظَةً لِمَنْ يَأْتِي بَعْدُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ تَعِيَها
بِكَسْرِ الْعَيْنِ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَحُمِيدٌ الْأَعْرَجُ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ، تَشْبِيهًا لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ بِرَحِمٍ وَشَهِدٍ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الرَّازِيُّ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ إِسْكَانُ الْعَيْنِ، جَعَلَ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ مَعَ مَا بَعْدَهُ بِمَنْزِلَةِ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَخَفَّفَ وَأَسْكَنَ، كَمَا أَسْكَنَ الْحَرْفَ الْمُتَوَسِّطَ مِنْ فَخْذٍ وَكَبْدٍ وَكَتْفٍ انْتَهَى. وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ بَابِ إِجْرَاءِ الْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ، كَمَا فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَما يُشْعِرُكُمْ «١» بِسُكُونِ الرَّاءِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَاخْتَلَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِيهَا عَنْ عَاصِمٍ وَابْنِ كَثِيرٍ، يَعْنِي تَعِيَهَا فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْحَاقَّةِ، وَكَيْفَ وُقُوعُهَا، بَعْدَ بَيَانِ شَأْنِهَا بِإِهْلَاكِ الْمُكَذِّبِينَ. قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الْأُولَى. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: يُرِيدُ النَّفْخَةَ الْأَخِيرَةَ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: نَفْخَةٌ واحِدَةٌ بِالرَّفْعِ فِيهِمَا عَلَى أَنَّ نَفْخَةً مُرْتَفِعَةً عَلَى النِّيَابَةِ، وَوَاحِدَةً تَأْكِيدٌ لَهَا، وَحَسُنَ تَذْكِيرُ الْفِعْلِ لِوُقُوعِ الْفَصْلِ، وَقَرَأَ أبو السّمّال بِنَصْبِهِمَا عَلَى أَنَّ النَّائِبَ هُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: قَوْلُهُ:
فِي الصُّورِ يَقُومُ مَقَامَ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أَيْ: رُفِعَتْ مِنْ أَمَاكِنِهَا وَقُلِعَتْ عَنْ مَقَارِّهَا بِالْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: حُمِلَتِ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ. وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَابْنُ مِقْسَمٍ وَابْنُ عَامِرٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِتَشْدِيدِهَا لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلتَّعْدِيَةِ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً أَيْ: فَكُسِرَتَا كَسْرَةً وَاحِدَةً لَا زِيَادَةَ عَلَيْهَا، أَوْ ضُرِبَتَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً بَعْضُهُمَا بِبَعْضٍ حَتَّى صَارَتَا كَثِيبًا مهيلا وهباء منبثا. قال الفراء: ولم
стр. 2820
يَقُلْ فَدُكَّكْنَ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْجِبَالَ كُلَّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَمَثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما «١» وَقِيلَ: دُكَّتَا: بُسِطَتَا بَسْطَةً وَاحِدَةً، وَمِنْهُ انْدَكَّ سَنَامُ الْبَعِيرِ إِذَا انْفَرَشَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أَيْ: قَامَتِ الْقِيَامَةُ وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ أَيِ: انْشَقَّتْ بِنُزُولِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَهِيَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ضَعِيفَةٌ مُسْتَرْخِيَةٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يُقَالُ: لِكُلِّ مَا ضَعُفَ جِدًّا قَدْ وَهِيَ فَهُوَ وَاهٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: وَهْيُهَا: تَشَقُّقُهَا وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها أَيْ: جِنْسُ الْمَلَكِ عَلَى أَطْرَافِهَا وَجَوَانِبِهَا، وَهِيَ جَمْعُ رجا مقصور، وتثنيته رَجَوَانِ، مِثْلَ قَفَا وَقَفَوَانِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهَا لَمَّا تَشَقَّقَتِ السَّمَاءُ، وَهِيَ مَسَاكِنُهُمْ، لَجَئُوا إِلَى أَطْرَافِهَا. قَالَ الضَّحَّاكُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَتَشَقَّقَتْ، وَتَكُونُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى حافاتها حيث يَأْمُرَهُمُ الرَّبُّ فَيَنْزِلُونَ إِلَى الْأَرْضِ، وَيُحِيطُونَ بِالْأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الْمَعْنَى: وَالْمَلَكُ عَلَى حَافَّاتِ الدُّنْيَا، أَيْ: يَنْزِلُونَ إِلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: إِذَا صَارَتِ السَّمَاءُ قِطَعًا يَقِفُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى تِلْكَ الْقِطَعِ الَّتِي لَيْسَتْ مُتَشَقِّقَةً فِي أَنْفُسِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ أي: يحمله فوق رؤوسهم يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَمَانِيَةُ أَمْلَاكٍ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ ، وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ تِسْعَةِ أَجْزَاءٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، قَالَهُ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ أَيْ: تُعْرَضُ الْعِبَادُ عَلَى اللَّهِ لِحِسَابِهِمْ، ومثله: عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا
«٢» ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْعَرْضُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ لِيَعْلَمَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ. وَإِنَّمَا هُوَ عَرْضُ الِاخْتِبَارِ وَالتَّوْبِيخِ بِالْأَعْمَالِ، وَجُمْلَةُ لَا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ تُعْرَضُونَ، أَيْ: تُعْرَضُونَ حَالَ كَوْنِهِ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَوَاتِكُمْ أَوْ أَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ خَافِيَةٌ كَائِنَةٌ مَا كَانَتْ، وَالتَّقْدِيرُ: أَيُّ نَفْسٍ خَافِيَةٍ، أَوْ فِعْلَةٍ خَافِيَةٍ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْحَاقَّةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقِيَامَةِ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قَالَ: مَا أَرْسَلَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ رِيحٍ إِلَّا بِمِكْيَالٍ، وَلَا قَطْرَةٍ مِنْ مَاءٍ إِلَّا بِمِكْيَالٍ إِلَّا يَوْمَ نُوحٍ وَيَوْمَ عَادٍ. فَأَمَّا يَوْمُ نُوحٍ فَإِنَّ الْمَاءَ طَغَى عَلَى خُزَّانِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ وَأَمَّا يَوْمُ عَادٍ فَإِنَّ الرِّيحَ عَتَتْ عَلَى خُزَّانِهَا فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَيْهَا سَبِيلٌ، ثُمَّ قَرَأَ: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا:
«قَالَ مَا أُمِرَ الخزّان أن يرسلوا عَلَى عَادٍ إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ مِنَ الرِّيحِ، فَعَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ فَخَرَجَتْ مِنْ نَوَاحِي الْأَبْوَابِ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ قَالَ: عُتُوُّهَا: عَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ قَالَ: الْغَالِبَةُ. وَأَخْرَجَ عبد الرزاق والفريابي وسعيد ابن مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ:
حُسُوماً قَالَ: مُتَتَابِعَاتٌ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:
стр. 2821
حُسُوماً قَالَ: تِبَاعًا، وَفِي لَفْظِ: مُتَتَابِعَاتٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ قَالَ:
هِيَ أُصُولُهَا، وَفِي قَوْلِهِ: خاوِيَةٍ قَالَ: خَرِبَةٍ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ:
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ قَالَ: طَغَى عَلَى خُزَّانِهِ فَنَزَلَ، وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ إِلَّا بِمِكْيَالٍ أَوْ مِيزَانٍ إِلَّا زَمَنَ نُوحٍ فَإِنَّهُ طَغَى عَلَى خُزَّانِهِ فَنَزَلَ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قَوْلِهِ: وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِيُّ» فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ:
وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْوَاحِدِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ النَّجَّارِ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُدْنِيَكَ وَلَا أُقْصِيَكَ، وَأَنْ أُعَلِّمَكَ، وَأَنْ تَعِيَ، وَحَقٌّ لَكَ أَنْ تَعِيَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
فأنت أذن واعية، لعليّ» قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ:
وَلَا يَصِحُّ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ: أُذُنٌ واعِيَةٌ
قَالَ: أُذُنٌ عَقَلَتْ عَنِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ: وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً قَالَ: تَصِيرَانِ غبرة على وجوه الكافرين لَا عَلَى وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ- تَرْهَقُها قَتَرَةٌ «١» . وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ قَالَ:
مُتَخَرِّقَةٌ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها قَالَ:
على حافاتها على ما لم يهيئ مِنْهَا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْخَطِيبُ فِي تَالِي التَّلْخِيصِ، عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قَالَ: ثَمَانِيَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى صُورَةِ الْأَوْعَالِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ فِي الْآيَةِ قَالَ: يُقَالُ ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَيُقَالُ: ثَمَانِيَةُ أملاك رؤوسهم عِنْدَ الْعَرْشِ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَأَقْدَامُهُمْ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، وَلَهُمْ قُرُونٌ كَقُرُونِ الْوَعْلَةِ، مَا بَيْنَ أَصْلِ قَرْنِ أَحَدَهِمْ إِلَى مُنْتَهَاهُ خَمْسُمِائَةُ عَامٍ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطَايُرُ الصُّحُفِ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نحوه.
[سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٩ الى ٥٢]
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣)
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ (٢٦) يَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨)
هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)
وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧) فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨)
وَما لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣)
وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)
وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)
стр. 2822
لَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ الْعَرْضَ ذَكَرَ مَا يَكُونُ فِيهِ، فَقَالَ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أَيْ: أُعْطِيَ كِتَابَهُ الَّذِي كَتَبَتْهُ الْحَفَظَةُ عَلَيْهِ من أعماله فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ يَقُولُ ذَلِكَ سُرُورًا وَابْتِهَاجًا. قَالَ ابْنُ السكيت والكسائي: العرب تقول: هاء يَا رَجُلُ، وَلِلِاثْنَيْنِ هَاؤُمَا يَا رَجُلَانِ، وَلِلْجَمْعِ هاؤم يا رجال، وقيل:
والأصل هاكم، فَأُبْدِلَتِ الْهَمْزَةُ مِنَ الْكَافِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: وَمَعْنَى هَاؤُمُ: تَعَالَوْا. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هَلُمَّ، وَقِيلَ:
خُذُوا، فَهِيَ اسْمُ فِعْلٍ، وَقَدْ يَكُونُ فِعْلًا صَرِيحًا لِاتِّصَالِ الضَّمَائِرِ الْبَارِزَةِ الْمَرْفُوعَةِ بِهَا، وَفِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي عِلْمِ الإعراب، وقوله: كِتابِيَهْ معمول لقوله: اقْرَؤُا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْفِعْلَيْنِ، وَمَعْمُولُ هاؤُمُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عليه معمول اقْرَؤُا وَالتَّقْدِيرُ: هَاؤُمُ كِتَابِيَهْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، وَالْهَاءُ فِي كِتَابِيَهْ وَحِسَابِيَهْ وَسُلْطَانِيَهْ وَمَالِيَهْ هِيَ هَاءُ السَّكْتِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ فِي هَذِهِ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ وَقْفًا وَوَصْلًا مُطَابَقَةً لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَحُذِفَتْ فِي الْوَصْلِ كَمَا هُوَ شَأْنُ هَاءِ السَّكْتِ، وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْوَقْفَ عَلَيْهَا لِيُوَافِقَ اللُّغَةَ فِي إِلْحَاقِ الْهَاءِ فِي السَّكْتِ وَيُوَافِقَ الْخَطَّ، يَعْنِي خَطَّ الْمُصْحَفِ. وَقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وَابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ وَحُمَيْدٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْأَعْمَشُ وَيَعْقُوبَ بِحَذْفِهَا وَصْلًا وَإِثْبَاتِهَا وَقْفًا فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ. وَرُوِيَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ حَمْزَةَ، وَاخْتَارَ أَبُو حَاتِمٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ اتْبَاعًا لِلُّغَةِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أَنَّهُ قَرَأَ بِحَذْفِهَا وَصْلًا وَوَقْفًا.
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ أَيْ: عَلِمْتُ وَأَيْقَنْتُ فِي الدُّنْيَا أَنِّي أُحَاسَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى:
إِنِّي ظَنَنْتُ أَنْ يَأْخُذَنِي اللَّهُ بِسَيِّئَاتِي فَقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِهِ وَلَمْ يُؤَاخِذْنِي. قَالَ الضَّحَّاكُ: كُلُّ ظَنٍّ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُؤْمِنِ فَهُوَ يَقِينٌ، وَمِنَ الْكَافِرِ فَهُوَ شَكٌّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ظَنُّ الْآخِرَةِ يَقِينٌ، وَظَنُّ الدُّنْيَا شَكٌّ. قَالَ الْحَسَنُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَحْسَنَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، فَأَحْسَنَ الْعَمَلَ لِلْآخِرَةِ، وَإِنَّ الْكَافِرَ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فَأَسَاءَ الْعَمَلَ.
قِيلَ: وَالتَّعْبِيرُ بِالظَّنِّ هُنَا لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الِاعْتِقَادِ مَا يَهْجِسُ فِي النَّفْسِ مِنَ الْخَطْرَاتِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الْعُلُومُ النَّظَرِيَّةُ غَالِبًا فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أَيْ: فِي عِيشَةٍ مَرْضِيَّةٍ لَا مَكْرُوهَةٍ، أو ذات رضى، أَيْ:
يَرْضَى بِهَا صَاحِبُهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ: رَاضِيَةٍ أَيْ مَرَضِيَّةٍ، كَقَوْلِهِ: ماءٍ دافِقٍ «١» أَيْ: مَدْفُوقٍ، فَقَدْ أَسْنَدَ إِلَى الْعِيشَةِ مَا هُوَ لِصَاحِبِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمَجَازِ فِي الْإِسْنَادِ فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ أَيْ: مُرْتَفِعَةِ الْمَكَانِ لِأَنَّهَا فِي السَّمَاءِ، أَوْ مُرْتَفِعَةِ الْمَنَازِلِ، أَوْ عَظِيمَةٍ فِي النُّفُوسِ قُطُوفُها دانِيَةٌ الْقُطُوفُ: جَمْعُ قطف بكسر
стр. 2823
مَا يُقْطَفُ مِنَ الثِّمَارِ، وَالْقَطْفُ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَالْقَطَافُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ وَقْتَ الْقَطْفِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ ثِمَارَهَا قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَنَاوَلَهَا مِنْ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ أَوْ مُضْطَجِعٍ كُلُوا وَاشْرَبُوا أَيْ: يُقَالُ لَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا فِي الْجَنَّةِ هَنِيئاً أَيْ: أَكْلًا وَشُرْبًا هَنِيئًا لَا تَكْدِيرَ فِيهِ وَلَا تَنْغِيصَ بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ أَيْ: بِسَبَبِ مَا قَدَّمْتُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الدُّنْيَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ أَيَّامُ الصِّيَامِ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ حُزْنًا وَكَرْبًا لما رأى فيه من سيئاته: يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ أَيْ: لَمْ أُعْطَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسابِيَهْ أَيْ: لَمْ أَدْرِ أَيَّ شَيْءٍ حِسَابِي لِأَنَّ كُلَّهُ عَلَيْهِ يَا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ أَيْ: لَيْتَ الْمَوْتَةَ الَّتِي مُتُّهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ وَلَمْ أَحْيَ بَعْدَهَا، وَمَعْنَى: الْقَاضِيَةَ: الْقَاطِعَةُ لِلْحَيَاةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَمَنَّى دَوَامَ الْمَوْتِ وَعَدَمَ الْبَعْثِ لَمَّا شَاهَدَ مِنْ سُوءِ عَمَلِهِ وَمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَالضَّمِيرُ فِي لَيْتَهَا يَعُودُ إِلَى الْمَوْتَةِ الَّتِي قَدْ كَانَ مَاتَهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَذْكُورَةً لِأَنَّهَا لِظُهُورِهَا كَانَتْ كَالْمَذْكُورَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: تَمَنَّى الْمَوْتَ وَلَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ عِنْدَهُ أَكْرَهَ مِنْهُ، وَشَرٌّ مِنَ الْمَوْتِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُ الْمَوْتُ. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى الْحَالَةِ الَّتِي شَاهَدَهَا عِنْدَ مُطَالَعَةِ الْكِتَابِ، وَالْمَعْنَى: يَا لَيْتَ هَذِهِ الْحَالَةَ كَانَتِ الْمَوْتَةَ الَّتِي قَضِيَتْ عَلَيَّ مَا أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ أَيْ: لَمْ يَدْفَعْ عَنِّي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ شَيْئًا، عَلَى أَنَّ مَا نَافِيَةٌ أَوِ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: أَيَّ شَيْءٍ أَغْنَى عَنِّي مَالِي هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ أَيْ: هَلَكَتْ عَنِّي حُجَّتِي وَضَلَّتْ عَنِّي، كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي سُلْطَانَيِ الَّذِي فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الْمُلْكُ، وَقِيلَ: تَسَلُّطِي عَلَى جَوَارِحِي. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي حِينَ شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْجَوَارِحُ بِالشِّرْكِ، وَحِينَئِذٍ يَقُولُ اللَّهُ : خُذُوهُ فَغُلُّوهُ أَيِ: اجْمَعُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ بِالْأَغْلَالِ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ أَيْ: أَدْخِلُوهُ الْجَحِيمَ، وَالْمَعْنَى: لَا تُصَلُّوهُ إِلَّا الْجَحِيمَ، وَهِيَ النَّارُ الْعَظِيمَةُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ السِّلْسِلَةُ: حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ، وَذَرْعُهَا: طُولُهَا. قَالَ الْحَسَنُ:
اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَيِّ ذِرَاعٍ هُوَ. قَالَ نَوْفٌ الشَّامِيُّ: كُلُّ ذِرَاعٍ سبعون باعا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَكَّةَ، وَكَانَ نَوْفٌ فِي رَحْبَةِ الْكُوفَةِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: لَوْ أَنَّ حَلْقَةً مِنْهَا وُضِعَتْ عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ لَذَابَ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ، وَمَعْنَى فَاسْلُكُوهُ فَاجْعَلُوهُ فِيهَا، يُقَالُ: سَلَكْتُهُ الطَّرِيقَ إِذَا أَدْخَلْتُهُ فِيهِ. قَالَ سُفْيَانُ: بَلَغَنَا أَنَّهَا تَدْخُلُ فِي دُبُرِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ فِيهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: تَسْلُكُ سَلْكَ الْخَيْطِ فِي اللُّؤْلُؤِ. وَقَالَ سُوِيدُ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ: بَلَغَنِي أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ النَّارِ فِي تِلْكَ السِّلْسِلَةِ. وَتَقْدِيمُ السِّلْسِلَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ كَتَقْدِيمِ الْجَحِيمِ، وَجُمْلَةُ إِنَّهُ كانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهَا وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أَيْ: لَا يَحُثُّ عَلَى إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ مِنْ مَالِهِ، أَوْ لَا يَحُثُّ الْغَيْرَ عَلَى إِطْعَامِهِ، وَوَضَعَ الطَّعَامَ مَوْضِعَ الْإِطْعَامِ كَمَا يُوضَعُ الْعَطَاءُ مَوْضِعَ الْإِعْطَاءِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ «١» :
أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ مَوْتِي عَنِّي ... وَبَعْدَ عطائك المائة الرّتاعا «٢»
стр. 2824
أَيْ: بَعْدَ إِعْطَائِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ عَلَى مَعْنَاهُ غَيْرَ مَوْضُوعٍ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَحُثُّ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ عَلَى بَذْلِ نَفْسِ طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَفِي جَعْلِ هَذَا قَرِينًا لِتَرْكِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ مِنَ التَّرْغِيبِ فِي التَّصَدُّقِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَسَدِّ فَاقَتِهِمْ، وَحَثِّ النَّفْسِ وَالنَّاسِ عَلَى ذَلِكَ مَا يَدُلُّ أَبْلَغَ دَلَالَةٍ، وَيُفِيدُ أَكْمَلَ فَائِدَةٍ، عَلَى أَنَّ مَنْعَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ وَأَشَدِّ الْمَآثِمِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ أَيْ: لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْآخِرَةِ قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ، أَوْ يَشْفَعُ لَهُ لِأَنَّهُ يَوْمُ يَفِرُّ فِيهِ الْقَرِيبُ مِنْ قَرِيبِهِ، وَيَهْرُبُ عِنْدَهُ الْحَبِيبُ مِنْ حَبِيبِهِ وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ أَيْ: وَلَيْسَ لَهُ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ إِلَّا مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ، وَمَا يَنْغَسِلُ مِنْ أَبْدَانِهِمْ مِنَ الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، وَغِسْلِينٌ: فِعِلِينٌ، مِنَ الْغَسْلِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُوَ شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أَهْلُ النَّارِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ شَرُّ الطَّعَامِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ وَلَا مَا الزَّقُّومَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّرِيعُ هُوَ الْغِسْلِينُ، وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالْمَعْنَى فَلَيْسَ لَهُ اليوم ها هنا حميم مِنْ غِسْلِينٍ عَلَى أَنَّ الْحَمِيمَ هُوَ الْمَاءُ الْحَارُّ وَلا طَعامٌ أَيْ: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ يَأْكُلُونَهُ. وَلَا مُلْجِئَ لِهَذَا التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَجُمْلَةُ لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ صِفَةٌ لِغِسِلِينٍ، وَالْمُرَادُ أَصْحَابُ الْخَطَايَا وَأَرْبَابُ الذُّنُوبِ. قال الكلبي: المراد: الشرك. قرأ الجمهور: الْخاطِؤُنَ مهموزا، وهو اسم فاعل من خطىء إِذَا فَعَلَ غَيْرَ الصَّوَابِ مُتَعَمِّدًا، وَالْمُخْطِئُ: مَنْ يَفْعَلُهُ غَيْرَ مُتَعَمَّدٍ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَالْحَسَنُ «الْخَاطِيُونَ» بِيَاءٍ مَضْمُومَةٍ بَدَلَ الْهَمْزَةِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بِضَمِّ الطَّاءِ بِدُونِ هَمْزَةٍ. فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ- وَما لَا تُبْصِرُونَ هَذَا رَدٌّ لِكَلَامِ الْمُشْرِكِينَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ، وَ «لَا» زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَأُقْسِمُ بِمَا تُشَاهِدُونَهُ وَمَا لَا تُشَاهِدُونَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: أَقْسَمَ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَا يُبْصَرُ مِنْهَا وَمَا لَا يُبْصَرُ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَقِيلَ: إِنَّ «لَا» لَيْسَتْ زَائِدَةً، بَلْ هِيَ لِنَفْيِ الْقَسَمِ، أَيْ: لَا أَحْتَاجُ إِلَى قَسَمٍ لِوُضُوحِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أَيْ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَتِلَاوَةُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، عَلَى أَنَّ المراد بالرسول محمد ﷺ ، أَوْ أَنَّهُ لَقَوْلٌ يُبَلِّغُهُ رَسُولٌ كَرِيمٌ.
قَالَ الحسن والكلبي ومقاتل: يريد به جبريل، دليله قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ- ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ «١» وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْقُرْآنُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلَا مِنْ قَوْلِ جِبْرِيلَ ﵇ بَلْ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ التِّلَاوَةِ أَوِ التَّبْلِيغِ وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ كَمَا تَزْعُمُونَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَصْنَافِ الشِّعْرِ وَلَا مُشَابِهَ لها قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ أَيْ: إِيمَانًا قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ، وَتَصْدِيقًا يَسِيرًا تُصَدِّقُونَ، وَ «مَا» زَائِدَةٌ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ كَمَا تَزْعُمُونَ، فَإِنَّ الْكِهَانَةَ أَمْرٌ آخَرُ لَا جَامِعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذَا قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ أَيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أَوْ زَمَانًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ، وَ «مَا» زَائِدَةٌ، وَالْقِلَّةُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِمَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ: لَا تُؤْمِنُونَ وَلَا تَتَذَكَّرُونَ أَصْلًا تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هو تنزيل. وقرأ أبو السّمّال بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ، أَيْ: نُزِّلَ تنزيلا،
стр. 2825
وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَهُوَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى لِسَانِهِ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ أَيْ: وَلَوْ تَقَوَّلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ، أَوْ جِبْرِيلُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالتَّقَوُّلُ: تَكَلُّفُ الْقَوْلِ، وَالْمَعْنَى:
لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ وَجَاءَ بِهِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ، وَسُمِّي الِافْتِرَاءُ تَقَوُّلًا لِأَنَّهُ قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، وَكُلُّ كَاذِبٍ يَتَكَلَّفُ مَا يَكْذِبُ بِهِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: تَقَوَّلَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. وَقُرِئَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مَعَ رَفْعِ بَعْضٍ. وَقَرَأَ ابْنُ ذَكْوَانَ وَلَوْ يَقُولُ عَلَى صِيغَةِ الْمُضَارِعِ، وَالْأَقَاوِيلُ: جَمْعُ أَقْوَالٍ، وَالْأَقْوَالُ: جَمْعُ قَوْلٍ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أَيْ: بِيَدِهِ الْيَمِينِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِذْلَالِ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي الْأَخْذِ بِيَدِ مَنْ يُعَاقَبُ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أَيْ: بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَإِنَّمَا أَقَامَ الْيَمِينَ مَقَامَ الْقُوَّةِ لِأَنَّ قُوَّةَ كُلِّ شَيْءٍ فِي مَيَامِنِهِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ «١» :
إِذَا مَا رَايَةٌ نُصِبَتْ لِمَجْدٍ ... تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ «٢» بِالْيَمِينِ
وَقَوْلُ الْآخَرِ:
وَلَمَّا رَأَيْتُ الشَّمْسَ أَشْرَقَ نُورُهَا ... تَنَاوَلْتُ مِنْهَا حَاجَتِي بِيَمِينِي
ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ الوتين: عرق يجري في الظهر حتى يتّصل بِالْقَلْبِ، وَهُوَ تَصْوِيرٌ لِإِهْلَاكِهِ بِأَفْظَعَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُلُوكُ بِمَنْ يَغْضَبُونَ عَلَيْهِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَالْمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ نِيَاطُ الْقَلْبِ انْتَهَى. وَمِنْ هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا بَلَّغْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي ... عَرَابَةَ فَاشْرَقِي «٣» بِدَمِ الْوَتِينِ
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ أَيْ: لَيْسَ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَحْجُزُنَا عَنْهُ وَيَدْفَعُنَا مِنْهُ، فَكَيْفَ يَتَكَلَّفُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ لِأَجْلِكُمْ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ لَعَاقَبْنَاهُ، وَلَا تَقْدِرُونَ عَلَى الدَّفْعِ مِنْهُ، والحجز: المنع، وحاجِزِينَ صِفَةٌ لِأَحَدٍ، أَوْ خَبَرٌ لِمَا الْحِجَازِيَّةِ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ أَيْ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَتَذْكِرَةٌ لِأَهْلِ التَّقْوَى لِأَنَّهُمُ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ أَيْ: أَنَّ بَعْضَكُمْ يَكْذِبُ بِالْقُرْآنِ فَنَحْنُ نُجَازِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَحَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ مُشَاهَدَتِهِمْ لِثَوَابِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: هِيَ حَسْرَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مُعَارَضَتِهِ عِنْدَ تَحَدِّيهِمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ أَيْ: وَإِنَّ الْقُرْآنَ لِكَوْنِهِ من عند الله حقّ فلا يحوم حَوْلَهُ رَيْبٌ، وَلَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ شَكٌّ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أَيْ: نَزِّهْهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَقِيلَ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
стр. 2826
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِنِّي ظَنَنْتُ قَالَ: أَيْقَنْتُ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ قَالَ: قَرِيبَةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الْبَرَاءِ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَتَنَاوَلُ الرَّجُلُ مِنْ فَوَاكِهِهَا وَهُوَ قَائِمٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَاسْلُكُوهُ قَالَ: السِّلْسِلَةُ تَدْخُلُ فِي اسْتِهِ ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، ثم ينظمون فيها كَمَا يُنْظَمُ الْجَرَادُ فِي الْعُودِ، ثُمَّ يُشْوَى. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ سِلْسِلَةً لَمْ تَزَلْ تَغْلِي مِنْهَا مَرَاجِلُ النَّارِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ إِلَى يَوْمِ تُلْقَى فِي أَعْنَاقِ النَّاسِ، وَقَدْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْ نِصْفِهَا بِإِيمَانِنَا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، فَحُضِّي عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: الدَّمُ وَالْمَاءُ وَالصَّدِيدُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ لُحُومِهِمْ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غِسْلِينٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيَا» . وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْغِسْلِينُ: اسْمُ طَعَامٍ مِنْ أَطْعِمَةِ أَهْلِ النَّارِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ- وَما لَا تُبْصِرُونَ يَقُولُ: بِمَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ قَالَ: بِقُدْرَةٍ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ قَالَ الْوَتِينَ: عِرْقُ الْقَلْبِ. وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: الْوَتِينَ: نِيَاطُ الْقَلْبِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْهُ أَيْضًا قال: قَالَ: هُوَ حَبْلُ الْقَلْبِ الَّذِي فِي الظَّهْرِ.
стр. 2827
سورة المعارج
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بِاتِّفَاقٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وَالنَّحَّاسُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
نَزَلَتْ سُورَةُ سَأَلَ بِمَكَّةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١ الى ١٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)
فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)
كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)
قَوْلُهُ: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: سَأَلَ بِالْهَمْزَةِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، فَمَنْ هَمَزَ فَهُوَ مِنَ السُّؤَالِ، وَهِيَ اللُّغَةُ الْفَاشِيَةُ، وَهُوَ إِمَّا مُضَمَّنٌ مَعْنَى الدُّعَاءِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالْبَاءِ، كَمَا تَقُولُ: دَعَوْتُ لِكَذَا، وَالْمَعْنَى: دَعَا دَاعٍ عَلَى نَفْسِهِ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلِهِ، وَالْبَاءُ بِمَعْنَى عَنْ، كَقَوْلِهِ: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً «١» وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْ، فَهُوَ إِمَّا مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ أَلِفًا، فَيَكُونُ مَعْنَاهَا مَعْنَى قِرَاءَةِ مَنْ هَمَزَ، أَوْ يَكُونُ مِنَ السَّيَلَانِ، وَالْمَعْنَى: سَالَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ سَائِلٌ، كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَالَ سَيْلٌ وَقِيلَ: إِنَّ سَالَ بِمَعْنَى الْتَمَسَ، وَالْمَعْنَى: الْتَمَسَ مُلْتَمِسٌ عَذَابًا لِلْكُفَّارِ، فَتَكُونُ الْبَاءُ زَائِدَةً، كَقَوْلِهِ: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ:
يُقَالُ خَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ فُلَانٍ وَبِفُلَانٍ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: وَإِذَا كَانَ مِنَ السُّؤَالِ فَأَصْلُهُ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَيَتَعَدَّى إِلَيْهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَهَذَا السَّائِلُ هُوَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حِينَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٢» وَهُوَ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وَقِيلَ: هُوَ أَبُو جَهْلٍ، وَقِيلَ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ النُّعْمَانِ الْفِهْرِيُّ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمَا سَيَأْتِي. وَقَرَأَ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ سَالَ سَالٌ مِثْلَ مَالَ مَالٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ سَائِلٌ، فَحُذِفَتِ الْعَيْنُ تَخْفِيفًا، كَمَا قِيلَ: شَاكٌ فِي: شَائِكِ السِّلَاحِ. وَقِيلَ: السَّائِلُ هُوَ نُوحٌ ﵇، سأل العذاب للكافرين، وقيل: стр. 2828
هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَا بِالْعِقَابِ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ: بِعَذابٍ واقِعٍ يَعْنِي إِمَّا فِي الدُّنْيَا كَيَوْمِ بَدْرٍ، أَوْ فِي الْآخِرَةِ، وَقَوْلُهُ: لِلْكافِرينَ صِفَةٌ أُخْرَى لِعَذَابٍ، أَيْ: كَائِنٌ لِلْكَافِرِينَ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِوَاقِعٍ، وَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ، أَوْ بِسَأَلَ عَلَى تَضْمِينِهِ مَعْنَى دَعَا، أَوْ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى تَقْدِيرٍ: هُوَ لِلْكَافِرِينَ، أَوْ تَكُونُ اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى: وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ أُبَيِّ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. قَالَ الْفَرَّاءُ: التَّقْدِيرُ بِعَذَابٍ لِلْكَافِرِينَ وَاقِعٌ بِهِمْ، فَالْوَاقِعُ مِنْ نَعْتِ الْعَذَابِ، وَجُمْلَةُ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ صِفَةٌ أُخْرَى لِعَذَابٍ، أَوْ حَالٌ مِنْهُ، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ ذَلِكَ الْعَذَابُ الْوَاقِعُ بِهِ أَحَدٌ، وَقَوْلُهُ: مِنَ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِوَاقِعٍ، أَيْ: وَاقِعٍ مِنْ جِهَتِهِ سُبْحَانَهُ، أَوْ بِدَافِعٍ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنْ جِهَتِهِ تَعَالَى ذِي الْمَعارِجِ أَيْ: ذِي الدَّرَجَاتِ الَّتِي تَصْعَدُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هِيَ السَّمَاوَاتُ، وَسَمَّاهَا مَعَارِجَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ فِيهَا، وَقِيلَ: الْمَعَارِجُ مَرَاتِبُ نِعَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى الْخَلْقِ، وَقِيلَ: الْمَعَارِجُ: الْعَظَمَةُ، وَقِيلَ: هِيَ الْغُرَفُ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «ذِي الْمَعَارِيجِ» بِزِيَادَةِ الْيَاءِ، يُقَالُ: مَعَارِجُ وَمَعَارِيجُ مِثْلُ مِفَاتِحَ وَمَفَاتِيحَ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ أَيْ: تَصَعَدُ فِي تِلْكَ الْمَعَارِجِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: تَعْرُجُ بِالْفَوْقِيَّةِ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابُهُ وَالْكِسَائِيُّ وَالسُّلَمِيُّ بِالتَّحْتِيَّةِ، والروح: جبريل، أفراد بِالذِّكْرِ بَعْدَ الْمَلَائِكَةِ لِشَرَفِهِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، وَقِيلَ: الرُّوحُ هُنَا مَلَكٌ آخَرُ عَظِيمٌ غَيْرُ جبريل. وقال أبو صالح: إنّه خلق مِنْ خَلْقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَهَيْئَةِ النَّاسِ وَلَيْسُوا مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ: إِنَّهُ رُوحُ الْمَيِّتِ حِينَ تُقْبَضُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَمَعْنَى إِلَيْهِ أَيْ: إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: إِلَى عَرْشِهِ، وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي أي: حَيْثُ أَمَرَنِي رَبِّي فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْكَلْبِيُّ ووهب ابن منبه: أي: عروج الْمَلَائِكَةُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّهَا فِي وَقْتٍ كَانَ مِقْدَارُهُ عَلَى غَيْرِهِمْ لَوْ صَعِدَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ مُدَّةَ عُمُرِ الدُّنْيَا هَذَا الْمِقْدَارُ لَا يَدْرِي أَحَدٌ كَمْ مَضَى وَلَا كَمْ بَقِيَ، وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْكَلْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّ الْمُرَادَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي أَنَّ مِقْدَارَ الْأَمْرِ فِيهِ لَوْ تَوَلَّاهُ غَيْرُهُ سُبْحَانَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَفْرَغُ مِنْهُ فِي سَاعَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّ مُدَّةَ مَوْقِفِ الْعِبَادِ لِلْحِسَابِ هِيَ هَذَا الْمِقْدَارُ، ثُمَّ يَسْتَقِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ. وَقِيلَ:
إِنَّ مِقْدَارَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْكَافِرِينَ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِقْدَارُ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَقِيلَ:
ذُكِرَ هَذَا الْمِقْدَارُ لِمُجَرَّدِ التَّمْثِيلِ وَالتَّخْيِيلِ لِغَايَةِ ارْتِفَاعِ تِلْكَ الْمَعَارِجِ وَبُعْدِ مَدَاهَا، أَوْ لِطُولِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنَ الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ، كَمَا تَصِفُ الْعَرَبُ أَيَّامَ الشِّدَّةِ بِالطُّولِ وَأَيَّامَ الْفَرَحِ بِالْقِصَرِ، وَيُشَبِّهُونَ الْيَوْمَ الْقَصِيرَ بِإِبْهَامِ الْقَطَاةِ، وَالطَّوِيلَ بِظِلِّ الرُّمْحِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرُ «١» :
وَيَوْمٌ كَظِلِّ الرُّمْحِ قَصَّرَ طُولَهُ ... دَمُ الزِّقِّ عَنَّا واصطفاق المزاهر»
стр. 2829
وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ: لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ «١» فَارْجِعْ إِلَيْهِ. وَقَدْ قِيلَ فِي الْجَمْعِ: إِنَّ مِنْ أَسْفَلِ الْعَالَمِ إِلَى الْعَرْشِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَمِنْ أَعْلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ أَلْفَ سَنَةٍ، لِأَنَّ غِلَظَ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَمَا بَيْنَ أَسْفَلِ السَّمَاءِ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ خَمْسُمَائَةِ عَامٍ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِذَا عَرَجَتْ مِنْ أَسْفَلِ الْعَالَمِ إِلَى الْعَرْشِ كَانَ مَسَافَةُ ذَلِكَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنْ عَرَجُوا مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا إِلَى بَاطِنِ هَذِهِ السَّمَاءِ الَّتِي هِيَ سَمَاءُ الدُّنْيَا كَانَ مَسَافَةُ ذَلِكَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْبَحْثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ فَقَالَ: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا أَيِ: اصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ لَكَ وَكُفْرِهِمْ بِمَا جِئْتَ بِهِ صَبْرًا جَمِيلًا، لَا جَزَعَ فِيهِ وَلَا شَكْوَى إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَهَذَا مَعْنَى الصَّبْرِ الْجَمِيلِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْمُصِيبَةِ فِي الْقَوْمِ لَا يُدْرَى بِأَنَّهُ مُصَابٌ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً أَيْ:
يَرَوْنَ الْعَذَابَ الْوَاقِعَ بِهِمْ، أَوْ يَرَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعِيدًا، أَيْ: غَيْرَ كَائِنٍ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَمَعْنَى بَعِيداً أَيْ: مُسْتَبْعَدًا مُحَالًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا غَيْرَ قَرِيبٍ. قَالَ الْأَعْمَشُ: يَرَوْنَ الْبَعْثَ بَعِيدًا لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، كَأَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحَالَةِ، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ تُنَاظِرُهُ: هَذَا بَعِيدٌ، أَيْ: لَا يَكُونُ وَنَراهُ قَرِيباً أَيْ: نَعْلَمُهُ كَائِنًا قَرِيبًا لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَنَرَاهُ هَيِّنًا فِي قُدْرَتِنَا غَيْرَ مُتَعَسِّرٍ وَلَا مُتَعَذِّرٍ، وَالْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ مَتَى يَقَعُ بِهِمُ الْعَذَابُ، فَقَالَ: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ وَاقِعٍ، أَوْ بَدَلٌ مِنْ قوله: فِي يَوْمٍ على تقدير تعلّقه بواقع، أو متعلّق بقريبا، أَوْ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ: أَيْ يَوْمَ تَكُونُ إِلَخْ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي نَرَاهُ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَالتَّقْدِيرُ يَقَعُ بِهِمُ الْعَذَابُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَالْمُهْلُ: مَا أُذِيبُ مِنَ النُّحَّاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْفِضَّةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْقَيْحُ مِنَ الصَّدِيدِ وَالدَّمِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ: هُوَ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَالدُّخَانِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ أَيْ: كَالصُّوفِ الْمَصْبُوغِ، وَلَا يُقَالُ لِلصُّوفِ عِهْنٌ إِلَّا إِذَا كَانَ مَصْبُوغًا. قَالَ الْحَسَنُ: تَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ، وَهُوَ الصُّوفُ الْأَحْمَرُ، وَهُوَ أَضْعَفُ الصُّوفِ، وَقِيلَ: الْعِهْنُ: الصُّوفُ ذُو الْأَلْوَانِ، فَشَبَّهَ الْجِبَالَ بِهِ فِي تَكَوُّنِهَا أَلْوَانًا كَمَا فِي قوله: جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ وَغَرابِيبُ سُودٌ «٢» فَإِذَا بُسَّتْ وَطُيِّرَتْ فِي الْهَوَاءِ أَشْبَهَتِ الْعِهْنَ المنقوض إذا طيّرته الريح. وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً أَيْ: لَا يَسْأَلُ قَرِيبٌ قَرِيبَهُ عَنْ شَأْنِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِمَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْأَهْوَالِ الَّتِي أَذْهَلَتِ الْقَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ، وَالْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وَقِيلَ: الْمَعْنَى:
لَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، فَحُذِفَ الْحَرْفُ وَوُصِلَ الْفِعْلُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: لَا يَسْئَلُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، قِيلَ:
وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَسْأَلُهُ نَصْرَهُ وَلَا شَفَاعَتَهُ، وَقَرَأَ أَبُو جعفر وأبو حيوة وشيبة وابن كثير
стр. 2830
فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. وَرَوَى هَذِهِ الْقِرَاءَةَ الْبَزِّيُّ عَنْ عَاصِمٍ. وَالْمَعْنَى: لَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ إِحْضَارَ حَمِيمِهِ، وَقِيلَ: هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَلَى إِسْقَاطِ حَرْفِ الْجَرِّ، أَيْ: لَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ عَنْ حَمِيمٍ، بَلْ كُلُّ إِنْسَانٍ يَسْأَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عَمَلِهِ، وَجُمْلَةُ يُبَصَّرُونَهُمْ مُسْتَأْنَفَةٌ، أَوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: حَمِيماً أَيْ: يُبَصَّرُ كُلُّ حَمِيمٍ حَمِيمَهُ، لَا يَخْفَى مِنْهُمْ أَحَدٌ عَنْ أحد. وليس في القيامة مخلوق إلا وَهُوَ نُصْبُ عَيْنِ صَاحِبِهِ، وَلَا يَتَسَاءَلُونَ وَلَا يُكَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِاشْتِغَالِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُبَصِّرُ اللَّهُ الْكُفَّارَ فِي النَّارِ الَّذِينَ أَضَلُّوهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُمُ الرؤساء المتبوعون. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: يُبَصَّرُونَهُمْ يَرْجِعُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ، أَيْ: يَعْرِفُونَ أَحْوَالَ النَّاسِ لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا جُمِعَ الضَّمِيرُ فِي يُبَصَّرُونَهُمْ، وَهُمَا لِلْحَمِيمَيْنِ، حَمْلًا عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ لِأَنَّهُمَا نَكِرَتَانِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، قَرَأَ الْجُمْهُورُ: يُبَصَّرُونَهُمْ بِالتَّشْدِيدِ، وَقَرَأَ قَتَادَةُ بِالتَّخْفِيفِ. ثُمَّ ابْتَدَأَ سُبْحَانَهُ الْكَلَامَ فَقَالَ: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ الْمُرَادُ بِالْمُجْرِمِ الْكَافِرُ، أَوْ كُلُّ مُذْنِبٍ ذَنْبًا يَسْتَحِقُّ بِهِ النَّارَ، لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ بِبَنِيهِ- وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَعَزُّ النَّاسِ عَلَيْهِ وَأَكْرَمُهُمْ لَدَيْهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنْهُ الْفِدَاءُ لَفَدَى بِهِمْ نَفْسَهَ، وَخَلَصَ مِمَّا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ أَنَّ اشْتِغَالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إِلَى حَدٍّ يُوَدُّ الِافْتِدَاءَ مِنَ الْعَذَابِ بِمَنْ ذُكِرَ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِإِضَافَةِ عَذَابِ إِلَى يَوْمِئِذٍ. وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ بِتَنْوِينِ عَذَابٍ وَقَطْعِ الْإِضَافَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ:
يَوْمِئِذٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ وَالْأَعْرَجُ وَأَبُو حَيْوَةَ بِفَتْحِهَا وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ أَيْ:
عَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ الَّذِينَ يَضُمُّونَهُ فِي النَّسَبِ أَوْ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَيَأْوِي إِلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْفَصِيلَةُ: دُونَ الْقَبِيلَةِ.
وَقَالَ ثَعْلَبٌ: هُمْ آبَاؤُهُمُ الْأَدْنَوْنَ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: الْفَصِيلَةُ: الْقِطْعَةُ مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ. وَسُمِّيَتْ عَشِيرَةُ الرَّجُلِ فَصِيلَةً تَشْبِيهًا لَهَا بِالْبَعْضِ مِنْهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ الْفَصِيلَةَ هِيَ الَّتِي تُرَبِّيهِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً أَيْ: وَيَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوِ افْتَدَى بِمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنَ الثَّقَلَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخَلَائِقِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ يُنْجِيهِ مَعْطُوفٌ عَلَى يَفْتَدِي، أَيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي ثُمَّ يُنْجِيهِ الِافْتِدَاءُ، وَكَانَ الْعَطْفُ بِثُمَّ لِدَلَالَتِهَا عَلَى اسْتِبْعَادِ النَّجَاةِ، وَقِيلَ: إِنَّ يَوَدُّ تَقْتَضِي جَوَابًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وَالْجَوَابُ «ثُمَّ يُنْجِيهِ» ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَقَوْلُهُ:
كَلَّا رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِ عَنْ تِلْكَ الْوَدَادَةِ، وَبَيَانُ امْتِنَاعِ ما ودّه من الافتداء، وكَلَّا يَأْتِي بِمَعْنَى حَقًّا، وَبِمَعْنَى لَا مَعَ تَضَمُّنِهَا لِمَعْنَى الزَّجْرِ وَالرَّدْعِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: إِنَّها لَظى عائد إلى النار المدلول عليها لذكر العذاب، أو هو ضمير مبهم يفسره ما بعده، و «لظى» علم لِجَهَنَّمَ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ التَّلَظِّي فِي النَّارِ وَهُوَ التَّلَهُّبُ، وَقِيلَ: أَصْلُهُ لَظَظٌ بِمَعْنَى دَوَامِ الْعَذَابِ، فَقُلِبَتْ إِحْدَى الظَّاءَيْنِ أَلِفًا، وَقِيلَ: لَظَى: هِيَ الدَّرَكَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ طِبَاقِ جَهَنَّمَ نَزَّاعَةً لِلشَّوى قَرَأَ الْجُمْهُورُ نَزَّاعَةً بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ ثان لإنّ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ تَكُونُ «لَظَى» بدلا من الضمير المنصوب، و «نزاعة» خَبَرُ إِنَّ، أَوْ عَلَى أَنَّ «نَزَّاعَةً» صِفَةٌ لِلَظَى عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِهَا عَلَمًا، أَوْ يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي أَنَّهَا لِلْقِصَّةِ، وَيَكُونُ «لَظًى» مبتدأ، و «نزاعة» خَبَرَهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ إِنَّ، وَقَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو عَمْرٍو فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَأَبُو حَيْوَةَ وَالزَّعْفَرَانِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مِقْسَمٍ «نَزَّاعَةً» بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: حَمْلُهُ على الحال بعيد لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا
стр. 2831
يَعْمَلُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ مِنْ مَعْنَى التَّلَظِّي، أَوِ النَّصْبُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، وَالشَّوَى: الْأَطْرَافُ، أَوْ جَمْعُ شَوَاةٍ، وَهِيَ جِلْدَةُ الرَّأْسِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
قالت قتيلة ماله ... قَدْ جُلِّلَتْ شَيْبًا شَوَاتُهُ
وَقَالَ الْحَسَنُ وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: نَزَّاعَةً لِلشَّوى: أَيْ: لِمْكَارِمِ الْوَجْهِ وَحُسْنِهِ، وكذا قال أبو العالية وقتادة. وقال قتادة: تَبْرِي اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ عَنِ الْعَظْمِ حَتَّى لَا تَتْرُكَ فِيهِ شَيْئًا. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هِيَ الْمَفَاصِلُ.
وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: هِيَ أَطْرَافُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ أَيْ: تَدْعُو لَظَى مَنْ أَدْبَرَ عَنِ الْحَقِّ فِي الدُّنْيَا وَتَوَلَّى أَيْ: أَعْرَضَ عَنْهُ وَجَمَعَ فَأَوْعى أَيْ: جَمَعَ الْمَالَ فَجَعَلَهُ في وعاء، وقيل: إِنَّهَا تَقُولُ إِلَيَّ يَا مُشْرِكُ، إِلَيَّ يَا مُنَافِقُ، وَقِيلَ: مَعْنَى تَدْعُو: تُهْلِكُ، تَقُولُ الْعَرَبُ: دَعَاكَ اللَّهُ، أَيْ: أَهْلَكَكَ، وَقِيلَ:
لَيْسَ هُوَ الدُّعَاءُ بِاللِّسَانِ، وَلَكِنْ دُعَاؤُهَا إِيَّاهُمْ تَمَكُّنُهَا مِنْ عَذَابِهِمْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ تَدْعُو الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فَأَسْنَدَ الدُّعَاءَ إِلَى النَّارِ مِنْ بَابِ إِسْنَادِ مَا هُوَ لِلْحَالِ إِلَى الْمَحَلِّ، وَقِيلَ: هُوَ تَمْثِيلٌ وَتَخْيِيلٌ، وَلَا دُعَاءَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ الشاعر:
ولقد هبطنا الواديين فواديا ... يدعو الأنيس به العضيض الأبكم
والعضيض الأبكم: الذباب، وهو لا يدعو «١» .
وَفِي هَذَا ذَمٌّ لِمَنْ جَمَعَ الْمَالَ فَأَوْعَاهُ، وَكَنَزَهُ وَلَمْ يُنْفِقْهُ فِي سُبُلِ الْخَيْرِ، أَوْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: سَأَلَ سائِلٌ قَالَ: هُوَ النَّضْرُ بْنُ الحارث قال: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ «٢» وَفِي قَوْلِهِ: بِعَذابٍ واقِعٍ قَالَ: كَائِنٌ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ- مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ قَالَ: ذِي الدَّرَجَاتِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ:
سَأَلَ سائِلٌ قَالَ: سَالَ: وَادٍ فِي جَهَنَّمَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ذِي الْمَعارِجِ قَالَ: ذِي الْعُلُوِّ وَالْفَوَاضِلِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ: مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ أَسْفَلِ الْأَرَضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْرِهِ مِنْ فَوْقِ سبع سموات مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَ «يَوْمٍ كَانَ مقداره ألف سنة» قَالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ يَنْزِلُ الْأَمْرُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَمِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَذَلِكَ مِقْدَارُ أَلْفَ سَنَةٍ لَأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: غِلَظُ كُلِّ أَرْضٍ خَمْسُمِائَةُ عَامٍ، وَغِلَظُ كُلِّ سماء خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أَرْضٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَمِنَ السَّمَاءِ إِلَى السَّمَاءِ خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء
стр. 2832
السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عَامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «١» قَالَ: هَذَا فِي الدُّنْيَا تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، وَفِي قَوْلِهِ: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَهَذَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِ مِقْدَارَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ: لَوْ قَدَّرْتُمُوهُ لَكَانَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِكُمْ. قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْوَقْفُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ فِي سُورَةِ السَّجْدَةِ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ! فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَنِ الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا» .
وَفِي إِسْنَادِهِ دَرَّاجٌ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَا قَدْرُ طُولِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلا كقدر ما بين الظهر والعصر» . وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي «نَوَادِرِ الْأُصُولِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا قال: لا تشك إِلَى أَحَدٍ غَيْرِي. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطِيبُ فِي الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ قَالَ: كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قَالَ:
يُبَصَّرُونَهُمْ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَعَارَفُونَ، ثُمَّ يَفِرُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: نَزَّاعَةً لِلشَّوى قَالَ: تَنْزِعُ أُمَّ الرأس.
[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١٩ الى ٣٩]
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣)
وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣)
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)
كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)
قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْهَلَعُ فِي اللُّغَةِ: أَشَدُّ الْحِرْصِ وَأَسْوَأُ الْجَزَعِ وَأَفْحَشُهُ، يُقَالُ: هَلِعَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ هَلِعٌ وَهَلُوعٌ، عَلَى التَّكْثِيرِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: هُوَ الضَّجُورُ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ:
وَالْمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ تَفْسِيرُ الْهَلَعِ مَا بَعْدَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً- وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
стр. 2833
أَيْ: إِذَا أَصَابَهُ الْفَقْرُ وَالْحَاجَةُ أَوِ الْمَرَضُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهُوَ جَزُوعٌ، أَيْ: كَثِيرُ الْجَزَعِ، وَإِذَا أَصَابَهُ الْخَيْرُ مِنَ الْغِنَى وَالْخِصْبِ وَالسَّعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ كَثِيرُ الْمَنْعِ وَالْإِمْسَاكِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْهَلُوعُ: هُوَ الَّذِي إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ لَمْ يَشْكُرْ، وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ لَمْ يَصْبِرْ. قَالَ ثَعْلَبٌ: قَدْ فَسَّرَ اللَّهُ الْهَلُوعَ هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَهُ الشَّرُّ أَظْهَرَ شِدَّةَ الْجَزَعِ، وَإِذَا أَصَابَهُ الْخَيْرُ بَخِلَ بِهِ ومنعه الناس، والعرب تقول: ناقة هلواعة وَهِلْوَاعٌ إِذَا كَانَتْ سَرِيعَةَ السَّيْرِ خَفِيفَتَهُ، وَمِنْهُ قول الشاعر «١» :
صكّاء «٢» ذِعْلِبَةً إِذَا اسْتَدْبَرْتَهَا ... حَرَجٌ إِذَا اسْتَقْبَلْتَهَا هِلْوَاعُ
وَالذِّعْلِبَةُ: النَّاقَةُ السَّرِيعَةُ، وَانْتِصَابُ هَلُوعًا وَجَزُوعًا وَمَنُوعًا عَلَى أَنَّهَا أَحْوَالٌ مُقَدَّرَةٌ، أَوْ مُحَقَّقَةٌ لِكَوْنِهَا طبائع جبل الإنسان عليها، والظرفان معمولان لجزوعا ومنوعا إِلَّا الْمُصَلِّينَ أَيِ: الْمُقِيمِينَ لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ مِنَ الْهَلَعِ، وَالْجَزَعِ، وَالْمَنْعِ، وَأَنَّهُمْ عَلَى صِفَاتٍ مَحْمُودَةٍ وَخِلَالٍ مَرْضِيَّةٍ لِأَنَّ إِيمَانَهُمْ وَمَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَدِينِ الْحَقِّ يَزْجُرُهُمْ عَنِ الِاتِّصَافِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْخَيْرِ. ثُمَّ بَيَّنَهُمْ سُبْحَانَهُ، فَقَالَ: الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ أَيْ: لَا يَشْغَلُهُمْ عَنْهَا شَاغِلٌ، وَلَا يَصْرِفُهُمْ عَنْهَا صَارِفٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالدَّوَامِ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَبَدًا.
قَالَ الزَّجَّاجُ: هُمُ الَّذِينَ لَا يُزِيلُونَ وُجُوهَهُمْ عَنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ جُرَيْجٍ: هُوَ التَّطَوُّعُ مِنْهَا.
قَالَ النَّخَعِيُّ: الْمُرَادُ بِالْمُصَلِّينَ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَقِيلَ: الَّذِينَ يُصَلُّونَهَا لِوَقْتِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ: الصَّحَابَةُ خَاصَّةً، وَلَا وَجْهَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ لِاتِّصَافِ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ قَالَ قَتَادَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: الْمُرَادُ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سِوَى الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: صِلَةُ الرَّحِمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الزَّكَاةُ لِوَصْفِهِ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا وَلِجَعْلِهِ قَرِينًا لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ مُسْتَوْفًى وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أَيْ: بِيَوْمِ الْجَزَاءِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَا يَشُكُّونَ فِيهِ وَلَا يَجْحَدُونَهُ، وَقِيلَ: يُصَدُّقُونَهُ بِأَعْمَالِهِمْ فَيُتْعِبُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الطَّاعَاتِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ أَيْ: خَائِفُونَ وَجِلُونَ مَعَ مَا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ اسْتِحْقَارًا لِأَعْمَالِهِمْ، وَاعْتِرَافًا بِمَا يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ. وَجُمْلَةُ إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ مَا قَبْلَهَا، مُبَيِّنَةٌ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْمَنَهُ أَحَدٌ، وَأَنَّ حَقَّ كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَخَافَهُ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَى قَوْلِهِ: فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ مُسْتَوْفًى وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ أَيْ:
لَا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَمَانَاتِ الَّتِي يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهَا، وَلَا يَنْقُضُونَ شَيْئًا مِنَ الْعُهُودِ الَّتِي يَعْقِدُونَهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ.
قَرَأَ الْجُمْهُورُ: لِأَماناتِهِمْ بِالْجَمْعِ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ لِأَمَانَتِهِمْ بِالْإِفْرَادِ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ أَيْ: يُقِيمُونَهَا عَلَى مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ، أَوْ رَفِيعٍ أَوْ وَضِيعٍ، وَلَا يَكْتُمُونَهَا وَلَا يُغَيِّرُونَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الشهادة في سورة البقرة، قرأ الجمهور: بشهادتهم
стр. 2834
بِالْإِفْرَادِ، وَقَرَأَ حَفْصٌ وَيَعْقُوبَ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالْجَمْعِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَالْإِفْرَادُ أَوْلَى لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَمَنْ جَمَعَ ذَهَبَ إِلَى اخْتِلَافِ الشَّهَادَاتِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَيَدُلُّ عَلَى قِرَاءَةِ التَّوْحِيدِ قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ «١» . وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ أَيْ: عَلَى أَذْكَارِهَا وَأَرْكَانِهَا وَشَرَائِطِهَا لَا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ قَتَادَةُ: عَلَى وُضُوئِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْمُرَادُ التَّطَوُّعُ، وَكَرَّرَ ذِكْرَ الصَّلَاةِ لِاخْتِلَافِ مَا وَصَفَهُمْ بِهِ أَوَّلًا، وَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ ثَانِيًا، فَإِنَّ مَعْنَى الدَّوَامِ: هُوَ أَنْ لَا يَشْتَغِلُ عَنْهَا بِشَيْءٍ مِنَ الشَّوَاغِلِ كَمَا سَلَفَ وَمَعْنَى الْمُحَافَظَةِ: أَنْ يُرَاعِيَ الْأُمُورَ الَّتِي لَا تَكُونُ صَلَاةٌ بِدُونِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا بَعْدَ فِعْلِهَا مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يُحْبِطُهَا وَيُبْطِلُ ثَوَابَهَا، وَكَرَّرَ الْمَوْصُولَاتِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَصْفٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ لِجَلَالَتِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِمَوْصُوفٍ مُنْفَرِدٍ، وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ إِلَى الْمَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ أَيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيهَا مُكْرَمُونَ بِأَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ، وَخَبَرُ الْمُبْتَدَأِ قَوْلُهُ: فِي جَنَّاتٍ وَقَوْلُهُ: مُكْرَمُونَ خَبَرٌ آخَرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مكرمون، وفي جَنَّاتٍ مُتَعَلِّقٌ بِهِ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ لَهُمْ حَوَالَيْكَ مُسْرِعِينَ. قَالَ الْأَخْفَشُ: مُهْطِعِينَ: مُسْرِعِينَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
بمكّة أهلها ولقد أراهم ... إليه مُهْطِعِينَ إِلَى السَّمَاعِ
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: مَا بَالُهُمْ يُسْرِعُونَ إِلَيْكَ يَجْلِسُونَ حَوَالَيْكَ وَلَا يَعْمَلُونَ بِمَا تَأْمُرُهُمْ، وَقِيلَ: مَا بَالُهُمْ مُسْرِعِينَ إِلَى التَّكْذِيبِ، وَقِيلَ: مَا بَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا يُسْرِعُونَ إِلَى السَّمَاعِ إِلَيْكَ فَيُكَذِّبُونَكَ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِكَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إن معنى: مُهْطِعِينَ نَاظِرِينَ إِلَيْكَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: عَامِدِينَ، وَقِيلَ: مُسْرِعِينَ إِلَيْكَ، مَادِّي أَعْنَاقِهِمْ، مُدِيمِي النَّظَرِ إِلَيْكَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ أَيْ: عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنْ شماله جماعات متفرقة، وعزين: جَمْعُ عِزَةٍ، وَهِيَ الْعُصْبَةُ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
تَرَانَا عِنْدَهُ وَاللَّيْلُ دَاجٍ ... عَلَى أَبْوَابِهِ حِلَقًا عِزِينَا
وَقَالَ الرَّاعِي:
أَخَلِيفَةُ الرَّحْمَنِ إنّ عشيرتي ... أمسى سراتهم إليك عزينا
وقول عَنْتَرَةُ:
وَقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ لَدَى وَلِيٍّ ... عَلَيْهِ الطّير كالعصب العزين
وَقِيلَ: أَصْلُهَا عِزْوَةٌ مِنَ الْعَزْوِ، كَأَنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إِلَى غَيْرِ مَنْ تَعْتَزِي إِلَيْهِ الْأُخْرَى. قَالَ فِي الصِّحَاحِ:
وَالْعِزَةُ: الْفِرْقَةُ مِنَ النَّاسِ، وَالْهَاءُ عِوَضٌ مِنَ التَّاءِ، وَالْجَمْعُ عِزِيٌّ وَعِزُونَ، وَقَوْلُهُ: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ مُتَعَلِّقٌ بِعِزِينَ، أَوْ بِمُهْطِعِينَ. أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ قال المفسرون:
стр. 2835
كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْجَنَّةَ لَنَدْخُلُنَّ قَبْلَهُمْ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، قَرَأَ الْجُمْهُورُ: أَنْ يُدْخَلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَالْأَعْرَجُ وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ وَأَبُو رَجَاءٍ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ. ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ أَيْ:
مِنَ الْقَذَرِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ هَذَا التَّكَبُّرُ، وَقِيلَ الْمَعْنَى: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ أَجْلِ مَا يَعْلَمُونَ، وَهُوَ امْتِثَالُ الأمر والنهي وتعرّضهم لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ كَمَا فِي قَوْلُهُ: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «١» وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
أَأَزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلَى ابتكارا ... وشطّت على ذي هوى أن تزارا
وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْهَلُوعِ فَقَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً- وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ هَلُوعاً قَالَ: الشَّرِهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ قَالَ: عَلَى مَوَاقِيتِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ قَالَ: الَّذِي لَا يَلْتَفِتُ فِي صلاته. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ إِذَا صَلَّوْا لَمْ يَلْتَفِتُوا.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْهُ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ قَالَ: يَنْظُرُونَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ قَالَ: [العزين] «٢» : الْعُصَبُ مِنَ النَّاسِ، عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، مُعْرِضِينَ، يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ وَنَحْنُ حِلَقٌ مُتَفَرِّقُونَ فَقَالَ: «مالي أَرَاكُمْ عِزِينَ» . وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَالْبَاوَرْدِيُّ وَابْنُ قَانِعٍ وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَالضِّيَاءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحَّاشٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ إِلَى قَوْلِهِ: كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ثُمَّ بَزَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى كَفِّهِ وَوَضَعَ عَلَيْهَا أُصْبُعَهُ وَقَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ: ابْنَ آدَمَ أَنَّى تُعْجِزُنِي وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ؟ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ، وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ، فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ قلت: [أتصدّق] «٣» ، وأنّى أوان الصدقة» .
[سورة المعارج (٧٠) : الآيات ٤٠ الى ٤٤]
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)
стр. 2836
قَوْلُهُ: فَلا أُقْسِمُ «لَا» زَائِدَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَالْمَعْنَى: فَأُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ يَعْنِي: مَشْرِقَ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ وَمَغْرِبَهُ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ بِالْجَمْعِ وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٍ بِالْإِفْرَادِ إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ أَيْ: عَلَى أَنْ نَخْلُقَ أَمْثَلَ مِنْهُمْ، وَأَطْوَعَ لِلَّهِ، حِينَ عَصَوْهُ، وَنُهْلِكَ هَؤُلَاءِ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أَيْ: بِمَغْلُوبِينَ إِنْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، بَلْ نَفْعَلُ مَا أَرَدْنَا لَا يَفُوتُنَا شَيْءٌ وَلَا يُعْجِزُنَا أَمْرٌ، وَلَكِنَّ مَشِيئَتَنَا وَسَابِقَ عِلْمِنَا اقْتَضَيَا تَأْخِيرَ عُقُوبَةِ هَؤُلَاءِ، وَعَدَمَ تَبْدِيلِهِمْ بِخَلْقٍ آخَرَ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا أَيِ: اتْرُكْهُمْ يَخُوضُوا فِي بَاطِلِهِمْ، وَيَلْعَبُوا فِي دُنْيَاهُمْ، وَاشْتَغِلْ بِمَا أُمِرْتَ بِهِ، وَلَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكَ مَا هُمْ فِيهِ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: «يُلَاقُوا» ، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَحُمَيْدٌ وَمُجَاهِدٌ «حَتَّى يَلْقَوْا» يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً «يَوْمَ» بَدَلٌ مِنْ «يَوْمَهُمْ» ، وَ «سِرَاعًا» مُنْتَصِبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ «يَخْرُجُونَ» ، قَرَأَ الْجُمْهُورُ: يَخْرُجُونَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ، وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَالْأَعْمَشُ وَالْمُغِيرَةُ وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، وَالْأَجْدَاثُ: جَمْعُ جَدَثٍ، وَهُوَ الْقَبْرُ كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَرَأَ الْجُمْهُورُ: نَصْبٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الصَّادِ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَفْصٌ: بِضَمِّ النُّونِ وَالصَّادِ، وَقَرَأَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَأَبُو رَجَاءٍ بِضَمِّ النُّونِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالنُّصْبُ: مَا نُصِبَ فَعُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَكَذَا النُّصُبُ بِالضَّمِّ، وَقَدْ يُحَرَّكُ. قَالَ الْأَعْشَى:
وَذَا النُّصُبِ الْمَنْصُوبِ لَا تَعْبُدَنَّهُ ... وَلَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ وَاللَّهَ فَاعْبُدَا «١»
وَالْجَمْعُ: الْأَنْصَابُ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ وَالْفَرَّاءُ: النُّصُبُ جَمْعُ النَّصْبِ، مِثْلُ رَهْنٍ وَرُهُنٍ، وَالْأَنْصَابُ: جَمْعُ النُّصُبِ، فَهُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ، وَقِيلَ: النُّصُبُ جَمْعُ نِصَابٍ، وَهُوَ حَجَرٌ أَوْ صَنَمٌ يُذْبَحُ عَلَيْهِ، ومنه قوله: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وقال النحاس: نصب ونصب [وَنَصْبٌ] «٢» بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقِيلَ: مَعْنَى إِلى نُصُبٍ إِلَى غَايَةٍ، وَهِيَ الَّتِي تَنْصِبُ إِلَيْهَا بَصَرَكَ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ عَلَمٍ أَوْ رَايَةٍ، أَيْ:
كَأَنَّهُمْ إِلَى عَلَمٍ يَدْعُونَ إِلَيْهِ، أَوْ رَايَةٍ تُنْصَبُ لَهُمْ يُوفِضُونَ، قَالَ الْحَسَنُ: كَانُوا يَبْتَدِرُونَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِلَى نُصُبِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَلْوِي أَوَّلُهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: النُّصُبُ: شَبَكَةُ الصَّائِدِ يُسْرِعُ إِلَيْهَا عِنْدَ وُقُوعِ الصَّيْدِ فِيهَا مَخَافَةَ انْفِلَاتِهِ. وَمَعْنَى يُوفِضُونَ: يُسْرِعُونَ، وَالْإِيفَاضُ:
الْإِسْرَاعُ. يُقَالُ: أَوْفَضَ إِيفَاضًا: أَيْ أَسْرَعَ إِسْرَاعًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
فَوَارِسُ ذُبْيَانَ تَحْتَ الحدي ... د كالجنّ يوفضن من عبقر
стр. 2837
وَعَبْقَرٌ: قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْجِنِّ كَمَا تَزْعُمُ الْعَرَبُ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
كُهُولٌ وَشُبَّانٌ كَجَنَّةِ عَبْقَرِ «١»
وَانْتِصَابُ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضمير يوفضون، وأبصارهم مُرْتَفِعَةٌ بِهِ، وَالْخُشُوعُ:
الذِّلَّةُ وَالْخُضُوعُ، أَيْ: لَا يَرْفَعُونَهَا لِمَا يَتَوَقَّعُونَهُ مِنَ الْعَذَابِ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ أَيْ: تَغْشَاهُمْ ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ.
قَالَ قَتَادَةُ: هِيَ سَوَادُ الْوُجُوهِ، وَمِنْهُ غُلَامٌ مُرَاهِقٌ إِذَا غَشِيَهُ الِاحْتِلَامُ، يُقَالُ: رَهِقَهُ بِالْكَسْرِ يَرْهَقُهُ رَهَقًا، أَيْ: غَشِيَهُ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ: وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ «٢» وَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ذلِكَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ: الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ أَيِ: الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ قَدْ حَاقَ بِهِمْ وَحَضَرَ، وَوَقَعَ بِهِمْ مِنْ عَذَابِهِ مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَقْبَلًا، فَهُوَ فِي حُكْمِ الَّذِي قَدْ وَقَعَ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ:
فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ قَالَ: لِلشَّمْسِ كُلُّ يَوْمٍ مَطْلِعٌ تَطْلُعُ فِيهِ، وَمَغْرِبٌ تَغْرُبُ فِيهِ غَيْرُ مَطْلِعِهَا بِالْأَمْسِ وَغَيْرُ مَغْرِبِهَا بِالْأَمْسِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ قَالَ: إلى علم يستبقون «٣» .
стр. 2838
سورة نوح
هي تسع وعشرون آية، أو ثمان وعشرون آية وهي مكية، وأخرج ابن الضريس والنحاس وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً بِمَكَّةَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[سورة نوح (٧١) : الآيات ١ الى ٢٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤)
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩)
لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠)
قَوْلُهُ: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وهو نوح بن لامك ابن متوشلخ بن أخنوخ «١» بْنِ قَيْنَانَ بْنِ شَيْثَ بْنِ آدَمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مُدَّةُ لُبْثِهِ فِي قَوْمِهِ، وَبَيَانُ جَمِيعِ عُمُرِهِ، وَبَيَانُ السِّنِّ الَّتِي أُرْسِلَ وَهُوَ فِيهَا فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ أَيْ: بِأَنْ أَنْذِرْ، عَلَى أَنَّهَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُفَسِّرَةُ لِأَنَّ فِي الْإِرْسَالِ مَعْنَى الْقَوْلِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنْذِرْ بِدُونِ أَنْ، وَذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ، أَيْ: فَقُلْنَا لَهُ أَنْذِرْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أَيْ: عَذَابٌ شَدِيدُ الْأَلَمِ، وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الطوفان، وجملة قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا عَلَى تَقْدِيرِ سُؤَالٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَاذَا قَالَ نُوحٌ؟ فَقَالَ: قَالَ لَهُمْ ... إِلَخْ. وَالْمَعْنَى: إِنِّي لَكُمْ مُنْذِرٌ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، وَمُخَوِّفٌ لَكُمْ، وَمُبَيِّنٌ لِمَا فِيهِ نَجَاتُكُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ «أَنْ» هِيَ التَّفْسِيرِيَّةُ لِنَذِيرٍ، أَوْ هِيَ الْمَصْدَرِيَّةُ، أَيْ: بِأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ غَيْرَهُ وَاتَّقُوهُ، أي: اجتنبوا ما يوقعكم في عذابه، стр. 2839
وَأَطِيعُونِ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ فَإِنِّي رَسُولٌ إِلَيْكُمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ هذا جواب الأمر، و «من» لِلتَّبْعِيضِ، أَيْ: بَعْضَ ذُنُوبِكُمْ، وَهُوَ مَا سَلَفَ مِنْهَا قَبْلَ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَإِجَابَةِ دَعْوَتِهِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمَعْنَى يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، فَتَكُونُ «مِنْ» عَلَى هَذَا زَائِدَةً، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْبَعْضِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَقِيلَ: هِيَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَقِيلَ: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ مَا اسْتَغْفَرْتُمُوهُ مِنْهَا وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أَيْ: يُؤَخِّرْ مَوْتَكُمْ إِلَى الْأَمَدِ الْأَقْصَى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكُمْ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فَوْقَ مَا قَدَّرَهُ لَكُمْ، عَلَى تَقْدِيرِ بَقَائِكُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ، وَقِيلَ: التَّأْخِيرُ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ فِي أَعْمَارِهِمْ إِنْ آمَنُوا، وَعَدَمِ الْبَرَكَةِ فِيهَا إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. قَالَ مُقَاتِلٌ: يُؤَخِّرْكُمْ إِلَى مُنْتَهَى آجَالِكُمْ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ يُؤَخِّرْكُمْ عَنِ الْعَذَابِ فَتَمُوتُوا غَيْرَ مَيْتَةِ الْمُسْتَأْصِلِينَ بِالْعَذَابِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى لَا يُمِيتُكُمْ غَرَقًا وَلَا حَرْقًا وَلَا قَتْلًا إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ أَيْ: مَا قَدَّرَهُ لَكُمْ عَلَى تَقْدِيرِ بَقَائِكُمْ عَلَى الْكُفْرِ مِنَ الْعَذَابِ إِذَا جَاءَ، وَأَنْتُمْ بَاقُونَ عَلَى الْكُفْرِ، لَا يُؤَخَّرُ، بَلْ يَقَعُ لَا مَحَالَةَ، فَبَادِرُوا إِلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ. وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ وَهُوَ الْمَوْتُ إِذَا جَاءَ لَا يُمْكِنُكُمُ الْإِيمَانُ، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: إِذَا جَاءَ الْمَوْتُ لَا يُؤَخَّرُ سَوَاءً كَانَ بِعَذَابٍ أَوْ بِغَيْرِ عَذَابٍ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ: شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ لَسَارَعْتُمْ إِلَى مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ، أَوْ لَعَلِمْتُمْ أَنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً أَيْ: قَالَ نُوحٌ مُنَادِيًا لِرَبِّهِ وَحَاكِيًا لَهُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ: إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي إِلَى مَا أَمَرْتَنِي بِأَنْ أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ دُعَاءً دَائِمًا فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً عَمَّا دَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ وَبُعْدًا عَنْهُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي تَبَاعُدًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَإِسْنَادُ الزِّيَادَةِ إِلَى الدُّعَاءِ لِكَوْنِهِ سَبَبَهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ: زادَتْهُمْ إِيماناً. قَرَأَ الْجُمْهُورُ: دُعَائِي بِفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَيَعْقُوبُ وَالدُّورِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرٍو بِإِسْكَانِهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ أَيْ: كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ إِلَى سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِكَ، وَالطَّاعَةُ لَكَ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ لِئَلَّا يَسْمَعُوا صَوْتِي وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ أَيْ: غَطَّوْا بِهَا وُجُوهَهُمْ لِئَلَّا يَرَوْنِي، وَقِيلَ: جَعَلُوا ثِيَابَهُمْ على رؤوسهم لِئَلَّا يَسْمَعُوا كَلَامِي، فَيَكُونُ اسْتِغْشَاءُ الثِّيَابِ عَلَى هَذَا زِيَادَةً فِي سَدِّ الْآذَانِ، وَقِيلَ: هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْعَدَاوَةِ، يُقَالُ: لَبِسَ فُلَانٌ ثِيَابَ الْعَدَاوَةِ، وَقِيلَ: اسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ لِئَلَّا يَعْرِفَهُمْ فَيَدْعُوهُمْ وَأَصَرُّوا أَيِ: اسْتَمَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ، وَلَمْ يُقْلِعُوا عنه، ولا تابوا منه وَاسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ، وَعَنِ امْتِثَالِ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ اسْتِكْباراً شَدِيدًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً أَيْ: مُظْهِرًا لَهُمُ الدَّعْوَةَ، مُجَاهِرًا لَهُمْ بِهَا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ أَيْ: دَعَوْتُهُمْ مُعْلِنًا لَهُمْ بِالدُّعَاءِ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً أَيْ: وَأَسْرَرْتُ لَهُمُ الدَّعْوَةَ إِسْرَارًا كَثِيرًا، قِيلَ: الْمَعْنَى: أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُلَ بَعْدَ الرَّجُلِ يُكَلِّمُهُ سِرًّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ دَعَاهُمْ عَلَى وُجُوهٍ مُتَخَالِفَةٍ وَأَسَالِيبَ مُتَفَاوِتَةٍ، فَلَمْ يَنْجَعْ ذَلِكَ فِيهِمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَى أَعْلَنْتُ: صِحْتُ، وَقِيلَ: مَعْنَى أَسْرَرْتُ: أَتَيْتُهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ فَدَعَوْتُهُمْ فِيهَا. وَانْتِصَابُ جِهَارًا عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ جِهَارًا وَيَكُونُ غَيْرَ جِهَارٍ، فَالْجِهَارُ نَوْعٌ مِنَ الدُّعَاءِ، كَقَوْلِهِمْ: قَعَدَ الْقُرْفُصَاءَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَعْتَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: دُعَاءً جِهَارًا، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: مُجَاهِرًا، وَمَعْنَى ثُمَّ الدَّلَالَةُ
стр. 2840
عَلَى تَبَاعُدِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّ الْجِهَارَ أَغْلَظُ مِنَ الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ مِنْ أَحَدِهِمَا. قَرَأَ الْجُمْهُورُ إِنِّي بِسُكُونِ الْيَاءِ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَالْحَرَمِيُّونَ بِفَتْحِهَا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً أَيْ:
سَلُوهُ الْمَغْفِرَةَ مِنْ ذُنُوبِكُمُ السَّابِقَةِ بِإِخْلَاصِ النِّيَّةِ، إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً أَيْ: كَثِيرَ الْمَغْفِرَةِ لِلْمُذْنِبِينَ، وَقِيلَ:
مَعْنَى اسْتَغْفِرُوا: تُوبُوا عَنِ الْكُفْرِ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا لِلتَّائِبِينَ، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً أَيْ: يُرْسِلْ مَاءَ السَّمَاءِ عَلَيْكُمْ، فَفِيهِ إِضْمَارٌ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالسَّمَاءِ الْمَطَرُ، كَمَا فِي قَوْلُ الشَّاعِرِ «١» :
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غضابا
والمدرارا: الدُّرُورُ، وَهُوَ التَّحَلُّبُ بِالْمَطَرِ، وَانْتِصَابُهُ إِمَّا عَلَى الْحَالِ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَمْ يُؤَنَّثْ لِأَنَّ مِفْعَالًا لَا يُؤَنَّثُ تَقُولُ: امْرَأَةٌ مِئْنَاثٌ وَمِذْكَارٌ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: إِرْسَالًا مِدْرَارًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَجُزِمَ يُرْسِلْ لِكَوْنِهِ جَوَابَ الْأَمْرِ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْمَطَرِ وَحُصُولِ أَنْوَاعِ الْأَرْزَاقِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ يَعْنِي بَسَاتِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً جَارِيَةً. قَالَ عَطَاءٌ: الْمَعْنَى يُكْثِرُ أَمْوَالَكُمْ وَأَوَّلَادَكُمْ. أَعْلَمَهُمْ نُوحٌ ﵇ أَنَّ إِيمَانَهُمْ بِاللَّهِ يَجْمَعُ لَهُمْ مَعَ الْحَظِّ الْوَافِرِ فِي الْآخِرَةِ الْخِصْبَ وَالْغِنَى فِي الدُّنْيَا. مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً أَيْ: أَيُّ عُذْرٍ لَكُمْ فِي تَرْكِ الرجاء، والرجاء هنا بمعنى الخوف، أي: مالكم لَا تَخَافُونَ اللَّهَ، وَالْوَقَارُ: الْعَظَمَةُ مِنَ التَّوْقِيرِ وَهُوَ التَّعْظِيمُ، وَالْمَعْنَى لَا تَخَافُونَ حَقَّ عَظَمَتِهِ فتوحّدونه وتطيعونه، ولا تَرْجُونَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ، وَالْعَامِلُ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ فِي «لَكُمْ» ، وَمِنْ إِطْلَاقِ الرَّجَاءِ عَلَى الْخَوْفِ قَوْلُ الْهُذَلِيِّ:
إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو الْعَالِيَةَ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: مَا لَكَمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ ثَوَابًا، وَلَا تَخَافُونَ مِنْهُ عِقَابًا.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ: مَا لَكَمْ لَا تُبَالُونَ لِلَّهِ عظمته. قَالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ، وَهُذَيْلٌ وَخُزَاعَةُ ومضر يقولون: لم أرج: لم أبال. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا لَكَمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ عَاقِبَةَ الْإِيمَانِ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: مَا لَكَمْ لَا تَرْجُونَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ أَنْ يُثِيبَكُمْ عَلَى تَوْقِيرِكُمْ خَيْرًا. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَا لَكَمْ لَا تُؤَدُّونَ لِلَّهِ طَاعَةً.
وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا لَكَمْ لَا تَعْرِفُونَ لِلَّهِ حَقًّا وَلَا تَشْكُرُونَ لَهُ نِعْمَةً. وَجُمْلَةُ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ خَلَقَكُمْ عَلَى أَطْوَارٍ مُخْتَلِفَةٍ: نُطْفَةٍ، ثُمَّ مُضْغَةٍ، ثُمَّ عَلَقَةٍ إِلَى تَمَامِ الْخَلْقِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ. وَالطَّوْرُ فِي اللُّغَةِ: الْمَرَّةُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الطَّوْرُ الْحَالُ، وَجَمْعُهُ أَطْوَارٌ، وَقِيلَ: أَطْوَارًا صِبْيَانًا ثُمَّ شُبَّانًا ثُمَّ شُيُوخًا، وَقِيلَ: الْأَطْوَارُ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَخْلَاقِ، وَالْمَعْنَى: كَيْفَ تُقَصِّرُونَ فِي تَوْقِيرِ مَنْ خَلَقَكُمْ عَلَى هَذِهِ الْأَطْوَارِ الْبَدِيعَةِ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً الْخِطَابُ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ، وَالْمُرَادُ الِاسْتِدْلَالُ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وبديع
следующие страницы →