← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 23625

الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية

ابن علان

Полный текст (2 732 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قوله: "المغيث" روي بدله "المقيت" بالقاف والمثناة، وروي "القريب" بدل "الرقيب"، وروي "المبين" ــ عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بقوله قال الحافظ ابن حجر يشير بقوله أن الوليد أحفظ الخ. إلى أن بشرا وعليا وأبا اليمان رووه عن شعيب بدون سياق الأسامي فرواية ابن اليمان عند البخاري ورواية علي عند النسائي ورواية بشر عند البيهقي وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط بل الاختلاف عليهم واضطراب وتدليس واحتمال الإدراج قال البيهقي يحتمل أن يكون التعيين واقع من بعض الرواة في الطريقين معًا ولهذا وقع الاختلاف الشديد بينهما ولهذا ترك الشيخان تخريج التعيين قلت قد نقل عبد العزيز البخشي عن كثير من العلماء ذلك والله أعلم. قال بعضهم فإن كان أي سردها محفوظًا عن رسول الله ﷺ فكان من ترك ذكره قصد الإشارة إلى أن من أحصى من أسماء الله تعالى تسعة وتسعين دخل الجنة سواء أحصاها مما نقلنا من حديث الوليد أو من حديث ابن الترجمان أو من سائر ما دل عليه الكتاب والسنة اهـ. قوله: (المُغيث) أي بالغين المعجمة والمثلثة رواه كذلك الحاكم من طريق ابن أيوب كما سبق في كلام الزين العراقي وكذا الغريابي كما تقدم في كلام البيضاوي قال الحافظ الذي وقع في رواية الترمذي بالقاف في جميع نسخ الشيخ منها بخط الحافظ أبي علي الصديقي في نسخ القاضي عياض ورواه بالغين المعجمة أبو عبد الله بن منده في كتاب التوحيد من الوجه الذي أخرجه منه الترمذي اهـ. قوله: (المقيتُ) أي بالقاف والتحتية أي موجد الأقوات وميسرها لعباده سائر الأوقات والقوت أخص من الرزق إذ الرزق يتناوله وغيره وقيل معناه المستولي على الشيء القادر عليه والاستيلاء يتم بالعلم والقدرة ويدل عليه قوله تعالى وكان الله على كل شيء مقيتًا أي مطلعًا قادرًا. قوله: (القَرِيب) بالقاف فالراء قيل معناه المحيط علمه بكل شيء. قوله: (الرقيبُ) أي بالراء فالقاف وقال البيضاوي فيما كتبه على المصابيح روى الشيخ قوام السنة أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل ﵀ بإسناد عن جعفر الغريابي عن صفوان بن صالح بدل الرقيب القريب قال الحافظ وهو كذلك في رواية ابن ماجة من طريق محمد بن سيرين. قوله: (ورويَ المُبينُ الخ) قال في

стр. 982

بالموحدة بدل "المتين" بالمثناة فوق، والمشهور "المتين"، ومعنى أحصاها: حفظها، هكذا فسره البخاري والأكثرون، ويؤيده أن في رواية في الصحيح"مَنْ حَفِظَها دَخَلَ الجَنةَ" وقيل: معناه: من عرف معانيها وآمن بها، وقيل: معناه من أطاقها بحسن الرعاية لها وتخلَّق بما يمكنه من العمل بمعانيها، والله أعلم. ــ السلاح قال الخطابي روى المبين بالموحدة أي المبين أمره في الوحدانية قال والمحفوظ هو الأول كقوله تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٨] قال الحافظ أخرجه كذلك أبو نعيم في ظرف الأسماء الحسنى من الوجه الذي أخرجه منه ابن ماجة وأخرج الحافظ الحديث بسنده وفي الأسماء الثلاثة المذكورة المغيث بالمعجمة والمثلثة والمبين بالموحدة والقريب بتقديم القاف اهـ. قوله: (بالباء المُوَحدَةِ) أي والميم مع التاء مفتوحة ومع الموحدة مضمومة. قوله: (ومَعنى أَحصَاهَا حفِظَها الخ) قال الطيبي أراد بالحفظ القراءة بظهر القلب فيكون كناية عن التكرار لأن الحفظ يستلزمه فالمراد بالإحصاء تكرار لمجموعها اهـ. قال ابن حجر وفيه بعد بل ظاهر كلام البخاري والأكثرين حصول الجزاء المذكور في الخبر بمجرد حفظها وفضل الله أوسع من ذلك اهـ، ولا يعترض على ما ذكر بتفسير الحفظ في حديث من حفظ على أمتي أربعين حديثًا الخ، بنقله إلى الناس وإن لم يحفظ لفظه ولا عرف معناه للفرق الواضح فإن المدار هنا على التبرك بذكرها التعبد بلفظها ولا يتم ذلك إلَّا بحفظها عن ظهر قلب والمدار ثمة على نفع المسلمين وهو لا يحصل إلَّا بالنقل بخلاف مجرد الحفظ من غير نقل فإن ذلك الحديث لا يشمله إذ المقرر أنه يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه كذا في الفتح المبين. قوله: (ويؤَيِّدُه أَنَّ في رِوَايةٍ في الصحيح مَنْ حَفِظَها الخ) هي بهذا اللفظ رواية لمسلم وابن ماجة وفي رواية للبخاري لا يحفظها أحد إلا دخلَ الجنة أي والروايات يفسر بعضها بعضًا قال المصنف في شرح مسلم بعد نقله عن البخاري وغيره تفسير الإحصاء بالحفظ وهذا هو الأظهر لأنه جاء مفسرًا في الرواية الأخرى من حفظها دخل الجنة وقال القرطبي واعترض عليه بما سيأتي. قوله: (وقِيلَ معناهُ منْ عَرَفَ معَانِيَهَا وآمنَ بِهَا) قال الخطابي مأخوذ من قول العرب فلان ذو حصاة أي ذو لب وفهم قال القرطبي ومنه سمي العقل حصاة قال كعب

стр. 983

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بن سعد الغنوي وإن لسان المرء لم يكن له. حصاة على عوراته لدليل ثم هذا الذي حكاه المصنف قولًا ثانيًا حكاه ابن الجوزي في غريب الحديث قولين أحدهما من عقل معناها ثانيهما من أحصاها علمًا وإيمانًا قاله الأزهري وحكى الخطابي والقرطبي الأول فقال وقيل المراد به الإحاطة بمعانيها وقيل الإحاطة بمعنى الفهم من قول العرب الخ، اهـ. ولم يحك المصنف هذا القول في شرح مسلم وقد علمت ما فيه والله أعلم قوله: (وقِيلَ معناهُ مَنْ أَطاقَها دخَل الجَنَّةَ وقيلَ معناهُ منْ أَطاقَها بحسْنِ الرعَايةِ لهَا وتَخلَّقَ بمَا يمكِنهُ منَ العمل بمعَانيهَا) زاد في شرح مسلم وصدق بمعانيها قال الخطابي فالإحصاء بمعنى الإطاقة ومنه علم أن لن تحصوه ومنه حديث استقيموا ولن تحصوا أي لن تبلغوا كنه الاستقامة اهـ، وقال الأصيلي الإحصاء لأسمائه تعالى هو العمل بها لا عدها وحفظها فقط لأنه قد يعدها الكافر والمنافق وذلك غير نافع له قال ابن بطال ويوضحه حديث يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم فبين أن من قرأ القرآن ولم يعمل به لم ترفع قراءته إلى الله ولا تجاوز حنجرته فلا يكتب له أجرها وخاب من ثوابها فدل على أن الحفظ والإحصاء المندوب إليه هو العمل اهـ، وما ذكر من كون العمل بها أفضل مسلم لكن منعه تفسير الإحصاء بمجرد العدد أو الحفظ ممنوع فقد ورد التصريح بتعليق الدخول على الحفظ كما سبق وحمله على أن المراد به الحفظ لمعانيها والقيام به فيه بعد تام وقد قال القرطبي بعد أن ذكر أن الإحصاء في الخبر يحتمل أن يكون بمعنى العدد أو بمعنى الفهم أو بمعنى الإطاقة على العمل والمرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة لكن المرتبة الأولى هي مرتبة أصحاب اليمين والثانية للسابقين والثالثة للصديقين اهـ، وقد يدعى أن الكافر والمنافق يمنع من الإتيان بتعدادها أو حفظها بوازع إلهي وباعث نفساني أو يقال إن كون إحصائها بمعنى حفظها يترتب عليه دخول الجنة بالنسبة لأهل الإيمان وهذا يظهر من الأعمال المرتب عليها الثواب فإن ذلك لأهل الإيمان ولظهور ذلك غنى عن الإيضاح والبيان قال ابن الملقن معنى إحصائها على قول من قال به أن ما كان من أسمائه تعالى يليق بالعبد التخلق به كالرحيم والكريم والغفور والشكور فالله تعالى يحب أن يرى على عبده خلالها ويرضى له معانيها والاقتداء به فيها فهذا العمل بهذا النوع أي التخلق بالعمل بما يمكنه من معانيها

стр. 984

كتاب تلاوة القرآن اعلم أن تلاوة القرآن هي أفضل الأذكار، والمطلوب القراءةُ بالتَّدَبُّرِ. ــ وما كان منها لا يليق بالعبد معانيها كالله والأحد والقدوس وشبهها فإنه يجب على العبد الإقرار بها والتذلل لها والاستشفاق منها وما كان منها بمعنى الوعيد كشديد العقاب عزيز ذو انتقام فإنه يجب على العبد الوقوف عند أمره واجتناب نهيه واستشعار خشيته عر وجّل كخوف وعيده وشديد عقابه هذا وجه إحصائها فهذا يدخل الجنة إن شاء الله تعالى اهـ، وقيل معنى ذلك أن يعلم أنه سميع فيكف لسانه عن القبيح وأنه حكيم فيسلم لحكمته وزاد المصنف في شرح مسلم فحكى أن معنى أحصاها عدها في الدعاء بها قلت لعل الزين العراقي في المستخرج على المستدرك بعد أن أورد رواية للشيخين بلفظ من حفظها الخ. قال البيهقي وذلك يدل على أن المراد بقوله من أحصاها من عدها اهـ، وفيه بعد بل الظاهر أن رواية الشيخين تؤيد من فسر أحصى بحفظ على أنه قد ورد في رواية لأبي نعيم من أحصاهن أو عدهن أورده العراقي وهي لكون العطف مقتض للمغايرة يأبى من تفسير الإحصاء بالعد والله أعلم، وقيل معناه العمل بها والطاعة بمعنى كل اسم منها والإيمان بما لا يقتضي عملًا وقال بعضهم المراد حفظ القرآن وتلاوته قوله لأنه مستوف له وهذا ضعيف اهـ، وفي النهاية بعد أقوال وقيل من استخرجها من كتاب الله وأحاديث رسوله ﷺ لأنه ﷺ لم يعدها لهم إلَّا ما جاء في رواية أبي هريرة وتكلموا فيها وقيل أراد من أخطر بباله عند ذكرها معناها وتفكر في مدلولها معظمًا لمسماها ومقدسًا ومعتبرًا بمعانيها ومتدبرًا راغبًا فيها وراهبًا والله سبحانه أعلم. كتاب تلاوة القرآن قوله: (اعلم أَن تلاوةَ القُرآنِ أَفضَل الأَذكَار) أي قراءة القرآن أفضل من الاشتغال بسائر الأذكار لما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال ﷺ يقول الرب ﵎ من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه قال في الحرز فيه الإيماء إلى أن ذكره لكلامه القديم أفضل من ذكره بالذكر الحادث وأيضًا فالقرآن

стр. 985

وللقراءة آداب ومقاصد، وقد جمعت قبل هذا فيها كتابًا مختصرًا مشتملًا على نفائسَ من آداب القراء والقراءة وصفاتها وما يتعلق بها، لا ينبغي لحامل القرآن أن يخفى عليه مثله، وأنا أشير في هذا الكتاب إلى مقاصد من ذلك مختصرة، وقد دللت من أراد ذلك وإيضاحَه على مظِنَّتِه، وبالله التوفيق. فصل: ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، وقد كانت للسلف ﵃ عادات مختلفة ــ مشتمل على الذكر مع زيادة ما يقتضيه من الفكر والتأمل في لطف مبانيه والعمل بما فيه فكان الاشتغال به أفضل نعم ما ورد من الذكر مختصًا بمكان أو زمان أو حال كأذكار الطواف وليلة الجمعة وحال النوم فالاشتغال به أفضل من الاشتغال بالتلاوة كما تقدم بيانه في باب فضل الذكر أوائل الكتاب. قوله: (ولِلْقَرَاءَةِ آداب) جمع أدب وهو كما تقدم يشارك السنة في أصل الطلب ويفارقها في أنها آكد منه وسيأتي في باب أدب الدعاء زيادة فيه. قوله: (ومقَاصِدُ) جمع مقصد أي أمور يقصد القارئ معرفتها. قوله: (وقَدْ جَمعْتُ الخ) سماه التبيان في علوم القرآن ثم اختصره في نحو كراسين وكذا اختصر كتاب التبيان الشيخ أبو الحسن البكري وقد نظم مقاصد التبيان العلامة ابن العماد الأقفهسي في قصيدة نونية. قوله: (لَا ينْبغي لحَاملِ القرْآنِ أَنْ يخْفى علَيهِ مثْلُهُ) لا ينبغي يكون للتحريم تارة وللكراهة أخرى كما في التحفة لابن حجر. قوله: (مَظِنَّته) بفتح الميم وكسر الظاء المعجمة وتشديد النون بعدها فوقية والمظنة ما يظن وجود الشيء فيه قال الشيخ عثمان الديمي كان حقه فتح الظاء كما هو قياس بناء أسماء المكان إلَّا أنه كسر للحاق التاء آخره. فصل قوله: (وقَدْ كانَتْ لِلسلَفِ عادَاتٌ مختَلفة الخ) قال الحافظ أخرج أبو بكر بن أبي داود في كتاب الشريعة بسند فيه مبهم عن مكحول قال كان أقوام من أصحاب النبي ﷺ يقرأون القرآن في سبع وبعضهم في شهر وبعضهم في شهرين وبعضهم في أكثر من ذلك قال الحافظ هو أثر ضعيف من أجل المبهم ومن أجل أن مكحولًا لم يسمع من الصحابة إلَّا من عدد يسير قال

стр. 986

في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثمان ليال ختمة، وآخرون في كل سبع ليال ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف، ــ البخاري سمع من أنس وواثلة وأبي هند وتبعه الترمذي وزاد ويقال أنه لم يسمع من الصحابة إلَّا من هؤلاء وتوقف أبو مسهر في سماعه من أبي هند. وقوله: (في القدر الذي يختمون فيه أي قدر الزمن الذي يختمون فيه فأل عوض عن المضاف إليه كما قيل به في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤١] أي مأواه أو أن القدر عبارة عن جملة مقدرة من الزمان أي في الزمن المقدر لذلك. وفوله: (وآخرُونَ في كل شَهر) كأنهم استندوا إلى أمره ﷺ لعبد الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في كل شهر الحديث رواه مسلم قال الحافظ وعند الترمذي والنسائي عن ابن عمرو قال قلت يا رسول الله في كم اختم القرآن قال في كل شهر قال الحافظ حديث صحيح. قوله: (وآخرُون في عشر ليَالي) قال الحافظ أخرجه أبو بكر بن أبي داود بسندين عن الحسن البصري أنه كان يقرأ القرآن في كل عشر ليال مرة وبسند صحيح عن أبي الأشهب واسمه حبان بن جعفر العطاردي قال كان أبو رجاء يعني العطاردي يختم في شهر رمضان كل عشر ليال ختمة. قوله: (وآخرون في ثمانٍ) قال الحافظ أخرج أبو داود عن أبي بن كعب قال اقرأ القرآن في كل ثمان وأخرجه من طريق آخر بلفظ إني لأقرأ القرآن في كل ثمان وأخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريق آخر عن أبي قلابة ان أبي بن كعب كان يختم القرآن في كل ثمان وكان تميم الداري يختم في كل سبع. قوله: (وآخرُونَ في سَبع) كأنهم استندوا إلى ما جاء من قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو لما استزاده فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك رواه الشيخان وله شاهد من حديث قيس بن أبي صعصعة أنه قال يا رسول الله في كم أقرأ القرآن قال في خمس عشرة قال إني أجدني أقوى من ذلك قال اقرأه في جمعة قال الحافظ حديث غريب أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل وأبو بكر بن أبي داود في كتاب الشريعة

стр. 987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأبو علي بن السكن في كتاب الصحابة قال ابن السكن وابن أبي داود ليس لقيس غيره زاد ابن أبي داود وهو أنصاري شهد بدرًا وزاد ابن السبكي لم يرو عنه غير لهيعة وأخرج ابن أبي داود عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن في شهر رمضان من الجمعة إلى الجمعة قال الحافظ موقوف حسن الإسناد وأخرج ابن أبي داود عن ابن مسعود قال اقرؤوا القرآن في سبع قال المصنف في التبيان أما الذين ختموه في الأسبوع مرة فكثير نقل عن عثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وعن جماعة من التابعين اهـ. وقال الحافظ ختمه في سبع أخرجه ابن أبي داود عن عثمان وابن مسعود وتميم الداري بأسانيد صحيحة وخرج أيضًا عن أبي العالية في أصحابه نحو ذلك ونقله عن الصحابة من طريق مجلز عن أئمة الحي وتقدم عن مكحول عن أقوياء الصحابة وأخرجه ابن أبي داود عن جماعة من التابعين وعن جماعة دونهم اهـ. قال القرطبي في كتاب التذكار في أفضل الاذكار كان ﷺ يقرؤه في سبع تيسيرًا على الأمة وكان يبتدئ فيجعله ثلاث سور حزبًا ثم من بعده خمس سور حزب ثم من بعده سبع سور حزب ثم من بعده تسع سور حزب ثم من بعده إحدى عشرة سورة حزب ثم من بعده المفصل حزب فذلك سبعة أحزاب قلت وهذا الخبر المرفوع قد أخرجه الحافظ من طريق الطبراني وغيره عن أوس بن حذيفة الثقفي قال قدمنا على النبي ﷺ في وفد ثقيف فأبطأ علينا ذات ليلة فقال أنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى قضيته فسألنا أصحابه كيف كان ﷺ يحزب القرآن فقالوا ثلاثًا وخمسًا وسبعًا وتسعًا وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل قال الحافظ حديث حسن أخرجه الإمام أحمد وأبو داود ولم يقع في أكثر الروايات نسبة تحزيب القرآن للنبي ﷺ صريحًا والذي وقع فيها بلفظ كيف تحزبون القرآن ولم يقع في أكثرها أيضًا تعيين أول المفصل وقد ذكره عبد الرحمن بن مهدي في روايته فقال من قرأ إلى أن يختم ومقتضاه أنه ابتدأ في العد بالبقرة وكأنه لم يذكر الفاتحة لأنه يبتدأ بها في أول كل ركعة وغالب تلاوتهم كانت في الصلاة اهـ، وذكر عن عثمان بن عفان ﵁ كان يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة وليلة السبت بالأنعام إلى هود وليلة الأحد إلى مريم وليلة الاثنين بطه إلى طسم وليلة

стр. 988

وآخرون في كل ستِّ ليال، وآخرون في خمس، وآخرون في أربع، وكثيرون في كل ثلاث، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، ــ الثلاث بالعنكبوت إلى ص وليلة الأربعاء بتنزيل إلى الرحمن ويختم ليلة الجمعة وهذا الأثر أخرجه ابن أبي داود بسند لين عن القاسم بن عبد الرحمن أن عثمان بن عفان كان يفتتح القرآن فذكره وقال بعض العلماء ذهب كثير من العلماء إلى منع الزيادة على السبع أخذًا بظاهر المنع في قوله فاقرأه في سبع ولا تزد والاقتداء برسول الله ﷺ فلم يرو عنه ﷺ أنه ختم القرآن في ليلة ولا في أقل من سبع والله أعلم بالمصالح والأجر فضل الله يؤتيه من يشاء فقد يؤتى على القليل ما لا يعطى على العمل الكثير وكأن من لم يمنع الزيادة على السبع حمل قوله ولا تزد على الرفق وخوف الانقطاع فإن أمن ذلك جاز بناء على أن ما كثر من العبادة والخير فهو أحب إلى الله والأولى ترك الزيادة لأن قوله ولا تزد أي على السبع وكذا قوله في الخمس خرج مخرج التعليم والله أعلم بحقائق الأمور. تنبيه قال العلقمي في شرح الجامع الصغير المراد بالقرآن في حديث الباب يعني حديث ابن عمرو جميعه ولا يرد أن القصة وقعت قبل موته ﷺ بمدة وذلك قبل أن ينزل بعض القرآن الذي تأخر نزوله لأنا نقول سلمنا ذلك لكن العبرة بما دل عليه الإطلاق وهو الذي فهمه الصحابي فكان يقول ليتني لو قبلت الرخصة ولا شك أنه بعد النبي ﷺ كان قد أضاف الذي يتنزل آخرًا إلى ما نزل أولًا فالمراد بالقرآن جميع ما كان نزل إذ ذاك وهو معظمه ووقعت الإشارة إلى ما نزل بعد توزع تقسطه اهـ. قوله: (وآخَرُونَ في سِتِّ وآخرون في خَمس) أخرجه الحافظ عن منصور عن إبراهيم النخعي قال كان الأسود بن زيد يختم القرآن في ست وكان علقمة يختمه في خمس وقال بعد إخراجه من طريقين أخرجه ابن أبي داود عن منصور بلفظ كان علقمة يكره أن يختم من أقل من خمس. قوله: (وآَخرُون في أَرْبع) قال الحافظ أخرج ابن أبي داود من طريق مغيث بن سمي قال كان أبو الدرداء يقرأ القرآن في كل أربَع ومن طريق بلال بن يحيى لقد كنت أقرأ بهم ربع القرآن في كل ليلة فإذا أصبحت قال بعضهم لقد خففت بنا الليلة. قوله: (وكثيرونَ في ثلاثٍ) أخرج الحافظ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه

стр. 989

ختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين، ــ إنه كان يكره أن يختم في أقل من ثلاث وقال بعد تخريجه رواته ثقات إلَّا أن في سنده انقطاعًا وأخرجه ابن أبي داود من وجه آخر عن معاذ أيضًا وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي داود عن ابن مسعود لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث وأخرج أبو داود من طرق عن ابن مسعود من قوله ومن فعله ومن طرف جماعة من التابعين أنهم كانوا يقرأون كذلك منهم إبراهيم النخعي وأبو إسحاق وطلحة بن مصرف وحبيب بن أبي ثابت وجاء في ذلك خبر مرفوع من عبد الله بن عمرو قال أمرني رسول الله ﷺ أن لا أقرأ القرآن في أقل من ثلاث، عبد الرحمن بن زياد أحد رواته فيه مقال لكن له شاهد من حديث سعد بن المنذر أخرجه أحمد وأبو عبيد وابن أبي داود أنه قال قلت يا رسول أقرأ القرآن في ثلاث قال نعم إن استطعت فكان سعد ﵁ يقرأه كذلك زاد ابن أبي داود حتى توفي وليس لسعد بن المنذر إلَّا هذا الحديث. تنبيه لم يذكر الشيخ من كان يقرأ في ليلتين وقد عقد له ابن أبي داود بابًا وأورد فيه عن الأسود بن يزيد النخعي أنه كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين وسنده صحيح وأخرج الحافظ من طريق الدارمي عن سعيد بن جبير أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين قال وأخرجه ابن أبي داود وأخرج ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنه كان يفعل ذلك ومن طريق واصل بن سليمان قال صحبت عطاء بن السائب فكان يختم القرآن في كل ليلتين. قوله (وختَم جمَاعة في كل يْومٍ ولَيلةٍ ختمتَينِ) قال في التبيان منهم عثمان بن عفان وتميم الداري ﵄ وسعيد بن جبير ومَجاهد والشافعي وآخرون قال الحافظ كأن الشيخ يشير بقوله وجماعة الخ. إلى الحديث الذي جاء عن مسلم بن مخراق قال قلت لعائشة إن رجالًا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثًا فقالت قرأوا ولم يقرأوا كنت أقوم مع رسول الله ﷺ ليلة التمام فيقرأ بالبقرة وآل عمران والنساء فلا يمر بآية فيها استبشار إلَّا دعا ورغب ولا بآية فيها تخويف إلّا دعا واستعاذ والحديث حسن أخرجه ابن أبي داود وأخرج أحمد المرفوع منه فقط وللمرفوع شاهد صحيح عند مسلم عن حذيفة في قيامه مع النبي ﷺ بالليل وفيه فقرأ البقرة والنساء وآل عمران إذا مر بآية فيها تسبيح

стр. 990

وآخرون في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وختم بعضهم في أليوم والليلة ثماني ختمات: أربعًا في الليل، وأربعًا في النهار. وممن ختم أربعًا في الليل وأربعًا في النهار، السيد الجليل ابن الكاتب الصوفي ﵁، وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة. وروى السيد ــ سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ وقد تقدم في أذكار الصلاة. قوله: (وآخَرُونَ في كلِّ يوْم ولَيلةٍ ثلاثَ ختَمَات) قال في التبيان منهم سليم بن غتر قاضي مصر في خلافة معاوية وروى أبو بكر بن أبي داوود أنه كان يختم في الليلة ثلاث ختمات وروى أبو عثمان الكندي في كتابه في قضاة مصر أنه كان يختم في الليلة أربع ختمات اهـ، وأخرج الحافظ أثره من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام ثم حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا بكر بن مضر أن سليم بن غتر بكسر الغين وسكون المثناة من فوق بعدها راء كان يختم القرآن في الليلة ثلاث مرات ويجامع ثلاث مرات فلما مات قالت امرأته رحمك الله إن كنت لترضي ربك وترضي أهلك قالوا وكيف ذلك قالت كان يقوم من الليل فيختم القرآن ثم يلم بأهله ثم يغتسل ثم يعود فيقرأ حتى يختم القرآن ثم يلم بأهله يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم القرآن ثم يلم بأهله ثم يغتسل فيخرج لصلاة الصبح قال الحافظ أخرجه ابن أبي داود من رواية ابن لهيب عن الحارث بن مسلم قال كان سليم بن غتر يقرأ القرآن في كل ليلة ثلاث مرات اختصره وسليم المذكور تابعي كبير شهد فتح مصر في عهد عمر ثم ولاه معاوية القصص ثم ضم إليه القاضي ومات بدمياط سنة خمس وسبعين وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي شيخ الهنائي واسمه خبران بمعجمة وقيل بمهملة تابعي كبير مات بعد المائة قال قرأت القرآن في ليلة مرتين وثلثًا ولو شئت أن أتم الثالثة لفعلت. قوله: (وَممّنْ ختَمَ أَربعًا في اللّيْلِ وأَربعًا في النهارِ السيدُ الجَليل ابنْ الكاتب) نقله المصنف في التبيان عنه من طريق عبد الرحمن السلمي قال الحافظ أخرج هذا الأثر أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب طبقات الصوفية عن أبي عثمان المغربي واسمه سعيد قال كان ابن الكاتب فذكره وابن الكاتب ذكره الشيخ القشيري في رسالته واسمه حسين بن أحمد يكنى أبا علي وأرخ وفاته بعد الأربعين وثلاثمائة. قوله: (وَرَوى السّيدُ

стр. 991

الجليل أحمد الدورقي بإسناده عن منصور بن زادان من عُبّاد التابعين ﵃ أنه كان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر، ويختمه أيضًا فيما بين المغرب والعشاء، ويختمه فيما بين المغرب والعشاء في رمضان ختمتين وشيئًا، وكان يؤخر العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل، وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن مجاهدًا ﵀ كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء. ــ الجَليل الخ) قال الحافظ بعد تخريجه عنه وهو أحمد بن إبراهيم الدورقي قال حدثني محمد بن عيينة حدثني مخلد بن الحسين قال سمعت هشام بن حسان يقول كنت أصلي إلى جنب منصور بن زادان وهو بالزاي المعجمة فالدال بينهما ألف وآخره نون فكان إذا جاء شهر رمضان ختم ما بين المغرب والعشاء خمسين ثم قرأ إلى الطواسين قبل أن تقام الصلاة وكانوا إذ يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يذهب ربع الليل وكان يختم القرآن فيما بين الظهر والعصر ويختمه فيما بين المغرب والعشاء وهذا أثر صحيح أخرجه محمد بن نصر المروزي عن الدورقي وأخرج الحافظ من طريق أبي نعيم من طريق آخر عن هشام بن حسان قال صليت إلى جنب منصور بن زادان يوم الجمعة في مسجد وأسط فختم القرآن مرتين وقرأ الثالثة إلى الطواسين قال مخلد ولو غير هشام حدثني بهذا لم أصدقه وأخرج من طريق أبي نعيم أيضًا عن هشام بن حسان قال صليت إلى جنب منصور بن زادان فقرأ القرآن فيما بين المغرب والعشاء وبلغ في الثانية إلى النحل وقال الحافظ وسنده صحيح. قوله: (وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ الخ) قال الحافظ أخرجه من طريق إسرائيل بن يونس عن منصور عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء ثم ينتظر وأخرجه من طريق قيس بن الربيع عن منصور عن علي الأزدي فذكر مثله إلَّا أنه قال ثم يطوف أو ينبطح وإسرائيل أوثق من قيس اهـ، وفي التبيان للمصنف عن إبراهيم عن سعد قال كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن. تنبيه هذا والذي قبله وما في معناه من أنواع الكرامات وهو المباركة في الوقت بحيث يجري فيه من الخير ما لا يجري فيما هو أطول منه، ومنه ما نقل أن المصنف نفع الله به وزعت مؤلفاته من يوم

стр. 992

وأما الذين ختموا القرآن في ركعة، فلا يحصون لكثرتهم، فمنهم عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير. والمختار: أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على ــ ولادته إلى يوم وفاته كل يوم كراسًا كتابة وتأليفًا وقد ذكرنا أنواع الكرامات في شرح نظم السيوطي لموافقات عمر ﵁ للقرآن. قوله: (وأَمّا الَّذِينَ خَتَمُوا القُرْآنَ) قال الحافظ لم ينقله ابن عبيد ولا ابن أبي داود في كتابيهما عن غير هؤلاء الثلاثة عثمان وتميم الداري وسعيد بن جبير فكأن الشيخ أراد بالكثرة من جاء بعدهم أما أثر عثمان فأخرج الحافظ عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي وهو ابن أخي طلحة قال قلت لأغلبن الليلة على المقام فسبقت إليه فبينا أنا قائمًا أصلي إذ وضع رجل يده على ظهري فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان وهو يومئذٍ خليفة فتنحيت عنه فقام يصلي فقرأ حتى فرغ من القرآن في ركعة ما زاد عليها فقلت يا أمير المؤمنين ما صليت إلا ركعة قال أجل وهي وترى وأخرجه الحافظ من طريق آخر بنحوه قال هذا موقوف صحيح من الوجهين أخرج الأول الطحاوي والبيهقي والثاني ابن أبي داود وأخرج الحافظ من طريق أبي عبيد بإسناده إلى ابن سيرين قال قالت امرأة عثمان حين دخلوا عليه أن يقتلوه أو يدعوه فقد كان يحيي الليل في ركعة يجمع فيها القرآن وأخرجه أيضًا من طريق أبي نعيم وأما أثر تميم الداري فأخرج الحافظ عن محمد بن سيرين أن تميمًا الداري ﵁ كان يقرأ القرآن في ركعة وقال أخرجه ابن أبي داود من غير وجه عن عاصم بن سليمان ومحمد بن سيرين وأما أثر سعيد بن جبير فأخرج ابن أبي داود من طريق سفيان الثوري عن حماد وهو ابن سليمان عن سعيد بن جبير أنه سمعه يقول قرأت القرآن في ركعة في الكعبة وأخرج من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ القرآن في ركعتين وأخرج من وجه ثالث عن سعيد بن جبير أنه صلى في الكعبة أربع ركعات قرأ فيهن القرآن ويجمع بأنه فعل ذلك في أوقات مختلفة وسعيد مكبر وجبير والده بضم أوله المعجم وفتح الموحدة وسكون التحنية آخره راء وسعيد تابعي جليل قتله الحجاج صبرًا. قوله: (والمخْتَار الخ) ذكر مثل هذا الجمع

стр. 993

قدر يحصل له كمال فهم ما يقرأ، وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم، أو فصل الحكومات بين المسلمين، أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامّ للمسلمين، فليقتصر على قدر لا يحصل له بسببه إخلال بما هو مرصد له ولا فوت كماله، ومن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملل أو الهذرمة في القراءة. وقد كره جماعة من المتقدّمين الختم في يوم وليلة. ويدل عليه ما رويناه بالأسانيد الصحيحة في ــ في شرح مسلم. قوله: (المَلَل) بلامين أولاهما مفتوحة الثقل من الشيء. قوله: (والهَذْرَمةَ) بسكون المعجمة وفتح الراء المهملة سرعة الكلام الخفي. قوله: (وقَدْ كرِهَ جَمَاعَةٌ مِنَ المتقَدِّمينَ الخَتْمَ في يوْمٍ ولَيلةٍ) أخرج الحافظ عن ابن مسعود من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو لأجر وقال أخرجه ابن أبي داود من طرق وأخرج أيضًا من طريق أبي عبيد عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث رواته ثقات كما تقدم مع أثر ابن مسعود في هذا المعنى اهـ، وقد أورد القرطبي في التذكار عن ابن مسعود مرفوعًا من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه اهـ. قال ابن حجر في شرح المشكاة ومن لم يكره ذلك قال هذا مفهوم عدد وهو غير حجة عند الأصوليين قيل وهو المختار. قلت أو بحمله كما تقدم في نظيره عن القرطبي على أن الحديث على سبيل التخفيف وخوف الإنقطاع. قوله: (ويَدُلُّ عليْهِ مَا رَوَينْاهُ بالأَسانِيدِ الصحِيحَةِ الخ) قال الحافظ بعد تخريجه حديث حسن غريب أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي ويتعجب من قول الشيخ بالأسانيد الصحيحة فإنه ليس له عندهم إلَّا سند واحد هو قتادة عن أبي العلاء عن عبد الله بن عمرو هكذا رواه جماعة عن قتادة ورواه بعض الضعفاء عن قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن عبد الله بن عمرو وهي رواية شاذة ولم أره من حديث قتادة إلَّا بالعنعنة وكأن الشيخ أراد أن له أسانيد إلى قتادة أي فإن أحمد رواه عن عفان بن مسلم ويزيد بن هارون كلاهما عن همام بن يحيى وأبو داود عن محمد بن المنهال وهما يرويان عن يزيد بن زريع وأخرجه الترمذي والنسائي عن سعيد بن أبي عروة وكلاهما عن قتادة والله أعلم.

стр. 994

سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وغيرها، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَفْقَهُ مَنْ قرأ القرآنَ في أقل مِن ثلاثٍ" وأما وقت الابتداء والختم، فهو إلى خيرة القارئ، فإن كان ممن يختم في الأسبوع مرةً، فقد كان عثمان ﵁ يبتدئ ليلة الجمعة ويختم ليلة الخميس. وقال الإمام أبو حامد الغزالي في "الإحياء": الأفضل أن يختم ختمة بالليل، وأخرى بالنهار، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر ــ قوله: (لَا يفقَه مَنْ قَرأ القُرْآنَ في أَقَلَّ مِنْ ثَلاث) ينقص فهمه وتدبيره لأنه يحتاج إلى مراعاة الألفاظ مع ما عنده من الاستعجال المشغل عن التدبر والتفهم أي إشغال وجعلت الثلاث غاية في ذلك لأنها محتملة أما من أراد فهم معناه على حقيقته فقد مضى عمره في فهم آية ولا يحيط بها ولا ببعضها هذا كله في تفهم معانيه أما الثواب على قراءته فحاصل لمن قرأه سواء فهمه أم لا للتعبد بلفظه بخلاف غيره من الأذكار فلا ثواب فيه إلَّا إن فهمه ولو بوجه كما تقدم بسطه أول الكتاب. قوله: (فَقَدْ كانَ عُثمانُ الخ) تقدم تخريجه وذكر حديث مرفوع فيه تحزيب القرآن على سبع. قوله: (الغَزَالي) قال في التبيان هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد هكذا يقال بتشديد الزاي وقد روي عنه أنه أنكر هذا وقال إنما أنا الغزالي بتخفيف الراي منسوب إلى قرية من طوس يقال لها غزالة اهـ. قوله: (في رَكعَتي الفَجْر) أي سنته سواء كان يقرأ في الصلاة أو خارجها كما تقتضيه عبارته في التبيان وهي الختم للقارئ وحده يستحب أن يكون في الصلاة وقيل يستحب أن يكون في ركعتي سنة المغرب وركعتي الفجر أفضل اهـ. قال ابن حجر في شرح العباب وينبغي أخذا مما في صدقة التطوع في مبحث تأكد في الأوقات الفاضلة أن يكون المراد بذلك أن الختم إذا وقع في ذلك كان أفضل لأنه إذا فرغ منه في غير تلك الأوقات وأراد الشروع في ختم آخر سن له تأخير الختم لتلك الأوقات ويحتمل خلافه والفرق أن التأخير هنا لا يؤدي إلى ضرر أحد بخلافه

стр. 995

أو بعدهما، ولجعل ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل أوّل النهار وآخره. وروى ابن أبي داود، عن عمرو بن مرَّة التابعي الجليل ﵁، قال: كانوا يحبون أن يختم القرآن من أول الليل أو من أول النهار. وعن طلحة بن مصرف التابعي الجليل الإمام قال: من ختم القرآن آية ساعة كانت من النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وأية ساعة كانت من الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح. ــ ثمة فإنا لو أمرناه بتأخير الصدقة لأدى إلى تضرر المحتاجين اهـ. قوله: (أَو بَعدَهُمَا) أي إن كان يختم في غير الصلاة قال في التبيان أما من يختم في غير الصلاة بالجماعة الذين يجتمعون يستحب أن يكون ختمهم أول النهار فأول الليل أفضل عند بعض العلماء اهـ، وفي التذكار يستحب أن يختم أول النهار فإن إبراهيم التيمي قال: كانوا يقولون إذا ختم الرجل القرآن أول النهار صلت عليه الملائكة بقية يومه وكذلك إذا ختم أول الليل، وقد روي هذا مرفوعًا عن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص قال قال رسول الله ﷺ : من ختم القرآن أول النهار صلت عليه الملائكة حتى يمسي ومن ختم أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح اهـ. قوله: (وَرَوَى ابْنُ أَبِي داودَ الخ) قال الحافظ أخرجه من رواية ابن مكين عن عمرو واسم أبي مكين وهو بوزن عظيم أنوح بن ربيعة وثقه أحمد ويحيى بن معين. قوله: (وعَنْ طَلْحَةَ بْنَ مُصَرف الخ) أي وروى ابن أبي داود أيضًا عن طلحة قال الحافظ: أخرجه من رواية حماد بن سلمة عن أبي مكين عن طلحة ثم أخرجه الحافظ من وجه آخر عن طلحة وعبد الرحمن بن الأسود قالا من قرأ القرآن ليلًا أو نهارًا صلت عليه الملائكة إلى الليل أو النهار وقال أحدهما غفر له ومصرف بضم الميم وفتح المهملة وكسر الراء المهملة أيضًا وتشديدها وقيل يجوز فتح الراء وليس بشيء كذا في التبيان وفي شرح مسلم هذا أي كسر الراء هو

стр. 996

وعن مجاهد نحوه. وروينا في مسند الإمام المجمع على حفظه وجلالته وإتقانه وبراعته أبي محمد الدارمي ﵀، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلت عليه الملائكة حتى يمسي. قال الدارمي: هذا حسن عن سعد. ــ المشهور المعروف في كتب الحديث وأسماء أصحاب المؤلف وأسماء أصحاب الرجال وغيرهم وحكى العلقمي الفقيه الشافعي في كتابه المهذب أنه روي بكسر الراء وفتحها وهذا الذي رواه من الفتح غريب ولا أظنه يصح ولعله قلد فيه بعض الفقهاء أو بعض النسخ أو نحو ذلك اهـ. قوله: (عن مُجاهِدِ) أي وروى ابن أبي داود أيضًا عن مجاهد ولفظه من قرأ القرآن في شهر أو دون ذلك أو أكثر فإن ختمه نهارًا صلت عليه الملائكة حتى يمسي وإن ختمه ليلًا صلت عليه الملائكة حتى يصبح وأخرج الحافظ من طريق الدارمي عن عبدة بن أبي لبابة فذكر معناه وفي التذكار قال مجاهد من ختم القرآن نهارًا وكل به سبعون ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي ومن ختمه ليلًا وكل به سبعون ألفًا يصلون عليه حتى يصبح اهـ، وظاهر أن هذا مما لا مجال للرأي فيه فيكون مرفوعًا حكمًا. قوله: (وَرَوَينَا في مُسْنَدِ الإِمام الخ) وكذا وقفه على سعد في التبيان وخرجه الحافظ من طريق الدارمي كذلك لكن تقدم عن التذكار للقرطبي التصريح برفعه إلَّا أنه لم يبين من خرجه ثم رأيت صاحب مسند الفردوس أورده كذلك مرفوعًا وقال رواه أبو نعيم في الحلية. قوله: (قَال الدارمي هذا حديث حسن) نازعه الحافظ في تحسينه بأن في مسنده ليث بن أبي سليم هو ضعيف الحفظ ومحمد بن حميد مختلف فيه قال وكأنه حسنه لشواهده السابقة وغيرها أو لم يرد الحسن بالاصطلاح.

стр. 997

فصل: في الأوقات المختارة للقراءة اعلم أن أفضل القراءة ما كان في الصلاة، ومذهب الشافعي وآخرين ﵏: أن تطويل القيام في الصلاة بالقراءة أفضل من تطويل السجود وغيره وأما القراءة في غير الصلاة، فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة. ــ فصل في الأوقات المختارة للقراءة قوله: (أَفْضَلَ القراءَةِ مَا كانَ في الصلاةِ) أي في قيامها لما مر من النهي عن القراءة في غير القيام، ففي الحديث عن عائشة أن النبي ﷺ قال قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة الحديث. قال في المشكاة رواه البيهقي في شعب الإيمان قلت. وأخرجه صاحب الفردوس قال ابن حجر في شرح المشكاة وذلك لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر لما يحصل للقلب فيها من الخشوع والخضوع ولا شك أن في القراءة مع ذلك استغراق القلب في تدبر القرآن الموجب لمزيد إلاقبال على الله تعالى والتخلق بالأخلاق العلية ما ليس في القراءة خارجها اهـ. قوله: (ومذْهَبُ الشافعي الخ) سبق بيان الخلاف في المسألة في باب الجود ودليل الأقوال. قوله: (وأَمَا القراءَةُ في غيرِ الصلاةِ فأَفضلُها قراءَةُ الليلِ) أي لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ١١٣] والأحاديث والآثار فيه كثيرة منها حديث جابر عند مسلم فإن قراءة آخر الليل محضورة وذاك أفضل وهو مستند فضلها بالنصف الأخير منه ورجحت قراءة الليل لكونها أجمع للقلب وأبعد عن الشواغل والملهيات والتصرف في الحاجات وأصون عن الرياء وغيره من المحبطات وأقرب إلى التفكر في معاني القرآن وأصون عن تطرق نحو الرياء وأبعد من التشاغل واللهو مع ما جاء الشرع به من الخيرات في الليل كالإسراء ﷺ وإجابة الدعاء كل ليلة كما سبق وفي بهجة الأسرار بإسناده عن سلمان الماطي قال رأيت علي بن أبي طالب في المنام يقول شعرًا: لولا الذين لهم ورد يقومونا ... وآخرون لهم سرد يصومونا لدكدكت أرضكم من تحتكم سِحرًا ... لأنكم قوم سوء ما تطيعونا كذا يؤخذ من التبيان باختصار. قوله: (والنصفُ الأخيرُ الخ) أي لأن فيه التجليات

стр. 998

وأما قراءة النهار، فأفضلها ما كان بعد صلاة الصبح، ولا كراهة في القراءة في وقت من الأوقات، ولا في أوقات النهي عن الصلاة. وأما ما حكاه ابن أبي داود ﵀، عن معاذ بن رفاعة ﵀، عن مَشْيَخَةٍ أنهم كرهوا القراءة بعد العصر وقالوا: إنها دراسة يهود، فغير مقبول، ولا أصل له، ــ الإلهية وفيه ساعة الإجابة وقياسًا على صلاة النفل إذ هو فيه أفضل منه في النصف الأول. قوله: (وأَما قراءةُ النهَارِ فأَفضلُها ما كَانَ بعدَ صلاةِ الصبح) قال تعالى: (﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨] تشهده الملائكة المتعاقبون بالليل والنهار كما في الحديث يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار الحديث وفيه أنهم يجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر قال أبو حيان في النهر وأعاد قرآن الفجر في قوله أن قرآن الفجر ولم يأت به مضمرًا فيكون فيه على سبيل التعظيم التنويه بقرآن الفجر اهـ، ولأن الفراغ فيه أتم منه باقي أوقات النهار. قوله: (ولا كراهَة فيهِ) قال في التبيان لا كراهة للقرآن في وقت من الأوقات لمعنى فيه اهـ. أما إذا عرض ما يكره معه القراءة من نعاس أو حديث أو نحوه فيكره لذلك العارض لا لمعنى في الوقت. قوله: (وأَما مَا حكاه ابن أَبِي دَاودَ الخ) قال الحافظ معان بضم الميم وتخفيف المهملة وآخره نون شامي مختلف في توثيقه وهو من طبقة الأوزاعي وجل روايته عن صغار التابعين وقيل محل كراهتهم قصر القراءة على ذلك الوقت ولولا التعليل الذي ذكره لكان للكراهة وجه لأن غالب التلاوة داخل الصلاة والنفل بلا سبب مكروه ذلك الوقت والله أعلم ويكفي في رد ذلك القول أن فيه خاتمة النهار وقيل البر فيه محمود ومطلوب وقد قال تعالى فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن بدأ النهار وختمه بطاعة كان سببًا لتكفير بما بينهما كما تقدم يا بن آدم صل في أول النهار ركعتين وآخره ركعتين أكفك ما بينهما. قوله: (عنْ مشيخَة) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح التحتية والخاء المعجمة وهو أحد جموع لفظ شيخ ويقال في جمعه أيضًا شيوخ وأشياخ وشيخان وشيخ وشيخة بكسر الشين وفتح الياء بإسكانها ومشايخ ومشيوخاء بالمد وقد نظمها ابن مالك غير أنه أسقط منها مشايخ فقال: شيخ شيوخ ومشيوخاء مشيخة ... شيخان أشياخ أيضًا شيخة شيخة

стр. 999

ويختار من الأيام: الجمعة، والاثنين، والخميس، ويوم عرفة، ومن الأعشار: العشر الأول من ذي الحجة، ــ وزاد في القاموس شيوخ بكسر الشين وشيوخاء وزاد اللحياني في النوادر مشيخة بفتح الياء وضمها وبه تكمل جموعه اثني عشر جمعًا وأما أشياخ فهو جمع الجمع وقال صاحب الجامع لا أصل لمشايخ في كلام العرب وقال الزمخشري ليس مشايخ جمع شيخ ويصح أن يكون جمع الجمع اهـ. قوله: (ويختَارُ منَ الأيامِ الخ) ظاهر عبارته أن الأيام متساوية الترتيب وليس مرادا قال ابن حجر في شرح العباب ويختار من الأيام يوم عرفة يوم الجمعة ثم يوم الاثنين والخميس وإنما كان يوم عرفة الأحب لحديث سيد الأيام يوم عرفة ولأنه يوم تكفر الذنوب وينال فيه المطلوب ثم يوم الجمعة لحديث سيد الأيام يوم الجمعة رواه النسائي وغيره وهو حديث صحيح كما في مسند الفردوس ولا ينافي ما قبله لأن ذاك أفضل أيام السنة وهذا في أيام الأسبوع ولأن فيه ساعة الإجابة مع ما له من الفضائل القديمة ثم الاثنين والخميس لأنهما يومان يعرض فيهما الأعمال على الله عر وجّل كما ورد ذلك في الحديث الصحيح رواه مسلم وغيره وعرض الأعمال على الله متكرر يوم اثنين وخميس ثم في شهر شعبان وذلك ليذكر كل من الفريقين في ذلك العالم بحاله المقتضي لإبعاده أو تقريبه وكماله تم تسمية اليومين بما ذكر من الاثنين والخميس يقتضي ان أول الأسبوع الأحد ونقله ابن عطية عن الأكثرين وناقضه السهيلي فنقل عن العلماء إلّا ابن جرير أن أوله السبت قيل وهو صريح خبر مسلم وإن تكلم فيه الحافظ كابن المديني والبخاري وجعلوه من كلام كعب وإن أبا هريرة سمعه منه فاشتبه ذلك على بعض الرواة فرفعه لكن قال البيهقي أنه مخالف لما عليه أهل السنة أن أول بدء الخلق الأحد لا السبت ودل له خبر خلق الله الأرض يوم الأحد ومن ثم كان الأكثرون عليه وجرى عليه المصنف في تحريره ومن الأعشار العشر الأول من ذي الحجة آخره يوم النحر وذلك للأحاديث الواردة بفضل العمل فيه كالحديث الآتي في باب صلاة العيدين ما من أيام العمل فيهن أفضل منه في عشر

стр. 1000

والعشر الأخير من رمضان، ومن الشهور: رمضان. فصل في آداب الختم وما يتعلق به: قد تقدم أن الختم للقارئ وحده يستحب أن يكون في صلاة. وأما من يختم في غير صلاة كالجماعة الذين يختمون مجتمعين، فيستحب أن يكون ختمهم في أول الليل أو أول النهار كما تقدم. ويستحب صيام يوم الختم، إلا أن يصادف يومًا نهى الشرع عن صيامه. وقد صح عن طلحة بن مصرف، والمسيب بن رافع، وحبيب بن أبي ثابت، التابعيين الكوفيين ﵏ أجمعين، أنهم ــ ذي الحجة الحديث وهو يقتضي أفضليتها على عشر رمضان الأخير ولذا قيل به لكنه غير صحيح والمراد أفضليته على ما عدا رمضان لصحة الخبر بأنه سيد الشهور مع ما يميز به من فضائل آخر واختار عشرة لصوم الفرض وهذا العشر لصوم النفل أدل دليل على تمييز عشر رمضان فزعم أن عشر رمضان أفضل من حيث الليالي لأن فيه ليلة القدر وعشر ذي الحجة من حيث الأيام لأن فيه يوم عرفة غير صحيح وإن أطنب قائله في الاستدلال له بما لا نفع فيه فضلًا عن صراحته أشار إليه ابن حجر في التحفة وظاهر أن الكلام بالنسبة إلى مجموع العشر الأول فلا توقف أن يوم عرفة أفضل من كل يوم من أيام السنة كما جاء في الحديث ولا يقدح اختيار يوم رمضان لصوم الفرض ويوم عرفة لصوم النفل لأن فيه من الفضائل ما يقوم مقام ذلك ويزيد وبالله التوفيق والتسديد. قوله: (والعشرَ الأخيرَ من رمضَان) أي لأنه أفضله رجاء مصادفة ليلة القدر. قوله: (سيد الشهورِ رمَضَانُ) أي لخبر الصحيحين أن جبريل كان يلقى النبي ﷺ في كل سنة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض ﷺ القرآن عليه. فصل في آداب الختم وما يتعلق به قوله: (وأَمَا منْ يختِمُ الخ) أي وحده بدليل مقابلته بما عطف عليه بقوله والجماعة الخ. فيستحب أن يكون ختمهم في أول الليل الخ، زاد في التبيان وأول النهار أفضل عند بعض العلماء قال القرطبي في التذكار يستحب أن يختم أول النهار فإن إبراهيم التيمي قال كانوا يقولون إذا ختم القرآن أول النهار صلت عليه الملائكة بقية يومه وكذلك إذا ختم أول الليل وقد روي هذا مرفوعًا قلت وقد ذكرنا في الفصل السابق. قوله: (وقَدْ صَحَّ) أي جاء بإسناد صحيح قال

стр. 1001

كانوا يصبحون صيامًا في اليوم الذي كانوا يختمون فيه. ويستحب حضور مجلس الختم لمن يقرأ، ولمن لا يحسن القراءة. فقد روينا في الصحيحين: "أن رسول الله ﷺ أمر الحُيَّضَ بالخروج يوم العيد ليشهدْنَ الخير ودعوة المسلمين". وروينا في مسند الدارمي، عن ابن عباس ﵄، ــ في التبيان وقد روى ابن ابن أبي داود بإسناد صحيح أن طلحة بن مصرف الخ اهـ، وقال الحافظ أنه على شرط الصحة. قوله: (كانوا يُصبحونَ صيامًا اليومَ الذي يَختمونَ فيهِ) كأن حكمة ذلك شكر نعمة تيسير ذلك والتوصل إلى تعدد أسباب إجابة الدعاء ونقل المصنف في التبيان والقرطبي في التذكار ما ذكر قوله: (يسْتحب حُضورُ مجلس الختم الخ) في التبيان يستحب حضور مجلس ختم القرآن استحبابا متأكدًا. قوله: (فقدَ رَوَينَا في الصحيحين) رواه عن أم عطية ﵂ ولفظها عندهما كان ﷺ يأمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخَدور فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين قال الحافظ بعد تخريجه حديث صحيح أخرجه الشيخان قلت وفي لفظ لهما عنهما أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج الحيض يوم العيدين وذوات العواتق فيشهدن جماعة المسلمين ودعوتهم وتعتزل الحائض عن مصلاهن الحديث ورواه أبو داود بنحوه. قوله: (الحيض بضم الحاء وتشديد التحتية جمع حائض قوله.: (فيشهدن الخيرَ) أي مواطن الخير والفيوض الإلهية وأهل الخير هم القوم لا يشقى بهم جليسهم. قوله: (ودَعوةَ المسلمينَ) أي لتعود بركتها وبركتهن عليه. قوله: (مُسْندِ الدارمي) قال الحافظ لكن ذكره الشيخ هنا بالمعنى واللفظ الذي ذكره الدارمي بإسناده عن قتادة قال كان رجل يقرأ القرآن في مسجد المدينة فكان ابن عباس قد وضع عليه الرصد فإذا كان ختمه فتحول إليه وأخرجه أبو عبيد وابن الضريس بضم المعجمة وفتح الراء آخره سين مهملة كلاهما في فضائل القرآن وابن أبي داود في كتاب الشريعة من طرق متعددة لهم إلى صالح المزي بضم الميم وتشديد الزاي عن قتادة وصالح زاهد مشهور من أهل البصرة وهو ضعيف الحديث عندهم وفيه علة أخرى الانقطاع بين ابن عباس وقتادة. الدرامي هو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي الحافظ من بين دارم بن مالك بن حنطة بن زيد مناة من تميم روى عنه أئمة كمسلم وأبي داود

стр. 1002

أنه كان يجعل رجلًا يراقب رجلًا يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس ﵄ فيشهد ذلك. وروى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين، عن قتادة التابعي الجليل الإمام صاحب أنس ﵁، قال: كان أنس بن مالك ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ــ والترمذي وأبي زرعة قال أبو حاتم هو إمام أهل زمانه ولد سنة إحدى وثمانين ومائة ومات يوم التروية سنة خمس وخمسين ومائتين والغالب على مسنده الصحة ولما بلغ البخاري نعيه بكى وأنشد: إن تبق تفجع في الأحبة كلهم ... وفناء نفسك لا أبا لك أفجع وذكر الترمذي أنه سمع البخاري يحدث عنه بحديث من شيع الجنازة وابن عدي أن النسائي حدث عنه. قوله: (أَنه كَانَ الخ) أورده القرطبي في التذكار ولم يذكر مخرجه ولفظه روي عن قتادة أن رجلًا يقرأ القرآن في مسجد رسول الله ﷺ فكان ابن عباس يجعل عليه رقيبًا فإذا أراد أن يختم قال لجلسائه قوموا بنا حتى نحضر الخاتمة. قوله: (وَرَوى ابْن أَبِي دَاوُدَ) رواه في كتابه المصاحف وقال الحافظ بعد تخريجه من طريق أبي بكر بن أبي شيجة أخرجه ابن أبي داود عن علي بن محمد عن وكيع عن مسعر عن قتادة وأخرجه أيضًا من رواية ثابت البناني أن أنسًا كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده ودعا لهم ولفظ الطبراني وأهل بيته هذا موقوف صحيح أخرجه سعيد بن منصور في كتابه وأخرجه أبو داود من رواية ابن عطية عن أنس وزاد في آخره والدعاء عند ختم القرآن مستجاب والحكم فيه ضعيف لكن له شاهد عن ابن مسعود أخرجه ابن عبيد وابن الضريس بسند فيه انقطاع عن ابن مسعود قال من ختم القرآن فله دعوة مستجابة وكان عبد الله إذا ختم جمع أهله ثم دعا وأمنوا على دعائه وجاء أوله في حديث مرفوع أخرجه الطبراني في معجمه بسند ضعيف عن العرباض بن سارية قال قال رسول الله ﷺ من ختم القرآن فله دعوة مستجابة وقد وجدت لحديث أنس الموقوف المتقدم ذكره طريقًا أخرى مرفوعة عن قتادة عن أنس قال كان ﷺ إذا ختم القرآن جمع

стр. 1003

ودعا. وروى بأسانيد صحيحة، عن الحكم بن عتيبة -بالتاء المثناة فوق ثم المثناة تحت ثم الباء الموحدة- التابعي الجليل الإمام قال: أرسل إليَّ مجاهد وعَبْدَة بن أبي لبابة فقالا: إنا أرسلنا إليك لأنا أردنا أن نختم القرآن، والدعاء مستجاب عند ختم القرآن. وفي بعض رواياته الصحيحة: أنه كان يقال: إن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن. ــ أهله ودعا قال أبو نعيم الحافظ غريب من حديث مسعر قال الحافظ قلت رواته وثقون ثم قال ان في سنده من يضعف أو يجهل والصحيح الموقوف عن أنس وسيأتي آثار آخر الفصل الذي بعده إن شاء الله تعالى. قوله: (ودَعَا) لأن الدعاء مستجاب عند ختم القرآن كما سيأتي عن مجاهد بل الدعاء مستجاب عقب تلاوة القرآن من أي منه كان روى الترمذي عن عمران بن الحصين ﵄ أنه مر على قارئ يقرأ ثم سأل فاسترجع ثم قال سمعت رسول الله ﷺ يقول من قرأ القرآن فليسأل الله فإنه سيجيء أقوام يسألون به الناس. قوله: (لأنا أردنا أن نختم) أورده القرطبي في التذكار نريد أن نختم فأحببنا أن تشهدونا فإنه يقال إذا ختم القرآن نزلت الرحمة عند ختمه اهـ، وقد أخرجه كذلك ابن أبي شيبة كما تقدم وابن أبي داود لكن بلفظ كان يقال إذا ختم القرآن نزلت الرحمة عند ختمه أو حضرت الرحمة عند خاتمته أورده كذلك في السلاح. قوله: (وعبدة بْنُ أَبِي لُبَابة) هو بالعين المهملة ثم الباء الموحدة ثم الدال المهملة بعدها فوقية اسم ابن أبي لبابة وإنما ضبطه لأنه في بعض النسخ وعنده بالنون وهو تصحيف اهـ. وكان المراد خاصة وإلا فالرحمة والسكينة تنزل على المجتمعين لدراسة الكتاب الشريف كما سبق من حديث وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يقرأون القرآن ويتدارسونه إلّا غشيتهم السكينة ونزلت عليهم الرحمة وفي الحصين في أحوال الإجابة وبعد تلاوة القرآن رواه الترمذي

стр. 1004

وروى بإسناده الصحيح عن مجاهد قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن ويقولون: إن الرحمة تنزل عند ختم القرآن. فصل: ويستحب الدعاء عقب الختمة استحبابًا متأكدًا شديدًا لما قدمناه. وروينا في مسند الدارمي، وعن حميد الأعرج ﵀ قال: من قرأ القرآن ثم دعا أمّن على دعائه أربعة آلاف ملك. وينبغي ــ لا سيما بعد ختم القرآن رواه الطبراني عن عمران مع ما قبله وابن أبي شيبة في مصنفه من قول عبدة بن أبي لبابة ومجاهد وهما تابعيان. قوله: (ورَوى بأسانيد صحِيحَة الخ) أخرجه الحافظ عن الحكم بن عبسة قال كان مجاهد وعبدة بن أبي لبابة وناس يعرضون المصاحف فلما كان اليوم الذي أرادوا أن يجتمعوا فيه أرسلوا إلي وإلى سلمة بن كهل وقالوا أنا كنا نعرض المصاحف وأنا أردنا أن نختم القرآن فأحببنا أن تشهدوا أنه كان يقال إذا ختم القرآن نزلت الرحمة قال الحافظ موقوف صحيح الإسناد أخرجه ابن أبي داود وأخرجه الحافظ من وجه آخر وقال أخرجه ابن أبي داود أيضًا عن الحكم أرسل إلى مجاهد وعبدة أنا نريد أن نختم القرآن وكان يقال أن الدعاء يستجاب عند ختم القرآن موقوف صحيح وكأن مجاهدًا وعبدة ذكرا الأثرين معًا فحفظ بعض ما لم يحفظ الآخر عن الحكم أو حدث الحكم بهذا مرة وبهذا مرة والأول من طريق جرير وسفيان الثوري والثاني عند ابن أبي داود عن شعبة اهـ. فصل قوله: (يستحب الدعَاءُ) أي استحبابًا مؤكدًا كما في التبيان وفي التذكار روى عطاء عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ من قرأ يعني القرآن حتى ختمه كانت له دعوة مستجابة وروى قتادة عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال عند ختم القرآن دعوة مستجابة وتقدم حال الحديث وأخرج البيهقي مع كل ختمة دعوة مستجابة. قوله: (وَرَوَينا في مُسْنَد الدارمي الخ) قال الحافظ بعد تخريجه من طريق الدارمي أثر مقطوع وسنده ضعيف ويغني عنه

стр. 1005

أن يُلحَّ في الدعاء، وأن يدعوَ بالأمور المهمة والكلمات الجامعة، وأن يكون معظمُ ذلك أو كله في أمورِ الآخرة وأمورِ المسلمين، وصلاح سلطانهم وسائرِ ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات، وعصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البر والتقوى، وقيامِهم بالحق واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين وسائر المخالفين، وقد أشرت إلى أحرف من ذلك في كتاب "آداب القرآن"، وذكرت فيه دعوات وجيزة من أرادها نقلها منه، وإذا فرغ من الختمة، فالمستحب أن يشرع في أخرى متصلًا بالختم، فقد استحبه السلف. ــ أثر مجاهد وعبدة السابق في الفصل الذي قبله وتقدم قبل ذلك ابن مسعود والحديث المرفوع عن العرباض وقد وجدت مثل حديث العرباض حديثًا عن أنس أخرجه أبو نعيم في ترجمة مسعر من الحلية وسنده ضعيف أيضًا اهـ. قلت هذا لا مجال للرأي فيه فيكون مستنده في التوقيف فيكون مرفوعًا حكمًا. قوله: (أَنْ يُلِحَّ) بضم التحتية وكسر اللام وتشديد الحاء المهملة من الإلحاح وهو المبالغة أي يبالغ في الدعاء بالمداومة والمواظبة في الإلحاح ولا يكتفي بمرة ولا بمرات وفي الخبر إن الله يحب الملحين في الدعاء. قوله: (وأَنْ يدعوَ بالأمور المهمةِ) التي هي أهم والحاجة إليها أتم لأن المهم المقدم والله أعلم. قوله: (والكلماتَ الجامعةِ) أي بالكلمات الجامعة لأغراضه الصالحة أو الجامعة للثناء على الله سبحانه أو لآداب المسألة والمراد بها ما كان لفظه يسيرًا ومعناه كثيرًا شاملًا لأمر الدارين حائزًا للخيرين. قوله: (وأَنْ يكونَ مُعظمُ ذلكَ الخ) أما أمور الآخرة فلورود الأمر بسؤال خيرها كخبر إذا سألتم فاسألوا الله الفردوس والاستعاذة من شرها كخبر كان ﷺ يستعيذ من عذاب النار وأما الدعاء للمسلمين فلما فيه أداء حقهم الناشئ عما قام عنده من عظيم الشفقة ومزيد الرحمة مع ما فيه من إجابة الدعاء ففي الحديث دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة

стр. 1006

واحتجوا فيه بحديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "خَيْرُ الأعْمالِ الحِلُّ والرحْلَةُ"، قيل: وما هما؟ قال: "افْتِتاحُ القُرآن وختْمُهُ". ــ عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل رواه مسلم قال المصنف في شرح مسلم ولو دعا لجماعة من المسلمين حصلت هذه الفضيلة ولو دعا لجملة المسلمين فالظاهر حصولها أيضًا وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه بتلك الدعوة لتستجاب ويحصل له مثلها اهـ. قوله: (واحتجوا فيه بحدِيثِ أنسٍ الخ) قال الطاهر الأهدل في هامش أصله لم يعز المصنف هذا الحديث إلى مخرجه وهو حديث غريب خرجه الترمذي في جامعه والبيهقي في شعب الإيمان ومداره على صالح المزي وقال ضعيف وقال البخاري منكر وقال النسائي متروك وعلى الجملة فصالح معضل ضعيف اهـ. لكن قال الحافظ حديث أنس المذكور أخرجه ابن أبي داود بسند فيه من كذب وعجيب للشيخ كيف اقتصر على هذا ونسب للسلف الاحتجاج به ولم يذكر حديث ابن عباس وهو المعروف في الباب وقد أخرجه بعض الستة وصححه بعض الحفاظ ثم أخرج الحافظ من طريق عن ابن عباس قال قال رجل يا رسول الله أي العمل أفضل قال عليك بالحال المرتحل قال وما الحال المرتحل قال صاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره ويضرب من آخره إلى أوله كلما حل ارتحل ثم أخرجه الحافظ عن ابن عباس من طريق آخر لكن قال فيه أي الكلام أحب إلى الله ولم يقل في آخره كلما حل قال الحافظ حديث غريب أخرجه الترمذي عن الهيثم بن الربيع عن صالح وقال غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلّا من هذا الوجه ثم أخرجه من وجه آخر عن صالح ولم يذكر فيه عن ابن عباس ورجح هذه المرسلة وتعقبه المزي في الأطراف بأن الهيثم لم ينفرد بوصل تلك الرواية بل تابعه غيره وأخرجه الحاكم وقال تفرد به صالح وكان من زهاد البصرة اهـ، وهو ممن يتعجب منه لإخراجه له في المستدرك وصالح عندهم ضعيف بسبب سوء حفظه وكأنه تساهل فيه لكونه من فضائل الأعمال اهـ، وبه يعلم ما وقع فيه الأهدل من الوهم فإن الذي انفرد به صالح

стр. 1007

فصل: فيمن نام عن حزبه ووظيفته المعتادة: روينا في "صحيح مسلم": عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن نامَ عَنْ حِزْبهِ مِنَ الليلِ أو عَنْ شَيءٍ مِنْهُ، فقَرَأهُ ما بَيْنَ صلاةِ الفَجْرِ وصلاةِ الظهْرِ كُتِبَ لهُ كأنما قرأة منَ الليلِ". فصل في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان: روينا في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: ــ رواية ابن عباس لا رواية أنس المذكورة في المتن والله أعلم وفي النهاية أنه سئل أي الأعمال أفضل فقال الحال المرتحل قيل وما الحال قال الخاتم المفتتح هو الذي يختم القرآن بتلاوته ثم يفتتح التلاوة من أوله شبهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحل فيه ثم يفتتح سيره أي يبتدئه وكذلك قراء أهل مكة إذا ختموا القرآن ابتدأوا وقرأوا الفاتحة وخمس آيات من أول سورة البقرة إلى وأولئك هم المفلحون ثم يقطعون القراءة ويسمون فاعل ذلك الحال المرتحل أي أنه ختم القرآن وابتدأ بأوله ولم يفصل بينهما بزمان وقيل أراد بالحال المرتحل المغازي الذي لا يفعل إلّا عقبه بأخرى اهـ. فصل قوله: (رَوَينا في صَحِيح مسلم الخ) تقدم الكلام عليه في الفصل. قوله: (حِزْبِهِ) هو بكسر الحاء المهملة وإسكان الزاي أي ما عليه من الورد من قرآن أو غيره. قوله: (فقرأَهُ مَا بينَ الخ) خص هذا الوقت بذلك لأنه مضاف عند العرب إلى الليل وفي الحديث الاعتناء بالرواتب وقضاء الراتب المؤقت قال الحافظ ظاهر الحديث أن القراءة بالليل أفضل من القراءة بالنهار وقد جاء ذلك صريحًا ثم أخرج من طريق أبي نعيم في المستخرج عن جابر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول أيكم خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر ثم يرقد ومن وثق باليقظة من الليل فليوتر من آخر الليل فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل، حديث صحيح أخرجه مسلم اهـ. فصل في الأمر بتعهد القرآن والتحذير من تعريضه للنسيان قوله: (رَوَينْا في صَحِيحِي البُخارِي ومسلم) وكذا رواه الإمام أحمد في مسنده كما في

стр. 1008

"تَعاهَدُوا هَذا القُرآنَ، فوَالذي نَفْسُ مَحَمدِ بيَدِهِ لَهُوَ أشَدُّ تَفَلُّتا مِنَ الإبل في عُقُلِها". وروينا في "صحيحيهما" عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مَثَلُ صَاحِبِ القُرآنِ كَمَثَلِ الإبلِ المُعَقَّلةِ، إنْ عاهَدَ عَلَيها أمْسَكَها، وَإنْ أطْلَقها ذَهَبَتْ". وروينا في كتاب أبي داود، والترمذي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عُرِضَتْ عَليّ ــ الجامع الصغير وخرجه الحافظ من طرق عديدة قوله: (تعاهدُوا هذَا القرآنَ) أي واظبوا على تلاوته وداوموا على تكرار دراسته كيلا ينسى. قوله: (عقُلهَا) بضم العين المهملة والقاف ويجوز إسكان القاف كنظائره وهو جمع عقال ككتاب وكتب والعقال الحبل الذي يعقل به البعير حتى لا يند ولا يشرد شبَّه القرآن في حفظه بدوام تكراره ببعير أحكم عقاله ثم أثبت له التفلت الذي هو من صفات المشبه به أشده وأبلغه تحريضًا على مداومة تعهده وعدم التفريط في شيء من حقوقه ولم لا وهو الكلام القديم المتكفل لقارئه بكل مقام كريم وما هو كذلك حقيق بدوام التعهد وخليق باستمرار التفقد. قوله: (وروَينا في صحيحَه) وكذا رواه كما في الجامع الصغير أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجة وكذا أخرجه ابن حبان وأبو نعيم وعند مسلم في رواية له وابن ماجة بلفظ مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه آناء الليل وآناء النهار كمثل صاحب الإبل أن عقلها حفظها وإن أطلق عنها ذهبت. قوله: (مثلِ صاحب القرآن) مثل بفتحتين أي صفة قال المصنف في شرح مسلم نقلًا عن القاضي عياض معنى صاحبَ القرآن الذي ألفه والمصاحبة المؤالفة ومنه فلان صاحب فلان وأصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الحديث اهـ. قوله: (كمثل صَاحب الابلِ الخ) لا ينافيه تشبيه القرآن فما مر لأنه كما شبه بها فيما مر شبه هنا صاحبه بصاحبها في احتياج كل منهما لتعهد ما عنده حتى لا يفقده فكما أن صاحب الإبل إن لم يحكم عقلها ذهبت ونفرت فلا يقدر على تحصيلها إلَّا بعد مزيد تعب ومشقة فكذا صاحب القرآن إن لم يتعهده بالتكرار آناء الليل وأطراف النهار انفلت منه فلا يقدر على عوده إلّا بعد غاية الكلفة والمشقة ففي الحديث الحث على تعاهد القرآن وتلاوته والحذر من تعريضه للنسيان. قوله: (وَرَوَينَا في كِتَاب أَبِي دَاوُدَ والترمذي الخ) قال الحافظ

стр. 1009

أجُورُ أمتي حتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُها الرَّجُلُ مِن المَسْجدِ، وعُرِضَتْ عَليَّ ذُنوبُ أمتي، فلَمْ أرَ ذَنْبًا أعْظَمَ مِنْ سُورَةِ مِنَ القُرْآنِ أو آيَةٍ أوتِيَهَا رَجُلٌ ثمَّ نَسِيَها" تكلم الترمذي فيه. ــ المنذري في الترغيب رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس ﵁ وقال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه قال وذاكرت به محمد بن إسماعيل يعني البخاري فلم يعرفه واستغربه وقال محمد لا أعرف للمطلب بن عبد الله سماعًا من أحد من أصحاب النبي ﷺ إلّا قوله حدثني من شهد خطبة النبي ﷺ قال سمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول لا نعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ قال عبد الله وأنكر على ابن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس ﵁ وهذا مراد المصنف بقوله الآتي تكلم فيه الترمذي وقال الحافظ رواه حجاج بن محمد وهو أثبت أصحاب ابن جرير عنه فلم يسم المطلب أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام حجاج عن ابن جرير قال حدثت عن أنس فذكر الحديث مثله لكن قال أكثر بدل أعظم وأخرج عن ابن جرير قال حدثت عن سلمان الفارسي قال قال ﷺ من أكبر ذنب توافي به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدكم قرأها فنسيها سنده منقطع أيضًا وأخرج أحمد في كتاب الزهد بسند جيد عن أبي العالية واسمه رفيع بالفاء مصغرًا من كبار التابعين قال كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عه حتى ينساه اهـ. قال المنذري قالوا أبو زرعة المطلب ثقة أرجو أن يكون سمع من عائشة ومع هذا ففي إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي داود وفي توثيقه خلاف اهـ. قوله: (أجورُ أمتي) أي أجور أعمالها. قوله، (حتى القذَاة) أي أجر إخراجها والقذاة ما يقع في العين من نحو تراب وحتى إما جارة بمعنى إلى أي إلى إخراج القذاة وجملة يخرجها من المسجد استئناف بياني أو عاطفة على أجور فالقذاة مبتدأ ويخرجها خبره. قوله: (فلم آرَ ذنْبًا أعظم الخ) أي لم أرَ ذنبًا مترتبًا على نسيان سورة من القرآن وبقولنا

стр. 1010

وروينا في سنن أبي داود، ومسند الدارمي، ــ مترتبًا الخ. اندفع ما قيل إن الذنوب فيها أعظم من هذا بكثير، أخذ أصحابنا من هذا الحديث وحديث أبي داود الآتي أن نيسان أعظم من ذنب نسيان القرآن أو شيء منه ولو حرفًا واحدًا بعد البلوغ بعد حفظه عن ظهر قلب إذا كان بغير عذر من نحو طول مرض أو غيبة عقل كبيرة وقول الطيبي في شرح المشكاة أنه ليس بكثير عجيب مع تصريح أئمتنا بذلك أي بناء على المختار في حدها انها كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث أي اعتناء مرتكبها بالدين ورقة الديانة ثم في التعبير بقوله أوتيها الإشارة إلى أن حفظ الآية نعمة عظيمة أولاها الله إياه ليقوم بها ويشكر موليها فلما نسيها كان إثمه أعظم إثمًا من نسيان ما سواها قيل شطر الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: ١٢٦ - ١٢٦]، وكذلك اليوم تنسى اهـ. قال في فتح الإله وهذا على قول في الآية وأكثر المفسرين على أنها في المشرك قال القرطبي في التذكار وسياق الآية ظاهر في تلاوة القرآن وقيل المراد بالترك في الآية والنسيان في الحديث ترك العمل به وهو تأويل حسن فيه ترجية إلَّا أن ظاهر الآية والحديث التلاوة والله أعلم. فإن قلت ما المناسبة بين شطري الخبر، قلنا هي أن المسجد بيته تعالى والقرآن كلامه سبحانه فكما اقتضى القيام بخدمة بيته المدح للفاعل اقتضى ترك كلامه المؤدي للنسيان إلى المبالغة في ذمه بأنه لا أعظم من ذنبه وقال لما عد إخراج القذاة التي ينوبه بها من الأجور تعظيمًا لبيت الله تعالى عد أيضًا النسيان من أعظم الجرم تعظيمًا لكلامه سبحانه فكأن فاعل ذلك عد الحقير عظيمًا بالنسبة إلى العظيم فأزاله عنه وصاحب هذا عد العظيم حقيرًا فأزاله عن قلبه فانظر إلى هذه الأسرار العجيبة التي احتوتها هذه الكلمات اليسيرة والحمد لله الذي هدانا لهذه الآية اهـ. قوله: (ورَوَينَا في سنن أَبِي داوُدَ) قال المنذري في الترغيب رواه أبو داود عن يزيد بن أبي زياد عن عيسى بن فايد عن سعد قال المنذري ويزيد بن أبي زياد هو الهماشمي مولاهم الكوفي يكنى أبا عبد الله قلت قال الحافظ ابن حجر في التقريب ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعية خرج عنه البخاري في التاريخ ومسلم والأربعة اهـ. قال المنذري ومع هذا فعيسى بن فايد إنما روى عمن سمع سعدًا قاله عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره. قوله: (ورَوينَا في سُنَنِ أبِي دَاوُدَ ومُسندِ الدارمي) قال بعد تخريجه حديث غريب أخرجه

стр. 1011

عن سعد بن عبادة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَرَأ القُرآنَ ثم نَسِيَه ــ أحمد والطبراني وأخرجه أبو داود وأشار الحافظ إلى اضطراب في سنده ووقع في رواية لأحمد ولابنه عبد الله ولأبي بكر بن أبي داود عن عبادة بن الصامت بدل سعد بن عبادة والراجح الأول والله أعلم، وجاء في رواية وهو مجزوم. قوله: (عَنْ سَعْد بنِ عبَادَةَ) هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري سيد الخزرج يكنى أبا ثابت وقيل أبا قيس كان من نقباء العقبة واختلف في شهوده بدرًا روى عنه بنوه قيس وسعيد وإسحاق وابن عباس وآخرون قال ابن عيينة هو عقبي بدري نقيبًا وقال ابن سعد تهيأ للخروج إلى بدر فنهش فأقام قال الحافظ ابن حجر في التقريب وقع في صحيح مسلم أنه شهد بدرأ والمعروف عند أهل المغازي أنه تهيأ للخروج فنهش اهـ، وكان يسمى الكامل لأنه كان يحسن الكتابة والعوم والرمي وكان من الأجواد كانت جفنته تدور مع رسول الله ﷺ في بيت أزواجه وكان يذهب كل ليلة بثمانين من أهل الصفة يعشيهم وكان مناديه ينادي على أطعمة من كان يريد شحمًا أو لحمًا فليأت سعدًا وكان يقول، اللهم هب لي حمدًا وهب لي مجدًا: لا مجدًا إلّا بفعال ولا فعال إلا بمال اللهم أنه لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه. وقيل كان عبادة ينادي على أطعمة بذلك قال ابن عبد البر يقال أنه لم يكن في الأوس والخزرج أربعة يطعمون يتوالون في بيت واحد إلّا قيس بن عبادة بن دليم قال ولا كان مثل ذلك في العرب أيضًا إلا ما ذكرناه عن صفوان بن أمية قال في سعد بن عبادة وسعد بن معاذ جاء الخبر المشهور أن قريشًا سمعوا صائحًا يصيح ليلًا على أبي قبيس: فإن يسلم السعدان يصبح محمد ... بمكة لا يخشى خلاف المخالف قال فطنت قريش أنهما سعد بن زيد مناة وسعد بن هذيم فلما كانت الليلة الثانية سمعوا صوتًا على أبي قبيس. أيا سعد سعد الأوس كن أنت نصرًا ... ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا ... على الله في الفردوس نية عارف

стр. 1012

لَقِيَ اللهَ تعالى يَومَ القِيامَةِ أجْذمَ". ــ فإن ثواب الله للطالب الهدى ... جنان من الفردوس ذات رفارف ووجد سعد ميتًا في مغتسله وقد أحضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقوله ولا يرونه. قد قتلنا سيد الخز ... رج سعد بن عبادة ورميناه بسهميـ ... ـن فلم نخط فؤاده فيقال إن الجن قتلته وقال ابن سيرين أنه بال قائمًا فلما رجع قال لأصحابه اني أجد دبيبًا فمات واختلف في وفاته فقيل مات بحوران سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة وقيل إحدى عشرة وقيل أنه مات ببصرى وهي أول مدينة فتحت بالشام ﵁ قال الحافظ في التقريب روى عنه الأربعة. قوله: (لَقِيَ الله تَعالى يوم القيامةِ أَجْذَمَ) الجذام في الحديث على ظاهره ووجه مناسبة العقوبة أن القرآن نور أي نور ترتاح به النفس وتقر به العين باطنًا وظاهرًا سيماهم في وجوههم فعوقب من فوته بالترك والإهمال بضده من سواد الوجه وغيره وشناعة الخلقة إذ الجذام داء يحمر منه العضو ثم يسود ويتقطع ويتناثر اللحم وذلك يوجب هجر الناس له ونفرتهم ما أمكن استقذارًا له وخوفًا من شره قال ﷺ فر من المجزوم فرارك من الأسد، فالجذام في الحديث على ظاهره وقيل معناه مقطوع اليد من الجذم القطع واحتج له أبو عبيد كما في الغريبين بقول علي ﵁ من نكث بيعته لقي الله وهو أجذم ليس له يداه ورد بأن الاجذم معنى حقيقي متعارف في الشرع هو ما قدمته ولا يجوز حمله على غيره إلَّا بدليل لما هو مقرر من تعين حمل كلام صاحب الشرع على المعنى الشرعي فإن منع منه مانع شرعي فعلى اللغوي فالعرفي وهذا له معنى شرعي لم يمنع منه مانع فوجب الحمل عليه والفرق بين ما هنا وقول علي ﵁ المذكور واضح فلا يتم احتجاج أبي عبيد إذ البيعة إنما تعقد باليد كما كانوا يفعلون فبين علي كرم الله وجهه أن نكث ما باليد عقوبته قطع اليد لأنه من جنسه وكذلك هنا لأن النسيان الذي هو سبب العقوبة أمر قائم بالقلب وهو رئيس البدن الذي به صلاحه وفساده فسرى فساده إلى جميع البدن فابتلي بالجذام في سائر بدنه لتتم محاكاة العقوبة لما به الذنب وقد صرح بما ذكرناه ابن قتيبة حيث قال الأجذم هنا من ذهبت أعضاؤه كلها وليست يد الناسي أولى بالعقوبة من سائر

стр. 1013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أعضائه يقال رجل جذم إذا تهافتت أعضاؤه من الجذام اهـ، وقيل معناه أنه أجذم الحجة لا لسان له يتكلم به فلا حجة في اليد واليد يراد بها الحجة ألا ترى أن الصحيح اليد يقول لصاحبه قطعت يدي أي أبطلت حجتي ويرد بأنه بعيد فلا يصرف اللفظ عن ظاهره إليه من غير حاجة لما علمت من صحة إجراء اللفظ على ظاهره بل تعينه وقال الخطابي معناه ما ذكر ابن الأعرابي أي خالي اليد عن الخير وكنى باليد عما تحويه اليد اهـ، ورد بأنه مجاز لا حاجة إليه بوجه إذ لا أبلغية فيه بل حمله على الظاهر المتعين في مثله من كل ما صح فيه إجراء النص على ظاهره أبلغ وعبر بعضهم بقوله معناه منقطع السبب ألا ترى لحديث القرآن سبب بيد الله وسبب بأيديكم فإذا ترك القرآن انقطع ذلك السبب قال أبو عبيد يقال أن وجه هذا الحديث إنما هو على التارك لتلاوة القرآن الجافي عنه ومما يبين ذلك قوله استدركوا القرآن وقوله تعهدوا القرآن فليس يقال هذا إلَّا للتارك قال الضحاك بن مزاحم ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه ثم قال يقول الله تعالى وما أصابكم من مصيبة الآية ونسيان القرآن من أعظم المصائب قال أبو عبيد فالحديث إنما هو على الترك أما من دأب على تلاوته وهو حريص على حفظه إلَّا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء وقد كان ﷺ ينسى الشيء من القرآن حتى يذكره ومنه حديث عائشة أنه سمع رجلًا يقرأ في المسجد فقال رحم الله فلانًا لقد أذكرني آيات اهـ. تنبيه قال الجلال البلقيني والزركشي وغيرهما محل كون نسيانه كبيرة عند من قال به إذا كان عن تكاسل وتهاون اهـ، وكأنه احتراز عما إذا اشتغل عنه بنحو إغماء أو مرض مانع من القراءة وغيرهما من كل ما يتأتى معه القرآن وعدم التأثم حينئذٍ واضح لأنه مغلوب عليه ولا اختيار له فيه بوجه بخلاف ما إذا اشتغل عنه بما يمكنه القراءة معه وإن كان ما اشتغل به أهم كتعلم العلم العيني لأنه ليس من شأن تعلمه الاشتغال عن القرآن المحفوظ حتى ينسى ويؤخذ من قولهم أن نسيان آية منه كبيرة أيضًا أنه يجب على من يحفظه بصفة من إتقان أو توسط ونحوهما كان يتوقف فيه أو يكثر غلطه فيه أن يستمر على تلك الصفة التي حفظه عليها ولا يحرم عليه إلَّا نقصها من حافظته أما زيادتها على ما كان في حافظته فهو وإن كان أمرا مؤكدا ينبغي الاعتناء به لمزيد

стр. 1014

فصل: في مسائل وآداب ينبغي للقارئ الاعتناء بها وهي كثيرة جدًّا، نذكر منها أطرافا محذوفة الأدلة لشهرتها، وخوف الإطالة المملَّة بسببها. فأول ما يؤمر به: الإخلاص في قراءته، وأن يريد بها وجه الله ، وأن لا يقصد بها توصلا إلى شيء سوى ذلك، وأن يتأدب مع القرآن ويستحضر في ذهنه أنه يناجي الله ، ويتلو كتابه، فيقرأ على حال من يرى الله، فإنه إن لم يره فإن الله تعالى يراه. فصل: وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظف فمه بالسواك وغيره، ــ فضله إلَّا أن عدمه لا يوجب إثمًا قال القرطبي لا يقال حفظ جميع القرآن ليس واجبا على الأعيان فكيف يذم من تغافل عن حفظه لأنا نقول من جمعه فقد علت رتبته وشرف في نفسه وقومه وكيف لا ومن حفظه فقد درجت النبوة بين جنبيه وصار فيه ممن يقال هو من أهل الله وخاصته فإذا كان ذلك فمن المناسب تغليظ العقوبة على من أخل بمرتبته الدينية ومؤاخذته بما لا يؤاخذ به غيره وترك معاهدة القرآن تؤدي إلى الجهالة اهـ. فصل قوله: (فأَوَّلُ مَا يؤمَر بهِ الإخلاصُ) أي لأنه لب العبادة وبه قوامها وهو لها بمنزله الروح للشبح. قوله: (وجه الله تعالى) أي ذاته قوله: (وأَلَّا يَقْصِد بهَا توصلا إلى شيء من الأغراض الفانية) كالشهرة وعلو الجاه وإقبال الخلق ونحو ذلك مما ترتب على الرياء والسمعة أما إذا اقصد به الثواب الموعود به على لسان الشارع فلا يخل ذلك بإخلاصه كما تقدم تحقيقه أول الكتاب وإن كان الأكمل في المقام إفراد الحق بالقصد بأن لا يقصد بعبادته سوى ذاته سبحانه قال بعض العارفين سبحانك ما عبدناك طمعا في جنتك ولا رهبة من نارك. قوله: (وأَن يَتَأَدب مَعَ القُرْآنِ) أي لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. قوله: (ويَسْتحضرَ في ذهْنِه أَنهُ يُنَاجي الله تَعَالى الخ) أشار به إلى أن مقام الإحسان مقام المشاهدة ومقام المراقبة. فصل قوله: (ينْبغي إِذَا أَرَادَ القراءَة الخ) في الترغيب للمنذري روي

стр. 1015

والاختيار في السواك أن يكون بعود الأراك، ويجوز بغيره من العيدان، وبالسُّعْد، والأشنان، والخرقة الخشنة، وغير ذلك مما ينظف. وفي حصوله ــ عن علي ﵁ أنه أمر بالسواك وقال قال رسول الله ﷺ أن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيستمع لقراءته فيدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء من القرآن إلَّا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن رواه البزار بإسناد جيد لا بأس به وروى ابن ماجة بعضه موقوفًا ولعله أشبه اهـ. قوله: (والاختيارُ في السواكِ أَن يكونَ بعُودِ الاراكِ) أي للاتباع سواء كان طيبًا أو لا كما اقتضاه كلام الشيخين وصرح به غيرهما مع ما فيه من طيب طعم وريح وشعيرة لطيفة تنقي ما بين الأسنان وأغصانه أولى من عروقه وزعم أنها تورث بخرًا يرده صريح كلامهم. قوله: (ويجوزُ منَ العيِدانِ) وأولاه بعد الأراك النخل لأنه آخر سواك استاك به ﷺ وصح أنه كان أراكا لكن الأول أصح أو كل راوٍ قال بحسب علمه أو وقع كلا الأمرين في ذلك الزمن، ثم الزيتون لخبر الطبراني نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة تطيب الفهم وتذهب بالحفر أي وهو داء في الأسنان وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي، واليابس المندى بماء الورد أي من جنسه ويحتمل مطلقًا وذلك لأن في الماء من الجلاء والإزالة ما ليس في غيره، ويظهر أن اليابس المندى بغير الماء أولى من الرطب لأنه أبلغ في الإزالة، ولو كان الرطب أو ما بعده من أراك والمندى بالماء من غيره أراك فالأراك أفضل فيما يظهر، قال في الإتقان ويقاس به النخل والزيتون ويكره السواك بما يضر كمبرد وعود يؤذي ويحرم بذي سم ومع ذلك يحصل به أصل السنة لأن الكراهة أو الحرمة لأمر خارج. قوله: (وبالسعد) بضم السين وسكون العين والدال المهملات. قوله: (والأُشنانِ) قال في البيان هو بضم الهمزة وكسرها لغتان ذكرهما أبو عبيدة وابن الجواليقي وهو بالعربية المحضة حرض وهمزة اشنان أصلية اهـ. قيل وضم الهمزة أفصح وفي شرح الإيضاح الأشنان هو الغاسول قال في المجموع والسعد والأشنان وإن لم يسم سواكًا هو في معناه وليس

стр. 1016

بالأصبع الخشنة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي. أشهرها عندهم: لا يحصل، والثاني: يحصل، والثالث: يحصل إن لم يجد غيرها، ولا يحصل إن وجد. ويستاك عرضًا مبتدئًا بالجانب الأيمن من فمه، ــ منه المضمضة بنحو ماء الغسول القلاع وإن أزال القلح لأنه لا يسمى سواكا. قوله: (بالإِصبَعِ) الأصبع معروفة تذكر وتؤنث وفيها عشر لغات تثليث همزتها مع تثليث الموحدة والعاشرة أصبوع بضم الهمزة والموحدة بعد الباء واو كذا في المطلع للبعلي وظاهر كلام القلقشندي أنه يقال ذلك أيضًا في أنملة اليد بالميم فلا يقال انمولة والأنامل كما سبق رؤوس الأصابع كذا قال الجوهري وقال ابن عباد الأنملة المفصل الذي فيه الظفر وقال ابن سيده طرف الأصابع وقد جمع الإمام ابن مالك لغات الأصابع في قوله: تثليث أصبع مع شكل همزته. من قيد مع الأصبوع قد كملا. قوله: (بالإصبَعِ الخَشِنَةِ) أي أصبع المستاك نفسه المتصلة به فالخلاف فيه أما أصبع غيره الخشنة فيجزئ الاستياك بها ولو متصلة وكذا يجزئ باصبعه الخشنة المنفصلة وإن قلنا يجب دفنها فورا وبحث الإسنوي في اجزائها وإن قلنا بنجاستها ككل خشن نجس ويلزمه غسل الفم فورا لعصيانه، واعترض بأن قياس عدم الاستنجاء بالمحترم والنجس عدمه هنا، واجيب بأن ذاك رخصة وهي لا تناط بمعصية بخلاف السواك إذ هو عزيمة القصد منه مجرد النظافة فلا يؤثر فيه ذلك، ولا ينافيه خلافًا لبعضهم خبر السواك مطهرة للفم لأن معناه أنه آلة تنقيه وتزيل تغيره فهو طهارة لغوية لا شرعية كما هو واضح. قوله: (أَشهرُهَا عِنْدَهُمْ لَا يحصُلُ الخ) قالوا لأنها تسمى سواكا ولما كان فيه ما فيه اختار المصنف وغيره حصوله بها. قوله: (والثالث يحصل الخ) استدل له بحديث ورد كذلك. قوله: (ويسْتَاكُ عَرْضًا) أي في عرض الأسنان ظاهرها وباطنها لا طولًا بل يكره لخبر مرسل فيه وخشية إدماء اللثة وإفساد عمود الأسنان ومع ذلك يحصل به أصل السنة نعم اللسان يستاك فيه طولا لخبر فيه في أبي داود. قوله: (مُبتَدِئا بالجَانِب الايمَن) وكيفية ذلك أن يبدأ بجانب فمه اليمن ويذهب إلى الوسط ثم بالأيسر كذلك ويذهب إليه كما نقلوه

стр. 1017

وينوي به الإتيان بالسنة. قال بعض أصحابنا: يقول عند السواك: "اللهم بارك لي فيه يا أرحم الراحمين"، ويستاك في ظاهر الأسنان وباطنها، ويُمِرُّ السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه، وسقف حلقه إمرارا لطيفًا، ويستاك بعود متوسط، لا شديد اليبوسة، ولا شديد اللين، فإن اشتد يُبْسُهُ لَيَّنَهُ بالماء. أما إذا كان فمه نجسا بدم أو غيره، فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله، وهل يحرم؟ فيه وجهان. أصحهما: لا يحرم، وسبقت المسألة أول الكتاب، وفي هذا الفصل بقايا تقدم ذكرها في الفصول التي قدمتها في أول الكتاب. ــ عن ابن الصباغ وأقروه كذلك في الإمداد. قوله: (ويَنوى بهِ السنةِ) أي كالنسل للجماع قال في التحفة وينبغي أن ينوي بالسواك السنة كالنسل للجماع ويؤخذ منه أن ينبغي بمعنى أن يتحتم حتى لو فعل ما لم يشمله نية ما يسن فيه بلا نية لم يثب عليه اهـ. قوله: (قَال أَصحَابنا يقولُ) قال في المجموع قال الروياني قال بعض أصحابنا يستحب أن يقول عند ابتداء السواك اللهم بيض به أسناني وشد به لثاني وثبت به لهاتي وبارك لي فيه يا أرحم الراحمين وهذا الذي يقوله وإن لم يكن له أصل فلا بأس فإنه دعاء حسن اهـ. قوله: (وكراسيّ أضراسه) يجوز فيه تشديد الياء وتخفيفها وكذا كل ما كان من هذا واحده مشددا جاز في جمعه التشديد والتخفيف كذا في البيان والتهذيب ذكرهما ابن السكيت. قوله: (لَا شَديدِ اليبوسة) أي حذرًا من أن يجرح عمود أسنانه. قوله: (ولا شديدِ الليونَةِ) أي فإنه غير قالع للقلح ونحوه. قوله: (أَمَا إِذَا كَانَ فَمُه متنجسا الخ) ينبغي أن محل كراهة ذلك ما لم تعم به بلوى اللسان وإلَّا فلو بلي إنسان بجريان الدم من لثته فينبغي عدم الكراهة وقد صرحوا بنظيره في الصلاة. قوله: (أَصحُّهما لَا يحرمُ) قال في شرح العباب وفارق كتابته بالنجس حيث يفحش ذاك دون هذا وهل يكره له الذكر مع نجاسة فمه قال في الإتقان عدم الكراهة والفرق بينه وبين القرآن واضح.

стр. 1018

فصل: ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع، والتدبر، والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر. وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم الآية الواحدة ليلة كاملة أو معظم ليلة يتدبرها عند القراءة. وصعق جماعة منهم، ومات جماعات منهم. ويستحب البكاء والتباكي لمن لا يقدر على البكاء، ــ فصل قوله: (الخشوع) هو التذلل ورمي البصر إلى الأرض وخفض الصوت وسكون الأعضاء وقيل هو حضور القلب وسكون الجوارح وفي التهذيب قال الأزهري التخشع لله الاخبات والتذلل وقال الليث خشع الرجل خشوعًا إذا رمى بصره إلى الأرض والخشوع قريب من الخضوع في البدن والخشوع في القلب والصوت والبصر هذا كلام الأزهري قال مجاهد هو السكوت وحسن الهيئة انتهى ملخصًا. قوله: (والتدبر) أي التفهم والتعقل لمعنى ما يقرؤه حسب الطاقة وإلا فالإحاطة بمعاني القرآن على ما هي عليه ليست إلا لله سبحانه. قوله: (والخضوع) أي سكون القلب والتذلل به للرب. قوله: (وقد باتَ جماعة منَ السلف الخ) قال الحافظ جاء ذلك عن تميم الداري أنه يتلو به ويركع ويسجد ويتلو به أم حسب الذين اجترحوا السيئات الآية قال الحافظ بعد تخريجه من طريقين موقوف لولا الرجل المبهم في سنده لكان على شرط الصحيحين أخرجه محمد بن نصر في كتاب قيام الليل وابن أبي داود وجاء عن ابن مسعود رب زدني علمًا موقوف في سنده راويان مبهمان وأخرجه ابن أبي داود من وجه آخر عن علقمة قال صليت إلى جنب عبد الله فافتتح يقرأ سورة طه فلما بلغ (رَبِّ زِدني عِلمًا) [طه: ١١٤] قال رب زدني علمًا رب زدني علمًا وجاء عن أسماء بنت أبي بكر عن عروة بن الزبير قال دخلت على أسماء وهي تصلي تقرأ هذه الآية فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم فلما طال علي ذهب إلى السوق ثم رجعت وهي مكانها تكرر وهي في الصلاة، موقوف، وصعق هو بكسر العين المهملة وفي التهذيب قال الأزهري الصاعقة والصعقة الصيحة يغشى منها على من يسمعها أو يموت وقال صاحب المحكم صعق الإنسان صعقًا وصعقًا فهو صعق غشي عليه وذهب عقله من صوت يسمعه كالهدة الشديدة ومثله إذا مات أهـ. قوله: (ويستحب البكاءُ والتباكي) قال في التبيان جاءت فيه أحاديث

стр. 1019

فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] ــ وأخبار وآثار للسلف كثيرة عن رسول الله ﷺ اقرأوا والقرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا قال الغزالي البكاء مستحب مع القراءة وعندها قال وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من الشديد والوعيد الشديد والوثائق والعهود ثم يتأمل تقصيره في ذلك فإن لم يحضر حزن وبكاء كما يحضر الخواص فليبك علي فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب اهـ. ملخصًا. قوله: (فإن البكاءَ عِنْدَ القِرَاءَةِ صِفَةُ العارِفينَ الخ) روى البخاري عن عبد الله يعني ابن مسعود قال قال لي رسول الله ﷺ اقرأ عليّ قلت اقرأ عليك وعليك أنزل قال إني أحب أن أسمعه من غيري فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال حسبك أو قال أمسك فإذا عيناه تذرفان وكذا أخرجه مسلم وغيره قال العلماء بكاؤه ﷺ إنما كان لعظيم ما تضمنته الآية من هول المطلع وشدة الأمر إذ يؤتى بالأنبياء شهداء على أممهم بالتصديق والتكذيب وبه ﷺ شهيدًا قال في التذكار قال القاضي ابن العربي المالكي قد رأيت من يعيب البكاء ويقول أنه صفة الضعفاء والنبي ﷺ قد مدحه فقال عينان لم تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين سهرت في سبيل الله وكان الصديق أسيفا إذا قرأ بكى شوقًا وخوفًا وكان ابن عمر يكثر من البكاء حتى رمصت عيناه قال في التذكار وقد مدح الله تعالى البكائين في كتابه فقال مخبرًا عن الأنبياء ومن يضاف إليهم خروا سجدا وبكيا وآيات أخر قال فكيف يقال أنه من صفة الضعفاء وفي التنزيل وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع والنبي ﷺ بكى رهبة لذلك اليوم وهؤلاء القوم بكوا شوقا إلى الله تعالى حين سمعوا كلامه وقد مدح الله تعالى قومًا بقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] وذم آخرين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] وهم أقسام منهم الكافرون ومنهم الغافلون ومنهم الذين ورد ذكرهم في الأثر ينثرونه نثر الدقل يتعجلونه ولا يتأجلونه يمرون عليه

стр. 1020

وقد ذكرت آثارا كثيرة وردت في ذلك في "التبيان في آداب حملة القرآن". قال السيد الجليل صاحب الكرامات والمعارف، والمواهب واللطائف، إبراهيم الخواص ﵁: ــ بغير فهم ولا تثبت صم عن سماعه عمي عن رؤية غيره ومنهم من يقيم حروفه في مخارجها ومنهم يقبل على جمع القراءات وليته جمع الصحيح منها أو عرف كيف يجمعها وكل ذلك مذموم وإقبال على ما لا يحتاج إليه وإعراض عما يلزم والله أعلم. قوله: (وقد ذكرتُ آثارًا الخ) قال الحافظ عقد كل من أبي عبيد في كتاب فضائل القرآن ومحمد بن نصر في قيام الليل وابن أبي داود في كتاب الشريعة لذلك بابًا وذكروا فيه أحاديث مرفوعة وغير مرفوعة وقد ورد الأمر بذلك في بعض الأحاديث المرفوعة ثم أخرج عن جرير ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إني قارئ عليكم عشر آيات من آخر سورة الزمر فمن بكي منكم وجبت له الجنة فقرأ عند قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَق قَدرِهِ) [الأنعام: ٩١] فمنا من بكي ومنا من لم يبك فقال الذين لم يبكون قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نبك فقال إني سأقرؤها عليكم فمن لم يبك فليتباك قال الحافظ حديث غريب أخرجه الدارقطني في الأفراد تفرد به ضعيفان وروي بعض هذا المتن من طريق أخرى إلَّا أنه مرسل أخرجه ابن أبي عبيد عن عبد الملك بن عمرو قال قال ﷺ إني قارئ عليكم سورة فمن بكى فله الجنة فقرأها فلم يبكون حتى عاد الثانية فقال ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص للمتن دون القصة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا حديث غريب أخرجه ابن ماجة ومحمد بن نصر وأبو عوانة وابن أبي داود وقد اختلف في اسم صحابي الحديث فالأكثر أنه سعيد بن أبي وقاص وقيل عن سعيد بدل سعد وقيل عن أبي لبابة وقيل عن عائشة والراجح الأول وجاء من حديث بريدة مرفوعًا اقرأوا القرآن بالحزن فإنه نزل بالحزن أخرجه الحافظ وقال أخرجه أبو يعلى في مسنده اهـ.
следующие страницы →