← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

بالجنةِ والنجَاةَ مِنَ النَّارِ" قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم. وفيه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "وَاذُنُوباهُ وَاذُنُوباهُ"، مرتين أو ثلاثاً، فقال له رسول الله ﷺ : "قُل: اللهُم مَغْفِرَتُكَ أوسَعُ مِنْ ذُنُوبي ورَحْمَتُكَ أرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلي"، فقالها، ثم قال: عُدْ، فعاد، ثم قال: "عُدْ، فعاد، فقال؛ قُمْ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ". وفيه عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للهِ تَعَالى مَلَكاً مُوَكَّلاً ــ العصمة وقد أنكر بعضهم جواز ذلك إذ العصمة إنما هي للأنبياء والملائكة قال والجواب أنها في حق الأنبياء والملائكة واجبة وفي حق غيرهم جائزة وسؤال الجائز جائز إلا أن الأدب سؤال الحفظ في حقنا لا العصمة وقد يكون هذا هو المراد هنا اهـ. وقال ابن حجر الهيتمي في شرح العباب الحق ما قاله بعض المتأخرين أنه إن قصد التوقي عن جميع المعاصي والرذائل في سائر الأحوال امتنع لأنه سؤال مقام النبوة وإن قصد التحفظ من أعمال السوء فهذا لا بأس به اهـ. قوله: (وفيه) أي في كتاب الحاكم وقال الحاكم بعد تخريجه رواته عن آخرهم مدنيون ممن لا يعرف واحد منهم بجرح وكذا رواه الضياء عن جابر كما في الجامع الصغير. قوله: (مغفرتك أوسع من ذنوبي) أي أن ذنوبي وإن عظمت فمغفرتك أعظم منها وما أحسن قول الإِمام الشافعي: تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما وقال الشرف البوصيري: يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت ... إن الكبائر في الغفران كاللمم لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم قوله: (ورحمتك أرجى عندي من عملي) أي تعلقي برحمتك وإحسانك أشد عندي من تعلقي بعملي من الرجاء والتعلق به لأن العمل لا ينفع صاحبه إلا برحمة الله

стр. 2557

بمَنْ يَقُولُ: يا أرحَمَ الرَّاحِمِينَ، فَمَنْ قالَها ثَلاثاً قالَ لهُ الملَكُ: إن أرحَمَ الراحمِينَ قَدْ أقْبَلَ عَلَيكَ فَسَلْ". ــ كما قال ﷺ : "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته (ومن لطيف ما يحكى) أن بعض النبهاء الإيقاظ حضر مجلس بعض الوعاظ فأصابته سنة من المنام فرأى القيامة قد قامت وقد وقف النّاس للحساب فدعى ذلك الواعظ وأوقف بين يدي الحق تعالى فقال له: يا عبد السوء ما فعلت فيما علمت قال: يا رب علمت العلم من أجلك فقال: لا ولكنك علمت ليقال انطلقوا به إلى النار فاكتنفته الزبانية فصار يلتفت خلفه فأمر الله به فأعيد إلى موقفه الأول ثم قال له يا شيخ السوء ما بالك تلتفت خلفك قال: يا رب ما كان هذا ظني قال وما ظنك فقال وذكر إسناده إلى رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله أن الله يستحي أن يعذب شيبة شابت في الإسلام فقال الله تعالى صدق فلان وصدق فلان وصدق رسولي وصدق وصدقت جبريل اذهبوا به إلى الجنة أو كما قال: فانتبه ذلك النائم من سنته فسمع الشيخ وهو يقول: حاسبونا فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا هكذا سيمة الملوك ... بالمماليك يرفقوا وأخرج البغدادي في "تاريخ بغداد" في ترجمة يحيى بن أكتم عن محمد بن سلمة الرجل الصالح قال رأيت يحيى بن أكتم القاضي في المنام فقلت له: ما فعل الله بك فقال: أوقفني بين يديه وقال: يا شيخ السوء لولا شيبتك لأحرقتك بالنار فأخذني ما يأخذ العبد بين يدي مولاه فلما أفقت قال لي: يا شيخ السوء فذكر الثانية والثالثة مثل الأولى سواء قال: فلما أفقت قلت: يا رب ما هكذا حدثت عنك فقال الله : وما حدثت عني وهو أعلم بذلك قلت: حدثني عبد الرزاق بن همام نا معمر

стр. 2558

باب في آداب الدعاء اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدّثون وجماهيرُ العلماء من الطوائف كلِّها من السلف والخلف: أن الدعاء مستحب، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا ــ ابن راشد عن ابن شهاب الزهري عن أنس بن مالك عن نبيك ﷺ عن جبريل عنك أنك قلت ما شاب لي عبد في الإسلام شيبة إلا استحيت منه أن أعذبه بالنار فقال الله تعالى: صدق عبد الرزاق وصدق معمر وصدق الزهري وصدق أنس وصدق نبيي وصدق جبريل أنا قلت ذلك، انطلقوا به إلى الجنة وفي ختم الباب بحديث أبي أمامة تحريض على التمسك بأذيال الكرام والاعتصام بحبل الرحمة وإعلام بأن إجابة الدعوات من محض الرحمة والمنة ولله المنة والله أعلم. باب آداب الدعاء قال بعض العارفين العمل موصل إلى الثواب والأدب في العمل يوصل إلى الله سبحانه وسبق تعريف الأدب أوائل الكتاب وقال الحافظ القسطلاني الأدب ما يحمد قولاً وفعلاً وعبر عنه بعضهم بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق وما قاله الحافظ أولى والدعاء سؤال العبد من الله تعالى. قوله: (أن الدعاء مستحب الخ) سئل العز بن عبد السلام هل يجوز أن يقال لا حاجة إلى الدعاء إذ لا يرد قضاء ولا قدراً فأجاب من زعم عدم الحاجة إلى الدعاء فقد كذب وعصى ويلزمه أن يقول لا حاجة بنا إلى الإيمان والطاعة لأن ما قضاه الله من الثواب والعقاب حاصل ولا يدري هذا الأحمق أن مصالح الدارين قد رتبها الله تعالى على الأسباب فإن بناه على أن ما سبق له لا يغيره الدعاء لزمه أن لا يأكل ولا يشرب إذا جاع أو عطش ولا يتداوى إذا مرض وأن يلقى الكفار بلا سلاح ويقول في ذلك كله ما قضاه الله تعالى لا يرد وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل وما أجراً هذا الشخص على الجرأة بإذكار الشرع وحاصله

стр. 2559

وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] والايات في ذلك كثيرة مشهورة. وأما الأحاديث الصحيحة، فهي أشهر من أن تُشْهَر، وأظهر من أن تُذْكَر، وقد ذكرنا قريباً في الدعوات ما فيه أبلغ كفاية، وبالله التوفيق. وروينا في "رسالة الإِمام أبي القاسم القشيري" ﵁ قال: اختلف النّاس في أن الأفضل الدعاء، أم السكوت والرضى؟ فمنهم من قال: الدعاء عبادة، للحديث السابق: "الدُّعاءُ هُو العِبَادَةُ" ولأن الدعاء إظهار الافتقار إلى الله تعالى. وقالت طائفة: السكوت ــ إن الإيمان بالقضاء لا يقتضي ترك الأسباب فالله تعالى قدر الأمر وقدر سببه. قوله: (والآيات في الباب كثيرة) كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وكقوله تعالى: (﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي عن دعائي كما قال بعض المفسرين وجاء ما يوميء إليه في الحديث المرفوع عن سيد المرسلين ﷺ . قوله: (للحديث السابق الدعاء هو العبادة) وآخر الحديث ثم تلا أي النبي ﷺ وقال ربكم: ﴿ادْعُونِي﴾ الآية رواه أحمد والبخاري في تاريخه وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم في مستدركه وابن أبي شيبة في مصنفه وقال الترمذي حسن صحيح وقال الحاكم صحيح الإسناد وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء كل هؤلاء أخرجوا الحديث من حديث النعمان بن بشير وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن البراء. قوله: (ولأن الدعاء إظهار الافتقار إلى الله تعالى) قال القشيري: هو حق الله فإن استجاب للعبد فهو زيادة وإن لم يستجب له ولم يصل إلى حظ نفسه فقد قام بحق ربه فإن الدعاء إظهار فاقة العبودية وقد قال أبو حازم الأعرج لأن أحرم الدعاء أشد علي من أن أحرم الإجابة أي لأن الدعاء حق الله تعالى والإجابة حق العبد. قوله: (وقال طائفة السكوت الخ) هذا مقام إبراهيمي ففي الحديث أنه لما وضع إبراهيم في المنجنيق ليرمى به جاءه جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا

стр. 2560

والخمود تحت جَرَيان الحُكْم أتم، والرضى بما سبق به القدر أولى، وقال قوم: يكون صاحبَ دعاءٍ بلسانه ورضىً بقلبه ليأتي بالأمرين جميعاً. قال القشيري: والأولى أن يقال: الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت، وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء، وهو الأدب، وإنما يُعرف ذلك بالوقت، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء، فالدعاء أولى به، وإذا وجد إشارة إلى السكوت، فالسكوت أتم. ــ وأما إليه فبلى، فقال: سله. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وقوله: (والخمود) بالمعجمة أصله زوال لهب النار مع بقاء جرمها وكني به عن عدم الاضطراب بالقلب والسكون تحت مرادات الرب. وقوله: (جريان القضاء) أي السكون تحت المقضي (أولى) قال القشيري: ولذا قال الواسطي اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت وقد قال ﷺ من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين اهـ. قوله: (وقال قوم يكون صاحب دعاء بلسانه) أي امتثالاً للأمر الوارد بطلبه وقياماً بمقام العبودية (ورضا بقلبه) بالأقضية الإلهية فلا يقصد بالدعاء معارضة الأقدار ولكن يقصد أن يشغل لسانه به لكونه من جملة الأذكار مع شغل قلبه بربه ورضاه بمقتضاه. قوله: (قال القشيري والأولى أن يقال الخ) قال شيخ الإسلام زكريا في شرح الرسالة فرب شخص في خلوة يغلب عليه الدعاء وكمال التضرع والبكاء فملازمته لحالته أقرب لنيل مقصوده وربما يغلب عليه توالي نعم ربه وعجزه عن شكرها ويستحي بعجزه عن شكر ما توالى عليه من النعم أن يطلب زيادة على ما هو فيه فالسكوت ولزوم الحياء أولى اهـ، وقال عمي وأستاذي الشيخ أحمد بن علان الصديقي إذا ألقى الله تعالى في قلب المريد لاعجاً للدعاء ووجد الحلاوة عنده فيعلم بتلك العلامة أن المراد منه حينئذٍ الدعاء فيشتغل به وهو الأدب لكونه مطلوباً حينئذٍ وإذا فقد ذلك ووجد في قلبه السكون اعتباراً على الرضى بما يحدثه عليه الحق فحاله علامة أن المراد منه غيره فيشتغل بغيره من

стр. 2561

قال: ويصحُّ أن يقال: ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو لله فيه حق، فالدعاء أولى، لكونه عبادة، وإن كان لنفسك فيه حظ، فالسكوت أتم. قال: ومن شرائط الدعاء أن يكون مطعمه حلالاً. ــ الأذكار والطاعات. قوله: (ما كان للمسلمين فيه نصيب) نحو اللهم ارحم المسلمين أو وفقهم أو نحو ذلك. قوله: (أو كان لله فيه حق) كسؤال إقامة الدين وتسديده وهو يعود نفعه للمسلمين أيضاً لكن أفرد اهتماماً بشأنه. قوله: (فالدعاء أولى) أي لأن الخير المتعدي أولى من القاصر. قوله: (وإن كان لنفسك فيه حظ الخ) ظاهره أنه عند حظ نفسه يترك الدعاء وإن كان بما فيه نصيب للمسلمين أو حق لرب العالمين وينبغي حمله على ما عدا ذلك أي على ما إذا غلب عليه باعث الدنيا وإلا فالدعاء أفضل ثم رأيت ابن حجر صرح بذلك في شرح العباب قال وذلك لحديث الدعاء هو العبادة الدعاء مخ العبادة وبهما يتأكد قول الغزالي في كتاب وسائل الحاجات الدعاء أفضل العبادات وأنجح القربات وأسنى الطاعات اهـ وظاهر أن مراده من أفضل وأنجح وأسنى كما هو ظاهر أن كثيراً من العبادات أفضل منه بل الإكثار بالذكر أولى منه بالدعاء لخبر من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين اهـ والله أعلم. قوله: (ومن شرائط الدعاء أن يكون مطعمه حلالاً) إن قلت الباب معقود لآداب الدعاء فما الحكمة في ذكر الشرط وتقديمه على الآداب والاقتصار على ما ذكر، قلت أما ذكر الشرط في الباب المعقود لغيره وتقديمه فللإشعار بأن ذكره أهم من ذكر أدبه على أنه لا منافاة بين كونه شرطاً وكونه أدباً وقد عد في السلاح من جملة آداب الدعاء اجتناب الحرام وقال الطرطوشي: آدابه أكل الحلال، قال بعضهم ولعله من شروطه وفي الحديث أنه ﷺ قال لسعد: "يا سعد أطب مطعمك تستجب دعوتك" ومن ثم قيل: الدعاء مفتاح وأكل الحلال أسنانه وقضية الحديث أن ذلك شرط لا أدب، قال في شرح العباب الأشهر أنه من آدابه لكنه آكدها ولعل هذا حكمة الاقتصار عليه من باقي الشرط وحيثما تقرر أن الشرط أهم من الآداب

стр. 2562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأن الشروط لا بد لصحة الدعاء منها والآداب تتم وتكمل بها فنذكر منها طرفاً صالحاً ونقدمه على ما ذكره المصنف من الآداب (فنقول) من شروطه ما ذكره الزركشي عن الحليمي ألا يسأل ممتنعاً عقلاً ولا عادة كإنزال مائدة من السماء وغيرها من خوارق الأنبياء لأن نقض العادات إنما تكون من الله تعالى لتأييد من يدعو إلى دينه أي من غير صنع وتطلع ممن أجريت على يديه مع عدم انحلال العالم حتى لا يرد ما للسحرة والدجال ولا إباحة حرام ومنه الدعاء بالشر على غير مستحقه أو على بهيمة، وألا يكون له فيما يسأل غرض فاسد كمال وطول عمر للتفاخر والاستعانة على قضاء الشهوات، وألا يكون على وجه الاختبار بل بمحض السؤال إذ العبد لا يختبر ربه، وألا يشتغل به عن فرض، وألا يستعظم حاجة لما في صحيح ابن حبان مرفوعاً إذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فإنه لا يتعاظم على الله شيء، وأن تكون الإجابة عنده أعظم من الرد لما أخرجه الترمذي والحاكم ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة -وسيأتي في الأصل عد هذه من جملة الآداب ولا ينافي ما ذكرنا لما من آنفاً من أن من الشرط ما قد يكون أدباً- ولا يضجر من تأخر الإجابة: إذ المصلحة تكون في تأخرها ولأن الدعاء عبادة واستكانة وذلك ينافيها وفي الصحيحين يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء، وألا يقتصر على دعاء ألفه غيره مع الجهل بمعناه أو انصراف الهمة إلى لفظه لأنه حاك لكلام غيره لا سائل قال الحليمي: نعم، إن كان دعاء حسناً أو كان صاحب الدعاء ممن يتبرك بكلامه فاختاره لذلك وأحضر قلبه ووفاه من الإخلاص حقه كان هو وإنشاء الدعاء من عنده سواء قال الزركشي: وكرهه بعضهم بأمر لم يظهر له معناه أخذاً من قول أبي حنيفة ﵀ يكره أن يدعو فيقول: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك وإن جاء به الحديث لأن هذا لا ينكشف لكل أحد وهذا الحديث أخرجه البيهقي وغيره وبه يرد إيراد ابن الجوزي له في الموضوعات، وأن يصلح لسانه ويحترز عما يعد إساءة في المخاطبات لوجوب تعظيمه تعالى على عبده في كل حال فلا يصرح بجماع ولا طاعة امرأة

стр. 2563

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بل يقول اللهم متعني بجوارحي وأصلح لي زوجي، وأن يدعو بأسمائه الحسنى دون ما لا ثناء فيه كيا خالق الحيات والعقارب لأنها مؤذية فالدعاء بها كهو بقوله يا ضار، قيل ومن شرط الصحة أيضاً أن يعلم أن لا قادر على حاجته إلا الله وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره. تنبيه من هذه الشروط ما يكون مخالفته كفراً أو حراماً ومنها ما لا يكون كذلك كما بينه القرافي ونقله عنه الزركشي فمن الكفر الدعاء بالمغفرة لمن مات كافراً أي يقيناً أو بطلب الراحة من أهوال القيامة أو بتخليد مؤمن في النار أو استدامة الحياة للراحة من هول الموت أو لجميع بني آدم بالسلامة من إبليس وجنوده أو بأن يرى الله في اليقظة أو أن يفيض عليه ما هو مختص بالقدرة الإلهية كالإيجاد والإعدام والقضاء النافذ لاستحالة ذلك في البعض وتكذيب خبر الصادق في الباقي والظاهر أن محل ذلك إن تعمده الداعي وعلم بالمنع منه وعذره إلا أن يكون ممن لا يخفى عليه ذلك خلافاً لما يقتضيه كلام القرافي واعترض ما ذكره في طلب الراحة بأن في الصحيح سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وقال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ وقد يجمع بحمل الأول على طلب الراحة من جميع الأهوال من الموت إلى دخول الجنة بناء على القول بأن أول القيامة من الموت والثاني على طلبها في الموقف فقط على أن لملتزم أن يلتزم أنه وإن أراد المعنى الأول أيضاً لا يكفر إذ لا قاطع على حصول شيء منها لكل أحد بعينه وفيما ذكره في تخليد المؤمن في النار على إطلاقه نظر وفي رؤية الله تعالى في اليقظة نظر لأنها غير مستحيلة ولا ورد فيها نص بامتناعها وفي تعليل الكفر بالاستحالة نظر أيضاً بل الذي ينبغي أنه يناط بما فيه تكذيب قاطع معلوم من الدين بالضرورة أخذاً مما يأتي في الردة ثم رأيت القرافي نفسه صرح بذلك حيث قال اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم أو اغفر للمسلمين كلهم ذنوبهم لم يدخل أحد النار فيستلزم تكذيب الأحاديث الصحيحة فيكون معصية لا كفراً لأنها إخبار آحاد والتكفير إنما يكون بجحد ما علم ثبوته بالضرورة والتواتر اهـ فهذا صريح فيما ذكرته ومبطل لحكمه

стр. 2564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالكفر في صور مما ذكر مع أنه لم يوجد فيها العلم الضروري فتأمله، ومن المحرم طلب المستحيل عقلاً كان يجعل في مكانين متباعدين في زمن واحد والسلامة من الآلام والأسقام أو عادة أن لا يكون ولياً كالاستغناء عن التنفس في الهواء والولد من غير جماع ومنه طلب ثبوت أو نفي ما دل الشرع على ثبوته أو نفيه لأنه تحصيل الحاصل فيكون سوء أدب ومنه اللهم لا تهلك هذه الأمة بالخسف العام والريح العاصف قال ومنه ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ مع قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" واعترض بما أخرجه الفريابي مرفوعاً أنه ﷺ قال في آخر سورة البقرة: "من دعا بهن يرضين الرحمن " وبقول ابن القاص يسن في القنوت: ربنا لا تؤاخذنا إلى آخر الآية واستحسنه الروياني واستغراب النووي له من حيث كراهة القرآن في غير القيام لا من حيث كونه دعاء بتحصيل الحاصل على أن لك أن تمنع كونه كذلك إذ النسيان والخطأ لا يمنعان ضمان الأموال وترتبها في الذمم فإذا قصد السائل بعدم المؤاخذة بهما إن الله تعالى يقضي عنه ما ترتب في ذمته بسببهما حتى لا تكون نفسه مرهونة به بناء على تعميم الرهن بكل دين وإن لم يعص بسببه حتى لا تؤاخذ حسناته في ذلك لم يكن ذلك من تحصيل الحاصل في شيء، على أنه قد يؤاخذ بالنسيان كان اشتغل بلعب الشطرنج حتى نسي الصلاة فخرج الوقت فإذا قصد عدم المؤاخذة به لهذه الصورة وما شابهها لم يكن في ذلك تحصيل حاصل أصلاً، ومن ذلك قول بعضهم وأخف زللنا عن الكرام الكاتبين قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ إلا إن قصد التوفيق للتوبة عقب الزلة حتى لا يكتبها الملك وقد روى ابن عساكر عن أنس مرفوعاً إذا تاب العبد أنسى الله الحفظة ذنوبه وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقي الله وليس عليه شاهد بذنب، ومن المحرم أيضاً نفي ما دل السمع الآحادي على ثبوته كقوله: اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم، لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من أنه لا بد من دخول طائفة منهم النار، ولا ينافيه أن من آداب الدعاء أن يقول: اغفر لي ولجميع المسلمين ولا قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أما الأول فلأنه إن أراد في بعض الأشياء

стр. 2565

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صح أن يشترك معه غيره وإن أراد الكل صح في حقه إذ لم يتعين كونه من الداخلين للنار وأما في جميعهم فإن أراد المغفرة من حيث الجملة صح إذ لا منافاة أو مغفرة الجميع حرم لما سبق وأما الثاني فلا عموم فيه لكونه فعلاً في سياق الإثبات. وهذا وما قبله سبق القرافي إليه شيخه ابن عبد السلام في أماليه وأشار ابن الحاجب فيما كتب عليها إلى أن محل ما ذكر آخراً أن يريد المغفرة في الآخرة بخلاف ما لو أراد بها الستر في الدنيا لأنه قد يكون معه عقاب وقد لا يكون، قال الغزالي وأقره الزركشي ومن ذلك اللهم استر عورتي يوم القيامة عن الأبصار لما صح أن الخلق يحشرون حفاة عراة وتعقبه غيره بأن الحديث ليس على عمومه كما صرح به البيهقي وغيره فإن من المؤمنين من يبعث في أكفانه كما ورد في عدة أحاديث فلا يمتنع الدعاء بذلك وقد ورد في بعض طرق الحديث أن أم سلمة ﵂ قالت حين سمعت النبي ﷺ يقول: "يحشر النّاس حفاة عراة" قالت: يا رسول الله: ادع الله أن يستر عورتي، فقال: اللهم استر عورتها، ومنها طلب ثبوت أمر دل السمع الآحادي على نفيه كقوله: اللهم اجعلني أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، ومنه الطلب مع التعليق كاللهم اغفر لي إن شئت للنهي عنه لخلوه عن إظهار الحاجة إلى الله ويرد هذا ما سبق عن المصنف من كراهة ذلك وعدم تحريمه، ومنه التعليق بما هو من شأنه تعالى كاللهم افعل بي ما أنت أهله في الدنيا والآخرة فهو قبيح وإن استحسنه بعضهم لأنه تعالى أهل للمغفرة والمؤاخذة فكأنه طلب إما الخير وإما الشر فأشبه التخيير كذا قاله القرافي وسكت عليه الزركشي ونظر فيه غيره وكأن وجه النظر قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ ويجاب بأن المراد أهل لأن يتقى ويخشى من عذابه وأهل لأن يغفر، وكترتيبه على استئناف المشيئة كاللهم قدر لي الخير أو اقض لي الخير حيث شئت لأن الدعاء بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبل دون الماضي لأنه طلب ولأن هذا إنما صح على مذهب الخوارج أن قضاء وأما قوله في حديث الاستخارة واقدر لي الخير حيث كان فالمراد به التيسير على سبيل المجاز فإن أريد هذا المعنى جاز الإطلاق، ومنه الدعاء بلفظ أعجمي لأنه قد يشتمل

стр. 2566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على ما ينافي جلال الربوبية فمنع العلماء منه كذا قال الغزالي ولم يتعقب وهو جدير بالتعقب لجواز الترجمة عن الوارد حتى في الصلاة للعاجز عن العربية فأولى خارجها وإن قدر على العربية نعم إن حمل على من دعا بلفظ أعجمي لا يعرف معناه كان له وجه، ومنه الدعاء على غير الظالم بخلافه على الظالم فإنه جائز وإن كان الأحسن تركه إذ في الحديث أنه يذهب أجر المظلوم ويؤيده قوله ﷺ : "من دعا على ظالمه فقد انتصر" أخرجه الترمذي وبحث بعضهم أن الدعاء على من ظلم المسلمين لا يذهب أجر الداعي لأنه لم يدع لحظ نفسه قال الزركشي وشروط جوازه على الظالم أن يدعو بقضية نحو قضيته أو دونها وما تقدم من قصة سعيد بن زيد مع المرأة التي خاصمته إلى مروان وفيها جواز الدعاء على الظالم بأكثر مما ظلم فيه استشكل كما قال الزركشي بقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ويجاب بالفرق بين الدعاء عليه بأكثر مما ظلم فيه وبين أن يفعل به أكثر مما ظلم بأن الدعاء ليس مقطوعاً بإجابته فيجوز ذلك ليرتدع الظالم عن شره أو غيره ممن يريد الظلم اهـ. ونظر فيه في شرح العباب واستوجه منع الزيادة مطلقاً قال ولا ينافيه قضية سعيد لأنها مذهب صحابي اهـ وأما قصة سعد السابقة فسبق أن دعاءه بقدر ظلمه ولم يزد عليه وسبق توجيهه قال الزركشي وتوقف ابن المنير في جواز الدعاء على الظالم بالفتنة في دينه وسوء الخاتمة قال وقد تأملت دعاء سعد بن أبي وقاص على خصمه بقوله وعرضه للفتن وجدته سائغاً وسببه أن ذلك لم يقصد من حيث هو بل من حيث أدائه إلى نكاية الظالم وعقوبته كما شرع تمني الشهادة وإن تضمن قتل الكافر المسلم وهو معصية إذ الغرض ثوابها لا نفسها ووجدت في دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ذلك كقول موسى: "واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا"، وقول نوح: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾ وتأملت أدعيته ﷺ فوجدتها لا تتعدى مصائب الدنيا ولو وجد فيها خلاف ذلك لساغ كما ساغ لغيره من الأنبياء اهـ قال غيره وفي وجد في دعواته ﷺ فأخرج عبد الرزاق وابن جرير بسند صحيح لكنه مرسل أنه ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين

стр. 2567

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كسر رباعيته وشج وجهه فقال: "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً" وقد نص ابن عرفة من أئمة المالكية على أن محل المنع من الدعاء بسوء الخاتمة في غير الظالم المتمرد وأما هو فيجوز، قيل والحاصل أن من لم يظلم أو ظلم في عمره مرة حرم الدعاء عليه بذلك وعليه يحمل كلام من منع وأما المتمرد لعموم ظلمه أو كثرته وتكرره أو فحشه أو أماتته لحق أو سنة أو إعانته على إحياء باطل أو بدعة فهذا هو الذي يجوز الدعاء عليه بذلك وعليه يحمل كلام من جوز وما ورد من ذلك عن الصحابة والتابعين وأعلام الأمة سلفاً وخلفاً، ومنه طلب وقوع محرم كاللهم اسق فلاناً خمراً وأعنه على المكس أو يسر له الولاية الفلانية وهي مشتملة على معصية وقد ورد من دعا لفاسق بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله ومحبة معصية الله محرمة ومن المكروه كما صرح به الزركشي الدعاء في كنيسة وحمام ومحل نجاسة وقذر ولعب ومعصية كالأسواق التي يغلب فيها العقود والأيمان الفاسدة أو مع نعاس أو فرط شبع أو مدافعة الأخبثين أو ملابسة النجاسة أو غيرها من الحالات التي لا تناسب التقرب، ومنه أيضاً أن يكون سبباً لفساد القلب وحصول الكبر والخيلاء كما كره مالك لأئمة المسجد الدعاء عقب الصلوات المكتوبات جهراً للحاضرين فيجتمع عليه المتقدم في الصلوات وشرف كونه نصب نفسه واسطة بين الله وعباده في تحصيل مصالحهم على يده بالدعاء فيوشك أن تعظم نفسه عنده فيفسد قلبه ويعصي ربه وقد سأل بعضهم عمر ﵁ في الدعاء لقومه فقال: لا إني أخاف أن تنتفخ حتى تصل إلى الثريا، ومنه أن يكون متعلقه مكروهاً كطلب الإعانة على اكتساب الرزق بنحو الحجامة مع القدرة على الكسب بغيرها، ومنه أن يجري على سبيل العادة لا مع قصد القربة وأما قوله ﷺ : "تربت يمينك فذلك لأنه غلب استعماله في غير الدعاء فزال حكم الدعاء منه فإذا استعمل في غير الدعاء فقد استعمل فيما هو موضوع له عرفاً، ومنه أن يكثر فيه السجع ولو مع عدم التكلف على ما هو ظاهر إطلاقه ويحتمل خلافه وهو الأقرب، ومنه أن يتعدى في الدعاء كما في حديث ولد عبد الله بن مغفل أسألك القصر الأبيض في الجنة الحديث أخرجه ابن أبي شيبة وعند

стр. 2568

وكان يحيى بن معاذ الرازي ﵁ يقول: كيف أدعوك وأنا عاصٍ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟ . ومن آدابه حضور القلب، وسيأتي دليله إن شاء الله ــ أبي داود نحوه، ومنه أن يخص نفسه بالدعاء إذا كان إماماً على ما من فيه في باب أذكار الصلاة قيل والداعي للجماعة مثل الإِمام في كراهة تخصيص نفسه بذلك، ومنه أن يحجر فيه ففي البخاري أن أعرابياً قال في صلاته: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً فلما سلم ﷺ قال للأعرابي: "لقد تحجرت واسعاً يريد رحمة الله" كذا اقتصر الزركشي على كراهة التحجر المذكور ونظر فيه في شرح العباب واستوجه تحريم تعمد ذلك للعالم به قال ولا ينافيه قضية الأعرابي كما لا يخفى أي لأنه ليس عالماً، ومنه أن يدعو على نفسه أو ماله أو ولده أو خادمه للنهي عنه لئلا يوافق ساعة الإجابة قاله الزركشي قال في الإيعاب وإطلاقه كراهة الدعاء على الولد والخادم فيه نظر والذي يتجه حرمة المؤذى لهما حيث لا موجب له اهـ. قوله: (وكان يحيى بن معاذ الرازي) معاذ بضم الميم ثم عين مهملة وبعد الألف ذال معجمة والرازي نسبة إلى الري فهو من مغيرات النسب. قوله: (كيف أدعوك وأنا عاص الخ) أي إن نظر للعصيان اقتضى سكوت اللسان كما ورد عن بعض العارفين إلهي أخرست المعاصي لساني فلم تدع لي للاعتذار وجهاً الخ والحياء بالجنان، وإن نظر إلى وصف الكريم من الكرم وإن كبائر الذنوب مع الغفران كاللمم وأنه أمر عباده بالسؤال وشأن العبد التذلل والافتقار والامتثال فكيف لا يدعو المسكين ربه أرحم الراحمين، والحاصل أن النظر إلى مقام الخوف والجلال مقتضى السكوت لما جناه الإنسان من رديء الأعمال ومقام الرجاء والامتنان يدخل العبد إلى مقام الإحسان فيقع في الأمرين المتعارضين قال الشيخ زكريا في شرح الرسالة وبالجملة فشرط استجابة العبد طاعة العبد لربه أي وما يقع من الإجابة للكافرين استدراج ولبعض العصاة إما أن يكون من باب المعونة أو يكون من باب الاستدراج على حسب ما سبق لذلك في علم الله والله أعلم. قوله: (ومراداً به حضور القلب) أي يقصد بدعائه الخضوع والتذلل لعظمة ربه كما هو وصف العبد اللازم له ولا يكون الدعاء بلسانه والغفلة بجنانه فيكون مانعاً له عن مراده روي أن موسى ﵇ مر على إنسان يسأل ويلح

стр. 2569

تعالى. وقال بعضهم: المراد بالدعاء: إظهار الفاقة، وإلا فالله يفعل ما يشاء. وقال الإِمام أبو حامد الغزالي في "الإحياء": آداب الدعاء عشرة. الأول: أن يترصد الأزمان الشريفة، كيوم عرفة، وشهر رمضان، ــ في الدعاء فقال موسى: يا رب لو كانت إلي حاجة هذا الإنسان وسألني لأعطيته إياها، فقال: يا موسى إنه يسألني بلسانه وقلبه مع غنمه فلو كان متوجهاً بجنانه حال الدعاء بلسانه لنال مراده والله أعلم. قوله: (قال بعضهم المراد بالدعاء إظهار الفاقة الخ) يعني أن ما قضاه الله فهو واقع وسوابق الهمم لا تخرق أسرار الأقدار وإنما المراد من الدعاء إظهار فاقة العبد لربه واستمطاره سحائب قربه وما ورد عن عائشة مرفوعاً الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل الحديث رواه الحاكم في المستدرك والبزاز والطبراني في الأوسط إما أن يحمل على أن المراد أنه يوافق ما قضى به الباري سبحانه من النفع في رفع ما نزل ودفع ما لم ينزل والدعاء موافق لوقت ذلك القدر لا أنه الذي كان له في ذلك دخل أو أثر بل هو سبب في ذلك صوري، في الأحياء ليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وأن لا يسقي الماء بعد بثه البذر فيقال: إن سبق القضاء بالنبات نبت بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر وترتب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب وقدر دفع الشر بسبب فلا تناقض بين تعاطي الأسباب والإيمان بالقدر عند من استنارت بصيرته. قوله: (آداب الدعاء عشرة) قال الشيخ زكريا هي في الحقيقة أكثر. قوله: (أن يترصد الأزمان الشريفة) أي التي جعلها الشارع فاضلة. قوله: (كيوم عرفة) قال في السلاح أخرج الترمذي وقال حسن غريب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة" والمراد من يوم عرفة تاسع ذي الحجة وينبغي أن يراد به ما يعم ما لا يجب قضاء الوقوف إذا وقع فيه كأن وقفوا في العاشر غلطاً ولم ينقصوا عن العادة في الكثرة فقد ورد يوم عرفة الذي فيه يعرفون ثم ظاهر كلامه أن الدعاء يوم عرفة أرجى للإجابة سواء فيه الحاج وغيره. قوله: (وشهر رمضان) أي لأنه شهر تصب فيه الرحمات وتنزل فيه البركات ومن أعظمها

стр. 2570

ويوم الجمعة، والثلث الأخير من الليل، ووقت الأسحار. الثاني: أن يغتنم ــ إجابة الدعوات ثم الإنسان في هذا الشهر إما صائم أو تارك له لعذر من سفر أو مرض وكل مما ذكر من أسباب الإجابة للدعاء فيجتمع ذلك مع شرف الشهر ففي الحديث الصحيح رمضان سيد الشهور وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال يوماً: "وحض على رمضان أتاكم شهر رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب الدعاء وينظر فيه إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته فأروا الله فيه من أنفسكم خيراً فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله قال الحافظ المنذري رواته ثقات إلا محمد بن عيسى لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل قلت ومع ذلك فيحتج به في المقام لأنه من الفضائل والله أعلم. قوله: (ويوم الجمعة) أي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس إذ ذاك كله مظنة الإجابة لأن الساعة فيه مبهمة ولذا وقع الخلاف في تعيينها كما تقدمت الإشارة في أذكار يوم الجمعة وإن كانت أرجى ما يكون من جلوس الخطيب على المنبر إلى تمام الصلاة أي أنها في جملة ذلك الوقت لا أنها بقدره كله لأنها ساعة يسيرة كما وردت الإشارة إلى ذلك ثم ظاهر السلام أنها من أوقات الإجابة سواء لحاضر الجمعة وغيره كرامة لليوم نظير ما قيل به في عدم كراهة الصلاة حال الاستواء يومها وأنه لا فرق بين حاضر الصلاة وغيره والظاهر أن محله في تاركها إذا كان معذوراً وإلا ففيه بعد بل لو حصل له مراده مع المخالفة خشي أن يكون استدراجاً والعياذ بالله. فائدة ليلة الجمعة كيوم الجمعة من أوقات الإجابة أخرج الترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: قوله: (والثلث الأخير من الليل ووقت السحر) عبر في السلاح بقوله: "وجوف الليل الآخر" والأصل في ذلك أحاديث منها حديث أبي هريرة مرفوعاً ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: "من يدعوني فأستجيب له" "من يسألني فأعطيه" "من يستغفرني فأغفر له" رواه أصحاب السنن وزاد النسائي وابن ماجه حتى يطلع الفجر فلذلك كانوا يستحبون صلاة آخر الليل على أوله وفي رواية لمسلم إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول وفي رواية أخرى إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ومنها حديث عمرو بن عبسة أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أقرب ما يكون الرب من العبد

стр. 2571

الأحوال الشريفة، كحالة السجود، والتقاء الجيوش، ونزول الغيث، وإقامة الصلاة، وبعدها. قلت: وحالة رقة القلب. الثالث: استقبال القبلة، ــ في جوف الليل الأخير" فإذا استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى في تلك الساعة فكن رواه أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم في المستدرك قال الترمذي واللفظ له حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ومنها حديث أبي أمامة قلنا أي الدعاء اسمع قال جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي واللفظ له حديث حسن قال وقد روي عن أبي ذر وابن عمر ﵃ عن النبي ﷺ أنه قال: "جوف الليل الآخر الدعاء فيه أفضل وأرجى" ونحو هذا. تنبيه علم من حديث مسلم أن من أوقات الإجابة الثلث الثاني من الليل وكأن القوم لم يذكروه لكون الوارد في الثلث الأخير أكثر، وأشرف أوقات الليل للدعاء هو جوف الليل الأخير وذلك الثلث الذي بين النصف الأول والسدس الأخير والسحر في اللغة السدس الأخير من الليل. قوله: (الأحوال الشريفة) اعلم أن حال السالك والداعي مختلفة غير مستمرة في أزمنة وإن كانت لا تخلو عنها ولتحوله ولو في زمن واحد سمي حالاً فهو وصف للداعي وأما الزمان والمكان فظرفان له. قوله: (كحالة السجود) لما تقدم في باب أذكار الصلاة من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء فقمن أن يستجاب لكم رواه مسلم وأبو داود والنسائي. قوله: (والتقاء الجيوش) أي تصافها لما رواه مالك في الموطأ عن سهل بن سعد موقوفاً عليه والتحامها بعضها ببعض لما رواه أبو داود عن سهل أيضاً (ونزول الغيث) أي المطر (وإقامة الصلاة) أي حال الإقامة بعد إجابتها والصلاة والسلام على النبي ﷺ وقد تقدم بسط ما يتعلق بأدلة هذا في باب استجابة الدعاء بعد الإقامة وفي باب الاستسقاء. قوله: (وبعدها) أي بعد الصلاة لما سبق من حديث أبي أمامة ﵁ قلت: يا رسول الله أي الدعاء أسمع أي أقرب إلى الإجابة قال: دبر الصلوات وجوف الليل. قوله: (وحال رقة القلب) أي خشوعه ولينه خلاف القسوة. قوله: (استقبال القبلة)

стр. 2572

ورفع اليدين، ويمسح بهما وجهه في آخره. الرابع: خفضُ الصوت بين المخافتة والجهر. ــ لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم خرج يستسقي فحول إلى النّاس ظهره واستقبل القبلة يدعو الحديث أخرجه الستة ولحديث عبد الله بن مسعود قال استقبل النبي ﷺ الكعبة فدعا على نفر من قريش الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والأحاديث في استقباله ﷺ حال الدعاء كثيرة. قوله: (ورفع اليدين) أي عن الركبتين إلى جهة السماء إلى حذو منكبيه لحديث أنس في الاستسقاء وفيه فرفع رسول الله ﷺ يديه وما في السماء قزعة الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي، ولحديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة أن رسول الله ﷺ أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر إلى البيت ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء الله أن يدعو والأحاديث في الباب كثيرة جداً كما نبه عليه المصنف وغيره وقد أفرد الجلال السيوطي الأحاديث الواردة في ذلك، ورفع اليدين في الدعاء يستحب للطائف كما في شرح المنهاج لابن حجر قال في الحرز الظاهر إن من الآداب ضم اليدين وتوجيه الأصابع للقبلة. قوله: (ويمسح بهما وجهه) أي خارج الصلاة أما فيها فمكروه كما تقدم بيانه في باب القنوت. قوله: (خفض الصوت الخ) قال في السلاح أو إخفاؤه قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ قال ابن عطية تضرعاً أي بخشوع واستكانة وخفية أي في أنفسكم قال وتأول بعض العلماء التضرع والخفية في معنى السر جميعاً فكأن التضرع فعل القلب وقال في قوله تعالى: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال المفسرون في جوف الليل قال وقال الحسن لقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض عمل يقدرون أن يكون سراً فيكون جهراً أبداً ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء ولا يسمع لهم صوت إن هو إلا الهمس بينهم وبين ربهم وذلك أن الله يقول: ﴿دْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي باستكانة واعتقاد ذلك في القلب وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "خير الذكر الخفي وخير الرزق أو العيش ما يكفي "الشك من ابن وهب رواه أبو عوانة في مسنده الصحيح وابن حبان في صحيحه وتقدم في الفصول أول الكتاب عن عائشة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ إن ذلك نزل في الدعاء رواه البخاري ومسلم وقيل في معنى الحديث سيكون قوم يعتدون في الدعاء هو

стр. 2573

الخامس: أن لا يتكلَّف السجع، وقد فسر به الاعتداء في الدعاء، والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة، فما كل أحد يُحسِنُ الدعاء، فيُخافُ عليه الاعتداء. وقال بعضهم: ادع بلسان الذِّلَّة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق، ويقال: إن العلماء والأبدال لا يزيدون في الدعاء ــ الجهر الكثير والصياح نقله في السلاح. قوله: (أن لا يتكلف السجع فقد فسر به الاعتداء) وقيل الاعتداء طلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء والصعود إلى السماء وقيل الاعتداء أن يدعو بمستحيل أو بما لا يجوز الدعاء به وقيل هو الصياح في الدعاء وهو المناسب لقوله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وقيل ومنه الإطناب في الدعاء فقد أخرج أحمد في مسنده أن بعض الصحابة سمع أحداً يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وأستبرقها ونحواً من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال له: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه سيكون أقوام يعتدون في الدعاء وقرأ هذه الآية وقال: بحسبك أن تقول اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل وأخرج أبو داود أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: أي بني سل الله الجنة وتعوذ به من النار فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة أقوام يعتدون في الطهور والدعاء، قال الغزالي: وإنما ذم تكلف السجع من الكلام لأنه لا يلائم الضراعة والذلة وإلا ففي الأدعية المأثورة عن رسول الله ﷺ كلمات متوازنة لكنها غير متكلفة وسبقت الإشارة لهذا التفصيل في السجع مرات في كتاب أذكار الجهاد وغيره. قوله: (والأولى أن يقتصر على الدعوات المأثورة) أي عن الكتاب والسنة عن النبي ﷺ أو عن أحد من الصحابة ﵃ وسبق بسط زائد في هذا المعنى أول الكتاب وأعدنا منه جملة في باب جامع الدعوات. قوله: (فما كل أحد يحسن الدعاء) أي ما يعتبر فيه وله من الآداب المندوبة تارة والواجبة أخرى. قوله: (ادع بلسان الذلة) أي التذلل (والافتقار) إذ المقام من الدعاء ذلك وهو مقام العبد. قوله: (لا بلسان الفصاحة والانطلاق) أي إذا كان على وجه التكلف والتشدق أما إذا

стр. 2574

على سبع كلمات، ويشهد له ما ذكره الله في آخر سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا ... ﴾ إلى آخرها [البقرة: ٢٨٦] لم يخبر سبحانه في موضع عن أدعية عباده بأكثر من ذلك. قلت: ومثله قول الله في سورة إبراهيم ﷺ : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ إلى آخره [إبراهيم: ٣٥]. قلت: والمختار الذي عليه جماهير العلماء أنه لا حَجْر في ذلك، ولا تكره الزيادة على السبع، بل يستحبُّ الإكثار من الدعاء مطلقاً. السادس: التضرُّع والخشوع والرهبة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا ــ رزق الفصاحة وانطلاق العبارة ولم يتكلف لذلك فلا منع منه ففي الأدعية المأثورة من الفصاحة والبلاغة ما لا يوقف على أدناه فضلاً عن أوسطه وأقصاه. قوله: (ويشهد له ما ذكره تعالى في سورة البقرة) أي فإنها سبع دعوات: عدم المؤاخذة بالخطأ والنسيان ورفع الأصر والتكليف بما لا يطاق وبالعفو والغفران والرحمة والنصر، فالمراد بالكلمة في كلامه المعنى اللغوي أي الجمل المفيدة. قوله: (ومثله قوله تعالى في سورة إبراهيم ﵇ الخ) أي فإنها سبع دعوات: أمن البلد وتبعيده وبنيه عن عبادة الأصنام وجعل أفئدة من النّاس تهوى إليهم ورزقهم من الثمرات وجعله وجعل ذريته مقيمي الصلاة وتقبل دعائه والغفران له ولوالديه وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. قوله: (لا حجة في ذلك) أي على ترك الزيادة على الدعوات السبع. قوله: (بل يستحب الإكثار من الدعاء) لما فيه من الافتقار والتذلل من العبد لمولاه سبحانه. قوله: (التضرع) قال في النهاية هو التذلل والمبالغة في السؤال والرغبة يقال ضرع يضرع بالفتح والكسر وتضرع إذا خضع وذل (والخشوع) ومعناه التذلل والخوف كما في الحرز وعليه فعطف الثلاثة من عطف التفسير. قوله: (إنهم) أي الأنبياء المذكورين في الآيات قبل (كانوا يسارعون) يتبادرون (في الخيرات) أي الطاعات (ويدعوننا رغباً) أي في رحمتنا

стр. 2575

وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]. السابع: أن يجزمَ بالطلب، ويُوقنَ بالإجابة، ويُصدِّق رجاءَه فيها، ودلائله كثيرة مشهورة. قال سفيان بن عيينة ﵀: لا يمنعنَّ أحدكم من الدعاء ما يعلمُه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شرَّ المخلوقين: إبليس، إذ قال: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤، ١٥]. الثامن: أن يلحَّ في الدعاء ويكرره ثلاثاً، ولا يستبطئ الإجابة. التاسع: ــ (ورهباً) أي من عذابنا (وكانوا لنا خاشعين) أي متواضعين في عبادتهم. وقوله: (ادعوا ربكم الخ) تقدم الكلام عليه قريباً. قوله: (أن يجزم بالطلب) أي فلا يأتي بما يدل على التردد نحو اغفر لي إن شئت لما تقدم فيه في باب المكروهات من الألفاظ. قوله: (ويوقن بالإجابة) لحديث ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه رواه الحاكم في المستدرك من حديث ثوبان ثم الإجابة إما بمطالبة أو بادخار ثواب عنده سبحانه ففي الحديث "ما من مسلم ينصب وجهه الله في مسألة إلا أعطاه إياها إما أن يعجلها له وإما أن يدخرها له". قوله: (لا يمنعن أحدكم الخ) أي فإن إجابته للدعاء من محض رحمته وليست جزاء للعمل الصالح حتى يتوقف عليه نعم ينبغي للإنسان أن يشكر نعمة الإجابة لدعائه بالتوبة من الذنب والإقبال على الطاعة لئلا تكون إجابة دعائه سبباً لبلائه باستدراجه إن لم ينتبه لشأنه. قوله: (أن يلح في الدعاء) من الإلحاح المبالغة أي أن يبالغ في الدعاء بالمداومة والمواظبة سائر الحالات ولا يكتفى بمرة ولا مرات ففي الحديث: "إن الله يحب الملحين في الدعاء". قوله: (ويكرر ثلاثاً) هذا كالتفسير للإلحاح وليس المراد من الثلاث الوقوف عندها بل هي عبارة عن الكثرة إذ هي مبدأ الكثرة ونهاية القلة. قوله: (ولا يستبطئ الإجابة) أي عند تأخر نزولها بمقصوده فقد ورد النهي عن ذلك ففي الصحيح يستجاب لأحدكم ما لم يعجل بقوله دعوت فلم يستجب لي. رواه الستة إلا النسائي، وقد يكون تأخير الإجابة لادخار ثوابها عنده سبحانه أو لدفع بلاء عن العبد أو لمحبته تعالى لصومه ومداومته على الدعاء وذكر مكي أن المدة بين دعاء زكريا ﵇ وطلب الولد والبشارة

стр. 2576

أن يفتتح الدعاء بذكر الله تعالى. وقلت: وبالصلاة على رسول الله ﷺ بعد الحمد لله تعالى والثناء عليه، ويختمه بذلك أيضاً. العاشر: وهو أهمها والأصل في الإجابة، وهو: ــ أربعون سنة ومثله ما حكاه ابن عطية عن ابن جرير ومحمد بن علي والضحاك أن دعوة موسى على فرعون لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة وحكى الغزالي عن بعضهم أنه قال: إني لا أسأل الله تعالى منذ عشرين سنة حاجة وما أجابني وإني لأرجو الإجابة سألت الله أن يوفقني لترك ما لا يعنيني. قوله: (أن يفتتح الدعاء بذكر الله) أي بالثناء عليه بالحمد والشكر ونحوه عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال: سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي ﷺ فقال ﷺ : "عجل هذا" ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو بما شاء رواه أبو داود والترمذي وقال صحيح والنسائي وغيرهم وتقدم زيادة بسط في هذا المقام في باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد وقد حكى الله تعالى هذا الأدب عن كثير من الأنبياء في دعائهم فقال حكايته عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ إلى آخرها وقال حكايته عنه: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ الآيات، وقال حكاية عن يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ وفيه كذلك حكاية عن سليمان وعن زكريا وعن عيسى وقال تعالى إخباراً عن أهل الجنة: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قوله: (وبالصلاة) أي وبالسلام معها لما سبق من كراهة إفراد أحدهما عن الآخر

стр. 2577

التوبة، ورد المظالم، والإقبالُ على الله تعالى. فصل: قال الغزالي: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مردَّ له؟ . فاعلم أن من جملة القضاء: ردَّ البلاء ــ وذلك لحديث فضالة وللحديث الآخر لا تجعلوني كقدح الراكب اجعلوني في أول كل دعاء وأوسطه وآخره ومن هذا يؤخذ ختم الدعاء بما ذكر. قوله: (التوبة) أي من الذنب ولو صغيرة. قوله: (والإقبال على الله تعالى) أي بالقلب وترك الغفلة وقد نظم البدر بن جماعة شرط الإجابة فقال: قالوا شرط الدعاء المستجاب لنا ... عشر بها بشر الداعي بإفلاح طهارة وصلاة معهما ندم ... وقت خشوع وحسن الظن يا صاح وحل قوت ولا يدعى بمعصية ... واسم يناسب مقرون بإلحاح قال السلفي أنشدنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الرحمن العثماني الديباجي بالثغر أنشدنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن عسال الطليطلي بالأندلس لنفسه: لم يبق في هذي الوجوه حياء ... قد زال عن صفحاتهن الماء إذ يرفعون إلى السماء أكفهم ... فلطالما سفكت بهن دماء وبطونهم ملئت حراماً صافياً ... ظلم اليتامى فيه والضعفاء يدعون مولاهم وهم يعصونه ... هذا خلاف بين وعناء يأيها الداعون كيف صلاتكم ... حكم الإله وأنتمو سفهاء إن الدعاء له شرط خمسة ... بالله هل لكمو بهن وفاء نقوا قلوبكمو بزهد صادر ... حتى يزيل ظلامهن ضياء وعليكمو رد المظالم إنها ... يوم القيامة ظلمة سوداء وكلوا الحلال وأجملوا في كسبه ... فالمال فيه فتنة وبلاء ثم استقيموا في أداء فروضكم ... وصلوا الصلاة ففي الصلاة نجاء واستعملوا الصدقات كيما تطفئوا ... غضب الإله فإنهن دواء فمتى فعلتم ما أقول ففي الخبر ... أن يستجاب لكم لديه الدعاء فصل قوله: (مع أن القضاء) أي المبرم. قوله: (رد البلاء) أي إذا كان القضاء به

стр. 2578

بالدعاء، فالدعاءُ سبب لردِّ البلاءِ ووجودِ الرحمة، كما أن التُّرْس سبب لدفع السلاح، والماءَ سببٌ لخروج النبات من الأرض، فكما أن التُّرْسَ يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فقدَّر الله تعالى الأمر، وقدَّر سببه. وفيه من الفوائد ما ذكرناه، وهو حضور القلب والافتقار، وهما نهاية العبادة والمعرفة، والله أعلم. باب دعاء الإنسان وتوسله بصالح عمله إلى الله تعالى ــ معلقاً في علم الله تعالى بأن لا يعارضه الدعاء (فالدعاء حينئذٍ) أي حين إذ قضى المولى برده للبلاء (سبب لرد البلاء). قوله: (فكذلك البلاء والدعاء يتدافعان) روى الحاكم في المستدرك والبزار والطبراني في الأوسط من جملة حديث عائشة مرفوعاً وإن البلاء ينزل ويتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة. قوله: (وليس من شرط الاعتراف بالقضاء الخ) زاد في الحرز بعد ذلك الآية قوله ولا أن لا يسقي الأرض بعد بثه البذر أي وليس من شرط الاعتراف أن لا يسقي الأرض بعد بثه البذر ويقول إن سبق القضاء بالنبات نبت بل ربط الأسباب بالمسببات هو القضاء الأول الذي هو كلمح البصر وترتيب تفصيل المسببات على تفاصيل الأسباب على التدريج والتقدير هو القدر والذي قدر الخير قدره بسبب وكذا الشر قدر لرفعه سبباً فلا تناقض بين هذه الأمور عند من افتتحت بسيرته اهـ. قوله: (من الفوائد) أي زيادة على الفائدة التي هي الإتيان بالسبب في رد البلاء. قوله: (حضور القلب) أي مع الله تعالى والافتقار إليه وهما نهاية الصبابة والمعرفة ولذا كان البلاء موكلاً بالأنبياء ثم الأولياء لأنه يرد القلب بالافتقار إلى الله تعالى ويمنع نسيانه ويذكر بنعمه وإحسانه. باب دعاء الإنسان وتوسله بصالح عمله إلى الله تعالى

стр. 2579

روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" حديث أصحاب الغار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "انْطَلَقَ ثَلاَثةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ حتى آواهُمُ المَبِيتُ إلى غارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيهِمُ الغارَ، فَقَالُوا: إنهُ لا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصخْرَةِ إلاَّ أنْ تَدْعُوا الله تعالى بصَالِح أعْمالِكُمْ. قالَ رَجُل مِنْهُمْ: اللهُم إنَّهُ كانَ لي أبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ وكُنْتُ لا أُغْبِقُ قَبْلَهُما أهْلاً ولا مالاً"، وذكر تمام الحديث الطويل ــ أي يتوسل بفضل الله تعالى عليه إذ وفقه للعمل الصالح إلى تحصيل مسؤوله من فضله فهو من باب سؤال الفضل والتوسل في تحصيل الفضل بالفضل. إليكم بكم سادتي جئتكم ... فلا تهملوا من أساء الأدب وقولوا عفا الله عما مضى ... وليس التفضل منكم عجب قوله: (روينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه أبو داود وفي الترغيب للمنذري والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة باختصار هذا الحديث بدأ به صاحب الترغيب والترهيب في كتابه فذكره أول باب الإخلاص والصدق قال عمي الشيخ الأستاذ أحمد بن علان الصديقي ففيه إيماء إلى أن صخرة القلب إنما ينكشف عماؤها ويرتفع بلواؤها بالإخلاص الله والصدق معه والله أعلم. قوله: (ثلاثة نفر) يحتمل أن يقرأ بالإضافة وأن يقرأ بتنوينهما والنفر بفتحتين ما بين الثلاثة إلى العشرة لا واحد له من لفظه. قوله: (إلى غار) هو النقب في الجبل. قوله: (فقالوا إنه لا ينجيكم الخ) قال المصنف استدل أصحابنا بهذا على أنه يستحب للإنسان أن يدعو في حال كربه وفي حال دعاء الاستسقاء وغيره بصالح عمله ويتوسل إلى الله تعالى به لأن هؤلاء فعلوه فاستجيب لهم وذكره ﷺ في معرض الثناء عليهم وجميل فضائلهم. قوله: (كان لي أبوان الخ) فيه فضل بر الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما على سواهما من الأولاد والزوجة وغيرهم. قوله: (وذكر تمام الحديث) هو قوله وإني نأى بي الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما

стр. 2580

فيهم، وأن كل واحد منهم قال في صالح عمله: "اللَّهُمَّ إنْ كنْتُ قَدْ فَعَلْتُ ذَلكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفرج في دعوة كل واحد شيء منها، ــ غبوقهما فوجدتهما قد ناما فكرهت أن أغبق عليهما أهلاً ومالاً وكرهت أن أوقظهما والصبية يتضاغون عند قدمي والقدح على يدي انتظر استيقاظهما حتى برق الفجر: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج، وقال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم هي أحب النّاس إلي فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا يحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب النّاس إلي اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نجن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج، فقال الثالث: اللهم إني كنت استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك أجره وذهب فثمرته له حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أدني أجري فقلت له: كل ما ترى من البقر والغنم والإبل والرقيق أجرك اذهب فاستقه، فقال: يا عبد الله لا تستهزيء بي، فقلت: لا أستهزيء بك اذهب فاستقه، فأخذه كله اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون، قوله يتضاغون بالضاد والغين المعجمتين أي يضجون من الجوع والداب الحال اللازمة والعادة المتكررة وافرج بضم الراء افتح والفرجة بضم الفاء لأنه من السبعة فإذا كان من الراحة قلت فيه فرجة وفرج وفعل كل منهما فرج يفرج كنصر ينصر والغبوق شرب العشي والصبوح شرب الصباح والحاء شربه عند انفلاق الفجر وقوله: أردتها أي راودتها وطلبتها أن تمكنني من نفسها وألمت بها سنة أي أصابها الجدب

стр. 2581

وانفرجت كلُّها عقب دعوة الثالث، فخرجوا يمشون". قلت: أُغبق بضم الهمزة وكسر الباء: أي أسقي. وقد قال القاضي حسين من أصحابنا وغيره في صلاة الاستسقاء كلاماً معناه: أنه يستحبُّ لمن وقع في شدة أن يدعوَ بصالح عمله، واستدلوا بهذا الحديث، وقد يقال: في هذا شيء لأن فيه نوعاً من ترك الافتقار المطلق إلى الله تعالى، ومطلوبُ الدُّعاءِ الافتقارُ، ولكنْ ذَكَرَ النبيُّ ﷺ هذا الحديث ثناءً عليهم، فهو دليل على تصويبه ﷺ فعلهم، وبالله التوفيق. فصل: ومن أحسن ما جاء عن السلف في الدعاء، ما حكي عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: خرج النّاس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: يا معشر من حضر: ألستم مقرِّين ــ وقولها: لا تفض الخاتم إلا بحقه الفض الكسر والفتح والخاتم كناية عن الفرج وحقه التزويج المشروع ففي الحديث فضل العفاف أو الانكفاف عن المحرمات لا سيما بعد القدرة عليها والهم بفعلها ويترك ذلك الله تعالى خالصاً وفي الحديث جواز الإجارة وفيه حسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة وفيه إثبات كرامات الأولياء وهو مذهب أهل الحق. قوله: (قلت أغبق بضم الهمزة وكسر الباء) هكذا في نسخ الأذكار وكأنه من سبق القلم ففي شرح مسلم له لا أغبق بفتح الهمزة وضم الباء والغبوق شراب العشي والصبوح شراب أول النهار يقال منه غبقت الرجل بفتح الباء أغبقه بضمها مع فتح الهمزة غبقاً فاغتبق أي سقيته عشياً فشرب وهذا الذي ذكرته من ضبطه متفق عليه في كتب اللغة وكتب غريب الحديث والشروح وقد تصحف بعض من لا أنس له فيقول أُغبق بضم الهمزة وكسر الباء وهذا غلط اهـ. قوله: (عن الأوزاعي) هو بفتح الهمزة

стр. 2582

بالإساءة؟ قالوا: بلى، فقال: اللهم إنا سمعناك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة ٩١] وقد أقررنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلا لمثلنا؟ اللهمَّ اغفر لنا وارحمنا واسقنا، فرفع يديه ورفعوا أيديهم فسُقوا. وفي هذا المعنى أنشدوا: أنا المُذْنِبُ الخطَّاءُ والعفوُ واسعٌ ... ولو لم يكن ذَنْبٌ لَما وقَعَ العَفْوُ باب رفع اليدين في الدعاء ثم مسح الوجه بهما ــ وسكون الواو وبالزاي وبعد الألف مهملة ثم ياء نسبة منسوب إلى الأوزاع قال في لب الألباب الأوزاعي منسوب إلى الأوزاع وهي قرى متفرقة فيما أظنه بالشام منها أبو عمر وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعي والأوزاع التي ينسب إليها قرية خارج باب الفراديس مات سنة سبع وخمسين ومائة قال الشيخ عز الدين الصواب إن الأوزاع بطن من ذي الكلاع من اليمن وقيل بطن من همدان نزلوا الشام فنسبوا القرى التي سكنوها إليهم اهـ. وقال المصنف في أوائل شرح مسلم اختلفوا في الأوزاع التي نسب إليها فقيل بطن من حمير وقيل قرية كانت عند باب الفراديس من دمشق وقيل من أوزاع القبائل أي فرقهم وبقايا مجتمعة من قبائل شتى قال أبو زرعة الدمشقي: كان اسم الأوزاعي عبد العزيز فسمى نفسه عبد الرحمن وكان ينزل الأوزاع فغلب ذلك عليه وقال محمد بن سعد الأوزاع بطن من همدان والأوزاعي من أنفسهم اهـ. قوله: (إلا لمثلنا) أي لكمال احتياجنا إليها لما وقعنا فيه من المخالفات ورجوناه من غفران السيئات. قوله: (والعفو واسع) أي عمومه وقد سبق في الحديث اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى من عملي. باب رفع اليدين في الدعاء ثم مسح الوجه بهما قال المصنف الأحاديث الكثيرة برفع اليد إلى السماء في كل دعاء من غير حصر ومن ادعى حصرها فقد غلط غلطاً فاحشاً وهذه الرواية لكونها مثبتة مقدمة على رواية الشيخين النافية لذلك أو المراد بها لا يبالغ في رفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء

стр. 2583

روينا في كتاب الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطَّهما حتى يمسح بهما وجهه". وروينا في سنن أبي داود عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، وفي إسناد كل واحد ضَعف. وأما قول الحافظ عبد الحق رحمه الله تعالى: إن الترمذي قال إنه حديث صحيح، فليس في النسخ المعتمدة من الترمذي أنه صحيح، بل قال: حديث غريب. ــ وحكمة الرفع إلى السماء أنها قبلة الدعاء ومهبط الرزق والوحي والرحمة والبركة قال في السلاح قال الخطابي إن من الأدب أن يكون اليدان في حال رفعهما مكشوفتين غير مغطاتين ومحله إن كانتا طاهرتين وإلا فيكره رفعهما بلا حائل ولا يكره مع الحائل على الأوجه ومحل استحباب مسح الوجه بهما في الدعاء خارج الصلاة أما فيها فلا يسن بل يكره كما تقدم. قوله: (روينا في كتاب الترموذي) وكذا رواه الحاكم في المستدرك. قوله: (إذا رفع يديه في الدعاء) أي خارج الصلاة. قوله: (حتى يمسح بهما وجهه) ولعل وجهه أنه إيماء إلى قبول الدعاء وتفاؤل برفع البلاء وحصول العطاء فإن الله يستحي أن يرد يد عبده صفراً من الخير. قوله: (وروينا في سنن أبي داود عن ابن عباس الخ) وكذا رواه من حديثه ابن ماجه والحاكم في المستدرك ولفظه إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهرها وامسحوا بها وجوهكم وسبق في الاستسقاء أنه ﷺ دعا رافعاً ظهور كفيه فيعلم منه أن هذا مخصوص بمن دعا بحصول شيء وذاك بما إذا دعا برفع جدب أو نحوه والعمل على قضية هذه الأخبار خلفاً عن سلف قال في السلاح وقول بعض العلماء في فتاويه ولا يمسح وجهه بيديه عقب الدعاء إلا جاهل محمول على أنه لم يطلع على هذه الأحاديث. قوله: (وأما قول الحافظ عبد الحق الخ) قال في السلاح قد اختلفت النسخ يعني من الترمذي في التكلم على هذا الحديث فبعضها غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن عيسى

стр. 2584

باب استحباب تكرير الدعاء روينا في سنن أبي داود عن ابن مسعود ﵁: "أن رسول الله ﷺ كان يعجبه أن يدعوَ ثلاثاً، ويستغفر ثلاثاً". باب الحث على حضور القلب في الدعاء اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب كما سبق بيانه، والدلائل عليه أكثر من أن تُحصر، والعلم به أوضح من أن يذكر، لكن نتبرَّك بذكر حديث فيه. روينا في كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ادْعُوا الله وأنْتُم مُوقِنُون بالإجابَةِ، واعْلَمُوا أنَّ الله تعالى لا يَسْتَجِيبُ دُعاءَ مِنْ قَلْبٍ غافِلٍ ــ تفرد به وهو قليل الحديث وقد حدث عنه النّاس وحنظلة بن أبي سفيان الجمحي وثقه يحيى بن سعيد القطان ورأيت في غير ما نسخة حسن صحيح غريب إلى آخر كلامه المتقدم اهـ. باب استحباب تكرير الدعاء أي ذكر دليل ذلك. قوله: (وينافي سنن أبي داود) وكذا رواه الإِمام أحمد كما في الجامع الصغير وأخرج مسلم عن ابن مسعود أيضاً وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً وأصل الحديث عند البخاري وغيره. باب الحث على حضور القلب أي مع الله تعالى (في) حال (الدعاء). قوله: (اعلم أن مقصود الدعاء هو حضور القلب) ولذا قالوا ينبغي أن يكون مراد الداعي بدعائه حضوره مع مولاه وافتقاره وتضرعه إليه لا حضور مشتهى نفسه من الأعراض والأغراض. قوله: (روينا في كتاب الترمذي) وكذا رواه الحاكم في المستدرك. قوله: (وأنتم موقنون بالإجابة) أي والحال أنكم موقنون بها أي معتقدون لوقوعها لصدق رجائكم الباعث على الطلب بجد وصدق الدال على الإخلاص فيه وعلى توفر شروطه وآدابه وذلك يغلب معه وقوعها لأن عدمها إنما ينشأ عن فساد الداعي كما أفاده قوله (واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل)

стр. 2585

لاهٍ" إسناده فيه ضعف. باب فضل الدعاء بظهر الغيب قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا ــ عن الله (لاه) مشتغل بغيره لا للعجز عن الإجابة ولا للبخل بها لأن ذلك محال عليه سبحانه إنما هو للإعراض عما يليق بجناب الحق من اعتقاد واسع كرمه والتقرب إليه بمحابه واجتناب ما يغضبه والتذلل بين يديه بغاية الذلة والانكسار والاحتياج والافتقار وامتلاء القلب بشهوده ودوام حضوره بين يدي معبوده وقيل وأنتم موقنون بالإجابة وأنتم حين الدعاء على حالة تستحقون فيها الإجابة لتوفر شروطها المذكورة فيكم وما قررناه موافق في المعنى لهذا القول فإنه لا بد في ظن الإجابة من توفر تلك الشرط كما دلت عليه الأحاديث سيما قوله في هذا الحديث واعلموا الخ، وفي الرسالة القشيرية قيل مر موسى ﵇ برجل يدعو ويتضرع إلى الله تعالى فقال موسى ﵇: إلهي لو كانت حاجته بيدي قضيتها فأوحى الله إليه أنا أرحم به منك ولكنه يدعوني وله غنم وقلبه عند غنمه وإني لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عند غيري فذكر موسى ﵇ للرجل ذلك فانقطع إلى الله تعالى بقلبه فقضيت حاجته قال الشيخ زكريا فيه دلالة على أن من شروط الدعاء حضور العقل وصحة النية ففي ترك ذلك قبح وأقبح منه من يقرأ الفاتحة وهو غافل القلب عما يتكلم به لسانه مشتغل بأسباب الدنيا اهـ. قوله: (إسناده فيه ضعف) قال في السلاح قال الحاكم مستقيم الإسناد. باب فضل الدعاء بظهر الغيب (قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾) من بعد المهاجرين والأنصار وظاهره أن جملة الذين الخ مستأنفة قال في النهر الظاهر أن. قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ معطوف على ما قبله من المعطوف على المهاجرين قال الفراء هم الفرقة الثالثة من الصحابة وهي من آمن أو كثر في

стр. 2586

الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وقال تعالى إخباراً عن إبراهيم ﷺ : ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١] وقال تعالى إخباراً عن نوح ﷺ : ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]. وروينا في "صحيح مسلم" عن أبي الدرداء ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "ما مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ إلاَّ قالَ المَلَكُ: ولَكَ بِمِثْلٍ". ــ مدة النبي ﷺ وقيل: والذين جاؤوا من بعدهم مقطوع مما قبله من عطف الجمل لا عطف المفردات وإعرابه والذين يثنون بالدعاء للأولين والثناء عليهم وهم من يجيء من بعد الصحابة إلى يوم القيامة والخبر يقولون أخبر عنهم بأنهم لأيمانهم ومحبة أسلافهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا وعلى القول الأول يكون يقولون استئناف إخبار أو حال اهـ. قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ المراد من الذنب المضاف إليه ما يقع من خلاف الأولى اللائق بعلى مقامه أطلق عليه ذنباً لمشابهته للذنب في طلب الترك. قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي﴾ أتى بضمير المتكلم ومعه غيره إعلاماً بعلو مقام سؤاله تعالى وإنه يستعان عليه بالغير أو إيماء إلى تشرفه بهذا الإضافة العلية (ولوالدي) قيل أراد بهما آدم وحواء وقيل أراد بهما أبويه الأقربين فإن أمه كانت مؤمنة ولم ييأس حينئذٍ من إيمان أبيه بل الذي مال إليه الحافظ إن أباه كان مؤمناً أيضاً وإن الذي لم يؤمن إنما هو عمه وإطلاق الأب عليه مجاز وبسط ذلك في مسالك الحنفا في إيمان والدي المصطفى. قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قال في النهر لما دعا على الكفار استغفر للمؤمنين وبدأ بنفسه ثم بمن وجب عليه برده ثم بالمؤمنين والمؤمنات دعا لكل مؤمن ومؤمنة في كل أمة. قوله: (وروينا في صحيح مسلم) انفرد به عن الستة قوله: (ما من مسلم الخ) قال القرطبي في المفهم المسلم هنا هو الذي سلم المسلمون

стр. 2587

وفي رواية أخرى في "صحيح مسلم" عن أبي الدرداء أن رسول الله ﷺ كان يقول: "دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِم لأخِيهِ بظَهْرِ الغَيب مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رأسه مَلَك مُوَكَّلٌ، كُلَّما دَعا لأخِيهِ بِخَيرٍ، قالَ المَلَكُ الموَكَّلُ بِهِ. آمين ولَكَ بِمِثْلٍ". وروينا في كتابي أبي داود والترمذي عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: "أسْرَعُ الدُّعاءِ إجابَةً دَعْوَةُ غائِب لِغائِبٍ" ضعَّفه الترمذي. باب استحباب الدعاء لمن أحسن إليه وصفة دعائه هذا الباب فيه أشياء كثيرة تقدَّمت في مواضعها. ومن أحسنها ما روينا في الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ــ من لسانه ويده الذي يحب للناس ما يحب لنفسه لأن هذا هو الذي تحمله شفقته وحاله على أخيه المسلم أن يدعو له بظهر الغيب أي في حال غيبته عنه وإنما خص حالة الغيبة بالذكر لبعدها من الرياء والأغراض المفسدة أو المنقصة فإنه في حال الغيبة يتمحض الإخلاص ويصح قصد وجه الله تعالى بذلك فيوافقه الملك في الدعاء ويبشره على لسان رسوله ﷺ بأن له مثل ما دعا به لأخيه، والأخوة هنا هي الأخوة الدينية وقد يكون معها صداقة ومعرفة وقد لا وقد لا تتعين فإن الإنسان إذا دعا لإخوانه المسلمين حيث كانوا وصدق الله في دعائه وأخلص فيه في حال الغيبة عنهم أو عن بعضهم قال الملك له ذلك القول بأن يكون ثوابه أعظم لأنه دعا بالخير وقصده للإسلام ولكل المسلمين والله أعلم اهـ. قوله: (وفي رواية أخرى) هي كالتفسير لما قبلها. قوله: (وروينا في كتابي أبي داود والترمذي) ورواه البخاري في الأدب المفرد والطبراني في المعجم الكبير كلهم من حديث أبي هريرة كما في الجامع الصغير. قوله: (أسرع الدعاء إجابة الخ) إنما كان كذلك جزاء لإخلاص الدعاء وابتغائه بدعائه وجه ربه. باب استحباب الدعاء لمن أحسن إليه وصفة دعائه قوله: (ومن أحسنها ما رويناه في الترمذي الخ) تقدم الكلام على تخريجه

стр. 2588

- ﷺ : "مَنْ صُنع إلَيه مَعْرُوف فقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيراً، فَقَدْ أبْلَغَ في الثَّناءِ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقد قدَّمنا قريباً في "كتاب حفظ اللسان" في الحديث الصحيح قولَه ﷺ : "وَمَنْ صَنَعَ إلَيكُمْ مَعْرُوفاً فكافِئُوهُ، فإنْ لَمْ تَجِدُوا ما تُكافِئُونَهُ فادْعُوا لَهُ حَتى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كافأْتُمُوهُ". باب استحباب طلب الدعاء من أهل الفضل وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه، والدعاء في المواضع الشريفة اعلم أن الأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصر، وهو مجمع ــ في باب دعاء الضيف لأهل المنزل. قوله: (فقد أبلغ الثناء) إذ فيه شكر لهم على ما فعلوه معه من حيث إنه عجز عن القيام بمكافأتهم وطلب من الله لهم الجزاء في ذلك النداء فقد أبلغ الثناء. باب استحباب طلب الدعاء من أهل الفضل وإن كان الطالب أفضل من المطلوب منه، والدعاء في المواضع الشريفة أي واستحباب طلب الدعاء فيها لأن من شرفها شرف ما يعمل فيها من الطاعات ومنه الدعاء بل هو غاية الطاعة لما فيه من الافتقار والتذلل بين يدي الجبار سبحانه تعالى. قوله: (الأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصر) من ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه قال كان عمر إذا أتى عليه إمدادا أهل اليمن سألهم أفيكم أويس بن عامر حتى أتى على أويس بن عامر إلى أن قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع إمداد اليمن من مراد ثم من قرن كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم له والدة هو بار بها لو أقسم على الله لأبره فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل فاستغفر لي

стр. 2589

عليه. ومن أدلَّ ما يستدل به ما روينا في كتابي أبي داود والترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: "استأذنتُ النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي وقال: لا تَنْسَنَا يا أُخَي مِنْ دُعائِكَ، فقال: كلمة ما يسرُّني أن لي بها الدنيا". وفي رواية قال: "أشْرِكْنا يا أُخَيُّ في دُعائِكَ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي ذكرناه في "أذكار المسافر". باب نهي المكلف عن دعائه على نفسه وولده وخادمه وماله ونحوها روينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ وَلا تَدْعُوا على أوْلادِكُمْ وَلا تَدْعُوا على خَدَمِكُمْ وَلا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ الله ساعَةَ نَيلٍ فِيها عَطَاءٌ فَيُسْتَجابَ لَكُمْ" قلت: قيل بكسر النون وإسكان الياء، ومعناه: ساعة إجابة ينال الطالب فيها ويعطى مطلوبه. وروى مسلم هذا الحديث في آخر "صحيحه" وقال فيه: "لا تَدْعُوا على أنْفِسِكُمْ، وَلاَ تَدعُوا علي أوْلادِكُمْ، وَلا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ الله تَعالى ساعَةً يُسألُ فيها عَطاء فيَسْتَجِيبُ لكم". ــ فاستغفر له" الحديث. قوله: (ومن أدل ما يستدل به الخ) تقدم الكلام في أذكار المسافر في باب وصية المقيم المسافر بالدعاء له في مواطن الخير وإن كان المقيم أفضل من المسافر. باب نهي المكلف عن دعائه على نفسه وولده وخادمه وماله، ونحوها أي عند تعبه من ذلك إما لمؤنة تغلب عليه أو لأذى حصل له مما ذكر أو نحوه. قوله: (لا توافقوا من الله ساعة الخ) نهي للداعي وعلة للنهي أي لا تدعوا على من ذكر كي لا توافقوا من الله ساعة (نيل فيها عطاء فيستجيب) بالنصب جواب للنهي أي فهو يستجيب

стр. 2590

باب الدليل على أن دعاء المسلم يجاب بمطلوبه أو غيره وأنه لا يستعجل بالإجابة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ ــ لكم أي لا تدعوا على من ذكر كي لا توافقوا ساعة الإجابة فتندموا. باب الدليل على أن دعاء المسلم يجاب بمطلوبه أي إما عاجلاً أو آجلاً كما تقدم عن دعوتي موسى وزكريا ﵉ وإجابة كل منهما بعد مدة مديدة من الأعوام (أو) يجاب (بغير مطلوبه) أي من بلاء يصرف عنه كان في علم الله تعالى لولا الدعاء لنزل به أو ثواب يدخر للعبد عند ربه (وإنه) أي المسلم الداعي (لا يستعجل بالإجابة) فإن لكل شيء أجلاً مسمى في علم الله ولكل أجل كتاب. وسحاب الخير لها مطر ... فإذا جاء الأبان تجي قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ الخطاب لرسول الله ﷺ والجواب ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾) على إضمار فقل: إني قريب والقرب هنا عبارة عن سماعه لدعائهم. وقوله: (أجيب) راعى ضمير المتكلم وهو أكثر في كلام العرب من مراعاة الخبر كقوله: أنا رجل آمر بالمعروف ويجوز يأمر بالياء على مراعاة الغيبة. قوله: ﴿دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أي دعاءه والهاء في دعوة هنا ليست دالة على الوحدة بل مصدر مبني على فعلة كرحمة قال في النهر والظاهر عموم الداعي وقد ثبت بصريح العقل وصحيح النقل أن بعض الداعين لا يجيبه الله إلى ما سأل فهو مقيد بمن شاء الله أن يجيبه اهـ. وعلى ما أشار إليه المصنف في معنى الإجابة وإنها تكون بالمطلوب تارة وبغيره أخرى فالداعي باق على عمومه ودعوته مجابة إما بالمطلوب أو بالثواب قال ابن عطاء الله في الحكم إذا فتح لك باب السؤال فقد فتح لك باب الإجابة وأصله حديث ابن أبي شيبة عن ابن عمر مرفوعاً من

стр. 2591

إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وروينا في كتاب الترمذي عن عُبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "ما على الأرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو الله تعالى بدَعْوَةٍ إلاَّ آتاهُ الله إيَّاها، أوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فقال رجَل من القوم: إذاً نُكْثرُ، قال: اللهُ أكثَرُ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه الحاكم أبو عبد الله في "المستدرك على الصحيحين" من رواية أبي سعيد الخدري، ــ فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الإجابة والله أعلم. قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أي اعبدوني أثبكم على العبادة وجاء الدعاء بمعنى العبادة كثيراً ويقوي هذا التأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ كذا في النهر وتفسير الجلالين. قوله: (روينا في كتاب الترمذي) وفي رواية للترمذي أيضاً من حديث أبي هريرة فإما أن تعجل له في الدنيا وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا. قوله: (إلا آتاه الله إياها) أي في الحال أو بعد زمن. قوله: (أو صرف عنه من السوء مثلها) أي إن لم يقدر إجابة الدعاء صرف عنه ما قضي عليه من بلاء معلق بعدم الدعاء ويكون دفع ذلك البلاء عنه مثل حصول ما طلبه. قوله: (ما لم يدع بإثم) أي محرم وقد تقدم في أول باب آداب الدعاء تفصيل مبسوط فيه فراجعه وقد نقل ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة ما تقدم في ذلك الباب عن القرافي وتعقبه في كثير منه. قوله: (أو قطيعة رحم) هو لكونه من جملة الدعاء الحرام من عطف الخاص على العام مبالغة في التعيير على قطيعة الرحم ولو بالدعاء المعلوم حرمته مما من كقوله: اللهم افعل بفلان كذا وهو رحمه وليس بظالم له أما الرحم الظالم فيجوز الدعاء بقدر ظلمه. قوله: (إذاً كثر) أي إذا كان الدعاء لا يرد منه شيء ولا يخيب الداعي في شيء منه نكثر من الدعاء لعظيم فوائده. قوله: (الله أكثر) بالمثلثة أي ثواباً وعطاء مما في نفوسكم فأكثروا ما شئتم فإنه يقابل دعوتكم بما هو منها أكثر وأجل. قوله: (ورواه الحاكم الخ) وقال صحيح الإسناد. قوله:

стр. 2592

وزاد فيه: "أوْ يَدَّخِرَ لَهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَها". وروينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: "يُسْتَجَابُ لأحَدِكُمْ ما لَمْ يَعْجَلْ فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي". كتاب الاستغفار ــ (أو يدخر له من الأجر) أي في الآخرة (مثلها) أي مثل دعوته إن لم يقدر إجابتها. قوله: (وروينا في صحيحي البخاري ومسلم) ورواه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه كلهم عن أبي هريرة. قوله: (ما لم يعجل يقول قد دعوت فلم يستجب لي) زاد مسلم في رواية له فيستحسر عنه ذلك ويدع الدعاء أي لاستثقاله ومنه يعلم أن المراد بعدم الاستجابة هنا عدم الدعاء الذي هو سبب الاستجابة لأن الاستعجال المذكور يوجب ترك الدعاء كما تقرر وقال بعضهم من كان له ملال من الدعاء لا يقبل دعاؤه لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من العبادة اهـ. قال بعض المحققين والمعنى الأول أولى لأن الثاني وإن كان صحيحاً إلا أنه غير مطابق لرواية مسلم تلك نعم قال الحليمي وتبعه الزركشي وغيره من شرط الدعاء أن لا يضجر من تأخير الإجابة لأن المصلحة قد تكون في غيرها ولأن الدعاء عبادة واستكانة وذلك ينافيها والله أعلم. كتاب الاستغفار أي سؤال المغفرة وهي التجاوز عن الذنب وعدم المؤاخذة عليه إما بترك التوبيخ والعقاب رأساً أو بالتقرير به فيما بين العبد وربه كما في حديث النجوى عن ابن عمر عند البخاري وغيره والمغفرة مأخوذة من الغفر بمعنى الستر ومنه المغفر لما يستر الرأس ويجعل تحت البيضة والأولى بالإنسان الإكثار من الاستغفار مع باقي أركان التوبة من الندم عن الذنب والإقلاع عنه والعزم على ألا يعود إليه قال القرطبي في التفسير قال علماؤنا: الاستغفار المطلوب هو الذي يحل

стр. 2593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عقد الإصرار ويثبت معناه في الجنان لا التلفظ باللسان فأما من قال أستغفر الله بلسانه وقلبه مصر على معصية فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار وصغيرته لاحقة بالكبائر وروي عن الحسن البصري أنه قال استغفارنا يحتاج إلى استغفار قلت هذا يقوله في زمانه فكيف في زماننا الذي يرى فيه الإنسان مكباً على الظلم حريصاً عليه لا يقلع والسبحة في يده زاعماً أنه يستغفر من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف وفي التنزيل ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ اهـ. قلت أخرج البيهقي وابن عساكر حديث التائب من الذنب كمن لا ذنب له والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزيء بربه الحديث والحاصل أنه يطلب للمستغفر بلسانه أن يكون ملاحظاً لهذه المعاني بجنانه ليفوز بنتائج الاستغفار فإن لم يتيسر له ذلك فيستغفر بلسانه ويجاهد نفسه على ما هنالك فالميسور لا يسقط بالمعسور ولعل ببركة المداومة على الاستغفار باللسان مع المجاهدة أن يفوز بالكمال وقد وقع السؤال هل الأفضل الاشتغال بالاستغفار أو بغيره من باقي الأذكار فقال العارف الكبير الشيخ محمد بن عراق نفع الله به الأنسب بالثوب الوسخ الماء الحار والصابون وبالنظيف الطيب أي وصابون الذنوب الاستغفار وما ذلك الذلة والاستغفار وقال الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الاشتغال بالصلاة على النبي ﷺ أفضل من الاشتغال بالاستغفار مطلقاً يريد سواء غلبت الطاعات أو المعاصي كما ذكر ذلك في السؤال المرفوع إليه، وفيه بعد والظاهر ما ذكره الشيخ ابن عراق من التفصيل وفي كتاب مسالك الحنفا للقسطلاني نقلاً عن كتاب مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الكريم الفتاح للشيخ شمس الدين البرشنسي بعد كلام ذكره في آداب السالك من طريق الصلاة على النبي ﷺ ثم المريد للسلوك إن سبق منه كثرة آثام وأوزار فليبدأ في سلوكه بكثرة الاستغفار إلى أن تظهر له ثمرته فلكل ذكر ثمرة وعلامة عند أئمة هذا الشأن معتبرة

стр. 2594

اعلم أن هذا الكتاب من أهمِّ الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل به. وقصدت بتأخيره التفاؤلَ بأن يختم الله الكريم لنا به، نسأله ذلك وسائر وجوه الخير لي ولأحبائي وسائر المسلمين آمين. قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ــ فلا يرقى سالك من ذكر إلى ذكر آخر حتى تظهر عليه ثمرته المختصة به فإذا ظهرت عليه شواهد الخشوع ولاح على قلبه أثر الانكسار والخضوع فعند ذلك يؤمر بذكر مصقلة القلب وهي الصلاة على النبي ﷺ هذا إذا كان قد استعمل في المعاصي جوارحه أما إن كان قد شد على العفاف إزاره ولم تستهوه النفس الأمارة فأول ما يلقي إليه الصلاة على الرسول فبها يبلغ المأمول اهـ. قوله: (التي يعتني بها) أي تتوجه العناية إليها لعظيم وقعها. قوله: (ويحافظ على العمل به) معطوف على قوله من أهم الأبواب. قوله: (وقصدت بتأخيره التفاؤل) بالهمز ويجوز أن يكون في تأخيره الإشارة إلى أن العبد وإن قام بسائر وظائف الأبرار وشعائر الأخيار ينبغي له الملازمة على الاستغفار ورؤيته نفسه بعين الاحتقار وعمله بنظر النقص والصغار ويعتمد على رحمة ربه الغفار. قوله: (أن يختم لنا به) أي بالغفران المسؤول بالاستغفار. قوله: (وسائر المسلمين) أي جميعهم فيكون من عطف العام على الخاص لقصد التعميم أو باقيهم بناء على مجيء سائر بمعنى باقي فيكون من عطف المغاير. قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ هذا وما شابهه نحو ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ مما اختلف المفسرون في تأويله فقال ابن عباس: إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أي لو كان وقال غيره المراد ما كان من سهو أو غفلة أو ما تقدم لأبيك آدم مما يشبه الذنب وما تأخر من ذنوب أمتك أو ذنوب أمته فقط والمراد بالذنب ترك الأولى كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين وترك الأولى ليس بذنب في الحقيقة لكنه مشابه له بالنسبة إلى مقام كل الأنبياء في ندرة وقوعه منهم ولقد حقق السبكي هذا المقام بما حاصلة أن الآية لا تحتمل إلا وجهاً واحداً وهو تشريفه من غير أن يكون ذنب وبين ذلك أحسن بيان وأبلغه ثم قال وكيف يتخيل وقوع ذنب منه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ

стр. 2595

وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] ــ يُوحَى﴾ وقد اجتمع الصحابة على اتباعه في كل ما يفعله من قليل وكثير وصغير وكبير لم يكن عندهم في ذلك توقف ولا بحث حتى عن أعماله في السر والخلوة يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها علم بها أو لم يعلم ومن تأمل أحوالهم معه استحى أن يخطر بباله خلاف ذلك قال بعض المفسرين هذا الأمر للتشريع والاستنان أي إذا طلب منك الاستغفار مع عصمتك من كل ذنب فمن باقي أهل الإيمان المتلبسين بشيء من العصيان أولى. قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أي صل متلبساً بالحمد أو نزهه متلبساً بحمده قال في النهر أمره بتنزيهه في هذين الوقتين اللذين النّاس مشغولون فيهما بمصالح المهنة أي ففيه إحياء الوقت الذي يغفل عنه بالذكر والطاعة. قوله: (وللمؤمنين) أي ولذنوب المؤمنين واستغفاره ﵊ لأهل الإيمان رحمة لهم قال في النهر أحواله ﷺ : "ثلاثة مع الله تعالى بالتوحيد" أي وإليه الإشارة بقوله: "فاعلم أنه لا إله إلا الله" أي دم على علمك بتوحيده تعالى ومع نفسه بالاستغفار له ومع غيره بالاستغفار لهم. قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ قال القرطبي ذهب الطبراني إلى أن المعنى واستغفر الله في خصامك الجانين فأمره بالاستغفار لما هم بالدفع عنهم وقطع يد اليهودي قال ابن عطية:
следующие страницы →